← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 25881

صحيح سنن أبي داود ط غراس

ناصر الدين الألباني

Полный текст (3 494 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومنها: ما عند الطحاوي والبيهقي، والطيالسي (رقم ٢١٥٥) عن طَرِيف بن سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فأتينا على غدير فيه جيفة، فتوضأ بعض القوم، وأمسك بعض القوم، حتى يجيء النّبيّ ﷺ ، فجاء النّبيّ ﷺ في أخريات الناس؛ فقال: "توضَّأوا واشربوا؛ فإن الماء لا ينجسه شيء". قال البيهقي: "طريف: هو أبو سفيان، وليس بالقوي؛ إلا أني أخرجته شاهدًا لما تقدّم". قلت: وهو عند الطحاوي من طريق شريك عنه ... به عن جابر أو أبي سعيد ... على الشك. وهو عند ابن ماجة (١/ ١٨٦ - ١٨٧) عن جابر ... بدون شك. ولأبي سعيد عنده حديث آخر في الباب: رواه البيهقي وضعفه. ومن شواهده: ما أخرجه الطحاوي، والبيهقي من طريق حاتم بن إسماعيل: ثنا محمد بن أبي يحيى عن أمه قالت: دخلت على سهل بن سعد الساعدي في نسوة فقال: لو أني أسقيكم من بضاعة لكرهتم ذلك، وقد -والله- سقيت رسول الله ﷺ بيدي منها. وقال البيهقي: "وهذا إسناد حسن موصول"! وتعقبه ابن التركماتي بقوله: "أم محمد بن أبي يحيى لم نعرف حالها ولا اسمها بعد الكشف التام". قلت: وقد أوردها الذهبي في (فصل النسوة المجهولات)؛ فيمن لم تسم، وذكر أن لها رواية عن أم بلال. وقد سبق أن نقلنا عنه قوله:

стр. 107

"وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها". ورواه الدارقطني (١٢) من هذا الوجه مختصرًا: شرب رسول الله ﷺ من بئر بضاعة. وله طريق أحسن من هذه، فقال ابن حزم (١/ ١٥٥): حدثنا حُمَامٌ قال: ثنا عباس بن أصبغ: ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن: ثنا محمد بن وضاح: ثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سكينة -وهو ثقة-: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم أبو تمام عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي قال: قالوا: يا رسول الله! إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وفيها ما ينجي الناس والمحايضُ والجِيَفُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء". احتج به ابن حزم. وأورده الحافظ في "التلخيص" (١/ ٩٠) فقال عقب الطريق الأولى: "قال ابن القطان: وله طريق أحسن من هذه؛ قال قاسم بن أصبغ في "مصنفه": ثنا محمد بن وضاح ... به. وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن في "مستخرجه على سنن أبي داود": حدثنا محمد بن وضاح ... به. قال ابن وضاح: لقيت ابن أبي سكينة بحلب ... فذكره. وقال قاسم بن أصبغ: هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة. وقال ابن حزم: عبد الصمد ثقة مشهور. قال القاسم: ويروى عن سهل بن سعد في بئر بضاعة من طرق هذا خيرها. قلت: ابن أبي سكينة الذي زعم ابن حزم أنه مشهور؛ قال ابن عبد البر وغير واحد: إنه مجهول، ولم تجد له راويًا إلا محمد بن وضاح"! وتعقبه بعض الأفاضل من المعاصرين بأنه قد عرفه قاسم بن أصبغ وابن حزم،

стр. 108

ومن عرف حجة على من لم يعرف، وبأن الدارقطني أخرجه في "سننه" (١١) من طريق أخرى عن فضيل بن سليمان النميري عن أبي حازم ... به مختصرًا بلفظ: "الماء لا ينجسه شيء". قال: "فدلت هذه الأسانيد على أن للحديث عن سهل أصلًا صحيحًا". قلت: وحديث سهل هذا؛ عزاه الحافط (١/ ١٠٠) للدارقطني أيضًا، وسكت عليه، مع أن الراوي عن الفضيل: هو علي بن أحمد الجرجاني؛ تركه الحاكم، كما قال الذهبي، وأقره الحافط. ثمّ ذكر له شاهدًا آخر من حديث عائشة بلفظ: "إن االماء لا ينجسه شيء". رواه الطبراني في "الأوسط"، وأبو يعلى والبزار، وأبو علي بن السكن في "صحيحه" من حديث شريك. وقال الهيثمي (١/ ٢١٤): "ورجاله ثقات"! قلت: وقد صح عن عائشة موقوفًا، كما سنذكره في الباب الآتي. (تنبيه): جاء في بعض طرق الحديث زيادة في آخره: "إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه"! وهي زيادة ضعيفة لا تصح باتفاق المحدثين، كما قال النووي؛ وإن كان الإجماع على العمل بها. ووهم ابن الرَّقعْة حيث عزا هذا الاستثناء إلى المصنف؛ فقال: "ورواية أبي داود: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء؛ إلا ما غير طعمه

стр. 109

أو ريحه" ... "! قال الحافظ (١/ ١٠٤): "ووهم في ذلك؛ فليس هذا في "سنن أبي داود" أصلًا! ". ٦٠ - عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثمّ العدوي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقال له: إنه يُستقى لك من بئر بُضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعَذِر الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء طهور لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ". (قلت: حديث صحيح). قال أبو داود: "سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قَيمَ بئر بُضاعة عن عمقها؟ قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة". قال أبو داود: "وقدّرت أنا بئر بُضَاعة بردائي؛ مددته عليها ثمّ ذرعته؛ فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غُيّر بناؤها عمّا كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماءً متغير اللون" (١). إسناده: أخرجه من طريقين عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سَلِيط بن أيوب عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري.

стр. 110

قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات إلى سليط، وأما هذا؛ فلم يوثقه إلا ابن حبان؛ ولم يرو عنه غير اين إسحاق؛ إلا خالد بن أبي نوف وقد اختلفا عليه في هذا الحديث: فابن إسحاق قال: عنه عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن أبي سعيد. وخالد قال: عنه عن ابن أبي سعيد عن أبي سعيد. وقد سبقت هذه الرواية في الذي قبله مع بيان حال عبيد الله هذا، مع الإشارة إلى الاختلاف في اسمه. وفي هاتين الروايتين عند المصنف نوعان من ذلك: ففي الأولى: أنه عبيد الله بن عبد الله بن رافع. وفي هذه: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وإليها أشار المؤلف بقوله عقب الرواية السابقة: "قال أبو داود: وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع"؛ يعني: في اسم أبي عبيد الله ... ثم ساق هذه الرواية بيانًا لذلك. والحديث أخرجه البيهقي من طريق المؤلف. وأخرجه الطحاوي والدارقطني، وأحمد (٣/ ٨٦) من طرق عن ابن إسحاق ... به، وصرح ابن إسحاق بسماعه من سليط: عند الدارقطني. ودلسه مرة؛ فرواه حماد بن سلمة عن ابن إسحاق عن عبيد الله بن عبد الرحمن ..... به.

стр. 111

أخرجه الطحاوي، والطيالسي (رقم ٢١٩٩). ومرة أخرى قال: حدثني عبد الله بن أبي سلمة أن عبيد الله بن عبد الله بن رافع حدثه ... به. أخرجه الدارقطني (١٢)، وعلقه البيهقي. وقد تابعه على ذلك الوليد بن كثير؛ إلا أنه خالفه في اسم تابعيه فقال: ثني عبد الله بن أبي سلمة أن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع حدثه ... به. أخرجه أحمد (٣/ ٨٦). وعبد الله بن أبي سلمة هذا: هو الماجشون؛ وهو ثقة. ولكن مدار الحديث على عبيد الله هذا؛ وهو مجهول، كما سبق؛ وهذا الاختلاف في اسمه يشعر بذلك. لكن الحديث صحيح لطرقه وشواهده، وقد ذكرنا شيئًا منها فيما سلف؛ فراجعها إن شئت. (تنبيه): الوليد بن كثير هذا؛ له شيخ آخر في هذا الحديث، قال في الاسم المختلف فيه: عبيد الله بن عبد الله بن رافع، راجع إسناد الحديث السابق؛ فقد اتفقت رواية شيخيه على أنه عبيد الله، واختلفا في اسم أبيه كما ترى، والله تعالى أعلم. ٣٥ - باب الماء لا يُجْنِبُ ٦١ - عن ابن عباس قال: اغتسل بعضُ أزواج النّبيّ ﷺ في جَفْنَةٍ، فجاء النبي ﷺ لِيتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله! إني كنت جنبًا؟ فقال رسول الله ﷺ :

стр. 112

"إن الماء لا يُجْنِبُ". (قلت: إسناده صحيح، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم ووافقه الذهبي والنووي وابن حجر). إسناده: حدثنا مسدد: ثنا أبو الأحوص: ثنا سِمَاك عن عكرمة عن ابن عباس. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح"؛ وأبو الأحوص: هو سلام بن سُليم الحنفي الكوفي. إلا أن سماكًا -وهو ابن حرب- وإن كان من رجال مسلم؛ فقد تُكُلِّم فيه من قبل حفظه؛ لا سيما في روايته عن عكرمة: فقالوا: إنه يضطرب فيها. والذي يتلخص عندي فيه من مجموع كلامهم: أنه حسن الحديث في غير هذا الإسناد، صحيح الحديث برواية سفيان وشعبة عنه مطلقًا. وقد أطال في ترجمته في "الميزان" وقال هو: إنه "صدوق صالح من أوعية العلم". ثمّ نقل عن العجلي أنه قال فيه: "جائز الحديث؛ كان الثوري يضعفه قليلًا". وقال ابن المديني: "روايته عن عكرمة مضطربة، فسفيان وشعبة يجعلونها عن عكرمة، وأبو الأحوص وإسرائيل يجعلونها عن عكرمة عن ابن عباس". وفي "التهذيب": "قال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح وليس من المتثبتين. ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم". قلت: فإذا اتفق أبو الأحوص وسفيان في إسناد الحديث عنه عن عكرمة عن

стр. 113

ابن عباس؛ كان دليلًا على صحته، وهذا الحديث من هذا القبيل؛ فإنه رواه سفيان أيضًا كما يأتي، وتابعه شعبة أيضًا. والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ١٨٩) من طريق المؤلف. ثمّ أخرجه (٢/ ٢٦٧)، والترمذي -وقال: "حسن صحيح"-، وابن ماجة من طرق عن أبي الأحوص ... به. ثم أخرجه أيضًا (٢/ ١٨٨ و ٢٦٧)، وكذا النسائي (١/ ٦٢)، وابن الجارود في "المنتقى" (٢٧/ ٤٨)، والحاكم (١/ ١٥٩)، وأحمد (١/ ٢٣٥ و ٢٨٤ و ٣٠٨) من طريق سفيان عن سماك ... به؛ إلا أنه قال: "لا ينجس". وكذلك رواه ابن حبان في "صحيحه" -كما في "نصب الراية" (١/ ٩٥) -. وتابعه شعبة أيضًا عن سماك: عند الحاكم، والبزار (١/ ١٣٢ / ٢٩٠). وشريك: عند الدارقطني (١٩)، وأحمد (٦/ ٣٠٠)، ووهم فيه شريك فقال: عن ابن عباس عن ميمونة زوج النّبي ﷺ قالت: أجنبت ... الحديث؛ فجعله من مسندها! وإنما هو من مسند ابن عباس، كما رواه الجماعة. ثمّ قال الحاكم: "قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة، واحتج مسلم بأحاديث سماك بن حرب، وهذا حديث صحيح في الطهارة، ولا يحفظ له علة"! ووافقه الذهبي! وقال الحافط في "الفتح" (١/ ٢٤٠): "وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم". ولذلك قال الحافط في مكان آخر (١/ ٢٧٣):

стр. 114

"وهو حديث صحيح؛ رواه الأربعة وابن خزيمة وغيرهم". قلت: ومنهم الطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ١٥) -عن سفيان-، والدارمي (١/ ١٨٧) -عنه وعن يزيد بن عطاء-. وله شاهد موقوف: أخرجه أحمد (٦/ ١٧٢)، والبيهقي (٢/ ١٨٧) عن شعبة عن يزيد الرِّشك عن معاذة قالت: سألت عائشة عن الغسل من الجنابة؟ فقالت: إن الماء لا ينجسه شيء، قد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، يبدأ فيغسل يديه. وإسناده صحيح على شرط الشيخين. والحديث صححه النووي أيضًا (٢/ ١٩٠). ورواه الطبراني في "الأوسط" (٢٠٩٣) من طريق آخر عن عائشة ... مرفوعًا، وفيه شريك؛ وهو القاضي. ٣٦ - باب البول في الماء الراكد ٦٢ - عن محمد [هو ابن سيرين] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يبولَنّ أحدُكم في الماءِ الدائم، ثمّ يغتسلُ منه". (قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه، وكذا أبو عوانة في "صحاحهم" من طرق كثيرة عنه. وصححه الترمذي، وابن حبان (١٢٥١)). إسناده: حدثنا أحمد بن يونس: ثنا زائدة في حديث هشام عن محمد. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه كما يأتي.

стр. 115

والحديث أخرجه الدارمي (١/ ١٨٧): أخبرنا أحمد بن عبد الله: ثنا زائدة عن هشام ... به. وأخرجه مسلم والطحاوي، وأحمد (٢/ ٣٦٢) من طرق عن هشام ... به. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٧٦)، والنسائي (١/ ٢٠)، وأحمد أيضًا (٢/ ٢٦٥ و ٤٩٢ و ٥٢٩) من طرق أخرى عن محمد بن سيرين ... به. وله طرق أخرى كثيرة عن أبي هريرة: فأخرجه البخاري، والطحاوي -عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج- ومسلم وأبو عوانة والترمذي -وصححه- وأحمد (٢/ ٣١٦) -عن همام بن منبه-، ومسلم أيضًا وأبو عوانة، وابن ماجة (٦٠٥)، والطحاوي -عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة-، والنسائي (١/ ٤٦)، والطحاوي، وأحمد (٢/ ٣٩٤ و ٤٦٤) -عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه- كلهم عن أبي هريرة ... به. وله عند الطحاوي، وأحمد (٢/ ٢٥٩ - ٢٨٨ - ٣٤٦ - ٥٣٢) طرق أخرى غير هذه عن أبي هريرة. ولفط همام عند الترمذي: "ثمّ يتوضأ منه" مكان: "ثمّ يغتسل منه". وهو لفظ حديث ابن سيرين: عند أبي عوانة، وكذا النسائي وأحمد في رواية. ٦٣ - عن محمد بن عَجْلان قال: سمعت أبي يحدّث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يولَنّ أحدُكم في الماء الدائمِ، ولا يغتسل فيه من الجنابة".

стр. 116

(قلت: إسناده حسن صحيح، وصححه ابن حبان (١٢٥٤)). إسناده: حدثنا مسدد: ثنا يحيى عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبي يحدث. وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح"؛ إلا أن مسلمًا روى لابن عجلان متابعة. والحديث أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٣): ثنا يحيى ... به. وقد تابعه أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان ... به دون الجملة الأخرى: أخرجه ابن ماجة (١/ ١٤٣). وخالفهما حيوة بن شُرَيْحٍ فقال: سمعت ابن عجلان يحدث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أخرجه الطحاوي من طريق أبي زرعة وهب الله بن راشد عنه. وأبو زرعة هذا؛ فيه ضعف، فلا يحتج به. لكن رواه البيهقي (١/ ٢٣٨) من طريق أخرى عن ابن عجلان ... به. فالظاهر أن لابن عجلان فيه شيخين. وللحديث عن أبي هريرة طرق كثيرة بالشطر الأول فقط؛ وقد سبق ذكر أكثرها. أما الشطر الآخر؛ فقد رواه أبو السائب -مولى هشام بن زهرة- عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"؛ فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ !

стр. 117

قال: يتناوله تناولًا: أخرجه مسلم وغيره ممن قرن فيه فيما سبق. وأخرجه ابن ماجة (١/ ٢١٠)، والدارقطني أيضًا (١٩)، وقال: "إسناد صحيح". فهذا شاهد قوي لحديث ابن عجلان. وقد رواه بنحوه إدريس بن يحيى قال: ثنا عبد الله بن عياش عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا: أخرجه الطحاوي. وإدريس هذا: هو الخولاني؛ قال أبو زرعة: "صالح، من أفاضل المسلمين؛ صدوق". رواه عنه إبراهيم بن منقذ العُصْفُريُّ؛ قال ابن يونس: "ثقة"؛ كما في "كشف الأستار" للسِّندهي. فالإسناد صحيح. ٣٧ - باب الوضوء بسؤر الكلب ٦٤ - في حديث هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب: أن يُغسل سبع مرات، أولاهن بتراب". قال أبو داود: "وكذلك قال أيوب وحبيب بن الشهيد عن محمد".

стр. 118

(قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"). إسناده: حدثنا أحمد بن يونس: ثنا زائدة في حديث هشام. وهذا إسناد صحيح على شرطهما. وقد أخرجاه كما يأتي. والحديث أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٠٧) من طريق معاوية بن عمرو قال: ثنا زائدة عن هشام بن حسان ... به. ثمّ أخرجه هو ومسلم، وأحمد (٢/ ٢٦٥ و ٤٢٧ و ٥٠٨) من طرق عن هشام ... به، وليس عند أحمد -في رواية- قوله: "أولاهنّ بالتراب". والرواية الأخرى له؛ أخرجها البيهقي عنه (١/ ٢٤١). وأما رواية أيوب التي أشار إليها المؤلف؛ فأخرجها أبو عوانة والطحاوي والبيهقي وأحمد (٢/ ٢٨٩) من طرق عنه ... به. وتابعه الأوزاعي: عند البيهقي والدارقطني؛ وقال: "الأوزاعي دخل على ابن سيرين في مرضه، ولم يسمع منه". وأما رواية ابن الشهيد؛ فلم أقف عليها الآن. ٦٥ - عن المعتمر بن سليمان وحماد بن زيد جميعًا عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة ... بمعناه، لم يرفعاه، زاد: وإذا ولغ الهِرّ غُسل مرة. (قلت: إسناده صحيح على شرطهما؛ وهو موقوف. وقد وردد مرفوعًا بإسناد على شرطهما أيضًا. وصححه الترمذي والدارقطني والحاكم والذهبي وكذا الطحاوي).

стр. 119

إسناده: حدثنا مسدد: ثنا المعتمر -يعني: ابن سليمان-. (ح) وحدثنا محمد بن عبيد: ثنا حماد بن زيد جميعًا. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، وهو موقوف؛ لكن صح رفعه عن أيوب من طرق، كما ذكرنا آنفًا؛ فهو أولى. بل صح رفعه عن المعتمر بن سليمان نفسه؛ فقال الترمذي (١/ ١٥١): حدثنا سَوَّار بن عبد الله العنبري: حدثنا المعتمر بن سليمان ... به مرفوعًا؛ وفيه الزيادة، وقال: "حديث حسن صحيح". وسوار هذا ثقة، غلظ من تكلم فيه، كما في "التقريب". وقد تابعه المُقَدَّمي -وهو محمد بن أبي بكر الثقفي البصري-: أخرجه الطحاوي. وقد تابعه على هذه الزيادة مرفوعًا: قرة بن خالد قال: ثنا محمد بن سيرين ... به؛ إلا أنه قال: "والهرة مرة أو مرتين". أخرجه الحاكم (١/ ١٦٠ - ١٦١) -وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي-، والدارقطني (٢٤)، وقال: "قرة يشك. هذا صحيح". واحتج به ابن حزم في "المحلّى" (١/ ١١٧)؛ فهو منه تصحيح له. وأخرجه الطحاوي (١/ ١١)، وقال: إنه

стр. 120

"متصل الإسناد"، ثمّ صححه (١). وأعل هذه الزيادة: المنذري في "مختصره" (رقم ٦٥) بقوله: "وقال البيهقي: أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النّبيّ ﷺ ، ووهموا فيه، والصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي ولوغ الهرة موقوف"! وفي "نصب الراية" (١/ ١٣٦): "قال في "التنقيح": وعلة الحديث: أن مسددًا رواه عن معتمر ... فوقفه: رواه عنه أبو داود. قال في "الإمام": والذي تلخص أنه مختلف في رفعه. واعتمد الترمذي في تصحيحه على عدالة الرجال عنده، ولم يلتفت لوقف من وقفه. والله أعلم". قال العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على "الترمذي" -بعد أن نقل هذا الكلام-: "وهذا الذي قال العلامة ابن دقيق العيد في "الإمام" صحيح جيد، وأزيد عليه: أن مسددًا روى الحديث كله موقوفًا في ولوغ الكلب وفي ولوغ الهر. فلو كان هذا علة؛ لكان علة في الحديث كله، ولكنه ليس علة ولا شبيهًا بها؛ بل الرفع من باب زيادة الثقة، وهي مقبولة. فما صنعه الترمذي من تصحيح الحديث: هو الصواب". ٦٦ - عن قتادة أن محمد بن سيرين حدثه عن أبي هريرة: أن نبي الله ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء؛ فاغسلوه سبع مرات، السابعة بالتراب".

стр. 121

قال أبو داود: "وأما أبو صالح وأبو رزين والأعرج وثابت الأحنف وهما بن منبه وأبو السُّدِّيِّ عبدُ الرحمن؛ رووه عن أبي هريرة ... فلم يذكروا: (التراب) " (١). (قلت: إسناده صحيح على شرطهما، وصححه الدارقطني، لكن قوله: "السابعة بالتراب" شاذ، والأرجح -كما قال الحافظ- الرواية الأولى: "أولاهن بالتراب"). إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا أبان: ثنا قتادة. وهذا سند صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه من حديث قتادة؛ وإنما أخرجه مسلم من حديث هشام بن حسان عن ابن سيرين بلفظ: "أولاهن بالتراب"؛ وقتادة يقول عنه -كما ترى-: "السابعة بالتراب"! فقد اختلفا عليه؛ والأصح الرواية الأولى؛ لمتابعة أيوب والأوزاعي لهشام عليها

стр. 122

كما سبق (رقم ٦٤). ولأمرين آخرين: الأول: أن قتادة نفسه قد اختلف عليه فيها؛ فقد قيل عنه: "الأولى بالتراب". والآخر: أن قتادة روى ذلك بإسناد آخر عن أبي هريرة، ويأتي ذلك كله. وهذا يقتضي ترجيح رواية: "أولاهن"؛ لموافقته للجماعة؛ كما قال العراقي في "التثريب" (٢/ ١٣٠). وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٢١): "ورواية: "أولاهن" أرجح؛ من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضًا؛ لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص الشافعي في (حرملة) على أنّ الأُولى أوْلى. والله أعلم". والحديث أخرجه الدارقطني (٢٤) بهذا الإسناد، ثمّ قال: "وهذا صحيح". ثمّ أخرجه من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة ... بإسناده مثله. ثمّ أخرجه من طريق سعيد بن بشير عن قتادة ... بإسناده نحوه؛ إلا أنه قال: "الأولى بالتراب". ثمّ قال الدارقطني: "هذا صحيح". وأخرجه الطحاوي (١/ ١٢) من طريق عبد الوهاب بن عطاء قال: سئل سعيد عن الكلب يلغ في الإناء؟ فأخبرنا عن قتادة عن ابن سيرين ... به مثله؛ غير أنه قال: "أولاها -أو السابعة- بالتراب"، شك سعيد. قلت: وسعيد هذا؛ ليس هو ابن بشير؛ بل هو ابن أبي عروبة؛ فقد عُرف

стр. 123

عبد الوهاب هذا بصحبته له وملازمته إياه. وقد أخرجه النسائي (١/ ٦٣) من طريق عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة عن قتادة ... به وقال: "أولاهنّ بالتراب" بدون شك. فظهر من هذه الرواية أن قتادة كان يضطرب في هذه اللفظة على ثلاثة وجوه عنه: إحداها على الجادة الوافقة لرواية الجماعة؛ فالزمها. ولقتادة فيه إسنادان آخران عن أبي هريرة ... به على الصواب: الأولى: أخرجه النسائي والدارقطني: عنه عن خِلَاس عن أبي رافع ... به. والآخر: أخرجه الدارقطني: عنه عن الحسن ... به. كلاهما عن أبي هريرة مرفوعًا. وإسناد الأول صحيح على شرط الشيخين. ٦٧ - عن [عبد الله] ابن مُغَفَّل: أنّ رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثمّ قال: "ما لهم ولها؟ ! "؛ فرخّص في كلب الصيد وفي كلب الغنم، وقال: "إذا ولغ الكلب في الإناء؛ فاغسلوه سبع مِرَارٍ، والثامنة عفِّروه بالتراب". (قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما" وقال ابن منده: إنه مجمع على صحته).

стр. 124

إسناده: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل: ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة: ثنا أبو التَّيَّاح عن مُطَرِّف عن ابن مُغفل. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه مسلم كما يأتي. وأخرجه أبو عوانة من طريق المؤلف. وهو في "المسند" (٤/ ٨٦) بهذا السند. والحديث أخرجه مسلم وأبو عوانة والنسائي والدارمي وابن ماجة والطحاوي والدارقطني والبيهقي، وأحمد أيضًا (٥/ ٥٦) من طرق عن شعبة ... به. قال ابن التركماني: "وأخرجه ابن منده من طريق شعبة وقال: إسناد مجمع على صحته". (تنبيه): في هذا الحديث زيادة غسلة على حديث أبي هريرة الذي قبله؛ فينبغي الأخذ بالزائد من الحديث -كما هي القاعدة-. وقد ثبت القول بذلك عن الحسن البصري، وبه قال أحمد. وحاول بعضهم الجمع بين الحديثين بما فيه تكلف طاهر! ولذلك رده بعض المحققين؛ وتجد شرح ذلك في "الفتح" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣). ٣٨ - باب سؤر الهرة ٦٨ - عن كَبْشةَ بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة-: أنّ أبا قتادة دخل، فسكبت له وَضُوءًا، فجاءتْ هِرّةٌ فشرِبتْ منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظر إِليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ ! فقلت: نعم. فقال: إن رسول الله ﷺ قال:

стр. 125

"إنها ليست بنَجَسٍ؛ إنها من الطَّوَّافين عليكم والطّوّافات". (قلت: إسناده حسن صحيح، وصححه الترمذي والبخاري والدارقطني والعقيلي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي والحاكم ووافقه الذهبي والنووي). إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة عن حُميدة بنت عبيد بن رقاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك. وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير حميدة هذه، وقد ذكرها ابن حبان في "الثقات"، وقد أشار إلى توثيقها من صحح حديثها هذا، كما يأتي ذكرهم، وهما زوجة إسحاق بن عبد الله هذا؛ وقد روى عنها ابنها يحيى أيضًا. والحديث في "موطأ مالك" (١/ ٤٥ - ٤٦). وأخرجه بقية أصحاب "السنن الأربعة"، وكذا الدارمي والطحاوي والدارقطني والحاكم والبيهقي، وأحمد (٥/ ٣٠٣ و ٣٠٩) كلهم عن مالك ... به. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". قال: "وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يأت به أحد أتم من مالك". وقال الحاكم: "حديث صحيح، وهو مما صححه مالك، واحتج به في "الموطأ" ... "، ووافقه الذهبي. وصححه أيضًا النووي في "المجموع" (١/ ١٧١)، ثمّ نقل عن البيهقي أنه قال: "إسناده صحيح"! ولم أجد هذا صريحًا في "سننه الكبرى".

стр. 126

ونقل الحافظ في "التلخيص" تصحيحه عن البخاري والدارقطني والعقيلي. وفي "نصب الراية" (١/ ١٣٧): "قال الشيخ تقي الدين في "الإمام": ورواه ابن خزيمة وابن منده في "صحيحيهما"؛ لكن ابن منده قال: وحميدة وخالتها كبشة لا يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، ومحلهما محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر من وجه من الوجوه. قال الشيخ: وإذا لم يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث؛ فلعل طريق من صححه أن يكون اعتمد على إخراج مالك لروايتها؛ مع شهرته بالتثبت". قلت: وأيضًا؛ فإن حميدة قد وثقها ابن حبان كما سبق؛ وهو وإن كان معروفًا بالتساهل في التوثيق؛ غير أنه قد أيده في ذلك تصحيح من صحح الحديث من الأئمة الفحول، كالبخاري وغيره ممن سبق ذكرهم. وأما كبشة فقد قال ابن حبان: "لها صحبة"؛ وتبعه الزبير بن بكار وأبو موسى؛ كما في "تهذيب التهذيب". ثمّ إن للحديث طرقًا وشاهدًا من طرق، لا يبقى معها مجال للشك في صحة الحديث. فمن طرقه: ما قاله الشافعي في "المسند" (ص ٣) -بعدما ساق الحديث من طريق مالك-: أنبأنا الثقة عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبيّ ﷺ ... مثله أو مثل معناه. والثقة هذا الذي لم يسم: هو همام بن يحيى أبو بكر البصري؛ وهو ثقة، كما قال الشافعي؛ احتج به الشيخان: أخرجه البيهقي (١/ ٢٤٦) من طريق عفان عن همام: ثنا يحيى بن أبي كثير. .. به. وهذا إسناد صحيح على شرطهما؛ إذا كان يحيى سمعه من عبد الله بن أبي قتادة.

стр. 127

وتابعه الحجاج عن قتادة عن عبد الله بن أبي قتادة بلفظ: "السّنَّوْرُ من أهل البيت، وإنه من الطّوّافين أو الطّوّافات عليكم". أخرجه أحمد (٥/ ٣٠٩). قلت: ورجاله ثقات؛ إلا أن الحجاج -وهو أبن أرطاة- مدلس. ومنها: ما عند الطحاوي من طريق قيس بن الربيع عن كعب بن عبد الرحمن عن جده أبي قتادة قال: رأيته يتوضأ، فجاء الهر فأصغى له حتى شرب من الإناء، فقلت: يا أبتاه! لم تفعل هذا؟ ! فقال: كان النّبيّ ﷺ يفعله أو قال: "هي من الطّوّافين عليكم". ورجاله موثقون؛ غير كعب هذا فلم أجد من ذكره (١). وله عند البيهقي طريقان آخران أحدهما موقوف، ثمّ قال: "وكل ذلك شاهد لصحة رواية مالك". وأما الشاهد الذي سبقت الإشارة إليه؛ فهو: ٦٩ - عن داود بن صالح بن دينار التَّمَّار عن أمه: أنّ مولاتها أرسلتْها بهرِيسةٍ إلى عائشة رضي الله تعالى عنها، فوجدتْها تصلّي، فأشارت إليَّ: أن ضعيها، فجاءت هرة فأكلتْ منها، فلما انصرفت؛ أكلت من حيث أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله ﷺ قال:

стр. 128

"إنها ليست بنجَس؛ إنما هي من الطّوّافين عليكم"؛ وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفَضْلها. (قلت: حديث صحيح، وقد صحح بعضه ابن خزيمة والحاكم ووافقه الذهبي والحافظ). إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة: ثنا عبد العزيز عن داود بن صالح بن دينار التمار. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير أم داود بن صالح؛ أوردها الذهبي في "فصل من لم تسم من فصل النسوة المجهولات". وقد أغفلها الحافظ في "تهذيب التهذيب"، وفي "التقريب"، والخزرجي في "الخلاصة"، فلم يوردوها في (الكنى)، ولا أعلم اسمها! لكن الحديث صحيح بشاهده الذي قبله، وبطرقه الآتية. والحديث أخرجه الدارقطني، والبيهقي من طريقين آخرين عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي ... به، وقال الدارقطني: "رفعه الدراوردي عن داود بن صالح. ورواه عنه هشام بن عروة موقوفًا على عائشة". قلت: لكن قد جاء عنها مرفوعًا من طرق أخرى؛ مما يدل على أن الحديث مرفوع في الأصل، قصر به بعض الرواة فوقفه: فمن طرقه: ما أخرجه ابن ماجة والدارقطني والطحاوي عن حارثة بن أبي الرِّجال عن عمرة عن عائشة قالت:

стр. 129

كنت أتوضأ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، قد أصابت منه الهرة قبل ذلك. وحارثة هذا ضعيف. ومنها: ما عند ابن خزيمة (١٠٣)، والدارقطني والبيهقي وكذا الحاكم من طريق سليمان بن مسافع بن شيبة الحَجَبِيِّ قال: سمعت منصور ابن صفية بنت شيبة يحدث عن أمه صفية عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال في الهرة: "إنها ليست بنجَس؛ هي كبعض أهل البيت". وقال الحاكم: إنه "شاهد بإسناد صحيح لحديث أبي قتادة السابق"! ووافقه الذهبي؛ مع أنه قال في ترجمة مسافع هذا في "الميزان": "لا يعرف؛ وأتى بخبر منكر"! ورد عليه الحافظ في "اللسان"؛ فقال بعد أن ساق الحديث: "وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"؛ وليس فيه نكارة، كما زعم المصنف". ومنها: ما عند الطحاوي من طريق خالد بن عمرو الخُرَاساني قال: ثنا صالح ابن حيان قال: ثنا عروة بن الزبير عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يُصْغِي الإناء للهر، ويتوضأ بفضله. وله طريق أخرى عن عروة: عند الدارقطني؛ وكلاهما ضعيف. وهذه الطرق وإن كان لا يخلو كل منها على انفرادها من مقال؛ فمجموعها مما يقوي الحديث، ولا سيما أن شاهده قوي؛ كما سبق بيانه. والله أعلم.

стр. 130

٣٩ - باب الوضوء بفضل وضوء المرأة ٧٠ - عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ونحن جنبان. (قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وأخرجه هو ومسلم وأبو عوانة في "صحاحهم"، وله عندهم طرق كثيرة عنها). إسناده: ثنا مسدد: ثنا يحيى عن سفيان: حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ ولم يخرجه بهذا الإسناد. والحديث أخرجه أحمد (٦/ ١٩١) أيضًا قال: ثنا يحيى ... به. ثمّ أخرجه هو (٦/ ١٨٩ - ٢١٠)، والطحاوي (١/ ١٥) من طرق عن سفيان ... به. وهو عند النسائي (١/ ٤٧) من طريق يحيى عن سفيان. وتابعه عنده عَبِيدة بن حُمَيد عن منصور ... نحوه. وأخرجه الشيخان، وأبو عوانة في "صحيحه"، وبقية أصحاب "السنن الأربعة" والدارمي والدارقطني والطحاوي أيضًا، والبيهقي، وأحمد (٦/ ٣٠ و ٣٧ و ٤٣ و ٦٤ و ٩١ و ١٠٣ و ١١٨ و ١٢٣ و ١٢٧ و ١٢٩ و ١٥٣ و ١٥٧ و ١٦١ و ١٦٨ و ١٧٠ و ١٧١ و ١٧٢ و ١٧٣ و ١٩٢ و ١٩٣ و ١٩٩ و ٢٣٠ و ٢٣١ و ٢٣٥ و ٢٥٥ و ٢٦٥ و ٢٨١)، وكذا الطيالسي (رقم ١٤١٦ و ١٤٢١ و ١٤٣٨ و ١٥٧٣) من طرق كثيرة عن عائشة ﵂ ... به. (فائدة): في سبب رواية عائشة ﵂ للحديث؛ قال الحافظ في

стр. 131

"الفتح" (١/ ٢٩٠): "واستدل به الداودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى: أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته؟ فقال: سألت عطاءً؟ فقال: سألت عائشة؟ ... فذكرت هذا الحديث بمعناه. وهو نص في المسألة". قلت: ويؤيد ذلك قوله ﵊: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ... " الحديث. وإسناده ثابت، كما سيأتي في الكتاب (رقم ... ) [كتاب الحمام / ما جاء في التعري]. ثمّ إن النظر يشهد لذلك عند من تأمل، ولا يتسع المقام لتوضيحه وبيانه. وأما ما أخرجه الخطيب في "تاريخه" (١/ ٢٢٥)، وكذا الطبراني في "معجمه الصغير" (ص ٢٧)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٤٧) عن عائشة أيضًا قالت: ما رأيت عورة رسول الله ﷺ قط. فقال الطبراني: "تفرد به بركة بن محمد". وهو لا بركة فيه؛ فإنه وضاع كذاب، وهذا الحديث من أباطيله؛ كما قال الحافط في "اللسان". ٧١ - عن أم صُبَيَّةَ الجُهَنِيَّة قالت: اختلفتْ يدي ويدُ رسول الله ﷺ في الوضوء من إناءٍ واحد. (قلت: إسناده حسن صحيح، وحسنه الحافظ العراقي).

стр. 132

إسناده: حدثنا عبد الله بن محمد النُّفَيْليّ: ثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن ابن خَرَّبوذ عن أم صُبية. وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات، وفي أسامة بن زيد -وهو الليثي- كلام لا يضر ولا ينزل حديثه من رتبة الحسن؛ على أنه لم يتفرد به، كما يأتي، فالحديث صحيح. وابن خرّبوذ -بفتح الخاء المعجمة، وشدة الراء المهملة مفتوحة، وضم الموحدة، وسكون الواو، ثمّ الذال المعجمة-؛ اسمه: سالم بن سَرْج أبو النعمان، وبعض الرواة يقول فيه: سالم بن النعمان؛ وقد وثقه ابن معين وغيره. والحديث أخرجه ابن ماجة والطحاوي والبيهقي من طرق أخرى عن أسامة ابن زيد ... به. وكذلك أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٧). ثمّ أخرجه هو، والبخاري في "الأدب المفرد" (ص ١٥٣) -من طريق خارجة ابن الحارث بن رافع بن مَكِيث الجُهَني-، والدارقطني (ص ٢٠) -عن خارجة بن عبد الله؛ قال الأول: عن سالم بن سرج، وقال الأخر: نا سالم أبو النعمان- ... به. وخارجة بن الحارث هذا ثقة اتفافًا. وأما خارجة بن عبد الله -وهو ابن سليمان بن زيد بن ثابت الأنصاري-؛ فمختلف فيه. قال ابن ماجة: سمعت محمدًا يقول: أم صُبية: هي خولة بنت قيس. فذكرت لأبي زرعة؟ فقال: صدق.

стр. 133

قلت: وقد جاء مصرحًا باسمها في رواية الدارقطني، وكذا البخاري. والحديث حسنه العراقي في "التثريب" (٢/ ٣٩). ٧٢ - عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضَّأُون في زمان رسول الله ﷺ (زاد في رواية عن نافع: من الإناء الواحد) جميعًا. (قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه بدون الزيادة؛ وهي على شرط البخاري). إسناده: حدثنا مسدد: ثنا حماد عن أيوب عن نافع. (ح)، وثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك. قال مسدد: من الإناء الواحد. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ إلا الزيادة -زيادة مسدد-؛ فعلى شرط البخاري؛ وقد أخرجه بدونها كما يأتي. والحديث في "الموطأ" (١/ ٤٦ - ٤٧) بهذا السند. والحديث أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجة وكذا الإمام محمد في "موطئه" (ص ٦٠)، والبيهقي، وأحمد (٢/ ١١٣) كلهم عن مالك ... به، وزاد فيه ابن ماجة الزيادة التي عند مسدد عن حماد عن أيوب. وقد أخرجها أحمد أيضًا (٢/ ٤) من طريق إسماعيل: أنا أيوب ... به. وهي عند عبيد الله عن نافع، كما في الرواية الآتية:

стр. 134

٧٣ - عن عبيد الله: حدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال: كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد؛ نُدْلي فيه أيدينا. (قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري). إسناده: حدثنا مسدد: ثنا يحيى عن عبيد الله. وهذا سند صحيح على شرط البخاري؛ ولم يخرجه من هذا الوجه بهذا اللفط. والحديث أخرجه أحمد (٢/ ١٠٣ و ١٤٣) من طريق محمد بن عبيد وابن نمير كلاهما عن عبيد الله ... به دون قوله: ندلي فيه أيدينا، لكن معناه عند ابن نمير بلفظ: ويشرعون فيه جميعًا. وهو على شرط الشيخين. ثم رأيته في "المستدرك" (١/ ١٦٢) من طريق أبي خالد عن عبيد الله ... به نحوه؛ دون الزيادة. وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي. ٤٠ - باب النهي عن ذلك ٧٤ - عن حُميد الحِمْيَرِيِّ قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين -كما صحبه أبو هريرة- قال: نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل

стр. 135

بفضل المرأة (زاد في رواية: ولْيغترفا جميعًا). (قلت: إسناده صحيح، كما قال الحافظ، وهو تمام الحديث (رقم ٢٢)، وذكرنا هناك من صححه). إسناده: حدثنا أحمد بن يونس: ثنا زهير عن داود بن عبد الله. (ح) وحدثنا مسدد: ثنا أبو عَوانة عن داود بن عبد الله عن حُميد الحِمْيري- زاد مسدد: "وليغترفا جميعًا"-. وهذا سند صحيح، كما قال الحافظ في "بلوغ المرام"، وهو تمام الحديث المتقدم (برقم ٢٢)، وقد خرجناه هناك، فراجعه. وهذا القدر؛ أخرجه الطحاوي أيضًا (١/ ١٤) عن مسدد. وتابعه قتيبة -عند النسائي-، وسُرَيْج -عند أحمد (٥/ ٣٦٩) - بالزيادة؛ فلم يتفرد بها؛ فلو قال المؤلف: (زاد أبو عوانة)؛ لكان أقرب إلى الصواب! ٧٥ - عن الحكم بن عمرو -وهو الأقرع-: أنّ النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طَهور المرأة. (قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن حبان، وحسنه الترمذي). إسناده: حدثنا ابن بشار: ثنا أبو داود -يعني: الطيالسي-: ثنا شعبة عن عاصم عن أبي حاجب عن الحكم بن عمرو. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير أبي حاجب -واسمه

стр. 136

سَوَادة بن عاصم العَنَزِيُّ-، وهو ثقة بلا خلاف. والحديث رواه البيهقي (١/ ١٩١) من طريق المؤلف. وهو في "مسند الطيالسي" -رواية يونس بن حبيب عنه- برقم (١٢٥٢)، لكن ليس في روايته تسمية الحكم بن عمرو؛ بل فيه: سمعت أبا حاجب يحدث عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ... ثمّ قال يونس: هكذا حدثنا أبو داود! قال عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة عن عاصم عن أبي حاجب عن الحكم بن عمرو. قلت: ورواه البيهقي عن يونس ... به كما في "المسند". وخالفه جمع من الثقات؛ فرووه كما رواه المصنف عن ابن يشار. وكذلك رواه الترمذي، وابن ماجة عن محمد بن بشار، وكذا البيهقي. ثمّ أخرجه النسائي (١/ ٦٤)، والترمذي أيضًا، وأحمد (٥/ ٦٦) من طرق عن أبي داود ... به. فلعل أبا داود الطيالسي كان أحيانًا يصرح باسم الصحابي، وأحيانًا يبهمه. ثمّ أخرجه أحمد (٤/ ٢١٣)، والطحاوي (١٤)، والبيهقي من طرق أخرى عن شعبة ... به مصرحًا باسم الصحابي. وتابعه -عن عاصم-: قيس بن الربيع: عند الطحاوي. وتابع عاصمًا -عن أبي حاجب-: سليمان التيمي؛ إلا أنه لم يُسَمِّ الصحابي؛ بل قال: عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ من بني غفار: أخرجه البيهقي، والترمذي، وقال:

стр. 137

"حديث حسن". وأما البيهقي؛ فيظهر أنه حاول إعلاله بما رواه عن البخاري أنه قال: "سوادة بن عاصم أبو حاجب العنزي؛ يعد في البصريين؛ ويقال: الغفاري، ولا أراه يصح عن الحكم بن عمرو". وصرح الترمذي في "العلل" عن البخاري أنه قال عن هذا الحديث: "ليس بصحيح"! قلت: وهذا من الإمام جرح مبهم؛ فلا يقبل، ولعل سوادة لم تثبت عنده عدالته، أو لقاؤه للحكم؛ فقد ثبت ذلك عند غيره كما سبق؛ وإنما يشترط التصريح باللقاء عند الجمهور من المدلس فقط؛ خلافًا البخاري، كما مضى. ثم روى البيهقي الحديث من طرق أخرى عن سوادة العنزي عن الحكم ... موقوفًا عليه. وهذا ليس بعلة؛ فقد رفعه عنه ثقتان، وهي زيادة يجب قبولها ولا يجوز هدرها. ولذلك لم يلتفت الحافظ إلى تضعيف الحديث، بل رد على من فعل ذلك، فقال في "الفتح" (١/ ٢٤٠): "أما حديث الحكم بن عمرو؛ فأخرجه أصحاب "السنن"، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه". (فائدة): قد روى عاصم هذا الحديث عن عبد الله بن سَرْجِس أيضًا: أخرجه ابن ماجة والطحاوي، والدارقطني (ص ٤٣)، والبيهقي من طريق عبد العزيز بن المختار عن عاصم الأحول ... به بزيادة؛ ولفظه:

стр. 138

نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل؛ ولكن يشرعان جميعًا. وإسناده صحيح على شرطهما؛ وليس عند البيهقي الشطر الثاني منه. وكذلك رواه ابن حزم (١/ ٢١٢)، وجعل ذلك حجة في النهي عن استعمال الرجل فضل المرأة لا العكس! وهذه الروايات ترد عليه؛ لكن عذره أنه لم يقف عليها. وقد أعِل حديث عاصم هذا بما أُعِل به سابقه؛ وهو أن شعبة رواه عن عاصم ... موقوفًا. وقال الدارقطني -وتبعه البيهقي-: إنه "أولى بالصواب"! والجواب ما سبق. ٤١ - باب الوضوء بماء البحر ٧٦ - عن مالك عن صفوان بن سُلَيْمٍ عن سعيد بن سَلَمة -من آل ابن الأزرق- أن المغيرة بن أبي بُرْدة -وهو من بني عبد الدار- أخبره: أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا؛ أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : "هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتته".

стр. 139

(قلت: إسناده صحيح، وصححه البخاري والترمذي والحاكم وابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر والطحاوي والبغوي والخطابي وابن منده والبيهقي وعبد الحق والنووي والذهبي وآخرون). إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير سعيد بن سلمة وشيخه المغيرة بن أبي بردة؛ وهما ثقتان؛ وثقهما النسائي وابن حبان. وقال الآجري عن المؤلف: "المغيرة بن أبي بردة معروف". والحديث في "موطأ مالك" (١/ ٤٤ - ٤٥) بإسناده هذا. وعنه: أخرجه محمد في "موطئه" (ص ٦٧)، وبقية أصحاب "السنن الأربعة"، والدارمي والدارقطني والحاكم والبيهقي، وأحمد (٢/ ٢٣٧ و ٣٩٣). وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وصححه الحاكم، وروى له متابعات لمالك عن صفوان. وتابعه -عن المغيرة بن أبي بردة-: الجلاح أبو كثير: أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٨)، والحاكم، وزاد هو والبيهقي في أوله: "فاغتسلوا". وقال: "وقد احتج مسلم بالجلاح أبي كثير". وفي "التلخيص" (١/ ٨٤): "وصححه البخاري فيما حكاه الترمذي، وتعقبه ابن عبد البر بأنه لو كان صحيحًا عنده؛ لأخرجه في "صحيحه"! وهذا مردود؛ لأنه لم يلتزم الاستيعاب.

стр. 140

ثم حكم ابن عبد البر -مع ذلك بصحته- لتلقي العلماء له بالقبول ... ورجح ابن منده صحته، وصححه أيضًا ابن المنذر، وأبو محمد البغوي". وقال في "التهذيب" (١٠/ ٢٥٧): "وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر والخظابي والطحاوي وابن منده والحاكم وابن حزم والبيهقي وعبد الحق وآخرون". قلت: ابن حزم قد صرح بضعفه في "المحلّى" فقال (١/ ٢٢١): "الخبر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" لا يصح؛ ولذلك لم نحتج به"! فلعله صح عنده بعد ذلك؛ فأورده في بعض كتبه الأخرى؛ وإلا فهو من أوهام الحافظ رحمه الله تعالى! وقال النووي في "المجموع" (١/ ٨٢): "هو حديث صحيح". وله طرق وشواهد كثيرة، يطول الكلام بإيرادها والتكلم على أسانيدها، فراجعها في "التلخيص"، و "نصب الراية". ومنها: حديث جابر: عند أحمد (٣/ ٣٧٣)، وعنه ابن ماجة (٣٨٨)، وابن حبان (١٢٠). وسنده جيد. ٤٢ - ومن "باب الوضوء بالنبيذ " ٧٧ - عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال:

стр. 141

ما كان منا معه أحد. (قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه في "صحيحه". وصححه الترمذي والدارقطني والطحاوي). إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا وُهَيْب عن داود عن عامر عن علقمة. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وقد أخرجه كما يأتي. والحديث أخرجه الطيالسي في "مسنده" (رقم ٢٨١) قال: حدثنا وهيب بن خالد ويزيد بن زُرَيْع عن داود بن أبي هند ... به أتم منه، ولفظه: قال: قلت لابن مسعود: إن الناس يتحدثون أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه بمكة فطلبناه في الشعاب وفي الأودية؛ فقلنا: اغتيل، استطير! ! فبتنا بشر ليلة بات فيها قوم! فلما أصبحنا رأيناه مقبلًا فقلنا: يا رسول الله بتنا الليلة بشر ليلة بات فيها قوم، فقدناك؟ ! فقال: "إنه أتاني داعي الجن، فانطلقت أُقْرِئُهم القرآن". فانطلق بنا؛ فأرانا بيوتهم ونيرانهم، وسألوه الزاد فقال: "كل عظم لم (١) يذكر عليه اسم الله؛ يقع في أيديكم أوفر ما كان لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم". فنهى رسول الله ﷺ أن يستنجى بهما وقال: "هما زاد إخوانكم من الجن". وأخرجه مسلم (٢/ ٣٦)، والترمذي (٢/ ٢١٩ طبع بولاق) -وقال: "حديث حسن صحيح"- والطحاوي (١/ ٥٧) -وصححه- والدارقطني (٢٨) والبيهقي

стр. 142

وأحمد (١/ ٤٣٦) من طرق عن داود بن أبي هند ... به نحوه. وتابعه أبو معشر -وهو زياد بن كُلَيْبِ- عن إبراهيم عن علقمة ... به مختصرًا بلفظ: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، ووددت أني كنت معه. أخرجه مسلم والطحاوي والبيهقي. ثمّ قال الدارقطني: "هذا الصحيح عن ابن مسعود". (تنبيه): قد يقول قائل: ما وجه المناسبة بين الباب والحديث؛ وليس فيه ما ترجم له المصنف؟ ! والجواب: أنه إنما أورده هنا؛ ليشير به إلى ضعف حديث آخر لابن مسعود ساقه قبيل حديثه هذا؛ ولفظه: أنّ النّبي ﷺ قال له ليلة الجن: "ما في إداوتك؟ . قال: نبيذ. قال: "تمرة طيبة وماء طهور"؛ زاد غير المصنف: فتوضأ به. فبين المصنف أن هذا الحديث لا يصح؛ من أجل أن ابن مسعود لم يكن ليلة الجن مع النّبيّ ﷺ ؛ كما شهد نفسه بذلك في هذا الحديث للصحيح؛ وقد أشار إلى ذلك أيضًا الدارقطني بكلامه الذي ذكرناه آنفًا. ثمّ إن الحديث المشار إليه ضعيف من قبل إسناده أيضًا؛ ولذلك أوردناه في كتابنا الآخر، وذكرنا هناك اتفاق العلماء على تضعيفه، فراجعه (رقم ١١).

стр. 143

هذا؛ ومما سبق نعلم مناسبة إيراد المصنف الأثرين عن عطاء وأبي العالية؛ كما يأتي. ٧٨ - عن ابن جريج عن عطاء: أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ؛ وقال: إن التيمم أعجب إليَّ منه. (قلت: إسناده ثقات؛ فهو أثر ثابت إذا كان ابن جريج سمعه منه). إسناده: حدثنا محمد بن بشار: ثنا عبد الرحمن: ثنا بشر بن منصور عن ابن جريج. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ فهو صحيح؛ إذا كان ابن جريج سمعه من عطاء ولم يدلسه عنه. وعبد الرحمن هذا -وفي الإسناد الذي بعده-: هو ابن مهدي. وهذا الأثر؛ أخرجه البيهقي من طريق المؤلف. وتابعه عبد الرزاق (١/ ١٧٩) عن ابن جريج ... به دون قوله: والنبيذ ... وعلق عليه المتعصب الأعظمي بقوله: "روى ابن أبي شيبة عن علي وعكرمة جواز الوضوء بالنبيذ"! ! فأقول: لقد جمع الشيخ -هداه الله- في هذا التخريج: بين تحريف النص، وكتمان العلم! أما الأول: فإن عكرمة لم يطلق ذلك؛ بل قيده بمن لا يجد الماء؛ فإنه قال: الوضوء بنبيذ لمن لم يجد الماء!

стр. 144

وأما الآخر: فإنه لا يصح إسناده عن علي؛ لأنه من رواية حجاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. وهذا إسناد واهٍ بمرة: الحارث: هو الأعور، ضعيف اتهمه بعضهم. والحجاج -وهو ابن أرطاة-، وأبو إسحاق -وهو السبيعي- مدلسان، مع اختلاط السبيعي. ٧٩ - عن أبي خَلْدة قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماءٌ، وعنده نبيذ؛ أيغتسلُ به؟ قال: لا. (قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري). إسناده: حدثنا محمد بن يشار: ثنا عبد الرحمن: ثنا أبو خلدة. وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، وأبو خلدة: اسمه خالد بن دينار. وهذا الأثر؛ أخرجه البيهقي من طريق المؤلف. ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦)، والدارقطني (٢٩) من طريق مروان بن معاوية: نا أبو خلدة ... به، وزاد الدارقطني في آخره: فذكرت له ليلة الجن؟ فقال: أَنْبِذَتُكُمْ هذه الخبيثةُ؟ ! إنما كان ذلك زبيب وماء. قلت: يعني: أنه لم يكن خرج بذلك عن كونه ماءً مطلقًا. وقد قال الطحاوي:

стр. 145

"وقد أجمع العلماء أن نبيذ التمر إذا كان موجودًا في حال وجود االماء: أنه لا يتوضأ به؛ لأنه ليس ماءً، فلما كان خارجًا من حكم المياه في حال وجود الماء؛ كان كذلك هو في حال عدم الماء". وهو بذلك يرد على أبي حنيفة إمامه الذي قال بجواز الوضوء بالنبيذ إن لم يجد غيره! وتمام كلامه يراجع في "شرح المعاني" له. ٤٣ - ومن "باب أيصلي الرجل وهو حاقن ؟ " ٨٠ - عن زهير: ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم: أنه خرج حاجًّا أو معتمرًا، ومعَه الناس وهو يؤمّهم، فلما كان ذات يوم؛ أقام الصلاة -صلاة الصبح- ثمّ قال: لِيتقدّم أحدكم -وذهب الخلاءَ-؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة؛ فليبدأ بالخلاء". (قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وكذلك قال الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الترمذي أيضًا، وكذا ابن خزيمة (٩٣٢)، وابن حبان (٢٠٦٨)). إسناده: حدثنا أحمد بن يونس: ثنا زهير. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين إلى ابن الأرقم. وزهير هذا: هو ابن محمد التميمي. والحديث أخرجه الحاكم (١/ ١٦٨) عن زهير ... به.
следующие страницы →