قلت: ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا! وقد روى عنه عيسى بن سليمان أيضًا، كما في هذا الإسناد -وهو أبو طَيْبَةَ الدارمي الجُرْجَاني-، ترجمه ابن أبي حاتم أيضًا (٣/ ٢٧٨)؛ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا!
والحديث أخرجه الضياء في "المختارة" (٦١/ ٢٥٢ / ١ - ٢).
١٢٤ - باب تخفيف الصلاة للأمر يَحْدُثُ
٧٥٥ - عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ :
"إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أُطَوِّلَ فيها، فأسمع بُكاءَ الصَّبِيِّ، فأتَجوَّزُ؛ كراهِيَةَ أن أشُقَّ على أمِّهِ".
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه في "صحيحه"، وابن حبان (٢١٣٦)).
إسناده: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم: ثنا عمر بن عبد الواحد وبشر بن بكر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري من طريق بشر بن بكر.
وعمر بن عبد الواحد متابع، وليس من رجاله، ولكنه ثقة.
والحديث أخرجه البيهقي (٣/ ١١٨) من طريق المصنف.
وهو، والنسائي (١/ ١٣٢)، وأحمد (٥/ ٣٠٥) من طريق عبد الله بن المبارك: أَبَنا الأوزاعي ... به.
وعلقه البخاري عن بشر وابن المبارك وبقية عن الأوزاعي.
стр. 1262
وأسنده (١/ ١١٨ - طبع النهضة) من طريق الوليد بن مسلم: حدثنا الأوزاعي ... به.
ورواه ابن ماجة (٩٩١) من طريق بشر بن بكر عن الأوزاعي ... به.
١٢٥ - باب في تخفيف الصلاة
٧٥٦ - عن جابر قال:
كان معاذٌ يصلِّي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع فيَؤُمُّنا -قال مرة: ثم يرجع فيصلي بقومه-؛ فأخَّرَ النبيُّ ﷺ ليلةً الصلاةَ -وقال مرةً: العشاءَ-، فصلى معاذ مع النبي ﷺ ثم جاء يؤمُّ قومه، فقرأ البقرة، فاعتزل رجل من القوم فصلَّى، فقيل: نافقت يا فلان! فقال: ما نافقت. فأَتَى رسولَ الله ﷺ ، فقال:
إن معاذًا يصلي معك، ثم يرجع فيَؤُمُّنا يا رسول الله! إنما نحن أصحاب نواضح، ونعمل بأيدينا، وإنه جاء يؤُمُّنا، فقرأ بسورة (البقرة)؟ ! فقال:
"يا معاذ! أفتان أنت؟ ! أفتان أنت؟ ! اقرأ بكذا، اقرأ بكذا".
قال أبو الزبير: بـ (سبح اسم ربك الأعلى)، و (الليل إذا يغشى).
فذكر لعمرو؟ فقال: أُراه قد ذكره.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا سفيان عن عمرو سمعه من جابر.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين؛ وعمرو: هو ابن دينار.
стр. 1263
والحديث أخرجه أحمد في "المسند" (٣/ ٣٠٨) ... بهذا السند.
وكذلك أخرجه الشافعي كما تقدم (٦١٣).
ومن طريقه: أخرجه البيهقي (٣/ ٨٥).
ثم أخرجه البيهقي، وكذا أبو عوانة في "صحيحه" (٢/ ١٥٦) من طريق الحميدي قال: ثنا سفيان قال: ثنا عمرو بن دينار وأبو الزبير أنهما سمعا جابر بن عبد الله يقول ... فذكره، وفي آخره: قال سفيان: قال أبو الزبير: قال له النبي ﷺ :
"اقرأ بـ: (سبح اسم ربك الأعلى)، (والسماء والطارق)، (والسماء ذات البروج)، (والشمس وضحاها)؛ (والليل إذا يغشى)، ونحوها". فقلت لعمرو ...
وتابعه محمد بن عباد: حدثنا سفيان ... به، وزاد في وسطه:
فانحرف رجل فسلم، ثم صلى وحده ... وقال في آخره:
فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: "اقرأ ... " نحوه.
أخرجه مسلم، والبيهقي (٣/ ٨٥)، وقال:
"لم يقل أحد في هذا الحديث: و (سلَّم) إلا محمد بن عباد".
قلت: وهو صدوق يهم؛ كما في "التقريب"؛ فلا تقبل زيادته على الثقات.
وتابعه الليث بن سعد عن أبي الزبير ... به؛ ولفظه في آخره:
"إذا أممت الناس؛ فاقرأ بـ: (الشمس وضحاها) و (سبح اسم ربك الأعلى)، و (اقرأ باسم ربك)، و (الليل إذا يغشى) ".
стр. 1264
وأخرجه البخاري (١/ ١١٨) من طريق محارب بن دِثارٍ: سمعت جابر بن عبد الله ... به نحوه.
٧٥٧ - عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ لرجل:
"كيف تقول في الصلاة؟ ". قال:
أتشهَّد وأقول: اللهم! إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار. أما إني لا أحسن دَنْدَنَتَكَ ولا دنْدَنَةَ معاذ! فقال النبي ﷺ :
"حولها ندندن".
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا حسين بن علي عن زائدة عن سليمان عن أبي صالح.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ وجهالة الصحابي لا تضر.
والحسين بن علي: هو الجُعْفِيُّ.
وزائدة: هو ابن قُدَامة.
وسليمان: هو الأعمش.
وأبو صالح: هو ذَكْوان السَّمَّان والد سهيل.
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٤): ثنا معاوية بن عمرو قال: ثنا زائدة ... به.
стр. 1265
وتابعه جرير بن عبد الحميد عن الأعمش ... به، وسمّى الصحابي أبا هريرة.
أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، وابن حبان (٥١٤).
وله شاهد من حديث جابر.
أخرجه البيهقي (٣/ ١١٦ - ١١٧) بإسناد صحيح؛ وفيه أن الرجل هو صاحب قصة معاذ المذكورة قبله.
وقد أخرجه أحمد (٥/ ٧٤) عنه مع للقصة؛ وفيه أنه من بني سَلِمَة؛ يقال له: سليم.
وإسناده صحيح أيضًا.
٧٥٨ - عن جابر ... ذكر قصة معاذ؛ قال: وقال -يعني- النبي ﷺ :
"كيف تصنع يا ابن أخي! إذا صليت؟ ".
قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما لَنْدَنَتُكَ ولا دَنْدَنَةُ معاذ؟ ! فقال رسول الله ﷺ :
"إني ومعاذًا حول هاتين؛ أو نحو هذا".
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا يحيى بن حبيب: ثنا خالد بن الحارث: ثنا محمد بن عجلان عن عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير أنه إنما أخرج
стр. 1266
لابن عجلان متابعةً.
والحديث أخرجه البيهقي (٣/ ١١٦ - ١١٧) من طريق المصنف ... بأتم مما هنا.
٧٥٩ - عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
"إذا صلى أحدكم للناس فليخفِّف؛ فإن فيهم الضعيف والسَّقيمَ والكَبيرَ، وإذا صلى لنفسه؛ فليطوِّل ما شاء".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم". وصححه الترمذي).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات على شرط الشيخين.
والحديث في "الموطأ" (١/ ١٥٤) ... بهذا الإسناد.
ومن طريقه: أخرجه البخاري (١/ ١١٨) أيضًا، والنسائي (١/ ١٣٢)، والبيهقي (٣/ ١١٧)، وأحمد (٢/ ٤٨٦)، وأبو عوانة (٢/ ٨٨).
وأخرجه مسلم (٢/ ٤٣)، والترمذي (٢/ ٤٦١)، والبيهقي من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحِزَامي عن أبي الزناد ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
وأخرجه مسلم وأبو عوانة، وأحمد (٢/ ٢٥٦ و ٢٧١ و ٣١٧ و ٣٩٣ و ٤٧٢ و ٤٨٦ و ٥٠٢ و ٥٢٥ و ٥٣٧) من طرق أخرى عن أبي هريرة ... نحوه.
وبعضها عند المصنف باللفظ الآتي بعده. وفي لفظ لأحمد (٢/ ٤٧٢):
стр. 1267
"تَجَوَّزوا في الصلاة؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة".
وإسناده على شرط الشيخين.
وأخرجه أبو نعيم أيضًا (٧/ ٣٦٤)، والخطيب في "التاريخ" (٧/ ٤١٥ - ٤١٦).
وله شاهد من حديث ابن عباس ... مرفوعًا به.
أخرجه الطبراني (٣/ ١٥٧/ ٢)، وعنه الضياء في "المختارة" (٦٠/ ٢٢٢ / ١)؛ ورجاله ثقات.
وآخر عن أبي مسعود: عند أبي نعيم (٤/ ٢١٨).
وأصله في "الصحيحين"، وغيرهما كأحمد (٤/ ١١٨ و ١١٩ و ٥/ ٢٧٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ٢٠٦ - ٢٠٨)؛ وفيه أن الصلاة كانت صلاة الغداة، ولم يُسَمِّ الإمام.
فهي قصة غير قصة معاذ؛ لأنها كانت في صلاة الفجر. وأكد الحافظ ذلك، فقال -تحت حديث أبي مسعود (٢/ ١٩٨) -:
"ووهم من فسَّرَ الإمام المبهم هنا بمعاذ! بل المراد به أُبي بن كعب؛ كما أخرجه أبو يعلى -بإسناد حسن- من رواية عيسى بن جارية -وهو بالجيم- عن جابر قال: كان أُبيّ بن كعب يصلي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلة، فدخل معه غلام من الأنصار ... " إلخ.
قلت: عيسى بن جارية مختلف فيه، وهو وسط، كما قال الذهبي في "الميزان". وقال الحافظ في "التقريب":
"فيه لين".
стр. 1268
فلا تقبل زيادته على حديث "الصحيحين" وغيرهما من طرق عن جابر وغيره، وهو مخرج في "الإرواء" (١/ ٣٢٨ - ٣٣١)، ومنها الحديث المتقدم برقم (٧٥٨).
وحديث عيسى في "مسند أبي يعلى" (٣/ ٣٣٣ و ٣٣٤ - ٣٣٥).
ومن ضعف التخريج والتحقيق: أن المعلق عليه قال -بعد أن ضعَّف عيسى-: "ولكن يشهد له حديث أبي مسعود البدري في "الصحيحين" ... "!
فلم يتنبّه لكون المشهود له فيه زيادة ليست في الشاهد، وهي ذكر (أُبيّ) و (قباء)!
وتبعه على ذلك: المعلق على "المقصد العَلِيّ" (١/ ١٤٦)؛ وهو ظِلُّهُ!
٧٦٠ - وعنه أن النبي ﷺ قال:
"إذا صلى أحدكم للناس فليخفِّف؛ فإن فيهم السقيم، والشيخ الكبير، وذا الحاجة".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين).
إسناده: حدثنا الحسن بن علي: ثنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال ...
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه الإمام أحمد (٢/ ٢٧١): ثنا عبد الرزاق ... به.
ثم أخرجه (٢/ ٥٠٢) من طريق محمد عن أبي سلمة وحده.
وهو في "الصحيحين" وغيرهما من طريق الأعرج عن أبي هريرة ... نحوه؛
стр. 1269
وهو الذي في الكتاب قبله.
وله طرق أخرى عنه؛ أشرت إليها هناك.
١٢٦ - باب ما جاء في نقصان الصلاة
٧٦١ - عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"إن الرجل لينصرف؛ وما كُتِبَ إلا عُشُرُ صلاتِهِ، تُسُعُها، ثُمُنُها، سُبُعُها، سُدُسُها، خُمُسُها، رُبُعُها، ثلُثُها، نِصْفها".
(قلت: حديث حسن. وأخرجه أحمد بإسناد صححه الحافظ العراقي).
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد عن بكر بن مضر عن ابن عجلان عن سعيد المَقْبُرِيِّ عن عمر بن الحكم عن عبد الله بن عَنَمَةَ المزني عن عمار بن ياسر.
قلت: وهذا إسناد صحيح؛ إن كان عبد الله بن عَنَمَةَ صحابيًّا؛ فقد أثبتها له بعضهم؛ فقال ابن يونس في "تاريخ مصر":
"عبد الله بن عَنَمَةَ المزني: صحابي شهد فتح الإسكندرية". وقال ابن منده:
"له صحبة، ولا تعرف له رواية". يعني: عن النبي ﷺ ؛ فلا ينافي أن له رواية عن غيره عنه ﷺ -كما في هذا الإسناد- خلاقًا لما ذهب إليه الحافظ!
وبقية رجاله ثقات.
والحديث أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٢/ ٣٠)، والبيهقي (٢/ ٢٨١)، وأحمد (٤/ ٣٢١) من طرق عن ابن عجلان ... به. وقال البيهقي:
стр. 1270
"هكذا رواه ابن عجلان عن سعيد المقبري. ورواه عبيد الله بن عمر عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه:
أن عمار بن ياسر صلى ركعتين، فقال له عبد الرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان! أراك قد خففتها.
ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عمر بن الحكم ابن ثوبان عن أبي لاسٍ الخُزَاعي قال:
دخل عمار بن ياسر ... فذكره.
ورواه عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عمر بن الحكم عن أبي اليَسَرِ: أن رسول الله ﷺ قال:
"منكم من يصلي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلي النصف، والثلث، والربع، والخمس" حتى بلغ العشر.
رواه خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ... نحوه".
قلت: ويتلخص من كلام البيهقي: أنه قد اضْطُرِبَ في إسناد هذا الحديث على سعيد المقبري وغيره على وجوه كثيرة:
الأول: عن سعيد عن عمر عن الحكم بن ثوبان عن عبد الله بن عَنَمَةَ عن عمار: رواه ابن عجلان عنه.
الثاني: عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ... مرفوعًا: رواه سعيد بن أبي هلال عنه.
الثالث: عن سعيد عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أبيه
стр. 1271
أن عمار بن ياسر ... رواه عبيد الله عنه.
قلت: وهذا؛ وصله الإمام أحمد (٤/ ٣١٩): ثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله ... به. وقال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ١٥٤):
"إسناده صحيح"!
كذا قال! وعمر بن أبي بكر هذا لم يوثقه غير ابن حبان، لكن روى عنه جمع، ثم هو مضطرب كما ترى.
وقد أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٦٥٠): ثنا العمري قال: ثني سعيد المقبري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي قال:
رأيت عمار بن ياسر صلى ركعتين ...
فأسقط من الإسناد: عمر بن أبي بكر! لكن العمري -وهو عبد الله بن عمر المكبر- ضعيف.
الرابع: عن عمر بن الحكم أيضًا عن أبي لاس الخزاعي: دخل عمار ... رواه ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عنه.
الخامس: عن ابن الحكم أيضًا عن أبي اليَسَرِ ... مرفوعًا: رواه سعيد بن أبي هلال عنه.
قلت: وهذا؛ عزاه المنذري في "الترغيب" (١/ ١٨٤) للنسائي! والظاهر أنه يعني: "سننه الكبرى"؛ فإني لم أره في "الصغرى" له، ولا عزاه إليه النابلسي في "الذخائر"!
وأخرجه الطحاوي (٢/ ٣١).
ولعل أرجح هذه الوجوه: الوجه الثالث؛ لاتفاق عبيد الله وعبد الله العمريين
стр. 1272
عليه؛ إلا أن المكبر منهما لم يذكر في السند: عمر بن أبي بكر، وأثبته عبيد الله، وهو ثقة ثبت، فروايته أرجح، والسند حسن، وقد صححه العراقي كما سبق. والله أعلم.
١٢٧ - باب القراءة في الظهر
٧٦٢ - عن أبي هريرة قال:
في كل صلاة يُقرأ؛ فما أسْمَعَنا رسولُ الله ﷺ ! أسمَعْناكم، وما أخفى علينا أخفينا عليكم.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه هو والبخاري وابن حبان (١٧٧٨)، وأبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد عن قيس بن سعد وعمارة بن ميمون وحبيب عن عطاء بن أبي رباح أن أبا هريرة قال ...
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم؛ غير عمارة ابن ميمون، فهو مجهول، ولا يضر ذلك؛ فإنه مقرون مع قيس بن سعد وحبيب -وهو العلم-.
والحديث أخرجه أحمد (٢/ ٤١٦): ثنا عفان: ثنا حماد ... به؛ إلا أنه لم يذكر: عمارة بن ميمون.
وأخرجه مسلم (٢/ ١٠)، وأبو عوانة (٢/ ١٢٥) من طريق حبيب المعلم وحده؛ وزاد في آخره:
"ومن قرأ بأُمِّ الكتاب؛ فقد أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل".
стр. 1273
ثم أخرجاه، وكذا البخاري (١/ ١٢٧)، والنسائي (١/ ١٥٣)، والبيهقي (٢/ ٦١)، وأحمد (٢/ ٢٥٨ و ٢٧٣ و ٢٨٥ و ٣٠١ و ٣٠٨ و ٣٤٨ و ٤١١ و ٤٣٥ و ٤٤٣ و ٤٤٦ و ٤٨٧) من طرق عن عطاء ... به.
٧٦٣ - عن أبي قتادة قال:
كان رسول الله ﷺ يصلِّي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر -في الركعتين الأُولَيَيْن- بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطوِّل الركعة الأولى من الظهر، ويقصِّر الثانية، وكذلك الصبح.
وفي رواية عنه ببعض هذا وزاد: في الأخريين بفاتحة الكتاب ... وزاد همام: وكان يطوِّل في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الغداة (١).
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم").
стр. 1274
وفي رواية أخرى عنه قال: فظننَّا أنه يريد بذلك أن يُدرك الناسُ الركعةَ الأولى" (١).
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن حبان).
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا يحيى عن هشام بن أبي عبد الله. (ح) قال: وثنا ابن المثنى: ثنا ابن أبي عدي عن الحجاج -وهذا لفظه- عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة -قال ابن المثنى- وأبي سلمة -ثم اتفقا- عن أبي قتادة. قال أبو داود: "ولم يذكر مسدد: فاتحة الكتاب وسورة".
قلت: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ مسدد -وهو ابن مسرهد- من شيوخ البخاري.
وابن المثنى -واسمه محمد- من شيوخ الشيخين.
وكذلك سائر الرواة.
والحديث أخرجه مسلم (٢/ ٣٧): حدثنا محمد بن المثنى ... به.
وأخرجه البخاري (١/ ١٢٦ و ١٢٩)، وأبو عوانة (٢/ ١٥١)، والنسائي (١/ ١٥٣)، والبيهقي (٢/ ٦٥ و ٣٤٧) من طريقين آخرين عن هشام ... به.
ثم أخرجوه، وكذا الدارمي (٢/ ٢٩٦)، والبيهقي (٢/ ٥٩ و ٦٣ و ٦٥ - ٦٦ و ١٩٣ و ٣٤٨) من طرق أخرى عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.
стр. 1275
٧٦٤ - عن أبي معمر قال: قلنا لِخَبَّابٍ:
هل كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قلنا: بِمَ كنتم تعرفون؟ قال: باضطراب لحيته.
(قلت: حديث صحيح. وأخرجه البخاري في "صحيحه").
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن عُمَارة بن عمير عن أبي معمر.
قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ لولا أن عبد الواحد متكلم فيه في روايته عن الأعمش خاصة! ففي "الخلاصة".
"قال أبو داود الطيالسي: وصل أحاديث أرسلها الأعمش. وقال ابن معين: ثقة. وفي رواية: ليس بشيء. وقال القطان: لا يَعْرِف من حديث الأعمش حرفًا. قال الحافظ أبو الفضل: يعني: لا يحفظه؛ وإلا فحديثه عنه في (خ م)، وهو صاحب كتاب. وقال الحافظ في "التقريب":
"ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال".
قلت: لكنه قد توبع -كما يأتي-؛ فالحديث مما حفظه عن الأعمش.
والحديث أخرجه البخاري (٢/ ١٢٦)، والبيهقي (٢/ ٣٧ و ٥٤) من طرق أخرى عن الأعمش ... به، وقال البيهقي -عقبه في الموضع الثاني المشار إليه-:
"مخرج في "الصحيحين" من حديث الأعمش. وفيه دليل على أنه لا بد من أن يحَرِّكَ لسانه بالقراءة"!
قلت: لم يخرجه مسلم؛ فهو من أفراد البخاري!
стр. 1276
١٢٨ - باب تخفيف الأُخْرَيَيْنِ
٧٦٥ - عن جابر بن سمرة قال:
قال عمر لسعد: قد شَكَاكَ الناسُ في كلِّ شيء؛ حتى في الصلاة؟ ! قال:
أمَّا أنا، فأمُدُّ في الأُولَيَيْنِ، وأحْذِفُ في الأُخْرييْنِ، ولا آلُو ما اقتديت به من صلاة رسول الله ﷺ . قال:
ذاك الظنُّ بك!
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه هو ومسلم وأبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا حفص بن عمر: ثنا شعبة عن محمد بن عبيد الله أبي عون عن جابر بن سمرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ وحفص بن عمر: هو أبو عمر الحَوْضِي.
والحديث أخرجه الطيالسي (١/ ٩٤/ ٤١٤ - ترتيبه): حدثنا شعبة ... به.
وأخرجه البخاري (٢/ ١٢٧)، ومسلم (٢/ ٣٨)، وأبو عوانة (٢/ ١٥٠)، والنسائي (١/ ١٥٥)، والبيهقي (٢/ ٦٥)، وأحمد (١/ ١٧٥) من طرق عن شعبة ... به.
وتابعه عبد الملك بن عمير عن جابر: عند مسلم وأبي عوانة والبيهقي وأحمد (١/ ١٧٦ و ١٧٩ و ١٨٠).
стр. 1277
٧٦٦ - عن أبي سعيد الخدري قال:
حَزَرْنَا قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر؛ فحزرنا قيامه في الركعتين الأُولَيَيْنِ من الظهر: قَدْرَ ثلاثين آية، قَدْرَ (الم. تنزيل) السجدة، وحزرنا قيامه في الأُخريين: على النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر: على قدر الأخريين من الظهر، وحزرنا قيامه في الأخريين من العصر: على النصف من ذلك.
(قلت: إسناده صحيح. وقد أخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا عبد الله بن محمد -يعني: النفيلي-: ثنا هُشَيْم: أخبرنا منصور عن الوليد بن مسلم الهُجَيْمِي عن أبي الصِّدِّيق الناجي عن أبي سعيد الخدري.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم؛ سوى النفيلي؛ فهو من رجال البخاري.
والحديث أخرجه مسلم (٢/ ٣٧)، وأبو عوانة (٢/ ١٥٢)، والدارمي (١/ ٢٩٥)، والبيهقي (٢/ ٦٤) من طرق أخرى عن هشيم ... به.
ثم أخرجوه من طريق أبي عوانة عن منصور بن زاذان ... به نحوه.
١٢٩ - باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر
٧٦٧ - عن جابر بن سمرة:
أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بـ: (السماء والطارق) و (السماء ذات البروج)؛ ونحوهما من السور".
стр. 1278
(قلت: إسناده حسن صحيح، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد عن سِمَاك بن حرب عن جابر ابن سَمُرة.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات على شرط مسلم؛ غير أن سماكًا مضطرب الرواية عن عكرمة خاصة، وهذه ليست منها؛ إلا أنه كان قد تغير بأخرة، فكان ربما يُلَقَّنُ، كما في "التقريب"؛ لكن سيأتي أن شعبة قد روى هذا الحديث عنه، وهو سمع منه قبل التغيُّر؛ فالحديث صحيح. قال يعقوب:
"وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبِّتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان؛ فحديثهم عنه صحيح مستقيم".
والحديث أخرجه النسائي (١/ ١٥٣)، والترمذي (٢/ ١١٠ - ١١١)، والدارمي (١/ ٢٩٥)، والبيهقي (٢/ ٣٩١)، والطيالسي (١/ ٩٣ / ٤٠٧)، وأحمد (٥/ ١٠٣ و ١٠٦ و ١٠٨) من طرق عن حماد بن سلمة ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
وتابعه شعبة عن سماك ... به نحوه، وهو الذي بعده.
٧٦٨ - وعنه قال:
كان رسول الله ﷺ إذا دَحَضَتِ الشمس صلى الظهر، وقرأ بنحو من (والليل إذا يغشى)، والعصرَ كذلك، والصلوات؛ إلا الصبح؛ فإنه كان يطيلها.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه هو وأبو عوانة في
стр. 1279
"صحيحيهما" مختصرًا).
إسناده: حدثنا عبيد الله بن معاذ: ثنا أبي: ثنا شعبة عن سماك سمع جابر ابن سمرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وشعبة سمع من سماك قديمًا، كما سبق في الذي قبله.
والحديث أخرجه مسلم (٢/ ٤٠)، وأبو عوانة (٢/ ١٥٠)، والنسائي (١/ ١٥٣)، وأحمد (٥/ ٨٦ و ٨٨ و ١٠٨)، والطيالسي (١/ ٩٣ / ٤٠٨) من طرق أخرى عن شعبة ... نحوه مختصرًا؛ دون ذكر الشمس والصلوات.
٧٦٩ - عن عبد الله بن عبيد الله قال:
دخلت على ابن عباس -في شباب من بني هاشم-، فقلنا لشابٍّ منا: سَلِ ابنَ عباس: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا. فقيل له: فلعلّه كان يقرأ في نفسه؟ فقال:
خَمْشًا! هذه شرٌّ من الأولى، كان عبدًا مأمورًا؛ بلَّغَ ما أُرسل به، وما اخَتَصَّنا دون الناس بشيء؛ إلا بثلاثِ خِصالٍ: أمَرَنا أن نُسْبغَ الوضوءَ، وأن لا نأكلَ الصدقةَ، ولا نُنْزِيَ الحمارَ على الفَرَسِ.
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه الترمذي مختصرًا؛ وقال: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا مسدد ثنا: عبد الوارث عن موسى بن سالم: ثنا عبد الله بن عبيد الله.
стр. 1280
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير موسى بن سالم -وهو أبو جهضم مولى آل العباس-، وهو ثقة اتفاقًا.
والحديث أخرجه النسائي (٢/ ١٢١)، والترمذي (٣/ ٣١)، وأحمد (١/ ٢٤٩) من طرق أخرى عن موسى بن سالم ... به؛ وليس عند الترمذي ما قبل: وكان عبدًا ... ، وقال:
"حديث حسن صحيح".
٧٧٠ - وعنه قال:
لا أدري؛ أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ !
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري).
إسناده: حدثنا زياد بن أيوب: ثنا هُشَيْم: أخبرنا حُصَيْنٌ عن عكرمة عن ابن عباس.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات على شرط البخاري.
والحديث أخرجه أحمد (١/ ٢٤٩ و ٢٥٨) من طرق أخرى عن هشيم ... به.
١٣٠ - باب قدر القراءة في المغرب
٧٧١ - وعنه:
أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ: (والمرسلات عرفًا)، فقالت: يا بني! لقد ذكَّرْتَني بقراءتك هذه السورة؛ إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب.
стр. 1281
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن ابن عباس.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات على شرط الشيخين؛ والقعنبي: اسمه عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَبٍ، ثقة عابد؛ كان ابن معين وابن المديني لا يقدِّمان عليه في "الموطأ" أحدًا.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٩٩ - ١٠٠) ... بهذا السند واللفظ.
ومن طريقه: أخرجه البخاري (٢/ ١٢٦)، ومسلم (٢/ ٤٠ - ٤١)، وأبو عوانة (٢/ ١٥٣)، وأحمد (٦/ ٣٤٠) كلهم عن مالك ... به.
وتابعه جماعة عن ابن شهاب ... مختصرًا.
أخرجه النسائي (١/ ١٥٤)، والترمذي (٢/ ١١٢)، والدارمي (١/ ٢٩٦). وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
وتابعه أنس بن مالك عن أم الفضل بنت الحارث قالت: صلى بنا رسول الله ﷺ في بيته المغرب؛ فقرأ (المرسلات)؛ ما صلى بعدها صلاة حتى قُبِضَ ﷺ .
أخرجه النسائي، وأحمد (٦/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
стр. 1282
٧٧٢ - عن جُبَيْر ِبن مُطْعِمٍ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بـ (الطُّورِ) في المغرب.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ عن أبيه.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين كالذي قبله.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٩٩) ... بهذا الإسناد والمتن.
ومن طريقه: أخرجه البخاري (٢/ ١٢٦)، ومسلم (٢/ ٤١)، وأبو عوانة (٢/ ١٥٤)، والنسائي (١/ ١٥٤)، وأحمد (٤/ ٨٥) كلهم عن مالك ... به.
وأخرجه البخاري (٦/ ١١٦)، ومسلم وأبو عوانة، والدارمي (١/ ٢٩٦)، والبيهقي (٢/ ١٩٣ و ١٩٤)، وأحمد (٤/ ٨٠ و ٨٣ و ٨٤) من طرق أخرى عن ابن شهاب ... به.
وله في "المسند" (٤/ ٨٣) طريق أخرى عن جبير بن مطعم.
٧٧٣ - عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت:
ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بِطُولى الطولَيَيْن؟ !
قال: قلت: ما طُولى الطوليين؟ قال:
стр. 1283
(الأعراف) والأخرى (الأنعام).
قال: وسألت أنا ابن أبي مليكة؟ فقال لي من قبل نفسه: (المائدة) و (الأعراف)!
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه في "صحيحه" مختصرًا).
إسناده: حدثنا الحسن بن علي: ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج: حدثني ابن أبي مليكة عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير مروان بن الحكم؛ فعلى شرط البخاري وحده، ولكنه متكلم فيه؛ أورده الذهبي في "الميزان"، وقال:
"وله أعمال موبقة، نسأل الله السلامة! رمى طلحة بسهم، وفعل وفعل". وقال الحافظ في "التهذيب":
"وعاب الإسماعيلي على البخاري تخريج حديثه، وعدَّ من موبقاته: أنه رمى طلحة -أحد العشرة- يوم الجمل، وهما جميعًا مع عائشة، فقتل، ثم وثب على الخلافة بالسيف. واعتذرتُ عنه في (مقدمة شرح البخاري) ".
قلت: وخلاصة ما ذكره في "المقدمة" (٢/ ١٦٤):
"أن البخاري إنما أخرج له أحاديث من رواية جماعة عنه، منهم عروة بن الزبير لما كان أميرًا عندهم بالمدينة، قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزبير ما بدا. والله أعلم".
قلت: على أن وجود مروان هذا في إسناد الحديث لا يضر؛ لأنه ثبت سماع
стр. 1284
عروة بن الزبير له من زيد بن ثابت، وله شاهد من حديث عائشة، كما يأتي قريبًا.
والحديث أخرجه أحمد (٥/ ١٨٩): ثنا عبد الرزاق وابن أبي بكر قالا: أنا ابن جريج ... به؛ وفيه: قال:
قلت لعروة: ما طولى ...
ثم أخرجه هو (٥/ ١٨٨)، والنسائي (١/ ١٥٤) من طرق أخرى عن ابن جريج ... به.
وتابعه هشام بن عروة عن أبيه عن مروان بن الحكم ... به نحوه.
أخرجه أحمد (٥/ ١٨٧) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام ... به.
وخالفه يحيى بن سعيد فقال: عن هشام قال: أخبرني أبي: أن زيد بن ثابت أو أبا أيوب قال لمروان ...
أخرجه أحمد (٥/ ١٨٥).
وقال حماد: عن هشام عن أبيه:
أن مروان كان يقرأ في المغرب بسورة (يس). قال عروة: قال زيد بن ثابت -أو أبو زيد الأنصاري؛ شك هشام- لمروان ... الحديث.
أخرجه الطحاوي (١/ ١٢٤ - ١٢٥).
فلم يذكر يحيى بن سعيد وحماد بن سلمة: مروان بن الحكم بين عروة وزيد.
فالظاهر أنه قد تلقاه من زيد مباشرة!
ويؤيده رواية أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يقول: أخبرني زيد بن ثابت:
стр. 1285
أنه قال لمروان بن الحكم ...
أخرجه الطحاوي هكذا، والنسائي نحوه. قال الحافظ في "الفتح":
"فكأن عروة سمعه من مروان عن زيد، ثم لقي زيدًا فأخبره".
ويشهد له حديث عائشة:
أن رسول الله ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة (الأعراف)؛ فرّقها في ركعتين.
أخرجه النسائي بسند صحيح، وكذا البيهقي (٢/ ٣٩٢).
١٣١ - باب من رأى التخفيف فيها
٧٧٤ - عن هشام بن عروة:
أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما تقرأُون (والعاديات) ونحوها من السور.
(قلت: هذا مقطوع، وإسناده صحيح على شرط مسلم).
قال أبو داود: "هذا يدل على أن ذاك منسوخ"!
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد: أخبرنا هشام بن عروة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ ولكنه مقطوع موقوف على عروة؛ وحماد: هو ابن سلمة.
ويشهد له حديث أبي هريرة:
стр. 1286
كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بقصار المُفَصَّلِ.
أخرجه الطحاوي (١/ ١٢٦)، والبيهقي (٢/ ٣٩١) من طريق الضَّحَّاك بن عثمان قال: حدثني بُكَيْرُ بن الأشَجِّ عن سليمان بن يسار عنه.
وهذا إسناد صحيح.
ولا تعارض بينه وبين الأحاديث التي في الباب قبله؛ خلافًا لقول المصنف الآتي بأن ذلك منسوخ! فأين دليل النسخ؟ ! بل الصواب: أنه ﷺ كان يقرأ تارة بهذا، وتارة بهذا. وقد أشار إلى ذلك البيهقي؛ فإنه عقد بابًا -بعد حديث أبي هريرة- فقال:
"باب مَنْ لم يُضَيِّقِ القراءة فيها بأكثر مما ذكرنا ... "، ثم ساق حديث جبير ابن مطعم وأم الفضل وزيد بن ثابت المذكور في الباب قبله.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٣٩٢) من طريق المصنف.
١٣٢ - باب الرجل يُعِيدُ سورة واحدة في الركعتين
٧٧٥ - عن معاذ بن عبد الله الجُهَنِيِّ: أن رجلًا من جُهَيْنَةَ أخبره:
أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح: (إذا زلزت الأرض) في الركعتين كلتيهما؛ فلا أدري؛ أنسي رسول الله ﷺ ، أم قرأ ذلك عمدًا؟ !
(قلت: إسناده حسن، وصححه النووي).
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح: ثنا ابن وهب: أخبرني عمرو عن ابن أبي هلال عن معاذ بن عبد الله الجُهَنِيِّ.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير معاذ بن
стр. 1287
عبد الله الجهني، وهو ثقة تكلم فيه بعضهم، وقال الحافظ:
"صدوق ربما وهم". وابن أبي هلال -واسمه سعيد- وإن احتج به الشيخان؛ فقد رمي بالتخليط؛ قال الحافظ في "مقدمة الفتح" (٢/ ١٣١):
"وثقه ابن سعد والعجلي وأبو حاتم وابن خزيمة والدارقطني وابن حبان وآخرون. وشذَّ الساجي؛ فذكره في "الضعفاء"، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: ما أدري أي شيء حديثه؟ يخلِّط في الأحاديث. وتبع ابنُ حزم الساجيّ؛ فضعف سعيد بن أبي هلال مطلقًا! ولم يصب في ذلك. والله أعلم، احتج به الجماعة".
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٣٩٠) من طريق أبي داود. وقال النووي في "المجموع" (٣/ ٣٨٢):
"إسناده صحيح"!
١٣٣ - باب القراءة في الفجر
٧٧٦ - عن عمرو بن حُرَيْثٍ قال:
كأنِّي أسمع صوت النبي ﷺ . يقرأ في صلاة الغداة: (فلا أقسم بالخُنَّسِ. الجَوَارِ الكُنَّسِ).
(قلت: حديث صحيح. أخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي: أخبرنا عيسى بن يونس عن إسماعيل عن أصْبَغَ مولى عمرو بن حريث عن عمرو بن حريث.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير أصبغ هذا، وهو
стр. 1288
ثقة، ولكنه تغير بآخره، حتى كُبِّلَ بالحديد، كما قال ابن حبان!
وإسماعيل: هو ابن أبي خالد.
والحديث أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٧٢) من طريق ابن نُمَيْرٍ: ثنا إسماعيل بن أبي خالد ... به.
وأخرجه مسلم (٢/ ٣٩)، وأبو عوانة (٢/ ١٥٩)، والبيهقي (٢/ ٣٨٨)، وأحمد (٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧) من طريق الوليد بن سَرِيعُ عن عمرو بن حريث ... بمعناه.
وأحمد (٤/ ٣٠٧) من طريق الحَجَّاج المُحَاربي عن أبي الأسود عن عمرو بن حريث ... به مثل لفظ الكتاب.
وهذا سند جيد في المتابعات.
١٣٤ - باب من ترك القراءة في صلاته بـ (فاتحة الكتاب)
٧٧٧ - عن أبي سعيد قال:
أُمِرْنا أن نقرأ بـ: (فاتحة الكتاب) وما تَيَسَّرَ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حبان (١٧٨٧)، والحافظ ابن حجر).
إسناده: حدثنا أبو الوليد الطيالسي: ثنا همام عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (١/ ٢٢٢ - مصر):
стр. 1289
"إسناده صحيح".
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٤٥) قال: ثنا بهز وعفان قالا: ثنا همام ... به؛ إلا أنه قال:
أمرنا نبينا ﷺ ...
وتابعه أبو سفيان السعدي عن أبي نضرة ... به مرفوعًا؛ بلفظ:
"لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بـ: ﴿الحمد لله﴾ وسورة؛ في فريضة أو غيرها".
أخرجه ابن ماجة (٨٣٩).
والسعدي هذا ضعيف، واسمه: طَرِيفُ بن شهاب.
٧٧٨ - عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله ﷺ :
"اخرج فنادِ في المدينة: أنه لا صلاة إلا بقرآن؛ ولو بـ (فاتحة الكتاب)، فما زاد".
(وفي رواية قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي:
"لا صلاة إلا بقراءة (فاتحة الكتاب)، فما زاد").
(قلت: حديث صحيح باللفظ الثاني، وصححه الحاكم والذهبي. وأخرج مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما" معناه عن عبادة بن الصامت. ويأتي في الكتاب بعد حديث).
إسناده: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي: أخبرنا عيسى عن جعفر بن
стр. 1290
ميمون البصري ثنا أبو عثمان النهدي قال: حدثني أبو هريرة ... به.
ثم قال أبو داود: حدثنا ابن بشار: ثنا يحيى: ثنا جعفر عن أبي عثمان عن أبي هريرة قال ... فذكره بالرواية الثانية.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير جعفر بن ميمون البصري؛ قال أحمد:
"ليس بقوي في الحديث". وقال ابن معين:
"ليس بذاك". وقال في موضع آخر:
"صالح الحديث". وقال مرة:
"ليس بثقة". وقال أبو حاتم:
"صالح". وقال النسائي:
"ليس بالقوي". وقال الدارقطني:
"يعتبر به". وقال ابن عدي:
"لم أر أحاديثه منكرة، وأرجو أنه لا بأس به، ويكتب حديثه في الضعفاء".
وقال البخاري:
"ليس بشيء".
قلت: ويتلخَّص من هذه الكلمات: أن الرجل في نفسه صدوق، لكنه ضعيف الحفظ. ولذلك قال الحافظ:
"صدوق يخطيء".
стр. 1291
فمثله يستشهد به.
والحديث أخرجه البخاري في "جزء القراءة" (ص ٤)، والدارقطني (ص ١٢١ - ١٢٢)، والحاكم (١/ ٢٣٩) من طريق يحيى بن سعيد القطان ... به. وقال الحاكم:
"حديث صحيح لا غبار عليه؛ فإن جعفر بن ميمون العبدي من ثقات البصريين، ويحيى بن سعيد لا يحدث إلا عن الثقات"!
كذا قال، ووافقه الذهبي! والحق:
أن الحديث صحيح يشاهده الذي قبله.
وله شاهد آخر عن عبادة بن الصامت ... مرفوعًا:
"لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن فصاعدًا".
أخرجه مسلم (٢/ ٩)، وأبو عوانة (٢/ ١٢٤)، والنسائي (١/ ١٤٥)، والبيهقي (٢/ ٣٧٤).
وأخرجه ابن حبان (٤٥٣) من طريق أخرى عن عيسى بن يونس عن جعفر ابن ميمون ... باللفظ الثاني؛ فهو المحفوظ.
٧٧٩ - عن أبي السائب مولى هشام بن زُهْرة قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ :
"من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن؛ فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ فهي خِداجٌ، غير تمام".
قال: فقلت: يا أبا هريرة! إني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ !
стр. 1292
قال: فغمز ذراعي، وقال: اقرأ بها يا فارسي! في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين؛ فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل". قال رسول الله ﷺ :
"اقرأوا؛ يقول العبد: (الحمد لله رب العالمين)، يقول الله: حَمِدني عبدي. يقول: (الرحمن الرحيم)، يقول الله : أثنى عليَّ عبدي. يقول العبد: (مالك يوم الدين)، يقول الله : مَجَّدني عبدي. يقول العبد (إياك نعبد وإياك نستعين)، يقول الله: وهذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. يقول العبد: (اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، يقول الله: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل! .
(إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وابن حبان (١٧٨١)، وأبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن").
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زُهْرة يقول ...
قلت: وهذا إسناد صحيح؛ على شرط مسلم، وقد أخرجه كما يأتي.
والحديث عند مالك في "الموطأ" (١/ ١٠٦ - ١٠٧) ... بهذا الإسناد.
وأخرجه عنه: مسلم (٢/ ٩ - ١٠)، وأبو عوانة (٢/ ١٢٦)، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (ص ٧٤)، والنسائي (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، وأحمد (٢/ ٤٦٠) كلهم عن
стр. 1293
مالك ... به.
وأخرج مسلم وأبو عوانة، والبخاري في "جزء القراءة" (ص ١٩) من طرق أخرى عن العلاء ... به.
وكذلك أخرجه الترمذي (٤/ ٦٦) -وقال: "حديث حسن"-، وأحمد (٢/ ٢٤١ و ٢٥٠ و ٢٨٥)، وابن ماجة (٨٣٨).
٧٨٠ - عن عبادة بن الصامت يبلغ به النبي ﷺ قال:
"لا صلاة لمن لم يقرأ بـ (فاتحة الكتاب) فصاعدًا".
قال سفيان: لمن يصلي وحده.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وليس عنده ولا البخاري: "فصاعدًا").
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد وابن السرح قالا: ثنا سفيان عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت.
قلت: وهذا إسناد صحيح، وهو على شرط الشيخين من طريق قتيبة، وعلى شرط مسلم من طريق ابن السرح -واسمه أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح-.
وقد أخرجاه -كما يأتي- من طرق عن سفيان -وهو ابن عيينة- دون قوله: "فصاعدًا".
وأراه هو المحفوظ؛ فقد أخرجه سائر الأئمة في كتبهم عن بضعة عشر حافظًا
стр. 1294
كلهم عن سفيان؛ بدون هذه الزيادة. حتى لقد ألقي في نفسي أنها خطأ من بعض النساخ لهذا الكتاب؛ لولا أني رأيتها في "مختصر السنن" للمنذري.
وإليك أسماءَ الرواة الذين وقفت على روايتهم للحديث بدون الزيادة، مع ذكر مصادرها:
١ - الإمام أحمد في "مسنده" (٥/ ٣١٤): ثنا سفيان بن عيينة.
٢ - الحميدي في "مسنده" (١/ ١٩١ / ٣٨٦): ثنا سفيان ... به.
ومن طريقه: أبو عوانة (٢/ ١٢٤).
٣ - علي بن المديني: حدثنا سفيان ... به: أخرجه البخاري عنه (٢/ ١٢٥).
٤ - الحجاج بن مِنْهال: ثنا سفيان ... به: أخرجه البخاري في "جزء القراءة" (٤).
٥ - أبو بكر بن أبي شيبة.
٦ - عمرو بن الناقد.
٧ - إسحاق بن إبراهيم.
ثلاثتهم عن سفيان ... به: أخرجه عنهم جميعًا: مسلم (٢/ ٨ - ٩).
٨ - محمد بن منصور عنه: أخرجه النسائي (١/ ١٤٥) عنه.
٩ - محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي العدني.
١٠ - علي بن حجر.
أخرجه الترمذي (٢/ ٢٥).
١١ - هشام بن عمار.
١٢ - سهل بن أبي سهل
١٣ - إسحاق بن إسماعيل.
أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٧٦) عنهم قالوا: ثنا سفيان ... به.
стр. 1295
١٤ - سَوَّار بن عبد الله العنبري.
١٥ - عبد الجبار بن العلاء.
١٦ - محمد بن عمرو بن سليمان.
١٧ - زياد بن أيوب.
١٨ - الحسن بن محمد الزعفراني.
أخرجه الدارقطني (١٢٢) عن ابن صاعد عنهم جميعًا: ثنا سفيان.
وأخرجه البيهقي (٢/ ٣٨) عن الزعفراني وحده.
قلت: فكل هؤلاء -وفيهم كبار الأئمة والحفاظ- لم يقولوا عن سفيان: "فصاعدًا"! فذلك يدل دلالة قاطعة على أن هذه الزيادة غير محفوظة عنه؛ فلا أدري ممن الوهم؟ أَمِنْ بعض رواة كتاب "السنن"؟ ! أم من المؤلف؟ ! أم من شيخيه: قتيبة بن سعيد وابن السرح؟ ! والاحتمال الأول هو الأقرب، ثم ... وثم ...
نعم؛ قد روى هذه الزيادة: معمر عن الزهري، وهي معروفة به:
أخرجه مسلم وأبو عوانة والنسائي، والبيهقي (٢/ ٣٧٤)، وأحمد (٤/ ٣٢٢) من طرق عن عبد الرزاق عنه. وقد أشار البخاري إلى أنها شاذة، فقال في "جزء القراءة" (ص ٤):
"وعامة الثقات لم تتابع معمرًا في قوله: "فصاعدًا"؛ مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب. وقوله: "فصاعدًا " غير معروف".
قلت: ومن هؤلاء الثقات الذين أشار إليهم البخاري: صالح بن كَيْسَان: عنده في "الجزء" (٣)، وكذا مسلم، وأبي عوانة، وأحمد (٤/ ٤٢١).
ويزيد بن يونس: عندهم جميعًا -ما عدا أحمد-، وعند البيهقي أيضًا (٢/ ٦١)، وكذا الدارمي (١/ ٢٨٣). وذهل الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح"؛ فلم يَعْزُ هذه الزيادة لمسلم؛ خلافًا لصنيعه في "التلخيص"، وقال:
стр. 1296
"قال ابن حبان: تفرد بها معمر عن الزهري".
قلت: لكن يشهد لها حديث أبي سعيد المتقدم (٧٧٧)، وكذا حديث أبي هريرة بعده.
٧٨١ - عن أبي هريرة:
أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال:
"هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ ".
فقال رجل: نعم يا رسول الله! قال:
"إني أقول: ما لي أنازعَ القرآن؟ ! ".
قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ ، فيما جهر به النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات؛ حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ .
(قلت: إسناده صحيح، وقال الترمذي: "حديث حسن").
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن ابن أُكَيْمَةَ الليْثِيِّ عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير ابن أكيمة -واسمه عمارة، وقيل: عمار، وقيل غير ذلك- وهو ثقة، ولو لم يرو عنه غير الزهري؛ فقد قال أبو حاتم:
"صحيح الحديث، حديثه مقبول" (١). وقال يحيى بن سعيد:
стр. 1297
"ثقة". وقال ابن معين:
"كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب"؛ يعني: الرواية الثانية في الكتاب.
قلت: فتوثيق هؤلاء الأئمة لابن أكيمة مقدم على تجهيل من جهله؛ لأن من وثقه معه من العلم ما ليس عند من جَهَّله. ولذلك جزم الحافظ في "التقريب" بأنه: "ثقة".
فلا التفات بعد ذلك إلى إعلال من أعل الحديث بالجهالة، كما فعل البيهقي، وهو معارض بتصحيح وتحسين غيره كما يأتي!
والحديث في "موطأ مالك" (١/ ١٠٨) ... بهذا السند واللفظ.
وقد أخرجه من طريقه: البخاري في "جزء القراءة" (ص ٢٤ و ٥٦ - ٥٧)، والنسائي (١/ ١٤٦)، والترمذي (٢/ ١١٨ - ١١٩)، والطحاوي (١/ ١٢٧ - ١٢٨)، وابن حبان (٤٥٤)، والبيهقي (٢/ ١٥٧)، وأحمد (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢) كلهم عن مالك ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن". وقال المصنف عقبه:
"روى حديث ابن أكيمة هذا: معمر، ويونس، وأسامة بن زيد: عن الزهري ... على معنى مالك".
قلت: حديث معمر؛ وصله أحمد (٢/ ٢٨٤): ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن الزهري ... به.
ووصله ابن ماجة (١/ ٢٧٦) من طريق عبد الأعلى: ثنا معمر ... به، إلا أنه قال:
стр. 1298
فسكتوا -بعد- فيما جهر فيه الإمام.
وحديث يونس؛ وصله البخاري في "جزئه": ثنا عبد الله بن محمد قال: ثنا الليث قال: ثني يونس عن ابن شهاب ... به؛ وزاد -بعد قوله: فيما جهر به النبي ﷺ :
وقرأوا في أنفسهم سرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام.
وأما حديث أسامة بن زيد؛ فلم أقف الآن على من وصله!
وبالجملة؛ فقد اتفق الإمام مالك ومعمر ويونس وأسامة على سياق الحديث بهذا التمام؛ على اختلاف فيه على معمر، يأتي بيانه في الكلام على الرواية الآتية في الكتاب.
وخالفهم آخرون؛ فلم يذكروا قوله في آخره:
قال: فانتهى الناس عن القراءة ...
وبعضهم جعلها من قول الزهري.
وبعضهم من قول معمر.
وفي رواية عنه قال: (*)
صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة -نظن أنها الصبح- ... بمعناه إلى قوله: "ما لي أُنازَع القرآن".
قال مسدد في حديثه: قال معمر: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﷺ ...
وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة:
стр. 1299
فانتهى الناس ...
وقال عبد الله بن محمد الزهري -من بينهم-: قال سفيان: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها! فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس.
(إسناده صحيح؛ وقوله: فانتهى الناس ... هو موصول أيضًا من قول أبي هريرة. وقول من قال: قال معمر، أو: قال الزهري ... إنما يعني: بإسناده المتصل لهذا الحديث إلى أبي هريرة. وإنما خص الراوي -وهو سفيان بن عيينة- معمرًا أو الزهري بالذكر؛ لأنه لم يسمعه منه الزهري مباشرة كما سمع أصل الحديث؛ وإنما سمعه من معمر، وهذا عن الزهري حفظ عنه الأصل والزيادة، ولم يحفظها عنه سفيان، فرواها عن معمر؛ يعني بسند الأصل. وتوضيح ذلك فيما يأتي).
إسناده: حدثنا مسدد وأحمد بن محمد المَرْوَزِيُّ ومحمد بن أحمد بن أُبيّ بن خلف وعبد الله بن محمد الزهري وابن السَّرْح قالوا: ثنا سفيان عن الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدِّث سعيد بن المسيب قال: سمعت أبا هريرة يقول ...
قلت: وهذا إسناد صحيح كالذي قبله؛ لكنهم اختلفوا في قوله في آخره: فانتهى الناس ... هل هو من قول أبي هريرة؛ أم ممن دونه؟ وبعضهم لم يذكره أصلًا، مثل سفيان؛ فإنه لم يسمعها، كما صرحت بذلك رواية عبد الله الزهري.
ويشهد لها رواية أحمد قال (٢/ ٢٤٠): ثنا سفيان عن الزهري ... فذكره إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن؟ ! ". قال معمر: عن الزهري:
فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به رسول الله ﷺ .
قال سفيان: خفيت علي هذه الكلمة.
وأخرجه البيهقي من طريق علي بن المديني: ثنا سفيان: ثنا الزهري -حفظته
стр. 1300
من فيه- قال: سمعت ابن أكيمة ... فذكره إلى القول المذكور. قال علي بن المديني: قال سفيان: ثم قال الزهري شيئًا لم أحفظه، انتهى حفظي إلى هذا. وقال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ . قال علي: قال لي سفيان يومًا: فنظرت في شيء عندي؛ فإذا هو: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بلا شك.
وأخرجه ابن ماجة والحازمي في "الاعتبار" (ص ٧٢ - ٧٣) من طرق أخرى عن سفيان ... به إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن"؛ دون قوله: قال معمر ... إلخ. وقال المصنف عقب الحديث:
"قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وانتهى حديثه إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن". ورواه الأوزاعي عن الزهري قال فيه: قال الزهري: فاتَّعَظَ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرأون فيما يجهر به ﷺ . قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله: فانتهى الناس ... من كلام الزهري"!
وفيه أمور تحتاج إلى بيان أهمها آخرها فأقول:
أولًا: رواية عبد الرحمن بن إسحاق؛ وصلها الإمام أحمد (٢/ ٤٨٧): ثنا إسماعيل قال: أنا عبد الرحمن بن إسحاق ... به.
وتابعه ابن جريج: أخبرني ابن شهاب ... به.
أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٥): ثنا محمد بن بكر: أنا ابن جريج.
ثانيًا: رواية الأوزاعي؛ أخرجها الطحاوي (١/ ١٢٨)، وابن حبان (٤٥٥)، والبيهقي (٢/ ١٥٨) من طريقين عنه: حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول ... فذكره!
هكذا قال الأوزاعي: عن سعيد بن المسيب ... خلافًا لجميع الرواة عن