إسناده: حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: ثنا حماد. (ح) وثنا مسدد: ثنا عبد الوارث -وهذا حديث مسدد-عن أبي التَّيَّاح عن موسى بن سلمة عن ابن عباس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وقد أخرجه كما يأتي.
والحديث أخرجه أحمد (١/ ٢٧٩): ثنا عفان: ثنا حماد بن سلمة ... به.
وأخرجه مسلم (٤/ ٩٢)، والبيهقي (٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣) من طريق يحيى بن يحيى: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد ... به.
ثم أخرجاه هما، وابن الجارود (٤٢٥)، وأحمد (١/ ٢١٧) من طريق إسماعيل ابن عُلَيَّةَ عن أبي التياح ... به.
وخالفه في إسناده قتادة فقال. عن سنان بن سلمة عن ابن عباس أن ذُؤَيبًا أبا قبيصة حدثه: أن رسول الله ﷺ كان ... الحديث.
أخرجه مسلم، وابن ماجة (٢/ ٢٦٥)، والبيهقي، وأحمد (٤/ ٢٢٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١/ ٢١٣ / ١).
قلت: فجعله قتادة من (مسند قبيصة)، ولعله أصح من رواية أبي التياح الذي جعله من (مسند ابن عباس) لم يتجاوزه إلى قبيصة؛ فإن من المعلوم أن زيادة الثقة مقبولة. والله أعلم.
وله شاهد من حديث عمرو بن خارجة، يرويه شهر بن حوشب عنه ... نحوه: أخرجه أحمد (٤/ ٦٤ و ١٨٧ و ٢٣٨ و ٥/ ٣٧٧).
وشاهد آخر من حديث سَلَمَةَ بن المُحَبِّقِ ... مرفوعًا نحو: أخرجه أحمد (٥/ ٦).
стр. 2207
١٥٤٨ - قال أبو داود: "سمعت أبا سلمة يقول: إذا أقمتَ الإسناد والمعنى؛ كفاك".
قلت: أبو سلمة: هو موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكِيُّ، وهو ثقة من رجال الشيخين.
ووقع في بعض نسخ الكتاب قبيل قول المصنف هذا الزيادة الآتية:
قال أبو داود: "الذي تفرد به من هذا الحديث قوله: "ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك" ... ".
وبهذه الزيادة يظهر غرض المصنف من روايته المذكورة عن شيخه أبي سلمة، وهو الجواب عن التفرد المذكور، ويعني: أن إسناد الحديث مستقيم، ومعناه صحيح، فلا ضير في هذا التفرد.
وهذا كلام سليم، لكننا لا نسلم بالتفرد المذكور، فقد جاءت هذه الزيادة في حديثي عمرو بن خارجة وسلمة بن المحَبِّقِ المخرَّجَيْنِ آنفًا.
١٥٤٩ - عن عبد الله بن قُرْطٍ عن النبي ﷺ قال:
"إن أعظم الأيام عند الله ﵎ يومُ النَّحْر، ثم يومُ القَرِّ"؛ وهو اليوم الثاني.
قال: وقُرِّبَ لرسول الله ﷺ بَدَناتٌ خمسٌ أو ستٌّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إليه بأيَّتِهِنَّ يَبْدَأ، فلما وَجَبَتْ جُنوبُها قال: فَتَكَلَّمَ بكلمة خَفِيَّةٍ لم أفهمها، فقلت: ما قال: قال:
"من شاء اقتطع".
(قلت: إسناده صحيح، وقد صححه ابن حبان والحاكم).
стр. 2208
إسناده: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي. وأخبرنا مسدد: أخبرنا عيسى -وهذا لفظ إبراهيم- عن ثور عن راشد بن سعد عن عبد الله بن عامر بن لُحَيٍّ عن عبد الله بن قرْطٍ ...
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وقد صححه ابن حبان والحاكم، كما ذكرته في تخريج الحديث في "إرواء الغليل" (١٩٥٨)؛ فلا داعي للإعادة.
٢٠ - باب كيف تنْحَرُ البُدْنُ ؟
١٥٥٠ - عن جابر وعبد الرحمن بن سابط:
أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يَنْحَرُون البَدَنَةَ معقولةَ اليسرى، قائمةً على ما بَقِيَ من قوائمها.
(قلت: حديث صحيح).
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا أبو خالد الأحمر عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر. وأخبرني عبد الرحمن بن سابط: أن النبي ﷺ ...
قلت: إسناده عن جابر موصول على شرط مسلم؛ إلا أن ابن جريج وأبا الزبير كلاهما مدلس، وقد عنعناه.
والآخر: مرسل؛ لأن ابن سابط تابعي ثقة، والقائل: (وأخبرني) إنما هو ابن جريج، فهو مرسل صحيح، شاهد للمسند الموصول.
والحديث رواه البيهقي (٥/ ٢٣٧) من طريق المصنف.
ويشهد له حديث ابن عمر الآتي بعده.
стр. 2209
وما أخرجه البيهقي أيضًا عن سعيد بن جبير قال:
رأيت ابن عمر ينحر بَدَنَتَهُ وهي قائمة معقولةُ إحدى يديها صافنة.
وسنده صحيح.
١٥٥١ - عن زياد بن جُبَيْرٍ قال:
كنت مع ابن عمر بِمِنىً، فمرَّ برجل وهو ينحر بدنته وهي باركة، فقال:
ابعثها قيامًا مقيدةً، سنةَ محمد ﷺ .
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا هُشَيْمٌ: أخبرنا يونس: أخبرني زياد بن جبير.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث أخرجه أحمد في "المسند" (٢/ ٣) ... إسنادًا ومتنًا.
ثم أخرجه هو (٢/ ٨٦ و ١٣٩)، والبخاري (٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، ومسلم (٤/ ٨٩)، والدارمي (٢/ ٦٦)، والبيهقي (٥/ ٢٣٧) من طرق أخرى عن يونس بن عبيد ... به.
١٥٥٢ - عن علي ﵁ قال:
أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنِهِ، وأقسم جلودها وجِلالها، وأمرني أن لا أُعْطِيَ الجَزَّارَ منها شيئًا، وقال:
стр. 2210
"نحن نُعْطِيهِ من عندنا".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وابن الجارود. وليس عند البخاري آخره).
إسناده: حدثنا عمرو بن عون: أخبرنا سفيان -يعني: ابن عيينة- عن عبد الكريم الجَزَرِيِّ عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵁ قال ...
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث أخرجه الحميدي في "مسنده" (٤١): ثنا سفيان ... به.
وأخرجه الشيخان أيضًا وغيرهما، كما بينا في "الإرواء" (١١٦١)؛ فلا نعيد تخريجه.
٢١ - باب في وقت الإحرام
١٥٥٣ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه قال:
بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أهلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد. يعني: مسجد ذي الحليفة.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه. وصححه الترمذي).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه من طريق مالك،
стр. 2211
وهذا في "الموطأ" ... به، وهو مخرج في "الإرواء" (١٠٩٧).
١٥٥٤ - عن عُبَيْدِ بن جُرَيجٍ: أنه قال لعبد الله بن عمر:
يا أبا عبد الرحمن! رأيتك تصنع أربعًا لم أرَ أحدًا من أصحابك يصنعها؟ !
قال: ما هُنَّ يا ابن جريج؟ ! قال:
رأيتك لا تمسُّ من الأركان إلا اليَمَانِيَيْنِ، ورأيتك تَلْبَسُ النِّعالَ السِّبْتِيَّةَ، ورأيتك تَصْبُغُ الصُّفْرَةَ، ورأيتك إذا كنت بمكة أهلَّ الناس إذا رَأوا الهلال، ولم تُهِلَّ أنت حتى كان يوم التروية؟ فقال عبد الله بن عمر:
أما الأركان؛ فإني لم أر رسول الله ﷺ يمس إلا اليَمَانِيَيْن.
وأما النِّعالُ السَّبتيَّةُ؛ فإني رأيت رسول الله ﷺ يَلْبَسُ النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألْبَسَهَا.
وأما الصُّفْرَةُ؛ فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها؛ فأنا أحب أن أصبغ بها.
وأما الإهلال؛ فإني لم أرَ رسولَ الله ﷺ يُهِلُّ حتى تنبعث به راحِلَتُهُ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأحد إسنادي البخاري إسناد المصنف).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عُبَيْدٍ ابن جريج.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
стр. 2212
والحديث أخرجه البيهقي (٥/ ٣٧) من طريق المصنف وغيره عن القعنبي.
وعنه: أخرجه البخاري (١٠/ ٢٥٣).
وأخرجه هو (١/ ٢١٥)، ومسلم (٤/ ٩)، وأحمد (٢/ ٦٦ و ١١٠) من طرق أخرى عن مالك، وهذا في "الموطأ" (١/ ٣٠٨).
١٥٥٥ - عن أنس قال:
صلى رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلمَّا ركب راحلته واستوت به أهلَّ.
(قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وقد أخرجه البخاري).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا محمد بن بكر: ثنا ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجه البخاري كما يأتي.
والحديث أخرجه أحمد في (مسند جابر) (٣/ ٣٧٨): ثنا محمد بن بكر ... به سندًا ومتنًا.
وأخرجه البخاري (٣/ ٣١٨) من طريق هشام بن يوسف: أخبرنا ابن جريج: حدثنا ابن المنكدر ... به.
وأخرجه البيهقي (٣/ ٣٨) من طريق ثالثة عن ابن جريج ... به مثل رواية الكتاب.
стр. 2213
وتابعه أبو قلابة عن أنس ... به؛ وزاد: على البيداء.
أخرجه البخاري (٣/ ٣٢١).
وله متابعة ثانية، تأتي في الكتاب بعده.
١٥٥٦ - ومن طريق أخرى عنه:
أن النبيَّ ﷺ صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهلَّ.
(قلت: حديث صحيح، وصححه ابن حبان).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا رَوْحٌ: ثنا أشعث عن الحسن عن أنس.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أشعث -وهو ابن عبد الملك الحُمْرَاني-، فإنه من رجال البخاري وحده.
لكن الحسن -وهو البصري- مدلس، وقد عنعنه.
والحديث في "مسند أحمد" (٣/ ٢٠٧) ... بإسناده ومتنه. وهو مختصر الذي قبله.
وأخرجه النسائي (٢/ ١٩ و ٣٧) من طريق أخرى عن أشعث ... به وزاد: بالحج والعمرة.
ولابن حبان (٩٩٢) نحوه.
стр. 2214
٢٢ - باب الاشتراط في الحج
١٥٥٧ - عن ابن عباس:
أن ضُبَاعَةَ بنت الزُّبَيْرِ بن عبد المطلب أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج؛ أشترط؟ قال:
"نعم". قالت: فكيف أقول؟ قال:
"قولي: لبيك اللهم! لبيك، ومَحِلِّي من الأرض حَيْث حَبَسْتَنِي".
(قلت: إسناده حسن صحيح. وأخرجه مسلم بنحوه عنه، والشيخان وابن الجارود وابن حبان عن عائشة).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا عَبَّاد بن العَوَام عن هلال بن خبّابٍ عن عكرمة عن ابن عباس.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير هلال، وهو حسن الحديث.
وقد تابعه جمع من الثقات. عند مسلم.
وله شواهد خرجتها في "الإرواء" (١٠٠٩ - ١٠١٠).
٢٣ - باب في إفراد الحج
١٥٥٨ - عن عائشة:
أنَّ رسول الله ﷺ أفْرَدَ الحِجَّ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه مسلم، وابن حبان (٣٩٢٣)).
стр. 2215
إسناده: حدثنا القعنبي: ثنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجه مسلم كما يأتي.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٣١٠) ... سندًا ومتنًا.
وعنه: أخرجه مسلم أيضًا (٤/ ٣١)، والنسائي (٢/ ١٣)، والترمذي (٨٢٠) -وقال: "حديث حسن صحيح"-، والدارمي (٢/ ٣٥)، وابن ماجة (٢٠/ ٢٢٦)، والبيهقي (٥/ ٣)، وأحمد (٦/ ١٠٤) من طرق عن مالك ... به.
وتابعه ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم بن محمد ... به.
أخرجه أحمد (٦/ ١٠٧).
وتابعه عروة عن عائشة ... به.
أخرجه مسلم (٤/ ٢٨)، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد (٦/ ١٠٧ و ٢٤٣).
وله عنده طريق ثالثة عنها.
١٥٥٩ - ومن طريق ثانية عنها قالت:
خرجنا مع رسول الله ﷺ مُوَافِينَ هلالَ ذي الحجة، فلما كان بذي الحليفة قال:
"من شاء أن يُهِلَّ بحجَ؛ فَلْيُهِلَّ، ومن شاء أن يُهِلَّ بعمرة؛ فَلْيُهِلَّ بعمرة، -قال موسى في حديث وهيب: فإني لولا أني أهديت؛ لأهللت بعمرة. وقال في حديث حماد بن سلمة: وأما أنا فأهل بالحج؛ فإن معي الهدي-، -ثم اتفقوا-؛ فكنت فيمن أهل بعمرة، فلما كان في بعض
стр. 2216
الطريق؛ حِضْتُ، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال:
"ما يبكيك؟ ". قلت: وَدِدْتُ أني لم أكن خرجت العامَ. قال:
"ارفضي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي -قال موسى: وأهلِّي بالحج. وقال سليمان: واصنعي ما يصنع المسلمون في حَجِّهِمْ-".
فلما كان ليلة الصَّدَرِ؛ أمر -يعني: رسول الله ﷺ عَبْدَ الرحمنِ، فذهب بها إلى التنعيم -زاد موسى: فأهلَّتْ بعمرة مكان عمرتها، وطافت بالبيت، فقضى الله عُمْرَتَها وحَجَّها. قال هشام: ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ. زاد موسى في حديث حماد بن سلمة: فلما كانت ليلة البَطْحَاءِ؛ طَهُرَتْ عائشة ﵂.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ إلا حديث ابن سلمة فهو على شرط مسلم، وقد أخرجه في "صحيحه"، وأخرجه هو والبخاري من حديث غيره).
إسناده: حدثنا سليمان بن حرب قال: ثنا حماد بن زيد. (ح) وثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد -يعني: ابن سلمة-. (ح) وثنا موسى: ثنا وهيب عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة.
قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين من الوجوه الثلاثة عن هشام بن عروة؛ غير حماد بن سلمة، فهو على شرط مسلم وحده، وقد أفرد المصنف لفظه قريبًا بعد ثلاث روايات عنها، وفيه جملة مستنكرة عندي، كما سأبينه هناك إن شاء الله تعالى.
والحديث أخرجه البخاري (١/ ٣٣١ - ٣٣٢ و ٣/ ٤٨٠ - ٤٨١)، ومسلم (٤/ ٢٨
стр. 2217
- ٢٩)، وأحمد (٦/ ١٩١) من طرق عن هشام بن عروة ... به.
وكذلك أخرجه ابن ماجة (٢/ ٢٣٤) -بتمامه-، والنسائي -بعضه - (٢/ ١٣).
١٥٦٠ - وفي رواية عنها قالت:
خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حَجَّةِ الوداع، فمنَّا من أهل بعمرة، ومنا من أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، ومنا من أهلَّ بالحج، وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحج، فأما من أهل بالحج، أو جمع الحجَّ والعمرة؛ فلم يَحِلُّوا حتى كان يومُ النحْرِ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الأسود عن محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل عن عروة بن الزبير عن عائشة ... به.
قلت: وهذا صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٣٥) ... بإسناده ومتنه.
وعنه: أخرجه الشيخان وغيرهما، كما هو مخرج في "إرواء الغليل" (١٠٠٣).
١٥٦١ - وفي رواية؛ زاد:
فأما من أهل بعمرة؛ فَحَلَّ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه).
إسناده: حدثنا ابن السَّرْحِ: أخبرنا ابن وهب: أخبرني مالك عن أبي الأسود ... بإسناده مثله؛ زاد ...
стр. 2218
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ غير ابن السرح -واسمه: أحمد بن عمرو-، فهو على شرط مسلم وحده.
والحديث مكرر الذي قبله، وإنما أعاده المصنف لهذه الزيادة التي فيه، وهي عند مسلم وأحمد.
وهي عند الشيخين من طريق ابن شهاب عن عروة، وهي في الرواية الآتية في الكتاب.
١٥٦٢ - وفي أخرى عنها قالت:
خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ :
"من كان معه هدي؛ فَلْيُهِلَّ بالحج مع العمرة، ثم لا يَحِلَّ حتى يَحِلَّ منهما جميعًا"، فقَدِمْتُ مكة وأنا حائض، ولم أطُفْ بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ! فقال:
"انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلِّي بالحج، ودعي العمرة".
قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج؛ أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرتُ، فقال:
"هذه مكان عمرتك".
قالت: فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حَلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منىً لِحَجِّهِمْ. وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافًا واحدًا.
стр. 2219
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت ...
قال أبو داود: "رواه إبراهيم بن سعد ومعمر عن ابن شهاب ... نحوه؛ لم يذكروا طواف الذين أهلوا بعمرة، وطواف الذين جمعوا بين الحج والعمرة".
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه من طريق مالك أيضًا، وهذا في "الموطأ"، وهو مخرج في "الإرواء" (١١٥٩).
١٥٦٣ - وفي رواية من الطريق الأولى عنها قالت:
لَبَّينا بالحجِّ، حتى إذا كنَّا بِسَرِفَ؛ حضْتُ، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال:
"ما يبكيك يا عائشة؟ ! ".
فقلت: حِضت، ليتني لم أكنْ حججت! فقال:
"سبحان الله! إنما ذلك شيء كتبه الله علي بنات آدم"؛ فقال:
"انْسُكِي المناسكَ كلَّها؛ غَيْرَ أن لا تطوفي بالبيت".
فلما دخلنا مكة قال رسول الله ﷺ :
"من شاء أن يجعلها عمرة؛ فليجعلها عمرة؛ إلا من كان معه الهَدْيُ".
قالت: وذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر يوم النحر. فلما كانت ليلة البطحاء وطهرت عائشة؛ قالت: يا رسول الله! أتَرْجعُ صَوَاحِبِي بحجٍّ وعمرةٍ، وأرجع أنا بالحجِّ؟ ! فأمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر،
стр. 2220
فذهب بها إلى التنعيم، فَلَبَّتْ بالعمرة.
(قلت: إسناده على شرط مسلم. وقد أخرجه، ولكنه لم يَسُقْ منه إلا طرفه الأول، وأحال في سائر لفظه على رواية أخرى بنحوه؛ وفيه أنه ﷺ قال: "اجعلوها عمرة". وهذا هو الصواب كما في الرواية الآتية؛ دون قوله: "من شاء أن يجعلها عمرة"؛ فإنه منكر، تفرد به حماد بن سلمة دون كل الثقات الذين رووا هذه القصة من جميع الطرق عن عائشة، فليس في شيء منها هذا التخيير بعد دخول مكة، وإنما هو في بعضها عند ذي الحليفة، كما في الطريق الثانية المتقدمة (١٥٥٩)، وهو المحفوظ).
إسناده: حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل: ثنا حماد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت ...
قلت: إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات على شرط البخاري ومسلم؛ غير حماد -وهو ابن سلمة-، فهو على شرط مسلم وحده؛ وقد أخرجه كما يأتي.
قلت: والحديث أخرجه أحمد (٦/ ٢١٩): ثنا بهز: ثنا حماد بن سلمة ... به.
ومسلم (٤/ ٣١) من طريق بهز ... به، ولكنه لم يسق من لفظه إلا طرفه الأول، وأحال في سائره على لفظ حديث عبد العزيز الماجشون عن عبد الرحمن ابن القاسم؛ ولكنه قال: "نحوه".
فكأنه يشير إلى اختلاف لفظ حديث حماد عن حديث الماجشون.
وهو ظاهر؛ فإنه ليس في حديث الماجشون: "من شاء أن يجعلها عمرة"، المفيد التخيير فيما أمرهم به من فسخ الحج إلى العمرة؛ وإنما فيه قوله ﷺ : "اجعلوها عمرة"؛ جزمًا دون التخيير.
стр. 2221
وكذلك أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٣) من طريقه -أعني: الماجشون-، وهو أوثق من حماد بن سلمة بكثير؛ فإنه ثقة فقيه محتج به في "الصحيحين".
وأما حماد؛ فثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغيَّرَ حفظه بأخرة، ولم يحتجَّ به البخاري، وإنما مسلم وحده، كما في "التقريب". وقال فيه الذهبي في "المغني":
"إمام ثقة، له أوهام وغرائب، وغيره أثبت منه". على أن الحاكم قال في "المدخل":
"ما خرج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة".
قلت: وهذا الحديث إنما أخرجه له مسلم في الشواهد؛ ولذلك لم يسق لفظه كما سبق ذكره.
ولذلك؛ فإني أجزم بأنه وهم في هذا الحرف من الحديث؛ لمخالفته فيه للماجشون، وهو أوثق منه، ولذلك اعتمد عليه مسلم في لفظ الحديث دون لفظ حماد. ويؤيد ذلك أمور:
الأول: أن ابن إسحاق قد خالفه أيضًا في لفظه، موافقًا للفظ الماجشون، فقال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم ... به.
أخرجه أحمد أيضًا (٦/ ٢٧٣).
واثنان أحفظ من واحد؛ ولا سيما إذا كان أحدهما أحفظ منه!
الثاني: أن الزيادة التي تفرد بها حماد دون الثقتين المذكورين -وهي قوله: "من شاء أن يجعلها عمرة"- إنما محلها في أول حجته ﷺ في ذي الحليفة، كما
стр. 2222
في الحديث المتقدم (١٥٥٩) من رواية تجمع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأحدهم حماد بن سلمة نفسه.
وهذه الرواية الصحيحة، الأخذ بها أولى من حديث حماد الذي خالف الثقتين المذكورين، والتي تؤكد خطأه في جعله التخيير بالفسخ بعد دخول الصحابة مكة.
لا سيما ولها شاهد من حديث أسماء بنت أبي بكر: عند أحمد (٦/ ٣٥٠).
نعم، قد استمر هذا التخيير إلى ما بعد (سرف) فيما يبدو من رواية أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة قالت ...
حتى نزلنا بسرف، فخرج إلى أصحابه فقال:
"من لم يكن معه منكم هدي، فأحب أن يجعلها عمرة؛ فليفعل".
وأكد أن الأمر المذكور للتخيير قولُها -في تمام هذه الرواية-: فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدي.
أخرجه البخاري (٣/ ٣٢٨)، ومسلم (٤/ ٣١).
وفي رواية لهما -وهي المتقدمة برقم (١٥٦٠) - بلفظ: قالت ...
فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج.
الثالث: أن في رواية الأسود عن عائشة الآتية في الكتاب: أن النبي ﷺ أمرهم بعد قدومهم مكةَ بفسخ الحج إلى العمرة أمرًا لا تخيير فيه. بل في رواية عَمْرَةَ عنها: أنه أمرهم بذلك أيضًا قبل دخول مكة فقالت:
... حتى إذا دنونا من مكة؛ أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي -إذا طاف بالبيت- أن يَحِلَّ.
стр. 2223
أخرجه الشيخان وغيرهما، كما في "الإرواء" (١١٥٩).
فهذا كله يدل على خطأ حماد في قوله: إن التخيير بالفسخ كان بعد دخول مكة.
ومما يؤكد ذلك: أن سائر الصحابة الذين رووا الأمر بالفسخ بعد الدخول لمكة رووه بصيغة الأمر الجازم الذي لا تخيير فيه، مثل جابر في حديثه الآتي بجميع رواياته الآتية (١٥٦٦ - ١٥٧٠)، وحديث ابن عباس الذي بعده، وحديث أنس رقم (١٥٧٦)، وحديث البراء الذي بعده، وحديث سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رقم (١٥٨٠)، وحديث ابن عمر رقم (١٥٨٤).
ويزيد ذلك تأكيدًا: أن في رواية ذكوان مولى عائشة عنها قالت: ..
فدخل ﷺ عليَّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله! أدخله الله النار! قال:
"أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر؛ فإذا هم يترددون؟ ! ".
رواه مسلم (٤/ ٣٤) وغيره كما يأتي مني بعد حديث.
فهذا الغضب منه ﷺ على تردد أصحابه في تنفيذ أمره ﷺ بالفسخ أكبر دليل على أنه لم يكن على سبيل التخيير؛ ولذلك بادر أصحابه بعد ذلك إلى إطاعته؛ كما قال جابر.
فحللنا وسمعنا وأطعنا.
فثبت -يقينًا- خطأ حماد في روايته التخيير هنا.
ومما ينبغي أن يُذْكَرَ بهذه المناسبة: أن حمادًا ﵀ قد وقع له مثل هذا الوهم في حديث آخر له؛ فقد روى عن حميد عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر أنه قال:
стр. 2224
قدم رسول الله ﷺ مكة وأصحابه مُلَبِّينَ، فقال رسول الله ﷺ :
"من شاء أن يجعلها عمرة؛ إلا من كان معه الهدي".
فخالفه يزيد بن هارون وسهل بن يوسف ومحمد بن أبي عدي ... فقالوا:
"ومن لم يكن معه هدي؛ فليجعلها عمرة". لم يذكروا التخيير.
أخرج هذه الروايات الأربع: الإمام أحمد (٢/ ٢٨ و ٤١ و ٥٣ و ٨٠).
وهؤلاء الثلاثة كلهم ثقات حفاظ، وكل واحد منهم أحفظ من حماد على حدة، فكيف بهم مجتمعين؟
واعلم أن الباعث على تحرير هذا التحقيق: أنني فوجئت في موسم السنة الماضية (١٣٩٣) بخبر مفاده: أن أحد الأساتذة من إخواننا -أهل الحديث- قد رجع عن القول بوجوب فسخ الحج إلى العمرة، الذي تدل عليه أحاديث الفسخ المشار إليها وغيرها، محتجًّا بما في حديث ابن عمر هذا من التخيير المنافي للوجوب! فأجبت يومئذٍ بأنه حديث شاذ، أخطأ فيه حماد، وذكرت ما حضرني من الأدلة، فها نحن الآن قد بعث الله لنا المناسبة التي قضت بضرورة البحث في ذلك مبسطًا محققًا، بما لا تراه محررًا في مكان آخر فيما أعلم. والله ولي التوفيق.
١٥٦٤ - وفي طريق ثالث عنها قالت:
خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نَرَى إلا أنه الحج، فلما قدمنا؛ تَطَوَّفْنَا بالبيت، فأمر رسول الله ﷺ مَنْ لم يكن ساق الهدي أن يَحِلَّ. فأحلَّ مَنْ لم يكن ساق الهدي.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه).
стр. 2225
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث أخرجه مسلم من طرق أخرى عن جرير.
والبخاري (٣/ ٤٦٤)، وأحمد (٦/ ١٢٢ و ١٩١ و ٢٥٣ و ٢٦٦) من طرق أخرى عن منصور بن المعتمر ... به.
١٥٦٥ - وفي رواية من الطريق الثانية عنها: أن رسول الله ﷺ قال:
"لو استقبلت، من أمري ما استدبرت؛ لما سقت الهدي -قال محمد: أحسبه قال: ولحلَلْتُ مع الذين أحلُّوا من العمرة-".
قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه، وأخرجه مسلم من طريق أخرى، كلاهما بتمامه دون الشك، وليس عندهما: أراد أن يكون ... ).
إسناده: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس: ثنا عثمان بن عمر: أخبرنا يونس عن الزهري عن عروة عنها.
قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ غير ابن فارس، فهو على شرط البخاري؛ وقد أخرجه كما يأتي.
والحديث أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٧): ثنا عثمان بن عمر ... به؛ دون الشك، وقوله: قال: أراد ... إلخ.
стр. 2226
وتابعه عُقَيْلٌ عن ابن شهاب ... به: أخرجه البخاري (١٣/ ١٨٥).
وتابعه ذكوان مولى عائشة عنها قالت:
قدِمَ رسول الله ﷺ لأربع مَضَيْنَ من ذي الحجة -أو خمس-، فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله! أدخله الله النار؟ ! قال:
"أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر؛ فإذا هم يترددون؟ ! ولو أني استقبلت ... الحديث مثله، وزاد:
حتى أشتريه.
أخرجه مسلم (٤/ ٣٣ - ٣٤)، وأحمد (٦/ ١٧٥).
١٥٦٦ - عن جابر قال:
أقبلنا مُهِلِّينَ مع رسول الله ﷺ بالحج مُفْرَدًا، وأقبلت عائشة مُهِلَّةً بعمرةٍ، حتى إذا كانت بـ (سَرِفَ)؛ عَرَكَتْ، حتى إذا قدمنا؛ فطفنا بالكعبة وبالصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يَحِلَّ منَّا مَنْ لم يكن معه هدي. قال: فقلنا: حِلَّ ماذا؟ فقال:
"الحِلَّ كُلَّهُ". فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أرْبَعُ ليالٍ، ثم أهللنا يَوْمَ التروية.
ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة، فوجدها تبكي، فقال:
"ما شأنك؟ ! ".
قالت: شأني أني قد حضت، وقد حَلَّ الناس ولم أحْلِلْ، ولم أطُفْ بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن! فقال:
стр. 2227
"أن هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم؛ فاغتسلي، ثم أهلِّي بالحج".
ففعلت، ووَقَفَتِ المواقف كلها، حتى إذا طهرتْ؛ طافت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم قال:
"قد حللت من حَجِّكِ وعمرتك جميعًا".
قالت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت! قال:
"فاذهب بها يا عبد الرحمن! فأعْمِرْها من التنعيم"، وذلك ليلة الحَصْبَة.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه مسلم).
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد: ثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجه مسلم كما يأتي.
والحديث أخرجه مسلم (٤/ ٣٥)، والنسائي (٢/ ١٩) ... بسند المصنف.
ومسلم، وأحمد (٣/ ٣٩٤) من طرق أخرى عن الليث ... به.
١٥٦٧ - وفي رواية عنه قال:
دخل النبي ﷺ على عائشة ... ببعض هذه القصة؛ قال -عند قوله: "وأهلي بالحج"-:
"ثم حُجِّي، واصنعي ما يصنع الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تُصَلِّي".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه البخاري من
стр. 2228
طريق أخرى عنه ... نحوه).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابرًا قال ...
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين من طريق أحمد، وعلى شرط البخاري من طريق مسدد؛ على أنه لم يقع لمسدد ذكر في بعض النسخ، وهو رواية البيهقي عن المصنف كما يأتي.
والحديث أخرجه البيهقي (٥/ ٩٥) عن المصنف: ثنا أحمد بن حنبل: ثنا يحيى بن سعيد ... به.
ولم أره في "المسند" بهذا السند إلا طرفًا منه؛ أخرجه (٣/ ٣١٨) مختصرًا؛ نحو البعض الذي أشار إليه؛ دون قوله: "واصنعي ما يصنع الحاج ... " إلخ.
وهذه الزيادة: عند البخاري (١٣/ ١٨٥ - ١٨٦) من طريق حَبيبٍ المُعَلِّمِ عن عطاء، الآتية بعد حديث بمعناها.
وحديث مسدد: عند البيهقي (٥/ ١٨ - ١٩).
١٥٦٨ - ومن طريق ثانية عنه قال:
أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج خالصًا لا يخالطه شيء، فقدمنا مكة لأربعِ ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجة، فطفنا وسعينا، ثم أمَرَنا رسول الله ﷺ أن نَحِلَّ، وقال:
"لولا هديي لحللت". ثم قام سُرَاقَةُ بن مالك فقال: يا رسول الله! أرأيت مُتْعَتَنَا هذه؛ لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله ﷺ :
"بل هي للأبد".
стр. 2229
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه الشيخان بنحوه).
إسناده: حدثنا العباس بن الوليد بن مَزْيَدٍ: أخبرني أبي: حدثني الأوزاعي: حدثني من سمع عطاء بن أبي رباح: حدثني جَابر بن عبد الله قال ...
قال الأوزاعي: سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث بهذا؛ فلم أحفظه، حتى لقيت ابن جريج فأثبته لي.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ فإن الرجل الذي لم يُسَمَّ: هو ابن جريج كما في آخر الحديث.
والحديث أخرجه ابن ماجة (٢/ ٢٣٠): حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي: ثنا الوليد بن مسلم: ثنا الأوزاعي عن عطاء ... به؛ فأسقط الوليد الواسطة بين الأوزاعي وعطاء، وهذا من تدليسه تدليس التسوية، ولكن ذلك لا يضر هنا؛ لأن الواسطة هي ابن جريج كما في رواية المصنف.
وابن جريج مدلس أيضًا، ولكنه قد صرح بالتحديث كما سأذكره.
وقال الإمام أحمد (٣/ ٣١٧): ثنا إسماعيل: أنا ابن جريج عن عطاء ... به نحوه؛ دون ذكر قصة سراقة.
لكن أخرجها النسائي (٢/ ٢٣) من هذا الوجه، وصرح فيه ابن جريج بالتحديث.
وكذلك أخرجه مسلم (٤/ ٣٦ - ٣٧) من طريق أخرى عن ابن جريج.
وأخرجه البخاري أيضًا (٥/ ١٠٣).
وتابعه عبد الوهاب بن عبد المجيد عن عطاء ... به؛ وزاد فقال:
стр. 2230
وأن سراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ لقي النبي ﷺ وهو بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ ! قال:
"لا، بل للأبد".
أخرجه البخاري (٣/ ٤٧٨ - ٤٨٠)، وأحمد كما يأتي.
وللحديث طريق أخرى عن جابر في حديثه الطويل في الحج: أخرجه مسلم وغيره، وهو الآتي برقم (١٦٦٣).
١٥٦٩ - وفي رواية عنه قال:
قَدِمَ رسول الله ﷺ وأصحابه لأربع خَلَوْنَ من ذي الحِجَّةِ، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة؛ قال رسول الله ﷺ :
"اجعلوها عمرة؛ إلا من كان معه الهدي". فلما كان يوم التروية أهَلُّوا بالحج، فلما كان يوم النحر؛ قَدِمُوا فطافوا بالبيت، ولم يطوفوا بين الصفا والمروة.
(قلت: إسناده جيد على شرط مسلم. وقد أخرجه هو والبخاري من طريق أخرى دون ذكر الطواف بعد النحر، وهذا عند مسلم من طريق أخرى تأتي برقم ( ... )).
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد عن قيس بن سعد عن عطاء عن جابر.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وحماد: هو ابن سلمة، وهو من رجال مسلم.
стр. 2231
وكذا قيس بن سعد، وقد توبع كما تقدم قبله، ويأتي بعده.
ورواية حماد هذه تؤكد خطأ روايته المتقدمة من حديث عائشة (١٥٦٣)؛ فراجعه.
١٥٧٠ - وفي أخرى عنه:
أن رسول الله ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم يومئذ هَدْي؛ إلا النبيَّ ﷺ وطلحةَ، وكان علي ﵁ قَدِمَ من اليمن ومعه الهَدْي، فقال: أهللتُ بما أهل به رسول الله ﷺ ، وأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة -يطوفون-، ثم يقصروا وَيحِلَّوا؛ إلا من كان معه الهدي. فقالوا: أننطلق إلى منى وذكورنا تَقْطُرُ؟ ! فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال:
"إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ ما أهديت، ولولا أن معي الهَدْي لأحللت" (١).
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري).
стр. 2232
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا عبد الوهاب الثقفي: ثنا حبيب -يعني: المعلم- عن عطاء: حدثني جابر بن عبد الله.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجه البخاري كما يأتي.
والحديث في "المسند" (٣/ ٣٠٥) ... بهذا الإسناد والمتن؛ إلا أنه زاد في آخره قصة سراقة التي ذكرتها آنفًا من رواية البخاري.
وكذلك أخرجه البيهقي (٥/ ٤) من غير طريق المصنف عن أحمد.
وأخرجه أيضًا من طريق المصنف دونها.
وتابعه عليها: يزيد بن زُرَيْعٍ: ثنا حبيب المعلم ... به: أخرجه البخاري (١٣/ ١٨٥)، والبيهقي (٥/ ٩٥).
١٥٧١ - عن ابن عباس عن النبي ﷺ : أنه قال:
"هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده هدي؛ فَلْيَحِلَّ الحِلَّ كُلَّهُ، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه مسلم. وأعلَّهُ المصنف ﵀ بما لا يقدح! ولذا صححه المنذري وابن القيم).
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة أن محمد بن جعفر حدثهم عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس.
قال أبو داود: "هذا منكر؛ وإنما هو قول ابن عباس"!
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجه مسلم كما يأتي.
стр. 2233
وأعله المصنف بالوقف كما رأيت! ولا وجه له البتة، فقد رواه جمع آخر من الثقات عن شعبة ... به مرفوعًا، فممن الوهم، وما الدليل عليه؟ !
ولذلك لم يقبل العلماء ذلك منه، فقال المنذري في "مختصره":
"وفيما قاله أبو داود نظر، وذلك أنه قد رواه الإمام أحمد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وعثمان بن أبي شيبة عن محمد بن جعفر عن شعبة ... مرفوعًا. ورواه أيضًا يزيد بن هارون ومعاذ بن معاذ العنبري وأبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق عن شعبة ... مرفوعًا، وتقصير من قصر به من الرواة لا يؤثر فيما أثبته الحفاظ". وقال ابن القيم في "التهذيب":
"وقوله: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة "لا ريب في أنه من كلام رسول الله ﷺ ، ولم يقل أحد: إنه من قول ابن عباس. وكذلك قوله: "هذه عمرة تمتعنا بها". وهذا لا يشك فيه من له أدنى خبرة بالحديث".
قلت: ولقد صدق ﵀.
أما الجملة الأولى: "دخلت العمرة ... "؛ فلها طريق أخرى عن مجاهد، سأخرجها بعد حديث.
ولها شاهد صحيح من حديث جابر الطويل، الآتي برقم (١٦٦٣).
وله طريق أخرى: أخرجه الدارقطني (ص ٢٨٢) من طريق أبي الزبير عن جابر عن سراقة بن مالك ... مرفوعًا به. وقال:
"كلهم ثقات".
وصححه النووي في "المجموع"؛ وأبو الزبير مدلس.
وقد رواه أحمد (٤/ ١٧٥) من طريق طاوس والنزال بن يزيد بن سبرة عن
стр. 2234
سراقة ... به.
والطريق الأولى رجالها ثقات؛ لكن طاوس لم يسمع من سراقة.
والأخرى موصولة، ولكن فيها داود بن يزيد -وهو الأوْدِي- ضعيف.
وعنه: الطحاوي (١/ ٣٧٩).
وأما الجملة الأخرى -وهي قوله: "هذه عمرة تمتعنا بها"-؛ فلها شواهد كثيرة؛ فإن النبي ﷺ كان قارنًا، كما هو القول الصحيح المؤيد بأحاديث كثيرة، في بعضها التصريح بذلك، كحديث البراء الآتي قريبًا، ومثله بعض أصحابه من الذين كانوا ساقوا الهدي فلم يَحِلُّوا، وسائرهم أحَلُّوا؛ لأنهم ما ساقوا الهدي، فهو ﷺ والصحابة جميعًا كانوا قد تمتعوا بالعمرة إلى الحج على التفصيل المذكور.
ولذلك قال ابن عمر -كما يأتي (١٥٨٤) -:
تمتع رسول الله ﷺ ... وتمتع الناس معه ...
ولذلك فَهُمْ جميعًا يشملهم قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾. فقول البيهقي (٥/ ١٨): إنه "أراد أصحابه الذين حَلُّوا واستمتعوا"! غير قوي؛ لما ذكرنا، وتجد تفصيله في "زاد المعاد" لابن القيم رحمه الله تعالى.
ثم أن ابن القيم جزم بعد كلامه السابق بأن قول المصنف المذكور في إعلال الحديث؛ إنما محله بعد الحديث الآتي، أخطأ بعض النساخ، فنقله إلى هنا، وهو أمر محتمل، وسأنقل كلامه في ذلك قريبًا، وأبين ما يَرِدُ عليه أيضًا.
والحديث أخرجه مسلم (٤/ ٥٧)، والنسائي (٢/ ٢٤)، والدارمي (٢/ ٥٠)، والبيهقي (٥/ ١٨)، وأحمد (١/ ٢٣٦ و ٣٤١) من طريق أخرى عن شعبة ... به.
стр. 2235
وعزاه العراقي في "طرح التثريب" (٥/ ١٩) لـ "الصحيحين"، وهو وهم.
ورواه الترمذي عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد ... به، وقال (٩٣٢):
"حديث حسن".
١٥٧٢ - وعنه عن النبي ﷺ قال:
"إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ، ثم قَدِمَ مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة؛ فقد حَل، وهي عمرة".
(قلت: حديث صحيح).
إسناده: حدثنا عبيد الله بن معاذ: حدثني أبي: ثنا النهاسُ عن عطاء عن ابن عباس.
قال أبو داود: "رواه ابن جريج عن عطاء:
دخل أصحاب النبي ﷺ مُهِلِّينَ بالحج خالصًا، فجعلها النبي ﷺ عمرة".
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير النهاس -وهو ابن قَهْمٍ- ضعيف.
وأما إعلال المصنف إياه بمخالفة ابن جريج، فرواه عن عطاء مرسلًا! فليس بشيء عندي؛ لأنه قد رواه جمع من الثقات عن ابن جريج عن عطاء عن جابر ... مسندًا نحو رواية النهاس هذه، كما تقدم عند المؤلف برقم (١٥٦٨) من طريق الأوزاعي عن ابن جريج، وذكرت له هناك متابعًا عنه؛ فراجعه إن شئت.
فإذن قد توبع النهاس على إسناده، ولو أنه خولف في اسم الصحابي، فالصحابة كلهم عدول، بل إنه قد توبع عليه؛ فأخرجه مسلم (٤/ ٥٨) من طريق محمد بن بكر: أخبرنا ابن جريج: أخبرني عطاء قال:
стр. 2236
كان ابن عباس يقول:
لا يطوف بالبيت حاجٌّ ولا غير حاجٍّ إلا حَلَّ. قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿ثم مَحِلُّها إلى البيت العتيق﴾. قال: قلت: فإن ذلك بعد المُعَرَّفِ. فقال: كان ابن عباس يقول:
هو بعد المُعَرَّفِ وقبله، وكان يأخذ ذلك من أمر النبي ﷺ حين أمرهم أن يَحِلوا في حجة الوداع.
قلت: فقد وصله محمد بن بكر، فذكر ابن عباس في إسناده؛ فهي متابعة قوية للنهاس، لكنه قد خالفه في متنه؛ فأوقفه على ابن عباس. وأشار ابن القيم إلى ترجيحه، فقال تعليقًا على حديث الباب:
"والتعليل الذي تقدم لأبي داود في قوله: "هذا حديث منكر"؛ إنما هو لحديث عطاء هذا عن ابن عباس يرفعه: "إذا أهل الرجل بالحج"؛ فإن هذا قول ابن عباس الثابت عنه بلا ريب، رواه عنه أبو الشعثاء وعطاء وأنس بن سُلَيم وغيرهم من كلامه، فانقلب على الناسخ، فنقله إلى حديث مجاهد عن ابن عباس، وهو إلى جانبه، وهو حديث صحيح لا مطعن فيه ... ".
قلت: لكن قد جاء الحديث من طريق أخرى عن ابن عباس ... مرفوعًا نحوه، فقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري عن كُريب مولى ابن عبد الله بن عباس عن ابن عباس، قال:
قلت له: يا أبا العباس! أرأيت قولك: ما حج رجل لم يسق الهدي معه، ثم طاف بالبيت؛ إلا حل بعمرة، وما طاف بها حاج قد ساق معه الهدي؛ إِلا اجتمعت له عمرة وحجة، والناس لا يقولون هذا؟ ! فقال: ويحك! إن رسول الله ﷺ خرج وَمَنْ معه من أصحابه، لا يذكرون إلا الحج، فأمر رسول الله ﷺ من
стр. 2237
لم يكن معه الهدي أن يطوف بالبيت، ويَحِلَّ بعمرة، فجعل الرجل منهم يقول: يا رسول الله! إنما هو الحج؟ ! فيقول رسول الله ﷺ :
"إنه ليس بالحج؛ ولكنها عمرة".
وإسناده حسن.
وتابعه يونس بن يزيد عن ابن شهاب ... به.
أخرجه الطبراني في "الكبير" (٣/ ١٥٠ - ١٥١).
ويقويه ما رواه قتادة قال: سمعت أبا حسان الأعرج قال:
قال رجل من بني الهُجيم لابن عباس: ما هذه الفتيا التي قد تشغفت أو تَشَعَّبَتْ بالناس: أن من طاف بالبيت فقد حَلَّ؟ فقال: سُنةُ نبيكم ﷺ ؛ وإن رغمتم! زاد في رواية: يعني: من لم يكن معه هدي.
أخرجه أحمد ١ (/ ٢٧٨ و ٢٨٠ و ٣٤٢) -والزيادة له في رواية-، ومسلم (٤/ ٥٨).
ثم إن للحديث شاهدًا قويًّا من رواية سَبْرَةَ بن مَعْبَدٍ ... مرفوعًا بلفظ:
"إن الله قد أدخل عليكم في حجكم هذا عُمْرَةً، فإذا قدمتم؛ فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة؛ فقد حَلَّ؛ إلا من كان معه هدي".
أخرجه المصنف وغيره بسند جيد، كما سيأتي بيانه برقم (١٥٨٠).
قلت: فهذا الشاهد وما قبله من المتابعات، وقول ابن عباس: "سنة نبيكم"؛ أقوى دليل على أن النهاس قد حفظ الحديث ولم يخطيء فيه. والله أعلم.
стр. 2238
١٥٧٣ - ومن طريق أخرى عنه قال:
أهلَّ النبي ﷺ بالحج، فلما قَدِمَ؛ طاف بالبيت وبين الصفا والمروة -قال ابن شَوْكَر: ولم يقصر، ثم اتفقا-، ولم يَحِلَّ من أجل الهدي، وأمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف وأن يسعى، ويقصر، ثم يَحِلَّ. قال ابن مَنِيعٍ في حديثه: أو يَحْلِقَ، ثم يَحِلَّ.
(قلت: حديث صحيح).
إسناده: حدثنا الحسن بن شَوْكَرٍ وأحمد بن مَنِيعٍ قالا: ثنا هُشَيْمٌ عن يزيد بن أبي زياد -المعنى- عن مجاهد عن ابن عباس.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير يزيد بن أبي زياد -وهو الهاشمي مولاهم-، وهو ضعيف من قبل حفظه، لكنه لم يتفرد به، كما يتبين لك من الطريقين السابقين عن ابن عباس، ومن الأحاديث المتقدمة في الباب.
والحديث أخرجه أحمد (١/ ٢٤١ و ٢٥٣ و ٢٥٩) من طرق أخرى عن يزيد ... به؛ وزاد: ثم قال:
"لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لفعلت كما فعلوا، ولكن دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"؛ ثم أنشب أصابعه بعضها في بعض.
وروى منه الترمذي قوله: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"؛ وقال: "حديث حسن"! وحقه أن يقول:
"صحيح"؛ فإن له طريقًا وشواهد، كما تقدم قبل حديثين.
стр. 2239
١٥٧٤ - عن أبي شَيْخٍ الهُنَائِي خَيْوَانَ بْنِ خَلْدَةَ -ممن قرأ على أبي موسى الأشعري؛ من أهل البصرة-:
أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي ﷺ : هل تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن كذا وكذا، وركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم. قال: فتعلمون أنه نهى أن يُقْرنَ بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا! فقال: أما إنها معهن؛ ولكنكم نسيتم.
(قلت: حديث صحيح؛ إلا النهي عن القَرْنِ بين الحج والعمرة؛ فهو منكر؛ لمخالفته الأحاديث المتقدمة، وفيها إقراره ﷺ الذين جمعوا بين الحج والعمرة وساقوا الهدي، وأمرُه من لم يَسُقِ الهدي أن يفسخ الحج إلى العمرة، ثم يلبِّيَ بالحج يوم التروية، وقوله ﷺ : "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة").
إسناده: حدثنا موسى أبو سلمة: ثنا حماد عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير أبي شيخ هذا، وقد وثقه ابن سعد وابن حبان والعجلي، وروى عنه جمع من الثقات، ولذلك جزم الحافظ في "التقريب" بأنه:
"ثقة".
وأما قول ابن القيم في "الزاد" (١/ ٢٦٤)، وفي "مختصر السنن":
"لا يُحْتَجُّ به، وهو مجهول"!
فليس له سلف من أئمة الجرح والتعديل؛ وإنما قال ذلك اجتهادًا من عنده، بناءً على ما في الحديث من النهي عن القَرْنِ؛ وإنما العلة عنعنة قتادة؛ فإنه موصوف بالتدليس، وقد رواه عنه جمع كما يأتي.
стр. 2240
والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٩٩): ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا سعيد عن قتادة ... به.
وأخرجه النسائي (٢/ ٩٥) من طريق ابن أبي عدي عن سعيد ... به مختصرًا؛ بلفظ:
أتعلمون أن نبي الله ﷺ نهى عن لُبْسِ الذهب إلا مقطعًا؟ قالوا: اللهم! نعم.
وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٩٢): ثنا عفان قال: ثنا همام قال: ثنا قتادة ... به.
وأخرج طرفًا منه: الطحاوي في "المشكل" (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤) من طريق حجاج ابن منهال عن قتادة ... به.
ثم أخرجه أحمد (٤/ ٩٥) من طريق معمر عن قتادة ... به.
كلهم رووه عنه بالعنعنة؛ فهي العلة.
وثمة علة أخرى، وهي أن يحيى بن أبي كثير قد خالف قتادة، فأدخل بين أبي شيخ ومعاوية: أخاه حِمَّانَ، وهو مجهول، كما هو مبين ومخرج في "الأحاديث الضعيفة" (٤٧٢٢).
نعم؛ تابعه مطر -وهو الوراق- عن أبي شيخ ... به مختصرًا مثل رواية ابن أبي عدي: أخرجه النسائي.
لكن مطرًا سَيئ الحفظ، وهو من أصحاب قتادة، فيحتمل أن يكون قتادة سمعه منه؛ فدلسه. والله أعلم.
(تنبيه): وهذا الحديث المنكر لم أجد له شاهدًا معتبرًا.
стр. 2241
وقد روى المصنف في الباب حديثًا آخر بمعناه عن عمر. ولكنه حديث باطل، كما قال ابن القيم؛ ولذلك أوردته في الكتاب الآخر (٣١٤).
ووهم الأمير الصنعاني وهمًا فاحشًا، حين قال في "الروض الباسم" (ص ١١٦).
"وله شاهد عن ابن عمر، رواه مالك في "الموطأ" ... مرفوعًا. وعن عمر وعثمان، رواه مسلم ... موقوفًا عليهما"!
وحديث ابن عمر المشار إليه شاهد عليه لا له!
فإنه قال حينما خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة: إن صُدِدْتُ عن البيت؛ صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ؛ فأهل بعمرةٍ ... ثم قال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجَبْتُ الحج مع العمرة ... الحديث.
أخرجه مالك (١/ ٣٢٩)، وكذلك أخرجه البخاري (٤/ ٤ - ٥).
وأما الموقوف على عمر وعثمان؛ فلا حجة فيه؛ لأنهما إنما نهيا عن الجمع بين الحج والعمرة متأوِّليْنِ، وقد ثبت يقينًا أن النبي ﷺ كان قارنًا بينهما، وأنه قال:
"دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
فلا يُقْبَل قولهما المخالف للسنة.
ولذلك أنكر علي ﵁ على عثمان قولَه المذكور. وكذلك أنكر ذلك على عمر عمران بن حصين وابنه عبد الله بن عمر، وغيرهما، كما هو مبسوط في "زاد المعاد" وغيره.
ولو أن النهي عن القرآن ثبت إسناده لوجب حمله على القِرَانِ الذي لم يُسَقْ معه الهَدْيُ؛ لأن النبي ﷺ أمر أهله بفسخه، وغضب على الذين لم يبادروا إليه
стр. 2242
كما تقدم، وذلك في معنى النهي عن القرآن المذكور كما هو ظاهر.
أَمَّا وهو لم يثبت؛ فلا داعي لتأويله.
وأما ما قبله من الحديث فصحيح؛ لأنه جاء من طرق أخرى، كما بينته في الموضع المشار إليه من "الضعيفة". وقد أخرج المصنف بعضها في أول "كتاب اللباس- باب جلود النمور"، وفي آخر "الترجُّل -باب في الذهب للنساء" وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليها هناك.
٢٤ - باب في الإقران
١٥٧٥ - عن أنس بن مالك: أنهم سمعوه يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعًا يقول:
"لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه مسلم وابن الجارود وابن حبان والحاكم).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا هشيم: أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل عن أنس بن مالك.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٩٩) ... بهذا الإسناد والمتن.
وأخرجه مسلم (٤/ ٥٩)، والنسائي (٢/ ١٥) من طرق أخرى عن هشيم ... به.
стр. 2243
وأخرجه ابن ماجة (٢/ ٢٢٧) من طريقين آخرين عن يحيى بن أبي إسحاق وحميد ... به نحوه.
وابن الجارود (٤٣٠)، وابن حبان (٩٩١)، والبيهقي أيضًا (٥/ ٤٠)، والحاكم (٦/ ٤٧٢) عن حميد وحده.
وهو رواية لأحمد (٣/ ١١١ و ١٨٢)، وإسناده ثلاثي صحيح.
وله طرق أخرى عن أنس ... مطولًا ومختصرًا: عند مسلم (٤/ ٥٢)، والنسائي، وابن الجارود (٤٣١)، وابن حبان (٩٨٩ و ٩٩٢)، وأحمد (٣/ ١٨٣ و ٢٠٧).
وله طريق أخرى عند البخاري، ويأتي بعده.
١٥٧٦ - ومن طريق أخرى عنه:
أن النبي ﷺ بات بها -يعني: بذي الحليفة- حتى أصبح، ثم ركب، حتى استوت به البيداء؛ حمد الله وسبَّح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهلَّ الناس بهما، فلما قدمنا أمَرَ الناسَ فحَلُّوا، حتى إذا كان يوم التروية؛ أهلَّ بالحج، ونَحَرَ رسول الله ﷺ سَبْعَ بَدَنَاتٍ بيده قِيامًا.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه البخاري بإسناده ومتنه، وابن حبان قدومَ مكة).
إسناده: حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل: ثنا وُهَيْب: ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجه البخاري كما يأتي.
والحديث أخرجه البيهقي (٥/ ٩) من طريق المصنف.
стр. 2244
وأخرجه البخاري (٣/ ٣٢١ - ٣٢٢) ... بإسناده ومتنه؛ وزاد:
وذبح رسول الله ﷺ بالمدينة كبشين أملحين.
وهذه الزيادة رواها المصنف أيضًا من هذا الوجه في أول "الأضاحي"، وستأتي إن شاء الله هناك برقم (٢٤٩٠).
ثم أخرجه البخاري (٣/ ٤٣٦): حدثنا سهل بن بَكَّارٍ: حدثنا وهيب ... به نحوه؛ وقال:
فلما علا على البيداء؛ لبى بهما جميعًا.
وفي رواية له (٣/ ٣١٨) من طريق حماد، بن زيد عن أيوب ... بلفظ:
وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا.
وقال معمر عن أيوب ... بلفظ:
كنت رديف أبي طلحة وهو يساير النبي ﷺ ؛ فقال:
إن رجلي لَتَمَسُّ غَرْزَ النبي ﷺ ، فسمعته يلبِّي بالحج والعمرة معًا.
رواه أحمد (٣/ ١٦٤).
وروى ابن حبان (٩٩٧) قدوم مكة.
١٥٧٧ - عن البراء بن عازب قال:
كنت مع علي حين أمَّرَهُ رسول الله ﷺ على اليمن؛ قال: فأصبت معه أواقِيَّ، فلما قَدِمَ عليٌّ من اليمن على رسول الله ﷺ ؛ وجد فاطمة ﵂ قد لَبِسَتْ ثيابًا صَبِيغًا، وقد نَضَحَتِ البيت بِنَضُوحٍ،
стр. 2245
فقالت: ما لك؟ فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأحَلُّوا. قال: قلت لها: إني أهللت بإهلال النبي ﷺ . قال: فأتيت النبي ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ :
"كيف صنعت؟ ".
قال: قلت: أهللتُ بإهلال النبي ﷺ . قال:
"فإني قد سقت الهدي وقرنت". قال، فقال لي:
"انحر من البُدْنِ سبعًا وستين -أو ستًّا وستين-، وأمسك لنفسك ثلاثًا وثلاثين -أو أربعًا وثلاثين-، وأمسك لي من كل بدنة منها بَضْعةً".
(قلت: حديث صحيح، وكذلك قال ابن القيم، وصححه أيضًا ابن حجر).
إسناده: حدثنا يحيى بن معين قال: ثنا حجاج: ثنا يونس عن أبي إسحاق عن البراء.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي-، وهو ثقة من رجال مسلم، على ضعفٍ يسير فيه، أشار إليه الحافظ بقوله:
"صدوق يهم قليلًا".
وبه أعله المنذري في "مختصره"!
وإعلاله بأبيه أولى عندي؛ لأنه كان مدلسًا ومختلطًا، ولا ندري أسمعه ابنه منه قبل الاختلاط أم بعده؟