Полный текст (3 494 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
وقد روى المصنف في الباب حديثًا آخر بمعناه عن عمر. ولكنه حديث باطل، كما قال ابن القيم؛ ولذلك أوردته في الكتاب الآخر (٣١٤).
ووهم الأمير الصنعاني وهمًا فاحشًا، حين قال في "الروض الباسم" (ص ١١٦).
"وله شاهد عن ابن عمر، رواه مالك في "الموطأ" ... مرفوعًا. وعن عمر وعثمان، رواه مسلم ... موقوفًا عليهما"!
وحديث ابن عمر المشار إليه شاهد عليه لا له!
فإنه قال حينما خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة: إن صُدِدْتُ عن البيت؛ صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ؛ فأهل بعمرةٍ ... ثم قال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجَبْتُ الحج مع العمرة ... الحديث.
أخرجه مالك (١/ ٣٢٩)، وكذلك أخرجه البخاري (٤/ ٤ - ٥).
وأما الموقوف على عمر وعثمان؛ فلا حجة فيه؛ لأنهما إنما نهيا عن الجمع بين الحج والعمرة متأوِّليْنِ، وقد ثبت يقينًا أن النبي ﷺ كان قارنًا بينهما، وأنه قال:
"دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
فلا يُقْبَل قولهما المخالف للسنة.
ولذلك أنكر علي ﵁ على عثمان قولَه المذكور. وكذلك أنكر ذلك على عمر عمران بن حصين وابنه عبد الله بن عمر، وغيرهما، كما هو مبسوط في "زاد المعاد" وغيره.
ولو أن النهي عن القرآن ثبت إسناده لوجب حمله على القِرَانِ الذي لم يُسَقْ معه الهَدْيُ؛ لأن النبي ﷺ أمر أهله بفسخه، وغضب على الذين لم يبادروا إليه
стр. 2242
كما تقدم، وذلك في معنى النهي عن القرآن المذكور كما هو ظاهر.
أَمَّا وهو لم يثبت؛ فلا داعي لتأويله.
وأما ما قبله من الحديث فصحيح؛ لأنه جاء من طرق أخرى، كما بينته في الموضع المشار إليه من "الضعيفة". وقد أخرج المصنف بعضها في أول "كتاب اللباس- باب جلود النمور"، وفي آخر "الترجُّل -باب في الذهب للنساء" وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليها هناك.
٢٤ - باب في الإقران
١٥٧٥ - عن أنس بن مالك: أنهم سمعوه يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعًا يقول:
"لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه مسلم وابن الجارود وابن حبان والحاكم).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا هشيم: أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل عن أنس بن مالك.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٩٩) ... بهذا الإسناد والمتن.
وأخرجه مسلم (٤/ ٥٩)، والنسائي (٢/ ١٥) من طرق أخرى عن هشيم ... به.
стр. 2243
وأخرجه ابن ماجة (٢/ ٢٢٧) من طريقين آخرين عن يحيى بن أبي إسحاق وحميد ... به نحوه.
وابن الجارود (٤٣٠)، وابن حبان (٩٩١)، والبيهقي أيضًا (٥/ ٤٠)، والحاكم (٦/ ٤٧٢) عن حميد وحده.
وهو رواية لأحمد (٣/ ١١١ و ١٨٢)، وإسناده ثلاثي صحيح.
وله طرق أخرى عن أنس ... مطولًا ومختصرًا: عند مسلم (٤/ ٥٢)، والنسائي، وابن الجارود (٤٣١)، وابن حبان (٩٨٩ و ٩٩٢)، وأحمد (٣/ ١٨٣ و ٢٠٧).
وله طريق أخرى عند البخاري، ويأتي بعده.
١٥٧٦ - ومن طريق أخرى عنه:
أن النبي ﷺ بات بها -يعني: بذي الحليفة- حتى أصبح، ثم ركب، حتى استوت به البيداء؛ حمد الله وسبَّح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهلَّ الناس بهما، فلما قدمنا أمَرَ الناسَ فحَلُّوا، حتى إذا كان يوم التروية؛ أهلَّ بالحج، ونَحَرَ رسول الله ﷺ سَبْعَ بَدَنَاتٍ بيده قِيامًا.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه البخاري بإسناده ومتنه، وابن حبان قدومَ مكة).
إسناده: حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل: ثنا وُهَيْب: ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجه البخاري كما يأتي.
والحديث أخرجه البيهقي (٥/ ٩) من طريق المصنف.
стр. 2244
وأخرجه البخاري (٣/ ٣٢١ - ٣٢٢) ... بإسناده ومتنه؛ وزاد:
وذبح رسول الله ﷺ بالمدينة كبشين أملحين.
وهذه الزيادة رواها المصنف أيضًا من هذا الوجه في أول "الأضاحي"، وستأتي إن شاء الله هناك برقم (٢٤٩٠).
ثم أخرجه البخاري (٣/ ٤٣٦): حدثنا سهل بن بَكَّارٍ: حدثنا وهيب ... به نحوه؛ وقال:
فلما علا على البيداء؛ لبى بهما جميعًا.
وفي رواية له (٣/ ٣١٨) من طريق حماد، بن زيد عن أيوب ... بلفظ:
وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا.
وقال معمر عن أيوب ... بلفظ:
كنت رديف أبي طلحة وهو يساير النبي ﷺ ؛ فقال:
إن رجلي لَتَمَسُّ غَرْزَ النبي ﷺ ، فسمعته يلبِّي بالحج والعمرة معًا.
رواه أحمد (٣/ ١٦٤).
وروى ابن حبان (٩٩٧) قدوم مكة.
١٥٧٧ - عن البراء بن عازب قال:
كنت مع علي حين أمَّرَهُ رسول الله ﷺ على اليمن؛ قال: فأصبت معه أواقِيَّ، فلما قَدِمَ عليٌّ من اليمن على رسول الله ﷺ ؛ وجد فاطمة ﵂ قد لَبِسَتْ ثيابًا صَبِيغًا، وقد نَضَحَتِ البيت بِنَضُوحٍ،
стр. 2245
فقالت: ما لك؟ فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأحَلُّوا. قال: قلت لها: إني أهللت بإهلال النبي ﷺ . قال: فأتيت النبي ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ :
"كيف صنعت؟ ".
قال: قلت: أهللتُ بإهلال النبي ﷺ . قال:
"فإني قد سقت الهدي وقرنت". قال، فقال لي:
"انحر من البُدْنِ سبعًا وستين -أو ستًّا وستين-، وأمسك لنفسك ثلاثًا وثلاثين -أو أربعًا وثلاثين-، وأمسك لي من كل بدنة منها بَضْعةً".
(قلت: حديث صحيح، وكذلك قال ابن القيم، وصححه أيضًا ابن حجر).
إسناده: حدثنا يحيى بن معين قال: ثنا حجاج: ثنا يونس عن أبي إسحاق عن البراء.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي-، وهو ثقة من رجال مسلم، على ضعفٍ يسير فيه، أشار إليه الحافظ بقوله:
"صدوق يهم قليلًا".
وبه أعله المنذري في "مختصره"!
وإعلاله بأبيه أولى عندي؛ لأنه كان مدلسًا ومختلطًا، ولا ندري أسمعه ابنه منه قبل الاختلاط أم بعده؟
стр. 2246
لكن الحديث صحيح؛ لأن له شواهد في أحاديث متفرقة، فعامته قد صح في حديث جابر الطويل في الحج، وسيأتي في الكتاب إن شاء الله تعالى (١٦٦٣).
وقوله: "وقرنت" يشهد له حديث أنس بن مالك ... مرفوعًا؛ بلفظ:
" ... ولو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لجعلتها عمرة، ولكن سقت الهدي، وقرنت بين الحج والعمرة".
أخرجه أحمد (٣/ ١٤٨ و ٢٦٦)، والطحاوي (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩) من طريقين عن أبي إسحاق عن أبي أسماء الصَّيقَلِ عنه.
لكنْ أبو أسماء هذا مجهول، لم يرو عنه غير أبي إسحاق، وهو السبيعي.
وحديث سراقة ... مرفوعًا:
"دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
قال: وقرن رسول الله ﷺ في حجة الوداع.
أخرجه أحمد (٤/ ١٧٥)، والطحاوي (١/ ٣٧٩) من طريق داود بن يزيد الأوْدِيِّ؛ وهو ضعيف كما قال الهيثمي (٣/ ٢٣٥). ووهم ابن القيم في "الزاد" (١/ ٢٥٠)، فقال:
"إسناده ثقات"!
نعم أخرجه ابن ماجة (٢٩٧٧) بسند صحيح عن سُرَاقَةَ ... به؛ دون قوله: وقرن رسول الله ﷺ ...
وعن جابر: أن النبي ﷺ قَدِمَ، فقرن بين الحج والعمرة. قال الهيثمي: "رواه البزار، ورجاله رجال (الصحيح) ".
стр. 2247
وكأنه لهذه الشواهد؛ قال ابن القيم في "تهذيب السُّنَنِ":
"حديث صحيح".
وصححه الحافظ في "الفتح" (٣/ ٣٣٥).
وعزاه ابن القيم في "الزاد" (١/ ٢٦٢) للمتفق عليه! فوهم.
والحديث أخرجه البيهقي (٥/ ١٥) من طريق المصنف.
وأخرجه النسائي (٢/ ١٤ و ١٧) من طريقين آخرين عن يحيى بن معين ... به؛ دون ما بعد قوله: "وقرنت".
وأعله البيهقي بأن قوله هذا: "وقرنت" لم يرد في حديث جابر الطويل حين وصف قدوم علي وإهلاله، وهو أصح سندًا وأحسن سياقة، ومعه حديث أنس.
قال المنذري:
"يريد: أن حديث أنس ذكر فيه قدوم علي وذكر إهلاله، وليس فيه: "قرنت"، وهو في "الصحيحين" ... ".
وأقول: لعل في تلك الشواهد المتقدمة ما يقوي هذه الزيادة، ويخلصها من النكارة التي يشير إليها كلام البيهقي المذكور. والله أعلم.
(تنبيه): قال العراقي في "طرح التثريب" (٥/ ٢٠)، والحافظ في "الفتح" (٣/ ٣٣٤):
"ولأبي داود والنسائي من حديث البراء ... مرفوعًا: "إني سقت الهدي وقرنت". وللنسائي من حديث علي مثله"!
قلت: حديث البراء وحديث علي واحد، وهو هذا! غاية ما في الأمر أن البراء رواه عنه؛ لقوله فيه:
стр. 2248
قال (يعني: عليًّا): فأتيت النبي ﷺ ....
ومثله عند النسائي في الموضعين.
وكذلك أورده الهيثمي (٣/ ٢٣٧) من رواية الطبراني في "الأوسط"، وقال: "ورجاله رجال (الصحيح) ".
١٥٧٨ - عن أبي وائل قال: قال الصُّبَيُّ بن مَعْبَدٍ:
كنت رجلًا أعرابيًّا نصرانيًّا، فأسلمت، فأتيت رجلًا من عشيرتي -يقال له: هُذيْمُ بن ثَرْمَلَةَ-، فقلت: يا هَنَاهْ! إني حريصٌ على الجهاد، وإني وَجَدْتُ الحج والعمرة مكتوبين عَليَّ، فكيف لي بأن أجمعهما؟ قال: اجمعهما، واذبح ما استيسر من الهدي. فأهللتُ بهما معًا. فلما أتيت (العُذَيْبَ) لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صُوحان وأنا أُهِلُّ بهما جميعًا، فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفْقَهَ من بعيره! قال: فكأنما أُلقِيَ عليَّ جَبَلٌ! حتى أتيت عمر بن الخطاب، فقلت له: يا أمير المؤمنين! إني كنت رجلًا أعرابيًّا نصرانيًّا، وإني أسلمت، وأنا حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ، فأتيت رجلًا من قومي، فقال: اجمعهما، واذبح ما استيسر من الهدي، وإني أهللت بهما معًا؟ ! فقال عمر ﵁: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نبيك.
(قلت: إسناده صحيح. ورواه ابن حبان في "صحيحه". وصححه الدارقطني).
إسناده: حدثنا محمد بن قدَامَةَ بن أعْيَنَ وعثمان بن أبي شيبة قالا: ثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن أبي وائل.
стр. 2249
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات.
والحديث أخرجه النسائي (٢/ ١٣): أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا جرير ... به.
ثم أخرجه هو، والطحاوي (١/ ٣٧٤) من طرق أخرى عن منصور ... به.
ثم أخرجاه، وكذا ابن ماجة (٢/ ٢٢٧)، وابن حبان (٩٨٥)، والبيهقي (٥/ ١٦)، وأحمد (١/ ١٤ و ٢٥ و ٣٤ و ٣٧) من طرق أخرى عن أبي وائل شقيق ابن سلمة ... به.
وقال الدارقطني في "العلل" (٢/ ١٦٦) -بعد أن ذكر الاختلاف على أبي وائل في إسناده-:
"وهو حديث صحيح. وأحسنها إسنادًا: حديث منصور والأعمش عن أبي وائل عن الصُّبَيِّ بن مَعْبَدٍ عن عمر".
١٥٧٩ - عن عمر بن الخطاب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
"أتاني الليلةَ آتٍ من عند ربي -قال: وهو بالعقيق-؛ وقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقال: عمرة في حجة".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن حبان. وقد أخرجه البخاري بلفظ: "وقل: عمرة في حجة"، وعلقه المصنف من طرق؛ وهو الأوْلَى).
إسناده: حدثنا النفيلي: حدثنا مسكين عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب.
стр. 2250
قال أبو داود: "رواه الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد في هذا الحديث عن الأوزاعي: "وقل: عمرة في حجة" ... ".
قال أبو داود: "كذا رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث؛ وقال: "وقل: عمرة في حجة" ... ".
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجه البخاري كما يأتي.
والحديث أخرجه البخاري (٥/ ١٦) عن شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي ... به؛ إلا أنه قال: "وقل" بدل: "وقال".
وكذا أخرجه (٣/ ٣٠٦) من طريق الوليد وبِشْرِ بن بَكْرٍ التنيسِي قالا: ثنا الأوزاعي ... به.
وأخرجه البيهقي (٥/ ١٤) عنهما؛ إلا أنه قال: "وقال: عمرة في حجة" مثل رواية الكتاب الموصولة عن مسكين -وهو ابن بُكَيْرٍ الحَرَّاني-. ثم قال البيهقي:
"رواه البخاري في "الصحيح". وكذلك قاله شعيب بن إسحاق ومسكين بن بكير عن الأوزاعي"!
قلت: الذي في البخاري بلفظ: "وقل: عمرة في حجة" كما تقدم.
ويؤيده أن ابن ماجة أخرجه (٢/ ٢٢٩) من طريق محمد بن مصعب والوليد ابن مسلم قالا: ثنا الأوزاعي ... به.
وكذلك أخرجه الطحاوي (١/ ٣٧٤) من طريق أخرى عن الوليد ... به.
وتابعهم الإمام أحمد، فقال في "المسند" (١/ ٢٣): حدثنا الوليد بن مسلم ... به.
стр. 2251
فهذه الطرق عن الأوزاعي تدل على أن رواية مسكين بلفظ: "وقال: عمرة ... " شاذة، وأن المحفوظ بلفظ الأمر: "وقل"؛ خلافًا للبيهقي.
وتؤيده متابعة علي بن المبارك للأوزاعي، وقد علقها المصنف كما رأيت، ووصلها البخاري (١٣/ ٢٦٥)، والطحاوي أيضًا من طريقين عنه.
وكذلك أخرجه البيهقي (٥/ ١٣) من الطريق التي أخرجها البخاري.
فمن الغريب أن يرجح البيهقي -على رواية علي هذه- روايةَ الأوزاعي التي اختلف عليه فيها، مع أن رواية الأكثر عنه مطابقة لرواية علي هذه، ولم يختلف عليه فيها! ولذلك قال ابن التركماني في "الرد عليه":
"وهذا أولى من رواية من قال: "وقال: عمرة"؛ لأن الملك لا يلبي، وإنما يعلِّم التلبية. ولو صحت تلك الرواية نُوَفِّقُ بينهما ونقول: المراد: "قال: قل"؛ فاختصره الراوي".
(فائدة): زاد أحمد في آخر الحديث:
قال الوليد: يعني: ذا الحليفة.
قلت: ويشهد لما قال؛ حديث ابن عمر ﵁:
أن النبي ﷺ أُرِيَ وهو في مُعرَّسِه من ذي الحليفة في بطن الوادي، فقيل له: إنك ببطحاءَ مباركةٍ".
أخرجه البخاري (٥/ ١٦).
ففي الحديث فضيلة الصلاة في ذي الحليفة، وذلك أعم من أن تكون فريضة أو نافلة، وليس فيه دليل لركعتي الإحرام التي يفعلها الحجاج، إذ لم تثبتا عن النبي ﷺ : فمن صلى فريضة أو نافلة مطلقة؛ فقد أصاب الفضيلة إن شاء الله تعالى.
стр. 2252
١٥٨٠ - عن الربيع بن سَبْرَةَ عن أبيه قال:
خرجنا مع رسول الله ﷺ ؛ حتى إذا كنا بِعُسْفَانَ؛ قال له سُرَاقَةُ بن مالك المُدْلِجِيُّ: يا رسول الله ﷺ ! اقْضِ لنا قضاء قوم كأنما وُلِدُوا اليومَ؟ !
فقال:
"إن الله قد أدخل عليكم في حَجِّكُمْ هذا عُمْرَةً، فإذا قدمتم؛ فمن تَطَوَّفَ بالبيت وبين الصفا والمروة؛ فقد حَلَّ؛ إلا من كان معه هدي".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم).
إسناده: حدثنا هَنَّاد بن السَّرِيِّ: ثنا ابن أبي زائدة: أخبرنا عبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز: حدثني الربيع بن سَبْرَةَ.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم؛ وقد أخرج لعمر هذا بإسناده المذكور حديثًا آخر في تحريم المتعة إلى يوم القيامة، وهو تمام هذا الحديث في رواية معمر الآتية عنه.
ورواه المصنف مختصرًا من طريق الزهري عن الربيع بن سبرة، كما سيأتي في "النكاح- باب في نكاح المتعة".
والحديث أخرجه الدارمي (٢/ ٥١): أخبرنا جعفر بن عون: ثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ... به.
وأخرجه أحمد (٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥): ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر: أخبرني عبد العزيز بن عمر ... به؛ وفيه قصة تحريم المتعة، كما أشرت إليه آنفًا.
стр. 2253
١٥٨١ - عن معاوية بن أبي سفيان قال:
قَصَّرْتُ عن النبي ﷺ بمشقصٍ على المَرْوَةِ -أو رأيته يقصر عنه على المروة بِمِشْقَصٍ-.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وليس عند البخاري قوله: أو رأيته يقصر عنه. وهو الأصح).
إسناده: حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَةَ: ثنا شعيب بن إسحاق عن ابن جريج. وحدثنا أبو بكر بن خلاد: ثنا يحيى -المعنى- عن ابن جريج: أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال ...
قال ابن خلاد: أن معاوية ... لم يذكر: أخبره.
قلت: وهذا إسناد صحيح من الوجه الأول، وعلى شرط الشيخين من الوجه الآخر؛ غير أبي بكر بن خلاد -واسمه محمد-، فهو على شرط مسلم وحده؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٩٨): ثنا يحيى بن سعيد ... به.
وأخرجه مسلم (٤/ ٥٨ - ٥٩)، والنسائي (٢/ ٤٢ - ٤٣) من طريقين آخرين عن يحيى ... به.
ثم أخرجه أحمد (٤/ ٩٦)، والبخاري (٣/ ٤٤٣ - ٤٤٦)، والبيهقي (٥/ ١٠٢) من طرق أخرى عن ابن جريج ... به؛ وليس عند البخاري قوله: أو رأيته ...
وكذا للبيهقي؛ وزاد: في عمرته.
وإسنادها صحيح، وهي عمرة الجِعْرَانَةِ، كما جزم بذلك ابن القيم في "التهذيب"، ومال إليه الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٤٦). وقال ابن القيم:
стр. 2254
"هذا إن كان المحفوظ أنه هو الذي قصر عن رسول الله ﷺ ، وإن كان المحفوظ هو الرواية الأخرى -وهو قوله: رأيته يُقَصَّرُ عنه على المروة-؛ فيجوز أن يكون في عمرة القَضِيَّةِ أو الجعرانة حَسْب، ولا يجوز في غيرهما".
وراجع تمامه فيه.
قلت: والحقيقة أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة على معاوية اضطرابًا كثيرًا؛ على ما يأتي:
أولًا: هل هو الذي قَصَّرَ عنه ﷺ بالمشقص أم غيره؟
ففي رواية الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس عنه: تردده في ذلك، كما هو صريح قوله: أو رأيته يقصر عنه.
رواه المصنف من طريقين عن ابن جريج عنه؛ إحداهما: عن يحيى بن سعيد عنه.
وهي عند مسلم وأحمد، وكذا النسائي؛ بيد أنه لم يذكر عنه هذا التردد.
وقد تابعهما محمد بن بكر ورَوْحٌ عن ابن جريج ... به: رواه أحمد.
ورواه البيهقي عن روح؛ لكنه لم يذكر التردد المشار إليه.
وهي رواية أبي عاصم عن ابن جريج: عند البخاري.
وتابع الحسنَ بنَ مسلمٍ: عبد الله بنُ طاوس عن أبيه ... به؛ دون التردد المذكور: رواه مسلم وغيره، كما يأتي في الرواية الثانية في الكتاب.
وتابعه هشام بن حُجَيْرٍ عن طاوس ... به؛ دون التردد: أخرجه أحمد وابنه عبد الله (٤/ ٩٧)، ومسلم (٤/ ٥٨) ... بلفظ: قال ابن عباس: قال لي معاوية:
стр. 2255
أعلمت أني قَصَّرْتُ من رأس رسول الله ﷺ عند المروة بمشقص؟ فقلت له: لا أعلم هذا إلا حُجَّةً عليك.
ورواه النسائي (٢/ ١٦) بلفظ:
قال (ابن عباس): لا.
يقول ابن عباس: هذا معاوية ينهى للناس عن المتعة، وقد تمتع النبي ﷺ .
وسنده صحيح على شرط مسلم.
وتابعه ليث عن طاوس عن ابن عباس قال:
تمتع رسول الله ﷺ حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات، وعثمان حتى مات، ﵃، وكان أول من نهى عنها معاوية. قال ابن عباس: فعجبت منه؛ وقد حدثني أنه قَصَّرَ عن رسول الله ﷺ بمشقص.
أخرجه أحمد (١/ ٢٩٢)؛ وليث -وهو ابن أبي سليم- ضعيف؛ لسوء حفظه.
قلت: فتأمل كيف اضطرب الرواة على طاوس في الذي قصر عنه ﷺ !
لكن يظهر من هذا التخريج أن أكثرهم على أنه معاوية بدون أي تردد.
هذا حال الطريق الأولى.
الطريق الثانية: عن أبي أحمد الزبيري: ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن ابن عباس عن معاوية قال:
قصرت عن رأس رسول الله ﷺ عند المروة.
أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٤/ ٩٧): ثنا عمرو بن محمد الناقد قال: ثنا أبو أحمد الزبيري.
стр. 2256
وخالفه محمد بن عبد الله الأسَدِيُّ عن سفيان فقال:
رأيت النبي ﷺ يقصر بمشقص.
أخرجه أحمد (٤/ ٩٧).
وهذا ظاهر في أن الذي قصر عنه هو غير معاوية.
وهكذا أخرجه ابنه عبد الله (٤/ ١٠٢): ثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار (الأصل: يسار) الواسطي: ثنا مُؤَمَّلٌ وأبو أحمد -أحدهما- عن سفيان ... به.
لكن إبراهيم هذا مجهول الحال.
الطريق الثالثة: عن خُصَيْفٍ عن مجاهد وعطاء عن ابن عباس أن معاوية أخبره: أنه رأى رسول الله ﷺ قصر من شعره بمشقص. فقلت لابن عباس: ما بلغنا هذا إلا عن معاوية؟ فقال: ما كان معاوية على رسول الله متَّهَمًا.
أخرجه أحمد (٤/ ٩٥ و ١٠٢)؛ لكن خُصَيْفٌ ضعيف.
الطريق الرابعة: عن حماد بن سلمة: أنا قيس عن عطاء عن معاوية قال:
أخذت من أطراف شعر رسول الله ﷺ بمشقص كان معي بعدما طاف بالبيت وبالصفا والمروة في أيام العشر. قال قيس: والناس ينكرون هذا على معاوية.
أخرجه النسائي (٢/ ٤٣)، وأحمد (٤/ ٩٢).
ورجاله ثقات؛ لكن أعله الحافظ (٣/ ٤٤٦) بالشذوذ. وأشار إلى ذلك ابن القيم في "الزاد" (١/ ٢٦٣)؛ فقال:
"وهي معلولة، أو وهم من معاوية".
قلت: ويتبين للناظر أن أكثر هذه الطرق تلتقي مع ما أفاده أكثر رواة الطريق
стр. 2257
الأولى أن معاوية هو الذي قصر عنه ﷺ ، فيكون هذا هو المحفوظ عنه.
ثانيًا: هل كان التقصير المذكور في عمرته ﷺ أم في حجته؟
اضطرب الرواة في ذلك أيضًا، ففي رواية روح المتقدمة عن ابن جريج قوله: في عمرته.
رواه البيهقي.
وتابعه عليها يحيى بن سعيد: عند النسائي.
ولم يذكرها المصنف وأحمد ومسلم عنه، كما سبق.
وخالفه الحسن بن علي -وهو الحُلْوَاني، أحد شيوخ المصنف- في الرواية الآتية، فزاد في آخر الحديث: لحجته.
ويشهد لها رواية ابن حُجَيْرِ عن طاوس المتقدمة، لا سيما التي بلفظ النسائي؛ فإنها ظاهرة في الحج.
وأصرح من ذلك رواية الليث بن أبي سليم، على ضعفها.
ولعل الأرجح من ذلك رواية من قال: في عمرته؛ لاتفاق ثقتين عليها، ولإمكان صحة ذلك من معاوية، بخلاف الرواية الأخرى؛ فإنها غلط.
ولا يبعد أن يكون من معاوية نفسه، وبه جزم ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (١/ ٢٦٣)، فقال:
"وهذا مما أنكره الناس على معاوية وغلّطوه فيه، أصابه ما أصاب ابن عمر في قوله: إنه اعتمر في رجب؛ فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة من الوجوه المتعددة كلها تدل على أنه ﷺ لم يَحِلَّ من إحرامه إلى يوم النحر، ولذلك أخبر
стр. 2258
عن نفسه بقوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت"، وقوله: "إني سقت الهدي وقرنت، فلا أحل حتى أنحر". وهذا خبره عن نفسه، فلا يدخله الوهم، بخلاف خبر غيره، لا سيما خَبَرٌ يخالف ما أخبر به عن نفسه، وأخبر عنه به الجَمُّ الغَفِير أنه لم يأخذ من شعره شيئًا، لا بتقصير، ولا حلق، وأنه بقى على إحرامه حتى حلق يوم النحر. ولعل معاوية قصر عن رأسه في عمرة الجعرانة؛ فإنه كان حينئذ قد أسلم، ثم نسي، فظن أن ذلك كان في العشر، والوهم جائز على مَنْ سوى الرسول ﷺ ، فإذا قام الدليل عليه؛ صار واجبًا".
ولذلك ذهب غير واحد من العلماء إلى أن ذلك كان في بعض عمره ﷺ ، منهم الخطابي في "المعالم"، والنووي في "شرح مسلم"، والحافظ في "الفتح"؛ ولذلك تأول المنذري رواية المصنف: لحجته؛ بقوله:
"يعني: لعمرته. وقد أخرجه النسائي وفيه: في عمرة على المروة، وتُسَمَّى العمرة حجًّا؛ لأن معناها القصد".
ومن الغرائب: أن العلامة الأمير الصنعاني أورد حديث معاوية هذا بلفظ البخاري في "الروض الباسم" (ص ١١٦)، وبدل أن ينبَّه على ما فيه من الاضطراب الذي شرحته؛ أخذ يقويه بقوله:
"وله شواهد عن علي وعثمان ... و ... و ... ". يعني: في تمتعه ﷺ !
فكأنه يشير إلى أن حديث معاوية يثبت أنه ﷺ كان قارنًا، كما في تلك الشواهد!
والواقع: أن حديث معاوية فيه أنه تحلل على المروة؛ فهو يعني: أنه كان متمتعًا تمتعًا حَلَّ فيه! وإليه ذهب القاضي أبو يعلى وغيره؛ وهو خطأ ظاهر، كما سبق بيانه.
стр. 2259
١٥٨٢ - وفي رواية عن ابن عباس:
أن معاوية قال له: أما علمت أني قَصَّرْتُ عن رسول الله ﷺ بِمشْقَصِ أعرابي على المروة -زاد الحسن: لحجته-؟
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، لكن قوله: لحجته .. شاذ؛ إلا أن يتَأوَّلَ بمعنى: لعمرته؛ فإنه ثابت في بعض الروايات الصحيحة).
إسناده: حدثنا الحسن بن علي ومَخْلَد بن خالد ومحمد بن يحيى -المعنى- قالوا: ثنا عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ ولم يخرجاه من هذا الوجه، وبزيادة: لحجته.
وهي زيادة شاذة عندي؛ لتفرد الحسن بن علي -وهو الحُلْوَاني- بها دون الشيخين الآخرين، لا سيما وقد توبعا كما يأتي.
والحديث أخرجه النسائي (٢/ ٤٣): أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله قال: حدثنا عبد الرزاق ... به دون الزيادة.
١٥٨٣ - عن ابن عباس قال:
أهل النبي ﷺ بعمرة، وأهَلَّ أصحابه بحج.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه).
إسناده: حدثنا ابن معاذ: أخبرنا أبي: ثنا شعبة عن مسلم القُرِّيِّ سمع ابن عباس يقول ...
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ غير مسلم القري -وهو ابن
стр. 2260
مِخْرَاقٍ أبو الأسود-؛ فهو على شرط مسلم وحده؛ وقد أخرجه كما يأتي.
والحديث أخرجه مسلم (٤/ ٥٦) ... بإسناد المصنف ومتنه.
وكذلك أخرجه البيهقي (٥/ ١٨) من طريق أخرى عن عبيد الله بن معاذ ... به.
ثم أخرجه مسلم، وأحمد (١/ ٢٤٠) من طريق محمد بن جعفر: ثنا شعبة ... به.
وخالفهما روح -عند أحمد، والبيهقي (٥/ ١٨) -، والطيالسي -عند البيهقي-، فقالا:
أهل رسول الله ﷺ وأصحابه بالحج.
ويؤيد هذه الرواية: أن المعروف عن ابن عباس: أنه ﷺ أهل بالحج.
ثبت ذلك عنه من طرق؛ فرواه أبو حسان عنه في آخر حديث الإشعار؛ وقد مضى (١٥٣٨). ومجاهد في أول الحديث المتقدم (١٥٧٣). وطاوس في طريق هشام بن حُجَيْرِ عنه: عند النسائي، كما ذكرته تحت الحديث (١٥٨٢). وكذلك رواه البراء أبو العالية عنه: عند مسلم (٤/ ٥٦)، وأحمد (٣٥٠٩) وغيرهم.
ولا منافاة عندي بين الروايتين، فكل منهما أثبتت شيئًا لم تَنْفِهِ الأخرى، فهو ﷺ أهل بعمرة وحج. ويؤيده حديثه المتقدم (١٥٧١):
"هذه عمرة استمتعنا بها ... " وغيره.
١٥٨٤ - عن عبد الله بن عمر قال:
تَمَتّع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فأهدى، وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول ﷺ ؛ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتَّعَ الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من
стр. 2261
الناس من أهدى وساق الهدي، ومنهم من لم يُهْدِ. فلما قدم رسول الله ﷺ مكة؛ قال للناس:
"من كان منكم أهدى؛ فإنه لا يَحِلُّ منه شيء حَرُمَ منه حَتى يَقْضِيَ حَجَّهُ، ومن لم يكن منكم أهدى؛ فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليُقَصِّرْ أو لِيَحْلِلْ، ثم لِيُهِلَّ بالحج، وليُهْدِ، فمن لم يجد هديًا؛ فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعةً إذا رجع إلى أهله". وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء، ثم خَبَّ ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع -حين قضى طوافه بالبيت عند المقام- ركعتين، ثم سَلَّمَ فانصرف.
فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يَحْلِلْ من شيء حَرُمَ منه، حتى قضى حَجَّهُ، ونحر هديه يوم النحر وأفاض، فطاف بالبيت، ثم حَلَّ من كل شيء حرم منه. وفعل مثلَ ما فعل رسول الله ﷺ مَنْ أهدى وساق الهدي من الناس.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه في "صحيحه" بإسناد المصنف، وأخرجه البخاري عن شيخ آخر، لكن قوله: وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج .. شاذ، كما أفاده ابن القيم وابن حجر).
إسناده: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث: حدثني أبي عن [جَدِّي: حدثني] عُقَيْلٌ عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال ...
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ غير عبد الملك بن شعيب وأبيه؛ فإنهما على شرط مسلم وحده؛ وقد أخرجه كما يأتي.
стр. 2262
والحديث أخرجه مسلم (٤/ ٤٨) ... بإسناد المصنف ومتنه.
وأخرجه البيهقي (٥/ ١٧) من طريقين آخرين عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد ... به.
وأخرجه البخاري (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٦)، والنسائي (٢/ ١٥)، والبيهقي أيضًا، وأحمد (٢/ ١٣٩) من طرق أخرى عن الليث ... به.
(فائدة): قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٣٣٦):
"جزمه بأنه ﷺ بدأ بالعمرة؛ مخالف لما عليه أكثر الأحاديث؛ فهو مرجوح".
وسبقه إلى نحو ذلك العلامة ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ٢٧٠ - ٢٧٢)، ولكنه أفاد أن الأحاديث التي أشار إليها الحافظ -وهي التي فيها أنه ﷺ أهل بالحج، وقد تقدم بعضها في "باب إفراد الحج"- ليست صريحة في أنه ﷺ بدأ بالحج وحده، فلا تنافي الأحاديث الصريحة بأنه ﷺ لَبَّى بالحج والعمرة معًا؛ لحديث أنس وعمر المتقدمين في "باب الإقران"، فارجع إليه إن شئت التفصيل؛ فإنه نفيس.
(تنبيه): سقط من الأصل وغيره من نسخ عدة قوله في السند: (عن جدي: حدثني)! ولذلك جعلته بين معكوفتين، وهي زيادة ضرورية لا يستقيم الإسناد إلا بها؛ فإن شعيبًا ليس له رواية عن عُقَيْلٍ، وقد استدركتها من "مسلم" و"البيهقي".
١٥٨٥ - عن حفصة زوج النبي ﷺ : أنها قالت:
يا رسول الله! ما شأن الناس قد حَلُّوا ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك؟ ! فقال:
"إني لَبَّدْتُ رأسي، وقَلَّدْتُ هَدْيِي؛ فلا أحِلُّ حتى أنْحَرَ".
стр. 2263
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن حفصة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٣٥٨).
وعنه: أخرجه البخاري أيضًا (٣/ ٣٣٣ و ٤٤١ و ١٠/ ٢٩٧)، ومسلم (٤/ ٥٠)، والنسائي (٢/ ٢١)، وأحمد (٦/ ٢٨٤) كلهم عن مالك ... به.
وكذلك أخرجه البيهقي (٥/ ١٢).
ثم أخرجه هو، والبخاري (٣/ ٤٢٨ و ٨/ ٨٥)، ومسلم أيضًا، والنسائي (٢/ ١٠)، وابن ماجة (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، وأحمد (٦/ ٢٨٣ و ٢٨٥) من طرق أخرى عن نافع ... به.
(فائدة): ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ما قيل في تفسير قولها: ولم تحلل أنت من عمرتك ... ثم ردَّ الأقوال كلها إلا الأخير منها؛ وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن كونه في عمرة، وهذا لا ينفي أن يكون في حجة.
وقال:
"وهذا أقربها إلى الصواب. وأجود منه أن يقال: المراد بالعمرة: المتعة، وقد تقدم أن التمتع يراد به القِران، والعمرة تطلق على التمتع، فيكون المراد:
لم تَحِلَّ من قرانك، وسَمَّتْهُ عمرة كما يسمى تمتعًا. وهذه لغة الصحابة كما تقدم. والله أعلم".
стр. 2264
٢٥ - باب الرجل يُهِلُّ بالحج، ثم يجعلُها عمرة
١٥٨٦ - عن سُلَيْمِ بن الأسود:
أن أبا ذرٍّ كان يقول -فيمن حَجَّ، ثم فسخها بعمرة-: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ .
(قلت: حديث موقوف صحيح، ولكن لا حجة فيه؛ لأنه رأي منه مخالف لقوله ﷺ المتقدم (١٥٦٨)، وقد سأله سراقة عن هذه العمرة التي أمرهم بفسخها: "بل هي للأبد"، وقوله في الحديث الآخر (١٥٧١): "قد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". ونحوه في حديث جابر الطويل الآتي برقم (١٦٦٣)).
إسناده: حدثنا هَنَّاد -يعني: ابن السَّرِيِّ- عن ابن أبي زائدة: أخبرنا محمد ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن سُلَيْمِ بن الأسود.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير أنه لم يخرج لابن إسحاق إلا متابعة؛ لأن في حفظه ضعفًا يسيرًا، فهو حسن الحديث إذا صرح بالتحديث، ولكنه هنا قد عنعن؛ إلا أن للحديث طريقًا أخرى كما سأبين.
والحديث أخرجه البيهقي (٥/ ٢٢) من طريق المصنف.
ثم أخرجه (٤/ ٣٤٥ و ٥/ ٤١) من طريقين عن يحيى بن سعيد عن مُرَقِّعٍ الأُسَيِّدِيِّ [وكان مَرْضِيًّا] عن أبي ذر ﵁ قال:
لم يكن لأحد أن يَفْسَخَ حجه إلى عمرة؛ إلا للركب من أصحاب محمد ﷺ خاصَّةً.
стр. 2265
وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير مرَقِّعٍ الأُسَيدِيِّ، وهو ثقة كما قال ابن حبان، وقد روى عنه جماعة من الثقات غير يحيى بن سعيد، ولذلك لما حكى الحافظ في "التهذيب" قول ابن حزم فيه:
"مجهول"! قال:
"وهو من إطلاقاته المردودة". وبناء على ذلك قال في "التقريب":
"صدوق".
ومنه تعلم قول ابن القيم في "الزاد" (١/ ٢٨٨):
"ليس ممن يقوم بروايته حجة"!
وكأنه تبع في ذلك ابن حزم. ولكنه نقل عن الإمام أحمد أنه قال -وقد عُورِضَ بحديثه-:
"ومن المرقع الأسيدي؟ ! ".
وقد تابعه يزيد بن شَريك التَّيْمي قال: قال أبو ذر:
كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصَّةً.
أخرجه مسلم (٤/ ٤٦)، والنسائي (٢/ ٢٣ - ٢٤)، وابن ماجة (٢/ ٢٣١)، والبيهقي (٥/ ٢٢) من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه.
قلت: فهذا شاهد قوي لحديث المرقع الأسيدي، فلا فائدة من الحط عليه لروايته إياه عن أبي ذر. وقد رواه عنه يزيد هذا، وهو ثقة اتفاقًا! وتابعه سليم بن الأسود وهو مثله في الثقة.
فلا شك في ثبوت هذا القول عن أبي ذر، ولكنه رأي له، مخالف لأحاديث
стр. 2266
الفسخ -وما أكثرها-، وقد أشرت في الأعلى إلى بعضها. قال ابن القيم في "تهذيب السنن":
"وهذا الحديث قد تضمن أمرين:
أحدهما: فعل الصحابة لها، وهو بلا ريب بأمر النبي ﷺ ، وهو رواية.
والثاني: اختصاصهم بها دون غيرهم، وهذا رأي، فروايته حجة، ورأيه غير حجة. وقد خالفه فيه عبد الله بن عباس وأبو موسى الأشعري.
وقد حمله طائفة على أن الذي اختصوا به هو وجوب الفسخ عليهم حتمًا. وأما غيرهم فيستحب له ذلك، هذا إذا كان مراده متعة الفسخ. وإن كان المراد مطلق المتعة؛ فهو خلاف الإجماع والسنة المتواترة. والله أعلم".
قلت: الحمل المذكور بعيد جدًّا عن بعض ألفاظ الحديث! ففي رواية عبد الوارث بن أبي حنيفة قال: سمعت إبراهيم التيمي يحدث عن أبيه عن أبي ذر قال في متعة الحج:
ليست لكم، ولستم منها في شيء؛ إنما كانت ... الحديث.
أخرجه النسائي بإسناد صحيح، كما قال ابن القيم.
فهذا منه صريح في أنه ينفي مطلق المشروعية، وكذلك -هو يعني- مطلق المتعة، وليس متعة الفسخ؛ بدليل رواية عبد الرحمن بن أبي الشعثاء قال:
قلت: لإبراهيم النخعي وإبراهيم التيمي: إني أهِمُّ أن أجمع العمرة والحج؟ ! فقال إبراهيم النخعي: لكنَّ أباك لم يكن يهم بذلك! وقال إبراهيم التيمي عن أبيه: أنه مرَّ بأبي ذر ﵁ بالرَّبَذَة، فذكر له ذلك؟ ! فقال: إنما كانت لنا خاصةً دونكم.
стр. 2267
رواه مسلم والنسائي والبيهقي.
(تنبيه): في "زاد المعاد": "وفي "سنن أبي داود" بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: سئل عثمان عن متعة الحج؟ فقال: كانت لنا، ليست لكم"!
فهذا وهم؛ فليس هذا عند المؤلف ولا سواه من الستة.
٢٦ - باب الرجل يحج عن غيره
١٥٨٧ - عن عبد الله بن عباس قال:
كان الفضل بن عباس رَدِيفَ رسول الله ﷺ ، فجاءته امرأة من خثعم تستفتِيهِ، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشَقِّ الآخر. فقالت:
يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة؛ أفأحُجُّ عنه؟ قال:
"نعم"، وذلك في حجة الوداع.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه. وصححه الترمذي وابن الجارود وابن حبان).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه وبقية أصحاب "السنن"، وصححه الترمذي وابن الجارود، وهو مخرج في "الإرواء" (٩٩٢).
стр. 2268
١٥٨٨ - عن أبي رَزِينٍ -رجل من بني عامر-: أنه قال:
يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظَّعَنَ؟ قال:
"احْجُجْ عن أبيك واعتمرْ".
(قلت: إسناده صحيح، وقد صححه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان وابن الجارود والحاكم، ووافقه الذهبي).
إسناده: حدثنا حفص بن عمر ومسلم -بمعناه- قالا: ثنا شعبة عن النعمان ابن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين -قال حفص في حديثه: رجل من بني عامر-.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير أبي رزين العامري -واسمه لَقِيطُ بن صَبِرَةَ، وقيل: بأنه غيره-، وهو صحابي معروف.
ومسلم: هو ابن إبراهيم الفراهيدي.
والحديث أخرجه البيهقي (٤/ ٣٥٠) من طريق المصنف.
ثم روى بإسناده الصحيح عن الإمام أحمد أنه قال:
"لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا، ولا أصح منه، ولم يُجَوِّدْهُ أحد كما جَوَّدَهُ شعبة".
قلت: ولذلك صححه جمع من الأئمة المخرجين للحديث؛ منهم الترمذي وابن حبان وابن الجارود، والحاكم، ووافقه الذهبي، وهو مخرج في "المشكاة" (٢٥٢٨ - التحقيق الثاني).
стр. 2269
١٥٨٩ - عن ابن عباس:
أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لَبَّيْكَ عن شبْرمَةَ! قال:
"من شُبْرُمَةُ؟ ". قال: أخ لي -أو قريب لي-. قال:
"حججت عن نفسك؟ ". قال: لا. قال:
"حُجَّ عن نفسِكَ، ثُمَّ عن شُبْرُمَةَ".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وكذلك قال ابن الملقِّنِ، وصححه ابن الجارود وابن حبان والبيهقي والضياء المقدسي والعسقلاني).
إسناده: حدثنا إسحاق بن إسماعيل وهَنَّاد بن السَّرِيِّ -المعنى واحد-؛ قال إسحاق: ثنا عَبْدَة بن سليمان عن ابن أبي عَروبة عن قتادة عن عَزْرَةَ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ غير هناد بن السري؛ فإنه على شرط مسلم.
وقرينه إسحاق بن إسماعيل -وهو الطَّالْقَانِيُّ- ثقة، وقد توبعا.
والحديث أخرجه ابن ماجة وابن الجارود وابن حبان وغيرهم من طرق أخرى عن عبدة بن سليمان ... به.
وقد صححه من ذكرنا في الأعلى من الأئمة، وقد خرجت الحديث في "الإرواء" (٩٩٤)، وذكرت فيه أقوال المصححين، وأشرت إلى ما أُعِلَّ به مما لا يقدح في صحته، والشاهد المرسل الذي قوّاه الحافظ به.
واستدركت عليه أنه ثبت موصولًا من طريق عطاء عن ابن عباس مرفوعًا؛ وسنده صحيح. وهو مما أغفلته كتب التخريج التي وقفت عليها. والحمد لله على توفيقه.
стр. 2270
٢٧ - باب كيف التلبية ؟
١٥٩٠ - عن نافع عن ابن عمر:
أن تلبية رسول الله ﷺ :
"لَبَّيْكَ اللهم! لَبَّيْكَ، لبيك لا شريك لك لَبَّيْكَ، إن الحمدَ والنعمةَ لكَ والملك، لا شريكَ لك".
قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته:
لبَّيْك لَبَّيْكَ، لبيّك وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ بيدَيْكَ، والرَّغْبَاءُ إليك والعَمَلُ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه. وصححه الترمذي وابن الجارود وابن حبان).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث في "موطأ مالك" (١/ ٣٠٧) ... بهذا الإسناد والمتن.
وأخرجه البخاري (٣/ ٣٢٠)، ومسلم (٤/ ٧)، والنسائي (٢/ ١٨)، والبيهقي (٥/ ٤٤) كلهم من طرق عن مالك ... به.
وتابعه جمع عن نافع ... به.
أخرجه مسلم والنسائي، والترمذي (٨٢٥ و ٨٢٦) -وصححه-، والدارمي (٢/ ٣٤)، وابن ماجة (٢/ ٣١٥)، وابن الجارود (٤٣٣)، وأحمد (٢/ ٢٨ و ٤١ و ٤٣ و ٤٧ و ٤٨ و ٥٣ و ٧٧).
وتابعه جمع عن ابن عمر ... به.
стр. 2271
أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي وأحمد (٢/ ٣ و ٣٤ و ٤٣ و ٧٩ و ١٢٠ و ١٣١). وزاد هو ومسلم من طريق سالم ... مرفوعًا:
لا يزيد على هؤلاء الكلمات.
١٥٩١ - عن جابر بن عبد الله قال:
أهلَّ رسول الله ﷺ ... فذكر التلبية؛ مثل حديث ابن عمر، قال: والناس يزيدون: ذا المعارج! ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع، فلا يقول لهم شيئًا.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن الجارود).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا يحيى بن سعيد: ثنا جعفر: ثنا أبي عن جابر بن عبد الله.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير جعفر -وهو ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله، المعروف بالصادق-، فهو من رجال مسلم وحده.
والحديث أخرجه أحمد في "المسند" (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١) ... بهذا الإسناد عن جابر ... به.
وهو عنده قطعة من حديثه الطويل في الحج، وسيأتي عند المصنف برقم (١٦٦٣) من طريق حاتم بن إسماعيل: ثنا جعفر بن محمد ... به مطولًا، وفيه هذه القطعة نحوه.
وكذلك أخرجه مسلم وغيره، ويأتي تخريجه هناك.
والحديث أخرجه ابن الجارود (٤٦٥)، والبيهقي (٥/ ٤٥) من طريقين آخرين عن يحيى بن سعيد ... به.
стр. 2272
وعزاه المنذري في "مختصره" لابن ماجة!
وهو وهم؛ فإنه إنما أخرجه (٢/ ٢٥٢) بنحو الرواية الآتية:
١٥٩٢ - عن السائب الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل ﷺ ؛ فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال -أو قال: بالتلبية-"؛ يريد أحدهما.
(قلت: إسناده صحيح، وصححه الترمذي وابن الجارود).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن خَلادِ بن السائب الأنصاري عن أبيه.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير خلاد بن السائب؛ وهو ثقة.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٣٠٩ - ٣١٠) ... بهذا الإسناد والمتن.
وأخرجه أحمد (٤/ ٥٦)، والبيهقي (٥/ ٤٢) عن مالك ... به.
وكذا رواه الدارمي (٢/ ٣٤).
وتابعه سفيان بن عيينة: ثنا عبد الله بن أبي بكر ... به: أخرجه أحمد والحميدي (٨٥٣)، وعنه الحاكم (١/ ٤٥٠) -وصححه، ووافقه الذهبي-، والنسائي (٢/ ١٨)، والترمذي (٨٢٩)، وابن ماجة (٢/ ٢١٦)، والدارمي أيضًا، وابن الجارود (٤٣٤)، والبيهقي كلهم عن سفيان ... به. وقال البيهقي:
"ورواه ابن جريج قال: كتب إلي عبد الله بن أبي بكر ... فذكره، ولم يذكر أبا خلاد في إسناده. والصحيح رواية مالك وابن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر عن
стр. 2273
عبد الملك عن خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول الله ﷺ . كذلك قال البخاري وغيره"!
كذا قال! ورواية ابن جريج عند أحمد مثل رواية مالك وسفيان، فقال: ثنا محمد بن بكر قال: أنا ابن جريج. وروح قال: ثنا ابن جريج قال: كتب إلي عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يقول: حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث أنه حدثه خلاد بن السائب بن سُوَيْدٍ الأنصاري عن أبيه السائب ابن خلاد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ...
فلعل ما ذكره البيهقي رواية عن ابن جريج! لكن هذه الرواية المسندة عنه أصح؛ لاتفاق ثقتين عليها عنه، ولموافقتها لرواية مالك وسفيان.
وخالفه المطلب بن عبد الله بن حَنْطَبِ فقال: عن خلاد بن السائب عن زيد ابن خالد الجُهنِيِّ ... مرفوعًا نحوه: أخرجه أحمد (٥/ ١٩٢)، وابن ماجة والحاكم والبيهقي وابن حبان أيضًا (٩٧٤) وصححه الحاكم أيضًا، وقال:
"لا يعلل واحد منها الآخر"! وخالفه الترمذي فقال:
"ولا يصح، والصحيح عن خلاد عن أبيه".
قلت: وهذا هو الأرجح؛ لأن المطلب هذا مدلس، وقد عنعنه.
٢٨ - باب متى يقطع التلبية ؟
١٥٩٣ - عن الفضل بن عباس:
أن رسول الله ﷺ لَبَّى حتى رمى جمرة العقبة.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه، وكذا ابن حبان).
стр. 2274
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا وكيع: ثنا ابن جريج عن عطاء عن الفضل بن عباس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرطهما؛ وقد أخرجاه، وسائر أصحاب "السنن"؛ كما تراه في "الإرواء" (١٠٩٨).
١٥٩٤ - عن عبد الله بن عمر قال:
غَدَوْنَا مع رسول الله ﷺ مِنْ مِنىً إلى عرفاتٍ؛ منا المُلَبِّي، ومنا المكَبِّرُ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا عبد الله بن نمير: ثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال ...
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير عبد الله ابن أبي سلمة -وهو الماجشون-، وهو ثقة من رجال مسلم؛ وقد أخرجه كما يأتي.
والحديث أخرجه مسلم (٤/ ٧٢) ... بإسناد المصنف ومتنه.
وهو في "المسند" (٢/ ٢٢) ... بهذا الإسناد والمتن.
ثم أخرجه هو (٢/ ٣)، ومسلم، والنسائي (٢/ ٤٤)، والدارمي (٢/ ٥٦)، والبيهقي (٥/ ١١٢).
وتابعه عمر بن حسين عن عبد الله بن أبي سلمة ... به نحوه؛ وزاد: قال:
قلت: والله؛ لَعَجَبًا منكم كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع؟
стр. 2275
أخرجه مسلم.
واعلم أن هذه الرواية هي التي أشار إليها المنذري في قوله في "مختصره":
"وأخرجه مسلم بنحوه"!
وفاته أنه عنده باللفظ الأول أيضًا، كما رأيت.
٢٩ - باب متى يقطع المعتمر التلبية ؟
[تحته حديث واحد. انظره في "الضعيف"]
٣٠ - باب المُحْرِمِ يؤدِّب غلامه
١٥٩٥ - عن أسماء بنت أبي بكر قالت:
خرجنا مع رسول الله ﷺ حُجَّاجًا، حتى إذا كُنَّا بالعَرْجِ؛ نزل رسول الله ﷺ ونزلنا، فجلست عائشة ﵂ إلى جَنْبِ رسول الله ﷺ ، وجلستُ إلى جَنْبِ أبي، وكانت زِمَالَةُ أبي بكر وزِمَالَةُ رسول الله ﷺ واحدةً مع غلامٍ لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يَطْلُعَ عليه، فطَلَعَ وليس معه بعيرُهُ. قال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. قال: فقال أبو بكر: بعيرٌ واحدٌ تُضِلُّهُ؟ ! قال: فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ؛ ورسولُ الله ﷺ يَبْتَسِمُ ويقول:
"انظروا إلى هذا المُحْرِمِ ما يصنع؟ ! ".
قال ابن أبي رِزْمَةَ: فما يزيد رسول الله ﷺ على أن يقول:
"انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع؟ ! "؛ ويبتسم.
стр. 2276
(قلت: حديث حسن، وصححه الحاكم والذهبي. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه").
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا. (ح) وحدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمَةَ: أخبرنا عبد الله بن إدريس: أخبرنا ابن إسحاق عن يحيى بن عَبَّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير ابن إسحاق، فهو مدلس، ولم أقف على تحديثه فيه حتى الآن!
والحديث في "مسند أحمد" (٦/ ٣٤٤): ثنا عبد الله بن إدريس ... به.
وأخرجه ابن ماجة (٢/ ٢١٨ - ٢١٩) من طريق ابن أبي شيبة: ثنا عبد الله بن إدريس ... به.
وابن خزيمة (٢٦٧٩)، والحاكم (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤)، وعنه البيهقي (٥/ ٦٧ - ٦٨) من طريق أخرى عن عبد الله بن إدريس ... به. وقال الحاكم:
"حديث غريب صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
وفيه نظر؛ فإن ابن إسحاق لم يحتج به مسلم، ثم هو مدلس، وقد عنعنه.
لكنه لم يتفرد به؛ فقد قال ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ٢٠٦): أخبرنا محمد بن عمر: حدثني يعقوب بن يحيى بن عَبَّاد عن عيسى بن معمر عن عَبَّاد ابن عبد الله ... به.
لكن عيسى بن معمر لين الحديث.
ومحمد بن عمر -وهو الواقدي- متروك. والله أعلم.
стр. 2277
٣١ - باب الرجل يُحْرِمُ في ثيابه
١٥٩٦ - عن يعلى بن أميَّة:
أن رجلًا أتى النبي ﷺ وهو بالجِعْرَانَةِ، وعليه أثَرُ خَلُوقٍ -أو قال: صُفْرَةٍ-، وعليه جُبَّةٌ، فقال:
يا رسول الله! كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله ﵎ على النبي ﷺ الوحي، فلما سُرِّيَ عنه قال:
"أين السائل عن العمرة؟ ". قال:
"اغسل عنك أثر الخلوق -أو قال: أثر الصُّفرة-، واخلع الجُبَّةَ، واصنع في عمرتك ما صنعت في حجتك".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه، وابن حبان).
إسناده: حدثنا محمد بن كثير: أخبرنا همام قال: سمعت عطاء: أخبرنا صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث أخرجه البخاري (٣/ ٤٨٥ و ٤/ ٥١)، ومسلم (٤/ ٣)، والبيهقي (٥/ ٥٦) من طرق أخرى عن همام بن يحيى ... به؛ وفيه عندهم قصة.
وأخرجه الطحاوي (١/ ٣٦٤).
ثم أخرجه البخاري (٣/ ٣٠٧) -معلقًا- و (٨/ ٣٨) -موصولًا-، وكذا مسلم، والترمذي (٨٣٦)، والنسائي (٢/ ١٢)، وابن الجارود (٤٤٧ - ٤٤٩)، والبيهقي أيضًا، وأحمد (٤/ ٢٢٢ و ٢٢٤) من طرق أخرى عن عطاء ... به؛ وأسقط
стр. 2278
بعضهم: صفوان بن يعلى من الإسناد! وهي رواية الترمذي، وأعلها وقال: "الرواية الأولى أصح".
١٥٩٧ - وفي رواية عنه ... بهذه القصة؛ قال فيه: فقال له النبي ﷺ :
"اخلع جبتك"؛ فخلعها من رأسه ... وساق الحديث.
(حديث صحيح؛ إلا قوله: فخلعها من رأسه؛ فإنه منكر).
إسناده: حدثنا محمد بن عيسى: ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن عطاء عن يعلى بن أمية. وهشيم عن الحجاج عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه.
قلت: حديث صحيح، ورجال إسناده من الوجهين ثقات، وهو من الوجه الآخر موصول، لكن فيه عنعنة الحجاج -وهو ابن أرطاة-، وهو مدلس.
ومن الوجه الأول منقطع بين عطاء ويعلى؛ فإن بينهما صفوان بن يعلى، كما رواه جمع من الثقات، منهم همام عن عطاء، كما سبق في الرواية الأولى. ولذلك قال الترمذي -عقب الرواية المشار إليها آنفًا-:
"هكذا رواه قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد عن عطاء. والصحيح: ما روى عمرو بن دينار وابن جريج عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه عن النبي ﷺ ".
ثم إن المصنف إنما ساق هذه الرواية؛ لما فيها من زيادة: فخلعها من رأسه؛ وهي زيادة منكرة عندي؛ لعدم ورودها في كل طرق الحديث التي وقفت عليها، وإن كان الحافظ سكت عليها في "الفتح" (٣/ ٣٠٩)، وهو لا يسكت إلا عما كان حسنًا على الأقل عنده، كما نص عليه في "المقدمة"، ولكني لاحظت عليه شيئًا من التساهل في غير ما حديث واحد. والله أعلم.
على أنه قد روي من حديث جابر ما ينافي صراحة هذه الزيادة، كما ينافي
стр. 2279
ظاهر الحديث، لكن في إسناده ضعف؛ كما بينته في "الضعيفة" (٤٨٤٤).
ومثل هذه الزيادة: ما في رواية النسائي في آخر الحديث: ثم أحدث إحرامه! وقد أنكرها النسائي؛ فقال عقبها:
"ما أعلم أحدًا قاله غير نوح بن حبيب، ولا أحسبه محفوظًا".
١٥٩٨ - وفي رواية ثالثة عنه ... بهذا الخبر؛ قال فيه:
فأمره رسول الله ﷺ ، أن يَنْزِعَها نزعًا، ويغتسل مرتين أو ثلاثًا ... وساق الحديث.
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه الشيخان وابن الجارود بنحوه).
إسناده: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن مَوْهَب الهَمْدَانِي الرَّمْلِي قال: حدثني الليث عن عطاء بن أبي رباح عن يعلى ابن مُنْيَة عن أبيه ... بهذا الخبر؛ قال فيه ...
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ غير الرملي، وهو ثقة.
وإنما ساقه المصنف؛ لما فيه من زيادة الاغتسال مرتين أو ثلاثًا، وهي زيادة صحيحة ثابتة في "الصحيحين" وغيرهما فما بعض طرق الحديث المشار إليها تحت الرواية الأولى، وهو طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء ... به نحوه.
وهو عند ابن الجارود أيضًا (٤٤٧).
١٥٩٩ - وفي رابعة عنه:
أن رجلًا أتى النبي ﷺ بالجِعْرَانَةِ وقد أحْرَمَ بعمرة؛ وعليه جُبَّةٌ، وهو مَصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ ورأسَهُ ... وساق هذا الحديث.
стр. 2280
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه بإسناد المصنف وغيره).
إسناده: حدثنا عقبة بن مُكْرَمٍ: ثنا وهب بن جرير: ثنا أبي قال: سمعت قيس بن سعد يحدث عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه: أن رجلًا ...
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وقد أخرجه (٤/ ٥) ... بسند المصنف وغيره.
وأخرجه النسائي (٢/ ١٢).
٣٢ - باب ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ
١٦٠٠ - عن سالم عن أبيه قال:
سأل رجل رسول الله ﷺ : ما يترك المحرمُ من الثياب؟ فقال:
"لا يلبس القميص، ولا البُرْنُسَ، ولا السَّراويلَ، ولا العِمَامةَ، ولا ثوبًا مَسَّه وَرْسٌ ولا زَعْفَرانٌ، ولا الخُفَّيْنِ؛ إلا لمن لم يجد النعلين، فمن لم يجد نعلين؛ فليلبس الخفين، وليقطعهما، حتى يكونا أسفلَ من الكعبين".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه. وصححه الترمذي وابن الجارود).
إسناده: حدثنا مسدد وأحمد بن حنبل قالا: ثنا سفيان عن الزهري عن سالم.
следующие страницы →