عن المغيرة، ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة: على ظاهرهما ... غيره"!
قلت: لكن الأحاديث الأخرى التي وردت في مسح الخفين؛ كلها أو جُلُّها تقول:
مسح على الخفين، وهي نصوص ظاهرة في معنى اللفظ الذي رواه ابن أبي الزناد، بل هو نص في ذلك؛ لأنه لا يحتمل -ولو احتمالًا بعيدًا- المسح أسفله، فهي شواهد صحيحه لهذا الحديث؛ فهو على هذا صحيح. فتأمل!
ثم الحديث؛ أخرجه الطيالسي (رقم ١٩٢): ثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن المغيرة عن المغيرة بن شعبة:
أنّ النّبيّ ﷺ مسح على ظاهر خفيه.
فخالف الجماعة؛ حيث قال: عروة بن المغيرة. قال البيهقي (١/ ٢٩١) -بعد أن رواه من طريق الطيالسي-:
"كذا رواه أبو داود الطيالسي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد. وكذلك رواه إسماعيل بن موسى عن ابن أبي الزناد. ورواه سليمان بن داود الهاشمي ومحمد ابن الصباح وعلي بن حجر عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة". قال الشيخ أحمد محمد شاكر:
"فإن كانت الروايتان محفوظتين؛ وإلا كانت إحداهما وهمًا والأخرى صوابًا، ولا ضرر في ذلك؛ لأنه تردد بين راويين ثقتين: عروة بن الزبير، وعروة بن المغيرة".
قلت: والرواية الأولى أرجح؛ لاتفاق الأكثر عليها. والله أعلم.
وللحديث طريق أخرى: عند البيهقي عن الحسن عن المغيرة.
стр. 282
وهو منقطع، كما قال الحافظ (٢/ ٣٩٤).
١٥٢ - وفي رواية: على ظهر الخُفَّين (١).
(قلت: إسناده حسن صحيح، وقال الترمذي: "حديث حسن").
١٥٣ - عن علي ﵁ قال:
لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه.
(قلت: إسناده صحيح، وكذا قال الحافظ).
إسناده: حدثنا محمد بن العلاء: ثنا حفص بن غِيَاث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عبد خير؛ وهو ثقة، وقد مر.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المصنف.
وكذلك رواه ابن حزم (٢/ ١١١).
ثمّ أخرجه البيهقي، والدارقطني (٧٣) من طرق أخرى عن حفص ... به.
وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٩٢) -بعد أن عزاه للمصنف-:
"وإسناده صحيح". وقال في "البلوغ":
"إسناده حسن"!
стр. 283
والصواب الأول.
١٥٤ - وفي رواية: قال:
ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحقَّ بالغَسْل؛ حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا محمد بن رافع: ثنا يحيى بن آدم قال: ثنا يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش ... بإسناده قال.
وهذا إسناد صحيح كالسابق.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المصنف ... بهذا السند والمتن.
١٥٥ - وفي لفظ: قال:
لو كان الدين بالرأي؛ لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح النّبي ﷺ على ظهر خفيه.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: هو إسناد الرواية الأولى (رقم ١٥٣)؛ وهو ثابت في "مختصر المنذري" (رقم ١٥٤)، وليس هو في نسخة "عون المعبود".
١٥٦ - وفي رواية: قال:
كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرهما.
стр. 284
قال وكيع: يعني: الخفين.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: علقه المصنف بقوله: "ورواه وكيع عن الأعمش بإسناده".
وهو في "المسند" (١/ ٩٥ / رقم ٧٣٧) موصولًا: ثنا وكيع ... به.
ووصله ابنه عبد الله فقال (رقم ١٠١٣): ثنا إسحاق بن إسماعيل وأبو خيثمة قالا: حدثنا وكيع ... به؛ وليس عندهما قول وكيع في آخره: يعني: الخفين.
وقد تابعه إبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق ... به؛ ولفظه:
حتى رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على ظهر قدميه على خفيه ... والباقي مثله سواءً.
أخرجه البيهقي.
وتابعه يونس؛ ولفظه:
رأيت عليًّا توضأ ومسح على النعلين، ثمّ قال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت؛ لرأيت أن باطن القدمين هو أحق بالمسح من ظاهرهما.
أخرجه أحمد (رقم ١٢٦٣)، والدارمي (١/ ١٨١): حدثنا -وقال الدارمي: أخبرنا- أبو نعيم: حدثنا يونس عن أبي إسحاق ... به.
وهذا إسناد صحيح.
ولم ينفرد أبو إسحاق بذكر المسح على النعلين: عن علي مرفوعًا، بل تابعه السُّدِّيُّ:
стр. 285
أخرجه أحمد (رقم ٩٤٣ و ٩٧٠): حدثنا ابن الأشجعي: حدثنا أبي عن سفيان عن السدي عن عبد خير عن علي:
أنه دعا بكوز من ماء، ثمّ قال: أين هؤلاء الذين يزعمون أنهم يكرهون الشرب قائمًا؟ قال: فأخذه فشرب وهو قائم، ثم توضأ وضوءا خفيفًا، ومسح على نعليه، ثمّ قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهر؛ ما لم يُحْدِثْ.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات.
وابن الأشجعي يعرف بكنيته: أبو عبيدة بن عبيد الله بن عبيد الرحمن.
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" عن سفيان -كما في "نصب الراية" (١/ ١٨٩) -.
ورواه شريك عن السدي ... نحوه؛ وفيه: ثمّ قال:
لولا أني رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظهر قدميه؛ رأيت أن بطونهما أحق ... الحديث: أخرجه أحمد أيضًا (رقم ٩٤٣).
(فائدة): واعلم أن بعض العلماء فهموا من قوله في هذه الرواية: للطاهر ما لم يحدث؛ أي: حدثًا أصغر، وبناءً على ذلك قالوا: (إنما يجوز المسح على النعلين لمن كان على وضوء، ثم أراد تجديده)! !
وليس يظهر لنا هذا المعنى؛ بل المراد ما لم يحدث حدثًا أكبر؛ أي: ما لم يُجْنِب؛ فهو بمعنى حديث صفوان بن عسال بلفظ:
"إلا من جنابة، ولكن من غائط أو بول أو نوم".
وقد سبق ذكره عند الحديث (رقم ١٤٥). والدليل على ما ذهبنا إليه أمور:
الأول: أن راوي الحديث نفسه -أعني: عليًّا ﵁ قد مسح على
стр. 286
نعليه بعد أن بال؛ ثمّ صلّى إمامًا، وهو أدرى بمعنى كلامه، وأعلم بحديثه ﵇.
فروى الطحاوي (١/ ٥٨) من طريقين عن شعبة عن سلمة بن كُهَيْل عن أبي ظَبْيَانَ:
أنه رأى عليًّا بال قائمًا، ثمّ دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد، فخلع نعليه ثمّ صلّى.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وأبو ظبيان هذا: هو حصين بن جندب.
وأخرجه البيهقي (١/ ٢٨٧) من طريق سفيان عن سلمة بن كهيل ... به نحوه؛ وفيه: أنه صلّى الظهر.
ثمّ أخرجه البيهقي من طريق الأعمش عن أبي ظبيان قال:
رأيت علي بن أبي طالب بالرَّحْبَة بال قائمًا، حتى أرغى، فأتي بكوز من ماء، فغسل يديه، واستنشق وتمضمض، وغسل وجهه، وذراعيه، ومسح برأسه، ثمّ أخذ كفًّا من ماء فوضعه على رأسه، حتى رأيت الماء ينحدر على لحيته، ثمّ مسح على نعليه، ثمّ أقيمت الصلاة، فخلع نعليه؛ ثمّ تقدّم فأم الناس.
قال ابن نمير: قال الأعمش: فحدثت إبراهيم، قال: إذا رأيت أبا ظبيان فأخبرني، فرأيت أبا ظبيان قائمًا في الكناسة، فقلت: هذا أبو طبيان، فأتاه فسأله عن الحديث.
وإسناده صحيح أيضًا.
وقال عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الكبرى" (ق ١٨/ ١):
стр. 287
"وقال عبد الرزاق في "مصنفه": أخبرنا معمر عن يزيد بن أبي زياد عن أبي زياد عن أبي ظبيان الحُنَيْنِيِّ قال: رأيت عليًّا بال قائمًا حتى أرغى، ثمّ توضأ ومسح على نعليه، ثمّ دخل المسجد، فخلع نعليه، ثمّ جعلهما في كمه ثم صلّى. وقال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ ... بمثل صنيع علي هذا".
قلت: وسكت عبد الحق عليه؛ مشيرًا لصحة الإسناد، كما نص عليه في مقدمة الكتاب.
الثاني: أنه ثبت السح على النعلين مرفوعًا في غير ما حديث؛ كما صح المسح على الخفين، فهما في الحكم سواءٌ؛ والتفريق بينهما بدون دليل لا يجوز.
الثالث: أننا لا نعلم وضوءًا تصح به النافلة دون الفريضة؛ فتأمل!
١٥٧ - ورواه عيسى بن يونس عن الأعمش كما رواه وكيع.
(قلت: لم أقف عليه موصولًا).
إسناده: لم أقف عليه موصولًا.
١٥٨ - ورواه أبو السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه قال:
رأيت عليًّا توضأ؛ فغسل ظاهر قدميه، وقال:
لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعله ... وساق الحديث.
(قلت: وبقية الحديث: لظننت أن بطونهما أحق بالغسل. وسنده صحيح).
إسناده: ذكره كما ترى معلقًا، وهو في بعض روايات الكتاب موصول، ففي
стр. 288
"العون":
"واعلم أن هذا الحديث هكذا معلقًا في رواية اللؤلؤي. وأما في رواية أبي بكر ابن داسة؛ فموصول. وهذه عبارته: حدثنا حامد بن يحيى: نا سفيان عن أبي السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه قال: رأيت عليًّا توضأ ... الحديث".
قلت: ووصله عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (رقم ٩١٨ و ١٠١٤) قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل: ثنا سفيان ... به؛ وتتمة الحديث منه.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وأبو السوداء: اسمه عمرو بن عمران النَّهدي الكوفي.
وابن عبد خير: اسمه المسيب.
٦٤ - باب الانتضاح
١٥٩ - عن سفيان -هو الثوري- عن منصور عن مجاهد عن سفيان بن الحكم الثقفي -أو الحكم بن سفيان- قال:
كان رسول الله ﷺ إذا بال؛ يتوضأ ينتضح.
قال أبو داود: "وافق سفيانَ جماعةٌ على هذا الإسناد. وقال بعضهم: الحكم -أو ابن الحكم-".
(قلت: إسناده ضعيف؛ لاضطرابه الشديد؛ وقد ذكر المصنف ﵀ شيئًا منه. لكن الحديث صحيح لشواهده).
إسناده: ثنا محمد بن كثير: ثنا سفيان -هو الثوري-.
стр. 289
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ لكن له علتان تمنعان من الحكم عليه بالصحة: الاضطراب، والاختلاف في صحبة سفيان بن الحكم -أو الحكم بن سفيان- كما يأتي.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ١٦١) من طريق أحمد بن سيار: ثنا محمد بن كثير ... به.
ومن هذا الوجه: أخرجه الحاكم أيضًا (١/ ١٧١)، وقال:
"صحيح على شرطهما؛ وإنما تركاه للشك فيه؛ وليس ذلك مما يوهنه؛ وقد رواه جماعة عن منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان".
وأخرجه النسائي (١/ ٣٣)، وأحمد (٣/ ٤١٠ و ٤/ ٢١٢ و ٥/ ٤٠٨ و ٤٠٩) من طرق أخرى عن سفيان ... به. قال البيهقي:
"وكذا رواه معمر وزائدة عن منصور".
قلت: ومن طريق زائدة: أخرجه أحمد أيضًا؛ وهو في الكتاب (رقم ١٦١)؛ لكن زاد فيه: عن أبيه.
ثمّ روى بإسناده الصحيح عن شريك قال: سألت أهل الحكم بن سفيان؟ فذكروا أنه لم يدرك النّبيّ ﷺ .
قلت: فعلى هذا؛ فهو مرسل.
وصحح إبراهيم الحربي وأبو زرعة وغيرهما: أن للحكم بن سفيان صحبة! فالله أعلم.
وقد اضطربوا في هذا الحديث اضطرابًا كثيرًا على نحو عشرة وجوه؛ لخصها الحافظ في "تهذيب التهذيب"، وذكر المصنف بعضها كما يأتي، ويتبين من ذلك
стр. 290
أن اضطرابه شديد محير، لا يمكن ترجيح وجه منها على آخر، حتى إن ابن أبي حاتم نقل في "العلل" (١/ ٤٦)، تصحيحين متناقضين في ذلك! قال:
(فقال أبو زرعة: الصحيح: مجاهد عن الحكم بن سفيان؛ وله صحبة. وسمعت أبي يقول: الصحيح: مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه؛ ولأبيه صحبة"!
وكذا قال الترمذي في "العلل" عن البخاري، والذهلي عن ابن المديني: مثل قول أبي حاتم.
وبالجملة: فهذا الاضطراب يستلزم ضعف الإسناد.
لكن الحديث صحيح باعتبار ما له من الشواهد:
فمنها: عن ابن عباس:
أنّ النّبيّ ﷺ توضأ مرة مرة، ونضح فرجه.
أخرجه الدارمي (١/ ١٨٠): أخبرنا قبيصة: أبَنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه البيهقي (١/ ١٦٢) من طريق العباس الدوري: ثنا قبيصة ... به. وقال:
"قوله: ونضح ... تفرد به قبيصة عن سفيان. رواه جماعة عن سفيان دون هذه الزيادة".
قلت: كذلك رواه البخاري وغيره بدون الزيادة، وقد مضى في الكتاب (رقم ١٢٧)، ولكنها زيادة من ثقة غير منافية لرواية الجماعة؛ فيجب قبولها.
ومنها عن زيد بن حارثة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 291
"علمني جبريل الوضوء، وأمرني أن أنضح تحت ثوبي؛ لما يخرج من البول بعد الوضوء".
أخرجه ابن ماجة والدارقطني (٤١)، والبيهقي، وأحمد (٤/ ١٦١).
وهو حديث حسن؛ فقد تابع ابنَ لهيعة على متنه: رشدين بن سعد؛ دون الأمر: عند الدارقطني، كما سنبينه في "صحيح ابن ماجة" إن شاء الله، وانظر "الضعيفة" (١٣١٢).
١٦٠ - عن سفيان عن ابن أبي نَجِيحٍ عن مجاهد عن رجل من ثَقيف عن أبيه قال:
رأيت رسول الله ﷺ بال، ثمّ نضح فرجه.
إسناده: حدثنا إسحاق بن إسماعيل: ثنا سفيان.
وهذا وجه آخر من الاضظراب، وهو مثل الآتي بعده؛ إلا أن فيه التصريح باسم شيخ مجاهد فيه على الشك.
وأخرجه أحمد (٤/ ٦٩)، والحاكم، والبيهقي عن سفيان ... هكذا.
١٦١ - عن زائدة عن منصور عن مجاهد عن الحكم -أو ابن الحكم- عن أبيه:
أن رسول الله ﷺ بال، ثمّ توضأ ونضح فرجه.
إسناده: حدثنا نصر بن المهاجر: ثنا معاوية بن عمرو: ثنا زائدة.
ونصر بن المهاجر ثقة حافظ.
стр. 292
وبقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين.
ولم أجد رواية زائدة على هذا الوجه عند غير المصنف؛ وهي في المسند أحمد" (٥/ ٤٠٨) مقرونة مع رواية سفيان الثوري المذكورة في أول الباب (رقم ١٥٩)؛ وليس فيها: عن أبيه.
وكذلك علقها البيهقي، كما سبق ذكره هناك؛ فلعل منصورًا رواه مرة هكذا ومرة هكذا!
ورواه شعبة عن منصور فقال: عن مجاهد عن الحكم -أو أبي الحكم- رجل من ثقيف -عن أبيه:
أخرجه الطيالسي (رقم ١٢٦٨) وعنه البيهقي.
وأخرجه النسائي عن خالد بن الحارث عن شعبة ... به؛ لكنه لم يقل: أو أبي الحكم.
ثم رواه البيهقي عن حفص بن عمر: ثنا شعبة ... به مثل رواية الطيالسي؛ ثم قال:
"وكذلك رواه وهيب عن منصور".
قلت: وكذلك رواه جرير عن منصور: أخرجه أحمد (٣/ ٤١٠، ٤/ ٤١٢).
٦٥ - باب ما يقول الرجل إذا توضأ
١٦٢ - عن عقبة بن عامر قال:
كنا مع رسول الله ﷺ ، خُدَّامَ أنفسنا؛ نتناوب الرعاية -رعاية إبلنا-؛ فكانت عليَّ رعاية الإبل، فروَحتها بالعَشِيِّ، فأدركت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ
стр. 293
يخطب الناس، فسمعته يقول:
"ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيركع ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه؛ إلا قد أوجب".
فقلت: بَخٍ بَخٍ! ما أجود هذه! فقال رجل بين يدي: التي قبلها يا عقبة! أجود منها. فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب. قلت: ما هي يا أبا حفص؟ ! قال: إنه قال آنفًا قبل أن تجيء:
"ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثمّ يقول حين يَفْرُغُ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، و [أشهد] (١) ان محمدًا عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه مسلم وابن حبان وأبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا أحمد بن سعيد الهَمْداني: ثنا ابن وهب: سمعت معاوية -يعني: ابن صالح- يحدث عن أبي عثمان عن جبيرِ بن نُفَيْرٍ عن عقبة بن عامر.
ثم قال المصنف عقب الحديث: قال معاوية: وحدثني ربيعةُ بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير أحمد بن سعيد الهمداني -وهو ابن بشر أبو جعفر المصري-؛ وهو ثقة.
стр. 294
وأما أبو عثمان؛ فاختلف في من هو؟ !
قال أبو بكر بن منجويه: يشبه أن يكون سعيد بن هانئ الخولاني المصري.
وقال ابن حبان: يشبه أن يكون حريز بن عثمان الرَّحَبِيّ.
قلت: وكلاهما ثقة؛ فالتردد بينهما لا يضر.
والحديث أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٢٥): حدثنا بحر بن نصر قال: ثنا ابن وهب ... به؛ وزاد في آخره:
قال معاوية -وهو ابن صالح-: وحدثني عبد الوهاب بن بُخْتٍ عن ليث بن سليم [وفي الأصل: ابن أبي سليم]! والظاهر أنه خطأ مطبعي -عن عقبة بن عامر.
فللحديث عن عقبه ثلاثة أسانيد؛ يرويها جميعًا معاوية بن صالح برواية ابن وهب عنه.
وقد تابعه عن معاوية: ليث -وهو ابن سعد-:
أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥ - ١٤٦): ثنا أبو العلاء الحسن بن سَوَّار قال: ثنا ليث عن معاوية .. به.
وتابعه أيضًا عبد الله بن صالح الجهني قال: حدثني معاوية بن صالح الحمصي ... به:
أخرجه البيهقي (١/ ٧٨)؛ ووقع ليث بن سليم منسوبًا عندهما فقالا: (الجهني).
وليث بن سليم الجهني مجهول؛ كما في "التعجيل".
وتابعهم عن معاوية -بإسناديه المذكورين عند المصنف-: عبد الرحمن بن
стр. 295
مهدي: عند مسلم (١/ ١٤٤)، وأحمد (٤/ ١٥٣)، وعنه البيهقي (١/ ٧٨ و ٢/ ٢٨٠)؛ لكن وقع عنده ذكر الإسناد الثالث أيضًا؛ وليس هو في "المسند".
وتابعه زيد بن الحباب أيضًا: عند مسلم، وأبي عوانة (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، والبيهقي؛ واقتصرا على القول بعد الوضوء.
وروى منه النسائي (١/ ٣٦) صلاة الركعتين بعده.
وقد كان زيد بن الحباب يضطرب في إسناده أحيانًا؛ فقد روى منه القول بعد الوضوء: النسائي (١/ ٢٥) -من طريق محمد بن علي بن حرب المروزي-، والبيهقي (١/ ٧٨) -من طريق العباس بن محمد الدوري- قالا: ثنا زيد بن الحباب قال: ثنا معاوية بن صالح عن ربيعة -وقال الدوري: حدثني ربيعة- بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عقبه بن عامر ... وليس عند الدوري: عن أبي إدريس الخولاني؛ إنما عنده عن أبي عثمان وحده.
فهذا منقطع؛ أخطأ فيه زيد؛ حيث جعله من رواية أبي عثمان عن عقبة! والصواب أن بينهما جبير بن نفير؛ كما في روايته الأخرى الموافقة لرواية الجماعة.
فهذا وجه من الاضطراب عنه.
ووجه ثان معاكس لهذا؛ فقد أخرج المصنف فيما يأتي (رقم ٨٤١) قطعة منه من طريق عثمان بن أبي شيبة: ثنا زيد بن الحباب: ثنا معاوية بن صالح عن ربيعة ابن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن جبير بن نفير الحضرمي عن عقبة بن عامر الجهني.
وهذا خلاف الذي قبله؛ فقد أدخل بين أبي إدريس وعقبة: جبير بن نفير!
والصواب حذفه؛ فإنما رواه أبو إدريس عن عقبة بدون واسطة؛ كما في رواية الجماعة والرواية الصحيحة عن زيد.
стр. 296
ووجه ثالث؛ وهو ما أخرجه الترمذي (١/ ٣٧): حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي: حدثنا زيد بن حباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر بن الخطاب مرفوعًا:
"من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ... " الحديث، وزاد في آخره:
"اللهم! اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين".
فهذا مثل رواية النسائي المضطربة؛ لكنه أشد اضطرابًا منها؛ حيث جعل عمر ابن الخطاب مكان عقبة بن عامر.
فالصواب أنه من رواية ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس، ومن رواية أبي عثمان عن جبير؛ كلاهما عن عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب؛ كما في رواية الجماعة.
ثم قال الترمذي:
"وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء"!
كذا قال وهو بعيد عن الصواب؛ فقد تبين لك مما حررنا آنفًا أن الاضطراب إنما هو في رواية زيد بن الحباب وحده، وأن رواية الجماعة -عند مسلم وأبي عوانة والمصنف وغيرهم- سالمة منه؛ فلا يجوز تضعيف الحديث لمجرد اضطراب راوٍ واحد فيه، قد وافق الجماعة المتابعين له على الصواب. ولذلك قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٥٤) -متعقبًا كلام الترمذي المذكور-:
"لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض؛ والزيادة التي عنده؛ رواها البزار، والطبراني في "الأوسط" من طريق ثوبان ولفظه: "من دعا بوَضوء فتوضأ، فساعة
стр. 297
فرغ من وضوئه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم! اجعلني من التوابين واجعلتي من المتطهرين ... " الحديث".
قلت: حديث ثوبان هذا؛ سكت عليه الحافظ! وقد أورده الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٣٩) بهذا اللفط؛ ثمّ قال:
"رواه الطبراني في "الأوسط"، و "للكبير" باختصار، وقال في "الأوسط": "تفرد به مِسْوَرُ بن مُوَرِّع"؛ ولم أجد من ترجمه. وفيه أحمد بن سهيل الوراق؛ ذكره ابن حبان في "الثقات". وفي إسناد " الكبير" أبو سعيد (١) البقال؛ والأكثر على تضعيفه، ووثقه بعضهم"!
قلت: ورواه ابن السني أيضًا (رقم ٣٠) من طريق أبي سعد الأعور عن أبي سلمة عن ثوبان مرفوعًا.
والأعور: هو البقال؛ وهو ضعيف مدلس، كما في "التقريب".
ثم ذكر الحافظ أن لفظ رواية البزار عن ثوبان:
"من توضأ فأحسن الوضوء، تمّ رفع طرفه إلى السماء ... " الحديث.
قلت: وهذه الزيادة -أعني: رفع الطرف إلى السماء- رويت من طريق أخرى عن عقبة بن عامر أيضًا.
لكن الراوي لها عنه مجهول؛ من أجل ذلك أوردناها في الكتاب الآخر (رقم ٢٤).
والشاهد المذكور لا يقويه؛ لما بينا هناك فليراجعه من شاء.
стр. 298
٦٦ - باب الرجل يصلّي الصلوات بوضوء واحد
١٦٣ - عن عمرو بن عامر البَجَلِي -هو أبو أسد بن عمرو- قال:
سألت أنس بن مالك عن الوضوء؟ فقال:
كان النّبيّ ﷺ يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلّي الصلوات بوضوء واحد.
(قلت: حديث صحيح. وأخرجه البخاري في "صحيحه". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا محمد بن عيسى: ثنا شَرِيكٌ عن عمرو بن عامر البجلي -قال محمد: هو أبو أسد بن عمرو-.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات: غير أن شريكًا -وهو ابن عبد الله القاضي- كان سيئ الحفظ؛ لكنه لم يتفرد به كما يأتي فدل ذلك على أنه قد حفظ؛ فالحديث صحيح.
والحديث أخرجه ابن ماجة (١/ ١٨٣)، وأحمد (٣/ ١٥٤) عن شريك ... به.
وتابعه سفيان الثوري: عند البخاري (١/ ٢٥٢)، والترمذي (١/ ٨٨) -وقال: "حديث حسن صحيح"-، والدارمي (١/ ١٨٣)، وأحمد أيضًا (٣/ ١٢٢ و ١٢٣)؛ وزاد في آخره:
ما لم نحدث.
وشعبة: عند النسائي (١/ ٣٢)، والطحاوي (١/ ٢٦)، وأحمد (٣/ ١٩٠ و ٢٦٠)؛ وفيه الزيادة.
стр. 299
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وهو عند الطيالسي (رقم ٢١١٧)؛ دون قوله: وكنا نصلّي ... إلخ.
وللحديث طريق أخرى عند الترمذي (١/ ٨٦). من طريق محمد بن إسحاق عن حميد عن أنس.
قلت: وسنده ضعيف؛ لعنعنة ابن إسحاق، ولأن شيخ الترمذي فيه -محمد ابن حُميد الرازي- ضعيف.
فالاعتماد على الطريق الأولى.
(تنبيه): عمرو بن عامر البجلي أبو أسد بن عمرو؛ أورده المِزي في "التهذيب" تمييزًا بعد ترجمة عمرو بن عامر الأنصاري الذي أشار إلى أنه من رجال الستة! وتبعه على ذلك الحافظ في "التهذيب"، و"التقريب"!
وقد وهما؛ فإنه من رجال المصنف كما ترى، وأشارا بذلك إلى أن البجلي غير الأنصاري، وذكرا في ترجمة هذا الأنصاري أنه روى عن أنس، وعنه جماعة فيهم شريك، ثمّ لم يذكرا في ترجمة البجلي ذلك! بل قال المزي فيها:
"وذكر الآجري عن أبي داود: "الذي يروي عن أنس: هو والد أسد بن عمرو"؛ وكذا قال ابن عساكر في "الأطراف" في الرواة عن أنس: "عمرو بن عامر الأنصاري والد أسد بن عمرو"؛ فكأنه تبع في ذلك أبا داود، وذلك وهم؛ فإن والد أسد بجلي؛ وهو متأخر عن طبقة الأنصاري. والله أعلم"!
لكن الحافظ تعقبه في "تهذيب التهذيب" بقوله:
"قلت: مثل أبي داود لا يرد قوله بلا دليل".
قلت: ويؤيد ما ذهب إليه المصنف ﵀: أن شريكًا -في رواية أحمد عنه-
стр. 300
قال: عمرو بن عامر الأنصاري.
وفي رواية المصنف: عمرو بن عامر البجلي.
فدل على أنهما واحد، ويبعد جدًّا أن يكونا اثنين، يروي شريك عن كل منهما هذا الحديث الواحد! والله أعلم.
١٦٤ - عن سليمان بن بُريدة عن أبيه قال:
صلّى رسول الله ﷺ يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه. فقال له عمر: إني رأيتك صنعت شيئًا لم تكن تصنعه؟ قال:
"عمدًا صنعته".
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه مسلم وابن حبان وأبو عوانة في "صحاحهم"، والترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا مسدد: أخبرنا يحيى عن سفيان: حدثني علقمة بن مَرْثَدٍ عن سليمان بن بريدة.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير مسدد؛ فمن رجال البخاري وحده.
وسليمان بن بريدة؛ فمن رجال مسلم فقط، وقد أخرج حديثه هذا في "صحيحه"، كما يأتي.
والحديث أخرجه مسلم (١/ ١٦٠)، والنسائي عن يحيى بن سعيد ... به.
وأخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٣٧)، والترمذي (١/ ٨٩) - وقال: "حديث حسن صحيح"-، والطحاوي (١/ ٢٥)، وابن حبان (١٧٠٣
стр. 301
و ١٧٠٤)، والبيهقي، وأحمد (٥/ ٣٥٠ و ٣٥٨) من طرق أخرى عن سفيان ... به.
وقد تابعه قيس -وهو ابن الربيع- عن علقمة بن مرثد ... به مختصرًا؛ بلفظ: أن رسول الله ﷺ صلّى الصلوات بوضوء واحد.
أخرجه الطيالسي (رقم ٨٠٥).
وقيس بن الربيع ثقة؛ لكنه سيئ الحفظ، وقد اختصر الحديث اختصارًا مخلًا، كما ترى.
ولسفيان فيه إسناد آخر: أخرجه ابن ماجة (١/ ١٨٤) عنه عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة ... به.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وأعله الترمذي بالإرسال!
وليس كذلك عندنا؛ كما سنبينه في "صحيح ابن ماجة " إن شاء الله تعالى.
وفي الباب: عن عبد الله بن حنطلة بن أبي عامر، وقد مضى في الكتاب (رقم ٣٨)؛ فراجعه.
٦٧ - باب تفريق الوضوء
١٦٥ - عن أنس بن مالك:
أن رجلًا جاء إلى النّبيّ ﷺ ، وقد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظُّفْرِ، فقال له رسول الله ﷺ :
стр. 302
"ارجع؛ فأحسن وُضوءك".
(قلت: إسناده صحيح. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه". وسكت عليه الحافظ).
إسناده: حدثنا هارون بن معروف: ثنا اين وهب عن جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن دِعَامة قال: ثنا أنس بن مالك.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
ولكن المصنف أشار إلى إعلاله بقوله عقبه:
"وهذا الحديث ليس بمعروف عن جرير، ولم يروه إلا ابن وهب"!
قلت: ابن وهب -وهو عبد الله- ثقة حافظ؛ فلا يضر تفرده به. وكذلك جرير ابن حازم؛ حتى قال الذهبي في ترجمته من "الميزان":
"هو أحد الأئمة الكبار، ولولا ذكر ابن عدي له لما أوردته".
ثمّ ذكر بعض أقوال الأئمة فيه، وفي بعضها التكلم في روايته عن قتادة خاصة، كقول عبد الله بن أحمد:
"سألت يحيى عن جرير بن حازم؟ فقال: ليس به بأس. فقلت: إنه يحدث عن قتادة عن أنس بمناكير؟ فقال: هو عن قتادة ضعيف". ولذلك قال الذهبي:
"وفي الجملة؛ لجرير عن قتادة أحاديث منكرة". وقال الحافظ:
"هو ثقة؛ لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدَّث من حفظه".
стр. 303
قلت: ونحن نرى أن الحديث صحيح؛ فإن جريرًا ثقة حجة بالاتفاق؛ إلا في روايته عن قتادة؛ وليس عندنا ما يدل على أنه وهم في روايته هذه عنه؛ بل الأحاديث في الباب تشهد له.
وكذلك صحح الحديث من يأتي ذكره.
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٤٦) وابنه عبد الله بهذا السند.
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٥٣)، والبيهقي (١/ ٨٣) عن المؤلف.
ثمّ أخرجه أبو عوانة وابن ماجة، والدارقطني (٤٠) من طرق عن ابن وهب.
وقال الدارقطني:
"تفرد به جرير بن حازم عن قتادة، وهو ثقة".
ورواه ابن خزيمة أيضًا؛ كما في "التلخيص" (١/ ٤٤١) (*)
١٦٦ - قال أبو داود: "وقد روي عن معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير عن جابر عن عمر عن النبي ﷺ ... نحوه، قال: ارجع فأحسن وضوءك".
(قلت: وصله مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما").
إسناده: أورده هكذا معلقًا، وقد وصله مسلم في "صحيحه" (١/ ١٤٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٢) من طريق الحسن بن محمد بن أعْيَن قال: ثنا معقل بن عبيد الله ... به.
стр. 304
قلت: وفي آخره زيادة: فرجع ثم صلى.
وقد تابعه ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر ... به.
أخرجه أبو عوانة، وابن ماجة (١/ ٢٢٧)، وأحمد (١ / رقم ١٣٤ و ١٥٣).
وهذا إسناد صحيح؛ لولا ما يخشى من تدليس أبي الزبير؛ فقد عنعنه في الروايتين عنه.
١٦٧ - عن الحسن عن النبي ﷺ ... بمعنى قتادة.
(قلت: هو مرسل، وإسناده صحيح بما قبله).
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد: أخبرنا يونس وحميد عن الحسن عن النبي ﷺ .
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال مسلم، لكنه مرسل.
لكنه شاهد قوي للموصولين قبله.
والحسن: هو البصري.
١٦٨ - عن بعض أصحاب النبي ﷺ :
أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قَدْرَ الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة.
(قلت: حديث صحيح. وقال الإمام أحمد: "هذا إسناد جيد"، وقوّاه ابن التركماني وابن القيم وابن حجر".
إسناده: حدثنا حيوة بن شريح: ثنا بقية عن بَحِيرٍ -هو ابن سعد- عن خالد
стр. 305
عن بعض أصحاب النبي ﷺ .
وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير أن بقية مدلس وقد عنعنه، لكن قد ورد عنه مصرحًا بالتحديث كما يأتي؛ فالحديث صحيح.
وخالد: هو ابن معدان.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٨٣) من طريق المؤلف وقال:
"وهو مرسل"! وقال الذهبي في "مختصره":
"ما أراه إلا متصلًا".
قلت: وهذا هو الحق؛ وقد بينه ابن التركماني بقوله:
"قلت: تسميته هذا مرسلًا ليس بجيد؛ لأن خالدًا هذا أدرك جماعة من الصحابة، وهم عدول؛ فلا يضرهم الجهالة. قال الأثرم: قلت -يعني: لابن حنبل-: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ولم يسمه؛ فالحديث صحيح؟ قال: نعم .. ثم إن في سند الحديث بقية، وهو مدلس، وقد عنعن، والحاكم أورد هذا الحديث في "المستدرك" من طريقه؛ ولفظه: قال: حدثني بحير ... فكان الوجه أن يخرجه البيهقي من طريق الحاكم؛ ليسلم الحديث من تهمة بقية.
وأعله المنذري في "مختصره" بأن:
"في إسناده بقية؛ وفيه مقال"! قال ابن القيم ﵀ في "تهذيبه":
"هكذا علل أبو محمد المنذري وابن حزم هذا الحديث برواية بقية له؛ وزاد ابن حزم تعليلًا آخر؛ وهو أن راويه مجهول لا يدرى من هو؟ ! والجواب على هاتين العلتين:
стр. 306
أما الأولى؛ فإن بقية ثقة في نفسه صدوق حافظ، وإنما نقم عليه التدليس مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صرح بالسماع فهو حجة، وقد صرح في هذا الحديث بسماعه له. قال أحمد في "مسنده": حدثنا إبراهيم بن أبي العباس: ثنا بقية: ثنا بحير [وفي الأصل: يحيى وهو خطأ واضح] بن سَعْد عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ ... فذكر الحديث، وقال: فأمره أن يعيد الوضوء.
قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: هذا إسناد جيد؟ قال: جيد.
وأما العلة الثانية؛ فباطلة أيضًا على أصل ابن حزم وأصل سائر أهل الحديث؛ فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في الحديث؛ لثبوت عدالة جميعهم، وأما أصل ابن حزم؛ فإنه قال في كتابه في أثناء مسألة: كل نساء النبي ﷺ ثقات فواضل عند الله مقدسات بيقين.
قلت: والعلة الثانية إنما هي باطلة على أصل ابن حزم بالنسبة إلى الرواية التي نقلها ابن للقيم عن "المسند". وأما بالنسبة للرواية التي أوردها ابن حزم في "المحلى" (٢/ ٧٠ - ٧١) ثم أعلها بما سبق؛ فليست بواردة إلا على أصل سائر الحدثين؛ لأنها كراوية المصنف: عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٤٢):
"وأعله المنذري بأن فيه بقية، وقال: عن بحير؛ وهو مدلس. لكن في "المسند"، و"المستدرك" تصريح بقية بالتحديث؛ وفيه: (عن بعض أزواج النبي ﷺ :
وأجمل النووي القول في هذا فقال في "شرح المهذب" [١/ ٤٥٥]:
"هو حديث ضعيف الإسناد". وفي هذا الإطلاق نظر؛ لهذه الطرق".
стр. 307
قلت: ولم أجد الحديث في "المسند"؛ ولا في "المستدرك" بعد أن راجعته في مظانه (*)، وقد مررت على (كتاب الطهارة) و (كتاب الصلاة) من "المستدرك"؛ فلم أعثر عليه! والله أعلم.
٦٨ - باب إذا شك في الحدث
١٦٩ - عن سعيد بن المسيب وعَبَّاد بن تميم عن عمه:
شُكِيَ إلى النبي ﷺ الرجل يجد الشيء في الصلاة حتى يُخَيَّلُ إليه؟ فقال:
"لا ينفتلُ حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أحمد بن أبي خلف قالا: ثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف من رجال مسلم وحده؛ لكنه مقرون مع قتيبة، وهو من رجالهما.
والحديث أخرجه النسائي (١/ ٣٧): أخبرنا قتيبة عن سفيان ... به.
ثم أخرجه هو والشيخان في "صحيحيهما"، وابن ماجة والبيهقي من طرق عن سفيان بن عيينة ... به.
стр. 308
وهو في "مسند الشافعي" (ص ٣ - ٤)، وأحمد (٤/ ٤٠) قالا: حدثنا سفيان ... به؛ لكنهما لم يذكرا سعيد بن المسيب في السند.
وكذلك أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٣٨) من طريق الشافعي ومن طريق يونس بن عبد الأعلى: ثنا سفيان ... به.
وتابعه محمد بن أبي حفصة قال: ثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعباد ابن تميم ... به مختصرًا بلفظ: أن رسول الله ﷺ قال: "لا وضوء إلا فيما وجدت الريح أو سمعت الصوت".
وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم؛ لكن رواية سفيان أصح؛ لأن ابن أبي حفصة -وإن كان ثقة من رجالهما- فقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، وهذا المتن الذي رواه إنما هو من حديث أبي هريرة الآتي في بعض الروايات عنه؛ فلعله اشتبه عليه به، أو رواه بالمعنى! والله أعلم.
١٧٠ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:
"إذا كان أحدكم في الصلاة، فوجد حركة في دُبُرِه -أحدث أو لم يحدث- فأشكل عليه؛ فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه في "صحيحه".
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وأخرجه أبو عوانة أيضًا في "صحيحه").
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد: أخبرنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في "صحيحه" كما يأتي.
стр. 309
وحماد: هو ابن سلمة.
والحديث أخرجه الدارمي (١/ ١٨٣)، وأحمد (٢/ ٤١٤) من طريقين آخرين عن حماد ... به.
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٦٧)، وكذا مسلم والترمذي والبيهقي من طرق أخرى عن سهيل ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
ورواه الطيالسي (رقم ٢٤٢٢): ثنا شعبة عن سهيل بن أبي صالح ... به مختصرًا بلفظ:
"لا وضوء إلا من صوت أو ريح".
وكذلك رواه الترمذي أيضًا وابن ماجة وأحمد (٢/ ٤١٠ و ٤٣٥) من طرق عن شعبة ... به.
وله شاهد من حديث السائب بن خَبَّاب: في "المسند" (٣/ ٤٢٦)، وابن ماجة، وسوف نتكلم عليه في "صحيحه" إن شاء الله. ثم قال الترمذي أيضًا:
"هذا حديث حسن صحيح".
وآخر من حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه أحمد (٣/ ٩٦)، وأبو يعلى (١٢٤٩)، وابن عدي (٥/ ١٩٩) من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عنه.
وعلي بن زيد -وهو ابن جدعان- حسن الحديث في الشواهد.
ورواه ابن ماجة (٥١٤) من وجه آخر عن سعيد ... به مختصرًا؛ ولكنه معلول.
стр. 310
٦٩ - باب الوضوء من القُبلة
١٧١ - عن إبراهيم التيمي عن عائشة:
أن النبي ﷺ قبَّلها ولم يتوضأ.
قال أبو داود: "وهو مرسل: إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة".
(قلت: وهو كما قال، لكن الحديث صحيح؛ لأنه جاء موصولًا عنها وهو [التالي]).
إسناده: حدثنا محمد بن يشار: ثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: ثنا سفيان عن أبي رَوْقٍ عن إبراهيم التيمي.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي روق هذا -واسمه عطية بن الحارث-، وهو صالح كما قال ابن معين. وقال غيره:
"ليس به بأس".
فالإسناد صحيح لولا ما فيه من الانقطاع الذي صرح به المؤلف في الكتاب.
لكن يقويه أنه جاء موصولًا من وجه آخر عن عائشة ﵂؛ وهو المذكور بعده، ولذلك صححه السيوطي في آخر "الجامع الكبير".
والحديث رواه النسائي (١/ ٣٩)، والدارقطني (٥١)، والبيهقي (١/ ١٢٦ - ١٢٧)، وعبد الرزاق (١/ ١٣٥ / ٥١١)، وأحمد (٦/ ٢١٠) من طرق أخرى عن سفيان ... به. وفي لفظ للدارقطني:
كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم يقبل بعدما يتوضأ، ثم يصلي ولا يتوضأ.
وأعله هو والبيهقي بما سبق ذكره من الانقطاع؛ وزاد البيهقي:
стр. 311
"وأبو روق ليس بقوي، ضعفه يحيى بن معين وغيره"!
قلت: كذا نقل البيهقي عن يحيى! وقد نقلنا عنه آنفًا أنه قال فيه:
"صالح"؛ وهو الذي ذكره في "التهذيب"، ولم يَحْكِ عن ابن معين غيره؛ كما أنه لم يذكر عن أحد من الأئمة تضعيفه؛ فلا أدري أفات هذا الذي ذكره البيهقي على المزي ثم الحافظ؟ ! أم أنهما تركاه عمدًا؟ ! أم أن البيهقي وهم في نقله عن يحيى وغيره؟ ! والله أعلم.
والحديث قال المصنف عقبه: "كذا رواه الفريابي وغيره، وهو مرسل ... " إلخ.
قلت: والفريابي: هو محمد بن يوسف الضَّبِّيُّ، وهو ثقة من رجال الشيخين، روى عن الثوري ولازمه، ويعني المصنف أنه رواه كغيره عن سفيان منقطعًا.
وقد روي موصولًا، فقد قال الدارقطني:
"وقد روى هذا الحديث: معاوية بن هشام عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة؛ فوصل إسناده". قال ابن التركماني (١/ ١٢٥):
"ومعاوية هذا؛ أخرج له مسلم في "صحيحه"، فزال بذاك انقطاعه".
١٧٢ - عن عروة عن عائشة:
أن النبي ﷺ قبّل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ.
قال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت؟ ! فضحكت.
(قلت: حديث صحيح، وعروة: هو ابن الزبير، وقد صححه ابن التركماني والزيلعي وقال: "وقد مال ابن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث،
стр. 312
فقال: صححه الكوفيون وثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له").
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا وكيع: ثنا الأعمش عن حبيب عن عروة.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ وعروة: هو ابن الزبير، كما جاء منسوبًا في بعض الروايات الصحيحة في هذا الإسناد وغيره، كما يأتي بيانه.
ومع ذلك؛ فإن لهذا الإسناد علةً تمنع من الحكم عليه بالصحة؛ إذا ما تجردنا عن العصبية المذهبية، وحكّمنا فيه القواعد الحديثية المحكمة.
وهذه العلة: هي عنعنة حبيب بن أبي ثابت؛ فإنه موصوف بالتدليس، وصفه بذلك ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، ولذلك قال الحافظ في "التقريب":
"ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس".
وعلى ذلك أورده في كتابه "طبقات المدلسين" في المرتبة الثالثة، وهي مرتبة مَن أكثر من التدليس فلم يَحْتَجَّ الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم؛ كأبي الزبير المكي. كذا ذكر في المقدمة، ثم قال (ص ١٢):
"حبيب بن أبي ثابت الكوفي تابعي مشهور يكثر التدليس، وصفه بذلك ابن خزيمة والدارقطني وغيرهما، ونقل أبو بكر بن عياش عن الأعمش عنه أنه كان يقول: لو أن رجلًا حدثني عنك ما باليت إن رويته عنك؛ يعني: وأسقطه من الوسط".
وقد ذهل عن هذا كله بعض المحققين من المعاصرين؛ فقال: إنه "لم يعرف بالتدليس"!
стр. 313
هذا هو علة هذا الإسناد، ومرجع ذلك أنه منقطع، وقد أعله بذلك البخاري وغيره كما يأتي. وقد أُعلَّ بعلل أخرى جرى حولها جدل طويل بين المتقدمين والمتأخرين، كان للعصبية المذهبية حظ وافر في ترجيح الصحة والضعف، وشرح ذلك مما يطول به الكلام جدًّا، فمن شاء الوقوف على ذلك؛ فليراجع "الجوهر النقي في الرد على البيهقي" (١/ ١٢٣ - ١٢٧)، و "نصب الراية" (١/ ٧١ - ٧٥)، وتعليق المحقق أحمد محمد شاكر على "سنن الترمذي" (١/ ١٣٣ - ١٣٩)، وعلى "المحلى" (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦). وقد جنح هؤلاء كلهم إلى تصحيح الحديث؛ وهو الحق كما سيأتي بيانه، مع ذكر بعض العلل المشار إليها.
ثم قال المصنف عقب الحديث:
"هكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحِمَّاني عن سليمان الأعمش".
قلت: حديث زائدة لم أقف عليه!
وأما عبد الحميد الحِمَّاني -وهو ابن عبد الرحمن أبو يحيى-؛ فأخرج حديثه الدارقطني (ص ٥٠) من طرق شتى عنه قال: نا الأعمش ... به ولفظه:
كان رسول الله ﷺ يصبح صائمًا، ثم يتوضأ للصلاة، فَتَلْقَاهُ المرأة من نسائه، فيقبِّلها ثم يصلي. قال عروة: من ترينها غيرك؟ فضحكت.
ورواه من طريق علي بن هاشم وأبي بكر بن عياش عن الأعمش ... به دون ذكر الصوم.
ثم أخرجه هو، والترمذي (١/ ١٣٣)، وابن ماجة (١/ ١٨١)، وأحمد (٦/ ٢١٠) من طرق عن وكيع ... به؛ إلا أن أحمد وابن ماجة قالا: عروة بن الزبير ... فعيَّنا وبيَّنا ما أُبهم في رواية الآخرين؛ وقد ذكرنا آنفًا ما يؤيد -من المعنى- أنه عروة بن الزبير. ولذلك قال الزيلعي (١/ ٧٢):
стр. 314
"أخرجه ابن ماجة بسند صحيح"!
كذا قال! وفيه ما علمت من التدليس. ثم قال:
"وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث؛ فقال: صححه الكوفيون وثبتوه؛ لرواية الثقات من أئمة الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة؛ لروايته عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتًا. وقال في موضع آخر: لا شك أنه أدرك عروة. انتهى"!
قلت: وهذا كلام صحيح قويم؛ لولا أن حبيبًا عرف بالتدليس كما سبق؛ فلا بد من الوقوف على تصريح بالسماع في هذا الحديث لتزول شبهة التدليس؛ لا سيما وأن الترمذي قال عقب الحديث:
"وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة". وقال ابن أبي حاتم في كتاب "المراسيل" عن أبيه:
"أهل الحديث اتفقوا على ذلك [يعني: على عدم سماعه منه، قال] واتفاقهم على شيء يكون حجة". كذا في "تهذيب التهذيب".
فتصحيح هذا الإسناد لذاته -كما فعل ابن التركماني والزيلعي وغيرهم- ليس بصحيح! ومن العجيب أن هؤلاء ومخالفيهم لم يتعرضوا لهذه العلة -علة التدليس- لا طعنًا ولا دفعًا؛ بل سودوا صحائف كثيرة في إيراد علل أو دفعها؛ الحديث في منجىً منها، وذهلوا جميعًا عن العلة الحقيقية فيه، والمعصوم من عصمه الله!
لكن هذه العلة لا تقدح في صحة الحديث؛ لأن حبيبًا لم يتفرد به، فقد تابعه هشام بن عروه عن أبيه عروة بن الزبير؛ فقال الدارقطني (٥٠): حدثنا أبو بكر النيسابوري: نا حاجب بن سليمان: نا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:
стр. 315
قبَّل رسول الله ﷺ بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ؛ ثم ضحكت.
وهذا إسناد صحيح: أبو بكر النيسابوري ثقة إمام مشهور.
وحاجب بن سليمان ثقة عند النسائي وابن حبان وغيرهما، ولم يتكلم فيه أحد إلا الدارقطني من أجل هذا الحديث.
وبقية رجاله ثقات مشهورون رجال الستة. قال الدارقطني عقبه: "تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه، والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: أن النبي ﷺ كان يقبّل وهو صائم. وحاجب لم يكن له كتاب، إنما كان يحدث من حفظه"!
ورد عليه الزيلعي -تبعًا لابن التركماني- بما خلاصته: أن حاجبًا ثقة، وتوهيمه بمجرد مخالفته للأكثرين لا يجوز؛ لأنه جاء بزيادة غير منافية لروايتهم.
قلت: ويؤيد ذلك: أن الحماني روى الحديث عن الأعمش، وجمع فيه بين التقبيل وهو صائم، وبين الصلاة بعد ذلك كما سبق. فالظاهر أن هذا هو أصل الحديث، فروى بعضهم منه التقبيل وهو صائم، وبعضهم ترك الوضوء من التقبيل؛ وكل ثقة، فما رواه هذا لا يعارض رواية ذاك وبالعكس.
ومما يدفع دعوى الدارقطني هذه: أن حاجبًا لم يتفرد به؛ بل تابعه أبو أويس: حدثني هشام بن عروة ... به.
أخرجه الدارقطني أيضًا: حدثنا الحسين بن إسماعيل: نا علي بن عبد العزيز الوَرَّاق: نا عاصم بن علي: نا أبو أويس ... به، ولفظه:
أنها بلغها قول ابن عمر: (في القبلة الوضوء). فقالت:
كان رسول الله ﷺ يُقَبِّل وهو صائم ثم لا يتوضأ.
وهذا يؤيد ما ذكرت آنفًا أن أصل الحديث: الجمع بين القضيتين.
стр. 316
وهذا إسناد حسن صحيح؛ وأبو أويس: اسمه عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي؛ وهو ثقة تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، وأنه يخالف في بعض حديثه، وهو هنا لم يخالف أحدًا؛ بل وافق وكيعًا في رواية هذا الحديث عن هشام ابن عروة.
وبقية رجاله ثقات؛ ولم يستطع الدارقطني أن يتكلم عليه بشيء غير قوله:
"ولا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبد العزيز"!
قلت: وهذا لا شيء؛ فإن علي بن عبد العزيز: هو البغوي، وهو إمام مشهور، والدارقطني نفسه يروي عنه كثيرًا، وقد قال فيه:
"ثقة مأمون".
فمثله لا يتوقف في قبول ما تفرد به؛ بل ينظر فيما يخالفه فيه غيره من الثقات، فلعله يكون أحفط منهم وأرجح رواية، كما قال بعض المحققين.
وأما عاصم بن علي؛ فيكفي فيه أنه من شيوخ البخاري في "صحيحه".
وقد تابعه آخرون عن هشام بن عروة عن أبيه: عند الدارقطني وغيره؛ وفيما ذكرنا كفاية لمن أنصف.
وقد جاء الحديث عن عائشة بإسناد آخر صحيح؛ فقال ابن التركماني -وتبعه الزيلعي-:
"قال أبو بكر البزار في "مسنده": حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صَبِيح: حدثنا محمد بن موسى بن أَعْيَنَ: حدثنا أبي عن عبد الكريم الجَزرِيِّ [عن عطاء] عن عائشة:
أنه ﵊ كان يقبِّل بعض نسائه ولا يتوضأ.
стр. 317
وعبد الكريم روى عنه مالك في "الموطأ"، وأخرج له الشيخان وغيرهما، ووثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم. وموسى بن أعين مشهور، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، وأخرج له مسلم. وابنه مشهور، روى له البخاري. وإسماعيل روى عنه النسائي ووثقه، وأبو عوانة الإسفراييني، وأخرج له ابن خزيمة في "صحيحه"، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وأخرج الدارقطني هذا الحديث من وجه آخر عن عبد الكريم. وقال عبد الحق بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار: لا أعلم له علة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديءٌ؛ لأنه غير محفوظ. وانفراد الثقة بالحديث لا يضره".
وقال الحافظ ابن حجر في "الدراية" (ص ٢٠):
"رجاله ثقات".
وإسناده عند الدارقطني (٥٠) هكذا: حدثنا عثمان بن أحمد الدَّقَّاق: نا محمد بن غالب: نا الوليد بن صالح: نا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزري ... به.
وهذا إسناد صحيح.
وأما الدارقطني؛ فقد أعله -على طريقته في إعلال كل إسناد لهذا الحديث، ولو بدون حجة ناهضة- فقد قال:
"يقال: إن الوليد بن صالح وهم في قوله: عن عبد الكريم؛ وإنما هو حديث غالب"!
يريد ما ساقه قبل هذا بإسناده إلى جَنْدَل بن وَالِق: نا عبيد الله بن عمرو عن غالب عن عطاء عن عائشة ... به. قال:
стр. 318
"غالب: هو ابن عبيد الله؛ متروك"! !
أقول: إن عجبي من الدارقطني لا يكاد ينتهي؛ فكيف يجوّز رد رواية الثقة أو تخطئته بمجرد قوله: "يقال: إن الوليد بن صالح وهم"؟ ! ليس هذا من الممكن أن يقال في كل حديث مهما كان شأن رجاله في الثقة والعدالة؟ !
فإن الوليد هذا متفق على توثيقه، واحتج به الشيخان، ولم يتكلم فيه أحد بضعف في روايته.
ثم إن الأغرب من ذلك: أنه يخطئه بمخالفة من هو دونه في الثقة والحفظ بدرجات؛ وأعني به، جندل بن والق، الذي جعل (غالب بن عبيد الله المتروك) مكان (عبد الكريم الجزري)! وإليك ترجمته من "تهذيب التهذيب":
"ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلم: متروك. وقال البزار: ليس بالقوي".
فكيف يجوز ترجيح رواية من هذا شأنه على رواية الثقة اتفاقًا؟ ! يضاف إلى ذلك أنه لم ينفرد بهذا الإسناد؛ بل تابعه محمد بن موسى بن أعين عن أبيه عن عبد الكريم؛ كما سبق في رواية البزار.
وبالجملة؛ فهذا الحديث صحيح لا شك فيه؛ ولو لم يكن له من الأسانيد إلا هذا لكفى حجة؛ فكيف وله طرق أخرى كما سبق؟ ! وله طرق أخرى وشواهد؛ فراجعها في "نصب الراية".
١٧٣ - عن عبد الرحمن بن مَغْراء: ثنا الأعمش: أخبرنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة ... بهذا الحديث.
(قلت: هذا إسناد ضعيف؛ أصحاب الأعمش مجهولون، والراوي عنه ابن
стр. 319
مغراء ضعيف في روايته عن الأعمش خاصة، وقد تفرد عنه بقوله: عروة المزني؛ وإنما هو عروة بن الزبير، كما قال وكيع عن الأعمش وعن هشام بن عروة).
إسناده: حدثنا إبراهيم بن مَخْلَدٍ الطَّالْقَاني: ثنا عبد الرحمن -يعني: ابن مغراء-.
وهذا إسناد ضعيف؛ لأمرين:
الأول: جهالة أصحاب الأعمش.
والآخر: أن ابن مغراء -بفتح الميم وإسكان المعجمة- ضعيف في روايته عن الأعمش خاصة، وهو في غيره صدوق. قال ابن المديني:
"ليس بشيء، كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث، تركناه، لم يكن بذاك". قال ابن عدي:
"وهو كما قال علي؛ إنما أنكرت على أبي زهير هذا أحاديث يرويها عن الأعمش، لا يتابعه عليها الثقات، وله عن غير الأعمش، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم". وقال الحافظ:
"صدوق تُكُلِّمَ في حديثه عن الأعمش".
قلت: وقد خالفه كل الثقات الذين رووا هذا الحديث عن الأعمش؛ فلم يقل أحد منهم في عروة: إنه "المزني" بل بعضهم أطلق فقال: "عروة"، وبعضهم نسبه فقال: "عروة بن الزبير"؛ كما في رواية أحمد وابن ماجة؛ وهو الصحيح كما سبق بيانه.
فالتمسك بهذه الرواية الضعيفة في تأييد أن راوي الحديث عن عائشة هو عروة
стр. 320
المزني -وهو مجهول-، وإعلال الحديث بذلك -كما فعل البيهقي- لا يجوز عند المنصفين!
وقد أشار المصنف ﵀ إلى أن هذه الرواية مرجوحة، حيث قال عقبها:
"قال: يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني أن هذين -يعني: حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة- قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء"! !
قلت: وهذا من هذا الإمام جرح مبهم؛ فلا يقبل، والظاهر أنه لم يقف على الأسانيد الأخرى للحديث! ثم قال المصنف:
"وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني؛ يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء"!
قلت: وهذا لا حجة فيه؛ لأن المصنف لم يسنده؛ بل أشار إلى أنه لم يرضه، حيث قال عقيبه:
"وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا".
فهذا يدل على أن عروة في هذا الإسناد: هو عروة بن الزبير، كما سبق في رواية أحمد. وتصحيح المؤلف لهذا الحديث يدل على أنه يرى صحة رواية حبيب عن عروة! وفيه ما سبق من التدليس. وهو -على كل حال- يدل على أن الحديث لابن الزبير.
ويؤيد ذلك قوله: