← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 25881

صحيح سنن أبي داود ط غراس

ناصر الدين الألباني

Полный текст (3 494 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وهذا إسناد حسن صحيح؛ وأبو أويس: اسمه عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي؛ وهو ثقة تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، وأنه يخالف في بعض حديثه، وهو هنا لم يخالف أحدًا؛ بل وافق وكيعًا في رواية هذا الحديث عن هشام ابن عروة. وبقية رجاله ثقات؛ ولم يستطع الدارقطني أن يتكلم عليه بشيء غير قوله: "ولا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبد العزيز"! قلت: وهذا لا شيء؛ فإن علي بن عبد العزيز: هو البغوي، وهو إمام مشهور، والدارقطني نفسه يروي عنه كثيرًا، وقد قال فيه: "ثقة مأمون". فمثله لا يتوقف في قبول ما تفرد به؛ بل ينظر فيما يخالفه فيه غيره من الثقات، فلعله يكون أحفط منهم وأرجح رواية، كما قال بعض المحققين. وأما عاصم بن علي؛ فيكفي فيه أنه من شيوخ البخاري في "صحيحه". وقد تابعه آخرون عن هشام بن عروة عن أبيه: عند الدارقطني وغيره؛ وفيما ذكرنا كفاية لمن أنصف. وقد جاء الحديث عن عائشة بإسناد آخر صحيح؛ فقال ابن التركماني -وتبعه الزيلعي-: "قال أبو بكر البزار في "مسنده": حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صَبِيح: حدثنا محمد بن موسى بن أَعْيَنَ: حدثنا أبي عن عبد الكريم الجَزرِيِّ [عن عطاء] عن عائشة: أنه ﵊ كان يقبِّل بعض نسائه ولا يتوضأ.

стр. 317

وعبد الكريم روى عنه مالك في "الموطأ"، وأخرج له الشيخان وغيرهما، ووثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم. وموسى بن أعين مشهور، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، وأخرج له مسلم. وابنه مشهور، روى له البخاري. وإسماعيل روى عنه النسائي ووثقه، وأبو عوانة الإسفراييني، وأخرج له ابن خزيمة في "صحيحه"، وذكره ابن حبان في "الثقات". وأخرج الدارقطني هذا الحديث من وجه آخر عن عبد الكريم. وقال عبد الحق بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار: لا أعلم له علة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديءٌ؛ لأنه غير محفوظ. وانفراد الثقة بالحديث لا يضره". وقال الحافظ ابن حجر في "الدراية" (ص ٢٠): "رجاله ثقات". وإسناده عند الدارقطني (٥٠) هكذا: حدثنا عثمان بن أحمد الدَّقَّاق: نا محمد بن غالب: نا الوليد بن صالح: نا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزري ... به. وهذا إسناد صحيح. وأما الدارقطني؛ فقد أعله -على طريقته في إعلال كل إسناد لهذا الحديث، ولو بدون حجة ناهضة- فقد قال: "يقال: إن الوليد بن صالح وهم في قوله: عن عبد الكريم؛ وإنما هو حديث غالب"! يريد ما ساقه قبل هذا بإسناده إلى جَنْدَل بن وَالِق: نا عبيد الله بن عمرو عن غالب عن عطاء عن عائشة ... به. قال:

стр. 318

"غالب: هو ابن عبيد الله؛ متروك"! ! أقول: إن عجبي من الدارقطني لا يكاد ينتهي؛ فكيف يجوّز رد رواية الثقة أو تخطئته بمجرد قوله: "يقال: إن الوليد بن صالح وهم"؟ ! ليس هذا من الممكن أن يقال في كل حديث مهما كان شأن رجاله في الثقة والعدالة؟ ! فإن الوليد هذا متفق على توثيقه، واحتج به الشيخان، ولم يتكلم فيه أحد بضعف في روايته. ثم إن الأغرب من ذلك: أنه يخطئه بمخالفة من هو دونه في الثقة والحفظ بدرجات؛ وأعني به، جندل بن والق، الذي جعل (غالب بن عبيد الله المتروك) مكان (عبد الكريم الجزري)! وإليك ترجمته من "تهذيب التهذيب": "ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلم: متروك. وقال البزار: ليس بالقوي". فكيف يجوز ترجيح رواية من هذا شأنه على رواية الثقة اتفاقًا؟ ! يضاف إلى ذلك أنه لم ينفرد بهذا الإسناد؛ بل تابعه محمد بن موسى بن أعين عن أبيه عن عبد الكريم؛ كما سبق في رواية البزار. وبالجملة؛ فهذا الحديث صحيح لا شك فيه؛ ولو لم يكن له من الأسانيد إلا هذا لكفى حجة؛ فكيف وله طرق أخرى كما سبق؟ ! وله طرق أخرى وشواهد؛ فراجعها في "نصب الراية". ١٧٣ - عن عبد الرحمن بن مَغْراء: ثنا الأعمش: أخبرنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة ... بهذا الحديث. (قلت: هذا إسناد ضعيف؛ أصحاب الأعمش مجهولون، والراوي عنه ابن

стр. 319

مغراء ضعيف في روايته عن الأعمش خاصة، وقد تفرد عنه بقوله: عروة المزني؛ وإنما هو عروة بن الزبير، كما قال وكيع عن الأعمش وعن هشام بن عروة). إسناده: حدثنا إبراهيم بن مَخْلَدٍ الطَّالْقَاني: ثنا عبد الرحمن -يعني: ابن مغراء-. وهذا إسناد ضعيف؛ لأمرين: الأول: جهالة أصحاب الأعمش. والآخر: أن ابن مغراء -بفتح الميم وإسكان المعجمة- ضعيف في روايته عن الأعمش خاصة، وهو في غيره صدوق. قال ابن المديني: "ليس بشيء، كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث، تركناه، لم يكن بذاك". قال ابن عدي: "وهو كما قال علي؛ إنما أنكرت على أبي زهير هذا أحاديث يرويها عن الأعمش، لا يتابعه عليها الثقات، وله عن غير الأعمش، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم". وقال الحافظ: "صدوق تُكُلِّمَ في حديثه عن الأعمش". قلت: وقد خالفه كل الثقات الذين رووا هذا الحديث عن الأعمش؛ فلم يقل أحد منهم في عروة: إنه "المزني" بل بعضهم أطلق فقال: "عروة"، وبعضهم نسبه فقال: "عروة بن الزبير"؛ كما في رواية أحمد وابن ماجة؛ وهو الصحيح كما سبق بيانه. فالتمسك بهذه الرواية الضعيفة في تأييد أن راوي الحديث عن عائشة هو عروة

стр. 320

المزني -وهو مجهول-، وإعلال الحديث بذلك -كما فعل البيهقي- لا يجوز عند المنصفين! وقد أشار المصنف ﵀ إلى أن هذه الرواية مرجوحة، حيث قال عقبها: "قال: يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني أن هذين -يعني: حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة- قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء"! ! قلت: وهذا من هذا الإمام جرح مبهم؛ فلا يقبل، والظاهر أنه لم يقف على الأسانيد الأخرى للحديث! ثم قال المصنف: "وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني؛ يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء"! قلت: وهذا لا حجة فيه؛ لأن المصنف لم يسنده؛ بل أشار إلى أنه لم يرضه، حيث قال عقيبه: "وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا". فهذا يدل على أن عروة في هذا الإسناد: هو عروة بن الزبير، كما سبق في رواية أحمد. وتصحيح المؤلف لهذا الحديث يدل على أنه يرى صحة رواية حبيب عن عروة! وفيه ما سبق من التدليس. وهو -على كل حال- يدل على أن الحديث لابن الزبير. ويؤيد ذلك قوله:

стр. 321

١٧٤ - قال أبو داود: "وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا". (قلت: يشير إلى ما أخرجه الترمذي في "الدعوات" من هذا الوجه عنها). قال العلماء: يشير إلى حديث أخرجه الترمذي في "الدعوات" (٢/ ٢٦١ - طبع بولاق) قال: حدثنا أبو كُرَيْب: حدثنا معاوية بن هشام عن حمزة الزيات ... به قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري، واجعله الوارث مني، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين". وقال الترمذي: "هذا حديث غريب -وفي بعض النسخ: حسن غريب- "قال: "سمعت محمدًا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا"! ٧٠ - باب الوضوء من مَسِّ الذَّكرِ ١٧٥ - عن عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عروة يقول: دخلت على مروان بن الحكم، فذكرنا ما يكون منه الوضوء. فقال مروان: ومِنْ مَسِّ الذكر. فقال عروة: ما علمت ذلك! فقال مروان: أخبرتني بُسْرَةُ بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مَسَّ ذكره فليتوضأ".

стр. 322

(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري، وكذلك صححه الحاكم والبيهقي، وصححه أيضًا الترمذي، ونقل عن البخاري أنه أصح شيء في الباب. وصححه أحمد أيضًا وابن معين وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني ثم النووي). إسناده: حدثنا عبد الله بن مَسْلمة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر. وهنا إسناد صحيح على شرط البخاري، فقد أخرج في "صحيحه" لمروان بن الحكم، وانتقد ذلك عليه، فأورده الذهبي في "الميزان" فقال: "وله أعمال موبقة، نسأل الله السلامة، ورمى طلحة بسهم، وفعل وفعل". وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": "وعاب الإسماعيلي على البخاري تخريج حديثه، وعد من موبقاته: أنه رمى طلحة أحد العشرة يوم الجمل، وهما جميعًا مع عائشة، فقتله، ثم وثب على الخلافة بالسيف، واعتذرت عنه في مقدمة "شرح البخاري". وقول عروة بن الزبير: كان مروان لا يتهم في الحديث؛ هو في رواية ذكرها البخاري في قصة نقلها عن مروان عن عثمان في فضل الزبير". قلت: ولم يوثقه الحافظ في "التقريب" ولا جرحه؛ بل قال: "لا تثبت له صحبة". وكيفما كان حال مروان في الرواية؛ فإن حديثه هذا صحيح؛ لأن عروة قد سمعه بعد ذلك من بُسْرة مشافهة كما يأتي؛ فالحديث -من طريقه صحيح لا شك فيه. ويأتي قريبًا كلام ابن حزم في مروان.

стр. 323

والحديث في "الموطأ" (١/ ٦٤)، ورواه الشافعي في "مسنده" (ص ٤)، ومن طريقه الحازمي (ص ٢٨)، والنسائي (١/ ٣٧)، والبيهقي، (١/ ١٢٨) كلهم عن مالك ... به. وقد تابعه الزهري قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ... به؛ وزاد في آخره: قال عروة: فلم أزل أماري مروان، حتى دعا رجلًا من حرسه، فأرسله إلى بسرة، فسألها عمّا حدثت مروان؟ فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدثني عنها مروان. أخرجه النسائي، وأحمد (٦/ ٤٠٧). ثم أخرجه من طريق سفيان -وهو ابن عيينة- عن عبد الله بن أبي بكر ... نحوه. ومن طريق إسماعيل بن علي قال: ثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم ... به نحو رواية مالك؛ دون الزيادة. وفي هذه الزيادة ما يفيد أن عروة لم يَكْتَفِ برواية مروان للحديث، حتى دفعه إلى أن يرسل رسولًا، فجاء عن بسرة موافقًا لما حدثه مروان عنها، وكأن ذلك لم يقنعه أيضًا تمامَ الإقناع؛ حيث ذهب بنفسه إلى بسرة، فحدثته بذلك. روى هذا ابنه هشام؛ فقال أحمد (٦/ ٤٠٧): ثنا يحيى بن سعيد عن هشام قال: ثنا أبي أن بسرة بنت صفوان أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: "من مس ذكره؛ فلا يُصَلِّ حتى يتوضأ". وهذا إسناد صحيح على شرطهما؛ متصل بسماع هشام من أبيه، وسماع أبيه

стр. 324

عروة من بسرة. وفيه رد على من زعم انقظاعه بين هشام وأبيه من جهة، وبين عروة وبسرة من جهة أخرى. وأخرجه الترمذي من طريق يحيي بن سعيد القطان ... به. وقال: "حديث حسن صحيح". ثم قال: "قال محمد: وأصح شيء في هذا الباب حديث بسرة". وأخرجه الدارقطني (ص ٥٣)، والحاكم (١/ ١٣٧)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١٢٩) من طريق شعيب بن إسحاق: حدثني هشام بن عروة ... به؛ وزاد في آخره: قال عروة: فسألت بسرة؟ فصدقته بما قال. وقال الدارقطني: "هذا صحيح، تابعه ربيعة بن عثمان والمنذر بن عبد الله الحِزَامي وعنبسة بن عبد الواحد وحميد بن الأسود؛ فرووه هكذا عن أبيه عن مروان عن بسرة، قال عروة: فسألت بسرة بعد ذلك؟ فصدقته". قلت: وقد أخرج هذه المتابعاتِ كلها: الحاكمُ؛ وصححه على شرط الشيخين. ففي رواية هؤلاء عن هشام التصريح بذهاب عروة بنفسه إلى بسرة، وسؤاله إياها عن الحديث، وتصديقها لما روى مروان عنها، فبرئت عهدته منه. ولذلك قال ابن حبان في "صحيحه" (٢/ ٢٢٠ - الإحسان): "ومعاذ الله أن نحتج بمروان بن الحكم في شيء من كتبنا، ولكن عروة لم يقنع بسماعه من مروان حتى بعث مروان شرطيًّا له إلى بسرة فسألها، ثم أتاهم فأخبرهم بما قالت بسرة، ثم لم يقنعه ذلك، حتى ذهب عروة إلى بسرة فسمع منها؛ فالخبر

стр. 325

عن عروة عن بسرة متصل ليس بمنقطع؛ وصار مروان والشرطي كأنهما زائدان في الإسناد"؛ ثم أخرجه بهذه الزيادة الأخيرة. والحديث أخرجه الترمذي أيضًا، وابن ماجة، والطحاوي (١/ ٤٣ - ٤٤)، وكذا الدارمي، والطيالسي (رقم ١٦٥٧)، والطبراني في "الصغير" (ص ٢٣٠)، وابن حزم (١/ ٢٣٥) -محتجًّا به- كلهم عن عروة ... به؛ بعضهم يذكر مروان بينه وبين بسرة، وبعضهم لا يذكر. والكل صحيح لما سبق، فمن أعل الحديث بالانقطاع لم يصب، وكذلك من أعله بمروان؛ فقد قال ابن حزم: "مروان ما نعلم له شيئًا يجرح به قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ﵁؛ ولم يلقه عروة قط، لا قبل خروجه على أخيه ولا بعد خروجه؛ هذا مما لا شك فيه"! وأقره الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٩)؛ ولذلك صحح الحديث من سبق ذكرهم. قال الحافظ: "وصححه أيضًا يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر، وأبو حامد بن الشرقي والبيهقي والحازمي، وقال البيهقي: هذا الحديث وإن لم يخرجه الشيخان -لاختلاف وقع في سماع عروة منها أو من مروان- فقد احتجا بجميع رواته؛ واحتج البخاري بمروان بن الحكم في عدة أحاديث؛ فهو على شرط البخاري بكل حال". وروى المصنف في كتابه "مسائل الإمام أحمد" (ص ٣٠٩) أنه سأل أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: "هو صحيح". (تنبيه): عرفت من التخريج المذكور أنه رواه مالك والزهري عن عبد الله بن

стр. 326

أبي بكر عن عروة، كذلك رواه جمع من الثقات عنهما؛ وبلفظ: "من مس ذكره فليتوضأ". وخالفهم عبد الرحمن بن نمر اليَحْصُبِيُ فقال: عن الزهري عن عروة ... به، فأسقط منه عبد الله بن أبي بكر، وزاد في المتن فقال: "والمرأة مثل ذلك"! أخرجه ابن حبان (٢١٤ - موارد) والبيهقي في "السنن" (١/ ١٣٢) من طريق الوليد بن مسلم: حدثنا عبد الرحمن ... ويمكن أن يكون الإسقاط من الوليد؛ لأنه كان يدلس تدليس التسوية، وقد أثبته في رواية للبيهقي، فالعلة من عبد الرحمن بن نمر هذا؛ فإنه مختلف فيه: فمن موثق، ومن مضعف. وقد أنكر عليه هذه الزيادة في المتن: ابن معين، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، واستظهر البيهقي أنها من قول الزهري، أدرجت في الحديث، وأستدل لذلك برواية أخرى للوليد عن ابن نمر؛ فيها ما استظهره. ٧١ - باب الرخصة في ذلك ١٧٦ - عن عبد الله بن بدرعن قيس بن طَلْقٍ عن أبيه قال: قَدِمنا على نبي الله ﷺ ، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله! ما ترى في مَسِّ الرجلِ ذَكَرَهُ بعد ما يتوضأ؟ فقال: "هل هو إلا مُضْغَةٌ منه -أو قال: بَضْعَةٌ منه؟ ! -".

стр. 327

(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، والطحاوي وقال: "صحيح مستقيم الإسناد"، وصححه أيضًا عمرو بن علي الفَلَّاس والطبراني وابن حزم، وحسن الترمذي بهذا الإسناد ثلاثة أحاديث أخرى، وقال في هذا: إنه "أحسن شيء في الباب"). إسناده: حدثنا مسدد: ثنا ملازم بن عمرو الحنفي: ثنا عبد الله بن بدر. وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات، وقد تكلم بعضهم في قيس بن طلق بغير حجة نعلمها! وقد وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان. وقال الذهبي في "الميزان" -بعد أن ذكر قول من جرحه-: "قال ابن القطان: يقتضي أن يكون خبره حسنًا لا صحيحًا". قلت: وعلى ذلك جرى الترمذي، فروى له ثلاثة أحاديث بإسناد واحد من طريق هَنَّاد: حدثنا ملازم بن عمرو ... به: الأول في "الوتر"، وسيأتي في الكتاب (رقم ١٢٩٣). والثاني في "الصوم"، وسيأتي (رقم ٢٠٣٣). والثالث في "النكاح" (١/ ٢١٧ - طبع بولاق)؛ وحسنها كلها. وصحح له الحاكم في "المستدرك" (٤/ ١٤٦) حديثًا رابعًا في الرقية، ووافقه الذهبي على تصحيحه. والحديث أخرجه النسائي (١/ ٣٨)، والطحاوي (١/ ٤١٦)، والدارقطني (ص ٥٤)، والبيهقي (١/ ١٣٤)، وابن حبان في "صحيحه" (٢/ ٤٢٣ / ١١١٦ و ١١١٧) من طرق عن ملازم بن عمرو ... به. وأخرجه الترمذي (١/ ١٣١): حدثنا هناد: ثنا ملازم بن عمرو ... به

стр. 328

مختصرًا. وقال: "وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب". وقال الطحاوي: "حديث صحيح مستقيم الإسناد". قال في "التلخيص" (١/ ٤٨ - ٤٩): "وصححه عمرو بن علي الفلاس وقال: هو عندنا أثبت من حديث بسرة. وروي عن ابن المديني أنه قال: هو عندنا أحسن من حديث بسرة. وصححه أيضًا ابن حبان والطبراني وابن حزم [١/ ٢٣٩] ". قلت: ولست أشك أن حديث بسرة أصح من هذا؛ لأن إسناده أشهر، ولأن له شواهد قوية؛ بخلاف هذا، فليس له إلا شواهد ضعيفة الأسانيد، كما يتبين لك ذلك بمراجعة "نصب الراية" و "التلخيص". ولكن الحديث على كل حال صحيح، ولا ضرورة لادعاء للنسخ في أحدهما؛ لأنه يمكن الجمع بينهما بأن يقال: إن كان المس بدون شهوة فهو لا ينقض؛ لأنه يكون كما لو مسّ بضعة أخرى من بدنه، وإن كان المس بشهوة؛ فالعمل على حديث بسرة، ولا يخالفه هذا؛ لأنه لا يكون المس حينئذ كما لو مس بضعة أخرى. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجمع بين الحديثين، وتبعه بعض المحققين من المتأخرين. قلت: ومما يؤيد ذلك أن: الحديث صدر جوابًا لمن سأله عن الرجل يمس ذكره وهو في الصلاة؛ كما في روايتين عن قيس بن طلق: لابن حبان. ولا يخفى أن هذه قرينة قوية جدًّا للجمع المذكور؛ لأنه لا يتصور وقوع المسّ بشهوة في الصلاة، وقد أشار إلى ذلك من قاله من السلف: سواءً مَسسْتُهُ أو مَسسْتُ أنفي. قلت: روايتين .. وأعني بإحداهما: روايته من طريق عبد الله بن بدر،

стр. 329

والأخرى: من طريق عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق عن أبيه: عند ابن حبان (١١١٨ - الإحسان). وقول البيهقي (١/ ١٣٥) أن عكرمة أرسله عن قيس لم يذكر أباه ... لعله في رواية وقعت له. والرواية الأولى: عند الدارقطني أيضًا بإسناد جيد، رجاله ثقات معروفون؛ غير الراوي عن ملازم بن عمرو: محمد بن زياد بن فَرْوة البَلَدِي أبي روح، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٨٤) برواية محمد بن طاهر البلدي وأهل الجزيرة عنه. قلت: والحافظ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي الراوي لهذا الحديث عنه؛ فهو صدوق إن شاء الله تعالى. ١٧٧ - عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق ... بإسناده ومعناه قال: "في الصلاة". (قلت: حديث صحيح). إسناده: حدثنا مسدد: ثنا محمد بن جابر. وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات؛ فإن رجاله كلهم ثقات؛ غير محمد بن جابر -وهو أبو عبد الله اليمامي-وهو صدوق؛ لكنه ضُعِّفَ من قبل حفظه، وقد فضله أبو حاتم على ابن لهيعة. قلت: وقد تابعه عبد الله بن بدر في الإسناد السابق؛ فحديثه هذا صحيح. وتابعه غيره أيضًا كما يأتي. والحديث أخرجه ابن ماجة (١/ ١٧٧) من طريق وكيع: ثنا محمد بن

стр. 330

جابر ... به. وأخرجه الطحاوي (١/ ٤٦) عن مسدد ... به. وقد قال المصنف عقب الحديث السابق: "رواه هشام بن حسان وسفيان الثوري وشعبة وابن عيينة وجرير الرازي عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق". قلت: وحديث ابن عيينة: عند الطحاوي والحازمي. وأخرجه الدارقطني (٥٤) عن إسحاق بن أبي اسرائيل. وأحمد (٤/ ٢٣) عن موسى بن داود، وقُرَّان بن تَمَّام ثلاثتهم عن محمد بن جابر ... به. وتابعه أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق؛ فقال الإمام محمد في "موطئه" (ص ٥٠): أخبرنا أيوب بن عتبة التيمي -قاضي اليمامة- عن قيس بن طلق. وكذا أخرجه الطيالسي (رقم ١٠٩٦)، وعنه الحازمي عن أيوب ... به. ورواه الطحاوي من طرق أخرى عن أيوب ... به. وأيوب حاله كحال قرينه محمد بن جابر؛ بل قال أبو حاتم: "أيوب أعجب إليَّ من عبد الله بن بدر". قال: "وهو أحب إليَّ من محمد بن جابر". وبالجملة؛ فالحديث صحيح، وقد سبق ذكر من صححه في الكلام على الإسناد قبله.

стр. 331

٧٢ - باب في الوضوء من لحوم الإبل ١٧٨ - عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "توضّأوا منها". وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: "لا توضَّأوا منها". وسئل عن الصلاه في مبارك الإبل؟ فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين". وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: "صلوا فيها؛ فإنها بركة". (قلت: إسناده صحيح. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما"، وصححه أحمد وإسحاق بن راهويه. وقال ابن خزيمة: "لم أر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه"). إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا أبو معاوية: ثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرّازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير عبد الله بن عبد الله الرازي، وهو ثقة اتفاقًا.

стр. 332

والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٨): ثنا أبو معاوية ... به. وأخرجه الترمذي (١/ ١٢٢ - ١٢٣)، وابن ماجة (١/ ١٧٩) مختصرًا من طرق عن أبي معاوية ... به. وتابعه سفيان -عند أحمد (٤/ ٣٠٣) -، وشعبة -عند الطيالسي (رقم ٧٣٤ - ٧٣٥)، وعنه البيهقي (١/ ١٥٩) - كلاهما عن الأعمش ... به. وتابعهم أيضًا عبد الله بن إدريس: عند الطحاوي (١/ ٢٢٤). ثم قال الترمذي: "قال إسحاق: صح في هذا الباب حديثان عن رسول الله ﷺ : حديث البراء وحديث جابر بن سمرة". قلت: وقد رواه الحجاج بن أرطاة عن عبد الله بن عبد الله الرازي؛ لكنه جعله من (مسند أسيد بن حضير)؛ كما أخرجه الطحاوي؛ وهو خطأ، والصواب رواية الأعمش، كما قال الترمذي. والحجاج مدلس، وقد عنعنه، ومن طريقه: رواه ابن ماجة مختصرًا بلفظ: "لا توضأوا من ألبان الغنم، وتوضأوا من ألبان الإبل". والحديث رواه ابن حبان وابن الجارود أيضًا وابن خزيمة في "صحيحه"، وقال: "لم أر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة للنقل؛ لعدللة ناقليه". ونقل البيهقي تصحيحه عن أحمد وإسحاق. قلت: وروي من حديث ابن عمر؛ وفيه الأمر بالوضوء من ألبان الإبل. أخرجه ابن ماجة (٤٩٧) بسند ضعيف.

стр. 333

٧٣ - باب في الوضوء من مس اللحم النِّيءِ وغسله ١٧٩ - عن مروان بن معاوية: أخبرنا هلال بن ميمون الجُهَنِي عن عطاء ابن يزيد الليثي -قال هلال: لا أعلمه إلا- عن أبي سعيد (وفي رواية: وأراه عن أبي سعيد): أن النبي ﷺ مَرَّ بغلام يسلخ شاة، فقال له رسول الله ﷺ : "تَنَحَّ حتى أرِيَكَ"؛ فأدخل يده بين الجلد واللحم، فَدَحَسَ بها حتى توارت إلى الإبط، ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ (زاد في رواية: يعني: لم يمس ماءً). (قلت: إسناده صحيح). إسناده: حدثنا محمد بن العلاء وأيوب بن محمد الرّقّيُّ وعمرو بن عثمان الحمصي -المَعْنَى- قالوا: ثنا مروان بن معاوية. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وفي هلال بن ميمون الجهني كلام لا يضر؛ وفي "التقريب": "صدوق". والحديث أخرجه ابن ماجة (٢/ ٢٨٤): حدثنا أبو كريب: ثنا مروان بن معاوية ... به؛ وزاد -بعد قوله: إلى الإبط-: وقال: "يا غلام! هكذا فاسلخ"، ثم مضى وصلى ... إلخ. وأبو كريب: هو محمد بن العلاء أحد شيوخ المصنف فيه.

стр. 334

١٨٠ - قال أبو داود: "رواه عبد الواحد بن زياد وأبو معاوية عن هلال عن عطاء عن النبي ﷺ ... مرسلًا؛ لم يذكر أبا سعيد". (قلت: لم أقف عليه، وهو يقوي الذي قبله). إسناده: لم أقف عليه مرسلًا، وهو لا يعل الموصول قبله؛ لأن مروان بن معاوية ثقة حافظ، وقال المصنف عن أحمد: "ثقة ما كان أحفظه! ". وهو قد حفظ الحديث على وجهه فوصله؛ وهي زيادة منه يجب قبولها. ثم إن من رواه مرسلًا يقوي الموصول؛ لأن الراوي قد يرسل الحديث أحيانًا وقد يوصله؛ فروى كل ما سمعه منه. ٧٤ - باب ترك الوضوء مِنْ مَسِّ الميتة ١٨١ - عن جابر: أن رسول الله ﷺ مَرّ بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كَنَفَتَيْه فَمَرَّ بِجَدْي أَسَكَّ ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: "أيُّكم يحب أن هذا له ... " وساق الحديث. (قلت: وتمامه: "بدرهم؟ ". فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ ! قال: "أتحبون أنه لكم؟ ". قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسكُّ، فكيف وهو ميت؟ !

стр. 335

فقال: "فوالله؛ للدنيا أهون على الله من هذا عليكم". (قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه في "صحيحه" بتمامه بإسناد المصنف). إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة: ثنا سليمان -يعني: ابن بلال- عن جعفر عن أبيه عن جابر. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وجعفر: هو ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ المعروف بـ (جعفر الصادق). والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" (٨/ ٢١٠ - ٢١١) ... بهذا الإسناد؛ والتتمة نقلناها منه. ثم أخرجه هو، والبخاري في "الأدب المفرد" (ص ١٤٠ - طبع الهند)، وأحمد (٣/ ٣٦٥) من طرق أخرى عن جعفر ... به؛ وزاد البخاري -بعد قوله: "لأنه أسك"-: "والأسك الذي ليس له أذنان". (تنبيه): هنا في النسخة التي شرح عليها صاحب "عون المعبود" ما نصه: "تم الجزء الأول، ويتلوه الجزء الثاني من تجزئة الخطيب البغدادي؛ وأوله (باب ترك الوضوء مما مست النار). فلله الحمد والمنة".

стр. 336

٧٥ - باب في ترك الوضوء مما مسّت النار ١٨٢ - عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ. (قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم"). إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: ثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن ابن عباس. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي. والحديث في "الموطأ" (١/ ٤٨)، وأخرجه الشيخان، وأبو عوانة (١/ ٢٦٩)، ومحمد في "موطئه" (ص ٥٨)، والبيهقي، وأحمد (١/ ٢٢٦) كلهم عن مالك ... به. وقد تابعه هشام -وهو ابن سعد- ومعمر عن زيد بن أسلم: أخرجهما أحمد (١/ ٣٥٦ و ٣٦٥). وتابعه أيضًا: خارجة بن مصعب: عند الطيالسي (رقم ٢٦٦٢). وتابعه عن عطاء بن يسار: محمد بن يوسف -وهو الأعرج- أخرجه النسائي (١/ ٤٠). وللحديث في "المسند" طرق أخرى كثيرة عن ابن عباس؛ فانظر (١/ ٢٢٦ و ٢٢٧ و ٢٤١ و ٢٤٤ و ٢٥٣ و ٢٥٤ و ٢٥٨ و ٢٦٤ و ٢٦٧ و ٢٧٢ و ٢٨١ و ٣٢٦ - ٣٢٧ و ٣٣٦ و ٣٥١ و ٣٥٣ و ٣٦١ و ٣٦٣ و ٣٦٦)؛ وبعضها عند مسلم وأبي عوانة.

стр. 337

١٨٣ - عن المغيرة بن شعبة قال: ضِفْتُ النبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بجَنْبِ فَشُوِيَ، وأخذ الشفرة فجعل يَحُزُّ لي بها منه، قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة، قال: فألقى الشفرة وقال: "ما له؟ تَرِبَتْ يداه! ". وقام يصلي (زاد الأنباري: )، وكان شاربي وَفَى؛ فَقَصُّه لي على سواك -أو قال: "أقصُّه لك على سواك؟ "-. (قلت: إسناده صحيح، وهو بدون الزيادة على شرط مسلم). إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري -المعنى- قالا: ثنا وكيع عن مسعر عن أبي صخرة جامع بن شداد عن المغيرة بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ إلا الزيادة؛ فإن محمد بن سليمان ليس من رجاله؛ ولكنه ثقة، فزيادته صحيحة، وقد توبع عليها كما يأتي. والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٢ و ٢٥٥) قال: ثنا وكيع ... به مع الزيادة. وأخرجه الترمذي في "الشمائل" (١/ ٢٥٨) قال: حدثنا محمود بن غيلان: أنبأنا وكيع ... به. ورواه الطبراني (٢٠/ ٤٣٥). وتابعه على الزيادة: سفيان -وهو ابن عيينة- عن مسعر ... به. أخرجه الطحاوي (٢/ ٣٣٣) بلفظ:

стр. 338

قال: أخذ رسول الله ﷺ من شاربي على سواك. ورواه للطبراني. وتابعه عليها أبو عون الثقفي محمد بن عبيد الله عن المغيرة بن شعبة بلفظ: أن النبي ﷺ رأى رجلًا طويل للشارب، فدعا بسواك وشفرة، فوضع السواك تحت الشارب، فقص عليه. أخرجه الطيالسي (رقم ٦٩٨): حدثنا المسعودي قال: أخبرني أبو عون الثقفي ... به. وأخرجه البيهقي (١/ ١٥٠) من طريق الطيالسي، والطحاوي عن عبد الله بن رجاء قال: ثنا المسعودي ... به. وهذا إسناد صحيح؛ فإن المسعودي ثقة؛ إنما تكلموا فيه من أجل حفظه. وهذه الزيادة أوردها الغزالي في "الإحياء" (١/ ١٢٥)؛ فقال الحافظ العراقي في تخريجه: "رواه أبو داود والنسائي والترمذي في "الشمائل" ... "! وقال المنذري في "مختصره" (رقم ١٧٦): "وأخرجه الترمذي وابن ماجة"! قلت: ولم أجده عندهما ولا عند النسائي! ولم يعزه النابلسي في "الذخائر" إلا للمصنف؛ فلعله عند النسائي في "الكبرى".

стр. 339

١٨٤ - عن ابن عباس قال: أكل رسول الله ﷺ كتفًا، ثم مسح يده بِمِسْحٍ كان تحته، ثم قام فصلى. (قلت: حديث صحيح، وصححه ابن حبان (١١٥٩)). إسناده: حدثنا مسدد: ثنا أبو الأحوص: ثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح"؛ إلا أنهم تكلموا في رواية سماك عن عكرمة؛ فذكروا أنها مضطربة، لكنهم استثنوا من ذلك رواية سفيان وشعبة عن سماك عن عكرمة، فصححوها، كما سبق بيانه في الكلام على هذا الإسناد نفسه لحديث آخر (رقم ٦١). فهذا الحديث من صحيح حديثه؛ لأنه قد رواه سفيان أيضًا عنه كما يأتي. والحديث أخرجه ابن ماجة أيضًا (١/ ١٧٨) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا أبو الأحوص ... به. وأخرجه أحمد (١/ ٣٢٦) قال: ثنا عبد الله بن الوليد: ثنا سفيان عن سماك ... به؛ بلفظ: أن رسول الله ﷺ توضأ للصلاة؛ فقال له بعض نسائه: اجلس فإن القدر قد نضجت، فناولته كتفًا، فأكل، ثم مسح يده، فصلى ولم يتوضأ. وهذا إسناد صحيح، وعبد الله بن الوليد: هو أبو محمد المكي المعروف بالعدني؛ وهو صدوق ربما أخطأ، كما قال الحافظ في "التقريب". وقد تابعه أيوب عن عكرمة ... به مختصرًا؛ ولفظه:

стр. 340

انتهس عرقًا، ثم صلى ولم يتوضأ. أخرجه أحمد (١/ ٢٧٣) قال: حدثنا حسين: ثنا جرير عن أيوب ... به. وهذا سند صحيح أيضًا، وهو على شرط البخاري، وحسين: هو ابن محمد بن بَهْرام أبو أحمد المؤدّب المروزي. وجرير: هو ابن حازم. وكذلك رواه زهير عن سماك بن حرب عن عكرمة ... به مختصرًا. أخرجه أحمد أيضًا (١/ ٢٦٧). ١٨٥ - عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ انْتَهَسَ من كتفٍ، ثم صلى ولم يتوضأ. (قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري). إسناده: حدثنا حفص بن عمر النَّمَرِيُّ: ثنا همام عن قتادة عن يحيى بن يَعْمَر عن ابن عباس. وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري. والحديث أخرجه أحمد (١/ ٣٦١): ثنا بهز: ثنا همام ... به. ١٨٦ - عن جابر بن عبد الله قال: قَرَّبتُ للنبي ﷺ خبزًا ولحمًا؛ فأكل، ثم دعا بوَضُوء فتوضأ، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه؛ فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ.

стр. 341

(قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن حبان). إسناده: حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي: ثنا حجاج: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ غير إبراهيم بن الحسن الخثعمي، وهو ثقة، وقد توبع كما يأتي. والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٢): ثنا عبد الرزاق: أنا ابن جريج. ومحمد ابن بكر: أخبرني ابن جريج: أخبرني محمد بن المنكدر ... به أتم منه. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه ابن حبان (٢٢١ - موارد). وأخرجه الترمذي (١/ ١١٦ - ١١٧) عن سفيان بن عيينة قال: ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل: سمع جابرًا. قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكدر عن جابر ... به أتم منه. مع بعض مغايرة في اللفظ والمعنى. وهو في "المسند" (٣/ ٣٠٧) عن سفيان ... به نحوه مختصرًا. وكذلك رواه في مكان آخر (٣/ ٣٨١) من طريق ابن عقيل، وكذلك أخرجه ابن ماجة (١/ ١٧٨ - ١٧٩) من طريق سفيان عن محمد بن المنكدر وعمرو بن دينار وعبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر ... به. وتابعه -عن ابن المنكدر-: علي بن زيد: عند أحمد (٣/ ٣٠٤). وقد رواه ابن إسحاق عن عبد الله بن محمد بن عقيل ... به، وهو أتم الروايات جميعها وأكملها.

стр. 342

أخرجه أحمد (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥)؛ وإسناده حسن. ونحوه رواية زائدة عن ابن عقيل: أخرجه الطيالسي (رقم ١٦٧٠). وأخرجه ابن حبان (٢٢٠) من طريق معمر عن ابن المنكدر؛ وفيه ذكر أبي بكر وعمر. ورواه أبو الزبير عن جابر ... مختصرًا: أخرجه الطيالسي (رقم ١٧٥٨). ١٨٧ - عن جابر أيضًا قال: كان آخرَ الأمرين من رسول الله ﷺ تركُ الوضوء مما غيَّرت النار. (قلت: إسناده صحيح، وكذا قال النووي وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما") (١). قال أبو داود: "هذا اختصار من الحديث الأول" (٢).

стр. 343

(قلت: كذا قال! ورده ابن حزم؛ وجزم أنه حديث آخر مستقل عن الأول؛ وهو الظاهر). إسناده: حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي: ثنا علي بن عياش: ثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر. وهذا إسناد صحيح؛ رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير موسى بن سهل أبي عمران الرملي، وهو ثقة، وقد توبع. والحديث أخرجه النسائي (١/ ٤٠)، ومن طريقه ابن حزم (١/ ٢٤٣)، وكذا الحازمي (ص ٣٢)، والطحاوي (١/ ٤٠)، والطبراني في "الصغير" (ص ١٤٠)، والبيهقي (١/ ١٥٥) من طرق عن علي بن عياش ... به. وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا شعيب". قلت: وهو ثقة اتفاقًا. وقال الخليلي: "كان كاتب الزهري، وهو ثقة متفق عليه، حافظ، أثنى عليه الأئمة". ولذلك قال النووي (٤/ ٥٧): "حديث صحيح؛ رواه أبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة"! كذا قال! وليس له -بهذا اللفظ- إلا إسناد واحد؛ فتنبه! وكثيرًا ما يطلق النووي ﵀ مثل هذه العبارة على حديث وحيد الإسناد؛ فكن من ذلك على ذُكْرٍ وبينة! وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٦): "رواه الأربعة وابن خزيمة وابن حبان"! وقد سها في عزوه إياه للأربعة؛ فليس هو عند الترمذي وابن ماجة؛ وإنما لهما

стр. 344

الحديث الذي قبله. ١٨٨ - عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ قال: لقد رأيتُني سابعَ سبعة أو سادسَ ستة مع رسول الله ﷺ في دار رجل؛ فمرَّ بلال فنادى بالصلاة، فخرجنا فمررنا برجل وبُرْمَتُهُ على النار؛ فقال له رسول الله ﷺ : "أطابت بُرْمَتُكَ؟ ". قال: نعم بأبي أنت وأمي! فتناول منها بَضْعَةً فلم يزل يَعْلُكُها، حتى أحرم بالصلاة وأنا أنظر إليه. (قلت: إنما يصح من حديثه بلفظ: قال: كنا يومًا عند رسول الله ﷺ في الصُّفَّةِ، فوُضِعَ لنا طعام؛ فأكلنا، فأقيمت الصلاة، فصلينا ولم نتوضأ. أخرجه أحمد بسند صحيح). إسناده: حدثنا أحمد بن عمرو بن السَّرْحِ: ثنا عبد الملك بن أبي كريمة -قال ابن السرح: ابن أبي كريمة من خيار المسلمين- قال: حدثني عبيد بن ثُمامة المرادي قال: قدم علينا مصرَ عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ من أصحاب النبي ﷺ فسمعته يحدث في مسجد مصر لمحال. وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير عبيد بن ثمامة المرادي -ويقال: عتبة-؛ لم يرو عنه غير ابن أبي كريمة هذا -كما في "الميزان"-، ولم يوثقه أحد؛ فهو مجهول. والحديث سكت عليه المنذري في "مختصره" (رقم ١٨١)! ورواه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (٣٠٠) بسند المؤلف.

стр. 345

وله طريق أخرى باللفط المذكور آنفًا: عند أحمد (٤/ ١٩٠) وإسناده هكذا: ثنا هارون -قال ابنه عبد الله: وسمعته أنا من هارون- قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني حيوة بن شريح قال: أخبرني عقبة بن مسلم عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزُّبَيْدِيُّ. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير عقبة بن مسلم، وهو ثقة اتفاقًا. وله إسنادان آخران عن عبد الله بن الحارث: رواهما ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران وسليمان بن زياد الحضرمي عنه بلفظ: "أكلنا مع رسول الله ﷺ شِواءً في المسجد، ثم أقيمت الصلاة، فضربنا أيدينا في الحصى، ثم قمنا فصلينا ولم نتوضأ". أخرجه أحمد (٤/ ١٩١). وأخرجه الطحاوي (١/ ٤٠) من هذا الوجه، لكنه لم يذكر خالد بن أبي عمران في الإسناد، وهو رواية لأحمد (٤/ ١٩٠). وهذا إسناد صحيح في المتابعات. ورواه ابن ماجة (٢/ ٣١٠) مختصرًا. ٧٦ - باب التشديد في ذلك ١٨٩ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الوضوء مما أنضجت النار". (قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في

стр. 346

"صحيحيهما"). إسناده: حدثنا مسدد: قال: ثنا يحيى عن شعبة قال: حدثني أبو بكر بن حفص عن الأغرِّ عن أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ غير مسدد؛ فهو من رجال البخاري، فهو على شرطه. وأبو بكر بن حفص: اسمه عبد الله. والأغر: اسمه سلمان أبو عبد الله. والحديث أخرجه أحمد (٢/ ٤٥٨): ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة ... به. وهذا على شرطهما. وأخرجه مسلم (١/ ١٨٧)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، والطحاوي (١/ ٣٨)، والبيهقي، والحازمي، والطيالسي (رقم ٢٣٧٦)، وأحمد أيضًا (٢/ ٢٦٥ و ٢٧١ و ٤٢٧ و ٤٧٠ و ٤٧٩) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن قارظ: أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثْوارِ أَقِطٍ أكلتها؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "توضأوا مما مست النار". وأخرجه الترمذي (١/ ١١٤ - ١١٥)، وابن ماجة (١/ ١٧٨)، والطحاوي، وأحمد (٢/ ٥٠٣) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة ... به نحوه؛ وزاد الأولان: قال: فقال له ابن عباس: يا أبا هريره! أنتوضأ من الدُّهن؟ ! أنتوضأ من الحميم؟ ! قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي! إذا سمعت حديثًا عن رسول الله

стр. 347

صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فلا تضرب له مثلًا. وهذا إسناد حسن. وهو عند الطحاوي من طريق الزهري عن أبي سلمة ... به. وإسناده صحيح. وللحديث شواهد كثيرة جدًّا، استوعب أكثرَها النسائي والطحاوي. ومنها عن زيد بن ثابت: عند مسلم وأبو عوانة. ١٩٠ - عن أبي سفيان بن سعيد بن المغيرة: أنه دخل على أم حبيبة، فسقته قدحًا من سَوِيقٍ، فدعا بماء فمضمض، قالت: يا ابن أُختي! ألا توضأ؟ إن النبي ﷺ قال: "توضأوا مما غيَّرت النار -أو قال: مما مَسَّتِ النار-". (قلت: حديث صحيح). إسناده: حدثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا أبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة حدثه: أنه دخل. وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي سفيان هذا، فقال الذهبي: "ما روى عنه سوى أبي سلمة بن عبد الرحمن". قلت: ومع ذلك؛ وثقه ابن حبان على قاعدته! لكن الحديث صحيح بما قبله. والحديث أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٦): ثنا يونس: ثنا أبان -يعني: ابن يزيد العطار- ... به.

стр. 348

وأخرجه الطحاوي (١/ ٣٨) من طريق حرب بن شداد عن يحيي بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ... به. (تنبيه): في بعض النسخ عقب الحديث زيادة: "قال أبو داود: في حديث الزهري: يا ابن أخي! ". قلت: أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٧ - ٣٢٨) من طريق معمر عن الزهري عن أبي سلمة ... به. والطيالسي (رقم ١٥٩٢) من طريق زمعة عن الزهري. وخالفهما بكر بن سَوَادة، فرواه عن الزهري بلفظ: يا ابن أختي! أخرجه النسائي (١/ ٤٠)، والطحاوي. ثم أخرجه من طريق عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب ... فذكر مثله بإسناده. فقد اختلف على الزهري في هذه اللفظة، وكذلك اختلف فيها على يحيى بن أبي كثير، ففي رواية المصنف: يا ابن أختي! وفي رواية أحمد والطحاوي المتقدمة: يا ابن أخي! وخالف هؤلاء كلهم: ابنُ إسحاق؛ فقال عن الزهري: أَيْ بنَي! ٧٧ - باب في الوضوء من اللين ١٩١ - عن ابن عباس: أن النبي ﷺ شرب لبنًا، فدعا بماء فتمضمض ثم قال:

стр. 349

"إنَّ له دسمًا". (قلت: إسناده على شرط الشيخين. وقد أخرجاه، وكذا ابن حبان (١١٥٥)، وأبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وقد رووه -إلا أبا عوانة- بإسناد المصنف). إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد: ثنا الليث عن عُقَيْل عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عباس. وهذا إسناد صحيح على شرطهما. والحديث أخرجه الشيخان والنسائي والترمذي كلهم عن قتيبة ... به. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وأخرجه الشيخان أيضًا وأبو عوانة وابن ماجة والبيهقي من طرق أخرى عن الزهري ... به نحوه. ٧٨ - باب الرخصة في ذلك ١٩٢ - عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ شرب لبنًا؛ فلم يمضمض ولم يتوضأ، وصلى. (قلت: إسناده حسن، وكذا قال الحافظ، وقوّاه ابن شاهين). إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن زيد بن الحُبَاب عن مُطيع بن راشد عن تَوْبة العنبري أنه سمع أنس بن مالك. قال زيد: دَلَّني شعبة على هذا الشيخ.

стр. 350

قلت: يعني: مطيع بن راشد هذا. وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": "قلت: وقال أبو داود: أثنى عليه شعبة". قال في "عون المعبود": "فدلالة شعبة لزيد على مطيع بن راشد لأخذ الحديث منه؛ تدل على أن شعبة كان حسن الرأي في مطيع بن راشد؛ وإلا لم يدل على من كان مستور الحال أو ضعيفًا عنده. قال السيوطي: قال الشيخ ولي الدين: ومطيع بصري. قال الذهبي: إنه لا يعرف. لكن قال زيد بن الحباب: إن شعبة دلَّه عليه؛ وشعبة لا يروي إلا عن ثقة؛ فلا يدل إلا على ثقة، وهذا هو المقتضي لسكوت أبي داود عليه. انتهى". قلت: ويؤيد ذلك ما نقلناه آنفًا عن "التهذيب" من ثناء شعبة عليه. ولذلك سكت المنذري عليه في "مختصره" (رقم ١٨٥). وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٥٠): "إسناده حسن". والله أعلم. وأما سائر رواة الإسناد؛ فثقات مشهورون من رجال الشيخين. وقد قوّاه ابن شاهين؛ حيث قال الحافظ: "وأغرب ابن شاهين فجعل حديث أنس ناسخًا لحديث ابن عباس (يعني: الذي في الباب قبله)؛ ولم يذكر من قال فيه بالوجوب؛ حتى يحتاج إلى دعوى النسخ". قلت: ولولا أن ابن شاهين يرى أن الحديث قوي ثابت؛ لما ادّعى أنه ناسخ؛ وهذا بَيِّنٌ لا يخفى!

стр. 351

٧٩ - باب الوضوء من الدم ١٩٣ - عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ؛ يعني: في غزوة ذات الرِّقَاع، فأصاب رجلٌ امرأةَ رَجل من المشركين؛ فحلف أن: لا أنتهي حتى أهريق دمًا في أصحاب محمد، فخرج يتَّبع أثر النبي ﷺ ، فنزل النبي ﷺ منزلًا؛ فقال: "من رجل يكلأُنا؟ "، فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقال: "كونا بِفَمِ الشِّعْبِ". قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشِّعْب؛ اضطجع المهاجريُّ وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل؛ فلما رأى شخصه عرف أنه رَبِيئَةٌ للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه؛ حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد نَذرُوا به هرب، فلما رأى المهاجريُّ ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى؟ ! قال: كنت في سورة أقرأها؛ فلم أحب أن أقطعها. (قلت: إسناده حسن، وكذا قال النووي، وصححه ابن خريمة وابن حبان (١٠٩٣) والحاكم، ووافقه الذهبي). إسناده: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع فال: ثنا ابن المبارك عن محمد بن إسحاق قال: حدثني صدقة بن يسار عن عَقِيل بن جابر عن جابر.

стр. 352

وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير عقيل بن جابر، فقال الذهبي في "الميزان": "فيه جهالة؛ ما روى عنه سوى صدقة بن يسار"! كذا قال! وقد قال الحافظ في "التهذيب": "وقد روى جابر البياضيُّ عن ثلاثة من ولد جابر عن جابر؛ فيحصل لنا راوٍ آخر -وإن كان ضعيفًا عن عقيل مع صدقة؛ لأن جابرًا له ثلاثة أولاد رووا الحديث: هذا وعبد الرحمن ومحمد". وعقيل وثقه ابن حبان وغيره ممن صحح حديثه؛ كما يأتي. والحديث قال النووي في "المجموع" (٢/ ٥٥): "رواه أبو داود بإسناد حسن، واحتج به أبو داود". قلت: ومن طريقه: أخرجه البيهقي (١/ ١٤٠). وأخرجه الإمام أحمد (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤) قال: ثنا إبراهيم بن إسحاق: ثنا ابن المبارك ... به أتم منه. ثم أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٩): ثنا يعقوب: ثنا أبي عن محمد بن إسحاق: حدثني صدقة بن يسار ... به. وأخرجه الدارقطني (ص ٨٢ - ٨٣)، والحاكم (١١/ ٥٦ - ١٥٧)، وعنه البيهقي (٩/ ١٥٠) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق ... به. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد؛ فقد احتج مسلم بأحاديث محمد بن إسحاق. فأما عقيل بن جابر بن عبد الله الأنصاري؛ فإنه أحسن حالًا من أخويه محمد

стр. 353

وعبد الرحمن"! ووافقة الذهبي! لكن ابن إسحاق لم يحتجَّ به مسلم، بل استشهد به في خمسة أحاديث، كما قال الذهبي نفسه في "الميزان". والحديث ذكره البخاري في "صحيحه" تعليقًا (١/ ٢٢٥) مختصرًا؛ فقال الحافظ: "وصله ابن إسحاق في "المغازي" قال: حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن أبيه مطولًا. وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم؛ كلهم من طريق ابن إسحاق. وشيخه صدقة ثقة. وعقيل -بفتح العين- لا أعرف راويًا عنه غير صدقة"! قلت: قد عرف له الحافظ في "التهذيب" راويًا آخر كما سبق، ثم قال: "وأخرجه البيهقي في "الدلائل" من وجه آخر؛ وسمى الأنصاري المذكور: عَبَّاد بن بشر، والمهاجري: عمار بن ياسر، والسورة: الكهف". قلت: ولعل هذا الوجه هو من طريق أولاد جابر الثلاثة الذين ذكرهم الحافظ في كلامه السابق! وعليه؛ فالحديث يقوى به. والله أعلم. ثم قلت: فيه عنده (٣/ ٣٧٨): الواقدي؛ وهو متروك! فالعمدة على ما تقدم. والله أعلم. ٨٠ باب الوضوء من النوم ١٩٤ - عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ شُغِلَ عنها ليلةً؛ فأخَّرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم خرج علينا؛ فقال:

стр. 354

"ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم". (قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم"). إسناده: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا عبد الرزاق: ثنا ابن جريج قال: أخبرني نافع قال: ثني عبد الله بن عمر. وهذا إسناد صحيح على شرطهما. والحديث في "مسند أحمد" (٢/ ٨٨) ... بهذا السند. وهو في "الصحيحين"، و "أبي عوانة" (١/ ٣٦٨) من طرق عن عبد الرزاق ... به. وأخرجه أبو عوانة، والنسائي (١/ ٩٣) من طريق منصور عن الحكم عن نافع ... به نحوه؛ وكذلك رواه مسلم. وأخرجه أحمد (٢/ ١٢٦) من طريق فليح عن نافع، وزاد: وإنما حَبَسَنا لِوَفْدٍ جاءه. وهو على شرطهما. ١٩٥ - عن قتادة عن أنس قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم؛ ثم يصلون ولا يتوضأون. (قلت: إسناده صحيح. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، والدارقطني ثم النووي: "صحيح").

стр. 355

إسناده: حدثنا شَاذُّ بن فَيَّاض قال: ثنا هشام الدَّسْتُوائي عن قتادة عن أنس. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ غير شاذ بن فياض، وهو ثقة؛ وتكلم فيه بعضهم من قِبَلِ حفظه. والحديث رواه المصنف أيضًا في كتابه "مسائل الإمام أحمد"؛ فقال (ص ٣١٧): حدثنا هلال بن فياض -وهو يعرف بشاذ- قال ... إلخ، وأخرجه البيهقي (١/ ١١٩) من طريق المؤلف. وأخرجه الدارقطني (ص ٤٨) من طريق وكيع: نا هشام الدستوائي ... به. وقال: "صحيح". ورواه مسلم وأبو عوانة والترمذي -وصححه- من طريق شعبة عن قتادة ... نحو، ويأتي بعده. ورواه الشافعي في "مسنده" (ص ٣): أخبرنا الثقة عن حميد عن أنس بلفظ: فينامون -أحسبه قال- قعودًا حتى تخفق ... إلخ قال الحاكم: "أراد بالثقة: ابن عُلَيَّة"؛ كذا في "التلخيص" (٢/ ٢٢). قلت: وقد أخرجه المصنف في "المسائل" (ص ٣١٨) عن إسماعيل -وهو ابن علية-؛ إلا أنه لم يَسُق لفظه، ولكنه أحال على الحديث الآتي (رقم ١٩٧). قلت: فهو إسناد آخر صحيح، والأول صححه النووي أيضًا (٢/ ١٣).
следующие страницы →