"صدوق".
وأما الحاكم؛ فلم يصحح الحديث؛ مع أنه على شرطه؛ لأنه نقل عن الواقدي أنه أنكره؛ لأن جابرًا لم يشهد بدرًا!
وهذا قد صح عن جابر نفسه قال:
لم أشهد بدرًا ولا أحدًا؛ منعني أبي ... الحديث.
أخرجه مسلم (٥/ ١٩٩ - ٢٠٠).
ولكن أليس الجمع بين حديثيه أولى من ضرب أحدهما بالآخر؛ كما هي القاعدة؟ ! بأن يقال: إنه لم يشهد معركة بدر، ولم يباشر القتال فيها، وإنما كان يساعد على نضح الماء بالنزول إلى البئر ومَلْء الدلو لرفعه إلى الذي ينرع الدلو، وهو الذي يعرف بـ (الماتح)، والأول بـ (المايح)؛ وهو هنا جابر! هذا ما ظهر لي! والله أعلم.
١٥٣ - باب في المشرك يُسْهَم له
٢٤٤٢ - عن عائشة:
أن رجلًا من المشركين لَحِقَ بالنبي ﷺ ليقاتل معه؛ فقال:
"ارجع؛ إنا لا نستعين بمشرك".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وأبو عوانة في "صحيحيهما" مطولًا، وابن الجارود مختصرًا. وحسنه الترمذي).
إسناده: حدثنا مسدد ويحيى بن معين قالا: ثنا يحيى عن مالك عن الفضيل عن عبد الله بن نِيَارٍ عن عروة عن عائشة - قال يحيى -: أن رجلًا ... إلى قوله:
стр. 3117
"ارجع"، ثم اتفقا فقال: "إنا لا نستعين بمشرك".
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه كما يأتي.
والحديث أخرجه مسلم (٥/ ٢٠٠ - ٢٩١)، وأبو عوانة (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٤)، والترمذي (١٨٥٨) - وقال: "حسن غريب" -، والدارمي (٢/ ٢٣٣)، وابن ماجه (٢٨٣٢)، وابن الجارود (١٠٤٨)، وابن حبان (١٦٢١)، وابن سعد (٣/ ٥٣٥)، والبيهقي (٩/ ٣٦ - ٣٧)، وأحمد (٦/ ٦٧ و ١٤٨) من طرق أخرى عن مالك ... به.
وليس هو في "الموطأ" - رواية يحيى بن يحيى الليثي -.
ويحيى الراوي عن مالك هنا: هو يحيى بن سعيد القطان، الثقة الحافظ.
وللحديث شاهد من رواية خَبَيْبِ بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال:
خرج رسول الله في بعض غزواته، فأتيته أنا ورجل قَبْلَ أن نسْلِمَ، فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا فلا نشهده! قال:
"أَسْلَمْتما؟ ". قلنا: لا، قال:
"فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين". فأسلمنا وشهدنا مع رسول الله ﷺ .
أخرجه ابن سعد (٣/ ٥٣٤ - ٥٣٥)، والطبراني في "الكبير" (٤/ ٤١٩٤ - ٤١٩٦)، والحاكم (٢/ ١٢١ - ١٢٢)، وعنه البيهقي (٩/ ٣٧). وقال الحاكم:
"وخبيب بن عبد الرحمن بن الأسود بن حارثة: جده صحابي معروف"!
كذا قال! وهو مخالف لصنيع سائر مخرجيه؛ فإنهم ذكروه في ترجمة خبيب بن إساف. وقال البيهقي عقبه:
стр. 3118
"جده خبيب بن يِساف - ويقال: إساف - له صحبة".
وعبد الرحمن بن خبيب بن يساف؛ ذكره ابن حبان في "الثقات". وانظر "تعجيل المنفعة".
وله شاهد آخر من حديث أبي حميد الساعدي: عند الحاكم والبيهقي.
١٥٤ - باب في سُهْمَانِ الخيل
٢٤٤٣ - عن ابن عمر:
أن رسول الله ﷺ أَسْهَمَ لرجلٍ ولفرسِه ثلاثةَ أسْهُمٍ: سهمًا له، وسهمين لفرسه.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه، وكذا أبو عوانة في "صحاحهم"، وهو عند أبي عوانة من طريق المؤلف في رواية، وابن الجارود والترمذي - وصححه -).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا أبو معاوية: ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث أخرجه أبو عوانة (٤/ ١٥١ - ١٥٢) من طريق المؤلف.
وأخرجه ابن الجارود وغيره من طرق أخرى عن أبي معاوية ... به.
ولأبي معاوية متابعون ثقات في "الصحيحين" وغيرهما، وقد خرجتهم في "الإرواء" (٥/ ١٢٢٦).
стр. 3119
٢٤٤٤ - عن أبي عَمْرَةَ عن أبيه قال:
أتينا رسول الله ﷺ أربعةَ (وفي رواية: ثلاثةَ) نَفَرٍ، ومعنا فَرَسٌ، فأعطى كلَّ إنسان منا سهمًا، وأعطى للفرس سهمين، - زاد في رواية: فكان للفارس ثلاثة أسهم -.
(قلت: حديث صحيح).
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: ثنا عبد الله بن يزيد: حدثني المسعودي: حدثني أبو عمرة.
حدثنا مسدد: ثنا أُمَيَّةُ بن خالد: ثنا المسعودي عن رجل من آل أبي عمرة عن أبي عمرة ... بمعناه؛ إلا أنه قال: ثلاثة نفر ... زاد: فكان للفارس ...
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ المسعودي - واسمه: عبد الرحمن بن عبد الله - كان اختلط، وقد اضطرب في إسناده، ففي الإسناد الأول صرح بسماعه من أبي عمرة، وفي الأخرى: أدخل بينه وبينه رجلًا لم يُسَمه.
وأبو عمرة نفسه مجهول، لكن حديثه هذا صحيح، يشهد له ما قبله.
وعبد الله بن يزيد: هو المُقْرِئ المصري.
والحديث في "مسند أحمد" (٤/ ١٣٨) ... من الوجه الأول.
ورواه البيهقي (٦/ ٣٢٦) من طريق أخرى عن المقرئ ... به؛ إلا أنه قال: عن ابن أبي عمرة عن أبيه.
ثم أخرجه من طريق المؤلف ... بإسناده الثاني عن مسدد ... به.
وله طريق أخرى: عند ابن حبان (٤٧٩١) ... بالشطر الثاني منه.
стр. 3120
وسنده صحيح.
١٥٥ - باب فيمن أسهم له سهمًا
[تحته حديث واحد. انظره في "الضعيف"]
١٥٦ - باب في النَّفَلِ
٢٤٤٥ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر:
"مَنْ فعل كذا وكذا، فله من النفل كذا وكذا".
قال: فتقدَّم الفتيانُ، ولَزِمَ المشيخةُ الراياتِ فلم يَبْرَحوها. فلما فتح الله عليهم؛ قال المشيخة: كنا رِدْءًا لكم، لو انهزمتم لَفئْتُمْ إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى! فأبى الفتيان وقالوا: جَعَلَهُ رسول الله ﷺ لنا. فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، يقول: فكان ذلك خيرًا لهم، فكذلك أيضًا فأطيعوني؛ فإني أَعْلَمُ بعاقبة هذا منكم، - زاد في رواية: فقسمها رسول الله ﷺ بالسَّواءِ -.
(قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي - دون الزيادة -، والضياء في "المختارة").
إسناده: حدثنا وهب بن بقية قال: أخبرنا خالد عن داود عن عكرمة عن ابن عباس.
حدثنا زياد بن أيوب: ثنا هُشَيْمٌ: أخبرنا داود بن أبي هند عن عكرمة ... ثم
стр. 3121
ساق نحوه. وحديث خالد أتم.
حدثنا هارون بن محمد بن بَكَّارٍ بن بلال: ثنا يزيد بن خالد بن مَوْهَب الهَمْدَانِيُّ قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة قال: أخبرني داود ... بهذا الحديث بإسناده؛ قال: فقسمها.
قلت: إسناده صحيح من طرقه الثلاث، مدارها على داود بن أبي هند، وهو ثقة من رجال مسلم، وروى له البخاري تعليقًا.
وعلى العكس من ذلك عكرمة - وهو مولى ابن عباس؛ احتج به البخاري، وروى له مسلم مقرونًا.
والحديث أخرجه الحاكم (٢/ ١٣١ - ١٣٢) من طريق أخرى عن وهب بن بقية الواسطي ... به، وقال:
"صحيح؛ فقد احتج البخاري بعكرمة، ومسلم بداود بن أبي هند". وخالفه الذهبي فقال:
"قلت: هو على شرط خ"!
فما أصاب؛ لأن ابن أبي هند لم يحتج به البخاري؛ وإنما روى له تعليقًا كما ذكرت آنفًا، وكذلك ذكر الذهبي نفسه في "الكاشف".
ورواه البيهقي (٦/ ٢٩١ - ٢٩٢) من طريق الحاكم.
ثم رواه (٦/ ٣١٥) من طريق المؤلف عن زياد بن أيوب.
ثم رواه (٦/ ٢٩٢) من طريق أخرى عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ... به.
ثم أخرجه هو (٦/ ٣١٥)، وابن حبان (١٧٤٣)، والحاكم (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، والضياء في "المختارة" (٦٤/ ٣٧/ ٢) من طريق المعتمر بن سليمان قال: سمعت داود
стр. 3122
ابن أبي هند ... به؛ دون قوله: يقول: فكان ذلك ... وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي هنا.
ومن هذا الوجه: رواه النسائي في "تفسير الكيرى" (٦/ ٣٤٩/ ١١١٩٧)، وابن جرير (٩/ ١١٦).
٢٤٤٦ - عن مصعب بن سعد عن أبيه قال:
جئتُ إلى النبي ﷺ يومَ بدر بسيفٍ، فقلت: يا رسول الله! إن الله قد شَفَى صدري اليومَ من العدوّ، فهب لي هذا السيف! قال:
"هذا السيفُ ليس لي ولا لك".
فذهبتُ وأنا أقول: يُعْطاهُ اليومَ مَنْ لم يُبلِ بلائي! فبينما أنا؛ إذ جاءني الرسول فقال: أجب. فظننت أنه نزَل فيّ شيء بكلامي، فجئت، فقال لي النبي ﷺ :
"إنك سألتني هذا السيفَ، وليس هو لي ولا لك، وإن الله قد جعله لي؛ فهو لك"، ثم قرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
(قلت: إسناده حسن صحيح، وصححه الترمذي والحاكم والذهبي. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، دون قوله: "وإن الله قد جعله لي، فهو لك"؛ وقالا: فنزلت هذه الآية ... ).
إسناده: حدثني هنَّاد بن السَّرِيِّ عن أبي بَكْرٍ عن عاصم عن مصعب بن سعد.
قلت: وهذا إسناد حسن صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ وفي أبي بكر - وهو ابن
стр. 3123
عياش - كلام يسير لا يضر.
ونحوه عاصم - وهو ابن أبي النَّجُودِ -، وقد توبع كما يأتي، فالحديث صحيح.
والحديث أخرجه الترمذي (٣٠٨٠) - وقال: "حسن صحيح" - والحاكم (٢/ ١٣٢) - وقال: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي -، والبيهقي (٦/ ٢٩١)، وأحمد (١/ ١٧٨)، والطبري في "التفسير" (٩/ ١١٧) من طرق عن أبي بكر بن عياش ... به.
وتابعه أبو الأحوص عن عاصم ... به: أخرجه الطبري.
وتابع عاصمًا: سِمَاكُ بن حرب عن مصعب بن سعد ... به نحوه، دون قوله المذكور آنفًا: أخرجه مسلم (٥/ ١٤٦ و ٧/ ١٢٥ - ١٢٦)، وأبو عوانة (٤/ ١٠٣ - ١٠٤)، وابن حبان (٩/ ٦٧/ ٦٩٥٣)، والبيهقي أيضًا، والطيالسي (٢٠٨)، وأحمد (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، والطبري أيضًا، وأبو يعلى (١/ ١٩٩ - ٢٠٠ و ٢٠٨ و ٢٢٤)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٢٧٩) من طرق عن سِمَاك ... به نحوه؛ وزاد الطيالسي في آخره:
وهي في قراءة عبد الله هكذا: يسألونك عن الأنفال.
وأخشى أن تكون هذه الزيادة مدرجة في الحديث؛ لأنها لم تقع في شيء من الطرق، لا عن عاصم، ولا عن سماك. وهي عنده من روايته عن شعبة؛ وقد أخرجه مسلم وأبو عوانة وغيرهما عنه بدونها، وقد علقها المؤلف كما يأتي.
ثم إني أرى أن فيها تحريفًا؛ لأنه لا فرق في سياق الحديث عنده بين القراءتين، فلعل الصواب في قراءة ابن مسعود: (يسألونك الأنفال) - بإسقاط حرف التعدية: (عن) - كما هو عند المؤلف وابن جرير وغيره، كما يأتي، وعليه يدل كلام العلامة أبي حيان في "البحر المحيط" (٤/ ٤٥٦)؛ فليراجعه من شاء.
стр. 3124
٢٤٤٧ - قال أبو داود: "قراءة ابن مسعود: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ".
إسناده: وصله ابن جرير (٩/ ١١٨) من طريق الأعمش قال:
كان أصحاب عبد الله يقرأُونها: (يسألونك الأنفال).
وهذا منقطع.
وعن جُوَيْبِرٍ عن الضحاك قال:
هي في قراءة ابن مسعود: (يسألونك الأنفال).
وهذا - مع انقطاعه - جويبر متروك. والله أعلم.
١٥٧ - باب في نَفَلِ السَّرِيَّةِ تَخْرُجُ من العَسْكَرِ
٢٤٤٨ - عن ابن عمر قال:
بَعَثَنا رسولُ الله ﷺ في جيش قِبَلَ نجدٍ، وانبعثت سَرِيَّةٌ من الجيش، فكان سُهْمَانُ الجيشِ: اثْنَيْ عَشَرَ بعيرًا، اثْنَيْ عَشَرَ بعيرًا، ونَفَلُ أهلِ السَّرِيَّةِ: بعيرًا بعيرًا، فكانت سهمانهم: ثلاثةَ عَشَرَ، ثلاثةَ عَشَرَ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه ابن الجارود بتمامه، وأبو عوانة دون قوله: فكانت سهمانهم ... ، وهو في "الصحيحين" بنحوه، ويأتي في الباب قريبًا برقم (٢٤٥٠)).
إسناده: حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَةَ: ثنا الوليد بن مسلم. (ح) وثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي قال: ثنا مُبَشِّرٌ. (ح) وثنا محمد بن عوف الطائي أن الحكم بن نافع حدثهم - المعنى - كلهم عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر.
стр. 3125
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ لأن الطرق الثلاثة إلى شعيب صحيحة، وهو نفسه من رجال الشيخين؛ وقد أخرجاه من غير طريقه كما يأتي.
والحديث أخوجه أبو عوانة (٤/ ١٠٧) من طريق أبي اليمان قال: أبَنا شعيب عن أبي اليمان ... به نحوه.
وكذلك رواه البيهقي (٦/ ٣١٢) من طريق ثالثة عن شعيب.
وابن الجارود (١٠٧٤).
وقد تابعه مالك والليث بن سعد وعبيد الله بن عمر العمري - المصغَّر - وأيوب السَّخْتِيَانِي وغيرهم عن نافع ... بألفاظ مختلفة متقاربة المعنى، فهو متواتر عن نافع، وقد ذكر المؤلف رواياتهم فيما يأتي.
٢٤٤٩ - عن الوليد بن مسلم قال:
حَدَّثتُ (١) ابن المبارك بهذا الحديث. قلت: وكذا ثنا ابن أبي فروة عن نافع؟ . قال: لا تَعْدِلْ من سَمَّيتَ بمالك! هكذا أو نحوه. يعني: مالك بن أنس.
стр. 3126
(قلت: إسناده صحيح، وبشير ابن المبارك إلى ترجيح رواية مالك الآتية على رواية شعيب المتقدمة! وليس بينهما اختلاف يوجب الترجيح).
إسناده: حدثنا الوليد بن عُتْبَةَ الدِّمَشْقِيُّ قال: قال الوليد بن مسلم ...
قلت: وهذا إسناد صحيح إلى الوليد بن مسلم؛ فإنَّ سَمِيَّةُ الوليد بن عتبة ثقة بلا خلاف. وقد قال أبو زرعة الدمشقي:
قلت لدحيم: فأي الثلاثة أحبُّ إليك في الوليد بن مسلم؟ قال: وليد بن عتبة أكْيَسُهم.
٢٤٥٠ - وفي رواية عنه:
أن رسول الله ﷺ بعث سَرِيَّةً - فيها عبد الله بن عمر - قِبَلَ نجد، فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سُهْمَانُهم اثني عشر بعيرًا، ونُفِّلوا بعيرًا بعيرًا؛ - زاد في رواية: فلم يُغَيِّرْهُ رسول الله ﷺ .
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين بدون الزيادة. وقد أخرجاه وأبو عوانة في "صحاحهم"، وإسناد الزيادة صحيح، وقد أخرجها مسلم وأبو عوانة، وبقية الحديث عندهما باللفظ الذي هنا، ولفظ الشيخين: اثني عشر بعيرًا - أو أحد عشر بعيرًا -. والأول هو الصحيح).
إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك. (ح) وثنا عبد الله بن مسلمة ويزيد بن خالد بن مَوْهَبٍ قالا: ثنا الليث - المعنى - عن نافع عن عبد الله بن عمر ... زاد ابن موهب: فلم يغيره رسول الله ﷺ .
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين من الطريقين مالك والليث عن نافع دون الزيادة؛ لأن ابن موهب ليس على شرطهما، ولكنه ثقة حجة؛ وقد توبع
стр. 3127
كما يأتي.
والحديث في "الموطأ" (٢/ ٨) ... بإسناده ومتنه؛ إلا أنه قال: اثني عشر بعيرًا؛ على الشك.
وهكذا أخرجه البخاري (٤٣٣٤)، ومسلم (٥/ ١٤٦)، وأبو عوانة (٤/ ١٠٦)، وكذا الشافعي (٢/ ١١٧ - البدائع)، والبيهقي (٦/ ٣١٢)، وأحمد (٢/ ٦٢/ ١١٢) كلهم عن مالك ... به على الشك؛ إلا أحمد في الموضع الثاني؛ فإنه رواه من طريق شيخه عن إسحاق: ثنا مالك ... به بلفظ الكتاب دون شك.
وهذا مما يخدج فيما نقله الحافظ في "الفتح" (٦/ ٢٣٩)، قال:
"قال ابن عبد البر: اتفق جماعة رواة "الموطأ" على روايته بالشك؛ إلا الوليد بن مسلم؛ فإنه رواه عن شعيب ومالك جميعًا؛ فلم يشك. وكأنه حمل رواية مالك على رواية شعيب". قال الحافظ:
"قلت: وكذا أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك والليث؛ بغير شك. فكأنه أيضًا حمل رواية مالك على رواية الليث. قال ابن عبد البر: وقال سائر أصحاب نافع: اثني عشر بعيرًا .. بغير شك، لم يقع الشك فيه إلا من مالك"!
قلت: يَرُدُّ الحملَ المذكورَ مِنِ ابن عبد البر والحافظ: روايةُ إسحاق المشار إليها عند أحمد؛ فإنها رواية منفردة غير مقرونة بغيره؛ فلا يصح الحمل المذكور بالنسبة إليها.
وإسحاق: هو ابن عيسى بن الطَّبَّاع؛ وهو ثقة من شيوخ مسلم، فالأظهر أن يقال - والله أعلم -: إن مالكًا ﵀ كان أحيانًا لا يشك، فعليه يحمل صنيع المؤلف وغيره ممن كان يقرن رواية مالك برواية الليث أو غيره التي لا شك فيها. والله أعلم.
стр. 3128
ثم إن رواية الليث؛ قد أخرجها مسلم (٥/ ١٤٦) - من طريق محمد بن رُمْحِ -، وأبو عوانة (٤/ ١٠٦) - من طريق عمرو بن الربيع وأبي النضر -، والبيهقي (٦/ ٣١٢) - من طريق شعيب بن الليث - كلهم عن الليث ... به؛ وفيه الزيادة.
ولليث فيه إسناد آخر عن ابن عمر، يأتي بعد.
٢٤٥١ - وفي أخرى عنه قال:
بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا، ونَفَّلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وهو عند أبي عوانة من طريق المؤلف في رواية).
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني نافع عن عبد الله.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ غير مسدد، فهو على شرط البخاري وحده، ولكنه قد توبع عند مسلم وغيره كما يأتي.
والحديث أخرجه أبو عوانة (٤/ ١٠٥) عن المؤلف.
وهو في "مسند أحمد" (٢/ ٥٥): ثنا يحيى ... به.
ثم رواه أبو عوانة، وكذا مسلم (٥/ ١٤٧) من طرق أخرى عن يحيى القطان ... به.
стр. 3129
٢٤٥٢ - قال أبو داود:
"رواه بُرْدُ بن سِنَانِ عن نافع ... مثل حديث عبيد الله. ورواه أيوب عن نافع ... مثله؛ إلا أنَّه قال: ونُفِّلْنا بعيرًا بعيرًا .. لم يذكر النبي ﷺ ".
(قلت: وصله البخاري وأبو عوانة بهذ االلفظ، ومسلم وغيره بلفظ: ونَفَّلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا .. فصرح برفعه إلى النبي ﷺ . وهو الأرجح؛ كما أشار إلى ذلك البيهقي. وأما رواية بُرْدٍ؛ فلم أقف الأن على من وصلها! ).
قلت: وصله البخاري (٤٣٣٨): حدثنا أبو النعمان: حدثنا حماد: حدثنا أيوب عن نافع ... بلفظ المبني للمجهول.
وتابعه مسدد قال: ثنا حماد بن زيد ... به.
أخرجه أبو عوانة (٤/ ١٠٤).
وخالفهما معمر - عند عبد الرزاق (٥/ ٩٣٣٥) -، وأبو الربيع - عند مسلم (٥/ ١٤٧)، والبيهقي (٢/ ٣١٦) -، وأبو كامل أيضًا - عند مسلم - ثلاثتهم قالوا: ثنا حماد بن زيد ... به؛ إلا أنهم قالوا:
ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا .. رفعوه إلى النبي ﷺ .
وهو الأصح، كما يشير إلى ذلك قول البيهقي عقبه:
"ورواه عبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة وغيرهما عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ نفلهم".
قلت: ومع أن أكثر الرواة عن نافع رفعوه، وكذلك أكثر الرواة عن حماد بن زيد
стр. 3130
كما رأيت؛ فقد توبع حماد على الرفع، فقال أحمد (٢/ ١٠): ثنا سفيان عن أيوب ... به.
وهذا مُرَجِّحٌ آخر لرواية الرفع.
وقد يبدو لأول وهلة أنها تخالف رواية الليث المتقدمة (٢٤٥٠) بلفظ:
فلم يُغَيِّرْه رسول الله ﷺ .
فإنه ظاهر أن ذلك صدر من أمير الجيش، وأن النبي ﷺ أقر ذلك، ولكن لا تخالف؛ فإنه يمكن أن تحمل على التقرير، فتجتمع الروايتان، كما قال الحافظ (٦/ ٢٤٠).
ومما يؤكد الرفع: روايةُ بُرْد بن سنان - وهو صدوق -، ولكني لم أر حتى الآن من وصلها!
٢٤٥٣ - ومن طريق أخرى عن عبد الله بن عمر:
أن رسول الله ﷺ قد كان يُنَفِّلُ بعض مَنْ يبعث من السرايا - لأنفسهم خاصةً - النَّفَلَ؛ سوى قَسْمِ عامة الجيش، والخمسُ واجبٌ في ذلك كُلِّهِ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه أبو عوانة من طريق المؤلف، ومسلم بأحد إسناديه، والحاكم - وصححه هو والذهبي -، وهو عند البخاري دون قوله: والخمس ... ).
إسناده: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حدثني أبي عن جدي.
(ح) وحدثنا حجاج بن أبي يعقوب قال: حدتني حُجَيْنٌ قال: ثنا الليث عن عُقَيْلٍ عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر.
стр. 3131
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات كلهم على شرط مسلم؛ وقد أخرجه كما يأتي.
والحديث أخرجه أبو عوانة (٤/ ١٠٩) عن المؤلف ... بإسناديه.
والبيهقي (٦/ ٣١٣) عنه بإسناده الأول، وكذا الحاكم (٢/ ١٢٣)؛ لكن من طريق ابن المؤلف أبي بكر بن أبي داود: ثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث به.
ورواه البيهقي أيضًا من طريق الحاكم، وقال هذا:
"صحيح على شرط الشيخنِ"! ووافقه الذهبي! وإنما هو على شرط مسلم وحده، فإنه تفرد بالرواية عن عبد الملك وأبيه شعيب؛ دون البخاري.
ثم إنه - أعني: مسلمًا - قد أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد، فقال (٥/ ١٤٧): حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث ... به.
فلا وجه لاستدراكه عليه.
وأخرجه البخاري فقال (٣١٣٥): حدثنا يحيى بن بُكَيْرٍ: أخبرنا الليث ... به؛ دون قوله في آخره: والخمس في ذلك واجب كلهْ.
وهي زيادة ثابتة، اتفق عليها شعيب بن الليث وحُجَيْنٌ - وهو ابن المثنى اليمامي -، وكلاهما ثقة من رجال مسلم كما سبق.
وقد تابعهما آدم بن أبي إياس: عند أبي عوانة.
ثم ساقه من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح قالا: ثنا الليث ... به.
فلا أدري أوقعت الزيادة في رواية يحيى بن بكير عنده، أم أراد به أصل
стр. 3132
الحديث دون الزيادة؟ ! كما فعل البيهقي؛ فإنه قال عقب الحديث - من طريقه عن المؤلف والحاكم -:
"رواه مسلم في "الصحيح" عن عبد الملك بن شعيب. ورواه البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث"!
(تنبيه): قد عرفت مما سبق أن أبا عوانة رواه من طريق المؤلف بإسناديه، لكن وقع عنده مرسلًا مصرحًا بذلك، حيث قال: حدثنا أبو داود ... عن سالم بن عبد الله: أن النبي ﷺ ... ولم يذكر ابن عمر.
وهو خطأ مخالف لا في الكتاب، ولرواية البيهقي عنه؛ فضلًا عن الخالفة لرواية مسلم والحاكم.
٢٤٥٤ - عن عبد الله بن عَمرو:
أن رسول الله ﷺ خرج يوم بدر في ثلاث مئةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ، فقال رسول الله ﷺ :
"اللهم! إنهم حُفاة فاحمِلْهم. اللهم! إنهم عُرَاةٌ؛ فاكْسُهُم. اللهم! إنهم جِياعٌ؛ فأَشْبِعهم".
ففتح الله له يَوْمَ بَدْرٍ، فانقلبوا - حين انقلبوا - وما منهم رجل إلا قد رَجَعَ بِجَمَلٍ أو جَمَلَيْن، واكْتَسَوْا وشَبِعُوا.
(قلت: إسناده حسن، وصححه الحاكم والذهبي).
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح: ثنا عبد الله بن وهب: ثنا حُيَيٌّ عن أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ عن عبد الله بن عَمْرٍ [و].
стр. 3133
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله رجال "الصحيح"؛ غير حُيَيٌّ - وهو ابن عبد الله المَعَافِرِيُّ -، صدوق يهم، كما في "التقريب".
والحديث أخرجه البيهقي (٦/ ٣٠٥) من طريق المؤلف.
والحاكم (٢/ ١٣٢) من طريق ابنه أبي بكر بن أبي داود: ثنا أحمد بن صالح المصري ... به، وقال:
"صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي!
قلت: وهو مردود بأمرين:
الأول: أن حييًّا لم يخرج له الشيخان مطلقًا؛ بل ذكر الذهبي في "الميزان" وغيره أن البخاري قال فيه:
"فيه نظر".
ووثقه غيره.
وهو وسط حسن الحديث.
الآخر: أن أحمد بن صالح لم يرو له مسلم شيئًا، وان كان ثقة حافظًا.
على أنه قد توبع، فأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٣٢٣) من طريق يحيى بن سليمان الجُعفي: حدثنا ابن وهب ... به.
والجعفي هذا: من شيوخ البخاري أيضًا، ولكنه صدوق يخطئ؛ كما في "التقريب".
وبالجملة؛ فالحديث حسن الإسناد. والله أعلم.
стр. 3134
١٥٨ - باب فيمن قال: الخُمُسُ قَبْلَ النَّفَلِ
٢٤٥٥ - عن حَبِيبِ بن مَسْلَمَةَ الفِهْرِيِّ أنه قال:
كان رسول الله ﷺ يُنَفل [الرُّبُعَ بعد الخُمُس، و] الثُّلُثَ بعد الخُمُسٍ [إذا قَفَلَ].
(قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن الجارود وابن حبان والحاكم والذهبي).
إسناده: حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان عن يزيد بن يزيد بن جابر الشامي عن مكحول عن زياد بن جارية التميمي عن حبيب بن مسلمة الفِهْرِيِّ.
حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجُشَمِيُّ قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول.
قلت: وهذا إسناد صحيح، مداره من الطريقين على مكحول، وهو ثقة من رجال مسلم، ولكن يُخْشَى منه التدليس أحيانًا؛ وبخاصة في روايته عن الصحابة؛ إلا أنه قد صرح بالتحديث في الحديث الآتي بعده.
وزياد بن جارية وثقه النسائي وابن حبان، وصحح له جمع كما يأتي.
وسفيان: هو الثوري؛ وقد توبع.
والحديث أخرجه البيهقي (٦/ ٣١٤) من طريق أخرى عن محمد بن كثير ... به.
ثم رواه هو، وابن ماجه (٢٨٥١)، والحاكم (٢/ ١٣٣)، وعبد الرزاق (٥/ ٩٣٣٣)، وأحمد (٩/ ١٥٤ و ١٦٠) من طرق أخرى عن سفيان ... به. وقال الحاكم:
стр. 3135
"صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي.
ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٣٥١٩) من طريق عبد الرزاق.
وتابعه سفيان بن عيينة، فقال سعيد بن منصور في "سننه" (٢٧٠١)، والحميدي في "مسنده" (٨٧١)، وعنه الطبراني (٣٥٢٠): ثنا سفيان ... به.
ثم أخرجه البيهقي عن المؤلف من الطريق الثاني: معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث.
وهذا - مع ثقته - كان اختلط، وفي حديثه الزيادتان، ولكنه قد توبع كما يأتي.
وقد أخرجه أحمد (٤/ ١٦٠)، والطبراني (٣٥٢٥)، والبيهقي أيضًا من طريقين آخرين عن معاوية ... به.
وتابعه الهيثم بن حُمَيْدٍ: حدثنا العلاء بن الحارث ... به: رواه الطبراني (٣٥٢٤).
وتابعه سعيد بن عبد العزيز عن مكحول ... به: أخرجه ابن الجارود (١٠٧٨ و ١٠٧٩)، والحاكم (٣/ ٤٣٢)، وأحمد، والطبراني (٣٥١٨)، والبيهقي؛ وصرح عنده مكحول بسماعه من زياد.
لكن سعيدًا كان اختلط أيضًا.
ولكنه متابع قوي للعلاء؛ فيقوي أحدهما الآخر. وقد قال عبد الله بن أحمد عقب الحديث:
"سمعت أبي يقول: ليس في الشام رجلٌ أصح حديثًا من سعيد بن عبد العزيز - يعني: التَّنُوخِيَّ - ".
стр. 3136
وتابعه سليمان بن موسى الدمشقي عن مكحول ... به: أخرجه ابن حبان (١٦٧٢)، وأحمد، والطبراني (٣٥٢٨ - ٣٥٣٠).
ثم رواه هو (٣٥٢٢ و ٣٥٢٦ و ٣٥٢٧ و ٣٥٣١)، وسعيد بن منصور (٢٧٠٢)، والحاكم (٣/ ٣٤٧)، والمؤلف في الرواية الآتية.
٢٤٥٦ - وفي رواية عن مكحول قال:
كنت عبدًا بمصر لامرأة من بني هُذَيْلٍ، فأعتقتني، فما خرجت من مصر وبها عِلْمٌ، إلا حَوَيْتُ عليه فيما أُرى. ثم أتيت الحجاز، فما خرجت منها وبها عِلْمٌ، إلا حَوَيْتُ عليه فيما أُرى. ثم أتيت العراق، فما خرجت منها وبها عِلْمٌ، إلا حَوَيْتُ فيما أُرَى. ثم أتيت الشام فَغَرْبَلْتُها، كُلَّ ذلك أسألُ عن النَّفَل، فلم أجد أحدًا يخبرني فيه بشيء، حتى أتيت شيخًا - يقال له: زياد بن جارية التميمي -، فقلت له: هل سمعت في النَّفَلِ شيئًا؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفِهْريَّ يقول:
شهدت النبي ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ في البَدْأَة، والثُّلُثَ في الرَّجْعَةِ.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان ومحمود بن خالد الدمشقيان - المعنى - قالا ثنا مروان بن محمد قال: ثنا يحيى بن حمزة قال: سمعت أبا وهب يقول: سمعت مكحولًا يقول ...
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ وأبو وهب: اسمه عبيد الله بن عُبَيْدٍ الكَلاعِيُّ.
стр. 3137
والحديث أخرجه الحاكم (٢/ ١٣٣)، وعنه البيهقي (٦/ ٣١٣) من طريق أخرى عن شيخي المؤلف ... به.
وأخرج المرفوعَ منه: الطبراني (٣٥٢٤) من طريق أخرى عن العلاء بن الحارث وأبي وهب ... به.
١٥٩ - باب في السَّرِيَّةِ ترد على أهل العسكر
٢٤٥٧ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ .
"المسلمون تتكافَأُ دماؤهم، يَسْعَى بِذِمَّتِهمْ أدناهم، ويُجِيرُ عليهم أقصاهم، وهم يَدٌ على مَنْ سِواهم، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ على مُضْعِفِهِمْ، ومُتَسَرِّيهِم على قاعدهم. لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عَهْدٍ في عَهْدِهِ".
قلت: إسناده حسن حيح، وصححه ابن الجارود، وحسن الترمذي منه جملة: "لا يقتل مؤمن بكافر").
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد: ثنا ابن أبي عدي عن ابن إسحاق ... ببعض هذا. (ح) وثنا عبيد الله بن عمر: حدثني هُشَيْمٌ عن يحيى بن سعيد - جميعًا - عن عمرو بن شعيب ... ولم يذكر ابن إسحاق: القَوَدَ والتَّكَافِي.
قلت: وهذا إسناد حسن؛ على الخلاف المعروف في عمرو بن شعيب.
وابن إسحاق - مع كونه متابعًا هنا - فإنه قد صرح بالتحديث في بعض الطرق عنه.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المؤلف من الوجه الثاني عن عمرو.
стр. 3138
وابن الجارود (١٠٧٣) من طريق أخرى عن هشيم ... به.
وسيعيده المؤلف في "الديات".
وأخرجه أيضًا (٨/ ٢٩ و ٩/ ٥١) من طريقين آخرين عن ابن إسحاق: حدثني عمرو.
ورواه ابن الجارود (٧٩٣ و ١٠٥٢) من طريق أخرى عنه.
وكذا الترمذي (١٤١٣) - مقتصرًا على جملة: "لا يقتل مسلم بكافر" -، وقال:
"حديث حسن".
ورواه أحمد وغيره من طرق أخرى عن عمرو.
وهو مخرج في "الإرواء" (٢٢٠٨).
وله شاهد من حديث علي، سيأتي عند المؤلف.
٢٤٥٨ - عن إياس بن سلمة عن أبيه قال:
أغار عبد الرحمن بن عُيَيْنَةَ على إِبِل رسول الله ﷺ ، فقتل راعِيَها، وخرج يَطْرُدُها هو وأناس معه في خَيْلٍ، فجعلتُ وجهي قِبَلَ المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات: يا صَبَاحَاهْ! ثم اتَّبَعْتُ القومَ، فجعلتُ أرمي وأَعْقِرُهم، فإذا رجع إليَّ فارسٌ؛ جلست في أصل شَجَرَةٍ، حتى ما خلق الله شيئًا من ظهر النبي ﷺ إلا جعلته وراءَ ظَهْرِي، وحتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا، وثلاثين بُرْدَةً يَسْتَخِفُّون منها، ثم أتاهم عيينة مَدَدًا، فقال:
стр. 3139
لِيقُمْ إليه نَفَرٌ منكم، فقام إليَّ منهم أربعة، فصَعِدُوا الجبلَ. فلما أسمعتهم؛ قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأ كوع، والذي كرَّم وجه محمد ﷺ ! لا يطلُبُني رجل منكم فَيُدْرِكَني، ولا أطلبُهُ فيَفوتَنِي! فما بَرِحْسث حتى نظرت إلى فوارسِ رسولِ الله ﷺ يتخلَّلون الشَّجَرَ، أوَّلُهم الأخرمُ الأَسَدِيُّ؛ فيلحقُ بعبد الرحمن بن عيينةَ، ويعطِفُ عليه عبد الرحمن، فاختلفا طَعْنَتَيْن، فَعَقَرَ الأخرمُ عبدَ الرحمن، وطعنه عبدُ الرحمن فقتلَهَ، فتحوَّل عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحقُ أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين، فَعُقِرَ بأبي قتادة، وقَتَلَهُ أبو قتادة، فتحوَّل أبو قتادة على فرس الأخرم.
ثم جئت إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي جَلَّيْتُهمْ عنه: (ذو قرد) -. فإذا نبيُّ الله ﷺ وهو في خَمْسِ مِئةٍ، فأعطاني سَهْمَ الفارسِ والراجلِ.
(قلت: إسناده حسن صحيح، وهو على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وأبو عوانة مطولًا جدًّا، وأخرجاه وكذا البخاري مختصرًا عَمَّا هنا).
إسناده: حدثنا هارون بن عبد الله: ثنا هاشم بن القاسم: ثنا عكرمة: حدثني إياس بن سلمة.
قلت: وهذا إسناد حسن، وهو على شرط مسلم؛ وقد أخرجه كما يأتي.
والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٥٢): ثنا هاشم بن القاسم ... به مطولًا.
وأخرجه مسلم (٥/ ١٨٩) من طريق أخرى عن هاشم ... به مطولًا.
وهو، وأبو عوانة (٤/ ٢٥٢ - ٢٨٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧/ ١٧
стр. 3140
و ١٨/ ٦٢٤٠ و ٦٢٤٢)، والبيهقي (٩/ ١٥٤) من طرق أخرى عن عكرمة بن عمار ... به.
وتابعه يزيد بن أبي عُبَيْدٍ عن سلمة بن الأكوع ... به مختصرًا: أخرجه البخاري (٣٠٤١ و ٤١٩٤) -، ومسلم أيضًا، وأبو عوانة (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٢)، وأحمد (٤/ ٤٠٨)، والطبراني (٦٢٨٤) من طرق عنه.
١٦٠ - باب في النَّفَلِ من الذهب والفضة ومِنْ أَوَّلِ مَغْنَمٍ
٢٤٥٩ - عن أبي الجُوَيْرِيَةِ الجَرْمِيِّ قال:
أصبت بأرض الروم جَرَّةً حَمْرَاءَ - فيها دنانير - في إمْرَةِ معاوية، وعلينا رجل من أصحاب النبي ﷺ من بني سُليم - يقال له -: مَعْنُ بن يزيد - فأتيته بها، فَقَسَمها بين المسلمين، وأعطاني منها مِثْلَ ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"لا نَفَل إلا بعد الخُمْسِ"، لأعطيتك! ثم أخذ يَعْرِضُ عليَّ من نصيبه، فَأَبَيْتُ.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى: أخبرنا أبو إسحاق الفَزَاري عن عاصم بن كُلَيْبٍ عن أبي الجويرية الجَرْمي.
حدثنا هَنَّادٌ عن ابن المبارك عن أبي عَوانة عن عاصم بن كُلَيب ... بإسناده ومعناه.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات من الوجهين؛ وأبو الجويرية:
стр. 3141
اسمه حِطَّانُ بن خُفَافٍ وهو ثقة من رجال البخاري.
وعاصم بن كليب ثقة من رجال مسلم.
فإعلال المنذري للحديث به غير جيد!
والحديث أخرجه البيهقي (٦/ ٣١٤)، وأحمد (٣/ ٤٧٠)، وأبو يعلى (٢/ ٤٣١) من طرق أخرى عن أبي عوانه ... به.
وهو عند أبي يعلى مختصر موقوف؛ إن لم يكن في النسخة سقط؛ فإنها سيئة!
١٦١ - باب في الإمام يستأثر بشيء من الفيء لنفسه
٢٤٦٠ - عن عَمْرِو بن عَبَسَةَ قال:
صلَّى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير، فلما سَلَّمَ؛ أخذ وَبَرَةً من جَنْبِ البعير، ثم قال:
"ولا يَحِلُّ لي من غنائمكم مثلُ هذا؛ إلا الخُمُسَ، والخُمُسُ مردودٌ فيكم".
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا الوليد بن عتبة: ثنا الوليد: ثنا عبد الله بن العلاء: أنه سمع أبا سَلام الأسود قال: سمعت عمرو بن عبسة.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ والوليد: هو ابن مسلم الدمشقي.
والحديث أخرجه البيهقي (٦/ ٣٣٩) من طريق المؤلف.
стр. 3142
والحاكم (٣/ ٦١٦ - ٦١٧) من طريق محمد بن شعيب بن شَابُورٍ: ثنا عبد الله بن العلاء بن زَبْرٍ ... به.
وللحديث شواهد مذكورة في "الإرواء"؛ وقد مضى أحدها برقم (٢٤١٣).
١٦٢ - باب في الوفاء بالعهد
٢٤٦١ - عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال:
"إن الغادر يُنْصَبُ له لِواءٌ يوم القيامة، فيقال: هذه غَدْرَةُ فلانِ بن فلانٍ".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وأبو عوانة وابن الجارود في "صحاحهم" بأسانيد عنه، وأحد أسانيد البخاري هو عين إسناد المؤلف. وصححه الترمذي وابن الجارود).
إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث أخرجه البيهقي (٩/ ٢٣٩) من طريق المؤلف.
والبخاري (٦١٧٨) ... بإسناده.
وأبو عوانة (٤/ ٧١) من طريق أخرى عن القعنبي وجمع آخر عن مالك. وعزاه البيهقي لمسلم عن يحيى بن يحيى، يعني: عن مالك!
وهو من أوهامه ﵀، فإنه ليس عند مسلم من حديث مالك - لا من
стр. 3143
رواية يحيى هذا، ولا من غيره -، وليس هو في "الموطأ".
نعم؛ أخرجه مسلم (٥/ ١٤٢)، وكذا البخاري (٦٩٦٦)، وأبو عوانة (٤/ ٧٢ - ٧٣)، والنسائي في "السير" من "الكبرى" - كما في "التحفة" (٥/ ٤٤٧) -، وأحمد (٢/ ٥٦ و ١٠٣ و ١١٦ و ١٢٣) من طرق أخرى عن عبد الله بن دينار ... به.
وتابعه نافع عن ابن عمر ... به: أخرجه البخاري (٣١٨٨ و ٦١٧٧ و ٧١١١)، ومسلم وأبو عوانة والترمذي (١٥٨١) - وقال: "حسن صحيح" -، وابن الجارود (١٠٥٣)، وأحمد (٢/ ١٦ و ٢٩ و ٤٨ و ٩٦ و ١١٢ و ١٤٢) من طرق عنه؛ وفي لفظ لمسلم وأبي عوانة وأحمد:
"إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة؛ يُرْفَعُ لكل غادرٍ ... " نحوه.
وله متابعات أخرى: عند مسلم وأبي عوانة وأحمد (٢/ ٤٩ و ٧٠ و ٧٥ و ١٢٦).
وله شواهد كثيرة؛ بل هو عندي متواتر:
منها: عن ابن مسعود: أخرجه البخاري (٣١٨٦)، ومسلم وأبو عوانة والدارمي (٢/ ٢٤٨)، وابن ما جه (٢٨٧٢)، والطيالسي (٢٥٤)، وأحمد (١/ ٤١١ و ٤١٧ و ٤٤١).
وعن أنس بن مالك: عند البخاري (٣١٨٧)، ومسلم وأبي عوانة وأحمد (٣/ ١٤٢ و ١٥٠ و ٢٥٠ و ٢٧٠).
وأبي سعيد: عند مسلم وأبي عوانة وابن ماجه (٢٨٧٣)، والطيالسي (٢١٥٦
стр. 3144
و ٢١٥٩)، وأحمد (٣/ ٧ و ٣٥ و ٣٩ و ٤٦ و ٦١ و ٦٤ و ٧٠ و ٨٤).
وعن عائشة: لأبي عوانة، وصححه الحاكم (٢/ ١٤١) والذهبي.
وعمرو بن الحَمِقِ: للطيالسي (١٢٨٦)، وأحمد (٥/ ٢٢٣ و ٢٢٤ و ١٢٤ و ٤٣٦).
١٦٣ - باب في الإمام يُسْتَجنُّ به في العهود
٢٤٦٢ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إنما الإمام جُنَّةٌ؛ يُقاتَلُ به".
(قلت: إسناده حسن صحيح. وأخرجه الشيخان وأبو عوانة بلفظ:
"يُقاتَلُ مِنْ ورائِهِ ويُتَّقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل، فإن له بذلك أجرًا، وإن أمر بغير ذلك، فإنَّ عليه منه وزرًا").
إسناده: حدثنا محمد بن الصَّبَّاحِ البَزَّازُ قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد [عن أبي الزناد] عن الأعرج عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عبد الرحمن هذا، وهو حسن الحديث كما تقدم، ولكنه صحيح هنا؛ لمتابعة جمع كما يأتي الإشارة إلى ذلك.
والحديث أخرجه البخاري (٢٩٥٧)، ومسلم (٦/ ١٧)، وأبو عوانة (٤/ ٤٥٧)، وأحمد (٢/ ٥٢٣) من طرق عن أبي الزناد ... به.
٢٤٦٣ - عن أبي رافع قال:
стр. 3145
٢٤٦٣ - عن أبي رافع قال:
بعثتني قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيت رسول الله ﷺ ؛ أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله! إني - واللهِ! - لا أرجعُ إليهم أبدًا فقال رسول الله ﷺ :
"إني لا أَخيسُ بالعَهْد، ولا أَحْبِسُ البُرْد! ولكن ارجع؛ فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن؛ فارجع".
قال: فذهبت، ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت.
قال بُكَيْرٌ: وأخبرني أن أبا رافع كان قِبْطِيًّا.
(قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن حبان).
سمعت (١) أبا داود يقول: "هذا كان في ذلك الزمان، فأما اليوم؛ [فـ] لا يصلح".
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح: ثنا ابن وهب: أخبرني عمرو عن بُكَيْرِ بن الأشج عن الحسن بن علي بن أبي رافع أن أبا رافع أخبره قال ...
стр. 3146
علي بن أبي رافع، وهو ثقة.
والحديث مخرج في "الصحيحة " (٧٠٢)، وأزيد هنا فأقول:
قد رواه الطحاوي أيضًا في "شرح المعاني" (٣/ ٣١٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩٦٣)، والبيهقي (٩/ ١٤٥) من طرق أخرى عن ابن وهب ... به.
١٦٤ - باب الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه
٢٤٦٤ - عن سُلَيْمِ بن عامر - رجل من حِمْيَرٍ - قال:
كان بين معاوية وبين الرُّوم عهد، وكان يسيرُ نَحْوَ بلادهم، حتى إذا انقضى العهد؛ غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَوْنٍ، وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاءٌ لا غدرٌ! فنظروا؛ فإذا عمرو بن عَبَسَةَ، فأرسل إليه معاوية، فسأله؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"من كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يَشُدَّ عُقْدَةً ولا يَحُلَّها؛ حتى ينقضي أَمَدُها، أو يَنْبِذَ إليهم على سواءٍ".
فرجع معاوية.
(قلت: إسناده صحيح، وصححه الترمذي وابن الجارود وابن حبان).
إسناده: حدثنا حفص بن عمر النَّمَرِيُّ قال: ثنا شعبة عن أبي الفَيْضِ عن سُلَيْمِ بن عامر.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير أبي الفيض، وهو ثقة - واسمه: موسى بن أيوب الحمصي -.
стр. 3147
والحديث أخرجه البيهقي (٩/ ٢٣١) من طريق المؤلف.
وأخرجه جمع من طرق عن شعبة؛ منهم الترمذي، وقال:
"حديث حسن صحيح". وهو مخرج في "الأحاديث الصحيحة" (٢٣٥٧).
ورواه ابن الجارود (١٠٦٩) من طريق أخرى عن شعبة.
١٦٥ - باب في الوفاء للمعاهد وحُرْمَةِ ذِمَّتِهِ
٢٤٦٥ - عن أبي بَكْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ .
"من قتل معاهدًا في غير كنْهِهِ؛ حَرَّمَ الله عليه الجَنَّةَ".
(قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن الجارود، وكذا ابن حبان والحاكم بإسنادين آخرين عنه، ووافقه الذهبي).
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بكرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير عيينة وأبيه عبد الرحمن بن جوشن، وهما ثقتان، وقد صحح لهما من يأتي ذكره.
والحديث أخرجه الطيالسي (٨٧٩)، ومن طريقه البيهقي (٩/ ٢٣١): حدثنا ابن عيينة ... به.
وأخرجه أحمد (٥/ ٣٦): ثنا وكيع ... به.
ثم أخرجه (ص ٣٦ و ٣٨)، والنسائي في "القسامة"، والدارمي (٢/ ٢٣٥)، وابن الجارود (١٠٧٠) من طرق أخرى عن عيينة ... به.
стр. 3148
ثم أخرجه النسائي وابن حبان (١٥٣٠ - ١٥٣٣)، والحاكم (١/ ٤٤ و ٢/ ١٢٦)، وأبو عُبَيْدٍ في "الغريب" (ق ١٨/ ١)، والدَّوْلابي في "الكنى" (٢/ ١٢٦)، وأحمد (٥/ ٣٦ و ٤٦ و ٥٠ و ٥١) من طرق أخرى عن أبي بكرة؛ أحدها صحيح.
وآخر صححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
وله شاهد من حديث أبي هريرة ... مرفوعًا بلفظ:
" ... لم يَرِحْ رائحة الجنة، وإن ريح الجنة توجد من مسيرة مئة عام".
وهو مخرج في "الصحيحة" (٢٣٥٦).
وشاهد آخر مخرج في "تخريج الحلال" (٤٥٠).
١٦٦ - باب في الرسل
٢٤٦٦ - عن سَلَمَةَ بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال:
كان مسيلمة كتب إلى رسول الله ﷺ (١) ... قال: وقد حدثني محمد بن إسحاق عن شيخ من أَشْجَعَ - يقال له: سعد بن طارق - عن سَلَمَةَ بن نُعْيَمِ بن مسعود الأشجعي عن أبيه نُعَيْمٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لهما - حين قرأ كتاب مسيلمة -:
"ما تقولان أنتما؟ ".
قالا: نقول كما قال! قال:
"أمَا واللهِ! لولا أن الرسل لا تُقْتَلُ؛ لضربتُ أعناقكما".
стр. 3149
(قلت: حديث صحيح، وصححه الحاكم والذهبي).
إسناده: حدثنا محمد بن عمرو الرازي: ثنا سلمة - يعني: ابن الفضل -.
قلت: وهو إسناد ضعيف؛ لعنعنة ابن إسحاق، وضعف سلمة؛ لكنه قد توبع كما يأتي بيانه.
والحديث في "سيرة ابن هشام" (٤/ ٢٧٢) عن ابن إسحاق .. مصرحًا بالتحديث؛ غير أنه لم يسم الشيخ الأشجعي، وهي من رواية زياد البَكَّائي كما هو معلوم، فهذه متابعة قوية لابن الفضل.
وقد رواه عنه الإمام أحمد (٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨) مُصَرِّحًا بالتحديث مُسَمّىً، فقال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي قال: ثنا سلمة بن الفضل الأنصاري قال: ثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني سعد بن طارق ... به.
وكذلك رواه يونس بن بُكَيْرٍ عن محمد بن إسحاق: حدثني سَعْدُ بن طارق ... به: أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني" (٣/ ٣١٨)، والحاكلم (٣/ ٥٢)، والبيهقي (٩/ ٢١١) من طرق عنه. وقال الحاكم - على عادته -:
"صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي كعادته غالبًا!
وابن إسحاق إنما روى له مسلم مقرونًا.
٢٤٦٧ - عن حارثة بن مُضَرِّبٍ:
أنه أتى عبد الله فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حِنَةٌ، وأنا مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يُؤْمِنُونَ بمسيلمة! فأرسل إليهم عبد الله، فَجِيءَ بهم، فاستتابهم غيرَ ابنِ النَّوَّاحَة، قال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 3150
"لولا أنك رسولٌ؛ لضربتُ عُنُقَكَ". فأنت اليوم لست برسول! فأمر قَرَظَةَ بن كَعْبٍ؛ فضرب عنقه في السوق. ثم قال: مَنْ أراد أن ينظر إلى ابن النَّوَّاحة قتيلًا؛ بالسوق.
(قلت: حديث صحيح، وصححه ابن حبان، وكذا ابن الجارود والحاكم، ووافقه الذهبي).
إسناده: حدثنا محمد بن كثير: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مُضَرِّبٍ.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير حارثة، وهو ثقة، فالسند صحيح؛ لولا عنعنة أبي إسحاق، ولكنه قد توبع؛ فالحديث صحيح.
والحديث أخرجه البيهقي (٩/ ٢١١) من طريق المؤلف.
وأخرجه ابن حبان (١٦٢٩)، والطبراني في "الكبير" (٨٩٥٧) من طرق أخرى عن ابن كثير.
ثم أخرجه البيهقي (٨/ ٢٠٦) من طريق أبي عوانة ... به أتم منه.
والطبراني (٨٩٥٩) من طريق قيس بن الربيع عن أبي إسحاق ... به مختصرًا.
وخالفهم شَرِيك فقال: عن أبي إسحاق عن صِلَةَ عن عبد الله ... به.
أخرجه أحمد (١/ ٣٠٦).
وشريك: هو ابن عبد الله القاضي، سيئ الحفظ؛ فلا يُعْتَدُّ بمخالفته.
وتابع أبا إسحاق: الأعمشُ فقال: عن حارثة بن مضرب ... به: أخرجه
стр. 3151
أحمد (١/ ٣٨٤)، والطبراني (٨٩٥٨).
وإسناده صحيح؛ إن كان الأعمش سمعه من حارثة .. فإنه مدلس أيضًا.
وتابع حارثةَ: أبو وائل، على اختلاف عليه في إسناده، فقال الطيالسي (٢٥١): حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله ... به مطولًا.
وكذا أخرجه أحمد (١/ ٣٩٠ و ٣٩٦) من طريقين آخرين عن المسعودي - واسمه: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة -، وكان اختلط.
وأخرجه الحاكم (٣/ ٥٣) من طريق أخرى عنه عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن أبيه قال:
جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ... الحديث مطولًا. وقال:
"صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي!
وقد عرفت حال المسعودي.
وأخرجه الطبراني (٨٩٦٠) من طريق أخرى عنه عن القاسم قال:
أُتي عبد الله ...
فأسقط منه قوله: عن أبيه! لكن قال في آخره: قال عبد الرحمن بن عبد الله:
فلقيت شيخًا منهم كبيرًا بعد ذلك بالشام، فقال لي: رحم الله أباك، والله! لو قتلنا يومئذ؛ لدخلنا النار كلُّنا.
فهذا يدل على أنه تلقاه عن أبيه عبد الرحمن، فلعل قوله: عن أبيه .. سقط ممن دونه! والله أعلم.
ورواه أبو بكر بن عياش عن عاصم ... به؛ إلا أنه أدخل - بين أبي وائل
стр. 3152
وابن مسعود -: ابن مُعَيْرٍ السعدي: أخرجه الدارمي (٢/ ٢٣٥)، والطحاوي (٣/ ٣١٧)، وأحمد (١/ ٤٠٤).
و(ابن معير)؛ كذا وقع عندهم بالرّاء! ووقع عند ابن أبي حاتم: (معيز) بالزاي.
وكذا في "التجريد"، وقال:
"له إدراك". وفي "المشتبه":
"تصغير (مَعَز): عبد الله بن مُعَيْزٍ السَّعْدِيُّ".
وكذا سماه الحافظ ابن حجر في آخر "تعجيل المنفعة"، ولم يترجم له في الأسماء.
لكن أبو بكر بن عياش - وإن كان من رجال البخاري - ففى حفظه ضعف، فهو والمسعودي متقاربان، فلا بد من مرجح.
وقد وُجِدَ؛ فقد تابع المسعوديَّ: سفيانُ؛ فقال: عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال:
جاء ابن النواحة رسولًا من عند مسيلمة إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ .
"لو كنتُ قاتلًا رسولًا؛ لقتلتك ولضربت عنقك".
أخرجه ابن الجارود (١٠٤٦)، وابن حبان (٤٨٥٨ - الإحسان)، والبيهقي (٩/ ٢١١)، وأحمد (١/ ٤٥٦)، والبزار (١٦٨١)، وقال:
"لا نعلم رواه هكذا إلا الثوري"!
قلت: قد وجدت له متابعًا، فقال أبو يعلى في "مسنده" (٣/ ١٢٦٤): حدثنا إبراهيم بن الحَجَّاج: نا سَلام أبو المنذر: نا عاصم ... به أتم منه.
стр. 3153
وهذه متابعة قوية، سلام أبو المنذر (وفي الأصل: ابن المنذر! خطأ) صدوق يهم.
فالإسناد جيد.
وللحديث طريق أخرى من رواية قيس بن أبي حازم قال:
جاء رجل إلى ابن مسعود ... الحديث.
أخرجه الطبراني (٨٩٥٦) من طريق عبد الرزاق، وهذا في "المصنف" (١٠/ ١١٧٠٨) عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عنه.
وهذا إسناد صحيح.
١٦٧ - باب في أمان المرأة
٢٤٦٨ - عن ابن عباس قال: حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب:
أنها أجارت رجلًا من المشركين يوم الفتح، فأتَتِ النبيَّ ﷺ ، فذست له ذلك، فقال:
"قد أَجَرْنا مَنْ أَجَرْت، وأمَّنَّا مَنْ أمَّنْتِ".
(قلت: حديث صحيح. رواه ابن الجارود بتمامه، والشيخان دون قوله: "وأمَّنا ... " من طريق آخر عنها).
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح: ثنا ابن وهب قال: أخبرني عِيَاضُ بن عبد الله عن مَخْرَمَةَ بن سليمان عن كُرَيْبٍ عن ابن عباس.
قلت: إسناده على شرط مسلم، على لين في عياض بن عبد الله - وهو الفِهْرِيُّ المدني، ثم المصري -، ولكنه قد توبع على الحديث من طرق كما يأتي.
стр. 3154
والحديث أخرجه الحاكم (٤/ ٥٣ - ٥٤)، والبيهقي (٩/ ٩٥) من طرق أخرى عن ابن وهب.
وسكت عنه الحاكم والذهبي!
وأخرجه مالك (١/ ١٦٦)، وعنه البخاري (٣٥٧ و ٣١٧١ و ٦١٥٨)، ومسلم (٢/ ١٥٨)، وأبو عوانة (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، والدارمي (١/ ٣٣٩ و ٢/ ٢٣٤)، والبيهقي (٩/ ٩٤ - ٩٥)، وأحمد (٦/ ٣٤٣ و ٤٢٣ و ٤٢٥) كلهم عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله: أن أبا مُرَّةَ مولى عَقِيلِ بن أبي طالب أخبره: أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول ... فذكره؛ دون قوله: "وأمَّنَّا من أمَّنت".
وكذلك رواه إبراهيم بن عبد الله بن حسين عن أبي مرة: عند أحمد (٦/ ٣٤٢).
لكن قد رواه سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ عن أبي مرة ... بالزيادة.
أخرجه ابن الجارود (١٠٥٥)، وأحمد (٦/ ٣٤١ و ٣٤٣ و ٤٢٣)، والحميدي (٣٣١)، والطحاوي (٣/ ٣٢٣)، والبيهقي.
فهذا شاهد قوي لحديث الباب، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وللترمذي منه (١٥٧٩) الزيادة فقط، وقال:
"حديث حسن صحيح".
٢٤٦٩ - عن عائشة قالت:
إنْ كانتِ المرأةُ لَتُجِيرُ على المؤمنين؛ فَيَجُوزُ.
(قلت: (*)
стр. 3155
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه البيهقي (٩/ ٩٥) من طريق الأ عمش عن إبراهيم ... به.
وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ:
"إن المرأة لَتَأْخُذُ للقوم"؛ يعني: تُجير على المسلمين.
أخرجه الترمذي (١٥٧٩)، وقال:
"حديث حسن غريب. وسألت محمدًا (يعني: الإمام البخاري)؟ فقال: هذا حديث صحيح".
١٦٨ - باب في صُلْحِ العَدُوِّ
٢٤٧٠ - عن المِسْوَر بن مَخْرَمَةَ قال:
خرج النبي ﷺ - زمن الحُدَيْبيَّةِ - في بِضْعَ عَشْرَةَ مِئَةً من أصحابه، حتى إذا كانواب (ذي الحُلَيْفَةِ)؛ قَلَّدَ الهَدْيَ، وأشعره، وأحرم بالعمرة ... وساق الحديث؛ قال:
وسار النبي ﷺ ، حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها؛ بَرَكَتْ به راحلته. فقال الناس: حَلْ حَلْ، خلأت القَصواء (مرتين)! فقال النبي ﷺ :
"ما خلأتْ، وما ذلك لها بِخُلُقٍ! ولكن حَبَسَها حابسُ الفِيلِ". ثم قال: