٧٩ - باب الوضوء من الدم
١٩٣ - عن جابر قال:
خرجنا مع رسول الله ﷺ ؛ يعني: في غزوة ذات الرِّقَاع، فأصاب رجلٌ امرأةَ رَجل من المشركين؛ فحلف أن: لا أنتهي حتى أهريق دمًا في أصحاب محمد، فخرج يتَّبع أثر النبي ﷺ ، فنزل النبي ﷺ منزلًا؛ فقال:
"من رجل يكلأُنا؟ "، فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقال:
"كونا بِفَمِ الشِّعْبِ".
قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشِّعْب؛ اضطجع المهاجريُّ وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل؛ فلما رأى شخصه عرف أنه رَبِيئَةٌ للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه؛ حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد نَذرُوا به هرب، فلما رأى المهاجريُّ ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى؟ ! قال: كنت في سورة أقرأها؛ فلم أحب أن أقطعها.
(قلت: إسناده حسن، وكذا قال النووي، وصححه ابن خريمة وابن حبان (١٠٩٣) والحاكم، ووافقه الذهبي).
إسناده: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع فال: ثنا ابن المبارك عن محمد بن إسحاق قال: حدثني صدقة بن يسار عن عَقِيل بن جابر عن جابر.
стр. 352
وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير عقيل بن جابر، فقال الذهبي في "الميزان":
"فيه جهالة؛ ما روى عنه سوى صدقة بن يسار"!
كذا قال! وقد قال الحافظ في "التهذيب":
"وقد روى جابر البياضيُّ عن ثلاثة من ولد جابر عن جابر؛ فيحصل لنا راوٍ آخر -وإن كان ضعيفًا عن عقيل مع صدقة؛ لأن جابرًا له ثلاثة أولاد رووا الحديث: هذا وعبد الرحمن ومحمد".
وعقيل وثقه ابن حبان وغيره ممن صحح حديثه؛ كما يأتي.
والحديث قال النووي في "المجموع" (٢/ ٥٥):
"رواه أبو داود بإسناد حسن، واحتج به أبو داود".
قلت: ومن طريقه: أخرجه البيهقي (١/ ١٤٠).
وأخرجه الإمام أحمد (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤) قال: ثنا إبراهيم بن إسحاق: ثنا ابن المبارك ... به أتم منه.
ثم أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٩): ثنا يعقوب: ثنا أبي عن محمد بن إسحاق: حدثني صدقة بن يسار ... به.
وأخرجه الدارقطني (ص ٨٢ - ٨٣)، والحاكم (١١/ ٥٦ - ١٥٧)، وعنه البيهقي (٩/ ١٥٠) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق ... به. وقال الحاكم:
"هذا حديث صحيح الإسناد؛ فقد احتج مسلم بأحاديث محمد بن إسحاق. فأما عقيل بن جابر بن عبد الله الأنصاري؛ فإنه أحسن حالًا من أخويه محمد
стр. 353
وعبد الرحمن"! ووافقة الذهبي!
لكن ابن إسحاق لم يحتجَّ به مسلم، بل استشهد به في خمسة أحاديث، كما قال الذهبي نفسه في "الميزان".
والحديث ذكره البخاري في "صحيحه" تعليقًا (١/ ٢٢٥) مختصرًا؛ فقال الحافظ:
"وصله ابن إسحاق في "المغازي" قال: حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن أبيه مطولًا. وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم؛ كلهم من طريق ابن إسحاق. وشيخه صدقة ثقة. وعقيل -بفتح العين- لا أعرف راويًا عنه غير صدقة"!
قلت: قد عرف له الحافظ في "التهذيب" راويًا آخر كما سبق، ثم قال:
"وأخرجه البيهقي في "الدلائل" من وجه آخر؛ وسمى الأنصاري المذكور: عَبَّاد بن بشر، والمهاجري: عمار بن ياسر، والسورة: الكهف".
قلت: ولعل هذا الوجه هو من طريق أولاد جابر الثلاثة الذين ذكرهم الحافظ في كلامه السابق! وعليه؛ فالحديث يقوى به. والله أعلم.
ثم قلت: فيه عنده (٣/ ٣٧٨): الواقدي؛ وهو متروك! فالعمدة على ما تقدم. والله أعلم.
٨٠ باب الوضوء من النوم
١٩٤ - عن عبد الله بن عمر:
أن رسول الله ﷺ شُغِلَ عنها ليلةً؛ فأخَّرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم خرج علينا؛ فقال:
стр. 354
"ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا عبد الرزاق: ثنا ابن جريج قال: أخبرني نافع قال: ثني عبد الله بن عمر.
وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
والحديث في "مسند أحمد" (٢/ ٨٨) ... بهذا السند.
وهو في "الصحيحين"، و "أبي عوانة" (١/ ٣٦٨) من طرق عن عبد الرزاق ... به.
وأخرجه أبو عوانة، والنسائي (١/ ٩٣) من طريق منصور عن الحكم عن نافع ... به نحوه؛ وكذلك رواه مسلم.
وأخرجه أحمد (٢/ ١٢٦) من طريق فليح عن نافع، وزاد: وإنما حَبَسَنا لِوَفْدٍ جاءه.
وهو على شرطهما.
١٩٥ - عن قتادة عن أنس قال:
كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم؛ ثم يصلون ولا يتوضأون.
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، والدارقطني ثم النووي: "صحيح").
стр. 355
إسناده: حدثنا شَاذُّ بن فَيَّاض قال: ثنا هشام الدَّسْتُوائي عن قتادة عن أنس.
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ غير شاذ بن فياض، وهو ثقة؛ وتكلم فيه بعضهم من قِبَلِ حفظه.
والحديث رواه المصنف أيضًا في كتابه "مسائل الإمام أحمد"؛ فقال (ص ٣١٧): حدثنا هلال بن فياض -وهو يعرف بشاذ- قال ... إلخ، وأخرجه البيهقي (١/ ١١٩) من طريق المؤلف.
وأخرجه الدارقطني (ص ٤٨) من طريق وكيع: نا هشام الدستوائي ... به.
وقال:
"صحيح".
ورواه مسلم وأبو عوانة والترمذي -وصححه- من طريق شعبة عن قتادة ... نحو، ويأتي بعده.
ورواه الشافعي في "مسنده" (ص ٣): أخبرنا الثقة عن حميد عن أنس بلفظ:
فينامون -أحسبه قال- قعودًا حتى تخفق ... إلخ قال الحاكم:
"أراد بالثقة: ابن عُلَيَّة"؛ كذا في "التلخيص" (٢/ ٢٢).
قلت: وقد أخرجه المصنف في "المسائل" (ص ٣١٨) عن إسماعيل -وهو ابن علية-؛ إلا أنه لم يَسُق لفظه، ولكنه أحال على الحديث الآتي (رقم ١٩٧).
قلت: فهو إسناد آخر صحيح، والأول صححه النووي أيضًا (٢/ ١٣).
стр. 356
١٩٦ - قال أبو داود: "زاد فيه شعبة عن قتادة: فال: كنا نخفق على عهد رسول الله ﷺ .
(قلت: وصله المصنف في كتابه "مسائل الإمام أحمد" بسند صحيح على شرط الشيخين).
إسناده: ذكره معلقًا كما ترى؛ وقد وصله المؤلف في "المسائل" (ص ٣١٧) فقال: حدثنا ابن بشار قال: ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة ... به، ولفظه:
كان أصحاب النبي ﷺ ينامون، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضأون على عهد النبي ﷺ .
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وبهذا الإسناد: أخرجه الترمذي (١/ ١١٣) بهذا اللفظ تمامًا؛ دون قوله: على عهد النبي ﷺ . وقال:
"حديث حسن صحيح".
وكذلك رواه أحمد (٣/ ٢٧٧): ثنا يحيى بن سعيد ... به.
وكذلك أخرجه مسلم (١/ ١٩٦)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٦)، من طريق خالد بن الحارث وأبي عامر العقدي قالا: ثنا شعبة ... به، دون الزيادة، وزاد خالد في آخره: قال: قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي والله.
لكن أخرجه البيهقي من طريق تمتام: ثنا محمد بن يشار ... به مثل رواية المصنف في "المسائل".
وتمتام؛ هذا لقبه، واسمه: محمد بن غالب بن حرب أبو جعفر الضبي، له
стр. 357
ترجمة في "تاريخ بغداد" (٣/ ١٤٣ - ١٤٥)، وفي "اللسان" (٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، وقال الخطيب:
"وكان كثير الحديث صدوقًا حافظًا".
فالحديث إذن محفوظ بهذه الزيادة.
وفيه زيادة أخرى، رواها قاسم بن أصبغ: ثنا محمد بن عبد السلام الخُشَنِيُّ: ثنا محمد بن بشار ... به، ولفظه:
كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون الصلاة، فيضعون جنوبهم؛ فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة.
ذكره في "نصب الراية" (١/ ٤٧)، وفي "التلخيص".
وقد رواه ابن حزم (١/ ٢٢٤) بإسناده عن قاسم.
وقد تابعه عبد الأعلى عن شعبة ... به: رواه البزار والخلال. وقال ابن القطان:
"هذا صحيح". وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٥١):
"إسناده صحيح".
قلت: وكذلك رواه عبد الأعلى عن ابن أبي عروبة؛ كما يأتي في الذي بعده، وهو:
١٩٧ - قال أبو داود: "ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة ... بلفظ آخر".
(قلت: وصله المصنف في "المسائل"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ولفظه:
стр. 358
كان أصحاب النبي ﷺ يَضَعُون جنوبهم فينامون، فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ.
ورواه شعبة أيضًا عن قتادة بهذا اللفظ، وصححه ابن القطان والحافظ).
إسناده: هو معلق كما ترى، وقد وصله المؤلف في "المسائل" (ص ٣١٨) فقال: حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أنس قال:
كان أصحاب النبي ﷺ يضعون جنوبهم فينامون؛ فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ.
وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
وقد تابعه شعبة عن قتادة في بعض الروايات عنه كما ذكرنا في الذي قبله.
وابن المثنى: هو محمد.
وقد رواه معمر أيصًا عن قتادة ... به، ولفظه:
لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يُوقَظُون للصلاة، حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطًا، ثم يصلون ولا يتوضأون.
أخرجه الدارقطني (ص ٤٨)، والبيهقي (١/ ١٢٠)، من طريق محمد بن حُمَيد: نا ابن المبارك: أنا معمر.
ورجاله كلهم ثقات؛ غير محمد بن حميد -وهو الرازي- وهو ضعيف؛ لكن قال أحمد:
"حديثه عن ابن المبارك وجرير صحيح"!
وهذا من حديثه عن ابن المبارك؛ فهو عند أحمد صحيح .. والله أعلم.
стр. 359
(تنبيه): وقع للحافظ ابن حجر وهمان في هذا الحديث؛ فقد عزا في "التلخيص" (٢/ ٢٢) هذه الرواية -أو هذا اللفظ- للترمذي!
وليس كذلك، فلم يروه غير من ذكرنا.
وذكر أن رواية تمتام عند البيهقي ليس فيها: يضعون جنوبهم!
وهو وهم؛ فإنها ثابتة عنده، كما سبق أن ذكرنا في الرواية الثانية (رقم ١٩٦).
وقلّده على الوهم الأول: الصنعاني (١/ ٨١)، وكذا الشوكاني (١/ ١٦٩).
وأما الوهم الآخر؛ ففي نقل الشوكاني ما يفيد أن الخظأ مطبعي؛ حيث قال: "وأخرجه بتلك الزيادة البيهقي والبزار والخلال".
وهو إنما نقل كلام الحافظ دون أن ينسبه إليه؛ كما هي عادته، فلست أدري هل هو تصرف منه حين رأى خطأ الحافظ، أم أنه نقل من نسخة صحيحة؟ فمن كان عنده علم بذلك؛ فليُبْدِهِ ونحن له من الشاكرين.
(فائدة): قال المصنف في "المسائل" (ص ٣١٧):
"سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: اختلف شعبة وسعيد وهشام في حديث أنس: كان أصحاب النبي ﷺ تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضأون في اللفظ-؛ وكلهم ثقات ... ". ثم ساق روايتهم على ما سبق.
وهو يدل على أن أحمد يرى صحتها جميعًا؛ وهو الصواب؛ ويدل مجموعها على أنهم كانوا ينامون مضطجعين ثم يصلون دون أن يجددوا الوضوء.
وعليه؛ فلا يجوز الاحتجاج بهذا الحديث على أن نوم الجالس لا ينقض كما هو ظاهر؛ لأنه ورد في (المضطجع).
стр. 360
١٩٨ - عن ثابت البُناني: أن أنس بن مالك قال:
أقيمت صلاة العشاء، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن لي حاجةً، فقام يناجيه حتى نَعَسَ القوم أو بعض القوم، ثم صلى بهم .. ولم يذكر وُضوءًا.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وأبو عوانة في "صحيحهما").
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: ثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وداود بن شبيب من رجال البخاري؛ لكنه مقرون مع من هو من رجالهما.
والحديث أخرجه المصنف في "المسائل" (ص ٣١٨) ... بهذا الإسناد، وأخرجه البيهقي (١/ ١٢٠) من طريق المصنف.
وأخرجه مسلم (٢/ ١٩٦)، وأبو عوانة (٢/ ٢٦٦)، وأحمد (٣/ ١٦٠ و ٢٦٨) من طرق أخرى عن حماد ... به، وليس عند مسلم: ولم يذكر وضوءًا.
وتابعه الزهري عن ثابت بلفظ:
كانت الصلاة تقام، فيكلم النبي ﷺ الرجلُ في حاجة تكون له، فيقوم بينه وبين القبلة، فما يزال قائمًا يكلِّمه، فربما رأيت بعض القوم لَيَنْعَسُ من طول قيام النبي ﷺ له.
أخرجه أحمد (٣/ ١٦١): ثنا عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري.
стр. 361
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الترمذي (٥١٨) عن عبد الرزاق ... به؛ إلا أنه لم يذكر الزهري؛ وقال: "حسن صحيح".
وأخرجه البخاري (٢/ ٩٨)، ومسلم وأبو عوانة، وأحمد (٣/ ١٢٩ - ١٣٠) من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس ... نحوه.
وكذلك أخرجه المصنف في "المسائل" (ص ٣١٨).
ثم أخرجه هو، والبخاري، وأحمد (٣/ ١١٤ و ١٨٢ و ١٩٩ و ٢٠٥ و ٢٣٢) من حديث حميد عن أنس ... نحوه.
ورواه جرير بن حازم عن ثابت ... به نحوه؛ ولكنه قال: في صلاة الجمعة!
وهو وهم؛ كما يأتي بيانه في الكتاب الآخر (٢٠٨).
١٩٩ - عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول ﷺ :
"وِكَاءُ السّهِ العينان؛ فمن نام فليتوضأ".
(قلت: إسناده حسن، وكذا قال النووي، وحسنه المنذري وابن الصلاح).
إسناده: حدثنا حيوة بن شُرَيح الحمصي -في آخرين- قالوا: ثنا بَقِيَّة عن الوَضِينِ بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي بن أبي طالب.
وهذا إسناد حسن؛ حيوة وبقية ثقتان تقدما؛ وإنما يخشى من بقية التدليس،
стр. 362
وقد صرح بالتحديث في غير هذه الرواية كما يأتي.
والوضين بن عطاء مختلف فيه؛ وقد وثقه أحمد وابن معين ودُحَيم وغيرهم.
وقال الآجري عن المؤلف: إنه "صالح الحديث". وضعفه ابن سعد والجوزجاني وغيرهما. وقال ابن عدي: "ما أرى بأحاديثه بأسًا".
قلت: فهو حسن الحديث على أقل الدرجات إذا لم يظهر خطأُه.
ومحفوظ بن علقمة وشيخه عبد الرحمن بن عائذ؛ وثقهما النسائي وابن حبان، ووثق الأول ابن معين أيضًا ودحيم وغيرهما.
والآخر قيل: إنه صحابي؛ لكن قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٢٠):
"وهو تابعي معروف عن علي، لكن قال أبو زرعة: لم يسمع منه. وفي هذا النفي نظر؛ لأنه يروي عن عمر، كما جزم به البخاري".
والحديث أخرجه ابن ماجة (١/ ١٧٦) عن محمد بن المُصَفَّى الحمصي، والدارقطني (ص ٥٩) عن سليمان بن عمر الأقطع، والبيهقي (١/ ١١٨) عن أبي عتبة -وأسمه أحمد بن الفرج (١) -، وكذا الحاكم في "علوم الحديث" (ص ١٣٣) عن إبراهيم بن موسى الفراء، وأحمد (١/ ١١١ / رقم ٨٨٧) عن علي بن بحر، كلهم عن بقية ... به. ثم قال الحاكم:
"هذا حديث مروي من غير وجه؛ لم يَذْكُر فيه: "فمن نام فليتوضأ" غير إبراهيم بن موسى الرازي؛ وهو ثقة مأمون"!
стр. 363
كذا قال! وهذه الزيادة ثابتة من جميع الوجوه التي سقناها إلى بقية، وقد صرح بالتحديث في رواية علي بن بحر، وهو ثقة اتفاقًا، وجعله بعضهم من أقران أحمد في الفضل والصلاح؛ فزالت بذالك شبهة تدليسه. ولذلك قال النووي في "المجموع" (٢/ ١٣ و ١٨):
"إسناده حسن"، وحسنه من قبلُ: المنذريُّ وابن الصلاح، كما ذكره الحافظ.
وأما قول الصنعاني (١/ ٨٢) فيه:
"حسنه الترمذي"!
فما أراه إلا وهمًا؛ لأنه لم يذكر ذلك أحد غيره، كالحافظ والزيلعي وغيرهما، وليس الحديث في "سنن الترمذي". والله أعلم.
وللحديث شاهد من حديث معاوية، سوف نتكلم عليه إن شاء الله في "صحيح الدارمي"، وقد قال أحمد: "حديث علي أثبت من حديث معاوية في هذا الباب".
٨١ - باب في الرجل يطأ الأذى
٢٠٠ - عن عبد الله [هو ابن مسعود] قال:
كنا لا نتوضأ من مَوْطِئ؛ ولا نكفُّ شعرًا ولا ثوبًا.
(قلت: إسناده صحيح على شرطهما، وكذلك صححه الحاكم ووافقه الذهبي).
إسناده: حدثنا هَنَّاد بن السَّرِيِّ وإبراهيم بن أبي معاوية عن أبي معاوية. (ح)
стр. 364
وثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثني شريك وجرير وابن إدريس عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله.
قال أبو داود: قال إبراهيم بن أبي معاوية فيه: عن الأعمش عن شقيق عن مسروق -أو حدثه عنه- قال: قال عبد الله. وقال هناد: عن شقيق -أو حدثه عنه-[قال: قال عبد الله].
ومقصود المؤلف من ذلك بيان اختلاف وقع فيه على أبي معاوية:
فابنه إبراهيم يرويه عنه عن الأعمش عن شقيق عن مسروق عن عبد الله؛ فأدخل بين شقيق وعبد الله: مسروقًا.
وخالفه هناد؛ فأسقطه من بينهما موافقًا في ذلك ابن أبي شيبة.
ثم اتفقا -أعني: إبراهيم وهنَّادًا- في الشك في التحديث بدل العنعنة لكنهما اختلفا في محله:
فإبراهيم جعله في رواية شقيق عن مسروق؛ أي: هل قال شقيق: حدثني مسروق، أم قال: عن مسروق؟ !
وهناد جعله في رواية الأعمش عن شقيق.
هذا هو الظاهر مما ذكره المصنف ﵀؛ وقد فهم صاحب "العون" خلاف ما بينا من تعيين مكان الشك!
وهو خطأ واضح لا حاجة لبيانه؛ فنكتفي بالإشارة إليه، فمن شاء التحقق؛ فليراجعه بنفسه، ثم ليقابله بما ذكرنا؛ يتبين له صواب ما ذهبنا إليه.
وقد تابع هنادًا: محمد بن حماد: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق -أو حدثه عنه-.
стр. 365
أخرجه البيهقي (١/ ١٣٩) من طريق الحاكم، وهو في "المستدرك" (١/ ١٣٩).
والصواب رواية ابن أبي شيبة؛ لأنه لا اضطراب فيها، ولأنّ أبا معاوية قد وافقه عليها: في رواية أحمد بن مَنِيع وأحمد بن عبد الجبار كلاهما عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله.
أخرجه الحاكم (١/ ١٣٩ و ١٧١).
وقد تابعه على الصواب: سفيان بن عيينة عن الأعمش ... به.
أخرجه الحاكم، وعنه البيهقي.
فالحديث صحيح على شرط الشيخين؛ وكذلك صححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المصنف.
وأخرجه الحاكم من طريق موسى بن إسحاق الأنصاري: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا شريك وجرير عن الأعمش ... به.
ثم أخرجه، هو وابن ماجة (١/ ٣٢٣) من طريقين آخرين عن عبد الله بن إدريس ... به؛ ولفظ ابن ماجة: قال: أمرنا أن لا نكف شعرًا ولا ثوبًا، ولا نتوضأ من موطئ.
ورواه الترمذي (١/ ٢٦٧) تعليقًا؛ بلفظ: قال:
كنا مع رسول الله ﷺ لا نتوضأ من المَوْطَأ.
قلت: وهذا لفظ ابن عيينة عند الحاكم والبيهقي.
(تنبيه): بعض أسانيد هذا الحديث عند الحاكم: من طريق عبد الله بن أحمد ابن حنبل، وليس الحديث في "مسند أبيه" ولا في "زوائده" عليه!
стр. 366
٨٢ - باب من يُحدِثُ في الصلاة
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
٨٣ - باب في المذي
٢٠١ - عن علي رضي الله تعالى عنه قال:
كنت رجلًا مَذَّاءً؛ فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك للنبي ﷺ -أو ذُكِرَ له-؟ فقال رسول الله ﷺ :
"لا تفعل؛ إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فَضَخْت الماء فاغتسل".
(قلت: إسناده صحيح، وصححه النووي. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، وهو في "صحيح البخاري" و "مسلم" و "أبي عوانة"؛ دون قوله: "فإذا فضخت ... " إلخ).
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد: ثنا عَبِيدَةُ بن حُمَيْد الحَذَّاء عن الرُّكَيْنَ بن الربيع عن حصَيْنِ بن قَبِيصةَ عن علي ﵁.
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال "الصحيح"؛ غير حصين بن قبيصة؛ وهو ثقة بلا خلاف.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ١٦٩) من طريق المؤلف.
وأحمد (١/ ١٠٩ / رقم ٨٦٨): حدثنا عبيدة بن حميد التيمي أبو عبد الرحمن: حدثني ركين ... به.
стр. 367
وأخرجه النسائي (١/ ٤١) عن قتيبة وعلي بن حُجْرٍ معًا.
وتابعه زائدة عن الركين: أخرجه الطيالسي (رقم ١٤٥): حدثنا زائدة ... به، ومن طريقه: أخرجه البيهقي (١/ ١٦٧).
وأخرجه الطحاوي (١/ ٢٨)، وأحمد (رقم ١٠٢٨ و ١٠٢٩) من طرق أخرى عن زائدة.
وكذا أخرجه النسائي.
وتابعه أيضًا سفيان وشريك عن ركين: أخرجه أحمد (رقم ١٠٢٨ و ١٢٣٨)؛ ولفظ شريك:
كنت رجلًا مَذَّاءً؛ فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ من أجل ابنته، فأمرت المقداد، فسأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد المزي؟ فقال:
"ذلك ماء الفحل، ولكل فحل ماء، فليغسل ذكره وأنثييه، وليتوضأ وضوءه للصلاة".
فزاد فيه: "وأنثييه"! وهو سيئ الحفظ؛ لكنه قد توبع عليه من طريق أخرى يأتي بعد هذا بحديث.
وله شاهد من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري وهو الآتي (رقم ٢٠٦).
والحديث أخرجه البخاري (١/ ١٨٥ و ٢٢٧ و ٣٠٢)، ومسلم (١/ ١٦٩ - ١٧٥)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، والنسائي (١/ ٣٦ - ٣٧ و ٧٥)، وابن ماجة (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، والطحاوي، والبيهقي (١١٥)، والترمذي أيضًا (١/ ١٩٣)، والطيالسي (رقم ١٤٤)، وأحمد (رقم ٦١٨ و ٦٦٢ و ٨٤٧ و ٨٥٦ و ٨٩٠ و ٩٧٧ و ١٠٢٦ و ١٠٧١ و ١١٨٢)، وابنه عبد الله في "زوائده" (رقم ٦٠٦ و ٨١١ و ٨٢٣
стр. 368
و ٨٩٣)، وابن حزم في "المحلى" (١/ ١٠٦ - ١٠٧) من طرق أخرى كثيرة عن علي ... به دون قوله:
"فإذا فضخت ... إلخ".
وفي رواية لأحمد: "فقال: "إذا خذفت فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن خاذفًا فلا تغتسل".
وسنده حسن أو صحيح.
(فائدة): في حديث الباب عند أحمد زيادة: في الشتاء -بعد قوله: فجعلت أغتسل-.
وكذلك رواه ابن خزيمة -كما في "الفتح" (١/ ٣٠٢) -، وصححه النووي في "المجموع" (٢/ ١٤٣).
٢٠٢ - عن المقداد بن الأسود:
أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أمره أن يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله، فخرج منه المذي؛ ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته، وأنا أستَحيي أن أسأله!
قال المقداد: فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال:
"إذا وجد أحدكم ذلك؛ فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة".
(قلت: حديث صحيح. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١٠٩٨))
إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود.
стр. 369
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وأبو النضر: هو سالم المدني.
وقد اختلف في سماع سليمان بن يسار عن المقداد، كما يأتي.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٦٢ - ٦٣) ... بهذا الإسناد.
وعنه: أخرجه محمد في "موطئه" (ص ٦٥)، وكذا الشافعي في "مسنده" (ص ٤)، والنسائي (١/ ٣٧ و ٧٥)، وابن ماجة (١/ ١٨٢)، والبيهقي (١/ ١١٥)، وأحمد (٦/ ٤ - ٥)، وابن حزم (١/ ١٠٦) كلهم عن مالك .... به. قال المنذري في "مختصره":
"وقال الشافعي: حديث سليمان بن يسار عن المقداد مرسل، لا نعلمه سمع منه شيئًا. قال البيهقي: هو كما قال". وقال ابن عبد البر:
"هذا إسناد ليس بمتصل؛ لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد ولا من علي، ولم ير واحدًا منهما؛ فإنه ولد سنة أربع وثلاثين؛ ولا خلاف أن المقداد توفي سنة ثلاث وثلاثين". قال:
"وبين سليمان وعلي في هذا الحديث: ابن عباس؛ أخرجه مسلم والنسائي".
وخالفهما ابن حبان؛ فإنه قال الحافط في ترجمة سليمان بن يسار من "التهذيب":
"قال ابن حبان: وكان مولده سنة (٢٤). وأخرج في "صحيحه" حديثه عن المقداد؛ وقال: قد سمع سليمان من المقداد وهو ابن دون عشر سنين. وقال البيهقي: ولد سليمان سنة (٢٧) أو بعدها؛ فحديثه عن المقداد مرسل. قاله الشافعي وغيره".
قلت: فقد اختلفوا في سنة ولادة ابن يسار؛ فإذا صح ما ذكره ابن حبان؛
стр. 370
فيكون قد أدرك المقداد. ومن الممكن حينئذ أن يكون قد سمع منه! وقد جزم ابن حبان بسماعه منه! ولا أدري أذلك منه لمجرد المعاصرة؛ أم لشيء زائد على ذلك وقف هو عليه؟ ! فالله أعلم.
وعلى كل حال؛ قالحديث صحيح؛ لأنه قد جاء موصولًا -كما سبق عن ابن عبد البر-: أخرجه مسلم (١/ ١٧٠)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٣)، والنسائي والبيهقي، وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (رقم ٨٢٣) من طريق مَخْرمة بن بُكَير عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب:
أرسلنا المقداد بن الأسود إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن المذي ... الحديث نحوه.
وتابعه الليث بن سعد عن بكير بن الأشح عن سليمان: عند النسائي؛ لكنه أسقط: (ابن عباس) من الإسناد.
٢٠٣ - عن عروة: أن علي بن أبي طالب قال للمقداد ... وذكر نحو هذا، قال: فسأله المقداد؟ فقال: قال رسول الله ﷺ :
"ليغسل ذكره وأُنثييه".
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا أحمد بن يونس: ثنا زهير عن هشام بن عروة عن عروة.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ وقد أعل بالإرسال والانقطاع؛ ففي "التهذيب":
"قال ابن أبي حاتم عن أبيه: عروة بن الزبير عن عليٍّ مرسل".
стр. 371
قال المحقق أحمد محمد شاكر في تعليقه على "المسند" (٢/ ٢١٨):
"وهذا نقل خطأ؛ فليس موجودًا في "المراسيل" لابن أبي حاتم (ص ٥٥)! ثم هو في نفسه خطأ؛ لأن عروة ولد في خلافة عمر، وكان يوم الجمل ابن ثلاث عشرة سنة. وفي "التهذيب" عن مسلم بن الحجاج في كتاب "التمييز": "حج عروة مع عثمان، وحفظ عن أبيه فمن دونهما من الصحابة". وهذا الثبت".
قلت: أما كونه في نفسه خطأً؛ فهو الظاهر. وأما كون النقل خطأً؛ فغير ظاهر؛ لاحتمال وجوده في كتاب آخر لابن أبي حاتم؛ كـ "العلل" أو غيره مما لم يصل إلينا.
ثم قال المصنف عقب الحديث:
"قال أبو داود: ورواه الثوري وجماعة عن هشام عن أبيه عن المقداد عن علي عن النبي ﷺ "!
قلت: ولم أجد هذه الرواية موصولةً! وهي عندي شاذة؛ لمخالفتها لجميع الروايات السابقة واللاحقة التي فيها أن المقداد هو الذي أرسله علي ﵁؛ فسأل النبي ﷺ ؛ فكيف يروي عن الذي أرسله؟ !
ثم إن الحديث أخرجه الإمام أحمد (١٠٣٥) قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام: أخبرني أبي:
أن عليًّا قال للمقداد: سل رسول الله ﷺ عن الرجل يدنو من المرأة فيمذي؛ فإني أستحيي منه؛ لأن ابنته عندي؟ فقال رسول الله ﷺ :
"يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ".
ثم أخرجه أحمد (رقم ١٠٠٩): حدثنا وكيع: حدثنا هشام بن عروه عن أبيه
стр. 372
قال: قال علي ... فذكره.
فقد اتفق زهير ويحيى بن سعيد ووكيع على رواية عن هشام عن أبيه عن علي: أنه أرسل المقداد. وكذلك رواه غير عروة عن علي: في "الصحيحين" وغيرهما.
وذلك كله يدل على شذوذ رواية سفيان ومن معه.
على أن سفيان قد رواه أيضًا على الصواب، كما سيذكره المؤلف معلقًا.
٢٠٤ - عن هشام بن عروة عن أبيه عن حديث حدثه عن علي بن أبي طالب قال: قلت للمقداد ... فذكر بمعناه.
(قلت: إسناد صحيح).
إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: ثنا أبي عن هشام بن عروة.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير مسلمة القعنبي -واسم أبيه قعنب-؛ قال المصنف في رواية الآجري:
"كان له شأن وقدر". وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال:
"مستقيم الحديث".
قلت: وقد تابعه زهير ويحيى بن سعيد ووكيع؛ كما سبق.
ثم قال المصنف عقب الحديث: "قال أبو داود: رواه المُفَضَّل بن فَضَالة والثوري وابن عيينة عن هشام عن أبيه عن علي".
قلت: لم أقف على رواية هؤلاء! والظاهر أنها مثل رواية زهير ومن معه ممن ذكرنا فيما سلف. إلا أن صاحب "عون المعبود" فهم منه أن المصنف يعني بذكره
стр. 373
لهذه الرواية: أنها تدل على أن السائل هو علي!
قلت: وهذا محتمل، ولكنها لا تنفي ما استظهرناه؛ لأن الروايات السابقة يصح أن يقال فيها أيضًا: إنها عن علي ﵁؛ ولكنها عنه أنه أرسل المقداد ... فيحتمل أن تكون هذه مثلها.
ويؤيده قول المصنف عقبها:
"ورواه ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن المقداد عن النبي ﷺ ... لم يذكر: "أنثييه" ... ".
فإنها لا تنفي أيضًا أن يكون علي قد أرسل المقداد؛ بل هذا مما ثبت في هذه الرواية نفسها؛ فقد وصلها أحمد (٤/ ٧٩ و ٦/ ٢) فقال: حدثنا يزيد بن هارون: أنا محمد بن إسحاق ... به؛ بلفظ: قال:
قال لي علي: سل رسول الله ﷺ عن الرجل يلاعب أهله؛ فيخرج منه المذي من غير ماء الحياة؛ فلولا أن ابنته تحتي لسألته! فقلت: يا رسول الله! الرجل يلاعب أهله ... إلخ.
وأما عدم ذكر ابن إسحاق: "أنثييه"؛ فليس ذلك بعلة، بعد أن اتفق جماعة من الثقات الحفاظ على إثباتها في الحديث عن هشام بن عروة، كما أنها وردت من الطريق الأولى عن علي (رقم ٢٠١) في بعض الروايات كما بينا هناك.
وقد وجدت له طريقين آخرين: أخرج أحدهما: أبو عوانة (١/ ٢٧٣) من طريق عَبِيدة السلماني عن علي بن أبي طالب قال:
كنت رجلًا مَذَّاءً ... الحديث وفيه: فقال النبي ﷺ : "يغسل أنثييه وذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة".
стр. 374
وإسناده صحيح.
وأما الطريق الأخرى؛ فستذكر عند الكلام على الحديث (رقم ٢٠٦).
٢٠٥ - عن سهل بن حُنَيْف قال:
كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أُكثر منه الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "إنما يجزئك من ذلك الوضوءُ".
قلت: يا رسول الله! فكيف بما يُصيب ثوبي منه؟ قال:
"يكفيك بأن تأخذ كفًّا من ماء؛ فتنضح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصابه".
(قلت: إسناده حسن. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان (١١٠٠) في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا مسدد قال: ثنا إسماعيل -يعني: ابن إبراهيم- قال: نا محمد بن إسحاق قال: حدثني سعيد بن عُبَيْدِ بن السباق عن أبيه عن سهل بن حُنَيْفٍ.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات؛ غير ابن إسحاق، وهو حسن الحديث؛ وقد صرّح بالتحديث.
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٥): قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ... به.
وأخرجه للبيهقي (٢/ ٤١٠) من طريق المؤلف.
стр. 375
وأخرجه الترمذي وابن ماجة، والطحاوي (١/ ٢٨)، وابن حزم (١/ ١٠٦ - ١٠٧) من طرق عن ابن إسحاق ... به.
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
ورواه ابن خزيمة يعني في "صحيحه"؛ كما في "الفتح" (١/ ٣٠٢).
٢٠٦ - عن عبد الله بن سعد الأنصاري قال:
سألت رسول الله ﷺ عَمَّا يوجب الغُسْلَ، وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال:
"ذلك المذي؛ وكلُّ فَحْلٍ يُمْذِي؛ فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة".
(قلت: إسناده صحيح، وكذا قال النووي.
وقد سقط من بعض الرواة -فيما يظهر- الجواب عما يوجب الغسل، ونصه -كما في "سنن البيهقي"-:
فقال رسول الله ﷺ :
"إن الله لا يستحيي من الحق -وعائشة إلى جنبه-: فأمّا أنا؛ فإذا كان مني وَطْءٌ جئت فتوضأت ثم اغتسلت").
إسناده: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا عبد الله بن وهب قال: ثنا معاوية -يعني: ابن صالح- عن العلاء بن الحارث عن حَرَامِ بن حكيم عن عَمِّه عبد الله بن سعد الأنصاري.
стр. 376
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير حرام بن حكيم؛ قال دحيم والعجلي:
"ثقة". وكذا قال الحافظ في "التقريب".
وضعفه ابن حزم؛ فأخطأ! ويأتي كلامه في الذي بعده.
وكأن الحافظ اغتر به، فقال في "التلخيص" (١/ ١١٧):
"وفي إسناده ضعف"! وانظر كلامه الآتي في الرد على ابن حزم.
والحديث قال النووي في "المجموع" (٢/ ١٤٥):
"رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح".
وكأنه سقط من بعض الرواة الجواب عن السؤال الأول؛ وقد أخرجه البيهقي (٢/ ٤١١) كاملًا وأتم منه من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح: حدثني معاوية ابن صالح ... به بلفظ:
سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، وعن الصلاة في بيتي، وعن الصلاة في المسجد، وعن مؤاكلة الحائض؟ فقال رسول الله ﷺ :
"إن الله لا يستحيي من الحق -وعائشة إلى جنبه-: فأما أنا؛ فإذا كان مني وَطْءٌ؛ جئت فتوضأت ثم اغتسلت. وأما الماء يكون بعد الماء؛ فذلك المذي؛ وكل فحل يمذي؛ فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة. وأما الصلاة في المسجد والصلاة في بيتي؛ فقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد؛ فلأن أصلي في بيتي أحب إليَّ من أصلي في المسجد؛ إلا أن يكون صلاة مكتوبة. وأما مؤاكلة الحائض فواكلها".
وأخرجه الإمام أحمد (٤/ ٣٤٢): ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية -يعني
стр. 377
ابن صالح- ... به نحوه.
وروى الترمذي (١/ ٢٤٠) منه، وكذا ابن ماجة (١/ ٢٢٤) مؤاكلة الحائض فقط؛ وهو رواية لأحمد (٤/ ٢٤٢ و ٥/ ٢٩٣). وقال الترمذي:
"حديث حسن".
ثم أخرج هو في "الشمائل" (٢/ ١١٤ - ١١٥)، وابن ماجة أيضًا (١/ ٤١٦) قطعة أخرى منه؛ وهي الصلاة في البيت. وقال البوصيري في "الزوائد":
"إسناده صحيح، ورجاله ثقات".
وللحديث شاهد من حديث علي ﵁ قال:
كنت أجد مذيًّا، فأمرت المقداد أن يسأل النبي ﷺ عن ذلك؛ واستحييت أن أسأله؛ لأن ابنته عندي، فسأله؟ فقال:
"إن كل فحل يمذي؛ فإذا كان المني ففيه الغسل، وإذا كان المذي ففيه الوضوء".
أخرجه الطحاوي (١/ ٢٨) من طريق محمد ابن الحنفية عنه.
وإسناده صحيح.
ورواه أحمد من طريق أخرى عنه؛ وزاد فيه: "وأنثييه"؛ وقد ذكرناه بتمامه عند الكلام على حديثه في الكتاب (٢٠١).
٢٠٧ - وفي رواية عنه:
أنه سأل رسول الله ﷺ : ما يَحِلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال:
"لك ما فوق الإزار" ... وذكر مؤاكلة الحائض ... وساق الحديث.
стр. 378
(قلت: إسناده صحيح. وروى الترمذي منه: سألت النبي ﷺ عن مؤاكلة الحائض؟ فقال: "وَاكِلْها". وقال: "حديث حسن").
إسناده: حدثنا هارون بن محمد بن بَكَّار: قال: ثنا مروان -يعني: ابن محمد- قال: ثنا الهيثم بن حميد قال: ثنا العلاء بن الحارث عن حَرَام بن حكيم عن عمه.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ وفي الهيثم بن حميد كلام لا يضر؛ وفي "التقريب" أنه:
"صدوق".
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٣١٢) من طريق المؤلف.
وأخرج الترمذي القَدْرَ المذكور في الأعلى، وكذا أخرجه ابن ماجة وأحمد، كما سبق في الكلام على الذي قبله.
والحديث ضعفه ابن حزم بغير حجة، فقال (٢/ ١٨٠ - ١٨١):
"لا يصح؛ لأن حرام بن حكيم ضعيف، وهو الذي روى غسل الأنثيين من المذي، وأيضًا؛ فإن مروان بن محمد ضعيف"! !
قلت: حرام بن حكيم؛ وثقه دحيم والعجلي كما سبق فيما قبل. وقال الحافظ في "التهذيب":
"ونقل بعض الحفاظ عن الدارقطني أنه وثق حرام بن حكيم. وقد ضعفه ابن حزم في "المحلى" بغير مستند. وقال عبد الحق عقب حديثه: لا يصح هذا. وقال في موضع آخر: ضعيف. فكأنه تبع ابن حزم! وأنكر عليه ذلك ابن القطان الفاسي فقال: بل مجهول الحال. وليس كما قالوا: [بل هو] ثقة؛ كما قال العجلي وغيره".
стр. 379
وأما مروان بن محمد -وهو الطَّاطَرِيُّ-؛ فثقة أيضًا، وثقه أبو حاتم وابن معين وغيرهما. وقال الحافظ:
"وضعفه ابن حزم فأخظأ؛ لأنا لا نعلم له سلفًا في تضعيفه؛ إلا ابن قانع، وقول ابن قانع غير مقنع".
٨٤ - باب في الإكسال
٢٠٨ - عن أبي بن كعب:
أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام؛ لقلة الثياب، ثم أمر بالغُسْل ونهى عن ذلك.
قال أبو داود: "يعني: الماء من الماء".
(قلت: حديث صحيح، وكذا قال النووي، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". ورواه ابن خزيمة وابن حبان (١١٧٠) في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو -يعني: ابن الحارث- عن ابن شهاب قال: ثني بعض مَنْ أرضى: أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أبي بن كعب أخبره.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير شيخ ابن شهاب الذي فيه؛ فإنه لم يسمّه؛ ولكنه قد رضيه الزهري، وما نظن أنه يرضيه غير ذي ثقة وحفظ. ومع ذلك؛ فقد ساقه المؤلف -فيما بعد- من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد. ولذلك قال ابن خزيمة -كما في "التلخيص" (٢/ ١٢٢) -:
"هذا الرجل الذي لم يسمّه الزهري: هو أبو حازم -ثم ساقه من طريقه؛ كما
стр. 380
يأتي في الكتاب-؛ وقد وقع في رواية لابن خزيمة من طريق معمر عن الزهري: أخبرني سهل ... فهذا يدفع قول من جزم بأنه لم يسمعه منه؛ لكن قال ابن خزيمة: أهاب أن تكون هذه اللفظة غلطًا من محمد بن جعفر؛ الراوي له عن معمر. قلت: أحاديث أهل البصرة عن معمر يقع فيها الوهم، لكن في "كتاب ابن شاهين" من طريق مُعَلَّى بن منصور عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري: حدثني سهل. وكذا أخرجه بقي بن مخلد في "مسنده" عن أبي كريب عن ابن المبارك. وقال ابن حبان: يحتمل أن يكون الزهري سمعه من رجل عن سهل، ثم لقي سهلًا فحدثه به، أو سمعه من سهل ثم ثبته فيه أبو حازم".
والحديث أخرجه الترمذي (١/ ١٨٣ - ١٨٤)، والدارمي (١/ ١٩٤)، وابن ماجة (١/ ٢١١ - ٢١٢)، والبيهقي (١/ ١٦٥)، وأحمد (٥/ ١١٥ - ١١٦) من طرق عن الزهري عن سهل بن سعد ... به. وهو -عند الترمذي والبيهقي ورواية لأحمد- عن ابن المبارك عن يونس عنه. وعند ابن ماجة وأحمد أيضًا من طريق عثمان بن عمر: أنا يونس ... به.
وكذلك رواه ابن جريج وشعيب عن الزهري: قال سهل.
فيظهر أن من قال فيه: ثني سهل؛ فقد شذ. والله أعلم. ثم قال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
ثم أخرجه أحمد من طريق رِشْدين: حدثني عمرو بن الحارث ... به مثل رواية الكتاب.
وأخرجه البيهقي من طريق المؤلف.
стр. 381
٢٠٩ - وفي رواية عنه:
أن الفتيا التي كانوا يفتون: إن الماء من الماء؛ كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدُ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال الإسماعيلي: "صحيح على شرط البخاري"، وصححه ابن خزيمة وابن حبان (١١٧٦) والبيهقي، وقال الحافظ: "هو إسناد صالح لأن يحتج به"، وصححه الدارقطني أيضًا وأبو حاتم الرازي؛ حيث جعله ناسخًا لحديث أبي سعيد الخدري الآتي (رقم ٢١١)).
إسناده: حدثنا محمد بن مهران البزاز الرازي قال: ثنا مُبَشِّرٌ الحلبي عن محمد أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: ثني أُبي بن كعب.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات أثبات من رجال الشيخين.
والحديث أخرجه بهذا الإسناد: الدارمي (١/ ١٩٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" -كما سبق في الذي قبله-، وابن حبان أيضًا في "صحيحه" -كما في "نصب الراية" (١/ ٨٣) -.
وأخرجه البيهقي (١/ ١٦٦) من طريق المؤلف، ومن طريق موسى بن هارون: ثنا محمد بن مهران الجمال ... به. وقال:
"إسناد صحيح موصول". وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣١٦):
"صححه ابن خزيمة وابن حبان. وقال الإسماعيلي: هو صحيح على شرط البخاري. كذا قال؛ وكأنه لم يطلع على علته، فقد اختلفوا في كون الزهري سمعه من سهل. نعم؛ أخرجه أبو داود وابن خزيمة أيضًا من طريق أبي حازم عن سهل، ولهذا الإسناد أيضًا علة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم. وفي الجملة؛ هو إسناد صالح
стр. 382
لأن يحتج به".
قلت: وممن صححه أيضًا: الدارقطني، فقال بعد أن أخرجه (ص ٤٦) من الطريقين عن محمد بن مهران-:
"صحيح".
والعلة التي أشار إليها الحافظ؛ لعلها قول ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٤١ / رقم ٨٦):
"سمعت أبي قال: ذكرت لأبي عبد الرحمن الحبلي ابن أخي الإمام -وكان يفهم الحديث- فقلت له: تعرف هذا الحديث [قلت: فذكره بإسناد المصنف]؟ فقال لي: قد دخل لصاحبك حديث في حديث؛ ما نعرف لهذا الحديث أصلًا"! !
وهذا توهيم للثقات بدون حجة؛ فلا يقبل. ولذلك لم يجعلها الحافظ علة قادحة، فصرح بأن الحديث صالح يحتج به؛ بل أرى أن أبا حاتم نفسه لم يرفع إليها رأسًا، فقد قال ابنه فيما بعد (رقم ١١٤):
"سمعت أبي وذكر الأحاديث المروية في: "الماء من الماء" فقال: هو منسوخ، نسخه حديث سهل بن سعد عن أبي بن كعب".
فلو لم يكن الحديث عنده صحيحًا؛ لما جعله ناسخًا، وهذا واضح والحمد لله.
٢١٠ - عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
"إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان؛ فقد وجب الغسل".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا ابن حبان (١١٧٥)، وأبو عوانة في "صحاحهم"، وصححه عبد الحق في "الأحكام
стр. 383
الكبرى" (رقم ٤١٥)).
إسناده: حدثنا مسلم بن إبراهيم الفراهيدي قال: ثنا هشام وشعبة عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ١٦٣) من طريق عثمان بن سعيد: ثنا مسلم ابن إبراهيم ... به.
وأخرجه أبو داود الطيالسي (رقم ٢٤٤٩) قال: حدثنا شعبة وهشام عن قتادة ... به بلفظ:
"إذا قعد الرجل بين شعبها الأربع، ثم اجتهد؛ فقد وجب الغسل". قال: وزاد حماد بن سلمة في هذا الحديث:
"أنزل أو لم ينزل".
ومن طريقه: أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" والحازمي في "الاعتبار".
وأخرجه الشيخان وأبو عوانة في "صحاحهم" والدارمي وابن ماجة والطحاوي (١/ ٣٤)، والبيهقي من حديث هشام ... به.
وأخرجه مسلم وكذا البخاري تعليقًا والنسائي والطحاوي والبيهقي من حديث شعبة ... به.
وكذلك أخرجه أبو عوانة، وصرح قتادة بسماعه من الحسن في رواية النسائي، وكذا في رواية أخرى البخاري عن قتادة تعليقًا.
وأخرجه أحمد (٢/ ٣٤٧): ثنا عفان: ثنا همام وأبان قالا: حدثنا قتادة ...
стр. 384
به، وزاد في آخره؟
"أنزل أو لم ينزل".
وهي صحيحة على شرط الشيخين.
وهكذا أخرجه الطحاوي والبيهقي وابن أبي خيثمة أيضًا في "تاريخه" -كما في "الفتح" (١/ ٣١٤) - عن عفان. ورواه عنه الدارقطني في "سننه" (ص ٤٢)؛ لكنه لم يذكر أبان في الإسناد مع همام؛ وذكر الحافظ أنه صححه! وليس هذا في النسخة المطبوعة في الهند من "السنن"!
وتابعه على هذه الزيادة: سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ ولفظه:
"إذا التقى الختان الختان؛ وجب الغسل؛ أنزل أو لم ينزل": أخرجه البيهقي.
وتابع قتادة عليها: مطرٌ -وهو ابن طَهَمان الوَرَّاق- بلفظ: "وإن لم ينزل".
أخرجه مسلم وأبو عوانة والدارقطني والبيهقي.
٢١١ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال:
"الماء من الماء". وكان أبو سلمة يفعل ذلك.
(قلت: إسناده صحيح؛ كما قال الحافظ، وهو على شرط البخاري.
وأخرجه مسلم وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان (١١٦٥) في "صحاحهم" لكن قال أبو حاتم الرازي: "هو منسوخ، نسخه حديث سهل بن سعد عن أُبي ابن كعب"، وهو (رقم ٢٠٨)).
стр. 385
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ وفي أحمد بن صالح -وهو المصري- كلام لا يضر؛ بل قال الذهبي فيه:
"هو الحافط الثبت، أحد الأعلام، آذى النسائي نفسه بكلامه فيه".
والحديث قال الحافط في "الفتح" (١/ ٣١٦):
"إسناده صحيح". وقال في "التلخيص" (٢/ ١١٣):
"رواه أبو داود وابن خزيمة وابن حبان".
قلت: وأخرجه مسلم (١/ ١٨٦)، والطحاوي (١/ ٣٣)، وأحمد (٣/ ٢٩) من طرق عن عمرو بن الحارث ... به.
وله طريقان آخران:
الأول: أخرجه مسلم، وأبو عوانة (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦) عن شَريك بن أبي نَمِرٍ عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال:
خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قُباء، حتى إذا كنا في بني سالم؛ وقف رسول الله ﷺ على باب عِتْبانَ فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ :
"أعجلنا الرجل! ".
فقال عتبان: يا رسول الله! أرأيت الرجل يُعْجَلُ عن امرأته ولم يُمْنِ؛ ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ :
стр. 386
"إنما الماء من الماء".
وروى أحمد (٣/ ٣٦) الجملة الأخيرة منه.
الطريق الثاني؛ قال الطيالسي (رقم ٢١٨٥): حدثنا شعبة عن الحكم عن ذكوان أبي صالح عن أبي سعيد الخدري:
أن رسول الله ﷺ مَرَّ على رجل من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر فقال:
"لعلنا أعجلناك؟ ". قال: نعم يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ :
"إذا أعجلت أو قحطت؛ فلا غُسْلَ عليك، وعليك الوضوء".
وأخرجه البخاري (١/ ٢٢٧)، ومسلم وأبو عوانة وابن ماجة والطحاوي من طرق عن شعبة.
ورواه الأعمش عن ذكوان ... به مختصرًا، ولفظه:
"إذا عَجِلَ أحدكم أو أُقحط؛ فلا يغتسلن".
أخرجه أحمد (٣/ ٩٤)؛ وإسناده صحيح على شرطهما.
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٤٩ / رقم ١١٤):
"سمعت أبي -وذكر الأحاديث المروية في: "الماء من الماء"؛ حديث هشام ابن عروة- يعني: عن أبيه. زياد عن أبي أيوب عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ . وحديث شعبة عن الحكم عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في: "الماء من الماء"؟ فقال: هو منسوخ، نسخه حديث سهل بن سعد عن أبي ابن كعب".
стр. 387
قلت: حديث شعبة عن الحكم؛ ليس فيه قوله: "الماء من الماء"؛ وإنما هو في الطريق الأولى عن أبي سعيد؛ وإنما في هذه معناه كما رأيت!
وحديث سهل بن سعد عن أُبي بن كعب؛ سبق في أول الباب (رقم ٢٠٨).
٨٥ - باب في الجنب يعود
٢١٢ - عن حميد الطويل عن أنس:
أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه ذات يوم في غُسْلٍ واحد.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه").
إسناده: حدثنا مسدد قال: ثنا إسماعيل قال: ثنا حميد الطويل.
وهذا سند صحيح على شرط البخاري.
لكن ذكر غير واحد من الأئمة أن حميدًا كان يدلس عن أنس؛ قالوا: إنما رواها عن ثابت عن أنس، واختلفوا هل سمع من أنس شيئًا أم لا؟ !
والصواب الأول؛ فقد صرح حميد بسماعه من أنس بشيء كثير؛ وفي "صحيح البخاري" من ذلك جملة، كما قال الحافظ في "التهذيب".
وينتج من ذلك: أنه صحيح الحديث عن أنس على كل حال؛ سواءً صرح بسماعه أو عنعن.
أما على الأول فواضح؛ لأنه ثقة اتفاقًا.
وأما على الثاني؛ فلأنه إن لم يكن سمعه من أنس؛ فقد سمعه من ثابت
стр. 388
عنه، وثابت ثقة أيضًا اتفاقًا. ولذلك قال الحافظ أبو سعيد العلائي:
"فعلى تقدير أن تكون أحاديث حميد مدلسة؛ فقد تبين الواسطة فيها؛ وهو ثقة محتج به".
وقد صح من حديث ثابت، كما نذكره قريبًا.
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٨٩): ثنا إسماعيل ... به.
وأخرجه للنسائي (١/ ٥١ - ٥٢)، والبيهقي (١/ ٢٠٤) من طرق أخرى عن إسماعيل ... به.
وقد تابعه هشيم عن حميد.
أخرجه أحمد (٣/ ٩٩)، والطحاوي (١/ ٧٧).
وقد رواه ثابت عن أنس.
أخرجه أحمد (٣/ ١١١) -عن معمر-، وهو (٣/ ١٣٥ و ١٦٠ و ٢٥٢)، والطحاوي -عن حماد- كلاهما عن ثابت ... به.
(تنبيه): قوله: (ذات يوم) ليست في بعض النسخ، ولا في "مختصر المنذري"؛ وهي ثابتة في نسخة "العون".
٢١٣ - قال أبو داود: "وهكذا رواه هشام بن زيد عن أنس".
(قلت: وصله مسلم في "صحيحه" بلفظ:
كان يطوف على نسائه بِغُسْلٍ واحد.
ورواه أبو عوانة في "صحيحه" أيضًا).
стр. 389
إسناده: هو معلق كما ترى؛ وقد وصله مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، والبيهقي، وأحمد (٣/ ٢٢٥) من طريق شعبة عن هشام بن زيد.
وكذا أخرجه الطحاوي.
٢١٤ - قال: "ومعمر عن قتادة عن أنس".
(قلت: وصله أحمد بلفظ:
كان يُطِيفُ على نسائه في غسل واحد.
وسنده صحيح على شرط الشيخين. وهو في "صحيح البخاري" من طريق سعيد -وهو ابن أبي عروبة- عن قتادة ... به، ولفظه:
كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة. وقال الترمذي عن طريق معمر: "حديث حسن صحيح").
إسناده: هو معلق أيضًا؛ وقد وصله الترمذي (١/ ٢٥٩)، وابن ماجة (١/ ٢٠٦)، وكذا النسائي، وأحمد (٣/ ١٦١، ١٨٥) من طرق عن معمر ... به.
وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
وقد تابعه سعيد -وهو ابن أبي عروبة- عن قتادة ... به.
أخرجه البخاري (١/ ٣١١، ٩/ ٢٥٩) باللفظ المذكور أعلاه.
ورواه أحمد (٣/ ١٦٦)؛ دون قوله: وله يومئذ تسع نسوة.
لكنه أخرجه هو (٣/ ٢٩١)، والبخاري (٥/ ٣٠١) من طريق معاذ بن هشام
стр. 390
قال: حدثني أبي عن قتادة: ثنا أنس بن مالك:
أن النبي ﷺ كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار؛ وهن إحدى عشرة. قال: قلت لأنس: وهل كان يطيق ذلك؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين.
ورواية سعيد أرجح؛ لأنه لم يجتمع عنده ﷺ من الزوجات أكثر من تسع؛ كما بينه الحافظ في "الفتح"؛ فراجعه.
٢١٥ - قال: "وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري؛ كلهم عن أنس عن النبي ﷺ ".
(قلت: وصله الطحاوي، وكذا ابن ماجة، ولفظه: قال:
وضعت لرسول الله ﷺ غِسْلًا؛ فاغتسل من جميع نسائه في ليلة. وابن أبي الأخضر سيئ الحفظ).
إسناده: معلق؛ وقد وصله ابن ماجة والطحاوي ولفظه:
أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه بغسل واحد.
ولفظ ابن ماجة هو المذكور في الأعلى، وذكر فيه أن أنسًا وضع له ﷺ غِسلًا.
وهو غريب؛ وصالح بن أبي الأخضر ضعيف من قبل حفظه.
وقد تابعه على اللفظ الأول -الموافق لرواية الجماعة عن أنس-: معمر عن الزهري.
أخرجه الطبراني في "الصغير" (ص ١٤٣).