"إنما الماء من الماء".
وروى أحمد (٣/ ٣٦) الجملة الأخيرة منه.
الطريق الثاني؛ قال الطيالسي (رقم ٢١٨٥): حدثنا شعبة عن الحكم عن ذكوان أبي صالح عن أبي سعيد الخدري:
أن رسول الله ﷺ مَرَّ على رجل من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر فقال:
"لعلنا أعجلناك؟ ". قال: نعم يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ :
"إذا أعجلت أو قحطت؛ فلا غُسْلَ عليك، وعليك الوضوء".
وأخرجه البخاري (١/ ٢٢٧)، ومسلم وأبو عوانة وابن ماجة والطحاوي من طرق عن شعبة.
ورواه الأعمش عن ذكوان ... به مختصرًا، ولفظه:
"إذا عَجِلَ أحدكم أو أُقحط؛ فلا يغتسلن".
أخرجه أحمد (٣/ ٩٤)؛ وإسناده صحيح على شرطهما.
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٤٩ / رقم ١١٤):
"سمعت أبي -وذكر الأحاديث المروية في: "الماء من الماء"؛ حديث هشام ابن عروة- يعني: عن أبيه. زياد عن أبي أيوب عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ . وحديث شعبة عن الحكم عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في: "الماء من الماء"؟ فقال: هو منسوخ، نسخه حديث سهل بن سعد عن أبي ابن كعب".
стр. 387
قلت: حديث شعبة عن الحكم؛ ليس فيه قوله: "الماء من الماء"؛ وإنما هو في الطريق الأولى عن أبي سعيد؛ وإنما في هذه معناه كما رأيت!
وحديث سهل بن سعد عن أُبي بن كعب؛ سبق في أول الباب (رقم ٢٠٨).
٨٥ - باب في الجنب يعود
٢١٢ - عن حميد الطويل عن أنس:
أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه ذات يوم في غُسْلٍ واحد.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه").
إسناده: حدثنا مسدد قال: ثنا إسماعيل قال: ثنا حميد الطويل.
وهذا سند صحيح على شرط البخاري.
لكن ذكر غير واحد من الأئمة أن حميدًا كان يدلس عن أنس؛ قالوا: إنما رواها عن ثابت عن أنس، واختلفوا هل سمع من أنس شيئًا أم لا؟ !
والصواب الأول؛ فقد صرح حميد بسماعه من أنس بشيء كثير؛ وفي "صحيح البخاري" من ذلك جملة، كما قال الحافظ في "التهذيب".
وينتج من ذلك: أنه صحيح الحديث عن أنس على كل حال؛ سواءً صرح بسماعه أو عنعن.
أما على الأول فواضح؛ لأنه ثقة اتفاقًا.
وأما على الثاني؛ فلأنه إن لم يكن سمعه من أنس؛ فقد سمعه من ثابت
стр. 388
عنه، وثابت ثقة أيضًا اتفاقًا. ولذلك قال الحافظ أبو سعيد العلائي:
"فعلى تقدير أن تكون أحاديث حميد مدلسة؛ فقد تبين الواسطة فيها؛ وهو ثقة محتج به".
وقد صح من حديث ثابت، كما نذكره قريبًا.
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٨٩): ثنا إسماعيل ... به.
وأخرجه للنسائي (١/ ٥١ - ٥٢)، والبيهقي (١/ ٢٠٤) من طرق أخرى عن إسماعيل ... به.
وقد تابعه هشيم عن حميد.
أخرجه أحمد (٣/ ٩٩)، والطحاوي (١/ ٧٧).
وقد رواه ثابت عن أنس.
أخرجه أحمد (٣/ ١١١) -عن معمر-، وهو (٣/ ١٣٥ و ١٦٠ و ٢٥٢)، والطحاوي -عن حماد- كلاهما عن ثابت ... به.
(تنبيه): قوله: (ذات يوم) ليست في بعض النسخ، ولا في "مختصر المنذري"؛ وهي ثابتة في نسخة "العون".
٢١٣ - قال أبو داود: "وهكذا رواه هشام بن زيد عن أنس".
(قلت: وصله مسلم في "صحيحه" بلفظ:
كان يطوف على نسائه بِغُسْلٍ واحد.
ورواه أبو عوانة في "صحيحه" أيضًا).
стр. 389
إسناده: هو معلق كما ترى؛ وقد وصله مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، والبيهقي، وأحمد (٣/ ٢٢٥) من طريق شعبة عن هشام بن زيد.
وكذا أخرجه الطحاوي.
٢١٤ - قال: "ومعمر عن قتادة عن أنس".
(قلت: وصله أحمد بلفظ:
كان يُطِيفُ على نسائه في غسل واحد.
وسنده صحيح على شرط الشيخين. وهو في "صحيح البخاري" من طريق سعيد -وهو ابن أبي عروبة- عن قتادة ... به، ولفظه:
كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة. وقال الترمذي عن طريق معمر: "حديث حسن صحيح").
إسناده: هو معلق أيضًا؛ وقد وصله الترمذي (١/ ٢٥٩)، وابن ماجة (١/ ٢٠٦)، وكذا النسائي، وأحمد (٣/ ١٦١، ١٨٥) من طرق عن معمر ... به.
وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
وقد تابعه سعيد -وهو ابن أبي عروبة- عن قتادة ... به.
أخرجه البخاري (١/ ٣١١، ٩/ ٢٥٩) باللفظ المذكور أعلاه.
ورواه أحمد (٣/ ١٦٦)؛ دون قوله: وله يومئذ تسع نسوة.
لكنه أخرجه هو (٣/ ٢٩١)، والبخاري (٥/ ٣٠١) من طريق معاذ بن هشام
стр. 390
قال: حدثني أبي عن قتادة: ثنا أنس بن مالك:
أن النبي ﷺ كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار؛ وهن إحدى عشرة. قال: قلت لأنس: وهل كان يطيق ذلك؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين.
ورواية سعيد أرجح؛ لأنه لم يجتمع عنده ﷺ من الزوجات أكثر من تسع؛ كما بينه الحافظ في "الفتح"؛ فراجعه.
٢١٥ - قال: "وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري؛ كلهم عن أنس عن النبي ﷺ ".
(قلت: وصله الطحاوي، وكذا ابن ماجة، ولفظه: قال:
وضعت لرسول الله ﷺ غِسْلًا؛ فاغتسل من جميع نسائه في ليلة. وابن أبي الأخضر سيئ الحفظ).
إسناده: معلق؛ وقد وصله ابن ماجة والطحاوي ولفظه:
أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه بغسل واحد.
ولفظ ابن ماجة هو المذكور في الأعلى، وذكر فيه أن أنسًا وضع له ﷺ غِسلًا.
وهو غريب؛ وصالح بن أبي الأخضر ضعيف من قبل حفظه.
وقد تابعه على اللفظ الأول -الموافق لرواية الجماعة عن أنس-: معمر عن الزهري.
أخرجه الطبراني في "الصغير" (ص ١٤٣).
стр. 391
وله في "المسند" (٣/ ٢٣٩) طريق خامس أو سادس: أخرجه عن مطر الورّاق عن أنس؛ وهو منقطع.
٨٦ - باب الوضوء لمن أراد أن يعود
٢١٦ - عن أبي رافع:
أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله! ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال:
"هذا أزكى وأطيب وأطهر".
قال أبو داود: "حديث أنس أصح من هذا".
(قلت: وهو كما قال؛ فإن هذا إسناده حسن، ولكن لا تعارض بينهما؛ بل كان يفعل تارة هذا، وتارة ذلك، كما قال النسائي وغيره. والحديث قوّاه الحافظ ابن حجر).
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد عن عبد الرحمن بن أبي رافع عن عمته سلمى عن أبي رافع.
وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى؛ سلمى عمة عبد الرحمن بن أبي رافع؛ روى عنها أيضًا أيوب بن الحسن بن علي بن أبي رافع وزيد بن أسلم والقعقاع بن حكيم، وذكرها ابن حبان في "الثقات"؛ فهي حسنة الحديث إن شاء الله.
وكذلك ابن أخيها عبد الرحمن بن أبي رافع؛ قال في "التهذيب":
"روى عن عبد الله بن جعفر، وعن عمه عن أبي رافع. وعن عمته سلمى عن أبي رافع. وعنه حماد بن سلمة. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. له
стр. 392
عند الترمذي في التختم في اليمين، وآخر حديث في دعاء الكرب، وعند الباقين [يعني: من أصحاب "السنن الأربعة"] حديث في تعدد الغسل للطواف على النساء".
قلت: حديثه في دعاء الكرب؛ راجعته في (كتاب الدعاء) عند الترمذي؛ فلم أجده!
وأما حديثه في التختم في اليمين؛ فأخرجه في (١/ ٣٢٤ - طبع بولاق) باب (ما جاء في لبس الخاتم في اليمين) من (كتاب اللباس) ثم قال عقيبه:
"وقال محمد بن إسماعيل: هذا أصح شيء روي في هذا الباب".
فقول البخاري هذا -مع العلم أن في الباب أحاديث أخرى صحيحة الأسانيد، بعضها في "صحيح مسلم"- يفيد أن ابن رافع هذا ثقة عنده.
وقد قوى الحديثَ الحافظُ ابن حجر في "الفتح" (١/ ٢٩٩)؛ حيث استدل به على استحياب الغسل بعد كل جماع. وقول المصنف:
"حديث أنس أصح منه"! ليس بطعن فيه؛ لأنه لم ينفِ الصحة عنه؛ كما قال في "عون المعبود"؛ خلافًا لما صرح به الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٥٩)! ثم قال في "العون":
"قال النسائي: ليس بينه وبين حديث أنس اختلاف؛ بل كان يفعل هذا، وذلك أخرى. وقال النووي في "شرح مسلم": هو محمول على أنه فعل الأمرين في وقتين مختلفين. والذي قالاه حسن جدًّا، ولا تعارض بينهما؛ فمرة تركه رسول الله ﷺ ؛ بيانًا للجواز وتخفيفًا على الأمة، ومرة فعله؛ لكونه أزكى وأطهر".
ثم إن الحديث أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٠٦)، والطحاوي (١/ ٧٧)، والبيهقي (١/ ٢٠٤)، وأحمد (٦/ ٨ و ٩ - ١٠) من طرق عن حماد ... به.
стр. 393
وعزاه الحافظ للنسائي؛ فالظاهر أنه في "الكبرى" له.
٢١٧ - عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال:
"إذا أتى أحدكم أهله، ثم بدا له أن يعاود؛ فليتوضأ بينهما وضوءًا".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه مسلم وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان (١٢٠٨)، والحاكم في "صحاحهم". وقال الحاكم: "صحيح على شرطهما"، وأقره الذهبي. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا عمرو بن عون: أخبرنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجه مسلم منهما.
وأبو المتوكل: اسمه علي بن داود -ويقال: دواد بضم الدال- الناجي البصري.
والحديث أخرجه مسلم (١/ ١٧١)، والترمذي (١/ ٢٦١)، والبيهقي (١/ ٢٠٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٥١ / ٢)، وأبو نعيم في "الطب" (٢/ ١٢ / ١) من حديث حفص بن غياث ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
ثم أخرجه مسلم، والنسائي (١/ ٥١)، وابن ماجة (١/ ٢٠٥)، والطحاوي (١/ ٧٧)، وابن حبان، والحاكم (١/ ١٥٢)، والبيهقي أيضًا، والطيالسي (رقم ٢٢١٥)، وأحمد (٣/ ٧ و ٢١) من طرق عن عاصم الأحول ... به نحوه، وزاد الحاكم والبيهقي في آخره:
стр. 394
"فإنه أنشط للعَوْدِ". وهي عند ابن خزيمة وابن حبان أيضًا كما في "التلخيص" (٢/ ١٥٨). وزاد أحمد في رواية أخرى:
"وضوءه للصلاة". وإسناده هكذا قال (٣/ ٢٨): ثنا محاضر بن المورِّع: ثنا عاصم بن سليمان ... به.
وهذا على شرط مسلم.
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٨٠).
٨٧ - باب الجنب ينام
٢١٨ - عن عبد الله بن عمر أنه قال:
ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل؟ فقال رسول الله ﷺ :
"توضأ واغسل ذكرك؛ ثُمَّ نَمْ".
(قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٦٧ - ٦٨) ... بهذا الإسناد.
وعنه: أخرجه محمد في "موطئه" (ص ٧١)، وكذا الشيخان والنسائي
стр. 395
(١/ ٥٠)، والطحاوي (١/ ٧٦)، والبيهقي (١/ ١٩٩)، وأحمد (٢/ ٦٤) كلهم عن مالك ... به.
وأخرجه الدارمي (١/ ١٩٣)، والطحاوي، وأحمد (٢/ ٥٦) من طريق سفيان -وهو الثوري- عن عبد الله بن دينار ... به، ولفظه: قال:
سأل عمر رسول الله ﷺ ؛ قال: تصيبني الجنابة من الليل؟ فأمره أن يغسل ذكره، ويتوضأ، ثم يرقد.
وتابعه شعبة عن ابن دينار:
أخرجه الطيالسي (رقم ١٧ و ١٨٧٨)، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٧٨).
وأخرجاه في "الصحيحين"، وابن ماجة في "سننه" (١/ ٢٠٥)، وأحمد (٢/ ١٧ و ٣٦ و ١٠٢) والطحاوي، والبيهقي من حديث نافع عن ابن عمر ... به نحوه؛ دون قوله: "واغسل ذكرك".
٨٨ - باب الجنب يأكل
٢١٩ - عن عائشة قالت:
إن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ توضأ وضوءه للصلاة.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه مسلم وابن حبان (١٢١٤)، وأبو عوانة في "صحيحيهما". وصححه الدارقطني. والبخاري معناه).
إسناده: حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد قالا: ثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة.
стр. 396
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وسفيان: هو ابن عيينة.
والحديث أخرجه أحمد (٦/ ٣٦) قال: ثنا سفيان ... به.
ثم أخرجه هو (٦/ ١١٩ و ٢٠٠ و ٢٧٩)، ومسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما" والنسائي وابن ماجة والطحاوي والبيهقي وكذا الدارقطني من طرق عن الزهري ... به. وقال الدارقطني:
"صحيح"؛ وفيه عنده زيادة كما في الرواية الآتية في الكتاب.
وتابعه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ... به نحوه.
أخرجه البخاري، والطيالسي (رقم ١٤٨٥)، والطحاوي، وأحمد (٦/ ١٢١).
وتابعه محمد بن عمرو عن أبي سلمة، ولفظه، قال:
قلت لعائشة: أي أُمَّه! أكان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب؟ قالت: نعم؛ لم يكن ينام؛ حتى يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة.
أخرجه الطحاوي، وأحمد (٦/ ٢١٦ و ٢٣٧)؛ وإسناده حسن.
وله في "الصحيحين" و "أبي عوانة" والنسائي والدارمي (١/ ١٩٣)، والطحاوي والبيهقي وأحمد (٦/ ٩١ و ١٢٠ و ٢٢٤ و ٢٣٥ و ٢٦٠ و ٢٧٣) طرق كثيرة عن عائشة.
٢٢٠ - وفي رواية ... بإسناده ومعناه؛ زاد:
وإذا أراد أن يأكل وهو جنب؛ غسل يديه.
(قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وقال الدارقطني والبغوي: "صحيح").
стр. 397
إسناده: حدثنا محمد بن الصَّبَّاح البزاز قال: ثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري ... بإسناده ومعناه؛ قلت: يعني: الذي قبله.
وهذا إسناد صحيح أيضًا على شرطهما.
والحديث أخرجه النسائي (١/ ٥٠)، والدارقطني (٤٦)، وأحمد (٦/ ١١٨ - ١١٩ و ٢٧٩)، والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٤) من طرق عن عبد الله بن المبارك ... به إلا أنه قال:
وإذا أراد أن يأكل ويشرب.
وليس عند الدارقطني: ويشرب؛ بل عنده:
غسل كفيه ومضمض فاه، ثم طَعِمَ. وقال هو والبغوي:
"صحيح". ثم قال المصنف:
"قال أبو داود: ورواه ابن وهب عن يونس؛ فجعل قصة الأكل قولَ عائشة مقصورًا. ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري كما قال ابن المبارك؛ إلا أنه قال: عن عروة أو أبي سلمة. ورواه الأوزاعي عن يونس عن الزهري عن للنبي ﷺ كما قال ابن المبارك".
قلت: رواية الأوزاعي هذه، ورواية ابن وهب قبلها؛ لم أقف على من أخرجهما.
وأما رواية صالح بن أبي الأخضر؛ فأخرجها أحمد (٦/ ١٩٢) قال: حدثنا وكيع قال: ثنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة وأبي سلمة عن عائشة:
أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب؛ غسل يديه.
стр. 398
قلت: هكذا في "المسند": (عروة وأبي سلمة) بالواو العاطفة لا بالشك!
وأرى أنها رواية صحيحة؛ فقد أخرجه الدارقطني (٤٦) من طريق أبي ضمرة عن يونس عن ابن شهاب عن عروة وأبي سلمة ... به.
وأبو ضمرة: هو أنس بن عياض، وهو ثقة من رجال "الصحيحين". وقد قال الدارقطني عقيبه: "صحيح".
نعم؛ خالفه طلحة بن يحيى؛ فرواه عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة أو عروة ... هكذا على الشك.
لكن طلحة بن يحيى -وهو ابن النعمان الزُّرَقِي الأنصاري- وإن كان من رجال الشيخين؛ فقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه؛ فرواية أنس بن عياض مقدمة على روايته.
ومما يقوي ذلك: أن لحديث عروة عن عائشة أصلًا في "صحيح البخاري" (١/ ٣١٢) وغيره؛ وإن كان ليس فيه الوضوء للأكل؛ فهذا زيادة من ثقة، وهي مقبولة، كما في الحديث الثاني من الباب.
٨٩ - باب من قال: يتوضأ الجنب
٢٢١ - عن عائشة:
أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل أو ينام؛ توضأ؛ يعني: وهو جنب.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما").
стр. 399
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا يحيى: ثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ والأسود: هو ابن يزيد النخعي.
والحديث أخرجه أحمد (٦/ ١٩١): حدثنا يحيى ... به.
وأخرجه النسائي عن يحيى أيضًا.
ثم أخرجه هو ومسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما" والطحاوي والبيهقي وأحمد (٦/ ١٩٢) من طرق أخرى عن شعبة ... به. وقال أحمد:
"قال يحيى: ترك شعبة حديث الحكم في الجنب إذا أراد أنْ يأكل توضأ".
قلت: وقول يحيى هذا -وهو القطان-؛ ذكره الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٥٢) برواية ابن أبي خيثمة، ثم عقبها بقوله:
"قلت: قد أخرجه مسلم من طريقه؛ فلعله تركه بعد أن كان يحدث به؛ لتفرده بذكر الأكل، كما حكاه الخلال عن أحمد".
قلت: والحكم -وهو ابن عُتَيْبة- ثقة ثبت؛ فتفرده لا يضر.
وحديثه يفيد استحباب الوضوء من الجنب للأكل، ولا يعارض الحديث المتقدم في الباب قبله (رقم ٢٢٠)؛ فإنه يدل على جواز ترك الوضوء والاكتفاء بغسل اليدين والفم، كما في رواية صحيحة.
والحديث رواه عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي عن أبيه عن عائشة، زوج النبي ﷺ قال:
سألتها: كيف كان رسول الله ﷺ يصنع إذا كان هو جنب؛ وأراد أن ينام قبل
стр. 400
أن يغتسل؟ قالت: كان يتوضأ وضوءه للصلاة ثم ينام.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٣)، والدارمي (١/ ١٩٣)، وإسناده حسن. فإنه من رواية ابن إسحاق عن عبد الرحمن، وقد صرح بالتحديث عند أحمد.
وتابعه حجاج عنه: أخرجه أحمد (٦/ ٢٢٤ و ٢٣٥ و ٢٦٠) نحوه. وفي لفظ له:
كان رسول الله ﷺ يُجْنِبُ من الليل، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة حتى يصبح ولا يمس ماءً.
والحجاج هذا؛ الظاهر أنه ابن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعنه.
٢٢٢ - قال أبو داود: "وقال علي بن أبي طالب وابن عمر وعبد الله بن عمرو: الجنب إذا أراد أن يأكل توضأ".
هذه آثار معلقة، ولم أقف على من خرجها؛ إلا أثر ابن عمر؛ فقد أخرجه أحمد (٢/ ٣٦) عقب حديثه المتقدم في الكتاب (رقم ٢١٨)؛ لكن من طريق نافع قال:
فكان ابن عمر إذا أراد أن يفعل شيئًا من ذلك؛ توضأ وضوءه للصلاة؛ ما خلا رجليه.
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه مالك (١/ ٦٨). ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٠٠)، عن نافع:
أن عبد الله بن عمر كان إذا أراد أن ينام أو يَطْعَمَ وهو جنب؛ غسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم طَعِمَ أو نام.
стр. 401
ورواه الطحاوي (١/ ٧٧) من طريق أيوب عن نافع ... به، لكنه جعله من قول ابن عمر لا من فعله؛ وقال في آخره:
وغسل فرجه، ولم يغسل قدميه.
وإسناده صحيح.
وقد خالفته عائشة أيضًا ﵂، فقالت: إذا أصاب أحدُكم المرأةَ، ثم أراد أن ينام قبل أن يغتسل؛ فلا يَنَمْ حتى يتوضأ وضوءه للصلاة.
أخرجه مالك وعنه الطحاوي (١/ ٧٥).
وإسناده صحيح على شرطهما.
٩٠ - باب الجنب يؤخر الغسل
٢٢٣ - عن غُضَيْفِ بن الحارث قال:
قلت لعائشة: أرايتِ رسول الله ﷺ يغتسل من الجنابة في أول الليل أو في آخره؟
قالت: ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره.
قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَةً.
قلت: أرأيتِ رسول الله ﷺ كان يوتر في أول الليل أم في آخره؟
قالت: ربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره.
قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَةً.
стр. 402
قلت: أرأيتِ رسول الله ﷺ كان يجهر بالقرآن أو يخفت به؟
قالت: ربما جهر به، وربما خَفَتَ.
قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَةً!
(قلت: إسناده صحيح. وروى مسلم وأبو عوانة في "صحيحهما" الفصل الأول منه).
إسناده: حدثنا مسدد قال: ثنا مُعتمر. (ح) وثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم قالا: ثنا بُرْدُ بن سنان عن عُبَادة بن نُسَيٍّ عن غُضَيْفِ بن الحارث.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات.
والحديث في "مسند أحمد" (٦/ ٤٧) ... بإسناده هذا.
وروى البيهقي (١/ ١٩٩) الفصل الأول منه من طريق المؤلف، وابن ماجة (١/ ٤٠٨) الفصل الأخير الثالث منه من طريق إسماعيل ابن عُلَيَّة -وهو ابن إبراهيم-.
ورواه أحمد (٦/ ١٣٨) من طريق سفيان عن برد ... به دون الفصل الأخير.
وروى منه الحاكم (١/ ١٥٣) الفصل الأول.
ثم رواه هو، والنسائي (١/ ٧٠)، وكذا البيهقي من طرق أخرى عن برد.
وله في "المسند" (٦/ ٧٣ و ١٤٩) طريق أخرى عن معاوية بن صالح عن عبد الله ابن أبي قيس عنها ... به بتمامه.
وإسناده صحيح على شرط مسلم؛ وقد أخرجه في "صحيحه" (١/ ١٧١)،
стр. 403
لكنه لم يسق من لفظه إلا الفصل الأول منه.
وهذا القدر، أخرجه أبو عوانة أيضًا في "صحيحه" (١/ ٢٧٨)، والنسائي (١/ ٧٠)، والحاكم (١/ ١٥٣).
وأخرجه المصنف فيما يأتي في "الوتر" (١٢٩١) بنحو ما هنا.
وله في "المسند" (٦/ ١٦٧) طريق ثالث، ورجاله ثقات رجال مسلم، لكن فيه انقطاع.
٢٢٤ - عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب؛ من غير أن يمسَّ ماءً.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه أبو العباس بن شُرَيح والحاكم والبيهقي).
إسناده: حدثنا محمد بن كثير قال: أنا سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت.
وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
والحديث أخرجه الطيالسي (رقم ١٣٩٧): حدثنا سفيان ... به.
ومن طريقه: أخرجه البيهقي (١/ ٢٠١)، وكذلك أخرجه الترمذي (١/ ٢٠٢) وابن ماجة (١/ ٢٠٥)، والطحاوي (١/ ٧٤)، وابن حزم (١/ ٨٧) من طرق عن سفيان ... به.
ثم أخرجه الترمذي وابن ماجة والطحاوي وأحمد (٦/ ٤٣، ١٧١) من طرق أخرى عن أبي إسحاق ... به؛ وزادوا -إلا الترمذي-:
стр. 404
حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل.
ثم أخرجه أحمد (٦/ ١٠٢) من طريق حسن -وهو ابن موسى- ومن طريق
أبي كامل -واسمه فضيل بن حسين-، والبيهقي من طريق يحيى بن يحيى
وأحمد بن يونس وعمرو بن خالد؛ كلهم عن زهير عن أبي إسحاق قال:
سألت الأسود بن يزيد -وكان لي جارًا وصديقًا- عما حدثته عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال: قالت:
كان ينام أول الليل ويحيى آخره، ثم إن كانت له إلى أهله حاجة قضى حاجته، ثم نام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب -فلا والله ما قالت: قام- وأخذ الماء -ولا والله ما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما تريد-، وإن لم يكن له حاجة؛ توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى الركعتين.
وفي رواية أحمد: وإن لم يكن جنبًا بدل: وإن لم يكن له حاجة.
وهي أوضح في المعنى.
وقد أخرجه مسلم (٢/ ١٦٧) من طريق أحمد بن يونس ويحيى بن يحيى عن زهير ... به، دون قوله: قبل أن يمس ماءً.
وكذلك رواه الطيالسي (رقم ١٣٨٦)، ومن طريقه أبو عوانة في "صحيحه" (٢/ ٣٠٨) من طريق شعبة عن أبي إسحاق. ثم قال البيهقي:
"أخرجه مسلم في "الصحيح" دون قوله: قبل أن يمس ماءً وذلك لأن الحفاظ طعنوا في هذه اللفظة، وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلس، فرأوها من تدليساته، واحتجوا على ذلك برواية إبراهيم النخعي وعبد الرحمن ابن الأسود عن الأسود بخلاف رواية أبي إسحاق"!
стр. 405
قلت: وفي حديثيهما:
كان إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ توضأ وضوءه للصلاة، وقد مضى في الباب قبله (رقم ٢١٩). ثم قال البيهقي:
"وحديث أبي إسحاق السبيعي صحيح من جهة الرواية، وذلك أن أبا إسحاق بين سماعه من الأسود في رواية زهير بن معاوية عنه؛ والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه، وكان ثقة؛ فلا وجه لردِّه"، ثم ذكر عن الحاكم وأبي العباس ابن شريح أنهما صححا الحديث.
وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى؛ فإن أبا إسحاق السبيعي -واسمه عمرو بن عبد الله- ثقة حجة، وقد رماه بعضهم بالتدليس؛ فتصريح زهير بن معاوية بسماعه من الأسود قد دفع شيهة تدليسه.
وفيه شبهة أخرى؛ وهو أنه كان قد شاخ ونسي؛ ولكنه لم يختلط، كما قال الذهبي. وأما الحافظ فقال في "التقريب": إنه "اختلط بآخره"!
وأيًّا ما كان؛ فإن هذا الحديث قد رواه عنه جماعة؛ منهم سفيان الثوري، وهو أثبت الناس فيه، كما قال الحافط نفسه في "التهذيب".
فما رواه المصنف عقب الحديث فقال: ثنا الحسن بن علي الواسطي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول:
"هذا الحديث وهم؛ يعني: حديث أبي إسحاق"! وقال الترمذي:
"وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث: شعبة والثوري وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق"!
стр. 406
فهذا وغيره من النقول مما لا تطمئن النفس للأخذ بها، والطعن في رواية الثقة بدون حجة؛ إلا أنه روى ما لم يرو غيره من الثقات! وهذا ليس بعلة؛ فقلما يخلو ثقة لا يتفرد بما لا لم يروه غيره.
ومن ذلك ما في "سنن ابن ماجة" عقب الحديث:
قال سفيان: فذكرت الحديث يومًا، فقال لي إسماعيل: يا فتى! تشدُّ هذا الحديث بشيء؟ !
قلت: وقد وجدنا ما يشهد له؛ فقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٥٦):
"ويؤيده ما رواه هشيم عن عبد الملك عن عظاء عن عائشة مثل رواية أبي إسحاق عن الأسود (١)، وما رواه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" عن ابن عمر: أنه سأل النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم، ويتوضأ إن شاء"، وأصله في "الصحيحين" دون قوله: "إن شاء" ... ".
قلت: وكذلك رواه المصنف -كما مضى (رقم ٢١٨) - مثل رواية "الصحيحين"؛ لكن الحديث عندهم من حديث عمر، وهو السائل، لا ابنه عبد الله. والله أعلم.
وبالجملة؛ فهذه طريق أخرى للحديث، وهو صحيح أيضًا على شرط مسلم؛ فهو شاهد قوي لرواية أبي إسحاق، تشهد أنه قد حفظ ولم يهم كما زعموا!
(تنبيه): لا تعارض بين هذا الحديث وبين أحاديث البابين قبله؛ فإن هذا يدل على
стр. 407
أنه عليه الصلاه والسلام كان ينام قبل أن يغتسل؛ بيانًا للجواز وترخيصًا للأمة، وتلك تدل على أن الأفضل الوضوء قبل النوم؛ ولهذا أمثلة كثيرة في الأحاديث النبوية.
(تنبيه ثانٍ): زعم الطحاوي أن أبا إسحاق غلط في هذا الحديث، فاختصره من حديث طويل أخطأ في اختصاره إياه؛ وذلث أن فهدًا حدثنا قال: ثنا أبو غسان قال: ثنا زهير ...
قلت: فذكر الحديث مثل رواية البيهقي المتقدمة؛ إلا أنه قال -بعد قوله: ويحيي آخره-:
ثم إن كانت له حاجة؛ قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماءً ... الحديث.
فقد سقط من روايته قوله: إلى أهله ... فتغير من أجل ذلك المعنى من أصله!
ثم أخذ يؤول الجملة ويفسرها بما يعارض رواية أبي إسحاق المختصرة! !
وذلك خطأ منه مبني على خطأ روايته المخالفة لرواية الجماعة كما سبق؛ وقد تبعه على هذا الخطأ جماعة من المتأخرين! والسبب في ذلك: عدم تتبع طرق الحديث وألفاظه. والله الموفق.
٩١ - باب في الجنب يقرأ القرآن
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
٩٢ - باب في الجنب يصافح
٢٢٥ - عن حذيفة:
أن النبي ﷺ لَقِيَهُ فأهوى إليه، فقال:
إني جنب! فقال: "إن المسلم لا يَنْجُسُ".
стр. 408
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى عن مِسْعَرٍ عن واصل عن أبي وائل عن حذيفة.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٧٥) عن مسدد.
وأخرجه أحمد (٥/ ٣٨٤) عن يحيى بن سعيد ... به.
وأخرجه أبو عوانة أيضًا، والنسائي (١/ ٥١)، وابن ماجة (١/ ١٩١) من طرق عن يحيى.
وقد تابعه وكيع عن مسعر بن كِدَام.
أخرجه مسلم (١/ ١٩٤)، والبيهقي (١/ ١٨٩ - ١٩٠).
وله طريق أخرى عند النسائي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا جرير عن الشيباني عن أبي بردة عن حذيفة قال:
كان رسول الله ﷺ إذا لقي الرجل من أصحابه؛ مَاسَحَه ودعا له؛ قال: فرأيته يومًا بُكرةً؛ فحِدْتُ عنه، ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال:
"إني رأيتك؛ فحِدْتَ عنِّي؟ ! ".
فقال: إني كنت جنبًا؛ فخشيت أن تمسَّني! فقال رسول الله ﷺ :
"إن المسلم لا ينجس".
стр. 409
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وصححه ابن حبان فأخرجه في "صحيحه" (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، وأقره في "الفتح" (١/ ٣١٠).
٢٢٦ - عن أبي هريرة قال:
لقيني رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة وأنا جنب، فاختنست، فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال:
"أين كنت يا أبا هريرة؟ ! ". قال: قلت: إني كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك على غير طهارة! فقال:
"سبحان الله! إن المسلم لا ينجس".
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه هو ومسلم وأبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى وبشر عن حميد عن بكر عن أبي رافع عن أبي هريرة. قال: وفي حديث بشر: قال: ثنا حميد قال: ثني بكر.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه أبو عوانة (١/ ٢٧٥) من طريق مسدد قال: ثنا بشر بن المُفَضَّل قال: ثنا حميد الطويل ... به.
وأخرجه أحمد (٢/ ٤٧١) ... عن يحيى به؛ وفيه أيضًا تصريح حميد بالتحديث.
стр. 410
وكذلك أخرجه الشيخان عن يحيى.
وأخرجه الترمذي (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، وقال:
"حديث حسن صحيح".
وأخرجه النسائي من طريق بشر بن المفضل.
ثم أخرجه الشيخان أيضًا وابن ماجة والطحاوي (١/ ٧)، وأحمد (٢/ ٢٣٥ و ٣٨٢) من طرق أخرى عن حميد ... به.
٩٣ - باب في الجنب يدخل المسجد
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
٩٤ - باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناسٍ
٢٢٧ - عن أبي بكرة:
أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر؛ فأومأ بيده أنْ: مكانَكُمْ، ثم جاء ورأسه يقطر؛ فصلى بهم.
(قلت: حديث صحيح، وصححه ابن حبان والبيهقي. وقال النووي والعراقي: "إسناده صحيح").
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد عن زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح". ولذلك قال النووي في "المجموع" (٤/ ٢٦١)، والعراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ١٥٧):
стр. 411
"إسناده صحيح".
لكن أعله ابن التركماني بالانقطاع؛ فقال: (٢/ ٣٩٧):
"وفي كتاب "المتصل والمرسل والمقطوع" للبرديجي:
الذي صح للحسن سماعًا من الصحابة: أنس، وعبد الله بن مُغَفَّلٍ، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وأحمر بن جَزْءٍ. فدل هذا على أن حديث الحسن عن أبي بكرة مرسل"!
قلت: وهذا خطأ؛ فإن الحسن -وهو البصري- قد سمع من غير هؤلاء المذكورين، وقد سرد أسماءهم الزيلعيُّ في "نصب الراية" (١/ ٩٠) نقلًا عن البزار في "مسنده"؛ وفيهم أبو بكرة هذا، وله في "مسند أحمد" أحاديث برواية الحسن عنه، صرح في بعضها بسماعه منه، فانظر (٥/ ٣٧ و ٤١ - ٤٢ و ٤٤ و ٤٨ - ٥١)، وأحدها في "صحيح البخاري" (٢٧٠٤)؛ وقال عقيبه:
"قال لي علي بن عبد الله -يعني: ابن المديني-: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث".
قلت: وسيأتي هذا في "السنة" (١٣ - باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة)، ويأتي له آخر في "الأدب" (رقم ... ) وانظر "الصلاة" (رقم ٦٨٥).
فقد صح سماع الحسن من أبي بكرة؛ لكن هذا لا ينفي أن يكون روى عنه بالواسطة أيضًا؛ فإن بينهما في بعض الأحاديث: الأحنفَ بن قيس؛ كما في الحديث الآتي في "الفتن" (رقم ... ) [باب في النهي عن القتال في الفتنة].
وقد سبق أن ذكرنا عند الحديث رقم (١٣) أن الحسن البصري موصوف بالتدليس؛ فإذا عنعن في حديث؛ تُوُقِّفَ عن الاحتجاج به، حتى يتبين سماعه فيه، أو الواسطة الثقة.
стр. 412
ولما كان حديثه هنا قد رواه بالعنعنة؛ لم نستطع أن نحكم بصحة إسناده لذلك؛ وإن كان الحديث في نفسه صحيحًا؛ لطرقه وشواهده التي سنذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٣٩٧) مع الرواية الآتية بعده من طريق المؤلف؛ وحكم عليه بالصحة في كتاب "المعرفة"، كما قال ابن التركماني وغيره، وصححه ابن حبان (٢٧٢) بلفظ:
وكبَّر في صلاة الفجر ...
وأخرجه أحمد (٥/ ٤١ و ٤٥) من طريق أبي كامل وعفان قالا: ثنا حماد -زاد عفان- بن سلمة ... به. ثم أخرجه عن شيخه يزيد -وهو ابن هارون-: نا حماد ابن سلمة ... به.
وأخرجه المصنف عنه؛ وهو:
٢٢٨ - وفي رواية عنه ... بإسناده ومعناه؛ وقال في أوله: فكبَّر ... وهو رواية ابن حبان بلفظ: كبَّر في صلاة الفجر ... وقال في آخره: فلما قضى الصلاة قال:
"إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا".
(قلت: حديث صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان).
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة ... بإسناده ومعناه.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح"، كالذي قبله، وقد سبق فيه الكلام بإيضاح. وقد قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٢٤):
стр. 413
"وصححه ابن حبان والبيهقي، واختلف في إرساله ووصله"!
قلت: إنما جاء مرسلًا من طرق أخرى غير هذه الطريق؛ فليس فيه اختلاف؛ بل إن تلك الطرق المرسلة تقويه وتشهد له؛ كما أشار إلى ذلك البيهقي فيما يأتي.
والحديث أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ١٧١ / ١) من طريق أخرى عن يزيد بن هارون ... به.
وقد جاءت له شواهد:
الأول: عن أنس قال:
دخل رسول الله ﷺ في صلاته، فكبَّر وكبَّرنا معه، ثم أشار إلى القوم: كما أنتم؛ فلم نزل قيامًا حتى أتانا رسول الله ﷺ قد اغتسل ورأسه يقطر.
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤١٠٤ - بترقيمي)، والدارقطني (ص ١٣٨)، والبيهقي من طريق عبيد الله بن معاذ: ثنا أبي: ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة عن أنس.
وهذا إسناد صحبح على شرط الشيخين. ثم قال الدارقطني:
"خالفه عبد الوهاب الخفاف ... "، ثم ساقه من طريقه: ثنا سعيد عن قتادة عن بكر بن عبد الله المُزَني.
أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة، فكبَّر وكبَّر من خلفه ... الحديث.
قال عبد الوهاب: وبه نأخذ.
قلت: عبد الوهاب تُكُلِّمَ فيه من قبل حفظه؛ فإن كان حفظ هذا فهو إسناد
стр. 414
آخر لقتادة مرسل؛ وإلا فرواية معاذ والد عبيد الله أصح؛ لأنه ثقة حجة اتفاقًا، حتى قال محمد بن عيسى بن الطباع:
"ما علمت أن أحدًا قدم بغداد إلا وقد تُعُلِّقَ عليه في شيء من الحديث؛ إلا معاذًا العنبري؛ فإنه ما قدروا أن يتعلقوا عليه بشيء مع شغله بالقضاء". وقال يحيى القطان:
"ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ".
قلت: وفي هذا غاية المدح بالضبط والحفط والإتقان؛ فمثله -إذا خولف- فهو المقدم، وروايته هي الراجحة بلا شك.
وحديث أنس هذا؛ أورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٦٩)، وقال:
"رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال (الصحيح) ".
الشاهد الثاني: عن علي بن أبي طالب قال:
بينما نحن مع رسول الله ﷺ نصلي؛ إذ انصرف ونحن قيام، ثم أقبل ورأسه يقطر، فصلى لنا الصلاة ثم قال:
"إني ذكرت أني كنت جنبًا -حين قمت إلى الصلاة- لم أغتسل؛ فمن وجد منكم في بطنه رِزًّا، أو كان على مثل ما كنت عليه؛ فلينصرف حتى يفرغ من حاجته أو غسله، ثم يعود إلى صلاته".
أخرجه الإمام أحمد (١/ ٨٨ / رقم ٦٦٨ و ٦٦٩) من طريق حسن بن موسى ويحيى بن إسحاق عن ابن لهيعة: حدثنا الحارث بن يزيد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن زُرَيْرٍ الغافقي عن علي بن أبي طالب.
стр. 415
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، لكن ابن لهيعة سيئ الحفظ؛ إلا أنه صحيح الحديث فيما وافق فيه غيره (*)؛ وقد زاد في هذه القصة:
"فمن وجد منكم ... إلخ"! ولم تجدها في شيء من طرق الحديث؛ فهي ضعيفة. وأما أصل الحديث فصحيح.
الثالث: عن أبي هريرة:
أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة، فلما كبّر انصرف وأومأ إليهم؛ أي: كما أنتم، ثم خرج فاغتسل، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم، فلما صلى قال:
"إني كنت جنبًا، فنسيت أن أغتسل".
أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٨)، والدارقطني (١٣٨)، والبيهقي (٢/ ٣٩٧ - عن وكيع-، وابن ماجة (١/ ٣٦٨) -عن عبد الله بن موسى التيمي- كلاهما عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة.
وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال مسلم؛ فهو على شرطه، وأسامة بن زيد هذا: هو الليثي مولاهم أبو زيد المدني، وليس هو العدوي مولاهم المدني! هذا ضعيف. ولعل صاحب "الزوائد" ظنَّه هو هذا؛ فقال:
"إسناده ضعيف؛ لضعف أسامة بن زيد"! وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٢٤):
"وفي إسناده نظر"!
стр. 416
قلت: ولعل وجه النظر: أن أسامة بن زيد الليثي -وإن كان ثقة من رجال مسلم-؛ فإن في حفظه بعض الضعف!
وقد جاء الحديث في "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هريرة من طريق أخرى باللفظ الآتي في الكتاب بعد هذا؛ وفيه أن انصرافه كان قبل الدخول في الصلاة بالتكبير؛ فهذا خلاف ما روى أسامة!
قلت: لكن أسامة لم يتفرد بهذا اللفظ عن أبي هريرة؛ بل جاء عنه من طريق أخرى، كما جاء مرسلًا من وجوه تأتي في الكتاب.
فالظاهر: أن لأبي هريرة في الباب حديثين: أحدهما مثل حديث أبي بكرة.
والآخر حديثه الآتي.
٢٢٩ - قال أبو داود: "رواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: فلما قام في مُصَلَّاه وانتظرنا أن يكبر؛ انصرف ثم قال:
"كما أنتم"".
(قلت: وصله البخاري في "صحيحه"، وكذا أبو عوانة، ووصله المؤلف بعد أربعة أحاديث، لكن بلفظ آخر).
إسناده معلق، وقد وصله البخاري (٢/ ٩٦)، وأبو عوانة (٢/ ٢٩)، وأحمد (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩) من طريق صالح عن ابن شهاب ... به؛ إلا أنهم قالوا: "مكانكم". ويأتي بتمامه عند الحديث (رقم ٢٣٤).
٢٣٠ - ورواه أيوب وابن عون وهشام عن محمد عن النبي ﷺ قال:
فكبّر ثم أومأ بيده إلى القوم؛ أن: اجلسوا، فذهب واغتسل.
стр. 417
(قلت: محمد: هو ابن سيرين؛ فهو مرسل، كما صرح به المصنف في بعض نسخ الكتاب، وقد وصله الطبراني في "المعجم الصغير" والبيهقي في "سننه" من طريق ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة؛ غير أن البيهقي قال:
"المرسل هو المحفوط، وكل ذلك شاهد لحديث أبي بكرة".
قلت: لكن رواه أحمد وغيره من طريق أخرى عن أبي هريرة؛ وإسناده حسن على شرط مسلم).
إسناده معلق، وكذلك ذكره البيهقي.
وقد أخرجه هو والطبراني في "معجمه الصغير" (ص ١٦٦) من طريق أبي الربيع عبيد الله بن محمد الحارثي: ثنا الحسن بن عبد الرحمن العريان الحارثي: ثنا ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة:
أن النبي ﷺ كبَّر بهم في صلاة الصبح، فأومأ إليهم، ثم انطلق؛ فرجع ورأسه يقطر فصلى بهم، فقال:
"إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا فنسيت". ثم قالا:
"تفرد به الحسن بن عبد الرحمن الحارثي".
قلت: ولم أجد من ترجمه، وكذلك الراوي عنه عبيد الله بن محمد الحارثي؛ لم أجده. ثم قال البيهقي:
"ورواه إسماعيل ابن عُلَيَّةَ وغيره عن ابن عون عن محمد عن النبي ﷺ مرسلًا.
стр. 418
وكذلك رواه أيوب وهشام عن محمد عن النبي ﷺ مرسلًا. وهو المحفوظ؛ وكل ذلك شاهد لحديث أبي بكرة".
قلت: لكن جاء موصولًا من طريق أخرى عن أبي هريرة بإسناد حسن، وقد ذكرناه تحت الرواية (رقم ٢٢٨)؛ فراجعه.
٢٣١ - وكذلك رواه مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عطاء بن يسار قال:
إن رسول الله ﷺ كبَّر في صلاةٍ.
(قلت: هو في "موطأ مالك"، وهو مرسل أيضًا صحيح الإسناد، وكذا رواه المؤلف).
إسناده: قلت: هو في "الموطأ" (١/ ٦٩)، وعنه رواه محمد (ص ١٢٠).
وهو مرسل صحيح الإسناد.
٢٣٢ - عن الربيع من محمد عن النبي ﷺ :
أنه كبَّر.
(قلت: والربيع هذا تابعي مجهول؛ لكن حديثه هذا مقرون).
إسناده: قال المؤلف عقب الذي سبق:
"وكذلك حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا أبان عن يحيى عن الربيع بن محمد".
وهذا مرسل، رجاله كلهم رجال الشيخين؛ غير الربيع هذا؛ فهو تابعي
стр. 419
مجهول، كما في "التقريب".
٢٣٣ - عن أبي هريرة قال:
أقيمت الصلاة وصَفَّ الناس صفوفهم، فخرج رسول الله ﷺ ، حتى إذا قام في مقامه؛ ذكر أنه لم يغتسل؛ فقال للناس:
"مكانَكم"، ثم رجع إلى بيته، فخرج علينا ينطف رأسه قد اغتسل؛ ونحن صفوف.
٢٣٤ - وفي رواية:
فلم نزل قيامًا ننتظره؛ حتى خرج علينا وقد اغتسل.
(قلت: إسنادهما صحيح. وأخرجه الشيخان وأبو عوانة في "صحاحهم" بنحو الرواية الأولى، وعند مسلم أيضًا الرواية الأخرى).
إسنادهما: حدثنا عمرو بن عثمان قال: ثنا محمد بن حرب قال: ثنا الزُّبَيْدِيُّ. (ح) وحدثنا عياش بن الأزرق قال: أخبرنا ابن وهب عن يونس. (ح) وحدثنا مَخْلَدُ بن خالد قال: ثنا إبراهيم بن خالد -إمام مسجد صنعاء- قال: ثنا رَبَاح عن معمر. (ح) وثنا مُؤَمَّلُ بن الفضل قال: ثنا الوليد عن الأوزاعي؛ كلهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال:
أقيمت الصلاة ... إلخ؛ وهذا لفظ ابن حرب.
وقال عياش في حديثه:
فلم نزل قيامًا ... إلخ الرواية الثانية.
стр. 420
قلت: فهذه أربعة أسانيد للمؤلف ﵀ إلى الزهري:
الأول: من طريق عمرو بن عثمان عن محمد بن حرب عن الزُّبيدي عن الزهري.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم رجال الشيخين؛ غير عمرو بن عثمان، وهو ثقة.
ومحمد بن حرب: هو أبو عبد الله الخولاني؛ وكلاهما حمصي.
وقد أخرجه النسائي (١/ ١٢٨) ... بهذا الإسناد عن هذا الشيخ.
الثاني: من طريق عياش بن الأزرق عن ابن وهب عن يونس عنه.
وهذا إسناد صحيح كالأول.
وأخرجه مسلم (٢/ ١٠١)، والنسائي (١/ ١٣٠)، والبيهقي (٢/ ٣٩٨)، من طرق عن ابن وهب ... به.
وأخرجه البخاري (١/ ٣٠٥)، وأبو عوانة (٢/ ٢٩)، والبيهقي، وأحمد (٢/ ٥١٨) عن عثمان بن عمر عن يونس.
الثالث: عن مَخْلَدِ بن خالد عن إبراهيم بن خالد عن رَبَاح عن معمر عنه.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير إبراهيم بن خالد، وهو ثقة.
وقد أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٣): ثنا إبراهيم بن خالد ... به؛ ولفظه مثل لفظ ابن حرب تقريبًا.
الرابع: عن مُؤَمَّل بن الفضل عن الوليد عن الأوزاعي عنه.
وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ غير مؤمل بن الفضل، وهو ثقة.
стр. 421
وسيأتي من طريق غيره عن الوليد مختصرًا (رقم ٥٥٣).
وأخرجه البخاري (١/ ٣٠٥)، ومسلم، وأبو عوانة من طرق أخرى عن الوليد ... به.
وله إسناد خامس عن الزهري؛ رواه عنه صالح بن كَيْسان بلفظ:
خرج وقد أقيمت الصلاة وعُدِّلت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه، انتظرنا أن يكبر انصرف، قال:
"على مكانكم"؛ فمكثنا على هيئتنا؛ حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماءً، وقد اغتسل.
رواه البخاري وغيره، وعلقه المصنف فيما سبق (رقم ٢٢٩)، وقد خرّجناه هناك.
وهذه الرواية صريحة في أن الانصراف كان قبل التكبير، وكذلك في رواية ابن وهب، وهي تخالف روايه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ومحمد بن سيرين المتقدمتين عن أبي هريره؛ ففيها أن الانصراف كان بعد التكبير، وكذلك في حديث أبي بكرة في أول الباب، وحديث أنس وعلي اللذين أوردناهما هناك. وقد قال البيهقي:
"ورواية أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁؛ أصح من رواية ابن ثوبان عنه؛ إلا أن مع رواية ابن ثوبان عنه: رواية أبي بكرة مسندةً، ورواية عطاء بن يسار وابن سيرين مرسلةً؛ وروي أيضًا عن أنس ... "؛ ثم ساق حديث أنس بإسناده المتقدم.
ولا تعارض بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى في الباب؛ لأنهما واقعتان مختلفتان، كما جزم به ابن حبان، وتبعه النووي في "المجموع" (٤/ ٢٦١)؛ فقال:
стр. 422
"إنهما قضيتان؛ لأنهما حديثان صحيحان، فيجب العمل بهما إذا أمكن، وقد أمكن بحملهما على قضيتين".
وأما حمل قوله في حديث أبي بكرة ومن معه: (كبّر) على: (أراد أن يكبِّر)!
فهو مع أنه خلاف الظاهر؛ فإنه باطل بالنظر إلى مجموع الروايات؛ فقد اتفقت جميعًا -خلافًا لحديث أبي سلمة- على أنه ﵊ لم يتكلم حين انصرف من الصلاة، بل إنما أشار إليهم بيده، ولو أنه كان قبل الدخول فيها؛ لكلمهم ﵊، كما فعل في القصة الأخرى في رواية أبي سلمة، ولما أخر قوله ﷺ : "إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا"؛ لأنه ليس في التأخير فائدة؛ بل هي في الإسراع بالبيان؛ ولكن منعه من ذلك أنه في الصلاة، ولذلك عاد فأتمها دون أن يكلمهم.
وأيضًا؛ فإن في حديث أنس: دخل في صلاته، فكبّر وكبّرنا معه ...
وأصرح منه حديث علي:
بينما نحن مع رسول الله ﷺ نصلي؛ إذ انصرف ...
فهذا كله يدفع ذلك التأويل ويبطله.
٩٥ - باب في الرجل يجد البِلَّةَ في منامه
٢٣٥ - عن عائشة قالت:
سُئِلَ النبي ﷺ عن الرجل يجد البَلَلَ ولا يذكر احتلامًا؟ قال:
"يغتسل".
وعن الرجل يرى أنْ قَدِ احتلم ولا يجد البلل؟ قال:
стр. 423
"لا غُسْلَ عليه".
فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك؛ أعليها غُسل؟ قال:
"نعم؛ إنما النساء شقائق الرجال".
(قلت: حديث حسن. وقول أم سليم: المرأة ترى ... إلخ؛ أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من حديث أنس. وقال ابن القطان: إنه "صحيح").
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا حماد بن خالد الخَيَّاط قال: ثنا عبد الله العمري عن عبيد الله عن القاسم عن عائشة.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ لكنه ضعيف من أجل العمري هذا -وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب؛ وهو أخو عبيد الله هذا الذي روى عنه هذا الحديث-؛ وهو وإن كان ثقة في نفسه -ومن رجال مسلم- فإنَّه ضعيف من قِبَلِ حفظه؛ ولذلك ضعَّفه النسائي وأبو حاتم ويحيى بن سعيد والبخاري وأحمد -في رواية-، حتى قال ابن حبان: "كان ممن غلب عليه الصلاح، حتى غفل عن الضبط، فاستحق الترك"!
وأعدل الأقوال فيه -عندي- قول الخليلي:
"ثقة؛ غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه".
وقال الخطّابي في شرحه لهذا الحديث من "المعالم" (رقم ٢٢٨):
"ليس بالقوي عند أهل الحديث". وقال النووي (٢/ ١٤٢):
"وهو ضعيف عند أهل العلم، لا يحتج بروايته". وقال الحافظ في "التقريب":
стр. 424
"ضعيف عابد".
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ١٦٨) من طريق المؤلف.
وأخرجه أحمد (٦/ ٢٥٦): ثنا حماد بن خالد ... به.
وأخرجه الترمذي (١/ ١٨٩ - ١٩٠)، والبيهقي أيضًا (١/ ١٦٧) -مقتصرًا على السؤال عن الرجل- من طرق أخرى عن حماد ... به.
وأخرجه الدارمي (١/ ١٩٥) من طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر ... به مختصرًا مثل رواية البيهقي الأخرى.
وكذا أبو يعلى في "مسنده" (٣/ ١١٥٣ - مصورة المكتب الإسلامي). وقال الترمذي:
"وإنما روى هذا الحديثَ: عبدُ الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر ... حديث عائشة في الرجل يجد البلَل ولا يذكر احتلامًا. وعبد الله بن عمر؛ ضعَّفه يحيى ابن سعيد من قبل حفظه في الحديث".
وقال الشوكاني -بعد أن ذكر كثيرًا من أقوال الأئمة فيه توثيقًا وتجريحًا-:
"وقد تفرد به المذكور، ولم تجده عند غيره، وهكذا رواه أحمد وابن أبي شيبة من طريقه؛ فالحديث معلول بعلتين: الأولى: العمري المذكور. وللثانية: التفرد وعدم المتابعات. فقصر عن درجة الحسن والصحة".
وتعقبه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على "الترمذي" فقال -بعد أن نقل كلامه المذكور-:
"ولم يفعل الشوكاني شيئًا فيما قال؛ فإن العمري أقل أحواله أن يكون حديثه حسنًا. وأما زعم التعليل بالتفرد؛ فإنه غير صواب؛ لأن العبرة في ذلك بمخالفة
стр. 425
الراوي غيره من الرواة ممَّن يكون مثله أو أوثق منه، وهناك ينظر في الجمع أو الترجيح، وأما الانفراد وحده؛ فليس بعلّة. ومع ذلك؛ فإن العمري لم يتفرد بأصل القصة؛ وهي معروفة في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أم سلمة"! !
قلت: فذكر حديثها؛ وهو الآتي (رقم ٢٣٧)؛ ثم ذكره من حديث أم سليم، ومن حديث أنس! !
ونحن نرى أن الحق ما ذهب إليه الشوكاني؛ لما عرفت من حال العمري في سوء الحفظ. والشوكاني ﵀ لما كان يرى ذلك، ورأى أنه انفرد بالحديث -يعني: بتمامه- جعل ذلك علة أخرى؛ بمعنى أنه لو توبع فيه -ولو من مثله في الحفظ- لكان ربما حكم على الحديث بالحسن أو الصحة، فلما تفرد به؛ جعله علّة أخرى، وهو لا يريد بذلك أن التفرد -مطلقًا- علّة؛ بل أراد ذلك من مثل (العمري) في ضعفما حفظه. ولذلك فلا يرد عليه كلام الشيخ: "وأما الانفراد وحده؛ فليس بعلّة"! !
وقوله هذا حق؛ لكن ليس على إطلاقه، كما عرفت!
وأما عطفه على ذلك أن (العمري) لم يتفرد بأصل القصة! ! فهو من الحجة للشوكاني على الشيخ؛ لأن الروايات المذكورة ليس في شيء منها ما في رواية العمري هذه؛ من السؤال عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا؛ وقد أشار الترمذي في كلامه السابق إلى أنه تفرد بهذا القدر من الحديث.
فهذا التفرد -مع ثبوت سوء حفظه- ممَّا يزيد وَهَنَ الحديث ويضعِّفه، كما هو واضح، والحمد لله!
وأما القدر الآخر من الحديث -والذي فيه: "إنما النساء شقائق الرجال"-؛ فهو حديث صحيح، جاء من غير هذه الطريق؛ من حديث أنس وأم سليم.