وسيأتي من طريق غيره عن الوليد مختصرًا (رقم ٥٥٣).
وأخرجه البخاري (١/ ٣٠٥)، ومسلم، وأبو عوانة من طرق أخرى عن الوليد ... به.
وله إسناد خامس عن الزهري؛ رواه عنه صالح بن كَيْسان بلفظ:
خرج وقد أقيمت الصلاة وعُدِّلت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه، انتظرنا أن يكبر انصرف، قال:
"على مكانكم"؛ فمكثنا على هيئتنا؛ حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماءً، وقد اغتسل.
رواه البخاري وغيره، وعلقه المصنف فيما سبق (رقم ٢٢٩)، وقد خرّجناه هناك.
وهذه الرواية صريحة في أن الانصراف كان قبل التكبير، وكذلك في رواية ابن وهب، وهي تخالف روايه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ومحمد بن سيرين المتقدمتين عن أبي هريره؛ ففيها أن الانصراف كان بعد التكبير، وكذلك في حديث أبي بكرة في أول الباب، وحديث أنس وعلي اللذين أوردناهما هناك. وقد قال البيهقي:
"ورواية أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁؛ أصح من رواية ابن ثوبان عنه؛ إلا أن مع رواية ابن ثوبان عنه: رواية أبي بكرة مسندةً، ورواية عطاء بن يسار وابن سيرين مرسلةً؛ وروي أيضًا عن أنس ... "؛ ثم ساق حديث أنس بإسناده المتقدم.
ولا تعارض بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى في الباب؛ لأنهما واقعتان مختلفتان، كما جزم به ابن حبان، وتبعه النووي في "المجموع" (٤/ ٢٦١)؛ فقال:
стр. 422
"إنهما قضيتان؛ لأنهما حديثان صحيحان، فيجب العمل بهما إذا أمكن، وقد أمكن بحملهما على قضيتين".
وأما حمل قوله في حديث أبي بكرة ومن معه: (كبّر) على: (أراد أن يكبِّر)!
فهو مع أنه خلاف الظاهر؛ فإنه باطل بالنظر إلى مجموع الروايات؛ فقد اتفقت جميعًا -خلافًا لحديث أبي سلمة- على أنه ﵊ لم يتكلم حين انصرف من الصلاة، بل إنما أشار إليهم بيده، ولو أنه كان قبل الدخول فيها؛ لكلمهم ﵊، كما فعل في القصة الأخرى في رواية أبي سلمة، ولما أخر قوله ﷺ : "إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا"؛ لأنه ليس في التأخير فائدة؛ بل هي في الإسراع بالبيان؛ ولكن منعه من ذلك أنه في الصلاة، ولذلك عاد فأتمها دون أن يكلمهم.
وأيضًا؛ فإن في حديث أنس: دخل في صلاته، فكبّر وكبّرنا معه ...
وأصرح منه حديث علي:
بينما نحن مع رسول الله ﷺ نصلي؛ إذ انصرف ...
فهذا كله يدفع ذلك التأويل ويبطله.
٩٥ - باب في الرجل يجد البِلَّةَ في منامه
٢٣٥ - عن عائشة قالت:
سُئِلَ النبي ﷺ عن الرجل يجد البَلَلَ ولا يذكر احتلامًا؟ قال:
"يغتسل".
وعن الرجل يرى أنْ قَدِ احتلم ولا يجد البلل؟ قال:
стр. 423
"لا غُسْلَ عليه".
فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك؛ أعليها غُسل؟ قال:
"نعم؛ إنما النساء شقائق الرجال".
(قلت: حديث حسن. وقول أم سليم: المرأة ترى ... إلخ؛ أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من حديث أنس. وقال ابن القطان: إنه "صحيح").
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا حماد بن خالد الخَيَّاط قال: ثنا عبد الله العمري عن عبيد الله عن القاسم عن عائشة.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ لكنه ضعيف من أجل العمري هذا -وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب؛ وهو أخو عبيد الله هذا الذي روى عنه هذا الحديث-؛ وهو وإن كان ثقة في نفسه -ومن رجال مسلم- فإنَّه ضعيف من قِبَلِ حفظه؛ ولذلك ضعَّفه النسائي وأبو حاتم ويحيى بن سعيد والبخاري وأحمد -في رواية-، حتى قال ابن حبان: "كان ممن غلب عليه الصلاح، حتى غفل عن الضبط، فاستحق الترك"!
وأعدل الأقوال فيه -عندي- قول الخليلي:
"ثقة؛ غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه".
وقال الخطّابي في شرحه لهذا الحديث من "المعالم" (رقم ٢٢٨):
"ليس بالقوي عند أهل الحديث". وقال النووي (٢/ ١٤٢):
"وهو ضعيف عند أهل العلم، لا يحتج بروايته". وقال الحافظ في "التقريب":
стр. 424
"ضعيف عابد".
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ١٦٨) من طريق المؤلف.
وأخرجه أحمد (٦/ ٢٥٦): ثنا حماد بن خالد ... به.
وأخرجه الترمذي (١/ ١٨٩ - ١٩٠)، والبيهقي أيضًا (١/ ١٦٧) -مقتصرًا على السؤال عن الرجل- من طرق أخرى عن حماد ... به.
وأخرجه الدارمي (١/ ١٩٥) من طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر ... به مختصرًا مثل رواية البيهقي الأخرى.
وكذا أبو يعلى في "مسنده" (٣/ ١١٥٣ - مصورة المكتب الإسلامي). وقال الترمذي:
"وإنما روى هذا الحديثَ: عبدُ الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر ... حديث عائشة في الرجل يجد البلَل ولا يذكر احتلامًا. وعبد الله بن عمر؛ ضعَّفه يحيى ابن سعيد من قبل حفظه في الحديث".
وقال الشوكاني -بعد أن ذكر كثيرًا من أقوال الأئمة فيه توثيقًا وتجريحًا-:
"وقد تفرد به المذكور، ولم تجده عند غيره، وهكذا رواه أحمد وابن أبي شيبة من طريقه؛ فالحديث معلول بعلتين: الأولى: العمري المذكور. وللثانية: التفرد وعدم المتابعات. فقصر عن درجة الحسن والصحة".
وتعقبه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على "الترمذي" فقال -بعد أن نقل كلامه المذكور-:
"ولم يفعل الشوكاني شيئًا فيما قال؛ فإن العمري أقل أحواله أن يكون حديثه حسنًا. وأما زعم التعليل بالتفرد؛ فإنه غير صواب؛ لأن العبرة في ذلك بمخالفة
стр. 425
الراوي غيره من الرواة ممَّن يكون مثله أو أوثق منه، وهناك ينظر في الجمع أو الترجيح، وأما الانفراد وحده؛ فليس بعلّة. ومع ذلك؛ فإن العمري لم يتفرد بأصل القصة؛ وهي معروفة في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أم سلمة"! !
قلت: فذكر حديثها؛ وهو الآتي (رقم ٢٣٧)؛ ثم ذكره من حديث أم سليم، ومن حديث أنس! !
ونحن نرى أن الحق ما ذهب إليه الشوكاني؛ لما عرفت من حال العمري في سوء الحفظ. والشوكاني ﵀ لما كان يرى ذلك، ورأى أنه انفرد بالحديث -يعني: بتمامه- جعل ذلك علة أخرى؛ بمعنى أنه لو توبع فيه -ولو من مثله في الحفظ- لكان ربما حكم على الحديث بالحسن أو الصحة، فلما تفرد به؛ جعله علّة أخرى، وهو لا يريد بذلك أن التفرد -مطلقًا- علّة؛ بل أراد ذلك من مثل (العمري) في ضعفما حفظه. ولذلك فلا يرد عليه كلام الشيخ: "وأما الانفراد وحده؛ فليس بعلّة"! !
وقوله هذا حق؛ لكن ليس على إطلاقه، كما عرفت!
وأما عطفه على ذلك أن (العمري) لم يتفرد بأصل القصة! ! فهو من الحجة للشوكاني على الشيخ؛ لأن الروايات المذكورة ليس في شيء منها ما في رواية العمري هذه؛ من السؤال عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا؛ وقد أشار الترمذي في كلامه السابق إلى أنه تفرد بهذا القدر من الحديث.
فهذا التفرد -مع ثبوت سوء حفظه- ممَّا يزيد وَهَنَ الحديث ويضعِّفه، كما هو واضح، والحمد لله!
وأما القدر الآخر من الحديث -والذي فيه: "إنما النساء شقائق الرجال"-؛ فهو حديث صحيح، جاء من غير هذه الطريق؛ من حديث أنس وأم سليم.
стр. 426
ثم رأيت للشطر الأول من الحديث شاهدًا من حديث خولة بنت حكيم: عند ابن ماجة؛ فهو به حسن.
أما حديث أنس؛ فأخرجه الدارمي (١/ ١٩٥) قال: أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال:
دخلَتْ على رسول الله ﷺ أم سليم وعنده أم سلمة، فقالت: المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقالت أم سلمة: تَرِبَتْ يداك يا أم سليم! فضحت النساء! فقال النبي ﷺ منتصرًا لأم سليم:
"بل أنت تربت يداك! إن خيركن التي تسأل عما يعنيها، إذا رأت الماء فلتغتسل". قالت أم سلمة: وللنساء ماءٌ يا رسول الله؟ ! قال:
"نعم؛ فأين يشبههن الولد؟ إنما هن شقائق الرجال"
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٩٠): حدثنا أبو الأزهر قال: ثنا محمد بن كثير ... به.
ورواه البزار أيضًا؛ كما في "المقاصد الحسنة"؛ وقال:
"قال ابن القطان: هو من طريق عائشة ضعيف، ومن طريق أنس صحيح".
قلت: ورجال هذه الطريق ثقات رجال الشيخين؛ غير محمد بن كثير -وهو أبو يوسف الصنعاني المِصِّيصِيّ- وهو صدوق كثير الغلط، كما في "التقريب".
ولعل البزار رواه من غير طريقه حتى جاز لابن القطان أن يصححه (١)! أو لعله إنما صححه لأنه قد توبع فيه عن الأوزاعي، مع شيء من المخالفة في إسناده:
стр. 427
فقد قال الإمام أحمد (٦/ ٣٧٧): ثنا [أبو] المغيرة (ما بين المربعين ساقط من الطبعة القديمة من "المسند") قال: ثنا الأوزاعي قال: ثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري عن جدته أم سليم قالت:
كانت مجاورة أم سلمة زوج النبي ﷺ ؛ فكانت تدخل عليها، فدخل النبي ﷺ ، فقالت أم سليم: يا رسول الله! أرأيت إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام؛ أتغتسل؟ فقالت أم سلمة: تربت يداك يا أم سليم! فضحت النساء عند رسول الله ﷺ ! فقالت أم سليم: إن الله لا يستحيي من الحق، وإنا أنْ نسأل النبي ﷺ عما أشكل علينا خيرٌ من أن نكون منه على عمياء-! فقال النبي ﷺ لأم سلمة:
"بل أنت تربت يداك! نعم يا أم سليم! عليها الغسل إذا وجدت الماء".
فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وهل للمرأة ماء؟ ! فقال النبي ﷺ :
"فأنّى يشبهها ولدها؟ ! هن شقائق الرجال".
ورجال إسناده ثقات رجال الشيخين كلهم؛ وأبو المغيرة: اسمه عبد القدوس ابن الحجاج الخولاني.
وسكت عليه الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٠٩). وأعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" بالانقطاع؛ فقال (١/ ٢٦٨):
"وإسحاق لم يسمع من أم سليم"!
قلت. لكن دلت الرواية الأولى على أن إسحاق إنما رواه عن أنس، وهو عن أمه أم سليم، وقد صرح بسماعه من أنس في رواية عكرمة بن عمار عنه بهذا الحديث؛ دون قوله: "هن شقائق الرجال".
أخرجه مسلم (١/ ١٧١ - ١٧٢)، وأبو عوانة.
стр. 428
وكذلك أخرجه مسلم وابن حبان (١١٦١) من طريق قتادة عنه.
فعاد الحديث -بمجموع هذه الأسانيد- إلى أنه من رواية إسحاق عن أنس؛ فزالت شبهة الانقطاع، وثبت بذلك صحة الحديث.
٩٦ - باب المرأة ترى ما يرى الرجل
٢٣٦ - عن ابن شهاب قال: قال عروة: عن عائشة:
أن أم سليم الأنصارية -وهي أم أنس بن مالك- قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق؛ أرأيت المرأة إذا رأت في النوم ما يرى الرجل؛ أتغتسل أم لا؟ قالت عائشة: فقال النبي ﷺ :
"نعم؛ فلتغتسل إذا وجدت الماء".
قالت عائشة: فأقبلتُ عليها فقلت: أُفٍّ لك! وهل ترى ذلك المرأة؟ ! فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ فقال:
"تربت يمينك يا عائشة! ومن أين يكون الشَّبَهُ؟ ! ".
(قلت: إسناده حسن صحيح. وأخرجه مسلم، وابن حبان (١١٦٣)، وأبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عنبسة: ثنا يونس عن ابن شهاب قال: قال عروة: عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ إلا أنه أخرج لعنبسة -وهو ابن خالد بن يزيد الأموي؛ مولاهم- مقرونًا بغيره؛ وذكره ابن حبان
стр. 429
في "الثقات"، وأثنى عليه غير واحد، وبالغ المصنف؛ فقال في روايته الأخرى عنه:
"عنبسة أحب إلينا من الليث بن سعد".
وفي الطرف الآخر؛ قول يحيى بن بكير:
"إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق! كان يجيئني؛ ولم يكن موضعًا للكتابة أن يكتب عنه"! !
قلت: ولم نجد ما يسقط الاحتجاج بحديثه، ولولا أن البخاري قرنه بغيره لصححنا حديثه. وقد قال الحافظ عنه في "التقريب":
"صدوق".
على أن حديثه هذا صحيح؛ فقد توبع عليه، ذكره أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٩٢) من طريق ابن وهب ثنا يونس ... به.
وتابعه جماعة عن ابن شهاب؛ فقال المصنف عقيبه:
"وكذا روى الزبيدي وعُقَيل ويونس وابن أخي الزهري عن الزهري، وابن أبي الوزير عن مالك عن الزهريِّ، ووافق الزهريَّ مسافعٌ الحَجَبِيُّ قال: عن عروة عن عائشة. وأما هشام بن عروة ... " إلخ المذكور آنفًا.
قلت: أما رواية الزبيدي؛ فأخرجها أبو عوانة والنسائي (١/ ٤١).
وأما رواية عُقَيل؛ فوصلها مسلم وأبو عوانة والدارمي (١/ ١٩٥)، والبيهقي (١/ ١٦٨).
وأما رواية ابن أخي الزهري وابن أبي الوزير؛ فلم أقف عليهما الآن!
وقد رواه مالك في "الموطأ" (١/ ٧٠) عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير: أن أم
стр. 430
سليم ... وهذا منقطع؛ قال ابن عبد البرِّ:
"وكل من روى هذا الحديث عن مالك؛ لم يذكر فيه عنه عائشة -فيما علمت- إلا ابن أبي الوزير وعبد الله بن نافع؛ فإنهما روياه عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أم سليم ... "، ثم أسنده من طريقهما؛ قال:
"وقال الدارقطني: تابع ابنَ أبي الوزير على إسناد هذا الحديث عن مالك: حُبَابُ بن جَبَلَةَ وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون ومَعْنُ بن عيسى". ذكره السيوطي في "تنوير الحوالك".
وأما رواية مُسَافع الحَجَبِيُّ؛ فوصلها مسلم وأبو عوانة والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٧٦)، والبيهقي وأحمد (٦/ ٩٢).
٢٣٧ - قال أبو داود: "وأما هشام بن عروة فقال: عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة: أن أم سليم جاءت إلى رسول الله ﷺ ".
(قلت: وصله الشيخان وابن حبان (١١٦٢)، وأبو عوانة في "صحاحهم".
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وفي هذه الرواية أن القائلة: وهل ترى ذلك المرأة؟ هي أم سلمة. وفي الرواية الأولى: أنها عائشة. وكلاهما صحيح، كما قال الذُّهْلِي، واستحسنه الحافظ).
وصله الشيخان وأبو عوانة في "صحاحهم"، والترمذي (١/ ٢٠٩)، وابن ماجة (١/ ٢٠٨)، والطحاوي في "المشكل" (٣/ ٢٧٦)، والبيهقي، وأحمد (٦/ ٢٩٢ و ٣٠٢ و ٣٠٦) من طرق عن هشام ... به نحو حديث الزهري؛ إلا أن فيه أن القائلة: وهل ترى ذلك المرأة؟ هي أم سلمة لا عائشة.
стр. 431
فهذا اختلاف في المتن.
والمصنف إنما أشار إلى الاختلاف الذي وقع في إسناده؛ ففي هذه الرواية: أن عروة رواه عن زينب بنت أبي سلمة عن والدتها أم سلمة؛ رواه عنه ابنه هشام.
وفي تلك: رواه عن عائشة؛ رواه عنه الزهري ومسافع الحجبي.
وكأن المصنف ﵀ أشار إلى ترجيحه هذه الرواية لاتفاق الثقتين عليها.
قال الحافظ:
"فظاهر صنيع البخاري: ترجيح رواية هشام ... لكن نقل ابن عبد البر عن الذُّهلي أنه صحَّح الروايتين ... وقال النووي في "شرح مسلم": يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعًا أنكرتا على أم سليم". قال الحافظ:
"وهو جمع حسن؛ لأنه لا يمتنع حضور أم سلمة وعائشة عند النبي ﷺ في مجلس واحد". قال في "عون المعبود" -تعليقًا على قول الحافظ: "وهو جمع حسن"-:
"قلت: بل هو متعين؛ لصحة الروايتين في ذلك".
قلت: وليست رواية هشام عن أبيه وحيدة في المعنى؛ فقد أخرج أحمد (٦/ ٣٠٨)، والطحاوي (٣/ ٢٧٦) من طريق عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ... عن أم سلمة ... مثل حديث هشام.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وورد مثله من حديث أنس وأم سليم نفسها؛ وقد ذكرناهما عند حديث عائشة الأول في الباب.
فقد وُجد لكل من الروايتين شواهد؛ مما يدل على أن القصتين صحيحتان،
стр. 432
كما ذهب إليه الذهلي؛ وهو الحق إن شاء الله تعالى.
٩٧ - باب مقدار الماء الذي يُجْزِى به الغُسْل
٢٣٨ - عن عائشة:
أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من إناء واحد -هو الفَرَقُ- من الجنابة.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وابن حبان (١٩٨)).
إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٦٦) ... بهذا السند.
ومن طريقه: أخرجه مسلم (١/ ١٧٥)، وكذا النسائي (١/ ٤٧)، والبيهقي (١/ ١٩٤).
ورواه البخاري (١/ ٢٨٩)، والطيالسي (رقم ١٤٣٨) من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري ... نحوه.
وأخرجه البيهقي (١/ ١٩٣) عن الطيالسي.
٢٣٩ - قال أبو داود: "قال معمر عن الزهري في هذا الحديث: قالت:
كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد فيه قدر الفَرَقِ".
стр. 433
(قلت: وصله أحمد والبيهقي بإسناد صحيح على شرطهما، وأبو عوانة في "صحيحه").
قال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفَرَقُ: ستةَ عشرَ رطلًا، وسمعته يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث (١). قال: فمن قال: ثمانية أرطال؟ قال: ليس ذلك بمحفوظ (٢) ".
قال: "وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى. قيل: الصيحاني ثقيل؟ قال: الصيحاني أطيب؟ قال (٣): لا أدري".
إسناده معلق كما ترى؛ وقد وصله أحمد (٦/ ١٩٩) قال: ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر وابن جريج عن الزهري ... به.
وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
وأخرجه البيهقي.
ثم أخرجه هو ومسلم من طريق الليث بن سعد عن الزهري ... به نحوه مثل
стр. 434
حديث ابن عيينة الآتي؛ مع تقديم وتأخير. ثم قال المصنف:
"وروى ابن عيينة نحو حديث مالك".
قلت: وصله أحمد (٦/ ٣٧): ثنا سفيان عن الزهري ... به، ولفظه:
كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد؛ وكان يغتسل من القَدَحِ، وهو الفَرَقُ.
وأخرجه مسلم، وزاد:
قال سفيان: والفَرَق ثلاثة آصُعٍ.
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" أيضًا (١/ ٢٩٥) من الطرق جميعها؛ إلا طريق مالك.
٩٨ - باب في الغُسْل من الجنابة
٢٤٠ - عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ:
أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ الغُسْل من الجنابة؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا؛ فأفيض على رأسي ثلاثًا"؛ وأشار بيديه كلتيهما.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه هو ومسلم وأبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا عبد الله بن محمد النُّفَيْلِيُ قال: ثنا زهير قال: ثنا أبو إسحاق قال: أخبرني سليمان بن صُرَدَ عن جبير بن مطعم.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ وهو من رواية الصحابي عن مثله.
стр. 435
والحديث أخرجه البخاري والبيهقي (١/ ١٧٦) من طرق أخرى عن زهير ... به؛ وزاد البيهقي:
هكذا وصف زهير؛ قال: فجعل باطن كفيه مما يلي السماء، وظهرهما مما يلي الأرض.
وأخرجه مسلم، وأبو عوانة (١/ ٢٩٧)، والنسائي (١/ ٤٩)، وابن ماجة (١/ ٢٠٣)، وأحمد (٤/ ٨١ و ٨٤ و ٨٥)، والبيهقي أيضًا من طرق أخرى عن أبي إسحاق ... به؛ وزاد أحمد في رواية:
"ثم أفيضه بَعْدُ على سائر جسدي".
وإسنادها صحيح على شرطهما؛ وصححه النووي (٢/ ١٨١).
وله شاهد عن جابر: عند الطيالسي (١/ ٦٠ / ٢٢٤ - منحة العبود).
٢٤١ - عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل؛ دعا بشيء من نحو الحِلابِ؛ فأخذ بِكَفَّيْهِ، فبدأ بِشِقِّ رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذِ بكَفَّيّهِ؛ فقال بهما على رأسه.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه بسند المؤلف. ورواه أبو عوانة).
إسناده: حدثنا محمد بن المثنى فال: ثنا أبو عاصم عن حنظلة عن القاسم عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وحنظلة: هو ابن أبي سفيان
стр. 436
الجُمَحِيُّ المكي.
والحديث أخرجه البخاري (١/ ٢٩٣)، ومسلم (١/ ١٧٥)، والنسائي (١/ ٧٢) عن شيخ المصنف محمد بن المثنى ... به، وكذلك أخرجه البيهقي (١/ ١٨٤).
ثم أخرجه هو وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٩٦) من طريق أخرى عن أبي عاصم الضحاك بن مَخْلَدٍ ... به، وزاد البيهقي:
قَدْرَ هذا؛ وأرانا أبو عاصم قَدْرَ الحِلاب بيده؛ فإذا هو كقدر كوز يسع ثمانية أرطال.
وإسنادها صحيح.
٢٤٢ - عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة؛ يبدأ فيفرغ بيمينه (وفي رواية: غسل يديه) يصُبُّ الإناء على يده اليمنى، فيغسل فرجه (وفي الرواية الأخرى: يفرغ على شماله، وربما كَنَت عن الفَرْجِ)، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يُدْخِلُ يده في الإناء فيُخَلِّلُ شعره، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البَشَرَةَ -أو أنقى البشرة- أفرغ على رأسه ثلاثًا؛ فإذا فَضَلَ فَضْلَةٌ صَبَّهَا عليه.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وأبو عوانة في "صحاحهم" نحوه. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا سليمان بن حرب الواشِحِي. (ح) وثنا مسدد قالا: نا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
стр. 437
قلت: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وحماد: هو ابن زيد.
والحديث أخرجه أحمد (٦/ ١٠١)، والبيهقي (١/ ١٧٥) من طرق أخرى عن حماد بن سلمة عن هشام.
وأخرجه الشيخان وأبو عوانة في "صحاحهم"، والنسائي (١/ ٤٨ و ٤٩ و ٧٢)، والترمذي (١/ ١٧٤) -وقال: "حديث حسن صحيح"-، ومالك أيضًا (١/ ٦٥ - ٦٦)، والدارقطني (ص ٤٢)، وأحمد (٦/ ٥٢) من طرق أخرى عن هشام ... به نحوه.
وقد تابعه قتادة عن عروة بن الزبير ... مختصرًا بلفظ:
كان إذا أراد أن يغتسل من جنابة؛ توضأ وضوءه للصلاة ثم صَبَّ على رأسه ثلاث مرار يخلل بأصابعه أصول الشعر.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٥٢)؛ وإسناده صحيح على شرطهما.
وله عند مسلم (١/ ١٧٦)، وأبي عوانة، والنسائي (١/ ٤٨)، وأحمد (٦/ ٧١ و ٩٦ و ١١٥ و ١٤٣ و ١٦١ و ١٧٣) طريق أخرى عن عائشة.
٢٤٣ - عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة؛ بدأ بكَفَّيهِ فغسلها ثم غسل مرافِغَهُ، وأفاض عليه الماء، فإذا أنقاهما؛ أهوى بهما إلى حائطٍ، ثم يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم).
إسناده: حدثنا عمرو بن علي الباهلي: ثنا محمد بن أبي عدي: ثني سعيد
стр. 438
عن أبي معشر عن النَّخَعِيِّ عن الأسود عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وأبو معشر: هو زياد بن كُلَيْبٍ.
وسعيد: هو ابن أبي عروبة.
والحديث أخرجه أحمد (٦/ ١٧١): ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا سعيد.
وعبد الوهاب عن سعيد ... به.
وقد جاء ضرب اليدين على الحائط من حديث ميمونة أيضًا في رواية عنها؛ كما سنذكره فيما يليه.
٢٤٤ - عن ميمونة قال:
وضعت للنبي ﷺ غُسْلًا يغتسل به من الجنابة؛ فأكفأ الإناء على يده اليمنى، فغسلها مرتين أو ثلاثًا، ثم صَبَّ على فرجه فغسل فرجه بشماله، ثم ضرب بيده الأرض فغسلها، ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم صَبَّ على رأسه وجسده، ثم تنحَّى ناحية فغسل رجليه، فناولته المنديل؛ فلم يأخذه، وجعل ينفض الماء عن جسده. فذكرت (١) ذلك لإبراهيم؟ فقال:
كانوا لا يرون بالمنديل بأسًا؛ ولكن كانوا يكرهون العادة.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه هو ومسلم وأبو عوانة في صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
стр. 439
قال أبو داود: "قال مسدد: قلت لعبد الله بن داود: كانوا يكرهونه للعادة؟ فقال: هكذا هو؛ ولكن وجدته في كتابي هكذا".
إسناده: حدثنا مُسَدَّدُ بن مُسَرْهَدٍ: ثنا عبد الله بن داود عن الأعمش عن سالم عن كُرَيْبٍ قال: نا ابن عباس عن خالته ميمونة.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ وسالم: هو ابن أبي الجعد.
وعبد الله بن داود: هو ابن عامر الهَمْدَاني؛ المعروف بالخُرَيْبِيِّ.
والحديث أخرجه البخاري (١/ ٢٨٨ و ٢٩٦ و ٢٩٨ و ٢٩٩ و ٣٠٤ و ٣٠٥ و ٣٠٨)، ومسلم (١/ ١٧٤ - ١٧٥)، وأبو عوانة (١/ ٢٩٩ - ٣٥٠)، والنسائي (١/ ٤٩ - ٥٠)، والترمذي (١/ ١٧٣ - ١٧٤) -وقال: "حسن صحيح"-، والدارمي (١/ ١٩١)، وابن ماجة (١/ ٢٠٢)، والدارقطني (ص ٤٢)، والبيهقي (١/ ١٧٤ - ١٧٧ و ١٨٤)، وأحمد (٦/ ٣٣٥ - ٣٣٦) من طرق عن الأعمش ... به، دون قوله: فذكرت ذلك لإبراهيم ... إلخ؛ فليس هو إلا عند البيهقي وأحمد في رواية. ولفظ أحمد:
قال سليمان: فذكرت ذلك لإبراهيم؟ فقال: هو كذلك ولم ينكره. وقال إبراهيم: لا بأس بالمنديل؛ إنما هي عادة. ولفظ البيهقي: فقال:
إنما كره ذلك مخافة العادة. وقال الترمذي في روايته:
ثم دلك بيده الحائط أو الأرض.
وهو رواية البخاري وأبي عوانة. وفي رواية لهما:
على الحائط ... بدون شك.
стр. 440
٩٩ - باب الوضوء بعد الغسل
٢٤٥ - عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ يغتسل ويصلي الركعتين وصلاة الغداة؛ ولا أراه يُحْدِثُ وُضوءًا بعد الغسل.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وحسنه المنذري).
إسناده: حدثنا عبد الله بن محمد النُّفَيْلي: ثنا زهير: ثنا أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه الحاكم (١/ ١٥٣)، والبيهقي (١/ ١٧٩)، وأحمد (٦/ ١١٩ و ١٥٤) من طرق عن زهير ... به. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي.
وأخرجه الطيالسي (رقم ١٣٩٠) مختصرًا؛ فقال: ثنا شريك وزهير عن أبي إسحاق ... بلفظ:
كان لا يتوضأ بعد الغسل.
وأخرجه من طريق شريك: النسائي (١/ ٤٩ و ٨٣)، والترمذي (١/ ١٧٩)، وابن ماجة (١/ ٢٠٤)، وأحمد أيضًا (٦/ ٦٨ و ٢٥٨). وقال الترمذي:
стр. 441
"حديث حسن صحيح". وزاد ابن ماجة:
من الجنابة.
وحسنه المنذري في "مختصره".
وتابعهما الحسن بن صالح عن أبي إسحاق: عند النسائي، وأحمد (٦/ ٢٥٣).
***
انتهى بحمد الله وفضله المجلد الأول من "صحيح سنن أبي داود"، ويليه إن شاء الله تعالى المجلد الثاني، وأوله:
١٠٠ - باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل؟
و"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
стр. 442
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لـ دار غراس - الكويت وشريكهما ويحظَر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة خطيّة من الناشر.
الطبعة الأولى
١٤٢٣ هـ
٢٠٠٢ م
الناشر
مؤسسة غراس للنشر والتوزيع
الكويت- شارع الصحافة- مقابل مطابع الرأي العام التجارية
هاتف: ٤٨١٩٠٣٧ - فاكس: ٤٨٣٨٤٩٥ - هاتف وفاكس: ٤٥٧٨٨٦٨
الجهراء: ص. ب: ٢٨٨٨ - الرمز البريدي: ٠١٠٣٠
Website: www.gheras.com
E-mail: Info@gheras.com
стр. 443
١٠٠ - باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل ؟
٢٤٦ - عن أم سلمة قالت:
إن امرأة من المسلمين (وفي رواية: أنها) قالت:
يا رسول الله! إني إمرأة أشدُّ ضَفْرَ رأسي؛ أفأنقضه للجنابة؟ قال:
"إنما يكفيك أن تَحْفِني عليه ثلاثًا (وفي رواية: تحثي عليه ثلاث حثيات) من ماء، ثم تُفِيضي على جسدك؛ فإذا أنت قد طَهُرْتِ".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وأبو عوانة في "صحيحيهما". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا زهير بن حرب وابن السرح قالا: نا سفيان بن عيينة عن أيوب ابن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة.
قلت: والرواية الأخرى في الموضعين لزهير.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
والحديث أخرجه مسلم (١/ ١٧٨)، وأبو عوانة (١/ ٣٠١)، والنسائي (١/ ٤٧)، والترمذي (١/ ١٧٥) -وقال: "حسن صحيح"-، وابن ماجة (١/ ٢٠٩)، والدارقطني (٤٢)، والبيهقي (١/ ١٧٨)، وأحمد (٦/ ٢٨٩) من طرق عن ابن عيينة ... به.
وقد تابعه الثوري عن أيوب بن موسى ... به.
стр. 444
أخرجه أحمد (٦/ ٣١٤ - ٣١٥)، ومسلم -عن يزيد بن هارون-، وهو والبيهقي (١/ ١٨١) -من طريق عبد الرزاق- قالا: أخبرنا الثوري ... به. وفي حديث عبد الرزاق:
أفأنقضه للحيضة والجنابة؟
وأخرجه أبو عوانة من الطريقين عن الثوري؛ ليس فيه: للحيضة.
وتابعه رَوْحُ بن للقاسم قال: ثنا أيوب بن موسى ... به؛ ولم يذكر الحيضة.
فذِكْرُ: الحيضة في الحديث شاذ؛ لأنها لم ترد في رواية ابن عيينة وللثوري ورَوْحٍ عن أيوب؛ إلا في رواية عن عبد الرزاق عن الثوري. وقال ابن للقيم في "تهذيب السنن" (١/ ١٦٧ - ١٦٨):
"أما حديث أم سلمة؛ فالصحيح فيه: الاقتصار على ذكر الجنابة دون الحيض؛ وليست لفظة الحيض بمحفوظة ... "، ثم ساق الروايات المتقدمة؛ ثم قال:
"فقد اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم عن أيوب؛ فاقتصرا على الجنابة.
واختُلف فيه عن الثوري؛ فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابن عيينة وروح. وقال عبد الرزاق عنه: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ ورواية الجماعة أولى بالصواب؛ فلو أن الثوري لم يختلف عليه؛ لترجِّحت رواية ابن عيينة وروح، فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟ ! ومن أعطى النظر حقَّه؛ علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث".
٢٤٧ - وفي رواية عنها: إن امرأة جاءت إلى أم سلمة ... بهذا الحديث، قالت. فسألت لها النبي ﷺ ... بمعناه؛ قال فيه:
"واغْمِزِي قرونَكِ عند كل حَفْنَةٍ".
стр. 445
(قلت: إسناده حسن، وهو على شرط مسلم).
إسناده: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح: ثني ابن نافع -يعني: الصائغ- عن أسامة عن المَقْبُرِي عن أم سلمة.
قلت: وهذا إسناد حسن؛ وهو على شرط مسلم.
لكن قد خالف أسامة في إسناده؛ فأسقط -من بين المقبري وأم سلمة-: عبد الله بن رافع؛ وقد صرَّح في رواية بسماع المقبري من أم سلمة كما يأتي! فإن كان أسامة قد حفظه: فهو؛ وإلا فالرواية التي قبلها أصح.
والحديث أخرجه الدارمي (١/ ٢٦٣)، والبيهقي (١/ ١٨١) من طرق أخرى عن أسامة ... به. وقال البيهقي:
"وقصَّر بإسناده أسامة بن زيد في رواية ابن وهب عنه أن سعيدًا سمعه من أم سلمة، وذلك فيما أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ... ".
قلت: فساق إسناده بذلك، ثم قال:
"ورواية أيوب بن موسى أصح من رواية أسامة بن زيد؛ وقد حفظ في إسناده ما لم يحفظ أسامة بن زيد".
٢٤٨ - عن عائشة قالت:
كانت إحدانا إذا أصابتها جنابة؛ أخذت ثلاث حَفَناتٍ هكذا -تعني: بكفيها جميعًا-؛ فتصبُّ على رأسها، وأخذت بيد واحدة فصبَّتْها على هذا الشق، والأخرى على الشق الآخر.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه البخاري في
стр. 446
"صحيحه").
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: نا يحيى بن أبي بُكَيْرٍ: نا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه البخاري (١/ ٣٠٦): حدثنا خَلَّاد بن يحيى قال: ثنا إبراهيم ابن نافع ... به. وقال:
على شقها الأيمن ... ، على شقها الأيسر.
٢٤٩ - عن عائشة قالت:
كنا نغتسل وعلينا الضِّماد، ونحن مع رسول الله ﷺ مُحِلَّاتٍ ومُحْرِماتٍ.
(قلت: إسناده صحيح. وقال المنذري: "إسناده حسن").
إسناده: حدثنا نصر بن علي: نا عبد الله بن داود عن عمر بن سويد عن عائشة بنت طلحة عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير عمر بن سويد، وهو ثقة، كما في "التقريب"، وثقه ابن معين وابن حبان. فقول المنذري:
"إسناده حسن"!
قصور.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ١٨١ - ١٨٢) من طريق نصر بن علي.
стр. 447
٢٥٠ - عن شُرَيْحِ بن عُبَيْدٍ قال:
أفتاني جُبَيْرُ بن نُفَيْرٍ عن الغسل من الجنابة: أن ثوبان حدثهم: أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال:
"أما الرجل؛ فليَنْشُر رأسه، فليغسله حتى يَبْلُغَ أصول الشعر. وأما المرأة؛ فلا عليها أن لا تنقضه، لِتَغْرِفْ على رأسها ثلاث غَرَفَات بكفَّيها".
(قلت: إسناده صحيح. وقواه ابن القيم والشوكاني).
إسناده: حدثنا محمد بن عوف قال: قرأت في أصل إسماعيل بن عياش. قال ابن عوف: ونا محمد بن إسماعيل عن أبيه: ثني ضمضم بن زرعة عن شريح ابن عبيد.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات؛ غير محمد بن إسماعيل؛ فقال المصنف:
"لم يكن بذاك، قد رأيته ودخلت حمص غير مرة وهو حي؛ وسألت عمرو بن عثمان عنه؟ فذمَّه". وقال أبو حاتم:
"لم يسمع من أبيه شيئًا، حملوه على أن يحدِّث فحدَّث".
قلت: وإنما اعتمدنا في تصحيحه على قول محمد بن عوف: "قرأت في أصل إسماعيل بن عياش". وهذه وجادة صحيحة من ثقة في أصل ثقةٍ؛ وهي حجة على المعتمد؛ انظر "مقدمة ابن الصلاح" (ص ١٦٩). وأعلَّه المنذري بقوله:
"في إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه؛ وفيهما مقال"! وردَّ عليه ابن القيم، فقال:
"وهذا إسناد شامي؛ وأكثر أئمة الحديث يقول: حديث إسماعيل بن عياش
стр. 448
عن الشاميين صحيح؛ ونص عليه أحمد بن حنبل ﵁". وقال الشوكاني (١/ ٢١٧):
"وأكثر ما علَّل به: أن في إسناده إسماعيل بن عياش. والحديث من روايته عن الشاميين، وهو قوي فيهم، فيُقْبَلُ".
قلت: وأعله صاحب "العون" بالانقطاع؛ قال:
"لأن ابن عوف ومحمد بن إسماعيل؛ كلاهما لم يسمع من إسماعيل بن عياش"!
وهذا منه بناءً على القول المرجوح في ترك العمل بالوجادة! وليس عليه العمل؛ وما علومنا وما روايتنا إلا من طريق الوجادة!
ولذلك لم يعلَّ الحديثَ بها: المنذريُّ وابنُ القيم والشوكانيُّ؛ فتنبه.
١٠١ - باب في الجنب يغسل رأسه بخطمي أيجزئه ذلك ؟
١٠٢ - باب فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء
[ليس تحتهما حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
١٠٣ - باب مواكلة الحائض ومجامعتها
٢٥١ - عن أنس بن مالك قال:
إن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة؛ أخرجوها من البيت، ولم يُواكِلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت. فسُئِلَ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فأنزل الله تعالى ذِكْرُهُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا
стр. 449
النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ... ﴾ إلى آخر الآية. فقال رسول الله:
"جامعوهن في البيوت، واصنعوا كلَّ شيء غيرَ النكاح".
فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئًا من أمرنا إلا خالَفَنَا فيه! فجاء أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ وعَبَّادُ بن بِشْرٍ إلى النبي ﷺ ؛ فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نَنْكِحُهُنَّ في المحيض؟ ! فتَمعَّرَ وجه رسول الله ﷺ ؛ حتى ظنَنَّا أنْ قَدْ وجد عليهما! فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لَبَنٍ إلى رسول الله ﷺ ، فبعث في آثارهما، فسقاهما؛ فظننا أنه لم يجد عليهما.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وابن حبان (١٣٥٩)، وأبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا موسى بن إسمأعيل: نا حماد: نا ثابت البناني عن أنس بن مالك.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
والحديث أخرجه الطيالسي (٢٠٥٢) قال: حدثنا حماد بن سلمة ... به.
وأخرجه مسلم، وابن حبان (١٣٥٩) وأبو عوانة في "صحاحهم"، والنسائي والدارمي والبيهقي، وأحمد (٣/ ٢٤٦) عن حماد. وكذا الترمذي (٢/ ١٦٢ - طبع بولاق)؛ وقال:
"حديث حسن صحيح".
وروى ابن ماجة بعضه.
стр. 450
٢٥٢ - عن عائشة قالت:
كنت أتَعَرَّقُ العظم وأنا حائض؛ فأعطيه النبيَّ ﷺ ، فيضع فَمَهُ في الموضع الذي فيه وضعته، وأشرب الشراب؛ فأناوله، فيضع فَمَهُ في الموضع الذي كنت أشرب منه.
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه مسلم، وابن حبان (١٣٥٧)، وأبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا عبد الله بن داود عن مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال "الصحيح".
والحديث أخرجه مسلم، وابن حبان (١٣٥٧)، وأبو عوانة، والنسائي (١/ ٥٤ و ٦٧)، وأحمد (٦/ ٦٢ و ٦٤ و ١٩٢ و ٢١٠) من طرق عن مسعرٍ ... به.
وتابعه سفيان الثوري عندهم.
وشعبة: عند ابن ماجة، والطيالسي (رقم ١٥١٤)، وأحمد (٦/ ١٢٧ و ٢١٤).
وله عند النسائي وابن ماجة (٦٤٣)، والبيهقي (١/ ٣١٢) طرق أخرى عن المقدام.
٢٥٣ - عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ . يضع رأسه في حَجْرِي؛ فيقرأ وأنا حائض.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم").
стр. 451
إسناده: حدثنا محمد بن كثير: نا سفيان عن منصور بن عبد الرحمن عن صفية عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه البخاري (١٣/ ٤٤٦)، وأبو عوانة والنسائي وابن ماجة، وأحمد (٦/ ١٤٨ و ١٩٠ و ٢٠٤) من طرق عن سفيان ... به.
وأخرجه مسلم (١/ ١٦٩)، وأحمد (٦/ ١٥٨ و ٢٥٨) -من طريق داود بن عبد الرحمن المكي-، والبخاري (١/ ٣١٩)، وأحمد أيضًا (٦/ ١١٧) -من طريق زهير- كلاهما عن منصور ... به.
وله في "المسند" متابعة أخرى (٦/ ١٣٥)، وطريق أخرى (٦/ ٦٨ - ٦٩).
١٠٤ - باب الحائض تُنَاوِلُ من المسجد
٢٥٤ - عن عائشة قالت:
قال لي رسول الله ﷺ :
"ناوليني الخُمْرَةَ"؛ من السجد.
قلت: إني حائض! فقال رسول الله ﷺ :
"إن حيضتك ليست في يَدِكِ".
(قلت: إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح". وقد أخرجه مسلم، وابن حبان (١٣٥٣)، وأبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
стр. 452
إسناده: حدثنا مسدد بن مسرهد: نا أبو معاوية عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح".
والحديث أخرجه أحمد (٦/ ٤٥ و ٢٢٩): ثنا أبو معاوية ... به.
وأخرجه مسلم والبيهقي من طرق عن أبي معاوية.
ثم أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحيحه"، والنسائي (١/ ٥٢ - ٥٣ و ٦٨)، والترمذي، والطيالسي (رقم ١٤٣٠)، وأحمد (٦/ ١٠١ و ١٧٣)، من طرق عن الأعمش ... به.
ثم أخرجه مسلم، وأحمد (٦/ ١١٤) من طرق أخرى عن ثابت بن عبيد. ثم قال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
وله طريق أخرى عن عائشة:
أخرجه ابن ماجة (١/ ٢١٨)، وابن حبان (١٣٥٣)، وأحمد (٦/ ١٠٦ و ١١٠ و ١٧٩ و ٢٤٥) من وجوه عن عبد الله البَهِيِّ عنها. وانظر "الإرواء" (١٩٤).
وله شاهد من حديث أبي هريرة: في "صحيحي مسلم وأبو عوانة" و "سنن النسائي" و "أحمد".
وعن أنس: عند البزار في "مسنده" (١/ ١٦٣ / ٣٢٣) من طريق شبيب بن بشر عنه.
وإسناده حسن.
стр. 453
١٠٥ - باب في الحائض لا تقضي الصلاة
٢٥٥ - عن مُعَاذةَ قالت:
إن امرأة سألت عائشة: أتقضي الحائض الصلاة؟ فقالت:
أحَرُورِيَّةٌ أنت؟ ! لقد كنَّا نحيض عند رسول الله ﷺ ؛ فلا نقضي ولا نؤمر بالقضاء.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وابن حبان (١٣٤٦)، وأبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: نا وهيب: نا أيوب عن أبي قلابة عن معاذة.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه مسلم وأبو عوانة والنسائي والترمذي -وقال: "حسن صحيح"- والدارمي والبيهقي، وأحمد (٦/ ٣٢ و ٢٣٢) من طرق أخرى عن أيوب ... به.
وأخرجه الشيخان وأبو عوانة، والنسائي (١/ ٣١٩)، وابن ماجة والبيهقي، والطيالسي (رقم ١٥٧٠)، وأحمد (٦/ ٩٧ و ١٢٠ و ١٤٣ و ١٨٥) من طرق عن معاذة. وفي لفظ:
... فأمرهن أن يَجْزِينَ؟ !
أخرجه مسلم وأحمد من طريق يزيد الرِّشْكِ عن معاذة.
стр. 454
وللحديث طريق أخرى عن عائشة بلفظ:
كنا نحيض عند رسول الله ﷺ ؛ فما يأمر امرأة منا بِرَدِّ الصلاة.
أخرجه الدارمي (١/ ٢٣٣)؛ وسنده لا بأس به في المتابعات والشواهد.
٢٥٦ - وفي رواية عنها عن عائشة ... بهذا الحديث؛ وزاد فيه:
فنُؤْمَرُ بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
(قلت: إسنادها صحيح. وقد أخرجها مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا الحسن بن عمرو: أنا سفيان -يعني: ابن عبد الملك- عن ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن معاذة العدوية.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير الحسن بن عمرو -وهو السَّدُوسِيُّ البصري-؛ روى عنه جمع من الثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحافظ في "التقريب":
"صدوق، لم يصب الأزدي في تضعيفه".
والحديث أخرجه مسلم وأبو عوانة والبيهقي وأحمد من طريق عاصم الأحول عن معاذة قالت:
سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ !
فقالت: أحرورية أنت؟ ! قلت: لستُ بحروريةٍ؛ ولكني أسأل! قالت:
كان يصيبنا ذلك؛ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
وأخرجه النسائي (١/ ٣١٩) من طريق قتادة عن معاذة ... نحوه.
стр. 455
١٠٦ - باب في إتيان الحائض
٢٥٧ - عن ابن عباس عن النبي ﷺ ؛ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال:
"يتصدق بدينار أو نصف دينار".
قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة قال: "دينار أو نصف دينار".
(قلت: وإسناده صحيح على شرط البخاري. وصححه أيضًا الحاكم، ووافقه الذهبي وابن القطان وابن دقيق العيد وابن التركماني وابن حجر العسقلاني. وذكر الحلال عن أحمد قال: ما أحسن حديث عبد الحميد -يعني: هذ االحديث-. قيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم؛ إنما هو كفارة. وقوّاه ابن القيم).
إسناده: حدثنا مسدد: نا يحيى عن شعبة قال: حدثني الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مِقْسم عن ابن عباس ... وربما لم يرفعه شعبة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ والحكم: هو ابن عتيبة.
والحديث أخرجه أحمد (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠): ثنا يحيى عن شعبة. ومحمد بن جعفر: ثنا شعبة ... به.
ثم أخرجه (١/ ٢٨٦) من طريق محمد بن جعفر أيضًا.
وأخرجه ابن ماجة (١/ ٢٢٠): حدثنا محمد بن يشار: ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي عن شعبة ... به.
وأخرجه النسائي (١/ ٥٥ و ٦٦ - ٦٧): أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا
стр. 456
يحيى عن شعبة ... به.
وأخرجه الدارمي (١/ ٢٥٤)، والبيهقي (١/ ٣١٤) من طريق أخرى عن شعبة ... به. وقال الدارمي -في بيان نسب عبد الحميد هذا-:
"عبد الحميد بن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب؛ وكان واليَ عمر ابن عبد العزيز على الكوفة".
قلت: كذا في نسختنا: "عبد الحميد بن زيد ... "! وأرى أن (ابن زيد) زيادة من بعض النساخ أو الطابع! فإنه (عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب)، كما في كتب القوم؛ وكنيته أبو عمر المدني.
ثم أخرجه الحاكم (١/ ١٧١ - ١٧٢) من طريق مسدد ... به، وقال: "حديث صحيح؛ فقد احتجا جميعًا بـ (مقسم بن نجدة). فأما عبد الحميد بن عبد الرحمن؛ فإنه أبو الحسن عبد الحميد بن عبد الرحمن الجزري، ثقة مأمون"!
وقد أخطأ الحاكم في موضعين:
الأول: قوله: إن مقسم بن نجدة احتج به الشيخان! وليس كذلك فإن مسلمًا لم يرو له البتة.
والآخر: قوله أن عبد الحميد بن عبد الرحمن هذا هو أبو الحسن الجزري! بل هو أبو عمر المدني؛ كما سبق عن الدارمي.
وأما أبو الحسن الجزري؛ فهو شامي مجهول. وقد أشار الحافط في "التهذيب" إلى خطأ الحاكم في قوله: إنه عبد الحميد بن عبد الرحمن! وصرح بذلك في "التقريب".
والسبب في وقوع الحاكم في هذا الخطأ: أن أبا الحسن الجزري هذا ممن روى
стр. 457
هذا الحديث عن مقسم، كما يأتي بعد هذا؛ فظن الحاكم أنه عبد الحميد بن عبد الرحمن.
ثم إن البيهقي أخرج الحديث من طرق عن شعبة ... به موقوفًا على ابن عباس؛ وقد أشار إليه المؤلف كما سبق. ولا يخدج هذا في روايته المرفوعة؛ لأن الرفع زيادة منه قد حفظها.
وأيضًا؛ فقد بين السبب في وقفه له، فيما أخرجه الدارمي: أخبرنا سعيد بن عامر عن شعبة ... بإسناده عن ابن عباس: في الذي يغشى امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو نصف دينار.
قال شعبة: أما حفظي فهو مرفوع، وأما فلان وفلان فقالا: غير مرفوع. فقال بعض القوم: حدِّثنا بحفظك ودَعْ ما قال فلان وفلان! فقال: والله ما أحب أني عُمِّرْتُ في الدنيا عُمُرَ نوح؛ وإني حدثت بهذا أو سكتُّ عن هذا.
وسعيد بن عامر: هو الضُّبَعِيُّ، وهو ثقة حجة؛ وقد أبان في روايته عن شعبة سبب إيقافه للحديث أحيانًا، وأن ذلك ليس منه مباشرة؛ بل بسبب الذين أوقفوه!
وذلك مما لا يضره إن شاء الله تعالى.
على أن شعبة لم يتفرد برفعه؛ فقد أخرجه البيهقي من طريق قتادة: حدثني الحكم بن عُتَيْبَة. .. به ولفظه:
أن رجلًا أتى النبي ﷺ فزعم أنه أتى -يعني- امرأته وهي حائض؟ فأمره نبي الله ﷺ أن يتصدق بدينار؛ فإن لم يجد فنصف دينار.
وقد رواه قتادة أيضًا عن مقسم ... به.
أخرجه أحمد (١/ ٢٣٧ و ٣١٢)، والبيهقي، وقال: "لم يسمعه قتادة من
стр. 458
مقسم"!
ثم أخرجه البيهقي من طريق مَطَرٍ الورَّاق عن الحكم بن عتيبة عن مقسم ... به. وقال:
"هكذا رواه جماعة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم. وفي رواية شعبة عن الحكم دلالة على أن الحكم لم يسمعه من مقسم؛ إنما سمعه من عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مقسم"!
قلت: ولا دلالة على ما ذكره البيهقي؛ لأن الحَكَمَ كان معاصرًا لمقسم؛ فجائز أن يكون قد سمعه منه مباشرة. وقد جزم أحمد ويحيى القطان بأنه لم يسمع منه إلا خمسة أحاديث؛ ذكرها الحافظ في "التهذيب"، وفيها هذا الحديث في إتيان الحائض. وهذا أولى بالقبول لأمرين:
الأول: أنه مثبت، والبيهقي نَافٍ؛ والمثبت مقدم على النافي.
والآخر: أنهما أجلُّ من البيهقي وأعلم بالحديث ورجاله.
وقد تابع عبدَ الحميد بن عبد الرحمن على أصل الحديث غيرُ واحد عن مقسم؛ لكن خالفوه في لفظه؛ وفي حفظهم ضعف، ولذلك أوردنا حديثهم في الكتاب الآخر (رقم ٤١)؛ ولكنها على كل حال تشهد على أن أصل الحديث مرفوع ليس بموقوف.
ورواه يعقوب بن عطاء عن مقسم ... به مثل رواية عبد الحميد.
أخرجه الدارقطني (ص ٤١٠)، والبيهقي (١/ ٣١٨) من طريق أبي بكر بن عياش عن يعقوب. وقال البيهقي:
"ويعقوب بن عطاء لا يحتج بحديثه". وتعقبه ابن التركماني بقوله:
стр. 459
"قلت: أخرج له ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"، وذكر ابن عدي أنه ممن يكتب حديثه؛ فأقل أحواله أن يتابع بروايته ما تقدم".
وبعد؛ فإن الكلام على طرق هذا الحديث وأسانيده وألفاظه طويل جدًّا، وفي القدر الذي ذكرنا كفاية في إثبات صحة إسناده.
وأما من حيثُ متنه؛ فالصواب فيه رواية عبد الحميد هذه؛ وهي التي رجَّحها المصنف على غيرها وصححها كما رأيت، والألفاظ الأخرى المخالفة لها؛ في أسانيدها مقال؛ فلا تصلح للمعارضة، ولا يجوز التمسك بها في دعوى الاضطراب في متنه، كما سنبيِّن ذلك إن شاء الله تعالى في الكتاب الآخر.
وقد قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٤٢٦):
"والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جدًّا". قال:
"وقد أمعن ابن القطان القول في تصحيح هذا الحديث والجواب عن طرق الطعن فيه بما يراجع منه. وأقر ابنُ دقيق العيد تصحيحَ ابن القطان، وقوّاه في "الإمام"، وهو الصواب؛ فكم من حديث قد احتجوا به؛ فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا، كحديث بئر بضاعة [رقم ٥٩ و ٦٠]، وحديث القلتين [رقم ٥٦ - ٥٨] ونحوهما. وفي ذلك ما يرد على النووي في دعواه في "شرح المهذب" و "التنقيح" و"الخلاصة": أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه، وأن الحق أنه ضعيف باتفاقهم. وتبع النوويُّ في بعض ذلك ابنَ الصلاح".
قلت: وقوّاه ابن التركماني؛ ومنه نقلنا ما ذكرنا في الأعلى عن أحمد. وكذا قوّاه ابن القيم في "التهذيب".
وتجد تفصيل الكلام على هذا الحديث وطرقه وألفاظه في تعليق الشيخ أحمد
стр. 460
محمد شاكر على "الترمذي" (١/ ٢٤٦ - ٢٥٤). وفيه تحقيق دقيق، لا تجده في كتاب؛ إلا أنه وهم في بعض الشيء، لكنه لا يخدج في تحقيقه لصحة الحديث، فانظر كلامنا على الحديث الآتي.
٢٥٨ - عن ابن عباس قال:
إذا أصابها في الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار.
(قلت: هو بهذا التفصيل موقوف صحيح).
إسناده: حدثنا عبد السلام بن مُطَهِّر: نا جعفر -يعني ابن سليمان- عن علي ابن الحكم البُنَاني عن أبي الحسن الجَزَرِيِّ عن مقسم عن ابن عباس.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح"؛ غير أبي الحسن الجزري؛ وهو مجهول، وزعم الحاكم أنه عبد الحميد بن عبد الرحمن راوي الحديث السابق! وهو وهم منه، كما سبق بيانه هناك.
لكنه لم يتفرد به كما يأتي؛ فكان الحديث صحيحًا موقوفًا.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٣١٨) من طريق المؤلف.
وأخرجه الحاكم (١/ ١٧٢) من طريق أخرى عن عبد السلام ... به. وقال:
"قد أُرسل هذا الحديث وأُوقف أيضًا. ونحن على أصلنا الذي أصَّلناه: أن القول قول الذي يسنده ويصل؛ إذا كان ثقة".
قلت: وهو كما قال الحاكم ﵀. ويشير بذلك إلى حديث عبد الحميد السابق؛ فإنه أورد عقيبه هذا الحديث الموقوف.
وله طريق أخرى عن مقسم؛ وهو: