"تأخذ سِدْرَها وماءَها فَتَوَضَّأُ، ثم تغسل رأسها وتدلكُهُ، حتى يبلغَ الماءُ أصولَ شعرها، ثم تُفيضُ على جسدِها، ثم تأخذ فِرْصَتها فتطَّهَّرُ بها".
قالت: يا رسول الله! كيف أتطهَّرُ بها؟
قالت عائشة: فعرفتُ الذي يَكْنِي عنه رسولُ الله ﷺ ، فقلت لها: تَتَبَّعيِنَ آثار الدم.
(قلت: إسناده حسن صحيح، وهو على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وأخرجه البخاري نحوه).
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: نا سلَّام بن سُلَيْمٍ عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ -غير إبراهيم بن مهاجر؛ فمن رجال مسلم وحده، وقد تُكُلِّمَ فيه من قِبَل حفظه، وقال الحافظ:
"صدوق، لَيِّنُ الحفط".
قلت: ولم يتفرد بالحديث كما يأتي.
والحديث أخرجه مسلم (١/ ١٨٠) من طريق أبي الأحوص ... به؛ وأبو الأحوص كنية سلام بن سليم.
ثم أخرجه، والمصنف فيما بعد، وأبو عوانة (١/ ٣١٦ - ٣١٨)، والدارمي (١/ ١٩٧)، وابن ماجة (١/ ٢٢١)، والبيهقي (١/ ١٨٠)، والطيالسي (رقم ١٥٦٣)، وأحمد (٦/ ١٤٧ و ١٨٨) من طرق أخرى عن إبراهيم ... به.
стр. 562
وقد تابعه منصور بن صفية عن أمه:
أخرجه البخاري (١/ ٣٢٩ و ٣٣١ و ١٣/ ٢٨١ - ٢٨٢)، ومسلم أيضًا، وأبو عوانة، والنسائي (١/ ٤٩ و ٧٢ - ٧٣)، والبيهقي (١/ ١٨٣)، وأحمد (٦/ ١٢٢) من طرق عنه ... نحوه.
٣٣٣ - وفي رواية عنها:
أنها ذكرت نساء الأنصار، فأثنتْ عليهنَّ، وقالت لهنّ معروفًا. قالت:
دخلت امرأة منهن على رسول الله ﷺ ... فذكر معناه؛ إلا أنه قال: "فِرْصةً مُمسَّكَةً".
(قلت: إسناده حسن. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه").
إسناده: حدثنا مُسَدَّد بن مُسَرْهَد: نا أبو عوانة عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة.
قال مسدد: كان أبو عوانة يقول: "فِرصةً"، وكان أبو الأحوص يقول: "قَرْصَة".
قلت: وهذا إسناد حسن كالذي قبله، ورجاله رجال "الصحيح".
والحديث أخرجه أبو عوانة (١/ ٣١٨) من طريق أبي المثنى قال: ثنا مسدد ... به؛ دون الثناء عليهن.
ثم أخرجه هو، وأحمد (٦/ ١٨٨) من طرق أخرى عن أبي عوانة ... به؛ وفيه عند أحمد ذكر نزول سورة (النور) ومبادرة نساء الأنصار رضي الله تعالى عنهم جميعًا إلى اتخاذ الخُمُرِ من حُجَزِ مناطقهن، وسيأتي هذا في كتاب "اللباس" [٣٣ - باب] (رقم ... ).
стр. 563
٣٣٤ - وفي رواية أخرى عنها:
أن أسماء سألت النبي ﷺ ... بمعناه؛ قال:
"فِرصة مُمسَّكة"، فقالت: كيف أتطهَّرُ بها؟ قال:
"سبحان الله! تطهَّري بها، واستتري بثوب"، وزاد: وسألته عن الغسل من الجنابة؟ قال:
"تأخذين ماءك، فَتَطَّهَّرين أحسنَ الطُّهور وأبلَغَهُ، ثم تصُبِّين على رأسك الماء، ثم تَدْلُكِينَه حتى يبلغ شؤونَ راسك، ثم تُفِيضِين عليك الماء".
وقالت عائشة: نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياءُ أن يسألْنَ عن الدِّين وأن يتفقهن فيه!
(قلت: إسناده حسن، وهو على شرط مسلم. وقد أخرجه بتمامه؛ هو وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وأخرجه البخاري في "صحيحه دون قول عائشة: نِعْمَ النساء نساء الأنصار ... إلخ؛ فإن هذا القدر منه أخرجه معلقًا مجزومًا به).
إسناده: حدثنا عبيد الله بن معاذ: نا أبي. نا شعبة عن إبراهيم -يعني: ابنَ مهاجر- عن صفية بنت شيبة عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد حسن كسابقه، وهو على شرط مسلم.
والحديث، أخرجه مسلم في "صحيحه" (١/ ١٧٩ - ١٨٠)، وأبو عوانة (١/ ٣١٦ - ٣١٧)، وابن ماجة (١/ ٢٢١ - ٢٢٢)، وأحمد (٦/ ١٤٧ - ١٤٨) من طرق عن شعبة ... به.
وأخرجه البيهقي (١/ ١٨٠) عن المصنف وغيره عن عبيد الله بن معاذ.
стр. 564
١٢٢ - باب التيمم
٣٣٥ - عن عائشة قالت:
بعثَ رسولُ الله ﷺ ! أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ وأُناسًا معه في طَلَبِ قِلادةٍ أضَلَّتها عائشةُ، وحضرتِ الصلاةُ، فصلَّوْا بغير وضوءٍ، فأتَوُا النبيّ ﷺ ، فذكروا ذلك له، فأُنزِلت آية التيمم (زاد في رواية: فقال لها أُسيد: يرحمُكِ اللهُ! ما نزل بكِ أَمْرٌ تكرهينه؛ إلا جعلَهُ الله للمسلمين ولكِ فَرَجًا).
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق المصنف، وأخرجه البخاري ومسلم وابن حبان (١٢٩٧)).
إسناده: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي: نا أبو معاوية. (ح) وحدثنا عثمان ابن أبي شيبة: نا عَبْدَةُ -المعنى واحد- عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
زاد ابن نفيل: فقال لها أُسَيْد ... إلخ.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وعبدة: هو ابن سليمان الكِلابِيُّ.
والحديث أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٣٠٣) عن المصنف ... بالإسنادين.
وأخرجه النسائي (١/ ٦١) من طريق إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا أبو معاوية ... به.
والبخاري (٨/ ٢٠٣ و ١٠/ ٢٨٢) من طريقين آخرين عن عبدة ... به.
стр. 565
وهو (١/ ٣٤٩)، وأحمد (٦/ ٥٧) -عن عبد الله بن نُمَيْر-، وهو أيضًا (٧/ ٨٥ و ٩/ ١٨٦ - ١٨٧)، ومسلم (١/ ١٩٢)، والدارمي (١/ ١٩٠)، وابن ماجة (١/ ٢٠٠)، والبيهقي (١/ ٢١٤) -من طرق عن أبي أسامة- كلاهما عن هشام ... به.
وللحديث طريقان آخران:
أخرج الأول منهما مالك: في "موطّئه" (١/ ٧٤) عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت:
خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره؛ حتى إذا كنا بالبَيْدَاء أو بذات الجيش؛ انقطع عِقْدٌ لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه ... الحديث نحوه أتم منه، وفي آخره: قالت:
فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته.
وهكذا أخرجه الشيخان، وأبو عوانة في "صحاحهم"، والنسائي (١/ ٥٩)، ومحمد في "موطّئه" (ص ٧٦)، والبيهقي (١/ ٢٠٤ و ٢٢٣)، وأحمد (٦/ ١٧٩)؛ كلهم عن مالك ... به.
وأخرجه البخاري (١٢/ ١٤٦)، والبيهقي من طريق عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم ... حدثه به مختصرًا نحوه.
والطريق الآخر: أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٢) عن ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت:
أقبلنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره؛ حتى إذا كنا بِتُرْبَانَ -بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال؛ وهو بلد لا ماء به-، وذلك من السحر؛ انسَلَّتْ قلادة لي من عنقي، فوقعتْ، فحُبِسَ رسولُ الله ﷺ لالتماسها حتى طلع الفجر ... الحديث نحوه.
стр. 566
وإسناده حسن.
وقد فات هذا الحافظ؛ فعزاه في "الفتح" (١/ ٣٤٥) للطبراني من طريق عَبُّاد ابن عبد الله بن الزبير عن عائشة ... نحوه! ثم قال:
"وفي إسناده محمد بن حميد الرازي، وفيه مقال"!
قلت: وليس هو في سند أحمد!
٣٣٦ - عن عمار بن ياسر: أنه كان يحدِّث:
أنهم تمسَّحُوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، وضربوا بأكُفِّهِمُ الصعيدَ، ثم مسحوا وجوهَهم مَسْحَةً واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكُفِّهِمُ الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيدِيهم كلِّها إلى المناكبِ والآباطِ من بُطون أيديهم.
(قلت: حديث صحيح).
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح: نا عبد الله بن وهب: حدثني يونس عن ابن شهاب قال: إن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ لكن قال المنذري:
"وهو منقطع: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر".
قلت: لكن وصله المصنف وغيره بذكر ابن عباس بينهما، وهو الآتي بعد الرواية الأخرى، وجاء موصولًا على وجه آخر، سنذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.
والحديث أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٠١) -عن ابن وهب-، وأحمد (٤/ ٣٢١): ثنا عثمان بن عمر قال: ثنا يونس ... به.
стр. 567
وأخرجه الطحاوي (١/ ٦٦)، والطيالسي (رقم ٦٣٧)، وأحمد (٤/ ٣٢٠) -عن ابن أبي ذئب-، وابن ماجة (١/ ١٩٩) -عن الليث بن سعد-، وأحمد -عن معمر- كلهم عن ابن شهاب ... به منقطعًا.
وقد وصله النسائي (١/ ٦٠)، والطحاوي، والبيهقي (١/ ٢٠٨) -عن مالك- وابن ماجة (١/ ٢٠٠)، والطحاوي -عن عمرو بن دينار- كلاهما عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه أخبره عن أبيه عن عمار بن ياسر ... مختصرًا.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقول البيهقي:
"وأما سفيان بن عيينة؛ فإنه شك في ذكر أبيه في إسناده"!
فلا يضره بعد متابعة مالك له على ذكره.
٣٣٧ - وفي رواية عنه ... نحو هذا الحديث؛ قال:
قام المسلمون فضربوا بأكُفِّهم الترابَ، ولم يقبضوا من التراب شيئًا ... فذكر نحوه؛ ولم يذكر: المناكب والآباط (وفي رواية: إلى ما فوق المرفقين).
(قلت: حديث صحيح).
إسناده: حدثنا سليمان بن داود المَهْرِيُّ وعبد الملك بن شعيب عن ابن وهب ... نحو هذا الحديث. قال ابن الليث: إلى ما فوق المرفقين.
قلت: يعني: بإسناده السابق.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ لولا ما فيه من الانقطاع الذي
стр. 568
ذكرناه فيما قبل؛ إلا أننا قد ذكرنا أيضًا أنه صَحَّ موصولًا من وجهين، ذكرنا أحدهما. وأما الآخر فهو:
٣٣٨ - عن عمار بن ياسر:
أن رسول الله ﷺ عرَّس بأُولاتِ الجيشِ، ومَعَهُ عائشةُ، فانقطع عِقدٌ لها من جَزْعِ ظِفَارٍ، فحُبِس الناس ابتغاءَ عِقْدِها ذلك، حتى أضاء الفجر وليسر مع الناس ماءٌ، فتغَيَّظ عليها أبو بكر؛ وقال: حَبَسْتِ الناس وليس معهم ماء؟ ! فأنزل الله تعالى ذكره على رسوله رُخْصَةَ التطهُّرِ بالصعيد. الطيِّب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ ، وضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديَهُمْ ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجُوهَهُم وأيديَهُمْ إلى المناكب، ومن بُطُون أيديهم إلى الأباط. (زاد في رواية: قال ابن شهاب في حديثه: ولا يعتبرُ بهذا الناسُ).
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين).
حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف ومحمد بن يحيى النيسابوري -في آخرين- قالوا: نا يعقوب: نا أبي عن صالح عن ابن شهاب: حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر. زاد ابن يحيى في حديثه: قال ابن شهاب ... إلخ.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ فإن رجاله كلهم من رجال "صحيحيهما"؛ غير محمد بن يحيى النيسابوري؛ فهو من رجال البخاري وحده؛ لكن قرن به محمد بن أبي خلف، وهو من رجال مسلم.
والحديث أخرجه النسائي (١/ ٦٠): أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله ... به.
стр. 569
وأخرجه أحمد (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤): ثنا يعقوب ... به؛ إلا أنه قال -عقب قوله: إلى الآباط-:
ولا يغتر بهذا الناس، وبلغنا أن أبا بكر قال لعائشة رضي الله تعالى عنهما: والله؛ ما علمت إنَّكِ لَمُباركة!
وأخرجه البيهقي (١/ ٢٠٨) من طريق أحمد.
٣٣٩ - قال أبو داود: "وكذلك رواه ابن إسحاق قال فيه: عن ابن عباس ... وذكر ضربتين كما ذكر يونس".
(قلت: وصله الطحاوي بإسناد صحيح إلى ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن عبد الله بن عباس عن عمار؛ لكن ابن إسحاق مدلس).
قال الطحاوي (١/ ٦٦): حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا الوَهْبِيُّ قال، ثنا ابن إسحاق.
وابن إسحاق مدلس.
٣٤٠ - ورواه معمر عن الزهري: ضربتين.
(قلت: وصله أحمد عنه؛ وليس فيه: عن ابن عباس).
قال أحمد (٤/ ٣٢٠): حدثنا عبد الرزاق: ثنا معمر ... به.
٣٤١ - وقال مالك: "عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار".
(قلت: وصله النسائي وغيره عن مالك ... به مختصرًا؛ بلفظ: تَيمَّمْنا مع رسول الله ﷺ بالتراب، فمسحنا بوجُوهِنا وأيدِينا إلى المناكب. وإسناده
стр. 570
صحيح على شرط الشيخين).
وصله النسائي (١/ ٦٠)، والطحاوي (١/ ٦٦)، وابن حبان (١٣٠٧)، والبيهقي (١/ ٢٠٨) عن مالك ... به.
وقد تابعه عن الزهري: عمرو بن دينار؛ كما مضى، ويأتي.
وتابعه أبو أويس؛ كما علقه المصنف بعد هذا؛ ولكني لم أجده موصولًا!
٣٤٢ - وكذلك قال أبو أويس عن الزهري.
(قلت: لم أجد من وصله).
٣٤٣ - وشك فيه ابن عيينة، قال مرة: عن عبيد الله عن أبيه، أو عن عبيد الله عن ابن عباس. ومرة قال: عن أبيه. ومرة قال: عن ابن عباس. اضطرب ابن عيينة فيه، وفي سماعه عن الزهري.
(قلت: الصحيح من ذلك الروايتان الأخيرتان: عن أبيه. وعن ابن عباس. وقد وصله ابن ماجة وغيره عن سفيان بن عيينة قال: ثنا عمرو بن دينار عن ابن شهاب عن عبيد الله عن أبيه. وتابعه على هذه الرواية مالك، كما سبق (رقم ٣٤١). وأبو أويس كما في التي بعدها. وأما الرواية الأخرى: عن ابن عباس؛ فلم أجد من وصلها عن ابن عيينة! لكن تابعه عليها ابن إسحاق كما مضى (رقم ٣٣٩). وصالح بن كيسان -وهي الرواية المتقدمة (رقم ٣٣٨) -. فهذا الاضطراب لا يضر في الحديث؛ بل يزيده قوة لموافقة ابن عيينة في الروايتين الراجحتين رواية من ذكرنا من الثقات، لكن اختلفوا فيه على الزهري في متن الحديث؛ كما بينه المصنف بقوله: )
стр. 571
"ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث الضربتين إلا من سَمّيْتُ"!
(قلت: وهم يونس في الرواية الأولى (رقم ٣٣٦) والتي بعدها، وابن إسحاق (رقم ٣٣٩)، ومعمر (رقم ٣٤٠)؛ والحكم لهؤلاء؛ لأنهم ثقات حفظوا في الحديث ما لم يحفظ غيرهم. لكن العمل ليس عليه؛ لأن الصحابة لم يفعلوا ذلك بتعليم من النبي ﷺ ؛ وإنما العمل على حديثه الآخر الآتي بعده.
قلت: واضطراب ابن عيينة في إسناد هذا الحديث ليس من الاضطراب الذي يعل الحديث به؛ لأنه رواه على ثلاثة وجوه، وافق -في الوجهين الأخيرين منها- غيره من الثقات كما بيناه في الأعلى، وهما وجهان صحيحان ثابتان كما سبق بيانه، فهو صحيح عن عبيد الله عن أبيه وعن ابن عباس؛ كلاهما عن عمار.
ولعل ابن عيينة كان يظن أن الحديث إنما هو من طريق أحدهما؛ مع أنه قد حدث به عن كليهما؛ فكان يقع في هذا التردد والشك. ولكن متابعة غيره له قد رفع هذا الشك، ورجح الروايتين الأخيرتين كما ذكرنا. والله أعلم.
٣٤٤ - عن شقيق قال:
كنت جالسًا بين عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلًا أجْنَبَ فلم يجد الماء شهرًا؛ أما كان يتيمم؟ قال: لا، وإن لم يَجِدِ الماء شهرًا. فقال أبو موسى: كيف تصنعون بهذه الآية التي في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ فقال عبد الله: لو رُخِّصَ لهم في هذا؛ لأوْشَكُوا إذا بَرَدَ عليهم الماءُ أن يتيمموا بالصعيد. فقال له أبو موسى: وإنما كرهتم هذا لهذا؟ قال: نعم. فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لِعُمَرَ: بعثني رسولُ الله ﷺ في
стр. 572
حاجة، فأجْنَبْتُ، فلم أجد الماء، فتمَرَّغْتُ في الصعيد كما تَتَمَرَّغُ الدابَّةُ، ثم أتيتُ النبي ﷺ ، فذكرتُ ذلك له؟ فقال:
"إنما كان يكفيكَ أنْ تصنع هكذا"؛ وضرب بيده على الأرض، فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه، ويمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه؟ فقال له عبد الله: أفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لم يَقْنَعْ بقولِ عمار؟ !
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه البخاري ومسلم، وابن حبان (١٣٠١ و ١٣٠٢)، وأبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري: نا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن شقيق.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ غير محمد بن سليمان الأنباري، وهو ثقة.
والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٤): ثنا أبو معاوية ... به.
وأخرجه البخاري (١/ ٣٦٢)، ومسلم (١/ ١٩٢)، والنسائي (١/ ٦١)، والدارقطني (ص ٦٦) من طرق أخرى عن أبي معاوية ... به؛ وزاد أحمد:
لم يُجِزِ الأعمش الكفين. وزاد مسلم:
ضربة واحدة.
ثم أخرجه هو، وأحمد (٤/ ٢٦٥)، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤ و ٣٠٤ - ٣٠٥)، والبيهقي (١/ ٢١١ - ٢٢٦) من طرق أخرى عن الأعمش ... به.
وقال البيهقي:
стр. 573
"لا يشك حديثيٌّ في صحة إسناده". وزاد أحمد إثر الآية: قال:
فما درى عبد الله ما يقول! وقال: لو رخصنا ... إلخ.
وإسناده صحيح على شرطهما.
٣٤٥ - عن عبد الرحمن بن أبْزَى قال:
كنتُ عند عمر، فجاءه رجل فقال: إنا نكون بالمكان الشهرَ أو الشهرين؟ فقال عمر: أمَّا أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء. قال: فقال عمار: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ كنتُ أنا وأنت في الإبل، فأصابتنا جنابة؛ فأما أنا فتمعّكتُ، فأتينا النبيّ ﷺ وذكرت ذلك له؟ فقال: "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا"؛ وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نفخهما، ثم مَسَّ بهما وجهَهُ ويديه إلى نصف الذراع؟ ! فقال عمر: يا عمار! اتقِ الله! فقال: يا أمير المؤمنين! إن شئت -والله- لم أذكره أبدًا، فقال عمر: كلا؛ والله لنوَلِّيَنَّكَ من ذلك ما تولَّيْتَ.
(قلت: إسناده صحيح، لكن قوله: إلى نصف الذراع ... شاذ؛ ولذلك لم يخرجه الشيخان في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا محمد بن كثير العَبْدِي: نا سفيان عن سَلَمَةَ بن كُهَيْلٍ عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي مالك -واسمه غزوان الغفاري-، وهو ثقة.
وقد تابعه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، كما يأتي.
стр. 574
لكن قوله في الحديث: إلى نصف الذراع ... شاذ؛ تفرد به سلمة بن كهيل، وكان يشك في هذه الزيادة، فمرة يثبتها كما في هذه الرواية والرواية الآتية، ومرة يشك فيها كما في الرواية الآتية (رقم ٣٤٧) من طريق أخرى، وبإسناد آخر له عن عبد الرحمن بن أبزى، ومرة ينفيها فلا يذكرها، كما سنذكره (رقم ٣٤٨).
وقد تابعه على ذلك: الحكم بن عتيبة وغيره، كما يأتي، فانظر (رقم ٣٥١).
فهذا هو الصحيح في هذا الحديث: الاقتصار على ذكر الكفين فقط، وهو الذي ثبت من طريق شقيق المتقدمة (رقم ٣٤٤)، وهو الذي رجحه البيهقي؛ فقال في "عون المعبود":
"قال البيهقي في "المعرفة": واختلفوا فيه على أبي مالك حبيب بن صهبان؛ فقيل: عنه عن عبد الرحمن بن أبزى: إلى نصف الذراع. وقيل: عنه عن عمار نفسه: وجهه وكفيه. والاعتماد على رواية الحكم بن عتيبة؛ فهو فقيه حافظ لم يشك في الحديث. وسياقه أحسن"!
قلت: كذا قال البيهقي: "أبي مالك حبيب بن صهبان"! وهو من طبقة أبي مالك غزوان الغفاري، كلاهما من التابعين، وهما -وإن كانا اشتركا في الرواية عن عمار بن ياسر- فإني أرى أن الراوي لهذا الحديث إنما هو غزوان الغفاري كما ذكرت آنفًا؛ وذلك لأمور:
أولًا: أنهم ذكروا في ترجمته في الرواة عنه: سلمة بن كهيل وحصين بن عبد الرحمن، وهما من رواة هذا الحديث عنه؛ بخلاف حبيب بن صهبان؛ فلم يذكروا ذلك في ترجمته.
стр. 575
ثانيًا: أنهم ذكروا أنه من رجال "السنن الثلاثة". وأما حبيب؛ فمن رجال البخاري في "الأدب المفرد" وحده (١).
ثم إن الحديث أخرجه الطحاوي (١/ ٦٧)، والبيهقي (١/ ٢١٠) من طرق أخرى عن محمد بن كثير ... به.
وأخرجه النسائي (١/ ٦٠)، وأحمد (٤/ ٣١٩) عن عبد الرحمن بن مهدي: ثنا سفيان عن سلمة عن أبي مالك وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن عبد الرحمن بن أبزى ... به. وزادا:
ولا تجد الماء.
وهذه متابعة قوية؛ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى؛ ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أحمد عنه وعن أخيه سعيد -الآتي حديثه (رقم ٣٤٨) -:
"كلاهما حسن الحديث".
٣٤٦ - عن ابن أبزى عن عمار بن ياسر ... في هذا الحديث؛ فقال:
"يا عمار! إنما كان يكفيك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما على الأخرى، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعد -ولم يبلغ المرفقين- ضربةً واحدةً.
(قلت: حديث صحيح دون قوله: والذراعين ... إلى قوله: ولم يبلغ المرفقَيْنِ؛ فإنه شاذ، والصواب: والكفين، وبه حكم البيهقي، وهو الذي لم يَرْوِ
стр. 576
صاحبا "الصحيحين" غيره).
إسناده: حدثنا محمد بن العلاء: نا حفص: نا الأعمش عن سلمة بن كُهَيْلٍ عن ابن أبزى.
قلت: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ ولكنه منقطع بين سلمة وابن أبزى، والصواب أن بينهما سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، كما يأتي بعد رواية.
٣٤٧ - قال أبو داود: "ورواه وكيع عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن أبزى".
(قلت: هذا منقطع بين سلمة وعبد الرحمن؛ بينهما ابنه سعيدُ بن عبد الرحمن؛ وهو التالي).
هو معلق كما ترى، ولم أجد من وصله من هذا الوجه! وهو منقطع أيضًا كسابقه؛ والصواب رواية جرير وغيره، وهي:
٣٤٨ - ورواه جرير عن الأعمش عن سلمة عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى -يعني- عن أبيه).
(قلت: وصله أبو عوانة بإسناد صحيح إلى جرير، وسائر رجاله على شرط الشيخين، وليس في حديثه: الذراعين).
هو معلق أيضًا؛ وقد وصله أبو عوانة في "صحيحه" قال (١/ ٣٠٥): حدثنا يزيد بن سنان قال: ثنا الحسن بن عمر بن شقيق قال: ثنا جرير ... به؛ ولفظه: قال:
стр. 577
جاء رجل إلى عمر ... فذكر الحديث:
"إنما كان يكفيك كذا وكذا"؛ ووضع يده بالصعيد، ثم مسح يديه ووجهه ... وذكر الحديث.
هكذا ساقه أبو عوانة إثر حديث شقيق المتقدم (رقم ٣٤٤)! فالظاهر أنه أحال عليه بقوله: "فذكر الحديث".
وعليه؛ فليس في حديث جرير ذكر الذراعين.
وقد تابعه على ذلك عيسى بن يونس: عند الطحاوي (١/ ٦٧)؛ ولفظه: ثم مسح وجهه وكفيه.
وإسناد أبي عوانة صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير يزيد بن سنان -وهو ابن يزيد بن الذَّيَّال الأموي، مولى عثمان، أبو خالد القزاز البصري-؛ وهو ثقة بلا خلاف.
٣٤٩ - عن عمار. .. بهذه القصة؛ فقال:
"إنما كان يكفيك"، وضرب النبي ﷺ بيده إلى الأرض، ثم نفخ فيها، ومسح بها وجهه وكَفَّيْهِ ... شكَّ سلمة، قال: لا أدري؛ فيه إلى المرفقين -يعني- أو: إلى الكفين؟ ! .
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ والصحيح أنه ليس فيه: إلى المرفقين .. كما سبق ويأتي).
إسناده: حدثنا محمد بن بشار: نا محمد -يعني: ابن جعفر-: نا شعبة عن سلمة عن ذَرّ عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار.
стр. 578
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه الطيالسي (رقم ٦٣٩) قال: ثنا شعبة ... به؛ إلا أنه قال:
ثم شكَّ سلمة، فلم يدر: إلى الكوعين، أو: إلى المرفقين.
ومن طريقه: أخرجه البيهقي (١/ ٢٠٩ - ٢١٠)، والطحاوي (١/ ٦٧).
وأخرجه أحمد (٤/ ٢٦٥): ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة ... به مثل رواية المصنف.
وقد بين السببَ في شك سلمة الروايةُ الآتية:
٣٥٠ - وفي رواية ... بهذا الحديث؛ قال:
ثم نَفَخَ فيها، ومسح بها وجهه وكَفَّيْهِ إلى المرفقين والذراعين.
قال شعبة: كان سلمة يقول: الكفين والوجه والذراعين، فقال له منصور ذات يوم: انظر ما تقول؛ فإنه لا يذكر الذراعين غيرك!
(قلت: إسناده صحيح، ومن أجل قول منصور هذا؛ كان سلمة ربما لا يذكر فيه: الذراعين؛ كما في رواية عيسى بن يونس: عند الطحاوي، ويعلى بن عبيد: عند الدارقطني؛ كلاهما عن الأعمش عنه. وهذا هو الصحيح؛ فقد تابعه على ذلك ذرّ، في حديثه التالي).
إسناده: حدثنا علي بن سهل الرملي: نا حجاج -يعني: الأعور-: حدثني شعبة ... بإسناده بهذا الحديث.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ غير علي بن سهل الرملي، وهو ثقة.
стр. 579
والحديث أخرجه النسائي (١/ ٦١): أخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم قال: ثنا حجاج ... به؛ وزاد في آخره:
فشك سلمة فقال: لا أدري؛ ذكر الذراعين أم لا!
قلت: وهذا هو السبب في اضظراب سلمة في هذه الزيادة؛ حيث كان مرة يثبتها، ومرة ينفيها، كما سبق بيانه (رقم ٣٤٥)، وتارة يشك، كما في هذه الرواية وغيرها.
وقد مضت رواية جرير عن الأعمش بدون ذكر الذراعين (رقم ٣٤٨).
وكذلك رواه عيسى بن يونس ويعلى بن عبيد عن الأعمش:
أما الأولى: فأخرجها الطحاوي (١/ ٦٧): حدثنا محمد بن الحجاج قال: ثنا علي بن معبد قال: ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن ... به؛ بلفظ: أن رسول الله ﷺ قال له:
"إنما يكفيك أن تقول هكذا"؛ وضرب الأعمش بيديه الأرض، ثم نفخهما ومسح بهما وجهه وكفيه.
ورجاله ثقات، غير محمد بن الحَجَّاج؛ فلم أجد من وثقه أو جرحه!
وأما الرواية الأخرى: فأخرجها الدارقطني (ص ٦٧) قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا يوسف بن موسى: نا جرير. (ح) وحدثنا الحسين: نا ابن كرامة: نا ابن نمير. (ح) وحدثنا الحسين: نا أحمد بن منصور: ثنا يعلى بن عبيد عن الأعمش ... به.
وهذه أسانيد صحيحة إلى الأعمش؛ غير أني لم أعرف ابن كَرَامَةَ هذا!
وقد تابعه الحسن بن عفان -وهو الن علي بن عفان-: عند أبي عوانة
стр. 580
(١/ ٣٠٥).
كما تابعه الحسن بن عمر بن شقيق عن جرير: عنده.
٣٥١ - عن عمار ... في هذا الحديث؛ قال: فقال -يعني: النبي ﷺ :
"إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك إلى الأرض، وتمسح بهما وجهك وكفيك ... " وساق الحديث.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وأخرجه هو ومسلم وأبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا مسدد: نا يحيى عن شعبة: حدثني الحكم عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه الطيالسي (رقم ٦٣٨): حدثنا شعبة ... به.
وأخرجه مسلم (١/ ١٩٣): حدثني عبد الله بن هاشم العبدي: حدثنا يحيى -يعني: ابن سعيد القطان- ... به؛ وزاد في آخره: فال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه ... مثل حديث ذر، قال: وحدثني سلمة عن ذر.
ثم أخرجه هو، والبخاري (١/ ٣٥١ و ٣٥٣ و ٣٥٤)، وأبو عوانة (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، والنسائي (١/ ٦١)، وابن ماجة (١/ ٢٠٠ - ٢٠١)، والطحاوي (١/ ٦٧)، والبيهقي (١/ ٢٠٩)، وأحمد (٤/ ٢٦٥) من طرق عن شعبة ... به.
وابن عبد الرحمن بن أبزى: هو سعيد؛ كما صرح به في "الصحيحين"
стр. 581
وغيرهما. ثم قال البيهقي:
"هذا الاختلاف في متن حديث ابن أبزى عن عمار؛ إنما وقع أكثره من سلمة بن كهيل؛ لشك وقع له. والحكم بن عتيبة فقيه حافظ، قد رواه عن ذر بن عبد الله عن سعيد بن عبد الرحمن، ثم سمعه من سعيد بن عبد الرحمن، فساق الحديث على الإثبات من غير شك فيه، وحديث قتادة عن عَزْرَة يوافقه [يعني: حديثه الآتي (رقم ٣٥٤)]، وكذلك حديث حصين عن أبي مالك"؛ يعني: الحديث الآتي:
٣٥٢ - ورواه شعبة عن حصين عن أبي مالك قال:
سمعت عمارًا يخطب ... بمثله؛ إلا أنه قال: لم ينفخ.
(قلت: وصله الدارقطني من طريق شبابة عن شعبة ... به؛ إلا أنه لم يقل: لم ينفخ، وإسناده صحيح. ثم رواه من طريق زائدة: نا حصين بن عبد الرحمن ... به نحوه؛ إلا أنه قال: ثم نفخ فيها. وهو المحفوط).
قال الدارقطني (ص ٦٧): حدثنا أبو عمر: نا الحسن بن محمد: ثنا شبابة: نا شعبة ... به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير أبي عمر -وهو محمد بن يوسف بن يعقوب القاضي الأزدي، مولى آل جرير بن حازم -وهو ثقة فاضل-، كما قال الخطيب، وله في "تاريخه" (٣/ ٤٠١ - ٤٠٥) ترجمة حافلة بالفضائل والكمالات رحمه الله تعالى.
ثم قال الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل: ثنا جعفر بن محمد: ثنا معاوية: نا زائدة: نا حصين بن عبد الرحمن ... به؛ بلفظ: عن عمار:
стр. 582
أنه غمس باطن كفيه في التراب، ثم نفخ فيها، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل، وقال عمار: هكذا التيمم.
وهذا إسناد صحيح أيضًا؛ الحسين بن إسماعيل: هو المحاملي.
وجعفر بن محمد: هو ابن شاكر الصاء؛ من شيوخ المصنف، وهما ثقتان.
ومعاوية: هو ابن عمرو الأزدي، وهو ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين.
وأخرجه الطحاوي (١/ ٦٧) من طريق الطيالسي عن زائدة وشعبة معًا عن حصين ... به.
وإسناده صحيح أيضًا.
ثم أخرجه الدارقطني من طريق إبراهيم بن طهمان عن حصين ... به مرفوعًا نحوه، وقال:
"لم يروه عن حصين مرفوعًا غير إبراهيم بن طهمان. ووقفه شعبة وزائدة وغيرهما. وأبو مالك في سماعه من عمار نظر؛ فإن سلمة بن كهيل قال فيه: عن أبي مالك عن ابن أبزى عن عمار. قاله الثوري عنه"!
قلت: حديث الثوري مضى في الكتاب (رقم ٣٤٥)؛ ولا يلزم منه أن لا يكون أبو مالك سمعه من عمار؛ لا سيما وقد صرح بسماعه منه في رواية شعبة المتقدمة (رقم ٣٥٢)؛ لاحتمال أن يكون رواه عن عمار على الوجهين: بالواسطة وبدونها.
ومثله حديث الحكم المتقدم (رقم ٣٥١)؛ فإنه رواه عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن، ثم رواه عن ابن عبد الرحمن مباشرة، فكذلك الشأن هنا.
ثم إن إبراهيم بن طهمان ثقة حجة، وقد زاد الرفع؛ فهو منه مقبول؛ لا سيما وأصل الحديث مرفوع، كما سبق.
стр. 583
٣٥٣ - وذكر حسين بن محمد عن شعبة عن الحكم ... في هذا الحديث؛ قال: فضرب بكفيه الأرض ونفخ.
(قلت: هو في "الصحيحين" وغيرهما من طرق شتى عن شعبة ... به).
قلت: لم أجد من وصله من طريق حسين! ولكن هذه الزيادة وردت من طرق شتى عن شعبة عند جميع الذين أخرجوا الحديث، وقد سبق ذكرهم قريبًا (رقم ٣٥١).
٣٥٤ - عن عمار بن ياسر قال:
سألت النبي ﷺ عن التيمم؟ فأمرني ضربةً واحدةً للوجه والكفين.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقال الدارمي: "صح إسناده"، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، ونقل مثله عن ابن راهويه).
إسناده: حدثنا محمد بن المنهال: نا يزيد بن زُرَيْع عن سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمَّار بن ياسر.
قلت: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه الترمذي (١/ ٢٦٨)، والدارقطني (ص ٦٧) من طرق أخرى عن يزيد بن زريع ... به.
ثم أخرجه الطحاوي (١/ ٦٧)، والبيهقي (١/ ٢١٠) من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد ... به.
وأخرجه أحمد (٤/ ٢٦٣): ثنا عفان ويونس قالا: ثنا أبان: ثنا قتادة ... به.
وأخرجه الدارمي (١/ ١٩٠)، والدارقطني من طريق عفان وحده؛ لكن الدارمي
стр. 584
ليس عنده: عن عزرة. ثم قال:
"صح إسناده". وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
ثم نقل (١/ ٢٧٠) مثله عن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي -وهو ابن راهويه-.
١٢٣ - باب التيمُّمِ في الحضر
٣٥٥ - عن عُمَيْرٍ مولى ابن عباس أنه سمعه يقول:
أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، حتى دخلنا على أبي الجُهَيْم بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاريِّ، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جَمَلٍ، فلقيَهُ رجلٌ، فسلم عليه، فلم يَرُدّ رسولُ الله ﷺ ﵇؛ حتى أتى على جدارٍ، فمسح بوجهه ويديه، ثم ردَّ ﵇.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد علقه في "صحيحه".
وأخرجه البخاري وأبو عوانة في "صحيحيهما" موصولا).
حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: ثني أبي عن جدي عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وقد علقه في "صحيحه" (١/ ١٩٤)، فقال:
стр. 585
وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة ... به.
والحديث أخرجه النسائي (١/ ٥٩): أخبرنا الربيع بن سليمان قال: ثنا شعيب ابن الليث ... به.
وبهذا الإسناد: أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٣٠٧)، والطحاوي (١/ ٥١).
وأخرجه البخاري (١/ ٣٥٠)، والبيهقي (١/ ٢٠٥) من طريق يحيى بن بكير قال: ثنا الليث ... به.
وقد تابعه عن عبد الرحمن بن هرمز: ابن إسحاق: عند الطحاوي (١/ ٥٢)، والدارقطني (ص ٦٤ و ٦٥)؛ وصرح عنده بسماعه منه.
وابنُ لهيعة: عند أحمد (٤/ ١٦٩)؛ وكلهم قالوا: ويديه.
وخالف أبو صالح -وهو عبد الله بن صالح-؛ فرواه عن الليث ... به بلفظ: وذراعيه.
أخرجه الدارقطني، وعنه البيهقي.
ثم روى من طريق الشافعي: ثنا إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن الأعرج عن ابن الصَّمَّة قال:
مررت على رسول الله ﷺ وهو يبول، فسلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليّ حتى قام إلى جدار، فَحَتَّه بعصًا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار؛ فمسح وجهه وذراعيه؛ ثم رد عليّ. ثم قال البيهقي:
"وهذا شاهد لرواية أبي صالح كاتب الليث؛ إلا أن هذا منقطع: عبد الرحمن ابن هرمز الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة؛ إنما سمعه من عمير مولى ابن عباس
стр. 586
عن ابن الصمة، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قد اختلف الحفاظ في عدالتهما؛ إلا أن لروايتهما بذكر (الذراعين) فيه شاهدًا من حديث ابن عمر"!
قلت: في هذا الكلام كثير من التساهل؛ فإن حديث ابن عمر -وهو المشار إليه في الكتاب عقيب هذا- حاله كحال حديث أبي صالح هذا؛ فكما تفرد أبو صالح بذكر الذراعين في هذا الحديث عن الليث دون سائر الثقات؛ فكذلك تفرد بذلك محمد بن ثابت عن نافع عن ابن عمر دون سائر الثقات.
وقد رواه مالك عن نافع موقوفًا؛ وهو الصحيح، كما قال الحافظ (١/ ٣٥١).
وأبو صالح تكلم فيه غير واحد من قبل حفظه، فحديثه عند المخالفة شاذ اتفاقًا! فلا أدري كيف استساغ البيهقي تقوية الخطأ بالخطأ؟ !
ثم إن ما رواه عن الشافعي لا يصلح شاهدًا؛ لما ذكر هو من حال الراويين، لا سيَّما وقد خالفا الجماعة: جعفرَ بنَ ربيعة ومحمدَ بنَ إسحاق وابنَ لهيعة سندًا ومتنًا؛ ولذلك قال الحافظ (١/ ٣٥١):
"والثابت في حديث أبي جهيم أيضًا بلفظ: يديه، لا: ذراعيه؛ فإنها رواية شاذة، مع ما في أبي الحويرث وأبي صالح من الضعف".
٣٥٦ - ساق المصنف هنا هذه القصة من حديث ابن عمر بزيادة:
ثم ضرب ضربةً أخرى، فمسح ذراعيه.
وهي زيادة منكرة، أوردناه من أجلها في الكتاب الآخر (رقم ٥٨)، ثم قال المصنف:
"لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي
стр. 587
صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. رَوَوْهُ فِعْلَ ابنِ عمر".
(قلت: رواه كذلك موقوفًا الإمام مالك (١/ ٧٦) عن نافع: أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجُرُف، حتى إذا كان بالمِرْبَد نزل عبد الله، فتيمَّم صعيدًا طيبًا، فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى. وهو صحيح على شرطهما.
قال الحافظ: "وهو الصحيح"؛ يعني: موقوفًا).
٣٥٧ - عن ابن عمر قال:
أقبل رسول الله ﷺ الغائط، فلقيَهُ رجلٌ عند بئر جمل، فسلّم عليه، فلم يَرُدَّ عليه رسولُ الله ﷺ ، حتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه ويديه، ثم رَدَّ رسول الله ﷺ على الرجل السلامَ.
(قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن حبان، وقال المنذري: "حسن").
إسناده: حدثنا جعفر بن مسافر: نا عبد الله بن يحيى البُرُلُّسِيُّ: أنا حيوة بن شريح عن ابن الهاد قال: إن نافعًا حدثه عن ابن عمر.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير جعفر بن مسافر، وهو ثقة، وقد توبع.
ونقل صاحب "العون" عن المنذري أنه قال:
"حسن". وفي النسخة المطبوعة حديثًا من "مختصره":
"مرسل"! وهو خطأ!
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٢٠٦) من طريق المصنف.
стр. 588
وأخرجه الدارقطني (ص ٦٥) قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عَتَّاب: نا الحسن بن عبد العزيز: أخبرنا عبد الله بن يحيى المَعَافِريُّ ... به.
وهذا إسناد صحيح؛ الحسن بن عبد العزيز: هو الجَروِيُّ أبو علي المصري؛ ثقة من شيوخ البخاري.
وعبد الله بن أحمد بن عتاب ثقة أيضًا؛ وثقه الخطيب في "تاريخه" (٩/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، وذكر وفاته (سنة ٣١٨).
وأخرجه ابن حبان (١٣١٣) من طريق أخرى عن المعافري.
والحديث رواه الضحاك بن عثمان عن نافع مختصرًا، وقد مضى في الكتاب مختصرًا (رقم ١٢).
١٢٤ - باب الجنب يتيمم
٣٥٨ - عن أبي ذر قال:
اجتمعتْ غُنَيْمَةٌ عند رسول الله ﷺ ، فقال:
"يا أبا ذر! ابْدُ فيها". فبدَوْتُ إلى الرَّبَذَة، فكانت تُصِيبني الجنابة، فأمكث الخَمْسَ والسِّتَّ، فأتيتُ النبي ﷺ فقال:
"أبو ذر؟ ". فسكتُّ، فقال:
"ثكلتْكَ أمُّك أبا ذر! لأُمِّكَ الوَيْلُ". فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بِعُسٍّ فيه ماء، فسَتَرَتْنِي بثوبٍ، واستترت بالراحلة واغتسلت، فكأني ألقيتُ عَنِّي جَبلًا، فقال:
стр. 589
"الصعيدُ الطيبُ وَضُوءُ المسلم ولو إلى عشْرِ سنين، فإذا وجدتَ الماءَ؛ فأمِسَّه جِلْدَك؛ فإن ذلك خير. (وفي رواية: غُنَيْمَة من الصدقة) ".
(قلت: حديث صحيح، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، والحاكم: "حديث صحيح"، ووافقه الذهبي والنووي، وصححه أيضًا أبو حاتم وابن حبان والدارقطني).
إسناده: حدثنا عمرو بن عون: نا خالد. (ح) وحدثنا مسدد قال: نا خالد -يعني: ابن عبد الله الواسطي-عن خالد الحَذَّاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بُجْدَانَ عن أبي ذر.
قلت: وهذا إسناد صحيح إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير عمرو بن بُجْدان -بضم الموحدة وسكون الجيم-، وقد وثقه ابن حبان. وقال العجلي:
"بصري تابعي ثقة".
ووثقه أيضًا جماعة ممن صححوا حديثه هذا، ويأتي ذكرهم. ولذلك قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٣٩):
"وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول".
قلت: يعني: مجهول الحال؛ كما صرح به الزيلعي (١/ ١٤٩) عنه. ثم غفل الحافظ ابن حجر نفسه؛ فقلّد ابن القطان، فقال في "التقريب":
"لا يعرف حاله"! ثم رأيت الذهبي قال:
"مجهول الحال"!
стр. 590
وذلك لأنه لم يرو عنه غير أبي قلابة.
والحديث أخرجه ابن حبان (١٠٦)، والحاكم (١/ ١٧٦)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٢٠) عن أبي المثنى: ثنا مسدد ... به.
وأخرجه البيهقي من طريق أخرى عن مسدد ... به نحوه؛ وقال:
غنم من غنم الصدقة.
وأخرجه الطيالسي (رقم ٤٨٤) قال: حدثنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر قال:
رأيت أبا ذر في مسجد قُبَاء، فصلى وعليه رداء قِطْرِي، فسلّمت عليه، فلم يَرُدَّ عليّ، فلما قضى صلاته ردَّ علي، قلت: أنت أبو ذر؟ قال: نعم، اجتويتُ المدينة، فأمَرني رسول الله ﷺ بذَوْدٍ، وأمرني أن أشرب من ألبانها وأبوالها ... الحديث نحو الرواية الآتية في الكتاب.
وأخرجه الترمذي (١/ ٢١٢) من طريق سفيان عن خالد الحذاء ... به مختصرًا دون القصة.
وكذلك أخرجه النسائي (١/ ٦١) من طريق مخلد عن سفيان أيضًا عن أيوب عن أبي قلابة عن عمرو بن بُجْدان ... به.
وهو صحيح من طريق سفيان عن خالد وأيوب معًا.
فقد أخرجه البيهقي (١/ ٢١٢) من طريق مخلد أيضًا -وهو ابن يزيد-عن سفيان عن أيوب السَّخْتِيَانِيِّ وخالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان ... به. لكن قال البيهقي:
"تفرد به مخلد هكذا. وغيره يرويه عن الثوري عن أيوب السختياني عن أبي
стр. 591
قلابة عن رجل عن أبي ذر، وعن خالد عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر، كما رواه سائر الناس".
يعني: أن الصواب من رواية أيوب عن أبي قلابة أنه قال: عن رجل؛ لم يسمه، ومن رواية خالد عنه: عن عمرو بن بجدان؛ سمّاه.
وهكذا أخرجه أحمد (٥/ ١٥٥): ثنا عبد الرزاق: أنا سفيان عن أيوب السختياني وخالد الحذاء عن أبي قلابة كلاهما؛ ذكره خالد: عن عمرو بن بجدان؛ وأيوب: عن رجل عن أبي ذر.
ثم أخرجه أحمد (٥/ ١٨٠) من طريق سفيان عن خالد وحده؛ مثل رواية الترمذي.
وتابعه يزيد بن زريع عن خالد: عند الدارقطني (ص ٦٨). ثم قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". والحاكم:
"حديث صحيح"، ووافقه الذهبي، وكذا النووي (٢/ ٢٤٤ و ٢٩٤). وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٥٤):
"وصححه الترمذي وابن حبان والدارقطني". زاد في "التلخيص":
"وصححه أبو حاتم أيضًا".
٣٥٩ - عن رجل من بني عامر [هو عمرو بن بُجْدان] قال:
دخلتُ في الإسلام، فأهمَّني دينِي، فأتيت أبا ذر، فقال أبو ذر: إني اجْتَويتُ المدينةَ. فَأمَرَ لي رسول الله ﷺ بِذَوْدٍ وبِغَنَم، فقال لي: "اشرب من ألبانها" -قال حماد: وأشك في: أبوالها- فقال أبو ذر: فكنتُ أعْزُبُ
стр. 592
عن الماء؛ ومعي أهلي، فتُصِيبني الجنابةُ، فأصلّي بغير طُهُور، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ بنصف النهار وهو في رَهْطٍ من أصحابه، وهو في ظِلِّ المسجد، فقال ﷺ :
"أبو ذر؟ ". فقلت: نعم؛ هلكتُ يا رسول الله! قال:
"وما أهلكك؟ ! ". قلت: إني كنت أعْزُبُ عن الماء ومعي أهلي، فتصيبني الجنابةُ، فأصلي بغير طُهُور! فأمَرَ لي رسولُ الله ﷺ بماء، فجاءت به جاريةٌ سوداءُ -بعُسٍّ يتخَضْخَضُ، ما هو بملآن؛ فتسترتُ إلى بعير، فاغتسلتُ، ثم جئت، فقال رسول الله ﷺ :
"يا أبا ذر! إن الصعيد الطيب طَهورٌ؛ وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين؛ فإذا وجدتَ الماء فأمِسَّهُ جِلْدَكَ".
(قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن حبان والدارقطني).
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: نا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر.
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير الرجل من بني عامر -وهو عمرو بن بجدان-، كما في الحديث قبله؛ سماه خالد الحذاء عن أبي قلابة، وسماه سفيان الثوري عن أيوب في رواية مخلد بن يزيد عنه، كما تقدم.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٢١٧) من طريق المصنف.
وأخرجه الطيالسي (رقم ٤٨٤): حدثنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن أيوب ... به؛ بلفظ:
стр. 593
وأمرني أن أشرب من ألبانها وأبوالها.
ولا أدري إذا كان السياق للحمادين، أو لابن سلمة وحده؟ ! فإن كان الأول؛ ففيه رَدٌّ لما ذكره المؤلف عقيب الحديث. والله أعلم.
وقد تابعهما عن أيوب: إسماعيل -وهو ابن عُلَيَّةَ-؛ وليس في حديثه ذكر الألبان والأبوال.
أخرجه أحمد (٥/ ١٤٦).
ثم أخرجه من طريق سعيد -وهو ابن أبي عَرُوبة- عن أيوب ... به؛ إلا أنه قال: عن رجل من بني قشير.
وهذا الرجل هو الأول نفسه؛ لأن بني قشير من بني عامر؛ كما نقله بعضهم عن "الاشتقاق" لابن دُرَيْدٍ (ص ١٨١)؛ وهو عمرو بن بجدان نفسه.
وأخرجه ابن حبان (١٩٦ - ١٩٨).
ثم إن الحديث قال ابن القيم في "التهذيب":
"وصححه الدارقطني. وفي "مسند البزار" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الصعيد الطيب وَضُوُء المسلم؛ وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء، فلْيَتَّقِ اللهَ ولْيُمِسَّه بشْرَتَهُ؛ فإن ذلك خير". وذكره ابن القطان في (باب أحاديث، ذكَرَ أن أسانيدها صحاح) ".
قلت: فهذا شاهد قوي لحديث الباب، وقد ذكر إسناده الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ١٤٩)، فرأيناه إسنادًا صحيحًا على شرط البخاري.
ثم ذكر أن الطبراني رواه في "الأوسط" من هذا الوجه؛ لكن مطولًا، وساق فيه قصة أبي ذر.
стр. 594
ثم أخرجته في "الصحيحة" (٣٠٢٩).
٣٦٠ - قال أبو داود: "رواه حماد بن زيد عن أيوب ... لم يذكر: أبوالها، هذا ليس بصحيح، وليس في أبوالها إلا حديث أنس؛ تفرد به أهل البصرة "!
(قلت: وصله الطيالسي (رقم ٤٨٤) قال: حدثنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن أيوب ... فذكر: أبوالها؛ لكن يحتمل أن يكون السياق لحماد بن سلمة وحده. والله أعلم. وحديث أنس المشار إليه يأتي في "الحدود" (برقم ... ) [باب ما جاء في المحاربة].
١٢٥ - باب إذا خاف الجُنُبُ البَرْدَ؛ أيتيمَّم ؟
٣٦١ - عن عمرو بن العاص قال:
احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السًّلاسل؛ قأشفقتُ أن أغتسل فأهْلِكَ، فتيمَّمتُ، ثم صليتُ بأصحابي الصبحَ، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ؟ فقال:
"يا عمرو! صَلَّيْتَ بأصحابكَ وأنت جنبٌ؟ ! ". فأخبرتُه بالذي منعني من الاغتسال، وقلتُ: إني سمعتُ الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾! فضحك رسولُ الله ﷺ ولم يقل شيئًا.
(قلت: حديث صحيح، وصححه ابن حبان، وقال الحافظ: "وإسناده قوي". وعلقه البخاري)
стр. 595
إسناده: حدثنا ابن المثنى: نا وهب بن جرير: نا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص.
قال أبو داود: "عبد الرحمن بن جبير مصري، مولى خارجة بن حذافة، وليس هو ابن جبير بن نفير".
قلت: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ لكنه منقطع؛ فقد ذكر البيهقي في "الخلافيات" أن عبد الرحمن بن جبير لم يسمع الحديث من عمرو بن العاص.
قلت: وبينهما أبو قيس مولى عمرو بن العاص؛ كما في الرواية الآتية، ويظهر لي أنه سقط من رواية يحيى بن أيوب للحديث؛ فإنه وإن كان ثقة من رجال الشيخين؛ فقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة من قبل حفظه. وقال أحمد: إنه "سيئ الحفظ".
وقد خالفه من هو أوثق منه وأحفظ؛ وهو عمرو بن الحارث؛ فوصله بذكر أبي قيس بينهما.
وتابعه ابن لهيعة كما يأتي، فزالت بذلك علة الحديث، وصار حديثًا صحيحًا.
والحديث علقه البخاري (١/ ٣٦٠) فقال: ويذكر:
أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة، ؟ فتيمم، وتلا: ﴿ولا تقتلوا أنفسَكم ... ﴾ الآية، فذُكر للنبيَ ﷺ ؛ فلم يُعَنِّفْ.
وقد وصله الدارقطني أيضًا (ص ٦٥) من طريق أبي موسى -وهو محمد بن
стр. 596
المثنى؛ شيخ المصنف فيه-.
ثم أخرجه هو، والحاكم (١/ ١٧٧ - ١٧٨)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٢٥) من طرق أخرى عن وهب بن جرير ... به. وقال الحافظ في "شرح البخاري":
"وإسناده قوي، لكنه علقه بصيغة التمريض؛ لكونه اختصره".
٣٦٢ - وفي رواية عنه: كان على سَرِيَّةٍ ... وذكر الحديث نحوه؛ قال:
فغسل مَغَابِنَهُ، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم ... فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي! وقال النووي: إن "الحديث حسن أو صحيح").
إسناده: حدثنا محمد بن سلمة: نا ابن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص: أن عمرو بن العاص كان ...
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ إلا ابن لهيعة، ولكنه مقرون بعمروٍ.
والحديث رواه ابن حبان (١٣١٢)، والدارقطني (ص ٦٥)، والحاكم (١/ ١٧٧)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٢٦) من طرق أُخر عن ابن وهب ... به. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي!
стр. 597
وقد وهما؛ فإنه على شرط مسلم وحده؛ لأن عمران بن أبي أنس وعبد الرحمن ابن جبير المصري؛ لم يخرج لهما البخاري في "صحيحه". وقال النووي في "الخلاصة" -كما في "نصب الراية" (١/ ١٥٧) -:
"إن الحديث حسن أو صحيح".
ولا مبرِّر عندي لهذا التردد؛ فالحديث صحيح لا شك فيه بهذا الإسناد، والاختلاف الذي وقع فيه من بعض الرواة -ممن هو سيئ الحفظ- لا يُعِلُّه، بعد أن جوَّده عمرو بن الحارث، وهو ثقة حجه كما سبق؛ وقد تابعه ابنُ لهيعة كما رأيت.
ولكن قد بدا لي رأي، وهو أنه يجوز أن تكون هذه المتابعة في الجملة لا في التفضيل: إسنادًا ومتنًا، وذلك وإن كان خلاف الظاهر؛ فإنه هو الراجح بعد البحث؛ فقد رأيتُ الإمامَ أحمد قد أخرج حديث ابن لهيعة مستقلًا عن قرينه عمرو، فساق إسناده ومتنه مخالفًا لعمرو فيهما، وموافقًا لرواية يحيى بن أيوب المتقدمة؛ فقال أحمد (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤): ثنا حسن بن موسى: قال: ثنا ابن لهيعة قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص أنه قال:
لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السّلاسل قال: احتلمت ... الحديث، وفيه:
فتيممت وصليت ... والبافي نحوه.
فقد اتفقت رواية ابن لهيعة مع رواية ابن أيوب في إثبات التيمم؛ ولم يتعرضا لغسل الغابن والوضوء.
ووافقهما على ذلك رواية الأوزاعي عن حسان بن عطية؛ التي علقها المؤلف، ولم أجد من وصلها كما يأتي.
стр. 598
وهذا بخلاف رواية عمرو هذه؛ فإنه عكَس ذلك! قال الحافظ:
"ورواها عبد الرزاق من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ولم يذكر التيمم".
فقد توبع عمرو بن الحارث، ولم ينفرد بذكر التيمم، فيجب ضم ذلك إلى ما رواه ابن لهيعة ومن معه. وهذا ما جنح إليه البيهقي، فقال:
"يحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعًا: غَسَلَ ما قدر على غسله، وتيمم للباقي". قال النووي (٢/ ٢٨٣):
"وهذا الذي قاله البيهقي متعين؛ لأنه إذا أمكن الجمع بين الروايتين تعيَّن".
وأقرّه الحافظ.
٣٦٣ - قال أبو داود: "وروى هذه القصةَ: الأوزاعيُّ عن حسان بن عطية ... قال فيه: فتيمم".
(قلت: لم أجد من وصله).
١٢٦ - باب المجروح يتيمم
٣٦٤ - عن جابر قال:
خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجرٌ فشجَّهُ في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ ، أُخبر بذلك، فقال:
стр. 599
"قتلوه؛ قاتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاءُ العِيِّ السؤال! إنما كان يكفيه أن يتيمَّم، ويَعْصِرَ -أو يَعْصِبَ؛ شك موسى- على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثم يمسحَ عليها، وبغسلَ سائر جسده".
(قلت: حديث حسن؛ إلا قوله: "إنما كان ... إلخ"؛ فإنه ضعيف؛ لأنه ليس له شاهد معتبر، وصححه ابن السكن).
إسناده: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي: ثنا محمد بن سلمة عن الزُّبَيْرِ بن خُرَيْق عن عطاء عن جابر.
قلت: هذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات؛ غير الزبير بن خُريق؛ وثقه ابن حبان. وقال الدارقطني:
"ليس بالقوي". وقال الحافظ في "التقريب":
"لين الحديث". ولذلك قال في "بلوغ المرام":
"رواه أبو داود بسند فيه ضعف". وقال في "التلخيص" (٢/ ٢٨٨):
"وصححه ابن السكن".
وأما قوله في ترجمة الزبير هذا من "التهذيب":
"روى له أبو داود حديثًا واحدًا في التيمم". ثم قال:
"قال أبو داود عقب حديثه في كتاب "السنن": ليس بالقوي"!
قلت: وليس هذا في نسخة "عون المعبود"، ولا في النسخة التي صححها وطبعها حديثًا الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد من "السنن"! فلعل ذلك في بعض النسخ القديمة من الكتاب!
стр. 600
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٢٢٧) من طريق المؤلف.
ثم أخرجه هو (١/ ٢٢٨)، والدارقطني (ص ٦٩) من طريق أبي بكر عبد الله ابن سليمان بن الأشعث: ثنا موسى بن عبد الرحمن الحلبي ... به. وقال الدارقطني:
"قال أبو بكر: هذه سنة تفرَّد بها أهل مكة. وحملها أهل الجزيرة؛ لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق؛ وليس بالقوي. وخالفه الأوزاعي؛ فرواه عن عطاء عن ابن عباس. واختلف على الأوزاعي؛ فقيل: عنه عن عطاء، وقيل: عنه بلغني عن عطاء. وأرسل الأوزاعي آخره عن عطاء عن النبي ﷺ ؛ وهو الصواب".
قلت: وقيل أيضًا: عنه: ثنا عطاء؛ ويأتي بيان ذلك عند حديث ابن عباس المشار إليه؛ وهو في الكتاب عقب هذا.
وأبو بكر عبد الله بن سليمان: هو ابن المصنف ﵀، وقد شارك أباه في السماع من كثير من شيوخه، منهم هذا.
وقد ضعف الحديثَ من سبق ذكرهم، وضعفه أيضًا البيهقي، فقال (١/ ٢٢٨):
"ولا يثبتُ عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي قد تقدم، وليس بالقوي".
قلت: لكن الزبير بن خريق قد توبع على القسم الأكبر من الحديث كما يأتي، فهو بذلك يَقْوى ويَرْقَى إلى درجة الحسن على أقل الدرجات.
لكن قوله في آخره: "ويعصر ... " إلخ. من أفراده؛ كما قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٩٢ - ٢٩٥)؛ فكان ضعيفًا.