← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 25881

صحيح سنن أبي داود ط غراس

ناصر الدين الألباني

Полный текст (3 494 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المثنى؛ شيخ المصنف فيه-. ثم أخرجه هو، والحاكم (١/ ١٧٧ - ١٧٨)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٢٥) من طرق أخرى عن وهب بن جرير ... به. وقال الحافظ في "شرح البخاري": "وإسناده قوي، لكنه علقه بصيغة التمريض؛ لكونه اختصره". ٣٦٢ - وفي رواية عنه: كان على سَرِيَّةٍ ... وذكر الحديث نحوه؛ قال: فغسل مَغَابِنَهُ، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم ... فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم. (قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي! وقال النووي: إن "الحديث حسن أو صحيح"). إسناده: حدثنا محمد بن سلمة: نا ابن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص: أن عمرو بن العاص كان ... قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ إلا ابن لهيعة، ولكنه مقرون بعمروٍ. والحديث رواه ابن حبان (١٣١٢)، والدارقطني (ص ٦٥)، والحاكم (١/ ١٧٧)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٢٦) من طرق أُخر عن ابن وهب ... به. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي!

стр. 597

وقد وهما؛ فإنه على شرط مسلم وحده؛ لأن عمران بن أبي أنس وعبد الرحمن ابن جبير المصري؛ لم يخرج لهما البخاري في "صحيحه". وقال النووي في "الخلاصة" -كما في "نصب الراية" (١/ ١٥٧) -: "إن الحديث حسن أو صحيح". ولا مبرِّر عندي لهذا التردد؛ فالحديث صحيح لا شك فيه بهذا الإسناد، والاختلاف الذي وقع فيه من بعض الرواة -ممن هو سيئ الحفظ- لا يُعِلُّه، بعد أن جوَّده عمرو بن الحارث، وهو ثقة حجه كما سبق؛ وقد تابعه ابنُ لهيعة كما رأيت. ولكن قد بدا لي رأي، وهو أنه يجوز أن تكون هذه المتابعة في الجملة لا في التفضيل: إسنادًا ومتنًا، وذلك وإن كان خلاف الظاهر؛ فإنه هو الراجح بعد البحث؛ فقد رأيتُ الإمامَ أحمد قد أخرج حديث ابن لهيعة مستقلًا عن قرينه عمرو، فساق إسناده ومتنه مخالفًا لعمرو فيهما، وموافقًا لرواية يحيى بن أيوب المتقدمة؛ فقال أحمد (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤): ثنا حسن بن موسى: قال: ثنا ابن لهيعة قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السّلاسل قال: احتلمت ... الحديث، وفيه: فتيممت وصليت ... والبافي نحوه. فقد اتفقت رواية ابن لهيعة مع رواية ابن أيوب في إثبات التيمم؛ ولم يتعرضا لغسل الغابن والوضوء. ووافقهما على ذلك رواية الأوزاعي عن حسان بن عطية؛ التي علقها المؤلف، ولم أجد من وصلها كما يأتي.

стр. 598

وهذا بخلاف رواية عمرو هذه؛ فإنه عكَس ذلك! قال الحافظ: "ورواها عبد الرزاق من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ولم يذكر التيمم". فقد توبع عمرو بن الحارث، ولم ينفرد بذكر التيمم، فيجب ضم ذلك إلى ما رواه ابن لهيعة ومن معه. وهذا ما جنح إليه البيهقي، فقال: "يحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعًا: غَسَلَ ما قدر على غسله، وتيمم للباقي". قال النووي (٢/ ٢٨٣): "وهذا الذي قاله البيهقي متعين؛ لأنه إذا أمكن الجمع بين الروايتين تعيَّن". وأقرّه الحافظ. ٣٦٣ - قال أبو داود: "وروى هذه القصةَ: الأوزاعيُّ عن حسان بن عطية ... قال فيه: فتيمم". (قلت: لم أجد من وصله). ١٢٦ - باب المجروح يتيمم ٣٦٤ - عن جابر قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجرٌ فشجَّهُ في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ ، أُخبر بذلك، فقال:

стр. 599

"قتلوه؛ قاتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاءُ العِيِّ السؤال! إنما كان يكفيه أن يتيمَّم، ويَعْصِرَ -أو يَعْصِبَ؛ شك موسى- على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثم يمسحَ عليها، وبغسلَ سائر جسده". (قلت: حديث حسن؛ إلا قوله: "إنما كان ... إلخ"؛ فإنه ضعيف؛ لأنه ليس له شاهد معتبر، وصححه ابن السكن). إسناده: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي: ثنا محمد بن سلمة عن الزُّبَيْرِ بن خُرَيْق عن عطاء عن جابر. قلت: هذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات؛ غير الزبير بن خُريق؛ وثقه ابن حبان. وقال الدارقطني: "ليس بالقوي". وقال الحافظ في "التقريب": "لين الحديث". ولذلك قال في "بلوغ المرام": "رواه أبو داود بسند فيه ضعف". وقال في "التلخيص" (٢/ ٢٨٨): "وصححه ابن السكن". وأما قوله في ترجمة الزبير هذا من "التهذيب": "روى له أبو داود حديثًا واحدًا في التيمم". ثم قال: "قال أبو داود عقب حديثه في كتاب "السنن": ليس بالقوي"! قلت: وليس هذا في نسخة "عون المعبود"، ولا في النسخة التي صححها وطبعها حديثًا الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد من "السنن"! فلعل ذلك في بعض النسخ القديمة من الكتاب!

стр. 600

والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٢٢٧) من طريق المؤلف. ثم أخرجه هو (١/ ٢٢٨)، والدارقطني (ص ٦٩) من طريق أبي بكر عبد الله ابن سليمان بن الأشعث: ثنا موسى بن عبد الرحمن الحلبي ... به. وقال الدارقطني: "قال أبو بكر: هذه سنة تفرَّد بها أهل مكة. وحملها أهل الجزيرة؛ لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق؛ وليس بالقوي. وخالفه الأوزاعي؛ فرواه عن عطاء عن ابن عباس. واختلف على الأوزاعي؛ فقيل: عنه عن عطاء، وقيل: عنه بلغني عن عطاء. وأرسل الأوزاعي آخره عن عطاء عن النبي ﷺ ؛ وهو الصواب". قلت: وقيل أيضًا: عنه: ثنا عطاء؛ ويأتي بيان ذلك عند حديث ابن عباس المشار إليه؛ وهو في الكتاب عقب هذا. وأبو بكر عبد الله بن سليمان: هو ابن المصنف ﵀، وقد شارك أباه في السماع من كثير من شيوخه، منهم هذا. وقد ضعف الحديثَ من سبق ذكرهم، وضعفه أيضًا البيهقي، فقال (١/ ٢٢٨): "ولا يثبتُ عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي قد تقدم، وليس بالقوي". قلت: لكن الزبير بن خريق قد توبع على القسم الأكبر من الحديث كما يأتي، فهو بذلك يَقْوى ويَرْقَى إلى درجة الحسن على أقل الدرجات. لكن قوله في آخره: "ويعصر ... " إلخ. من أفراده؛ كما قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٩٢ - ٢٩٥)؛ فكان ضعيفًا.

стр. 601

(تنبيه): عزا الشوكاني في "النيل" (١/ ٢٢٤) حديث جابر هذا إلى ابن ماجة. وتبعه على ذلك الشيخ أبو الطيب شمس الحق في تعليقه على "الدارقطني"! وهو وهم منهما؛ فإنه ليس عند ابن ماجة؛ وإنما عنده حديث ابن عباس الآتي، وهو: ٣٦٥ - عن عبد الله بن عباس قال: أصاب رجلًا جُرْحٌ في عهد رسول الله ﷺ ، ثم احتلم، فأُمِرَ بالاغتسال، فاغتسل، فمات، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال: "قتلوه؛ قاتلهم الله! ألم يَكُنْ شِفاءُ العِيِّ السؤالَ؟ ! ". (قلت: حديث حسن. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: "حديث صحيح"! ووافقه الذهبي! ). إسناده: حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي: ثنا محمد بن شعيب: أخبرني الأوزاعي أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس. قلت: هذا إسناد صحيح -لولا جهالة الواسطة بين الأوزاعي وعطاء-، رجاله كلهم ثقات إن شاء الله تعالى؛ وقد ذكر العقيلي نصر بن عاصم في "الضعفاء"، وأورد له حديثًا، ثم قال: "لا يتابع على حديثه"! قال الذهبي عقيبه: "قلت: نصر بن عاصم محدث رَحَّال، ذكره ابن حبان في "الثقات" ... ". والحديث أخرجه الدارقطني (ص ٧٠)، والبيهقي (١/ ٢٢٧) من طريق العباس ابن الوليد بن مَزْيَدٍ: ثنا أبي قال: سمعت الأوزاعي يقول: بلغني عن عطاء ...

стр. 602

به؛ وزاد: قال عطاء: فبلغنا أن رسول ﷺ سئل عن ذلك؟ فقال: "لو غسل جسده، وترك رأسه حيث أصابه الجرح". ثم أخرجه الدارقطني، والدارمي أيضًا (١/ ١٩٢) من طريق أبي المغيرة: ثنا الأوزاعي ... به. ثم أخرجه أيضًا هو، والحاكم (١/ ١٧٨) من طريق هِقْلِ بن زياد عن الأوزاعي قال: قال عطاء ... به؛ وزاد في آخره: "أجزأه". وأخرجه ابن ماجة (١/ ٢٥٢)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٨٨) -عن عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين-، والدارقطني -عن أيوب بن سويد- كلاهما عن الأوزاعي عن عطاء ... به. ثم أخرجه الدارقطني من طريق أخرى عن الأوزاعي عن رجل عن عطاء ... به. وخالف هؤلاء كلَّهم: بشرُ بنُ بكر فقال: ثني الأوزاعي: ثنا عطاء ... به؛ فصرح بسماع الأوزاعي من عطاء! وهو شاذ. أخرجه الحاكم، ثم قال: "وقد رواه الهِقْلُ بن زياد، وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي، ولم يذكر سماع الأوزاعي من عطاء ... "، ثم ساق إسناده بذلك كما ذكرته آنفًا. وقد قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٣٧): "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه هِقْل والوليد بن مسلم وغيرهما عن

стр. 603

الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس: أن رجلًا أصابته جراحة ... وذكرت لهما الحديث؟ فقالا: روى هذا الحديث: ابنُ أبي العشرين عن الأوزاعي عن إسماعيل ابن مسلم عن عطاء عن ابن عباس، وأفسد الحديث". قلت: حديث ابن أبي العشرين عند ابن ماجة كما سبق، وليس فيه: عن إسماعيل بن مسلم! فلعله اختلف فيه على ابن أبي العشرين، وهو متكلَّم فيه من قبل حفظه، فيبعد أن يحفط ما لم يحفظه الثقات من أصحاب الأوزاعي، ولذلك قالا: إنه أفسد الحديث. وبالجملة؛ فالإسناد منقطع؛ ولكن قد جاء موصولًا؛ فقد أخرجه ابن حبان في "صحيحه" -كما في "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" (١) -، والحاكم (١/ ١٦٥) من طريق عمر بن حفص بن غياث: حدثني أبي: أخبرني الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح أن عطاء حدثه ... به؛ إلا أنه قال: "ما لهم قتلوه! قتلهم الله (ثلاثًا)! قد جعل الله الصعيد -أو التيمم- طهورًا". وقال الحاكم:

стр. 604

"صحيح"، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن خزيمة أيضًا -كما في "التلخيص" (٢/ ٢٩٢) -، والبيهقي (١/ ٢٢٦) من طريق الحاكم، وقال: "حديث موصول". ثم قال الحافظ: "والوليد بن عبيد الله؛ ضعفه الدارقطني، وقوّاه من صحح حديثه هذا". ثم رأيت الحديث في "صحيح ابن خزيمة" (٢٧٣)، وعنه ابن حبان، وابن الجارود (١٢٦). وله شاهد يرويه جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؛ رفعه: في قوله : ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾؛ قال: "إذا كان بالرجل الجراحة في سبيل الله، أو القروح، أو الجُدَرِيُّ، فيُجْنِبُ، فيخاف -إن اغتسل- أن يموت؛ فَلْيَتَيَمَّمْ". أخرجه ابن خزيمة (١/ ١٣٨ / ٢٧٢)، والدارقطني (١/ ١٧٧ / ٩)، والحاكم (١/ ١٦٥)، والبيهقي (١/ ٢٢٤). وقال ابن خزيمة: "لم يرفعه غير عطاء بن السائب". وذكر البيهقي أنه رواه عنه جمع موقوفًا. قلت: وقال الدارقطني: "وهو الصواب". ولكنه في حكم المرفوع؛ لأنه في التفسير، ولا سيما أنه من ترجمان القرآن: ابن عباس ﵄.

стр. 605

قلت: وهو شاهد لا بأس به لحديث جابر قبله؛ فإن فيه -كما في هذا- ذكر التيمم. ١٢٧ - باب المتيمِّمُ يجد الماء بعدما يصلي في الوقت ٣٦٦ - عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرتِ الصلاة وليس معهما ماء، فتيمَّما صعيدًا طيِّبًا، فصلَّيا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعِدِ الآخر، ثم أتيا رسولَ الله ﷺ ، فذكرا ذلك له؟ فقال للذي لم يُعِدْ: "أصبتَ السُّنَّة، وأجْزَأتْكَ صلاتُك". وقال للذي توضأ وأعاد: "لك الأجر مرتين". (قلت: حديث صحيح، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي! وقوّاه النووي. وأخرجه ابن السكن في "صحيحه"). إسناده: حدثنا محمد بن إسحاق المُسَيَّبي: نا عبد الله بن نافع عن الليث بن سعد عن بكر بن سَوَادة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. قلت: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير أن عبد الله بن نافع -وهو ابن أبي نافع الصائغ- في حفظه ضعف؛ فقال أحمد: "لم يكن صاحب حديث؛ كان ضعيفًا فيه". وقال أبو حاتم: "ليس بالحافظ، هو ليّن في حفظه، وكتابه أصح". وذكره ابن حبان في

стр. 606

"الثقات"، وقال: "كان صحيح الكتاب، وإذا حدَّث من حفظه ربما أخطأ". وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالحافط عندهم". وفال الخليلي: "لم يرضوا حفظه، وهو ثقة، أثنى عليه الشافعي". وقال الحافظ: "ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين". قلت: وقد دلَّ على سوء حفظه إسناده لهذا الحديث؛ فقد خالفه من هو أحفظ منه كما يأتي. والحديث أخرجه النسائي (١/ ٧٤)، والدارمي (١/ ٩٠)، والدارقطني (٦٩)، والحاكم (١/ ١٧٨)، والبيهقي (١/ ٢٣١) من طرق عن عبد الله بن نافع ... به. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي! وأعله المصنف، فقال عقب الحديث: "وغير ابن نافع يرويه عن الليث عن عَمِيرَةَ بن أبي ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ ". قال: "وذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ؛ هو مرسل". وقال الدارقطني: "تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلًا. وخالفه ابن المبارك وغيره".

стр. 607

ثم ساقه من طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن المبارك عن ليث عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار ... مرسلًا. وأخرجه النسائي من طريق سُوَيد بن نصر عن عبد الله ... به؛ إلا أنه قال: عن ليث بن سعد قال: حدثني عميرة وغيره عن بكر بن سوادة. وهكذا رواه يحيى بن بكير عن الليث؛ إلا أنه لم يقل: وغيره. أخرجه البيهقي. قال ابن القطان -كما في "نصب الراية" (١/ ١٦٠) -: "فالذي أسنده أسقط من الإسناد رجلًا -وهو عميرة-، فيصير منقطعًا، والذي يرسله؛ فيه مع الإرسال عميرة، وهو مجهول الحال". قال: "لكن رواه أبو علي بن السكن: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي: ثنا عباس بن محمد: ثنا أبو الوليد الطيالسي: ثنا الليث بن سعد عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء عن أبي سعيد: أن رجلين خرجا في سفر ... الحديث. قال: فوصله ما بين الليث وبكر: بعمروٍ بن الحارث -وهو ثقة- وقرنه بعميرة، وأسنده بذكر أبي سعيد. قلت: وعميرة ثقة أيضًا؛ وليس بمجهول الحال، كما زعم ابن القطان! وقد أشار الحافظ بالرد عليه كما يأتي في الكلام على الرواية الآتية. فقد ثبت الحديث مسندًا ومرسلًا. وقد قال النووي في "المجموع" (٢/ ٣٠٦): "ومثل هذا المرسل يحتج به الشافعي وغيره، كما قدَّمنا في مقدمة الكتاب: أن الشافعي يحتج بمرسل كبار التابعين إذا أسند من جهة أخرى، أو يرسل من جهة أخرى، أو يقول به بعض الصحابة، أو عوام العلماء، وقد وجد في هذا

стр. 608

الحديث شيئان من ذلك: أحدهما: ما قدمناه قريبًا عن ابن عمر ﵁: أنه أقبل من الجُرُفِ، حتى إذا كان بالمربد؛ تيمم وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يُعِدِ الصلاة. وهذا صحيح عن ابن عمر كما سبق. الثاني: روى البيهقي بإسناده عن أبي الزناد قال: كان مَنْ أدركتُ من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم؛ منهم سعيد بن المسيب -وذكر تمام فقهاء المدينة السبعة- يقولون: من تيمم وصلى، ثم وجد الماء وهو في الوقت أو بعده؛ لا إعادة عليه". (تنبيه): الحديث؛ عزاه الأستاذ الدَّعَّاس -في تعليقه على الحديث (٣٣٨) -: البخاري! وهو من أوهامه. ٣٦٧ - عن عطاء بن يسار: أن رجُلينِ من أصحاب رسول الله ﷺ ... بمعناه. (قلت: حديث صحيح). إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة: ثنا ابن لهيعة عن بَكْرِ بن سَوَادَةَ عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عُبَيْدٍ عن عطاء بن يسار. قلت: هذا إسناد ضعيف؛ أبو عبد الله هذا لا يعرف، كما قال الذهبي. وقال الحافظ: "مجهول". وابن لهيعة سيئ الحفظ، وقد خالفه غيره؛ فلم يُدْخِلْ بين بكر وعطاء أحدًا كما سبق. وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٥٣):

стр. 609

"وابن لهيعة ضعيف، فلا يلتفت لزيادته ولا يُعَلُّ بها رواية الثقة عمرو بن الحارث ومعه عميرة بن أبي ناجية، وقد وثقه النسائي ويحيى بن بكير وابن حبان، وأثنى عليه أحمد بن صالح وابن يونس وأحمد بن سعيد بن أبي مريم". والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٢٣١) من طريق المصنف. ١٢٨ - باب في الغسل للجمعة ٣٦٨ - عن أبي هريرة: أنَّ عمر بن الخطاب بينا هو يخطب يوم الجمعة؛ إذ دخل رجل، فقال عمر: أتَحْتَبِسُون عن الصلاة؟ ! فقال الرجل: ما هو إلا أنْ سمعتُ النداءَ فتوضَّأْتُ! قال عمر: والوُضُوءَ أيضًا؟ ! أوَلَمْ تسمعوا رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا أتى أحدُكم الجمعةَ فلْيغتسِلْ"؟ ! (قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه في "صحيحيهما"). إسناده: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع: نا معاوية عن يحيى: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرطهما؛ ومعاوية: هو ابن سلَّام -بالتشديد-. ويحيى: هو ابن أبي كثير. والحديث أخرجه أحمد (رقم ٩١ و ٣١٩ و ٣٢٠) من طرق أخرى عن يحيى ... به.

стр. 610

وأخرجه البخاري (٢/ ٢٩٦) من طريق شيبان عنه، وهو رواية لأحمد. وأخرجه مسلم (٣/ ٣)، والدارمي (١/ ٣٦١)، والبيهقي (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥) من طريق الأوزاعي قال: حدتني يحيى بن أبي كثير ... به؛ وسمى مسلم والبيهقي الرجلَ: عثمان بن عفان. وأخرج الطحاوي (١/ ٦٩) المرفوع منه. وللحديث طريق أخرى عن عمر. أخرجه الشيخان وغيرهما. ٣٦٩ - عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "غُسْل يومِ الجمعة واجبٌ على كل مُحْتَلِمٍ". (قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وقد أخرجاه في "الصحيحين"). إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب عن مالك عن صفوان بن سلَيْمٍ عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. قلت: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. والحديث في "الموطأ" (١/ ١٢٤) ... بهذا السند. ومن طريقه: أخرجه البخاري (٢/ ٢٨٧)، ومسلم (٣/ ٣)، والنسائي (١/ ٢٠٤)، والبيهقي (١/ ٢٩٤)، وأحمد (٣/ ٦٠)، ومحمد في "مُوطئه" (٧٢) كلهم عن مالك ... به. وقد تابعه ابن عيينة؛ فقال أحمد (٣/ ٦): ثتا سفيان عن صفوان بن سليم ... به.

стр. 611

وأخرجه البخاري (٢/ ٢٧٥)، والدارمي (١/ ٣٦١)، وابن ماجة (١/ ٣٣٨)، والطحاوي (١/ ٦٩) كلهم عن سفيان ... به. وقد أبعد الحافظ النُّجْعَة؛ حيث قال -عقب رواية البخاري عن مالك-: "وقد تابع مالكًا على روايته: الدراورديُّ عن صفوان: عند ابن حبان"! وكأنه ذهل عن رواية سفيان هذه! وفي رواية الدراوردي زيادة شاذة، نبهت عليها في "الضعيفة" (٣٩٥٨). ولأبي سعيد حديث آخر أتم من هذا، يأتي قريبًا (رقم ٣٧٢). ٣٧٠ - عن حفصة عن النبي ﷺ قال: "على كل مُحْتَلِمٍ رَوَاحُ الجُمُعَةِ، وعلى كل مَنْ راحَ الجمعةَ الغُسْلُ". (قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان (١٢١٧)، وقال المنذري: "حسن"، والمناوي: "صالح"). قال أبو داود: "إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر؛ أجزأه من غسل الجمعة، وإن أجنب". إسناده: حدثنا يزيد بن خالد الرملي: نا المُفَضَّلُ بن فَضَالة عن عَيَّاشِ بن عَبَّاسٍ عن بُكَيْرٍ عن نافع عن ابن عمر عن حفصة. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير يزيد بن خالد، وهو ثقة. وقال المناوي في "فيض القدير": "إسناده صالح"!

стр. 612

وكأنه اعتمد على سكوت المصنف عليه. وفي "عون المعبود": "قال المنذري: حسن، وأخرجه النسائي". قلت: وليس في النسخة المطبوعة من "مختصر السنن" قوله: "حسن"! والحديث أخرجه الطحاوي (١/ ٦٩)، وابن خزيمة (١٧٢١) من طرق عن المفضل ... به. وأخرج النسائي (١/ ٢٠٣) الشطر الأول منه. وإسناده صحيح على شرط مسلم، كما قال النووي في "المجموع" (٤/ ٤٨٣). ٣٧١ - عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومَسَّ من طيب -إن كان عنده-، ثم أتى الجمعة، فلم يَتَخَطَّ أعناقَ الناس، ثم صلَّى ما كَتَبَ الله له، ثم أنصتَ إذا خرج إمامُه حتى يفرغ من صلاته؛ كانت كفارةً لما بينها وبين جُمْعَتِهِ التي قَبْلها "قال: ويقول أبو هريرة-، وزيادةٌ ثلاثةُ أيام -ويقول-؛ إن الحسنة بعشر أمثالها. (قلت: إسناده حسن، وكذا قال النووي. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي! وأخرج مسلم بعضه ويأتي (رقم ٩٦٤)). إسناده: حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن مَوْهَبٍ الرملي الهَمْدَاني. (ح) وحدثنا عبد العزيز بن يحيى الحَرَّاني قالا: نا محمد بن سلمة. (ح) وحدثنا موسى بن إسماعيل: نا حماد -وهذا حديث محمد بن سلمة- عن محمد بن

стр. 613

إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن -قال يزيد وعبد العزيز في حديثيهما: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل- عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة. قال أبو داود: "وحديث محمد بن سلمة أتم، ولم يذكر حماد كلام أبي هريرة". قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات؛ واين إسحاق مدلس وقد عنعنه؛ لكنه قد صرَّح بالتحديث في بعض الروايات الصحيحة عنه، كما يأتي، فزالت شبهة تدليسه. ولذلك قال النووي في "المجموع" (٤/ ٥٣٧): "إسناده حسن". والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٨١): ثنا يعقوب: ثنا أبي عن محمد بن إسحاق: ثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف وأبي أمامة بن سهل بن حُنَيْفٍ ... به. وأخرجه الحاكم (١/ ٢٨٣) من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن محمد بن إسحاق: ثني محمد بن إبراهيم ... به. وأخرجه أيضًا من طريق حجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة ... به. وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، كما نبَّهنا عليه مرارًا. ورواه أيضًا ابن حبان، والبيهقي -كما في "التلخيص" (٢/ ٦١٩) -، ورواه الطحاوي (١/ ٢١٦). ورواه مسلم (٣/ ٨)، وأحمد (٢/ ٤٢٤) عن أبي صالح عن أبي هريرة ... مرفوعًا نحوه ببعضه.

стр. 614

وأحمد (٣/ ٣٩) من طريق عطية عن أبي سعيد ... به. وقد جعل أبو صالح قول أبي هريرة: "وزيادة ثلاثة أيام" من صلب الحديث. وسيأتي عند المصنف في "الجمعة" (٩٦٤) من رواية الأعمش عنه. وتابعه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ... مرفوعًا. أخرجه ابن حبان (٥٦٦ - موارد)؛ دون ذكر التخطِّي وما بعده. ٣٧٢ - عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ ! قال: "الغُسْلُ يوم الجمعة على كل محتلم، والسواكُ، وَيمَسّ مِنَ الطِّيبِ ما قُدِّرَ له (زاد في رواية: ولو من طِيب المرأة) ". (قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه في "صحيحه". وأخرجه البخاري بنحوه). إسناده: حدثنا محمد بن سلمة المرادي: نا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال وبكير بن الأشَجِّ حدثاه عن أبي بكر بن المنكدر عن عمرو بن سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه؛ إلا أن بكيرًا لم يذكر عبد الرحمن؛ وقال في (الطيب): "ولو من طيب المرأة". قلت: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم. والحديث أخرجه النسائي (١/ ٢٠٤) بهذا الإسناد قال: أخبرنا محمد بن سلمة ... به.

стр. 615

وأخرجه مسلم (٣/ ٣): حدثنا عمرو بن سَوَادٍ العامري: حدثنا عبد الله بن وهب ... به. قلت: فقد اختلف سعيد بن أبي هلال وبكير بن الأشج في إسناده، فالأول زاد فيه عبد الرحمن بن أبي سعيد، وأسقطه الآخر. وعندي أن الروايتين صحيحتان؛ لأن كلًّا منهما ثقة. وقد تابع بكير بن الأشج على إسقاطه شعبة: عند البخاري (٢/ ٢٩٠). ومحمد بن المنكدر أخو أبي بكر: أخرجه ابن خزيمة من طريقه. قال الحافظ (٢/ ٢٩٢): "والذي يظهر: أن عمرو بن سليم سمعه من عبد الرحمن ابن أبي سعيد عن أبيه، ثم لقي أبا سعيد فحدَّثه، وسماعه منه ليس بمنكر؛ لأنه قديم وُلِدَ في خلافة عمر بن الخطاب، ولم يوصف بالتدليس. قلت: وقد رواه ابن لهيعة عن بكير مثل رواية ابن أبي هلال ... بزيادة عبد الرحمن في الإسناد. أخرجه أحمد (٣/ ٣٠). لكن ابن لهيعة سيئ الحفظ، فلا يُحْتَجُّ به. ثم أخرجه (٣/ ٦٩) من طريق خالد بن زيد عن سعيد ... به. وأخرجه (٣/ ٦٥) عن فُلَيْحٍ قال: سمعت أبا بكر بن المنكدر عن أبي سعيد ... به نحوه. وهذا منقطع وفليح سيئ الحفظ أيضًا.

стр. 616

٣٧٣ - عن أوْسِ بن أوْسٍ الثَّقَفِي قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "من غَسَّلَ يوم الجمعة واغتسل، ثم بَكَّر وابْتَكَرَ، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمعَ ولم يَلْغُ؛ كان له بكل خُطْوةٍ عملُ سَنَةٍ أجْرُ صيامها وقيامها". (قلت: إسناده صحيح. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان (٢٧٧٠) في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي! وقال الترمذي: "حديث حسن"، ووافقه النووي). إسناده: حدثنا محمد بن حاتم الجَرْجَرَائي -حِبِّي-: نا ابن المبارك عن الأوزاعي: حدثني حسان بن عطية: حدثني أبو الأشعث الصنعاني: حدثني أوس ابن أوس الثقفي. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، رجال مسلم؛ غير محمد بن حاتم الجرجرائي، وهو ثقة. وأبو الأشعث الصنعاني: اسمه شَرَاحيل بن آدَةَ، وهو ثقة كما في "التقريب"، وثقه العجلي وابن حبان، واحتج به مسلم، وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد". والحديث أخرجه ابن ماجة (١/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، والحاكم (١/ ٢٨٢)، وأحمد (٤/ ٩ و ٩ - ١٠ و ١٠٤) من طرق عن ابن المبارك ... به. وقد رواه عن أبي الأشعث: يحيى بنُ الحارث الذّمَارِيُّ وعبد الرحمن بن يزيد ابن جابر. أما حديث يحيى: فأخرجه النسائي (١/ ٢٠٥)، والترمذي (٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨)،

стр. 617

والدارمي (١/ ٣٦٢)، والحاكم (١/ ٢٨١)، وعنه البيهقي (٣/ ٢٢٧)، وأحمد (٤/ ١٠)، والطحاوي أيضًا (١/ ٣١٦) من طرق عنه. وقال الترمذي: "حديث حسن"! ووافقه النووي في "المجموع" (٤/ ٥٤٢)! وهذا من تساهلهما؛ فإن رجاله كلهم ثقات لا خلاف فيهم. وقد صحح النووي في "الرياض" (ص ٤٢٨) حديثًا آخر لأوس هذا من رواية عبد الرحمن -المذكور- عن أبي الأشعث الصنعاني عنه، وسيأتي في الكتاب في "الجمعة" (رقم ٩٦٢)! وقال الحاكم: "قد صح هذا الحديث بهذه الأسانيد على شرط الشيخين"! كذا قال، ووافقه الذهبي! وفيه ما ذكرنا في ترجمة أبي الأشعث. وأما حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: فأخرجه النسائي، والحاكم، وأحمد (٤/ ٩ و ١٠٤) من طرق عنه. وهو صحيح أيضًا على شرط مسلم. والحديث رواه ابن خزيمة أيضًا، وابن حبان في "صحيحيهما" -كما في "الترغيب" (١/ ٢٤٧) -. وله طريق أخرى صحيحة عن أوس؛ وهو: ٣٧٤ - عن أوس الثقفي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من غَسَلَ رأسَهُ يوم الجمعة واغتَسَلَ ... " وساق نحوه.

стр. 618

(قلت: إسناده صحيح). إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد: نا ليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عُبَادة بن نُسَيٍّ عن أوس الثقفي. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير عبادة بن نُسَيٍّ وهو ثقة بلا خلاف. وللحديث طريق أخرى عن أوس بلفظ آخر، وهو الذي قبله. ٣٧٥ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ومَسَّ من طيب امرأته إن كان لها، ولَبِسَ من صالح ثيابه، ثم لم يتَخَطَّ رقاب الناس، ولم يَلْغُ عند الموعظةِ؛ كانت كفارةً لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس؛ كانت له ظُهْرًا". (قلت: إسناده حسن، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٨١٠)). إسناده: حدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المصريان قالا: نا ابن وهب -قال ابن أبي عقيل- قال: أخبرني أسامة -يعني: ابن زيد- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير عمرو بن شعيب وأبيه؛ وهما ثقتان، كما سبق تحقيق ذلك (رقم ١٢٤). وغير ابن أبي عقيل؛ فإني لم أعرفه إلى الآن، كما سبق أيضًا (رقم ٢٨٣) مقرونًا مع ابن سلمة، كما هو هنا. والحديث سكت عليه الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٦٢٣)!

стр. 619

ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٨١٠). وأخرجه الطحاوي (١/ ٢١٦): حدثنا إبراهيم بن مُنْقِذٍ قال: ثنا ابن وهب ... به، دون قوله: "ومن لغا ... إلخ". وإبراهيم هذا: هو أبو إسحاق العُصْفُرِيُ؛ قال ابن يونس: "ثقة". ورواه البيهقي (٣/ ٢٣١) من طريق المؤلف. ٣٧٦ - عن علي بن حوشب قال: سألت مكحولًا عن هذا القول: "غسل واغتسل"؟ قال: غَسَّلَ رأسَهُ وجَسَدَهُ. (قلت: إسناده صحيح). إسناده: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي: نا مروان: نا علي بن حوشب. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات؛ ومروان: هو ابن محمد. ٣٧٧ - عن سعيد بن عبد العزيز في: "غسّل واغتسل"؛ قال: قال سعيد: غَسَّل رأسَه، وغَسَل جَسَده. (قلت: إسناده صحيح، وهو والذي قبله تفسير لحديث أوس المتقدم (رقم ٣٧٣)). إسناده: حدثنا محمد بن الوليد الدمشقي: نا أبو مُسْهِرٍ عن سعيد بن عبد العزيز. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات؛ وأبو مُسْهِر: هو عبد الأعلى بن

стр. 620

مُسْهِرٍ الغَسَّاني الدمشقي. ٣٧٨ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ ! قال: "من اغتسل يوم الجمعة غُسْلَ الجنابةِ، ثم راحَ؛ فكأنما قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَنْ راحَ في الساعةِ الثانية؛ فكأنما قَرَّبَ بقرةً، ومَنْ راحَ في الساعة الثالثة؛ فكأنما قَرَّبَ كبشًا أقْرَنَ، ومن راح في الساعة الرابعة؛ فكأنما قرب دجَاجَةً، ومن راح في الساعة الخامسة؛ فكأنما قرب بيضةً، فإذا خرج الإمام حضرتِ الملائكة يستمعون الذِّكْرَ". (قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه في "الصحيحين". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"). إسناده: حدثنا عبد الله بن مَسْلَمَةَ عن مالك عن سُمَيٍّ عن أبي صالح السَّمَّان عن أبي هريرة. قلت: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه. والحديث في "الموطأ" (١/ ١٢١ - ١٢٢). وأخرجه البخاري (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، ومسلم (٣/ ٤)، والنسائي (١/ ٢٠٦)، والترمذي (٢/ ٣٧٢)، وأحمد (٢/ ٤٦٠) كلهم عن مالك ... به. وقد تابعه ابن عجلان عن سُمَيٍّ. أخرجه النسائي. وله طرق أخرى عن أبي هريرة: عند البخاري (٢/ ٣٢٥)، ومسلم (٣/ ٧ - ٨

стр. 621

و ٨)، والنسائي، والدارمي (١/ ٣٦٢ و ٣٦٣)، وابن ماجة (١/ ٣٣٩)، وأحمد (٢/ ٢٨٠ و ٢٣٩ و ٢٥٩ و ٢٨٢ و ٤٥٧ و ٤٨٣ و ٤٩١ و ٥٠٥ و ٥١٢) ... بنحوه مختصرًا ومطولًا. ١٢٩ - باب الرخصة في ترك الغُسْلِ يوم الجمعة ٣٧٩ - عن عائشة قالت: كان الناسُ مُهَّانَ أنفسِهِم، فيَرُوحُون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم! (قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه هو ومسلم في "الصحيحين"). إسناده: حدثنا مسدد: نا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة. قلت: هذا إسناد صحيح على شرط البخاري. والحديث أخرجه أحمد (٦/ ٦٢) عن سفيان -وهو الثوري-، ومحمد في "الموطأ" (ص ٧٥)، والبخاري (٢/ ٣٠٩) -عن عبد الله بن المبارك-، ومسلم (٣/ ٣) -عن الليث- كلهم عن يحيى بن سعيد ... به نحوه. ثم أخرجه مسلم من طريق أخرى عنها ... أنم منه. والنسائي (١/ ٢٠٤) من طريق ثالث عنها. والحديث أخرجه الطحاوي (١/ ٧٠) أيضًا من طرق عن يحيى.

стр. 622

٣٨٠ - عن عكرمة: أن أناسًا من أهل العراق جاؤوا، فقالوا: يا ابن عباس! أترى الغُسْلَ يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا؛ ولكنه أطهر وخيرٌ لمن اغتسل، ومَنْ لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبِرُكُم كيف بدأ الغُسْلُ: كان الناسُ مجهودينَ، يلْبَسُونَ الصُّوفَ، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيِّقًا مقَارِبَ السقْفِ؛ إنما هو عَرِيشٌ، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حارٍّ، وعَرِقَ الناسُ في ذلك الصُّوف، حتى ثارَتْ منهم رياحٌ آذى بذلك بعضُهُم بعضًا، فلما وَجَدَ رسولُ الله ﷺ تلك الريحَ قال: "أيها الناس! إذا كان هذا اليومُ؛ فاغتسلوا، ولْيَمسَّ أحدُكم أفضلَ ما يجد مِنْ دهنهِ وطِيبِه". قال ابن عباس: ثم جاء الله تعالى بالخير، ولبسوا غَيْرَ الصوف، وكُفُوا العمل، وَوُسِّعَ مسجدُهم، وذهب بعضُ الذي كان يُؤْذي بعضُهم بعضًا من العَرَقِ. (قلت: إسناده حسن، وكذا قال النووي والعسقلاني، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط البخاري"! يوافقه الذهبي"). إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة: نا عبد العزيز -يعني: ابن محمد- عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة. قلت: هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح". وقال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٨٩):

стр. 623

"إسناده حسن" (١). والحديث أخرجه الطحاوي (١/ ٦٩ - ٧٠) من طريق القَعْنَبِي، ومن طريق ابن أبي مريم: أنا الدراوردي ... به. وأخرجه الحاكم (١/ ٢٨٠)، وأحمد (١/ ٢٦٨) من طريق سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو ... به. وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط البخاري"، ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. ثم استدركت فقلت: إن الحديث إسناده حسن؛ لأن مداره على عمرو بن أبي عمرو، وهو وإن كان قد خُرِّجَ له في "الصحيحين" محتجًّا به؛ فقد تكلم فيه غير واحد من قبل حفظه؛ فقال ابن معين: "في حديثه ضعف؛ ليس بالقوي". وقال أبو زرعة: "ثقة". وقال أبو حاتم: "لا بأس به". وقال النسائي: "ليس بالقوي". وقال ابن عدي: "لا بأس به". وقال ابن حبان في "الثقات": "ربما أخطأ". فيتلخَّص من أقوالهم هذه أنه في نفسه ثقة، وأن في حفظه ضعفًا. ولذلك قال الحافظ في "التقريب":

стр. 624

"ثقة، ربما وهم". فمثله لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن إذا لم يظهر خطؤه، ولذلك حسن النووي والحافظ حديثه هذا كما سبق. وقال الذهبي في ترجمته من "الميزان" -بعد أن ذكر بعض الأقوال المتقدمة فيه-: "حديثه صالح حسن، مُنْحَطٌ عن الدرجة العُليا من الصحيح"! قال الحافظ: "كذا قال! وحق العبارة: أن يحذف (العُليا) ". ٣٨١ - عن سَمُرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ توضأ؛ فبها ونِعْمَتْ، ومَنِ اغتسل؛ فهو أفضلُ". (قلت: حديث حسن، وكذا قال الترمذي، ووافقه النووي. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه". وقوّاه البيهقي لكثرة طرقه). إسناده: حدثنا أبو الوليد الطيالسي: نا همَّام عن قتادة عن الحسن عن سَمُرة. قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ لكن الحسن -وهو البصري- مدلس، وقد عنعن. وأبو الوليد الطيالسي: اسمه هشام بن عبد الملك. وقد اختلفوا في سماع الحسن من سمرة، ويأتي تحقيق الحق من ذلك إن شاء الله تعالى. وهذا الإسناد -وإن كان معلولًا-؛ فالحديث صحيح؛ لأن له شواهد كثيرة، سنذكرها قريبًا إن شاء الله. والحديث أخرجه الطحاوي (١/ ٧١): حدثنا فهد قال: ثنا أبو الوليد ... به.

стр. 625

ثم أخرجه هو، والدارمي (١/ ٣٦٢)، وأحمد (٥/ ٨ و ١١ و ١٦ و ٢٢) من طرق عن همام ... به. وكذلك أخرجه البيهقي (١/ ٢٩٥). ثم أخرجه هو، والنسائي (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، والترمذي (٢/ ٣٦٩)، والخطيب في "تاريخه" (٢/ ٣٥٢) من حديث شعبة عن قتادة ... به. وقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث؛ بسبب اختلافهم في سماع الحسن من سمرة بن جندب؛ فقال النسائي عقيب هذا الحديث: "الحسن عن سمرة؛ كتاب، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة"! وكذا قال ابن حزم في "المحلى" (٢/ ١٢): "ولا يصح للحسن سماع من سمرة؛ إلا حديث العقيقة وحده". وهو قول البزار والدارقطني، كما في "نصب الراية"! وقال الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٦١٤): "وقال في "الإمام": من يحمل رواية الحسن عن سمرة على الاتصال يصحح هذا الحديث. قلت: وهو مذهب علي بن المديني؛ كما نقله عنه البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم". قال الزيلعي: "والظاهر من الترمذي أنه يختار هذا القول، فإنه صحح في كتابه عدة أحاديث من رواية الحسن عن سمرة. واختار الحاكم هذا القول، فقال في كتابه "المستدرك" -بعد أن أخرج حديث الحسن عن سمرة: أن النبي ﷺ كانت له سكتتان ... الحديث-: ولا يُتَوَهَّمْ أن الحسن لم يسمع من سمرة؛ فإنه سمع منه. وأخرج في كتابه عدة أحاديث من رواية الحسن عن سمرة، وقال في بعضها: على شرط البخاري".

стр. 626

قلت: وهذا الحديث من الأحاديث التي صححها الترمذي، فقال: "حديث حسن صحيح"؛ في نقل الزيلعي عنه. والذي في نسخة "جامعه" -التي صححها المحقق أحمد محمد شاكر-: "حديث حسن"؛ فقط، ليس فيها: "صحيح"؛ ولم يشر المحقق أن هذه الزيادة وردت في شيء من النسخ التي وقف عليها! والله أعلم. فهذان قولان متقاربان: أنه سمع منه مطلقًا، وأنَّه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في "الأضاحي" (رقم ٢٥٢٧ و ٢٥٢٨)، وسنذكر هناك الحجة في سماعه لهذا الحديث منه. وثمة قول ثالث مباين لهذين القولين، وهو أنه لم يسمع منه شيئًا! واختاره ابن حبان في "صحيحه"! وقال في "التنقيح": "قال ابن معين: الحسن لم يلق سمرة. وقال شعبة: الحسن لم يسمع من سمرة"! وهذا القول غير صحيح؛ ففي "صحيح البخاري" (٩/ ٤٨٧) وغيره -كما سيأتي هناك- تصريح الحسن بسماعه لحديث العقيقة من سمرة. وأيضًا؛ فإن في "مسند أحمد" (٥/ ١٢): ثنا هشيم: ثنا حميد عن الحسن قال: جاءه رجل فقال: إن عبدًا له أبق، وإنه نذر -إن قدر عليه- أن يقطع يده؟ فقال الحسن: ثنا سمرة قال: قلّما خطب النبي ﷺ خطبة؛ إلَّا أمر فيها بالصدقة؛ ونهى فيها عن المُثْلَةِ. قال الحافظ:

стр. 627

"وهذا يقتضي سماعه منه لغير حديث العقيقة". قلت: لكن رواه قتادة عن الحسن فقال: عن الهَياح بن عمران: أن عمران أبق له غلام، فجعل لله عليه: لئن قدر عليه ليقطعن يده، فأرسلني لأسأل، فأتيت سمرة بن جندب فقال ... فذكر الحديث نحوه. أخرجه المصنف في "الجهاد"، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- (رقم ٢٣٩٣). قد أدخل قتادة بين الحسن وسمرة: الهياج بن عمران؛ وهذا يخدج فيما ادّعاه الحافظ ﵀، وسيأتي تحقيق الكلام فيه هناك إن شاء الله تعالى! فتبين مما تقدم صحة القول الأول، وبطلان القول الأخير، وبقي النظر في القول الثاني -وهو أنه سمع منه مطلقًا-وهو أيضًا غير صحيح عندي؛ وذلك لأمرين: الأول: أننا لم نجد تصريح الحسن بالسماع من سمرة في غير ما سبق من الحديث. ثانيًا: أنه قد ثبت أن بينه وبين سمرة -في بعض الأحاديث- واسطة كما تقدم. ومن ذلك ما رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (ص ١٨) من طريق قتادة أيضًا عن الحسن عن سعد بن هشام عن سمرة بن جندب مرفوعًا: "خير أمتي؛ القرن الذي بعثت فيهم ... " الحديث. فإذ الأمر كذلك -وكان الحسن معروفًا بالتدليس، كما سبق مرارًا-؛ فلا يكفي في تصحيح مطلق حديثه عن سمرة: أنه سمع منه بعض الأحاديث؛ لاحتمال أن يكون بينهما في الأحاديث الأخرى بعض الرواة ممن دلسهم! ألا ترى أن الحاكم قد روى (٤/ ٣٦٧) بهذا الإسناد -الحسن عن سمرة مرفوعًا-:

стр. 628

"من قتل عبده قتلناه ... " الحديث، ثم حكم بصحته؛ فقال: "صحيح على شرط البخاري"! ووافقه الذهبي! وليس كما قالا؛ فإن الحسن لم يسمع هذا الحديث من سمرة؛ كما صرح بذلك قتادة أيضًا في رواية عنه، كما أخرجه أحمد (٥/ ١٠) عن شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة -ولم يسمعه منه- أن رسول الله ﷺ قال ... فذكره. لذلك؛ كان الصواب من الأقوال الثلاثة القول الأول. وعليه؛ فكل حديث تفرد بروايته الحسن عن سمرة معنعنًا غير مصرح بالتحديث؛ فهو في حكم الأحاديث الضعيفة، وسيكون من نصيب الكتاب الآخر؛ ما لم نجد له متابعًا أو شاهدًا معتبرًا، كهذا الحديث الذي نحن بصدد الكلام عليه؛ فإن له شواهد تقويه، وكالحديث المشار إليه آنفًا، فسيأتي في "الدِّيَاتِ". والحديث قال النووي في "المجموع" (٤/ ٥٣٣): "حديث حسن، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد حسنة"! ورواه ابن خزيمة في "صحيحه"؛ كما في "الجامع الصغير". وأما شواهد الحديث؛ فكثيرة؛ فمنها: عن أنس. وله عنه طرق: ١ - عن يزيد الرقاشي عنه: أخرجه الطيالسي (رقم ٢١١٠): حدثنا الربيع عن يزيد ... به.

стр. 629

وأخرجه البيهقي (١/ ٢٩٦) من طريقه، ومن طريق أخرى عن الربيع ... به. وبهذا الإسناد: أخرجه الإمام محمد في "الموطأ" (ص ٧٣) وفي "كتاب الحجج"؛ إلا أنه زاد فقال: عن أنس بن مالك وعن الحسن البصري كلاهما يرفعه إلى النبي ﷺ ! وكذلك أخرجه الطحاوي (١/ ٧١) من طريق يعقوب الحضرمي قال: ثنا الربيع ابن صَبِيحٍ عن الحسن وعن يزيد الرقاشي عن أنس. ثم قال الطحاوي: حدثنا أحمد بن خالد البغدادي قال: ثنا علي بن الجعد قال: أنا الربيع بن صبيح وسفيان الثوري عن يزيد الرقاشي عن أنس ... به مرفوعًا. وهذا إسناد صحيح إلى الرقاشي، رجاله كلهم ثقات معروفون. والربيع بن صبيح ثقة، ولكنه سيئ الحفظ؛ لكن قد تابعه -كما ترى- سفيان الثوري. وتابعه أيضًا إسماعيل بن مسلم المكي عن يزيد الرقاشي. أخرجه ابن ماجة (١/ ٣٣٩). وإسماعيل هذا ضعيف؛ فالعمدة على رواية الثوري. ومدار الحديث على يزيد الرقاشي، وهو ضعيف لسوء حفظه، لا لتهمة في صدقه، فقد قال الآجُري عن المصنف: "هو رجل صالح، سمعت يحيى يقول: رجل صدق". وقال ابن عدي: "له أحاديث صالحة عن أنس وغيره، وأرجو أنه لا بأس به؛ لرواية الثقات

стр. 630

عنه". وقال أبو حاتم: "كان واعظًا بكَّاءً، كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر، وفي حديثه ضعف". لكنه لم يتفرد به؛ فقد فال الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٦١٤): "ورواه الطبراني من حديثه -يعني: أنسًا- في "الأوسط" بإسناد أمثل من ابن ماجة". ٢ - قلت: وإسناده في "الأوسط" هكذا -كما في "نصب الراية" (١/ ٩٢) -: حدثنا محمد بن عبد الرحمن المروزي: ثنا عثمان بن يحيى القرساني (*): ثنا مُؤَمَّل بن إسماعيل: ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ... فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير محمد بن عبد الرحمن المروزي وعثمان بن يحيى القرساني فإني لم أجد من ترجمهما! وهذا هو الطريق الثاني عن أنس. ٣ - والطريق الثالث: أخرجه الطحاوي (١/ ٧١)، والبزار في "مسنده" من طريق الضحاك بن حُمْرَة الأُمْلُوكي عن الحجاج بن أرطاة عن إبراهيم بن المهاجر عن الحسن بن أبي الحسن عن أنس. وهذا إسناد رجاله موثقون؛ فهو إسناد لا بأس به؛ لولا عنعنة الحجاج والحسن ابن أبي الحسن -وهو البصري-. والضحاك بن حمرة سيئ الحفظ.

стр. 631

ومنها: عن جابر: أخرجه الطحاوي (١/ ٧١) من طريق عُبَيْدٍ بن إسحاق العَطَّار قال: أنا قيس ابن الربيع عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. وهذا إسناد رجاله موثقون؛ غير عبيد بن إسحاق العظار؛ ضعفه يحيى والبخاري والدارقطني. وأما ابن حبان؛ فذكره في "الثقات"! وقال: "يُغْرِب". ورضيه أبو حاتم فقال: "ما رأينا إلا خيرًا، وما كان بذاك الثبت، في حديثه بعض الإنكار". وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٧٥): "رواه البزار، وفيه قيس بن الربيع؛ وثقه شعبة والثوري، وضعفه جماعة"! قلت: إعلال الحديث بـ (عبيد بن إسحاق) أولى؛ لكنْ لعل البزار رواه من طريق أخرى عن الربيع، فلذلك لم يعله الهيثمي به! والله أعلم. وله طريق أخرى؛ فرواه عبد بن حميد في "مسنده": حدثنا عمر بن سعد عن الثوري عن أبان عن أبي نضرة عن جابر مرفوعًا. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه": أخبرنا الثوري عن رجل عن أبي نضرة ... به. وأبان: هو ابن أبي عياش، وحاله كحال يزيد بن أبان الرقاشي في الضعف. وأما قول الزيلعي (١/ ٩٢): "والحسن لم يسمع من أنس؛ كما قال البزار"؛ فوهم منه وذهول؛ فقد نقل هو قبل صفحة (ص ٩٠) كلام البزار في سماع الحسن من الصحابة، وفيه أن البزار قال:

стр. 632

"فأما الذين سمع منهم؛ فهو أنس بن مالك ... " إلخ. وقد جزم بسماعه منه أحمد وأبو حاتم، ولكن علته أنه معنعن، كما سلف. وفي الباب: عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري: عند البيهقي. وهذه الأحاديث وإن كانت أفرادها ضعيفة؛ فمجموعها مما يعطي الحديث قوة، ويرقِّيه إلى درجة الحسن على أقل الدرجات. وقد حسنه الترمذي والنووي كما سبق، وقوّاه البيهقي؛ فقال الزيلعي (١/ ٩٣): "قال البيهقي: والآثار الضعيفة إذا ضُمَّ بعضها إلى بعض؛ أحدثت قوة فيما اجتمعت فيه من الحكم. انتهى". لكن الحديث ليس نصًّا فيما بوب له المصنف؛ لأن غاية ما فيه: أن الوضوء نِعْمَ العملُ، وأن الغسل أفضل، وهذا مما لاشكَّ فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. قال ابن حزم ﵀ (٢/ ١٤): "فهل دلَّ هذا اللفظ على أن الإيمان والتقوى ليس فرضًا؟ ! حاشا لله من هذا! ". قال: "ثم لو كان في جميع هذه الأحاديث نصٌّ على أن غسل الجمعة ليس فرضًا؛ لما كان في ذلك حجة؛ لأن ذلك كان يكون موافقًا لما كان الأمر عليه قبل قوله ﵇ غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". و "على كل مسلم". وهذا القول منه ﵇ شرع وارد، وحكم زائد ناسخ للحالة الأولى بيقين لا شك فيه، ولا يحل ترك الناسخ بيقين والأخذ بالمنسوخ". قلت: والحق أن غسل الجمعة واجب؛ لأن الأحاديث الواردة في الباب قبله صريحة في ذلك لا تقبل التأويل إلا بتكلف واضح؛ لكنها لا تفيد الشرطية، فمن اغتسل يوم الجمعة؛ فقد أدى الواجب الذي عليه، ومن تركه فقد أثم؛ لكن صلاة

стр. 633

الجمعه صحيحة. والله تعالى أعلم (١). ١٣٠ - باب الرجل يُسْلِمُ فيُؤْمَرُ بالغُسْل ٣٨٢ - عن قيس بن عاصم قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ أريد الإسلامَ، فأمَرَني أن أغتسل بماءٍ وسِدْرٍ. (قلت: إسناده صحيح. وقال الترمذي: "حديث حسن"! ووافقه النووي! وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان (١٢٣٧) في "صحيحيهما". وصححه ابن السكن). إسناده: حدثنا محمد بن كثير العبدي: أنا سفيان: نا الأغَرُّ عن خليفة بن حُصَيْنٍ عن جده قيس بن عاصم. قلت: هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات. والحديث أخرجه النسائي (١/ ٤٠)، والترمذي (٢/ ٥٠٢ - ٥٠٣)، والبيهقي (١/ ١٧١)، وأحمد (٥/ ٦١) كلهم من طرق عن سفيان ... به. ورواه ابن خزيمة، وابن حبان (١٢٣٧) كما في "التلخيص" (٤/ ٦١٧)، قال: "وصححه ابن السكن، ووقع عنده: عن خليفة بن حصين عن أبيه عن جده قيس بن عاصم. وعند غيره: عن خليفة عن جده. قال أبو حاتم في "العلل": الصواب هذا، ومن قال: عن أبيه عن جده؛ فقد أخطأ".

стр. 634

قلت: رواه ابن أبي حاتم: في "العلل" (١/ ٢٤) عن أبيه، وقد ذكر الحديث من طريق قَبِيصة عن سفيان ... بزيادة: عن أبيه، ثم قال: "أخطأ قبيصة". وقد وصله من طريقه: البيهقي. وتابعه وكيع عند أحمد. لكن رواه البيهقي من طريقه دون هذه الزيادة: عن أبيه. فقد اختلف فيه على وكيع، والصواب رواية الجماعة عن سفيان، كما تقدم. ثم قال الترمذي: "حديث حسن"! ووافقه النووي في "المجموع" (٢/ ١٥٢)! ٣٨٣ - عن عُثَيْمِ بنِ كُلَيْبٍ عن أبيه عن جده: أنه جاء النبي ﷺ فقال: قد أسلمت. فقال له النبيّ ﷺ : "أَلْقِ عنك شَعْرَ الكُفْرِ"؛ يقول: "احلق". قال: وأخبرني آخرُ: أن النبيَّ ﷺ قال لآخرَ معه: "أَلقِ عنك شَعْرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ". (قلت: حديث حسن، وقوَّاه شيخ الإسلام ابن تيمية). إسناده: حدثنا مخلد بن خالد: نا عبد الرزاق: نا ابن جريج قال: أُخْبِرْتُ عن عُثَيْمِ بن كلَيْبٍ.

стр. 635

قلت: وهذا سند ضعيف؛ لجهالة الواسطة بين ابن جريج وعُثيم، ولجهالة عثيم وأبيه كليب أيضًا. وقد ادعى الحافظ في "تهذيب التهذيب": أن كُلَيْبًا هذا هو صحابيّ هذا الحديث، وأنه جد عثيم، لا أبوه؛ فقال: "ذكر ابن منده وغيره أن اسم والد كُلَيْب: الصَّلْت، وترجم له في "الصحابة" بناءً على ظاهر الإسناد! وليس الأمر كذلك؛ بل هو عثيم بن كثير بن كليب، والصُّحبة لكليب، وكأن من حدَّث ابن جريج نسب عثيمًا إلى جده، فصار الظاهر أن الصحابي والد كليب؛ وإنما كليب هو الصحابي، ولا نعرف لأبيه صحبة، وقد روى ابن منده الحديث من طريق إبراهيم بن أبي يحيى عن عثيم على الصواب، وكذا رواه أحمد في "المسند" ... "! قلت: ولم أجد الحديث في "المسند" هكذا على الصواب؛ وإنما رواه كما رواه المصنف، ويأتي قريبًا، وما أظن إلا أن الحافظ قد وهم في هذا العزو، وكلامه في "التعجيل" يشير إلى هذا؛ فقد قال في ترجمة كثير بن كليب هذا -عقب قول الحُسَيني: "روى عن أبيه، وله صحبة، وعنه: ابنُه عُثيم مجهول"-: "قلت: وقع في حديثه اختلاف؛ فعند أحمد وأبي داود: عن عثيم بن كليب عن أبيه. ولا ذكر عندهما لكثير في السند ... "، ثم ذكر رواية ابن منده المتقدمة، ثم قال: "فقيل إن ابن جريج حَمَلَه عن إبراهيم بن أبي يحيى؛ فأبهمه، ونسب عُثيمًا إلى جده". قلت: وعلى ما صوَّبه الحافظ؛ كان عليه أن يُفْرِد لكثير هذا ترجمةً خاصة في "التهذيب"، وفي "التقريب"، ولم يفعل ذلك، لا هو ولا الخزرجي! وهذا مما يُسْتَدرك عليهم.
следующие страницы →