وهذا لا يضر أيضًا؛ فإن معاذ بن هشام تقة، وقد احتج به الشيخان، ولم يتفرد بوصله ورفعه كما قد يُوهِمُ ذلك كلام البيهقي؛ بل قد توبع عليه؛ كما سنبينه عند حديثه الآتي، وهو:
٤٠٤ - عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أن نبي الله ﷺ قال ... فذكر معناه، ولم يذكر: "ما لم يَطْعَمْ"؛ زاد:
قال قتادة: هذا ما لم يَطْعَمَا، فإذا طَعِمَا غُسِلا.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرطهما"! يوافقه الذهبي! وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وقال الحافظ: "إسناده صحيح، وقد رَجَّحَ البخاري صحته، وكذا الدارقطني"، ورواه ابن حبان في "صحيحه" (١٣٧٢)، وكذا ابن خزيمة).
إسناده: حدثنا ابن المثنى: نا معاذ بن هشام: حدثني أبي عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
والحديث أخرجه أحمد (١/ ٩٧ / رقم ٧٥٧): ثنا معاذ بن هشام ... به.
وأخرجه الترمذي (٢/ ٥٠٩)، وابن ماجة (١/ ١٨٨)، والطحاوي (١/ ٥٥)، والدارقطني (٤٧)، والحاكم (١/ ١٦٥ - ١٦٦)، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٥١٥)، وعبد الله بن أحمد في "زوائده" على "المسند" (رقم ١١٤٨) من طرق عن معاذ بن هشام ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح". والحاكم:
"حديث صحيح على شرطهما"! ووافقه الذهبي!
стр. 667
وإنما هو على شرط مسلم وحده كما ذكرنا؛ لأن أبا حرب بن أبي الأسود ليس من رجال البخاري. وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٦٠):
"وإسناده صحيح. ورواه سعيد عن قتادة فوقفه؛ وليس ذلك بعلة قادحة".
قلت: ورواية سعيد الموقوفة هي الني في الكتاب قبل هذا. وقال في "التلخيص":
"إسناده صحيح؛ إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي وصله وإرساله، وقد رجح البخاري صحته، وكذا الدارقطني. وقال البزار: "تفرد برفعه معاذ بن هشام عن أبيه. وقد روي هذا الفعل من حديث جماعة من الصحابة، وأحسنها إسنادًا حديث علي".
وقد تبع البزارَ في قوله: "تفرد برفعه معاذ بن هشام عن أبيه": البيهقيُّ، وقد ذكرنا كلامه في ذلك في الحديث السابق!
وليس هذا القول بصحيح؛ فقد قال الدارقطني:
"تابعه عبد الصمد عن هشام".
قلت: أخرجه من طريقه: أحمد (رقم ٥٦٣ و ١١٤٩): حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثنا هشام ... به.
وأخرجه ابنه عبد الله في "زوائده" مقرونًا مع رواية معاذ (رقم ١١٤٨).
وأخرجه الدارقطني أيضًا (ص ٤٧).
٤٠٥ - عن الحسن عن أمه قالت:
إنها أَبْصَرَتْ أم سَلَمَةَ تَصُبُّ الماءَ على بول الغلام ما لم يَطْعَم، فإذا طَعِمَ غسلته، وكانت تغسل بول الجارية.
стр. 668
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وهو موقوف، وصححه البيهقي والحافظ ابن حجر).
إسناده: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر: نا عبد الوارث عن يونس عن الحسن.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وأم الحسن -وهو البصري-: اسمها خَيْرَةُ. وقال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٥٥):
"وسنده صحيح. ورواه البيهقي من وجه آخر عنها موقوفًا أيضًا، وصححه".
قلت: إنما أخرجه البيهقي (٢/ ٤١٦) من طريق المصنف بإسناده هذا.
وأما الوجه الآخر عنها؛ فأخرجه (٢/ ٤١٥) مرفوعًا من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز بن صادر: ثنا الفضيل بن سليمان النُّمَيْري: ثنا كثير بن قارْوَنْدا: أبَنا عبد الله بن حزم عن معاذة بنت حُبَيْش عنها. وقال:
"وهذا الحديث صحيح عن أم سلمة من فعلها ... "، ثم ساقه موقوفًا عليها من طريق المصنف.
وفي إسناد هذا المرفوع جماعة لم أجد لهم ترجمة! وهم: عبد الرحمن بن عبد العزيز -ويعرف بابن صادر- وعبد الله بن حزم ومعاذة بنت حُبَيْش.
وقد روي مرفوعًا من وجه آخر ضعيف أيضًا.
رواه الطبراني في "الأوسط" عنها.
والحديث صحيح مرفوعًا؛ ورد كذلك عن جماعة من الصحابة بأسانيد قوية، كما سبق.
стр. 669
١٣٧ - باب الأرض يُصِيبها البول
٤٠٦ - عن أبي هريرة:
أن أعرابيًّا دخل المسجد ورسولُ الله ﷺ جالس، فصلى (زاد في رواية: ركعتين)، ثم قال: اللهم ارْحَمْنِي ومحمدًا، ولا تَرْحَمْ معنا أحدًا! فقال النبي ﷺ : "تَحَجَّرْت واسعًا". ثم لم يَلْبَثْ أن بال في ناحية المسجد؛ فأسرعَ الناسُ إليه، فنهاهم النبي ﷺ ، وقال:
"إنما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرينَ! صُبُّوا عليه سَجْلًا من ماء -أو قال: ذَنوبًا من ماء-".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". ورواه ابن حبان في "صحيحه" نحوه، والبخاري مفرقًا).
إسناده: حدثنا أحمد بن عمرو بن السَّرْحِ وابن عَبْدة -في آخرين؛ وهذا لفظ ابن عبدة-: قال: أنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. قال ابن عبدة: ... ركعتين .....
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وابن عبدة: هو أحمد أبو عبد الله الضبِّي.
والحديث أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٩): ثنا سفيان ... به.
وأخرجه الترمذي (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، والبيهقي (٢/ ٤٢٨) من طرق عن سفيان ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
стр. 670
وللحديث طرق أخرى؛ فقال أحمد (٢/ ٥٠٣): ثنا يزيد: أنا محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة ... نحوه.
وهذا إسناد حسن.
وأخرجه ابن ماجة (١/ ١٨٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٢/ ٣٣٩ / ١٣٩٩) من طريق محمد -وهو ابن عمرو - ... به.
ورواه البخاري (١٠/ ٣٦٠) من طريق الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ... به مختصرًا، دون قصة البول في المسجد.
لكنه أخرج هذه القصة من طريق الزهري أيضًا قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة قال ... فذكره دون قصة الدعاء.
أخرجه في موضعين (١/ ٢٥٨ و ١٠/ ٤٣٢).
وأخرجه النسائي أيضًا (١/ ٢٠ و ٦٣)، والبيهقي (٢/ ٤٢٨)، وأحمد (٢/ ٢٨٢).
وله شاهد في "ابن حبان" (٩٨٢) من حديث ابن عمر؛ دون قصة البول.
ورجاله ثقات.
٤٠٧ - عن عبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن قال:
صَلَّى أعرابي مع النبي ﷺ ... بهذه القصة؛ قال فيه: وقال -يعني: النبي ﷺ :
"خُذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهْرِيقُوا على مكانه ماءً".
قال أبو داود: "هو مرسل؛ ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ ".
стр. 671
(قلت: وكذا قال الدارقطني. والحديث صحيح، وقوّاه الحافظ).
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: نا جرير -يعني: بن حازم- قال: سمعت عبد الملك -يعني: ابن عمير- يحدث عن عبد الله بن مَعْقِلِ بن مُقَرِّن.
قال أبو داود: "هو مرسل؛ ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ ".
قلت: وهو مرسل صحيح الإسناد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وقد جاء مرسلًا وموصولا من طرق أخرى، فالحديث بها صحيح كما يأتي.
والحديث أخرجه الدارقطني (ص ٤٨)، والبيهقي (٢/ ٤٢٨) كلاهما عن المصنف ... به.
ومن شواهده: مرسل آخر؛ فقال الطحاوي (١/ ٨):
"وروى طاوس: أن النبي ﷺ أمر بمكانه أن يُحْفَرَ. حدثنا بذلك أبو بكرة بَكَّار ابن قتيبة البكراوي قال: ثنا إبراهيم بن يشار قال: ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار عن طاوس ... بذلك".
قلت: وهذا مرسل صحيح الإسناد أيضًا.
وكذا رواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة -كما في "التلخيص" (١/ ٢٥٠) -، وعبد الرزاق في "مصنفه" -كما في "نصب الراية" (١/ ٢١٢) -.
وقد روي عنه موصولًا من حديث أنس، بإسناد رجاله ثقات، كما قال الحافظ:
"قال الدارقطني: ثنا ابن صاعد: ثنا عبد الجبار بن العلاء: ثنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن أنس: أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقال النبي ﷺ : "احفروا
стр. 672
مكانه، ثم صُبُّوا عليه ذَنوبًا من ماء". وأعله الدارقطني بأن عبد الجبار تفرد به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ، وأنه دخل عليه حديث في حديث، وأنه عند ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس مرسلًا، وفيه: "احفروا مكانه"، وعن يحيى ابن سعيد عن أنس موصولًا، وليست فيه الزيادة"! قال الحافظ:
"وهذا تحقيق بالغ؛ إلا أن هذه الطريق المرسلة -مع صحة إسنادها- إذا ضُمَّت إلى أحاديث الباب؛ أخذت قوة".
وأقول: عبد الجبار -مع كونه ثقة من رجال مسلم-؛ فقد تابعه سعيد بن عبد الرحمن المخزومي: عند الترمذي (١٤٨)، وصححه؛ لكنه لم يَسُقْ لفظه. ثم قال الحافظ: "وله إسنادان موصولان:
أحدهما: عن ابن مسعود: رواه الدارمي والدارقطني ولفظه: فأمر بمكانه فاحتفر، وصبَّ عليه دَلوًا من ماء؛ وفيه سمعان بن مالك؛ وليس بالقوي، قاله أبو زرعة. وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبي زرعة: وهو حديث منكر. وكذا قال أحمد. وقال أبو حاتم: لا أصل له.
ثانيهما: عن واثلة بن الأسقع: رواه أحمد والطبراني؛ وفيه عبيد الله بن أبي حميد الهُذَلي، وهو منكر الحديث. قاله البخاري وأبو حاتم"! !
قلت: حديث ابن مسعود؛ أخرجه الدارقطني (ص ٤٨)، وأخرجه الطحاوي أيضًا (١/ ٨). ولم أجده في "سنن الدارمي"؛ فليراجع!
ورواه أبو يعلى أيضًا -كما في "المجمع" (١/ ٢٨٦ و ٢/ ١١) -، وقال:
"وروى أبو يعلى عقبه بإسناد رجاله رجال "الصحيح" عن النبي ﷺ قال ... مثله".
وأما حديث واثلة؛ فلم أجده أيضًا في "المسند"! وأحاديثه في موضعين منه
стр. 673
(٣/ ٤٩٠ - ٤٩١ و ٤/ ١٠٦ - ١٠٧)!
وأكاد أجزم أن الحافظ وهم في عزوه لـ "المسند"؛ بل أظن أنه ليس لواثلة حديث في هذا الباب! وذلك لأمور:
أولًا: أنني لم أجد أحدًا من الجامعين -كالحافظ الزيلعي- ذكره في الباب؛ بل الحافظ نفسه لم يذكره في "الفتح"، ونص كلامه فيه ملخصًا، قال (١/ ٢٥٩):
"إن الحديث جاء من ثلاث طرق: أحدها موصول من حديث ابن مسعود.
أخرجه الطحاوي؛ لكن إسناده ضعيف قاله أحمد وغيره. والآخران: مرسلان ... ". إلخ كلامه.
ثانيًا: أن الحافظ الهيثمي لم يذكره في الموضعين المشار إليهما سابقًا من كتابه "مجمع الزوائد"، وهو من شرطه.
ثالثًا: أنني لم أجده في أحاديث واثلة من "المسند"، كما سبق! والله أعلم.
١٣٨ - باب في طُهُور الأرضِ إذا يَبِسَتْ
٤٠٨ - عن ابن عمر قال:
كنتُ أبِيتُ في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنتُ فتىً شابًّا عَزَبًا، وكانت الكلاب تبول، وتُقْبِلُ وتُدْبِرُ في المسجد، فلم يكونوا يَرشُّون شيئًا.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد رواه في "صحيحه" معلقًا).
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح: نا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس عن ابن
стр. 674
شهاب: ثني حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال ابن عمر ...
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٤٢٩) من طريق هارون بن معروف: ثنا ابن وهب ... به.
ورواه البخاري (١/ ٢٢٣) تعليقًا فقال: وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي عن يونس ... به.
وقد وصله البيهقي، وأبو نعيم أيضًا من طريق أحمد بن شبيب.
١٣٩ - باب الأذى يصيبُ الذَّيْلَ
٤٠٩ - عن أم وَلَدٍ لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أنها سألت أمَّ سلمة زوجَ النبي ﷺ ، فقالت:
إني امرأة أُطِيل ذَيْلِي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ :
"يُطَهِّرُهُ ما بعدَهُ".
(قلت: حديث صحيح، وصححه ابن العربي، وقال ابن حجر الهيتمي: "حديث حسن"، وقال العقيلي: "إسناده صالح جيد").
إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن محمد بن عمارة بن عمرو ابن حزم عن محمد بن إبراهيم عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
قلت، وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير أم ولد إبراهيم هذه؛ فإنها مجهولة،
стр. 675
وقد سماها النسائي في "مسند مالك": "حميدة" ففي "التهذيب" ما نصه:
"كن -حميدة: أنها سألت أم سلمة فقالت: إني امرأة طويلة للذيل. وعنها محمد بن إبراهيم بن الحارث. وقيل: عنه عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة، وهو المشهور". قال الحافظ:
"يجوز أن يكون اسم أم الولد حميدة؛ فيلتئم القولان".
قلت: وبذلك جزم الذهبي في "الميزان" فقال:
"حميدة. سألت أم سلمة: هي أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. تفرد عنها محمد بن إبراهيم التيمي". وقال الشيخ علي القاري في "المرقاة" (١/ ٣٥٦):
"قال ابن حجر -يعني: الهيتمي-: ومَرَّ أنها مجهولة، ومع ذلك الحديث حسن. وهو غير صحيح؛ إلا أن يقال: إنه حسن لغيره؛ فيتوقف على إسناد آخر ليس فيه المجهولة، فيعتضد به؛ وهو غير معلوم؛ فتأمل"!
قلت: قد تأملنا، فوجدنا كلام الهيتمي صحيحًا؛ لأن مراده أنه حسن لغيره، وقد علمنا له إسنادًا آخر، وقد أخرجه المصنف بعد هذا، وهو إسناد صحيح، فيعتضد به، كما أن له شاهدًا آخر من حديث أبي هريرة يأتي ذكره.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٤٧).
ومن طريقه: أخرجه الإمام محمد (ص ١٥٩)، والترمذي (١/ ٢٦٦)، والدارمي (١/ ١٨٩)، وابن ماجة (١/ ١٩٠)، والبيهقي (٢/ ٥٠٦) كلهم عن مالك ... به.
وأخرجه أحمد (٦/ ٢٩٠، ٣١٦) من طرق أخرى عن محمد بن عمارة ... به.
стр. 676
والحديث سكت عليه الترمذي!
وضعفه الخطابي والمنذري والنووي، فقال في "المجموع" (٢/ ٩٦): إنه "ضعيف؛ لأن أم ولد إبراهيم مجهولة"!
وأما الخطابي؛ فقال -عقب حديثي الباب-:
"وفي إسناد الحديثين مقال؛ لأن الأول عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن، وهي مجهولة لا يعرف حالها في الثقة والعدالة. والحديث الآخر عن امرأة من بني عبد الأشهل، والمجهول لا تقوم به الحجة في الحديث"! قال المنذري:
"وما قاله في الحديث الأول ظاهر. وأما ما قاله في الحديث الثاني؛ ففيه نظر؛ فإن جهالة اسم الصحابي غير مؤثرة في صحة الحديث".
قلت: وهذا هو الذي تقرر في المصطلح: أن جهالة اسم الصحابي لا تضر؛ وعليه جمهور أهل العلم من المحدثين وغيرهم. وقال أبو بكر بن العربي:
"هذا الحديث مما رواه مالك؛ فصح، وإن كان غيره لم يَرَهُ صحيحًا"!
وقد اغتر بهذا بعض المعاصرين، وهو صاحب "التاج"، فقال في الحديث:
"رواه أبو داود ومالك والترمذي بسند صالح، وسند مالك صحيح"!
وهذا -مع ما فيه من إيهام أن إسنادي المصنف والترمذي غير إسناد مالك، وليس كذلك؛ لأنهما أخرجاه من طريقه كما سبق-؛ فليس صحيح الإسناد؛ لجهالة أم ولد هذه كما تقدم! على أن العقيلي قال عقبه (٢/ ٢٥٦):
"إسناد صالح جيد"!
نعم؛ الحديث صحيح باعتبار أن له شاهدين:
стр. 677
أحدهما: عن أبي هريرة قال:
قيل: يا رسول الله! إنا نريد المسجد، فنطأ الطريق النجسة؟ فقال:
"الأرض يظهرُ بعضُها بعضًا".
أخرجه ابن ماجة والبيهقي من طريق إبراهيم بن إسماعيل اليَشْكُرِيِّ عن ابن أبي حبيبة عن داود بن الحُصَين عن أبي سفيان عنه.
وهذا إسناد ليس بالقوي، كما قال البيهقي.
٤١٠ - عن امرأة من بني عبد الله الأشْهَل قالت:
قلت: يا رسول الله! إن لنا طريقًا إلى المسجد مُنْتِنَةً فكيف نفعل إذا مُطِرْنَا؟ قال:
"أليس بعدها طريقٌ هي أطيبُ منها؟ ". قالت: قلت: بلى. قال:
"فهذه بهذه".
(قلت: إسناده صحيح، وصححه المنذري وعبد الحق الإشبيلي).
إسناده: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وأحمد بن يونس قالا: نا زهير: نا عبد الله بن عيسى عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن امرأة من بني عبد الأشهل.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير موسى بن عبد الله بن يزيد؛ فمن رجال مسلم وحده.
وأعله الخطابي بجهالة المرأة الصحابية! وردَّه المنذري بأن ذلك لا يوثر في صحة
стр. 678
الحديث؛ يعني: لأن الصحابة كلهم عدول، وقد ذكرنا نص كلامهما في ذلك في الحديث قبله.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٤٣٤) من طريق أبي الوليد: ثنا زهير ... به.
وأخرجه ابن ماجة (١/ ١٩٠) من طريق شريك عن عبد الله بن عيسى ... به.
وزهير: هو ابن معاوية.
١٤٠ - باب الأذى يصيبُ النَّعْلَ
٤١١ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:
"إذا وَطِئَ أحدُكُم بِنَعْلِهِ الأذى؛ فإنَّ الترابَ له طَهُورٌ".
(قلت: حديث صحيح، وقد صححه من سنذكر في الرواية الآتية):
إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: نا أبو المغيرة. (ح) وحدثنا عباس بن الوليد ابن مَزْيَدٍ: أخبرني أبي. (ح) وحدثنا محمود بن خالد: نا عمر -يعني: ابن عبد الواحد- عن الأوزاعي -المعنى- قال: أنبئت أنّ سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِي حدث عن أبيه عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح؛ لولا جهالة من أنبأ الأوزاعي.
وقد سماه محمد بن كثير الصنعاني عن الأوزاعي فقال: عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد ... به نحوه؛ وهو في الكتاب بعد هذا.
لكن محمد بن كثير سيئ الحفظ؛ فلا يحتج به؛ لا سيما فيما خالف فيه الثقات، وسيأتي زيادة بيان لهذا.
стр. 679
والحديث أخرجه الحاكم (١/ ٦٦)، والبيهقي (٢/ ٤٣٠) من طريق العباس بن الوليد بن مَزْيَدٍ ... به.
٤١٢ - وفي رواية عنه عن النبي ﷺ ... بمعناه؛ قال:
"إذا وطئ الأذى بخُفَّيْهِ؛ فَطَهُورُهُمَا الترابُ".
(قلت: حديث صحيح. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١٤٠٠ و ١٤٠١). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال ابن تيمية: إنه: "حسن").
إسناده: حدثنا أحمد بن إبراهيم: حدثني محمد بن كثير -يعني: الصنعاني- عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ لكن محمد بن كثير سيئ الحفظ، فلا يحتج به؛ لا سيما وقد خولف في إسناده:
فرواه جماعة من الثقات عن الأوزاعي فقالوا: عنه قال: أُنْبِئْتُ أن سعيد بن أبي سعيد ... به.
فرجع الحديث إلى أنه عن مجهول.
هكذا أخرجه المصنف وغيره كما سبق. ولذلك قال النووي في "المجموع" (١/ ٩٧):
"رواه أبو داود من طرق كلها ضعيفة". وقال الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٤٤):
"وهو معلول؛ اختلف على الأوزاعي، وسنده ضعيف".
وأما الزيلعي؛ فنقل في "نصب الراية" (١/ ٢٠٧) عن النووي أنه قال في
стр. 680
"الخلاصة":
"رواه أبو داود بإسناد صحيح"!
فإذا صح هذا عن النووي؛ فقد تناقض! ثم قال الزيلعي:
"وقال ابن القطان: هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا يظن بها الصحة؛ فإنه رواه من حديث محمد بن كثير عن الأوزاعي ... به؛ إذ محمد بن كثير -الصنعاني الأصل المصيصي الدار أبو يوسف ضعيف، وأضعف ما هو: عن الأوزاعي؛ قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: هو منكر الحديث؛ يروي أشياء منكرة. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: هو عندي ليس بثقة".
قلت: لكن الحديث صحيح؛ لأن له شاهدين يأتي ذكرهما. ولذلك قال ابن تيمية في "الفتاوى" (٢/ ٢٨): أنه "حسن".
والحديث أخرجه الطحاوي (١/ ٣١)، والحاكم (١/ ١٦٦)، والبيهقي (٢/ ٤٣٠) من طرق أخرى عن محمد بن كثير ... به. وقال الحاكم:
"حديث صحيح على شرط مسلم؛ فإن محمد بن كثير الصنعاني هذا صدوق، وقد حفط في إسناده ذِكْرَ ابن عجلان"!
قلت: كذا قال! ولم يتعقبه الذهبي يشيء! فكأنه أقره ووافقه! وفي ذلك نظر من وجهين:
الأول: أن الصنعاني هذا ليس بالحافظ؛ بل هو سيئ الحفظ كما سبق، فلا تقبل زيادته في الإسناد.
والآخر: أن مسلمًا لم يخرج للصنعاني شيئًا، كما أنه إنما أخرج لابن عجلان
стр. 681
متابعة.
والحديث رواه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (١٤٠٠ و ١٤٠١)، وابن السكن؛ كما في "التلخيص "
وله شاهدان يشهدان له بالصحة:
الأول: من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا؛ بلفظ:
"إذا جاء أحدكم إلى المسجد؛ فلينظر، فإن رأى في نَعْلَيْهِ قذرًا أو أذىً؛ فَلْيَمْسَحْهُ، ولْيُصَلِّ فيهما".
أخرجه المصنف وغيره بإسناد صحيح، وسيأتي في (الصلاة في النعل) (رقم ٦٥٧).
وأما الشاهد الآخر؛ فهو من حديث عائشة، وهو:
٤١٣ - عن عائشة عن رسول الله ﷺ ... بمعناه.
(قلت: إسناده صحيح، وقال المنذري: "حديث حسن"، وأقره ابن تيمية).
إسناده: حدثنا محمود بن خالد: نا محمد -يعني: ابن عائذ-: حدثني يحيى بن حمزة عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد: أخبرني أيضًا سعيد بن أبي سعيد عن القعقاع بن حكيم عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات.
وقد أعله البيهقي بالانقطاع؛ فقال ابن التركماني:
"سكت -يعني: البيهقي-عن هذا الحديث؛ وقال في "الخلافيات":
стр. 682
القعقاع لم يسمع من عائشة".
قلت: وقد رجعت إلى ترجمة القعقاع من "التهذيب"؛ فإذا به يقول:
"روى عن أبي هريرة -وقيل: لم يلقه-، وجابر، وعائشة، وابن عمر، وعلي ابن الحسين ... " إلخ.
فلم ينفِ سماعه منها، والقعقاع لم يعرف بتدليس، فروايته محمولة على الاتصال.
ولذلك؛ فإنا نرجح صحة هذا الإسناد عن عائشة، وأنه متصل غير منقطع؛ والله تعالى أعلم. ولذلك قال المنذري في "مختصره" (رقم ٣٦٣):
"وأما حديث عائشة؛ فحديث حسن". وأقره ابن تيمية في "الفتاوى" (٢/ ٢٨)، فقال:
"وقد قيل: حديث عائشة حديث حسن".
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٤٣٠) من طريق المصنف.
١٤١ - باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
١٤٢ - باب البُزَاق يصيبُ الثوبَ
٤١٤ - عن أبي نَضْرَةَ قال:
بَزَقَ رسولُ الله ﷺ في ثوبه، وحَكَّ بعضَه ببعض.
стр. 683
(قلت: حديث صحيح، وهو مرسل صحيح الإسناد).
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: نا حماد: أنا ثابت البُناني عن أبي نضرة.
قلت: هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ لكنه مرسل؛ فإن أبا نضرة تابعي -واسمه المنذر بن مالك بن قُطَعَةَ؛ بضم القاف وفتح المهملة.
ويشهد له حديث أنس بن مالك، وهو:
٤١٤ / م-عن أنس عن النبي ﷺ ... بمثله.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه البخاري في "صحيحه").
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: نا حماد عن حميد عن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وحماد: هو ابن سلمة.
والحديث أخرجه النسائي (١/ ٥٨) من طريق إسماعيل عن حميد ... به؛ ولفظه:
أن النبي ﷺ أخذ طرف رداءه، فَبَصَقَ فيه، فردَّ بعضه على بعض.
وهذا مختصر؛ فقد أخرجه البخاري (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، والبيهقي (٢/ ٢٩٢) من طريق إسماعيل أيضًا -وهو ابن جعفر- ... به؛ بلفظ:
أن النبي ﷺ رأى نُخَامة في القبلة، فشقَّ ذلك عليه، حتى رُئيَ في وجهه، فقام، فحكه بيده، فقال:
"إن أحدكم إذا قام في صلاته؛ فإنه يُنَاجي ربه -أو: إن ربه بينه وبين
стр. 684
القبلة-؛ فلا يَبْزُقَنَّ أحدُكُم قِبَل قِبْلَتِهِ، ولكنْ عن يساره أو تحت قدميه"، ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه، ثم ردَّ بعضه على بعض فقال:
"أو يفعل هكذا".
وأخرجه أحمد (٣/ ١٩٩): ثنا يزيد: ثنا حميد ... به.
وللحديث شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، سيأتي (رقم ٤٩٩).
آخر كتاب الطهارة من "صحيح سنن أبي داود"
стр. 685
٢ - أول كتاب الصلاة
٤١٥ - عن طلحة بن عُبَيْدِ الله:
جاء رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ من أهل نَجْدٍ، ثائرَ الرأس، يُسْمَع دَوِيُّ صوته، ولا يُفْقَه ما يقول؛ حتى دنا، فإذا هو يَسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ :
"خَمْسُ صلوات في اليوم والليلة". قال: هل عليَّ غيرهنَّ؟ قال:
"لا؛ إلا أن تَطَّوَّع". قال: وذكر له رسول الله ﷺ صيامَ شهر رمضان. قال: هل عليَّ غيره؟ قال:
"لا؛ إلا أن تَطَّوَّعَ".
قال: وذكر له رسولُ الله ﷺ الصدقةَ. قال: فهل عليَّ غيرهُا؟ قال:
"لا؛ إلا أن تَطَّوَّعَ". فأدبر الرجلُ وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص! فقال رسول الله ﷺ :
"أفلحَ إنْ صدق".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عَمِّهِ أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول ...
стр. 686
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث في "الموطأ" (١/ ١٨٨ - ١٨٩).
ومن طريقه: أخرجه البخاري (١/ ٨٧ - ٨٨ و ٥/ ٣٢٠)، ومسلم (١/ ٣١ - ٣٢)، وأبو عوانة (١/ ٤١٧ و ٢/ ٣١٠ - ٣١١)، والنسائي (١/ ٧٩ - ٨٠)، وابن الجارود (١٤٤)، والبيهقي (٢/ ٤٦٦)، وأحمد (١/ ١٦٢)، وابن منده في "الإيمان" (ق ٢/ ١٧) كلهم عن مالك ... به. وقال ابن منده:
"مجمع على صحته".
(تنبيه): زاد مسلم -وكذا المؤلف في الرواية الآتية- في رواية:
" .. وأبيه"!
وهي شاذة، وبيان ذلك في "الضعيفة" (٤٩٩٢)، وستأتي هذه الزيادة في رواية المؤلف في ("الضعيف" في الأيمان والنذور).
٤١٦ - وفي رواية؛ قال:
"أفلح -وأبيه- إن صدق، دخل الجنة -وأبيه- إن صدق".
(قلت: إسنادها صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه في "صحيحيهما". وقال الحافظ ابن حجر: "وهو صحيح لا مرية فيه"؛ لكن قوله: "وأبيه" شاذ).
إسناده: حدثنا سليمان بن داود: نا إسماعيل بن جعفر المدني عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر ... بإسناده -يعني: الذي قبله-.
стр. 687
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين (١)؛ وسليمان بن داود؛ هو العَتَكِي أبو الربيع الزَّهْراني البصري الحافظ.
والحديث أخرجه البخاري (٤/ ٨٢ و ١٢/ ٢٧٨)، ومسلم (١/ ٣٢)، والبيهقي (٢/ ٤٦٦) من طرق عن إسماعيل بن جعفر ... به. وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٨٩):
"وهو صحيح لا مرية فيه".
قلت: لكن قوله: "وأبيه" شاذ؛ كما تقدم التنبيه عليه آنفًا.
١ - باب في المواقيت
٤١٧ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :
"أمّني جبريل ﵇ عند البيت مَرَّتين، فصلَّى بي الظهرَ: حين زالت الشمسُ وكانت قَدْرَ الشِّرَاك، وصلَّى بي العَصْرَ: حين كان ظِلُّهُ مثلَه، وصلَّى بي -يعني- المغربَ: حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاءَ: حين غاب الشَّفَقُ، وصلَّى بي الفَجْرَ: حين حَرُمَ الطعامُ والشرابُ على الصائم.
فلما كان الغَدُ؛ صلَّى بي الظُّهْرَ: حين كان ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وصلَّى بي العَصْرَ: حين كان ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وصلَّى بي المغربَ: حين أفطر الصائم، وصلَّى بي العشاءَ: إلى ثلث الليل، وصلَّى بي الفَجْرَ فَأسْفَرَ، ثم التفتَ إليَّ فقال: يا محمد! هذا وقت الأنبياءِ من قبلك، والوقتُ: ما بين هذين
стр. 688
الوقتين".
(قلت: إسناده حسن صحيح، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، والحاكم: "صحيح"! وأقرَّهُ الذهبي! وكذا قال النووي! وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، وصححه أيضًا أبو بكر بن العربي، وابن عبد البر).
إسناده: حدثنا مسدد: نا يحيى عن سفيان: حدثني عبد الرحمن بن فلان ابن أبي ربيعة -قال أبو داود: هو عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة- عن حَكِيمِ بن حَكِيمٍ عن نافع بن جُبَيْرٍ بن مُطْعِمٍ عن ابن عباس.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات؛ وفي عبد الرحمن بن الحارث ضعف يسير من قبل حفظه، لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن؛ وقد وثقه ابن سعد وابن حبان والعجلي. وقال ابن معين:
"صالح". وقال أبو حاتم:
"شيخ". وقال النسائي:
"ليس بالقوي". وقال أحمد:
"متروك".
وضعفه ابن المديني. وقال ابن نمير:
"لا أُقْدِمُ على ترك حديثه". وقال الحافظ في "التقريب":
"صدوق له أوهام".
والحديث أخرجه الطحاوي (١/ ٨٧)، والدارقطني (ص ٩٦)، والحاكم (١/ ١٩٣)، والبيهقي (١/ ٣٦٤)، وأحمد (١/ ٣٣٣ و ٣٥٤) من طرق أخرى عن
стр. 689
سفيان ... به.
وأخرجه الترمذي (١/ ٢٧٩ - ٢٨٢)، والطحاوي أيضًا، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وعبد الرزاق (٢٠٢٨) من طرق أخرى عن عبد الرحمن بن الحارث ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح". والحاكم:
"صحيح"! وأقره الذهبي! وكذا قال النووي في "المجموع" (٣/ ٢٣)!
وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" (١)، كما في "نصب الراية" (١/ ٢٢١)، و "التلخيص" (٣/ ٥)، وقال:
"وفي إسناده عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة؛ مختلف فيه؛ لكنه توبع: أخرجه عبد الرزاق [رقم ٢٠٢٩] عن العمري عن عمر بن نافع بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن ابن عباس ... نحوه. قال ابن دقيق العيد: هي متابعة حسنة. وصححه أبو بكر بن العربي وابن عبد البر".
قلت: وأخرجه الدارقطني من طريق محمد بن حِمْيَرٍ عن إسماعيل عن عبد الله بن عمر عن زياد بن أبي زياد عن نافع بن جبير ... به بطوله.
وإسماعيل هذا؛ الظاهر أنه ابن عياش.
وعبد الله بن عمر: هو العمري.
وأما زياد بن أبي زياد؛ فإن كان هو الجَصَّاص؛ فهو ضعيف.
وإن كان المخزومي المدني مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة -وهو الأقرب-؛ فهو ثقة من رجال مسلم.
стр. 690
وقد تابعه عبيد الله بن مقسم عن نافع: أخرجه الدارقطني.
وهذه متابعة قوية؛ لولا أن في طريقها الواقدي؛ وهو متروك!
ثم أخرجه الدارقطني من طريق محمد بن إسماعيل البخاري: ثنا أيوب بن سليمان: حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن عبد الرحمن بن الحارث ومحمد بن عمرو عن حكيم بن حكيم ... به مختصرًا بلفظ:
أن جبريل أتى النبي ﷺ ، فصلَّى به الصلوات وقتين؛ إلا المغرب.
وهذه متابعة قوية؛ فإن محمد بن عمرو -وهو ابن علقمة- ثقة حسن الحديث أيضًا.
ومثلهما حكيم بن حكيم؛ لكنه قد توبع كما سبق، فالحديث صحيح، لا سيما وأن له شواهد تأتي في الكتاب، ومنها: حديث أبي مسعود، وهو:
٤١٨ - عن ابن شهاب:
أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر، فأخَّرَ العصر شيئًا، فقال له عروةُ بنُ الزبير: أما إنّ جبريل ﵇ قد أخبر محمدًا ﷺ بوقت الصلاة! فقال له عمر: اعلم ما تقول! فقال عروة: سمعتُ بَشِيرَ بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"نزل جبريل، فأحبرني بوقت الصلاة، فصلَّيت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صلَّيت معه، ثم صليت معه"؛ يحسب بأصابعه خمس صلوات، فرأيت رسول الله ﷺ صلَّى الظهر حين تزول الشمس،
стр. 691
وربما أخرها حين يشتدُّ الحرُّ، ورأيته يصلِّي العصر والشمس مرتفعةٌ بيضاءُ قبل أن تَدْخُلَهَا الصُّفْرةُ؛ فيَنْصَرِفُ الرَّجَلُ من الصلاة، فيأتي ذا الحُلَيْفَةِ قبل غروبِ الشمسِ، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يَسْوَدُّ الأفق، وربَّما أخَّرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مَرةً بِغَلَسٍ، ثم صلى مرة أخرى فأسْفَرَ بها، ثم كانت صلاته بَعْدَ ذلك التغليسَ حتى مات، ولم يَعُدْ إلى أن يُسْفِرَ.
(قلت: إسناده حسن، وكذا قال النووي، وهو على شرط مسلم. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١٤٩٢). وقال الحاكم: "صحيح"، وأقره الذهبي، وقال الخطابي: "هو صحيح الإسناد"، وقوَّاه المنذري، والعسقلاني، وصححه ابن خزيمة أيضًا).
إسناده: حدثنا محمد بن سلمة المرادي: نا ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره (١).
قلت: وهذا إسناد حسن، وهو على شرط مسلم؛ وفي أسامة بن زيد كلام لا يضر.
والحديث أخرجه الدارقطني (ص ٩٣)، والبيهقي (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤ و ٤٣٥) من طريق الربيع بن سليمان: ثنا عبد الله بن وهب ... به.
وأخرجه الحاكم (١/ ١٩٢)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٤٥٥) من طريق يزيد بن
стр. 692
أبي حبيب عن أسامة بن زيد ... به. وقال الحاكم: إنه "صحيح". وأقره الذهبي. وقال النووي في "المجموع" (٣/ ٥٢):
"رواه أبو داود بإسناد حسن، قال الخطابي: هو صحيح الإسناد". وقوّاه المنذري، كما يأتي. وقول الخطابي هذا؛ في "المعالم" (١/ ٢٤٥).
وقد أفاد المصنف ﵀ أن أسامة بن زيد تفرد بتفسير الأوقات في هذا الحديث دون أصحاب الزهري الذين ذكرهم! ونحن نذكر مَنْ خَرَّجَ أحاديثهم على الترتيب الذي أوردهم.
الأول: معمر -وهو ابن راشد-: أخرجه أحمد (٤/ ١٢٠ - ١٢١): ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن الزهري ... به.
وأخرجه أبو عوانة (١/ ٣٤٣) من طريق عبد الرزاق.
الثاني: مالك: وقد أخرجه هو نفسه في "موطّئه" (١/ ١٣ - ١٩)، وهو أول حديث فيه.
ومن طريقه: أخرجه البخاري (٢/ ٢ - ٥)، ومسلم (٢/ ١٠٣)، والبيهقي (١/ ٣٦٣)، وأحمد (٥/ ٢٧٤)، وأبو عوانة أيضًا (١/ ٣٤٠ - ٣٤١)، والدارمي (١/ ٢٦٨).
الثالث: ابن عيينة -وهو سفيان-: أخرجه الشافعي في "مسنده" (ص ٩): حدثنا سفيان عن الزهري.
ومن طريق الشافعي: أخرجه أبو عوانة (١/ ٣٤١).
ثم أخرجه هو، والبيهقي (١/ ٣٦٣) من طريقين آخرين عن سفيان.
стр. 693
الرابع: شعيب بن أبي حمزة: أخرجه البخاري (٧/ ٢٥٤)، والبيهقي (١/ ٤٤١).
الخامس: الليث بن سعد: أخرجه البخاري (٦/ ٢٣٨)، ومسلم أيضًا، وأبو عوانة (١/ ٣٤٢)، والنسائي (١/ ٨٦)، وابن ماجة (١/ ٢٢٨).
وأخرجه أبو عوانة من حديث ابن جريج أيضًا قال: حدثني ابن شهاب ... به
وأما رواية هشام؛ فأخرجها سعيد بن منصور.
وأما رواية حبيب؛ فأخرجها الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" -كما في "الفتح" (٢/ ٤) -، قال:
"وقد وجدت ما يعضد رواية أسامة، ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل، وذلك فيما رواه الباغندي في "مسند عمر بن عبد العزيز"، والبيهقي في "السنن الكبرى" [١/ ٣٦٥] من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن حزم أنه بلغه عن أبي مسعود ... فذكره منقطعًا. لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة. ووضح أن له أصلًا، وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارًا. وبذلك جزم ابن عبد البر. وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة، فلا توصف -والحالة هذه- بالشذوذ". وقال المنذري في "مختصره" (رقم ٣٧٠):
"وهذه الزيادة في قصة الإسفار؛ رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة".
والحديث صححه ابن خزيمة أيضًا؛ كما في "الفتح" (٢/ ٤).
стр. 694
٤١٩ - قال أبو داود: "وروى وهب بن كَيْسان عن جابر عن النبي ﷺ ... وقت المغرب، قال: ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس؛ يعني: من الغد؛ وقتًا واحدًا".
(قلت: وصله النسائي وغيره والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، والحاكم: "حديث صحيح مشهور". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١٤٧٠). وقال البخاري: إنه "أصح شيء في المواقيت"؛ يعني: في إمامة جبريل).
قلت: وصله النسائي (١/ ٩١)، والترمذي (١/ ٢٨١)، والدارقطني (ص ٩٥)، والحاكم (١/ ١٩٥ - ١٩٦)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٣٦٨)، وأحمد (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١) من طرق عن عبد الله بن المبارك عن حسين بن علي بن حسين قال: أخبرني وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال:
"أمَّني جبريل ... " فذكر نحو حديث ابن عباس الذي سبق في الباب.
وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح غريب". وقال الحاكم:
"حديث صحيح مشهور"، ووافقه الذهبي.
قلت: وهو كما قالوا؛ فإن إسناده صحيح، رجاله -، كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير حسين بن علي بن حسين -وهو أخو أبي جعفر الباقر-، وهو ثقة؛ وثقه النسائي وابن حبان، وأخرج حديثه هذا في "صحيحه" (١٤٧٠). قال الترمذي:
"قال محمد [يعني: البخاري]: حديث جابر أصح شيء في المواقيت".
стр. 695
يعني: في إمامة جبريل؛ كما قال عبد الحق؛ على ما في "التلخيص" (٣/ ١١). ثم قال الترمذي في "سننه" (١/ ٢٨٣):
"وحديث جابر في المواقيت؛ قد رواه عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وأبو الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ... نحو حديث وهب بن كيسان عن جابر عن النبي ﷺ ".
قلت: فوصف الترمذي فيما سبق للحديث بأنه غريب؛ لا يتمشى مع المعروف في "المصطلح": أن الغريب ما تفرَّد به راوٍ واحد! وهذا قد رواه عن جابر جماعة، ورواه عن النبي ﷺ جماعة أيضًا؛ فكيف يكون غريبًا؟ ! إلا أن يكون أراد الغرابة النسبية!
وحديث عطاء بن أبي رباح عنه: أخرجه النسائي (١/ ٨٨)، وأحمد (٣/ ٣٥١ - ٣٥٢)، والطحاوي (١/ ٨٨) من طريق عبد الله بن الحارث: حدثني ثور بن يزيد عن سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح.
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال "الصحيح".
ثم أخرجه النسائي (١/ ٨٩)، والدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق بُرْدِ بن سنان عن عطاء بن أبي رباح ... به.
وهو إسناد صحيح أيضًا؛ وقد علقه المصنف من الطريق الأولى، كما يأتي رقم (٤٢٨).
٤٢٠ - قال أبو داود: "وكذلك روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
" ... ثم صلى بي المغرب؛ يعني: من الغد؛ وقتًا واحدًا".
(قلت: وصله النسائي وغيره بإسناد حسن عنه؛ كما قال الحافظ، وصححه
стр. 696
ابن حبان (١٤٩١)، والحاكم، ووافقه الذهبي، والحاكم، وصححه ابن السكن أيضًا، وقال الترمذي: "حسن").
قلت: وصله النسائي (١/ ٨٩)، والطحاوي (١/ ٨٨)، والدارقطني (ص ٩٧)، والحاكم (١٩٤)، وعنه البيهقي (١/ ٣٦٩) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ... نحو حديث ابن عباس المتقدم.
وهذا إسناد حسن؛ كما قال الحافظ في "التلخيص" (٣/ ١٠)؛ قال:
"وصححه ابن السكن، وقال الترمذي في "العلل": حسن". وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
وفيه نظر بيَّناه فيما سبق من الكتاب مرارًا.
ثم أخرج له الحاكم طريقًا أخرى من حديث عمر بن عبد الرحمن بن أسِيدٍ عن محمد بن عَبَّاد بن جعفر المؤذن أنه سمع أبا هريرة ... به مختصرًا. وقال:
"صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وأقره الحافظ في "التلخيص" (٣/ ١٠).
ثم قال الحاكم:
"ولم يخرجاه؛ فإنهما لم يُخَرِّجا عن محمد بن عباد بن جعفر"!
قلت: محمد بن عباد بن جعفر: هو المخزومي المكي، وقد أخرج له الشيخان!
أما الذي لم يخرجا له؛ فإنما هو الراوي عنه: عمر بن عبد الرحمن بن أسيد، ولم أجد له ترجمة!
ثم رأيت البيهقي أخرج الحديث (١/ ٣٦٩) من طريق الحاكم ... بإسناده.
هذا؛ إلا أنه قال:
стр. 697
عمر بن عبد الرحمن بن أسيد عن محمد أنه سمع أبا هريرة. ثم قال البيهقي عقبة:
"محمد: هو ابن عمار بن سعد المؤذن".
وهكذا أخرجه الدارقطني (ص ٩٧) عن محمد بن عمّار بن سعد المؤذن ... مصرِّحًا به في صُلب الإسناد.
قلت: فهذا اختلاف عظيم بين ما في "المستدرك" -ويبعد أن يكون قد حُرِّف من قبل النساخ هذا التحريفَ الفاحشَ! -، وبين ما رواه البيهقي عنه!
ويغلب على الظن أن روايته هي الصواب؛ بدليل قول الحاكم في محمد هذا: "لم يخرجا له"؛ فقد علمت أن ابن عباد بن جعفر هو من رجالهما.
وأما محمد بن عمار بن سعد المؤذن؛ فهو من رجال الترمذي وحده!
وهذا يؤيد قول من ذهب من العلماء إلى أن الحاكم صنف "المستدرك" في آخر عمره، وكان إذ ذاك حصل له تَغَيُّرٌ وغفلة، كما ذكره الحافظ في "اللسان"، والله أعلم.
٤٢١ - وكذلك روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: من حديث حسان بن عطية عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ .
(قلت: وصله البيهقي بإسناد حسن).
إسناده معلق؛ وقد وصله البيهقي (١/ ٣٦٩) من طريق عبد الرحمن بن أبي حاتم: أخبرني محمد بن عقبة بن علقمة -فيما كتب إلي-: ثنا أبي: ثنا الأوزاعي: ثنا حسان بن عطية: حدثني عمرو بن شعيب ... به.
وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، رجاله ثقات معروفون؛ غير محمد بن
стр. 698
عقبة بن علقمة -وهو ابن خُدَيْج البيروتي المَعَافري؛ قال ابن حبان في "الثقات" - في ترجمة عقبة بن علقمة-:
"يعتبر حديثه من غير رواية ابنه محمد عنه؛ لأن محمدًا كان يُدْخِلُ عليه الحديثَ، ويكذب فيه". وقال أبو محمد بن أبي حاتم:
"كتب إلي ببعض حديثه، وهو صدوق، وسئل أبي عنه؟ فقال: صدوق".
كذا في "اللسان".
٤٢٢ - عن أبي موسى:
أن سائلًا سأل النبي ﷺ ، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، حتى أمر بلالًا فأقام الفجر حين انشقَّ الفَجْرُ؛ فصلَّى حين كان الرجل لا يعرف وجه صاحبه -أو أن الرجل لا يعرف مَنْ إلى جنبه-، ثم أمر بلالًا فأقام الظهر حين زالت الشمس، حتى قال القائل: انتصف النهار؟ وهو أعلم! ثم أمر بلالًا فأقام العصرَ؛ والشمسُ بيضاءُ مرتفعةٌ، وأمر بلالًا فأقام المغرب حين غابت الشمس، وأمر بلالًا فأقام العشاء حين غاب الشفق. فلما كان من الغد؛ صلَّى الفجر وانصرف، فقلنا: طلعت الشمس! فأقام الظهر في وقت العصر الذي كان قبله، وصلَّى العصر وقد اصفرَّت الشمس -أو وقال: أمسى-، وصلَّى المغرب قبل أن يغيبَ الشفق، وصلَّى العشاء إلى ثلث الليل، ثم قال:
"أينَ السائلُ عن وقتِ الصلاة؟ الوقتُ فيما بَيْنَ هَذَيْن".
(قلت: إسناده صحيح، رجاله رجال "الصحيح". وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما").
стр. 699
إسناده: حدثنا مسدد: نا عبد الله بن داود: نا بدر بن عثمان: نا أبو بكر بن أبي موسى عن أبي موسى.
قلت: هذا إسناد صحيح، رجاله رجال "الصحيح".
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٣٧٤) من طريق المصنف.
وأخرجه هو (١/ ٣٦٦ - ٣٦٧ و ٣٧٠ - ٣٧١)، ومسلم (٢/ ١٠٩ - ١١٠)، وأبو عوانة (١/ ٣٧٥)، والنسائي (١/ ٩١)، والطحاوي (١/ ٨٨)، والدارقطني (ص ٩٨)، وأحمد (٤/ ٤١٦) من طرق عن بدر بن عثمان ... به.
٤٢٣ - قال أبو داود: "وروى سليمان بن موسى عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ ... في المغرب نحو هذا؛ قال: ثم صلى العشاء، قال بعضهم: إلى ثلث الليل، وقال بعضهم: إلى شطره".
(قلت: وصله أحمد وغيره بإسناد صحيح عنه).
وصله الإمام أحمد (٣/ ٣٥١ - ٣٥٢): حدثنا عبد الله بن الحارث: حدثني ثور ابن يزيد عن سليمان بن يسار ... به نحو حديث أبي موسى.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح".
وأخرجه النسائي (١/ ٨٨)، والطحاوي (١/ ٨٨) -عن عبد الله بن الحارث.
والبيهقي (١/ ٣٧٢) من طريق أحمد.
ولجابر حديث آخر في إمامة جبريل للنبي ﷺ ، وفيه:
أنه صلى به المغرب في اليومين في وقت واحد؛ حين غابت الشمس.
رواه بُرْدُ بن سنان عن عطاء بن أبي رباح عنه.
стр. 700
ورواه وهب بن كيسان أيضًا عن جابر؛ وقد علقه المصنف فيما تقدم (رقم ٤١٩).
واعلم أنه لا تعارض بين حديثي جابر ﵁، كما لا تعارض بين أحاديث الباب؛ فإن في حديثه هذا، وحديث أبي موسى قبله، والأحاديث الأخرى الآتية حكمًا زائدًا على الأحاديث المتقدمة في إمامة جبريل للنبي ﷺ ؛ ففي هذه: أن وقت المغرب يمتدُّ إلى أن يغيب الشفق، فوجب الأخذ بها ولا سيما أنها متأخرة عن تلك؛ لأن سؤال النبي ﷺ عن المواقيت كان في المدينة، في مسجده ﵇، وإمامة جبريل له ﵉ كانت بمكة عند البيت؛ كما سبق في حديث ابن عباس.
هذا إذا كان حديث جبريل ﵇ إنما ورد في بيان وقت الجواز؛ فقد قيل: إنه إنما أراد بيان وقت الاختيار، لا وقت الجواز. واستحسنه النووي في "المجموع" (٣/ ١٣١). والله أعلم.
٤٢٤ - وكذلك روى ابن بُرَيْدَةَ عن أبيه عن النبي ﷺ .
(قلت: وصله مسلم، وابن حبان (١٤٩٠)، وأبو عوانة في "صحاحهم"، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وقال البخاري: "حديث حسن").
وصله مسلم (٢/ ١٠٦)، وأبو عوانة (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، والنسائي (١/ ٩٠)، والترمذي (١/ ٢٨٦)، والطحاوي (١/ ٨٨)، والدارقطني (ص ٩٨)، والبيهقي (١/ ٣٧١ و ٣٧٤)، وأحمد (٥/ ٣٤٩) من طرق عن علقمة بن مرثد عن سليمان ابن بريدة عن أبيه. وقال الترمذي:
"حديث حسن غريب صحيح". وقال البيهقي:
"وفي "علل الترمذي" عن البخاري أنه قال: حديث أبي موسى حسن".
стр. 701
٤٢٥ - عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنَّه قال:
"وقت الظهر ما لم تَحْضُر العصر، ووقت العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقطْ فَوْر الشَّفَقِ، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تَطْلُعِ الشمسُ".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما". وقال الخطابي: "هو حديث حسن").
إسناده: حدثنا عبيد الله بن معاذ: نا أبي: نا شعبة عن قتادة أنه سمع أبا أيوب عن عبد الله بن عمرو.
قلت: هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، فهو على شرطهما وأبو أيوب: هو المَرَاغِي الأزدي العَتَكِيُّ البصري، اسمه يحيى -ويقال: حبيب- بن مالك.
والحديث أخرجه مسلم (٢/ ١٠٤) عن هذا الشيخ ... بهذا الإسناد.
وأخرجه البيهقي (١/ ٣٦٧) من طريقين آخرين عن عبيد الله بن معاذ ... به.
وأخرجه الطيالسي رقم (٢٢٤٩) قال: حدثنا شعبة وهمام عن قتادة ... به.
قال أبو داود:
"قال شعبة: أحيانًا يرفعه وأحيانًا لا يرفعه".
ثم أخرجه مسلم، وأبو عوانة (١/ ٣٧١)، والنسائي (١/ ٩٠)، وابن خزيمة (٣٥٤ و ٣٥٥)، وابن حبان (١٤٧١)، والطحاوي (١/ ٩٠)، والبيهقي أيضًا (١/ ٣٧١)، وأحمد (٢/ ٢١٣) من طرق عن شعبة ... به؛ وزاد مسلم وأحمد والطحاوي:
стр. 702
"قال شعبة: رفعه مرة، ولم يرفعه مرتين".
ثم أخرجه مسلم وأبو عوانة والطحاوي، والبيهقي (١/ ٣٦٥ و ٣٧١ و ٣٧٤ و ٣٧٨)، وأحمد (٢/ ٢١٠ و ٢٢٣) من طرق أخرى عن قتادة ... به مرفوعًا. وقال الخطابي في "المعالم" (١/ ٢٣٣):
"وهو حديث حسن".
٢ - باب وقت صلاة النبي ﷺ ، وكيف كان يصليها
٤٢٦ - عن محمد بن عمرو -وهو ابن الحسن بن علي بن أبي طالب- قال:
سألنا جابرًا عن وقت صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال:
كان يصَلي الظُّهْرَ بالهَاجِرَة، والعصرَ والشمس حَيَّةٌ، والمغربَ إذا غربتِ الشمسُ، والعشاء: إذا كَثُرَ الناسُ عَجَّلَ، وإذا قَلُّوا أخَّر، والصبحَ بغَلَسٍ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه في "صحيحيهما" عن شيخ المصنف بإسناده، وأخرجه أبو عوانة أيضًا في "صحيحه").
إسناده: حدثنا مسلم بن إبراهيم: نا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن محمد ابن عمرو -وهو ابن الحسن بن علي بن أبي طالب-.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٤٤٩) من طريق المصنف.
стр. 703
وأخرجه البخاري (٢/ ٣٧)، ومسلم (٢/ ١٠٤) عن هذا الشيخ ... بهذا الإسناد.
وأخرجه الطيالسي (رقم ١٧٢٢): حدثنا شعبة ... به.
ومن طريقه: أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٣٦٧)، والطحاوي (١/ ١٠٤).
ثم أخرجه البيهقي (١/ ٤٣٤) من طريق آخر عن مسلم بن إبراهيم.
ثم أخرجه هو (١/ ٤٥٥)، والبخاري (٢/ ٣٣)، ومسلم، وأبو عوانة، والنسائي (١/ ٩٢)، وأحمد (٣/ ٣٦٩) من طرق أخرى عن شعبة .... به.
وللحديث طريق أخرى: أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٢) عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال:
الظهر كاسمها، والعصر بيضاء حَيَّةٌ، والمغرب كاسمها، وكنا نصلي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم نأتي منازلنا وهي على قدر مِيلٍ، فنرى مواقع النَّبْلِ، وكان يُعَجِّلُ العشاءَ ويؤَخِّر، والفجر كاسمها، وكان يغلِّس بها.
وإسناده حسن.
٤٢٧ - عن أبي بَرْزَةَ قال:
كان رسول الله ﷺ يصلِّي الظهر إذا زالت الشمس، ويصلِّي العصر؛ وإنَّ أحدنا لَيَذْهَب إلى أقصى المدينة ويرجع؛ والشمس حَيّةٌ -ونسيت المغرب (١) -، وكان لا يبالي تأخير العشاء إلى ثلث الليل، قال: ثم قال: إلى شطر الليل. قال: وكان يَكْره النومَ قبلها والحديثَ بعدها، وكان يصلي
стр. 704
الصبح؛ ويعرف أحدنا جليسه الذي كان يعرفه، وكان يقرأ فيها الستين إلى المئة.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه في "صحيحه" عن شيخ المصنف بإسناده، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق المؤلف، ورواه مسلم بتمامه، والترمذي بعضه، وقال: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا حفص بن عمر: نا شعبة عن أبي المنهال عن أبي برزة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ وحفص بن عمر: هو ابن الحارث الحَوْضِيُّ.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٤٣٦)، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٣٦٦) من طريق المؤلف.
وأخرجه البخاري (٢/ ١٧) عن هذا الشيخ ... بهذا الإسناد.
وأخرجه الطيالسي (رقم ٩٢٠): حدثنا شعبة ... به.
وأخرجه مسلم (٢/ ١٢١)، وأبو عوانة أيضًا، والنسائي (١/ ٨٦) من طرق أخرى عن شعبة ... به.
وأخرجه أحمد (٤/ ٤٢٥): ثنا حجاج ثنا شعبة ... به، وفيه:
والمغرب -قال سيار: نسيتها-. وفي آخره:
قال سيار: لا أدري في إحدى الركعتين أو في كلتيهما؟ !
وقد تابعه عوف بن أبي جميلة عن أبي المنهال: أخرجه البخاري (٢/ ٢١)، والبيهقي (١/ ٤٥٠ و ٤٥٤)، وأحمد (٤/ ٤٢٠، ٤٢٣) من طرق عنه.
стр. 705
وروى منه ابن ماجة (١/ ٢٣١)، والطحاوي (١/ ١٠٩) -وقت الظهر-، والترمذي (١/ ٣١٣) قوله:
كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها. وقال:
"حديث حسن صحيح".
وتابعه حماد بن سلمة عن سَيَّار بن سلامة -وهو أبو المنهال- ... به مختصرًا؛ بلفظ:
كان يؤخر العشاء الآخرة إلى ثلث الليل، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان يقرأ في الفجر ما بين المئة إلى الستين، وكان ينصرف -حين ينصرف- وبعضنا يعرف وجه بعض.
أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٤)، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وتابعه على الجملة الأخيرة منه: معتمر قال: أنبأني أبي عن أبي المنهال ... به.
أخرجه أحمد أيضًا (٤/ ١٢٣)، وسنده صحيح على شرطهما.
٣ - باب وقت صلاة الظهر
٤٢٨ - عن جابر بن عبد الله قال:
كنت أصلِّي الظهر مع رسول الله ﷺ ، فآخُذ قبضةً من الحصى؛ لِتَبْرُدَ في كَفِّي، أضعُهَا لِجَبْهَتِي؛ أسجدُ عليها؛ لشدة الحرِّ.
(قلت: إسناده حسن، وصححه الحاكم! ووافقه الذهبي! ).