ابن رَبَاحٍ الأنصاري: أخبرنا أبو قتادة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وحماد: هو ابن سلمة، وقد تابعه حماد بن زيد، كما يأتي.
والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٨): ثنا يزيد بن هارون: أنا حماد بن سلمة ... به أتم منه؛ وزاد في آخره:
قال عبد الله: فسمعني عمران بن حصين وأنا أُحَدِّث هذا الحديث في المسجد الجامع، فقال: من الرجل؟ قلت: أنا عبد الله بن رباح الأنصاري. قال: القوم أعلم بحديثهم، انظر كيف تحدث؛ فإني أحد السبعة تلك الليلة، فلما فرغت قال: ما كنتُ أحسب أن أحدًا يحفظ هذا الحديث غيري.
قال حماد: وثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة عن النبي ﷺ .... بمثله.
قلت: وأخرجه الطحاوي (١/ ٢٣٣)، والدارقطني (ص ١٤٨) من طريق يزيد ابن هارون ... به؛ لكنه عند الدارقطني مختصر جدًّا، وليس عنده: قال عبد الله ... إلخ.
ثم أخرجه أحمد من طريق إبراهيم بن الحجاج عن حماد بن سلمة ... به نحوه.
وبه عن حماد عن حميد عن بكر بن عبد الله عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة عن النبي ﷺ ... نحوه.
وأخرجه مسلم (٢/ ١٣٨ - ١٣٩)، وأبو عوانة (٢/ ٢٥٧ - ٢٦٠)، والدارقطني (ص ١٤٨)، والبيهقي (٢/ ٢١٦) من طريق سليمان بن المغيرة: ثنا ثابت ... به نحوه؛ وقال:
стр. 772
"إنما التفريط على مَنْ لم يُصَلِّ الصلاةَ حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك؛ فلْيُصَلِّها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد؛ فليصلها عند وقتها".
وهذا القدر -مع شيء من الاختصار- أخرجه النسائي أيضًا (١/ ١٠١) من هذا الوجه، وكذلك المصنف كما يأتي (رقم ٤٦٨).
ثم أخرجه النسائي (١/ ١٠٠ - ١٠١)، والترمذي (١/ ٣٣٥)، وابن ماجة (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، والطحاوي (١/ ٢٧٠) عن حماد بن زيد عن ثابت ... بهذا.
وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
وأخرجه أحمد (٥/ ٣٠٢) من طريق قتادة عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة ... نحوه مطولًا.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وله طريق أخرى عن أبي قتادة، وهو:
٤٦٦ - عن أبي قتادة ... في هذا الخبر؛ قال: فقال:
"إن الله قبض أرواحكم حيث شاء، وردَّها حيث شاء، قُمْ فأذِّنْ بالصلاة"، فقاموا فتَطَهَّروا؛ حتى إذا ارتفعت الشمس؛ قام النبي ﷺ ، فصلَّى بالناس.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقد أخرجه الأول منهما في "صحيحه").
إسناده: حدثنا عمرو بن عون: أنا خالد عن حُصين عن ابن أبي قتادة عن
стр. 773
أبي قتادة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وابن أبي قتادة: اسمه عبد الله.
وحصين هو ابن عبد الرحمن السُّلَمي، وخالد: هو الحذاء.
والحديث أخرجه البخاري (١٣/ ٣٨٤)، والطحاوي (١/ ٢٣٣)، والبيهقي (٢/ ٢١٦)، وأحمد (٥/ ٣٠٧) من طريق هُشيم: أنا حصين ... به نحوه.
ثم أخرجه البخاري (٢/ ٥٣)، والطحاوي من طريقين آخرين عن حصين ... به أتم منه.
وله عن حصين طريق خامسة عند المصنف، وهي:
٤٦٧ - وفي رواية عنه عن النبي ﷺ ... بمعناه؛ قال:
فتوضأ حين ارتفعت الشمس، فصلَّى بهم.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه البخاري نحوه).
إسناده: حدثنا هناد: نا عَبْثَرٌ عن حُصَيْنِ عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وبهذا الإسناد: أخرجه النسائي (١/ ١٣٥).
والحديث أخرجه البخاري وغيره من طرق أخرى عن حصين ... به نحوه؛ وقد سبق ذكرها في الذي قبله.
стр. 774
٤٦٨ - وفي أخرى عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
"ليس في النوم تفريط؛ إنما التفريط في اليقظة: أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت أخرى".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وكذا قال النووي والحافظ. وهو في "صحيح مسلم" وأبي عوانة مطولًا، وقد سبق نحوه (رقم ٤٦٥)).
إسناده: حدثنا العباس العنبري: نا سليمان بن داود -وهو الطيالسي-: نا سليمان -يعني: ابن المغيرة- عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وكذا قال النووي في "المجموع" (٤/ ٢٥)، والحافظ في "التلخيص" (٤/ ٣١).
والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٣٠٩): ثنا سليمان بن داود الطيالسي: ثنا شعبة عن ثابت ... به مختصرًا؛ بلفظ:
أن رسول الله ﷺ وأصحابه لما قاموا إلى الصلاة فصلَّوا؛ قال لهم رسول الله ﷺ :
"صلوها الغدَ لوقتها".
وهكذا أخرجه النسائي (١/ ١٠١) عن عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود ... به.
وأبو داود: هو الطيالسي صاحب "المسند"، ولم أر هذا الحديث فيه! ويظهر أن له شيخين، يرويه كل منهما عن ثابت.
وقد أخرجه النسائي من طريق أخرى عن سليمان بن المغيرة ... به.
стр. 775
وأخرجه مسلم أيضًا، وأبو عوانة في "صحيحيهما" مطولًا، وقد سبق تخريجه عند الحديث (رقم ٤٦٥).
٤٦٩ - عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال:
"مَنْ نَسِيَ صلاةً؛ فلْيُصَلِّها إذا ذكرها؛ لا كفارةَ لها إلا ذلك".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا محمد بن كثير: أنا همام عن قتادة عن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه البخاري (٢/ ٥٦ - ٥٧)، ومسلم (٢/ ١٤٢)، والطحاوي (٢/ ٢٧٠)، والبيهقي (٢/ ٢١٨)، وأحمد (٣/ ٢٦٩) من طرق عن همام ... به: وصرح قتادة بسماعه من أنس في إحدى روايتي أحمد والبخاري.
ثم أخرجه مسلم، وأبو عوانة (٢/ ٢٦٠ - ٢٦١)، والنسائي (١/ ١٠٠)، والترمذي (١/ ٣٣٥)، والدارمي (١/ ٢٨٠)، وابن ماجة (١/ ٢٣٥)، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد (٣/ ٢١٦ و ٢٤٣ و ٢٦٧ و ٢٨٢) من طرق أخرى عن قتادة ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
٤٧٠ - عن عمران بن حصين:
أن رسول الله ﷺ كان في مَسِيرٍ له، فناموا عن صلاة الفجر، فاستيقظوا بحَرِّ الشمسِ، فارتفعوا قليلًا حتى اسْتَقَلَّتِ الشمس، ثم أَمَرَ
стр. 776
مؤذِّنًا، فأذَّن، فصلَّى ركعتين قبل الفجر، ثم أقام، ثم صلى الفجر.
(قلت: حديث صحيح، وكذا قال الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حزم أيضًا. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" وابن حبان (٢٦٤١)، وهو في "صحاح البخاري ومسلم وأبي عوانة"، دون ذكر الركعتين).
إسناده: حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن يونس بن عُبَيْد عن الحسن عن عمران بن حصين.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ وخالد: هو ابن عبد الله الطَّحان.
لكن أعله ابن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام" (٧/ ١٠٨)، فقال:
"قد تُكُلِّم في سماع الحسن من عمران بن حصين، فقيل: سمع منه، وقيل: لم يسمع منه".
قلت: وهذا قول يحيى القطان وأحمد وأبي حاتم؛ قالوا:
"لم يصح أنه سمع منه". وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (٢/ ٢١٦):
"ذكر البيهقي في باب (من جعل في النذر كفارة يمين) حديثًا من رواية الحسن عن عمران، ثم قال: منقطع، ولا يصح عن الحسن عن عمران من وجه صحيح يثبت مثله. وخالفه ابن خزيمة، فأخرج في "صحيحه" حديث الباب من رواية هشام عن الحسن عن عمران. فدلّ ذلك على صحة سماعه من عمران".
قلت: وجزم بسماعه منه: الحاكمُ، فقال في "المستدرك" (١/ ٢٩) -عقب حديث أخرجه من طريق الحسن عن عمران-:
стр. 777
"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه؛ خشية الإرسال، وقد سمع الحسن من عمران بن حصين"، ووافقه الذهبي. ولذلك صححا هذا الحديث أيضًا كما يأتي.
وممن جزم بذلك أيضًا البزار؛ حيث ذكر عمران بن حصين في الصحابة الذين سمع منهم الحسن، كما في "نصب الراية" (١/ ٩٠).
وجنح إلى هذا ابنُ حزم؛ حيث صحح الحديث، كما ستراه قريبًا.
وهو الذي نرجِّحه ونميل إليه: أن الحسن سمع من عمران في الجملة؛ ولكننا لا نرى صحة حديثه عنه إذا لم يصرح بسماعه منه، كما ذكرنا مرارًا: أن الحسن معروف بالتدليس، فلا يحتجُّ به إذا عنعن. وهذا الحديث من الأحاديث التي وقفنا على تصريحه فيه بالتحديث؛ فكان حديثًا صحيحًا.
وأما الأحاديث الأخرى؛ فهي في "المسند" فأخرج (٤/ ٤٤٠ و ٤٤٥) من طريق المبارك عن الحسن: أخبرني عمران بن حصين مرفوعًا حديثين:
أحدهما: في النهي عن المثلة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الجهاد من هذا الكتاب (رقم ٢٣٩٣).
والآخر: في النهي عن الحلقة من أجل الواهنة، وهو في الطب من "سنن ابن ماجة"، و "المستدرك" (٤/ ٢١٦) معنعنًا، وصححه هو والذهبي!
لكن المبارك -وهو ابن فَضَالة- مشهرر بالتدليس، ولم يصرح بسماعه من الحسن.
ثم أخرج أحمد (٤/ ٤٣٦) من طريق شريك بن عبد الله عن منصور عن خيثمة عن الحسن قال:
стр. 778
كنت أمشي مع عمران بن حصين، أحدنا آخذ بيد صاحبه، فمررنا بسائل يقرأ القرآن؛ فاحتبستي عمران وقال: قف نستمع القرآن! فلما فرغ سأله، فقال عمران: انطلق بنا! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"اقرأوا القرآن، وسلوا الله ﵎ به ... " الحديث.
لكن خيثمة -وهو ابن أبي خيثمة- لين الحديث كما في "التقريب".
ثم إن فيه شريك بن عبد الله -وهو القاضي-، وهو سيئ الحفظ.
وقد خالفه سفيان الثوري؛ فرواه عن الأعمش عن خيثمة عن الحسن عن عمران بن حصين:
أنه مر على قاصٍّ قرأ، ثم سأله، فاسترجع وقال ... الحديث.
أخرجه الترمذي (٢/ ١٥١ - طبع بولاق)، وأحمد (٤/ ٤٣٩). وقال الترمذي:
"ليس إسناده بذاك"؛ كأنه يعني من أجل خيثمة هذا.
وبالجملة؛ فليس في هذه الأسانيد ما تقوم به الحجة، وكأنه لذلك قال أحمد وغيره ممن سبق:
"لم يصح أنه سمع الحسن من عمران".
لكننا نقول: إنه صح ذلك بإسناد آخر؛ فانتظر قليلًا.
والحديث أخرجه ابن حزم (٣/ ٢٤) من طريق المؤلف محتجًّا به. ثم صرح فيما بعد (ص ٢٠٢) أنه صحيح.
وأخرجه الدارقطني (ص ١٤٧)، والحاكم (١/ ٢٧٤) من طريق إسحاق بن شاهين أبي بشر: نا خالد بن عبد الله ... به. وقال الحاكم:
стр. 779
"حديث صحيح على ما قدمنا ذكره من صحة سماع الحسن عن عمران"، ووافقه الذهبي.
وأخرجه أحمد (٤/ ٤٤٤): ثنا عبد الوهاب بن عطاء: أنا يونس ... به.
وأخرجه الطحاوي (١/ ٢٣٣)، والبيهقي (١/ ٤٠٤) -من طريق عبد الوهاب-، وأحمد (٤/ ٤٣١)، والدارقطني -من طريقين آخرين- عن يونس ... به.
وقد تابعه هشامُ بنُ حسان عن الحسن ... به أتم منه؛ وزاد في آخره:
فقالوا: يا رسول الله! ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ ! قال:
"أينهاكم ربكم ﵎ عن الربا ويقبله منكم؟ ! ".
أخرجه أحمد (٤/ ٤٤١)، والطحاوي، وابن حبان (٢٦٤١)، والدارقطني، والبيهقي (٢/ ٢١٧)، وابن حزم في "الإحكام" (٧/ ١٠٨) من طرق عنه.
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" كما سبق.
وأعله ابن حزم بالاختلاف في سماع الحسن من عمران، وذكرنا كلامه في ذلك آنفًا؛ لكن قد صرح الحسن بسماعه في رواية عن هشام عنه، فقال أحمد عقيب هذه الرواية: ثنا معاوية: ثنا زائدة عن هشام قال: زعم الحسن أن عمران بن حصين حدثه قال: أسْرينا مع النبي ﷺ ليلة ... فذكر الحديث.
وكذلك أخرجه البيهقي من طريق علي بن الحسن بن بيان المُقْرِي: ثنا معاوية ابن عمرو بن المُهَلَّب: ثنا زائدة بن قدامة ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين. وقال ابن التركماني:
стр. 780
"وقال صاحب "الإمام": رواه الطبراني عن زائدة عن هشام. ورجال إسناده ثقات".
فثبت بذلك أن الحديث موصول، وأنه صحيح، والحمد لله على هدايته وتوفيقه.
والحديث رواه الطيالسي (رقم ٨٣٧) مرسلًا؛ فقال: حدثنا أبو حُرَّة عن الحسن: أن رسول الله ﷺ كان في سفر ...
وللحديث طريق آخر: أخرجه البخاري (١/ ٣٥٤ - ٣٦٠)، ومسلم (٢/ ١٤٠ - ١٤٢)، وأبو عوانة (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٧)، والطحاوي (١/ ٢٣٣)، والبيهقي (١/ ٤٠٤)، وأحمد (٤/ ٤٣٤) من طريق أبي رجاء العُطَاردي: حدثني عمران بن حصين قال:
كنا في سفر مع رسول الله ﷺ ِ ... الحديث نحوه، وليس فيه ذكر الإقامة وسنة الفجر.
وقد رواه الطيالسي (رقم ٨٥٧): حدثنا عقبة بن خالد -أو خالد بن عقبة؛ الشك من أبي داود- قال: ثنا أبو رجاء العُطَاردي ... به؛ وزاد فيه ذكر الركعتين.
لكن عقبة هذا -أو خالد- لم أعرفه! والله أعلم.
٤٧١ - عن عمرو بن أُمَيَّة الضَّمْري قال:
كنَّا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فنام عن الصُّبْحِ حتى طلعت الشمسُ، فاستيقظ رسول الله ﷺ ، فقال:
"تَنَحَّوْا عن هذا المكان".
قال: ثم أَمَرَ بلالًا، فأذَّن، ثم توضَّؤوا وصلَّوا ركعتي الفجر، ثم أَمَرَ
стр. 781
بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم صلاة الصبح.
(قلت: إسناده صحيح، وقال المنذري: "حسن"! ).
إسناده: حدثنا عباس العنبري. (ح) وحدثنا أحمد بن صالح -وهذا لفظ عباس- أن عبد الله بن يزيد حدثهم عن حيوة بن شريح عن عياش بن عباس -يعني: القِتْبَاني- أن كُلَيْب بن صُبْح حدثهم أن الزِّبرِقان حدثه عن عمِّه عمرو بن أمية الضَّمْرِي.
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ والزبرقان: هو ابن عبد الله الضمري، وقيل: إنه الزبرقان بن عمرو بن أمية الضمري. وقال أحمد بن صالح:
"الصواب فيه: الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية". وقال غيره:
"هما اثنان". قال الحافظ في ترجمة الزبرقان بن عمرو:
"قلت: لم يفرِّق البخاري -فمن بعده- بينهما؛ إلا ابن حبان؛ ذكر هذا في ترجمة مفردة عن الذي روى عنه كليب بن صبح. وفي كتاب ابن حبان من هذا الجنس أشياء، يضيق الوقت عن استيعابها؛ من ذكره الشخص في موضعين وأكثر، فلا حجة في تفرقته؛ إذ لم ينصَّ على أنهما اثنان".
وذكر أنه ثقة عند يحيى بن سعيد والنسائي وغيرهما.
قلت: وسواءً كان الصواب في نسبه: أنه الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية، أو الزبرقان بن عمرو بن أمية؛ فإنه لا يتفق مع قوله في هذا الحديث: عن عمه عمرو بن أمية"؛ فإن عمرًا على القولين ليس هو عَمَّ الزبرقان، بل هو إما والده أو جده! فإذا صح قوله هذا: عن عمه عمرو، ولم يكن وهمًا من بعض الرواة؛ فهو دليل واضح على صواب ما صنع ابن حبان من التفريق. والله أعلم.
стр. 782
والحديث قال المنذري في "مختصره" (رقم ٤١٧):
"حسن".
وقد أخرجه أحمد (٤/ ١٣٩): ثنا أبو عبد الرحمن المقري: ثنا حيوة .. به؛ وأبو عبد الرحمن هذا: هو عبد الله بن يزيد في إسناد المصنف.
ومن طريقه -أعني: أبا عبد الرحمن-: أخرجه البيهقي أيضًا (١/ ٤٠٤).
٤٧٢ - عن ذي مِخْبَرٍ الحَبَشِي -وكان يَخْدُمُ النبي ﷺ ... في هذا الخبر؛ قال:
فتوضأ -يعني: النبيَّ ﷺ وضوءًا لم يَلُتَّ مَنه الترابُ، ثم أمرَ بلالًا، فأذَّن، ثم قام النبيُّ ﷺ فركع ركعتين غيْرَ عَجِلٍ، ثم قال لبلال:
"أقم الصلاة"، ثم صلى وهو غير عَجِلٍ.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا إبراهيم بن الحسن: نا حجاج -يعني: ابن محمد-: ثنا حريز. (ح) وحدثنا عبيد بن أبي الوزير: ثنا مبَشِّر -يعني: الحلبي-: حدثنا حريز -يعني: ابن عثمان-: حدثني يزيد بن صالح عن ذي مخبر الحبشي.
قال عن حجاج: (عن يزيد بن صليح): حدثني ذو مخبر رجل من الحبشة.
وقال عبيد: "يزيد بن صالح".
قلت: وهذا إسناد صحيح، ذكره المصنف من طريقين عن حريز بن عثمان -وهو ثقة من رجال البخاري- عن يزيد بن صالح -أو صليح-؛ وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال المصنف:
стр. 783
"شيوخ حريز كلهم ثقات".
وقد اختلف على حريز في اسم والد يزيد هذا، فسمّاه عنه عبيد بن أبي الوزير: (صالحًا).
وسمّاه حجاج بن محمد: (صليحًا)؛ وهو الصواب؛ لأنه قد تابعه على ذلك: الوليد بن مسلم؛ كما في الرواية الآتية في الكتاب.
وأبو النضر -واسمه هاشم بن القاسم البغدادي-: عند أحمد؛ كما يأتي.
ثم إن مخالفهم عبيد بن أبي الوزير لا يعرف حاله، فكانت روايته مرجوحة.
ولذلك قال الحافظ في "التهذيب":
"وصحح المزي في "الأطراف" أن اسم أبيه (صليح). وبه جزم البخاري وابن أبي خيثمة ويعقوب بن سفيان وغير واحد".
والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٩٠ - ٩١): ثنا أبو النضر: ثنا حريز عن يزيد بن صليح ... به بطوله؛ وزاد في آخره:
فقال له قائل: أفَرَّطْنا؟ قال:
"لا، قبض الله أرواحنا، وقد ردَّها إلينا، وقد صلَّينا". وقال في "المجمع" (١/ ٣٢٠):
"رواه أحمد والطبراني في "الأوسط"، ورجال أحمد ثقات".
وللحديث طريق أخرى؛ لكن فيه زيادة منكرة.
أخرجه الطحاوي (١/ ٢٦٩) من طريق مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن -مولى بني هاشم-عن ذي مخبر ابن أخي النجاشي
стр. 784
قال:
كنا مع رسول الله ﷺ في سفر ... الحديث مختصرًا؛ قال:
فصلى بنا رسول الله ﷺ ، فلما كان من الغد حين بزغ الشمس؛ أمر بلالًا فأذن، ثم أمره فأقام، فصلَّى بنا الصلاة، فلما قضى الصلاة قال:
"هذه صلاتنا بالأمس".
وهذا إسناد ضعيف؛ مسلمة بن علقمة صدوق له أوهام.
والعباس بن عبد الرحمن مستور؛ كما في "التقريب".
وقد أورده الهيثمي في "المجمع" (١/ ٣٢٠) بلفظ: بَرَق الفجر، وزاد في آخره: ثم ائتنف صلاة يومه ذلك. وقال:
"رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه العباس بن عبد الرحمن، وروى عنه داود ابن أبي هند، ولم أر له راويًا غيره، وروى هو عن جماعة من الصحابة".
وفي هذه الرواية أنه ﵇ صلى الفائتة مرتين: الأولى وقتَ الانتباه، والأخرى في اليوم الثاني!
وهذا منكر؛ لضعف إسنادها، ولمخالفتها لسائر الأحاديث المتقدِّمة في الباب وغيرها؛ فإنها لم ترد في شيء منها! اللهم إلا في رواية من حديث أبي قتادة من قوله ﵇ بلفظ:
"فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غدٍ صالحًا؛ فليقض معها مثلَها"!
وهذا منكر أو شاذ؛ لما ذكرنا، ولإنكاره ﵇ ذلك على الصحابة حين قالوا له: ألا نعيدها في وقتها من الغَد؟ ! :
стр. 785
"أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم؟ ! ".
وهو حديثٌ صحيح، كما سبق بيانه (رقم ٤٧٠)؛ فراجعه. ولذلك أوردنا حديث أبي قتادة المشار إليه في الكتاب الآخر (رقم ٦٥).
٤٧٣ - وفي رواية عن ذي مِخْبَرِ ابن أخي النجاشي ... في هذا الخبر؛ قال: فأذَّن، وهو غير عَجِلٍ.
(قلت: هو بهذا اللفظ شاذ. والصحيح ما في الرواية الأولى: فركع ركعتين غير عجل).
إسناده: حدثنا مُؤَمَّلُ بن الفضل: ثنا الوليد عن حَرِيزٍ -يعني: ابن عثمان- عن يزيد بن صليح عن ذي مخبر ابن أخي النجاشي.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ لكن الوليد مدلس، وقد عنعن؛ لكنه قد توبع كما تقدم في الرواية السابقة.
لكن قوله في الحديث: فأذن وهو غير عجل؛ شاذ لخالفتها للرواية التي قبلها، وقد اتفق عليها حجاج بن محمد وعبيد بن أبي الوزير وهاشم بن القاسم البغدادي، فروايتهم هي الصحيحة.
٤٧٤ - عن عبد الله بن مسعود قال:
أقبلتُ مع رسول الله ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِية، فقال رسول الله ﷺ :
"من يكلؤنا؟ ". فقال بلال: أنا. فناموا حتى طلعت الشمس؛ فاستيقظ النبي ﷺ ، فقال:
"افعلوا كما كنتم تفعلون". قال: ففعلنا. قال:
стр. 786
"فكذلك فافعلوا؛ لمن نام أو نسي".
(قلت: إسناده صحيح، وقال المنذري: "حسن"! ).
إسناده: حدثنا محمد بن المثنى: ثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة عن جامع ابن شداد: سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة: سمعت عبد الله بن مسعود.
قلت: وهذا إسناد صحيح إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير عبد الرحمن بن أبي علقمة -ويقال: ابن علقمة-؛ قال في "التقريب":
"يقال: له صحبة. وذكره ابن صحبان في ثقات التابعين".
قلت: وقد روى عنه عبد الملك بن محمد بن بشر أيضًا، وعون بن أبي جحيفة.
والحديث قال المنذري:
"حسن. وأخرجه النسائي"!
قلت: ولم أجده عند النسائي في "المجتبى"! فلعله في "سننه الكبرى".
نعم؛ هو في "الصغرى" له من طريق أخرى مختصرًا، كما يأتي.
والحديث أخرجه أحمد (١/ ٤٦٤): ثنا محمد بن جعفر ... به؛ وفيه قصة الناقة، ونزول ﴿إنا فتحنا ... ﴾.
وقال (١/ ٣٨٦): حدثنا يحيى: ثنا شعبة ... به.
وأخرجه ابن جرير، والطيالسي (١/ ٤٩ - ٥٠) عن شعبة، وقرن به الطيالسي: المسعودي.
стр. 787
وعنه: أخرجه أحمد أيضًا، فقال (١/ ٣٩١): ثنا يزيد: أنبأنا المسعودي ... به نحوه، وقال الهيثمي:
"رواه أحمد والبزار والطبراني في "الكبير". وأبو يعلى باختصار عنهم؛ وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وقد اختلظ في آخر عمره".
ولشعبة فيه إسناد آخر مختصرًا: أخرجه النسائي (١/ ١٠٠) عنه عن إبراهيم ابن محمد بن المنتشر عن أبيه:
أنه كان في مسجد عمرو بن شرَحْبِيل، فأقيمت الصلاة، فجعلوا ينتظرونه، فقال: إني كنت أوتر. قال: وسئل عبد الله: هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم، وبعد الإقامة. وحدَّث عن النبي ﷺ أنه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس، ثم صلى.
ورجاله ثقات؛ لكني أخشى أن يكون منقطعًا بين محمد بن المنتشر وابن مسعود!
١١ - باب في بناء المساجد
٤٧٥ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :
"ما أُمِرْتُ بتشْيِيدِ المساجد".
قال ابنُ عباس: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليهودُ والنصارى!
(قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٦١٣). وقول ابن عباس؛ عَلَّقَهُ البخاريُّ في "صحيحه"، وهو موقوف في حكم المرفوع، وقد روي مرفوعًا).
إسناده: حدثنا محمد بن الصَّبَّاح بن سفيان: نا سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن أبي فَزَارة عن يزيد بن الأصَمِّ عن ابن عباس.
стр. 788
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير محمد بن الصباح، وهو ثقة.
وأبو فزارة: اسمه راشد بن كَيْسان.
وصححه ابن حبان (١٦١٣).
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩)، وابن حزم (٤/ ٤٤٠) من طريق المؤلف.
ورواه البيهقي من طريق علي بن قادم: ثنا سفيان الثوري ... به.
وقول ابن عباس منه؛ علقه البخاري في "صحيحه" (١/ ٤٢٨). قال الحافظ:
"وإنما لم يذكر البخاري المرفوع منه؛ للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله".
قلت: وقد وصله أبو فزارة، وهو ثقة، فيجب قبول زيادته.
وقول ابن عباس هذا؛ قال الشيخ القاري في "المرقاة" (١/ ٤٥٩):
"وهو موقوف؛ لكنه في حكم المرفوع".
قلت: وقد روي مرفوعًا؛ لكن بسند ضعيف:
أخرجه ابن ماجة من طريق أخرى عن ابن عباس، وقد تكلمنا عليه في "الثمر المستطاب".
٤٧٦ - عن أنس أن النبي ﷺ قال:
"لا تقومُ الساعةُ حتى يتباهى الناس في المساجد".
стр. 789
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان (١٦١١) في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا محمد بن عبد الله الخُزَاعي: ثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس. وقتادة عن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير محمد بن عبد الله الخزاعي، وهو ثقة؛ وثقه ابن المديني وأبو حاتم وغيرهما.
والحديث أخرجه الطبراني في "معجمه الصغير" (ص ١٢٥): ثنا معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري أبو المثنى: ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي ... به، وقال: "لم يروه عن قتادة إلا حماد. تفرد به الخزاعي".
قلت: وأخرجه النسائي (١/ ١١٢)، والدارمي (١/ ٣٢٧)، وابن ماجة (١/ ٢٥٠)، والبيهقي (٢/ ٤٣٩)، وأحمد (٣/ ١٣٤ و ١٤٥ و ١٥٢ و ٢٣٠ و ٢٨٣)، وأبو يعلى (٢/ ٢٧٠٣)، وعنه ابن حبان (٣٠٨) من طرق عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس ... به.
وقال البخاري في "صحيحه" (١/ ٤٢٨): وقال أنس:
يتباهون بها، ثم لا يَعْمُرُونَهَا إلا قليلًا. قال الحافظ:
"وهذا التعليق رُوِّيناه موصولًا في "مسند أبي يعلى" و "صحيح ابن خزيمة" من طريق أبي قلابة أن أنسًا قال: سمعته يقول: "يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا"، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان مختصرًا من طريق أخرى عن أبي قلابة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة ... "! إلخ.
стр. 790
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ١٤٢ / ١ - ٢) من طريق أبي عامر الخزاز قال: قال أبو قلابة الجرمي:
انطلقنا مع أنس يريد الزاوية قال: فمررنا بمسجد، فحضرت صلاة الصبح، فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد؛ فإن بعض القوم يأتي المسجد الآخر! قالوا: أي مسجد؟ فذكرنا مسجدًا. قال: إن رسول الله ﷺ قال:
"يأتي على الناس ... " إلخ. قال ابن خزيمة: الزاوية: قصر من البصرة على شبه من فرسخين.
وأبو عامر الخزاز: هو صالح بن رستم، صدوق كثير الخطأ.
ومن طريقه: أخرجه أبو يعلى أيضًا (٢/ ٧٤٦).
والحديث أخرجه ابن حبان أيضًا (٣٠٧) من طريق عفان: حدثنا حماد بن سلمة ... بلفظ:
نهى رسول الله ﷺ أن يتباهى الناس بالمساجد.
وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات.
٤٧٧ - عن عبد الله بن عمر:
أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًّا باللَّبِن وعَمَدُهُ (وفي رواية: وعُمُدُه) من خشب النخيل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه علي بنائه في عهد رسول الله ﷺ باللَّبِن والجريد، وأعاد عَمَدَه (وفي الرواية الأخرى: عُمُدَه) خشبًا، وغيَّرَهُ عثمانُ، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، وجعل عَمَدَة من حجارةٍ منقوشة، وسَقْفَه بالسَّاج (وفي الرواية الأخرى: وسَقَّفَهُ الساجَ).
стр. 791
قال أبو داود: "القَصَّةُ: الجص (١) ".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه البخاري).
إسناده: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ومجاهد بن موسى -وهو أتم- قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم: ثنا أبي عن صالح قال: نا نافع أن عبد الله بن عمر أخبره.
والرواية الأخرى لمجاهد.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ فإن رجاله كلهم من رجالهما؛ غير محمد بن يحيى؛ فهو من رجال البخاري وحده.
ومجاهد بن موسى؛ فمن رجال مسلم وحده.
والحديث أخرجه أحمد (٢/ ١٣٠): ثنا يعقوب ... به.
ومن طريق أحمد: أخرجه البيهقي (٢/ ٤٣٨).
وأخرجه البخاري (١/ ٤٢٨): حدثنا علي بن عبد الله: ثنا يعقوب بن إبراهيم ... به.
(تنبيه): لم يَعْزُ المنذري في "مختصره" الحديث إلى البخاري! فأوهم أنه لم يخرجه، وذلك أنّ من عادة المنذري عزوه الحديث إلى من أخرجه من أصحاب الكتب الستة، فإذا لم يفعل؛ فقد أوهم، فلزم التنبيه عليه!
٤٧٨ - عن أنس بن مالك قال:
قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة، فنزل في عُلْوِ المدينةِ في حَيٍّ -يقال لهم: بنو عمرو بن عوف-، فأقام فيهم أربعَ عشْرةَ ليلةً، ثم أرسل إلى بني
стр. 792
النجار، فجاؤوا متقلدي سيوفهم. فقال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته؛ وأبو بكر رِدْفَهُ، ومَلأُ بني النجار حوله؛ حتى ألقى بفِنَاءِ أبي أيوب، وكان رسول الله ﷺ يصلي حيث أدركَتْهُ الصلاةُ، ويصلِّي في مرابض الغنم، وإنه أمَرَ ببناءِ المسجد، فأرسل إلى بني النجار قال:
"يا بني النَّجَّار! ثامِنُوني بحائطكم هذا". فقالوا: والله لا نطلبُ ثَمَنَه إلا إلى الله.
قال أنس: وكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خِرَبٌ، وكانت فيه نخلٌ، فأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَر بقبور المشركين فَنُبِشَتْ، وبالخرَبِ فسُوِّيَت، وبالنخيل فَقُطِعَ، فَصُفِّفَ النخلُ قِبْلَةَ المسجدِ، وجعلوا عَضَادَتَيْه الحجارة، وجعلوا ينْقُلُون الصَّخْرَ؛ وهم يَرْتَجِزُونَ والنبي ﷺ معهم يقول:
"اللهمَّ لا خَيْرَ إلا خير الآخِرَة ... فانصُر ِالأنصارَ والمُهَاجِرَة".
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه في "صحيحه" بسند المؤلف. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وأخرج الترمذي منه الصلاةَ في المرابض، وقال: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا عبد الوارث عن أبي التَّيَّاح عن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ وأبو التياح: اسمه يزيد بن حُمَيْدٍ الضُّبَعِيُّ.
стр. 793
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٤٣٨) من طريق المصنف.
وأخرجه البخاري (١/ ٤١٦ - ٤١٧) ... بإسناده.
وأخرجه الطيالسي (رقم ٢٠٨٥) قال: حدثنا حماد بن سلمة وعبد الوارث وشعبة؛ أحسبهم كلهم: حدثنا عن أبي التياح ... به.
ومن طريقه: أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
ثم أخرجه هو، ومسلم (٢/ ٦٥)، والنسائي (١/ ١١٤ - ١١٥)، والبيهقي أيضًا، وأحمد (٣/ ٢١١ - ٢١٢) من طرق أخرى عن عبد الوارث ... به.
وحديث شعبة مختصر: أخرجه مسلم بلفظ:
كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد.
وكذا أخرجه الترمذي (٢/ ١٨٦)، دون قوله: قبل أن يبنى المسجد. وقال: "حديث حسن صحيح".
وأما حديث حماد بن سلمة؛ فقد أخرجه المصنف أيضًا وغيره، وهو:
٤٧٩ - وفي رواية عنه قال:
كان مَوْضِعُ المسجد حائطًا لبني النجار؛ فيه حَرْثٌ ونخلٌ وقبورُ المشركين، فقال رسول الله ﷺ :
"ثَامِنُوني به".
فقالوا: لا نبغي به ثمنًا، فقُطِع النخلُ، وسُوِّي الحَرْثُ، ونُبِشَ قبور المشركين ... وساق الحديث، وقال: "فاغفر". مكان: "فانصر".
стр. 794
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حبان).
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد بن سلمة عن أبي التَّيَّاح عن أنس بن مالك. قال موسى: حدثنا عبد الوارث ... بنحوه.
وكان عبد الوارث يقول: خرب، وزعم عبد الوارث أنه أفاد حمادًا هذا الحديث.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وأما رواية عبد الوارث؛ فقد تقدمت قبله.
والحديث أخرجه مسلم أيضًا، وابن ماجة (١/ ٢٥١)، وابن حبان (٩/ ١٩٠ / ٧٢١٥)، وأحمد (٣/ ١١٨ و ١٢٣ و ٢٤٤) من طرق عن حماد بن سلمة ... به.
وهو في "الصحيحين" من طريق عبد الوارث، كما سبق.
١٢ - باب اتخاذ المساجد في الدُّور
٤٨٠ - عن عائشة قالت:
أمَرَ رسولُ الله ﷺ ، ببناءِ المساجد في الدُّور، وأن تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه"، وكذا ابن حبان (١٦٣٢)).
إسناده: حدثنا محمد بن العلاء: ثنا حسين بن علي عن زائدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
стр. 795
والحديث أخرجه ابن حزم (٤/ ٤٤) من طريق المؤلف. وأخرجه ابن ماجة (١/ ٢٥٦) من طريق أخرى عن زائدة بن قدامة.
ثم أخرجه من طريقين عن مالك بن سُعَيْر: أنبأنا هشام بن عروة ... به.
وأخرجه أحمد (٦/ ٢٧٩): ثنا عامر بن صالح قال: ثني هشام بن عروة ... به.
ومن هذا الوجه: أخرجه الترمذي (٢/ ٤٩٠).
ثم أخرجه من طريق عبدة ووكيع وابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه ... مرسلًا؛ لم يذكر عائشة. وقال:
"هذا أصح من الحديث الأول".
قلت: لا شك أن رواية هؤلاء الثلاثة أصح من رواية عامر بن صالح -وهو الزُّبَيْري-؛ فإنه ضعيف.
لكن قد تابعه زائدة بن قدامة، ومالك بن سعير، وهما ثقتان حجتان، فوصلوه بذكر عائشة فيه، فعاد الحديث صحيحًا موصولًا. ومن رواه مرسلًا لا يُعِلُّه؛ لأن مَنْ حفظ حجة على من لم يحفظ، ولأن الراوي قد يرسل الحديث تارة وبوصله أخرى؛ فروى كل ما سمع، وكلٌّ ثقة؛ فوجب الأخذ بالزيادة.
ثم إن الحديث رواه ابن خزيمة في "صحيحه"؛ كما في "الترغيب" (١/ ١٢٠)، وابن حبان أيضًا في "صحيحه" (١٦٣٢).
٤٨١ - عن سَمُرَة: أنه كتب إلى بنيه:
أما بعد؛ فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالمساجد أن نَصْنَعَهَا في دورنا، ونُصْلِحَ صِنْعَتَها، ونُطَهِّرَها.
стр. 796
(قلت: حديث صحيح، وصححه الحافظ الهيثمي والشوكاني).
إسناده: حدثنا محمد بن داود بن سفيان: ثنا يحيى -يعني: ابن حسان-: ثنا سليمان بن موسى: ثنا جعفر بن سعد بن سمرة: ثني خُبَيْب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن أبيه سمرة. قال ...
وهذا إسناد ضعيف؛ محمد بن داود بن سفيان لم يوثقه أحد، ولا ذكروا عنه راويًا غير المصنف؛ فهو مجهول. وفي "التقريب": أنه "مقبول".
ويحيى بن حسان: هو التَّنِّيسيُّ.
وسليمان بن موسى: هو الأموي؛ وهما ثقتان.
ثم استدركت فقلت: وسليمان بن موسى ليس هو الأموي؛ فقد ساق المصنف بهذا الإسناد حديثًا آخر جاء فيه: .. ثنا سليمان بن موسى أبو داود ... وسليمان ابن موسى أبو داود؛ كوفي، والأموي دمشقي، والكوفي فيه كلام كثير، حتى قال فيه البخاري:
"منكر الحديث". وفي "التقريب":
"لين".
وأما جعفر بن سعد بن سمرة؛ فليس بالقوي، كما في "التقريب".
وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"! وقال ابن حزم:
"مجهول". وقال عبد الحق في "الأحكام":
"ليس ممن يعتمد عليه". وقال ابن عبد البر:
стр. 797
"ليس بالقوي". وقال ابن القطان:
"ما من هؤلاء من يُعْرَفُ حاله -يعني: جعفرًا وشيخه وشيخ شيخه-، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يروى به جملة أحاديث، قد ذكر البزار منها نحو المئة".
وخبيب بن سليمان بن سمرة؛ لا يعرف، كما قال الذهبي. وقال العسقلاني: "مجهول".
وكذا قال ابن حزم. وقال عبد الحق:
"ليس بقوي".
وأما ابن حبان: فذكره على عادته في "الثقات". وقال ابن القطان -كما سبق-:
"لا يعرف حاله".
وكذا قال في أبيه سليمان بن سمرة. وذكره ابن حبان في "الثقات" أيضًا.
وقال الحافظ:
"مقبول". ولما سبق؛ قال الذهبي:
"وبكل حال؛ هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم".
لكن الحديث له طريق أخرى وشاهد؛ سنذكرهما قريبًا.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٤٤٠) من طريق المؤلف.
وللحديث طريق أخرى: فقال أحمد (٥/ ١٧)، ثنا سُرَيْج بن النعمان: ثنا بقية عن إسحاق بن ثعلبة عن مكحول عن سمرة بن جندب قال:
стр. 798
أمرنا رسول الله ﷺ أن نتخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها.
وهذا إسناد ضعيف أيضًا؛ إسحاق بن ثعلبة مجهول، كما قال أبو حاتم.
وبقية رجاله ثقات؛ لكن بقية مدلس، وقد عنعنه.
ومكحول لم يسمع من سمرة؛ كما قال الحافظ في "التعجيل".
وقد أورده مجد الدين ابن تيمية في "المنتقى" (٢/ ١٢٨ - بشرح الشوكاني) بلفظ أحمد هذا، ثم قال:
"رواه أحمد، والترمذي وصححه"! وعلق عليه الشوكاني بقوله:
"رواه أحمد بإسناد صحيح"!
وهذا غير صحيح كما علمت مما سبق! ويظهر لي أن الشوكاني لم يقف على إسناد أحمد هذا؛ وإنما وقف على هذه العبارة في "المجمع" للهيثمي؛ قد قالها في رواية أخرى لأحمد عن غير سمرة -كما يأتي-؛ على أنها غير صحيحة أيضًا، فنقلها الشوكاني، وجعلها تحت حديث سمرة، فأوهم أن إسناده عند أحمد صحيح!
ثم إنني لم أجد الحديث في "سنن الترمذي"؛ ولم يعزه إليه المنذري في "مختصره"، ولا النابلسي في "الذخائر"!
فهو وهم آخر من ابن تيمية أيضًا!
وقد سبقه إلى ذلك المنذري في "الترغيب" (١/ ١٢٠)!
وللحديث شاهد قوي: أخرجه أحمد (٥/ ٣٧١) قال: ثنا يعقوب: ثنا أبي عن أبي إسحاق (كذا! والصواب: ابن إسحاق): ثني عمرو بن عبد الله بن عروة بن الزبير (كذا: عمرو! والصواب بدون الواو) عن جده عروة عمن حدثه من أصحاب رسول الله ﷺ قال:
стр. 799
كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا، وأن نصلح صنعتها، ونطهرها.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير ابن إسحاق -وقد روى له مسلم مقرونًا، وهو حسن الحديث، كما سبق. وأما قول الهيثمي (٢/ ١١):
"رواه أحمد، وإسناده صحيح"!
ففيه شيء من التساهل. وقد أخطأ الشوكاني فنقل هذا القول إلى "المنتقى"، وجعله تحت حديث سمرة كما سبق آنفًا؛ وإنما هذا إسناد آخر كما ترى! ثم قال الشوكاني إثر ذلك:
"وكذا رواه غيره بأسانيد جيدة"!
كذا قال! ولم أجد له أي إسناد جيد فيما بين يدي من كتب السنة غير هذا! والله أعلم.
١٣ - باب في السُّرُج في المساجد
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
١٤ - من باب في حصى المسجد
٤٨٢ - عن أبي صالح قال: كان يقال: إن الرجل إذا أخْرَج الحصاة من المسجد يُنَاشِدُه.
(قلت: إسناده صحيح. وقد روي مرفوعًا عن أبي هريرة، وهو في الكتاب الآخر رقم (٧٠)).
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا أبو معاوية ووكيع قالا: نا الأعمش
стр. 800
عن أبي صالح.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين إلى أبي صالح -وهو ذَكْوان السمان، وهو من التابعين الثقات المكثرين عن أبي هريرة.
وقد رواه شريك: ثنا أبو حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة. قال أبو بدر -وهو شجاع بن الوليد الراوي له عن شريك-: أراه قد رفعه إلى النبي ﷺ قال:
"إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد".
لكن شريك سيئ الحفظ، وقد خالف، ولذلك أوردنا حديثه هذا في الكتاب الآخر (رقم ٧٠)، والصواب رواية الأعمش هذه عن أبي صالح: كان يقال ... إلخ؛ ليس فيه ذكر أبي هريرة، ولا رفعه.
١٥ - باب كنس المسجد
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
١٦ - من باب اعتزال النساء في المسجد عن الرجال
٤٨٣ - عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
"لو تَرَكْنَا هذا الباب للنساء! ".
قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين).
إسناده: حدثنا عبد الله بن عمرو أبو معمر: ثنا عبد الوارث: ثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر. وقال غير عبد الوارث: قال عمر. وهو أصح.
стр. 801
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأعله المصنف بأن غير عبد الوارث رواه موقوفًا على عمر.
ثم أخرجه من طريق إسماعيل عن أيوب عن نافع قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ بمعناه، قال:
"وهو أصح".
ثم رواه من طريق بكير عن نافع قال:
إن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يدخل من باب النساء.
قلت: عبد الوارث -وهو ابن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم- ثقة ثبت، وقد رواه مرفوعًا عن ابن عمر؛ فهي زيادة منه يجب قبولها، ورواية غيره عن عمر لا يعله؛ بل لنافع روايتان: الأولى: عن ابن عمر مرفوعًا، وهي هذه. والأخرى: عن عمر موقوفًا، وهي رواية إسماعيل عن أيوب وبكير عن نافع. ولذلك قال في "عون المعبود":
"والأشبه أن يكون الحديث مرفوعًا وموقوفًا، وعبد الوارث ثقة تقبل زيادته، والله أعلم".
قلت: على أن الرواية عن عمر منقطعة؛ ولذلك أوردناها في الكتاب الآخر (رقم ٧٢).
١٧ - باب ما يقول الرجل عند دخوله المسجد
٤٨٤ - عن أبي حُمَيد -أو أبي أُسَيد- الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا دخل أحدُكم المسجدَ؛ فَلْيُسَلِّم على النبيِّ ﷺ ، ثم ليقل: اللهم
стр. 802
افتح لي أبواب رحْمَتِكَ، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألُكَ من فضلك".
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وزاد أبو عوانة: التسليم عند الخروج أيضًا).
إسناده: حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي: ثنا عبد العزيز -يعني: الدراوردي- عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سُويد قال: سمعت أبا حميد -أو أبا أُسيد- الأنصاري يقول ...
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير محمد بن عثمان الدمشقي -وهو أبو الجُمَاهر التَّنُوخي الكَفْرَسوسِيّ-، وهو ثقة اتفاقًا.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٤٤٢) من طريق المصنف، ومن طريق عبَيْد بن شَرِيك عن أبي الجمَاهر.
وأخرجه الدارمي (١/ ٣٢٤): حدثنا يحيى بن حسان: أنا عبد العزيز بن محمد ... به.
وقد تابعه سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن:
أخرجه مسلم (٢/ ١٥٥)، والبيهقي (٢/ ٤٤١) -عن يحيى بن يحيى-، والدارمي (٢/ ٢٩٣) -عن عبد الله بن مسلمة-، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٤١٤) -عن ابن أبي مريم-، والنسائي (١/ ١١٩)، وأحمد (٣/ ١٩٧ و ٥/ ٤٢٥) -عن أبي عامر- كلهم عن سليمان ... به، وكلهم قالوا: عنه عن أبي حميد أو أبي أسيد؛ على الشك؛ غير أبي عامر فقال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان! وهي رواية شاذة، والصحيح رواية الجماعة.
وتابعه أيضًا عَمارة بن غَزِية: عند مسلم وأبي عوانة والبيهقي من طريق بشر
стр. 803
بن مُفَضَّل ويحيى بن عبد الله بن سالم عنه.
وتابعهما عنه إسماعيل بن عياش؛ لكنه قال: عن أبي حميد وحده.
وإسماعيل ضعيف في روايته عن الحجازيين، وهذه منها.
هذا؛ وليس في حديث سليمان بن بلال التسليم على النبي ﷺ ، وهو ثابت في سائر الروايات.
وفي حديث عمارة بن غزية -عند أبي عوانة-: التسليم عند الخروج أيضًا.
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح على شرط مسلم، وفيه التسليم في الموضعين، وقد خرجته في "الثمر المستطاب"، وصححه ابن خزيمة (١/ ٦٢ / ١)، وابن حبان (٣٢١).
ثم إن الحديث رواه بعض الثقات عن عبد العزيز من فعله ﵇ بلفظ آخر:
أخرجه أبو عوانة قال: حدثني محمد بن النعمان بن بَشِير -ببيت المقدس- قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُويْسي قال: ثنا عبد العزيز عن ربيعة عن عبد الملك بن سُوَيد عن أبي حميد الساعدي:
أن النبي ﷺ كان يقول إذا دخل المسجد:
"اللهم"! افتح لنا أبواب رحمتك، وسَهِّلْ لنا أبواب رزقك".
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ لكنه شاذ سندًا ومتنًا.
ولعل الوهم فيه من الأويسي؛ فهو وإن كان ثقة؛ فقد روى الآجُرِّي عن المصنف أنه "ضعيف". والله أعلم.
стр. 804
٤٨٥ - عن حَيْوة بن شُريح قال: لَقِيتُ عُقْبةَ بنَ مسلم، فقلت له: بلغني أنك حَدّثْتَ عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ :
أنه كان إذا دخل المسجد قال:
"أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم"؟ ! قال: أقَطْ؟ قلت: نعم. قال:
"فإذا قال ذلك؛ قال الشيطان: حُفِظ منِّي سائرَ اليوم".
(قلت: إسناده صحيح، وقال النووي: "حديث حسن، إسناده جيد! ").
إسناده: حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور: ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ وقوّاه النووي كما ذكرنا آنفًا، وهو في "الأذكار" له.
والحديث من أفراد المؤلف ﵀.
ووهم الحافظ ابن كثير ﵀؛ حيث عزاه في "تفسيره" (٣/ ٢٩٣) لـ "صحيح البخاري"!
١٨ - باب ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد
٤٨٦ - عن أبي قتادة: أن رسول الله ﷺ قال:
"إذا جاء أحدُكم المسجدَ؛ فَلْيُصَلِّ سجدتين من قبل أن يجلس".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة
стр. 805
في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا القعنبي: ثنا مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو ابن سُلَيْمٍ الزُّرَقي عن أبي قتادة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
والحديث في "الموطأ" (١/ ١٧٦ - ١٧٧).
ومن طريقه أيضًا: أخرجه محمد في "موطَّئه" (ص ١٥٠)، والبخاري (١/ ٤٢٦)، ومسلم (٢/ ١٥٥)، وأبو عوانة (١/ ٤١٥)، والنسائي (١/ ١١٩)، والترمذي (٢/ ١٢٩) -وقال: "حديث حسن صحيح"-، والدارمي (١/ ٣٢٣)، وابن ماجة (١/ ٣١٧)، والطحاوي (١/ ٢١٧)، وابن حبان (٤/ ٩٠ / ٢٤٨٨)، وأحمد (٥/ ٢٩٥ و ٣٠٣)، والخطيب في "تاريخه" (٥/ ٢٣٦ و ١٢/ ٣١٨)؛ كلهم من طريق مالك ... به.
وقد تابعه عن عامر عبدُ الله بن سعيد. عند البخاري (٣/ ٣٧).
وعثمان بن أبي سليمان وابن عجلان معًا: عند أبي عوانة، والطحاوي، وأحمد (٥/ ٢٩٦ و ٣٠٥).
وفليح بن سليمان: عند الدارمي.
ويحيى بن سعيد الأنصاري: عند ابن حبان (٢٤٨٦)، والطبراني في "الصغير" (صفحة ٧٦).
وسهيل بن أبي صالح: عند الطحاوي، والخطيب (٣/ ٤٧) كلهم عن عامر ... به؛ إلا سهيل بن أبي صالح فقال: عن جابر بن عبد الله. قال الخطيب:
"وهو وهم؛ خالف سهيلٌ الناسَ في روايته، والصواب: عن أبي قتادة".
стр. 806
وذكر نحوه الترمذي، وحكاه عن ابن المديني.
وتابعهم -عند ابن حبان (٢٤٩٠) -: ابنُ جريج عن عامر ... به؛ وزاد: "أو يستخبر"!
وهي شاذة؛ تفرد بها ابن جريج؛ مع العنعنة.
وتابع عامرًا: محمد بن يحيى بن حَبَّان بلفظ: عن أبي قتادة صاحب رسول الله ﷺ قال:
دخلت المسجد ورسولُ الله ﷺ جالس بين ظهرانَي الناس، قال: فجلست، فقال رسول الله ﷺ :
"ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ ! ". قال: فقلت: يا رسول الله! رأيتك جالسًا والناس جلوس! قال ... فذكره نحوه.
أخرجه مسلم، وأبو عوانة، واحمد (٥/ ٣٠٥).
وفيه فائدة عزيزة؛ وهي سبب ورود الحديث.
وللحديث طريق أخرى؛ فقال الحافظ بعد أن ذكر سبب الورود:
"وعند ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي قتادة: "أعْطُوا المساجد حقها".
قيل له: وما حقها؟ قال: "ركعتين قبل أن تجلس" ... ".
قلت: وقد أخرجه الخطيب (١٤/ ٤٤٠) من طريق عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه مرفوعًا:
"إذا دخلت المسجد؛ فَحَيِّهِ ركعتين قبل الإمام".
وإسناده ضعيف؛ فيه جماعة لا يُعْرَفون.
стр. 807
٤٨٧ - وفي رواية عنه عن النبي ﷺ ... نحوه؛ زاد:
"ثُمَّ لْيَقْعُدْ بَعْدُ إن شاء، أو لِيَذْهَبْ لحاجته".
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري).
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا عبد الواحد بن زياد: أنا أبو عميس عُتْبةُ بن عبد الله عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن رجل من بني زريق عن أبي قتادة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ والرجل من بني زريق: هو عمرو بن سُلَيْم في الرواية الأولى؛ فإنه منهم (١).
والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٣١١): ثنا وكيع عن أبي العُمَيْس ... به دون الزيادة.
وهذا على شرطهما.
وقد أخرجه الشيخان وغيرهما من طرق عن عامر ... به، وقد سبق بيانها عند الرواية الأولى.
١٩ - باب فضل القعود في المسجد
٤٨٨ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:
"الملائكة تُصَلِّي على أحدِكم ما دام في مُصَلاه الذي صلَّى فيه -ما لم يحدث؛ أو يقومَ-: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه".
стр. 808
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وإسناده عند البخاري إسناد المؤلف).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ١٨٥) من طريق المصنف.
وبإسناده: أخرجه البخاري (٢/ ١١٢).
وأخرجه أبو عوانة (٢/ ٢٢) من طريق القعنبي.
ثم أخرجه هو، والنسائي (١/ ١٢٠) من طرق أخرى عن مالك ... به.
وهو في "الموطأ" (١/ ١٧٥).
وله طرق أخرى عن أبي هريرة:
منها: عن أبي صالح عنه: أخرجه الشيخان وغيرهما، وسيأتي في الكتاب (رقم ٥٦٨).
ومنها: عن ابن سيرين عنه: رواه مسلم وأبو عوانة.
ومنها: عن همام بن مُنَبِّهٍ: عندهما وعند الترمذي (٢/ ١٥١)؛ وقال: "حسن صحيح".
ومنها: عن أبي سلمة: عند الدارمي (١/ ٣٢٧).
ومنها: عن أبي رافع، ويأتي بعد حديث.
стр. 809
٤٨٩ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:
"لا يزال أحدُكم في صلاةِ؛ ما كانتِ الصلاةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُه أن ينقَلِبَ إلى أهلِهِ إلا الصلاة".
(قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وقد أخرجه البخاري بإسناد المصنف، ورواه مسلم أيضًا وأبو عوانة في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
والحديث أخرجه البخاري (٢/ ١١٢ - ١١٣) ... بإسناد المصنف؛ لكنه قرنه بالحديث الذي قبله، وجعلهما حديثًا واحدًا.
وهو في "الموطَّأ" (١/ ١٧٥) مفرقًا. قال الحافظ:
"قوله: "لا يزال أحدكم"؛ هذا القدر أفرده مالك في "الموطأ" عما قبله، وأكثر الرواة ضموه إلى الأول، فجعلوه حديثًا واحدًا، ولا حَجْرَ في ذلك".
قلت: وكذلك أخرجه أبو عوانة (٢/ ٢٢) من طريق ابن وهب والقعنبي عن مالك؛ مضمومًا إلى الأول.
وأخرجه مسلم (٢/ ١٢٩)؛ هذا القدر وحده.
ومما ذكرنا؛ تعلم أن عزو المنذري الحديث لمسلم وحده! قصور أو ذهول!
٤٩٠ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:
"لا يزال العبدُ في صلاة؛ ما كان في مُصَلَّاه ينتظرُ الصلاةَ، تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه؛ حتى ينصرفَ أو يُحْدِثَ".
стр. 810
فقيل: ما يُحْدِثُ؟ قال: يَفْسُو أو يَضْرِطُ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح شرطهما؛ وحماد: هو ابن زيد. وأبو رافع: هو نُفَيْعٌ الصائغ.
والحديث أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (٢/ ٢٣) من طريق المصنف، ومن طريق أبي الوليد، والحسن بن موسى قالوا: ثنا حماد بن زيد ... به.
وقد تابعه: حماد بن سلمة عن ثابت.
أخرجه مسلم (٢/ ١٢٩).
وله طرق أخرى عن أبي هريرة؛ سبق ذكرها قبله بحديث.
٤٩١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"مَنْ أتى المسجدَ لشيءٍ فهو حَظُّه".
(قلت: إسناده حسن، ورمز له بذلك السيوطي).
إسناده: حدثنا هشام بن عمار: ثنا صدقة بن خالد: نا عثمان بن أبي العاتكة الأزدي عن عمير بن هانئ العَنْسِيِّ عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات رجال