وذكر نحوه الترمذي، وحكاه عن ابن المديني.
وتابعهم -عند ابن حبان (٢٤٩٠) -: ابنُ جريج عن عامر ... به؛ وزاد: "أو يستخبر"!
وهي شاذة؛ تفرد بها ابن جريج؛ مع العنعنة.
وتابع عامرًا: محمد بن يحيى بن حَبَّان بلفظ: عن أبي قتادة صاحب رسول الله ﷺ قال:
دخلت المسجد ورسولُ الله ﷺ جالس بين ظهرانَي الناس، قال: فجلست، فقال رسول الله ﷺ :
"ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ ! ". قال: فقلت: يا رسول الله! رأيتك جالسًا والناس جلوس! قال ... فذكره نحوه.
أخرجه مسلم، وأبو عوانة، واحمد (٥/ ٣٠٥).
وفيه فائدة عزيزة؛ وهي سبب ورود الحديث.
وللحديث طريق أخرى؛ فقال الحافظ بعد أن ذكر سبب الورود:
"وعند ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي قتادة: "أعْطُوا المساجد حقها".
قيل له: وما حقها؟ قال: "ركعتين قبل أن تجلس" ... ".
قلت: وقد أخرجه الخطيب (١٤/ ٤٤٠) من طريق عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه مرفوعًا:
"إذا دخلت المسجد؛ فَحَيِّهِ ركعتين قبل الإمام".
وإسناده ضعيف؛ فيه جماعة لا يُعْرَفون.
стр. 807
٤٨٧ - وفي رواية عنه عن النبي ﷺ ... نحوه؛ زاد:
"ثُمَّ لْيَقْعُدْ بَعْدُ إن شاء، أو لِيَذْهَبْ لحاجته".
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري).
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا عبد الواحد بن زياد: أنا أبو عميس عُتْبةُ بن عبد الله عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن رجل من بني زريق عن أبي قتادة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ والرجل من بني زريق: هو عمرو بن سُلَيْم في الرواية الأولى؛ فإنه منهم (١).
والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٣١١): ثنا وكيع عن أبي العُمَيْس ... به دون الزيادة.
وهذا على شرطهما.
وقد أخرجه الشيخان وغيرهما من طرق عن عامر ... به، وقد سبق بيانها عند الرواية الأولى.
١٩ - باب فضل القعود في المسجد
٤٨٨ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:
"الملائكة تُصَلِّي على أحدِكم ما دام في مُصَلاه الذي صلَّى فيه -ما لم يحدث؛ أو يقومَ-: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه".
стр. 808
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وإسناده عند البخاري إسناد المؤلف).
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ١٨٥) من طريق المصنف.
وبإسناده: أخرجه البخاري (٢/ ١١٢).
وأخرجه أبو عوانة (٢/ ٢٢) من طريق القعنبي.
ثم أخرجه هو، والنسائي (١/ ١٢٠) من طرق أخرى عن مالك ... به.
وهو في "الموطأ" (١/ ١٧٥).
وله طرق أخرى عن أبي هريرة:
منها: عن أبي صالح عنه: أخرجه الشيخان وغيرهما، وسيأتي في الكتاب (رقم ٥٦٨).
ومنها: عن ابن سيرين عنه: رواه مسلم وأبو عوانة.
ومنها: عن همام بن مُنَبِّهٍ: عندهما وعند الترمذي (٢/ ١٥١)؛ وقال: "حسن صحيح".
ومنها: عن أبي سلمة: عند الدارمي (١/ ٣٢٧).
ومنها: عن أبي رافع، ويأتي بعد حديث.
стр. 809
٤٨٩ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:
"لا يزال أحدُكم في صلاةِ؛ ما كانتِ الصلاةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُه أن ينقَلِبَ إلى أهلِهِ إلا الصلاة".
(قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وقد أخرجه البخاري بإسناد المصنف، ورواه مسلم أيضًا وأبو عوانة في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
والحديث أخرجه البخاري (٢/ ١١٢ - ١١٣) ... بإسناد المصنف؛ لكنه قرنه بالحديث الذي قبله، وجعلهما حديثًا واحدًا.
وهو في "الموطَّأ" (١/ ١٧٥) مفرقًا. قال الحافظ:
"قوله: "لا يزال أحدكم"؛ هذا القدر أفرده مالك في "الموطأ" عما قبله، وأكثر الرواة ضموه إلى الأول، فجعلوه حديثًا واحدًا، ولا حَجْرَ في ذلك".
قلت: وكذلك أخرجه أبو عوانة (٢/ ٢٢) من طريق ابن وهب والقعنبي عن مالك؛ مضمومًا إلى الأول.
وأخرجه مسلم (٢/ ١٢٩)؛ هذا القدر وحده.
ومما ذكرنا؛ تعلم أن عزو المنذري الحديث لمسلم وحده! قصور أو ذهول!
٤٩٠ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:
"لا يزال العبدُ في صلاة؛ ما كان في مُصَلَّاه ينتظرُ الصلاةَ، تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه؛ حتى ينصرفَ أو يُحْدِثَ".
стр. 810
فقيل: ما يُحْدِثُ؟ قال: يَفْسُو أو يَضْرِطُ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد صحيح شرطهما؛ وحماد: هو ابن زيد. وأبو رافع: هو نُفَيْعٌ الصائغ.
والحديث أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (٢/ ٢٣) من طريق المصنف، ومن طريق أبي الوليد، والحسن بن موسى قالوا: ثنا حماد بن زيد ... به.
وقد تابعه: حماد بن سلمة عن ثابت.
أخرجه مسلم (٢/ ١٢٩).
وله طرق أخرى عن أبي هريرة؛ سبق ذكرها قبله بحديث.
٤٩١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"مَنْ أتى المسجدَ لشيءٍ فهو حَظُّه".
(قلت: إسناده حسن، ورمز له بذلك السيوطي).
إسناده: حدثنا هشام بن عمار: ثنا صدقة بن خالد: نا عثمان بن أبي العاتكة الأزدي عن عمير بن هانئ العَنْسِيِّ عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات رجال
стр. 811
البخاري؛ لكنه إنما أخرج لعثمان بن أبي العاتكة في "الأدب المفرد"، وهو مختلف فيه؛ قال ابن معين والنسائي:
"ليس بالقوي". وقال أبو مُسْهِر وإسحاق ويعقوب بن سفيان:
"ضعيف الحديث". وقال ابن عدي:
"مع ضعفه يكتب حديثه".
وساق له من طريق هشام عن صدقة عنه عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ثلاثين حديثًا، عامتها ليست مستقيمة.
قلت: علي بن يزيد: هو ابن أبي زياد الألهاني؛ قال الساجي:
"اتفق أهل العلم على ضعفه".
فالحمل في هذه الأحاديث عليه، فلا يقدح بها على عثمان بن أبي العاتكة.
ولذلك قال أبو حاتم عن دُحَيْمٍ:
"لا بأس به، كان قاصَّ الجند، ولم ينكر حديثه عن غير علي بن يزيد، والأمر من علي بن يزيد". وقال أحمد:
"لا بأس به، بليَّته من علي بن يزيد". وقال ابن أبي حاتم عن أبيه:
"لا بأس به، بأسه من كثرة روايته عن علي بن يزيد، فأما روايته عن غير علي؛ فهو مقارب، يكتب حديثه". وقال المصنف:
"صالح". وقال خليفة: "ثقة؛ كثير الحديث". وقال ابن سعد:
"كان ثقة في الحديث". وقال العجلي:
стр. 812
"لا بأس به".
وذكره ابن حبان في "الثقات".
ويتلخص عندي مما سبق: أن الرجل ثقة في نفسه غير متهم في روايته؛ لكن في حفظه ضعف يسير إن شاء الله تعالى؛ فهو حسن الحديث حين لا يظهر خطؤه؛ وفي غير روايته عن علي بن يزيد الألهاني.
ولذلك لم يضعفه الحافظ في روايته عن غيره؛ فقال في "التقريب":
"ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني".
والحديث رمز السيوطي في "الجامع" لحسنه، وعزاه للمصنف وحده. وقال الشارح المناوي:
"ورواه عنه: ابن ماجة أيضًا"!
قلت: وأظن أنه وهم؛ فإني لم أجده عند ابن ماجة! ولم يعزه إليه المنذري في "مختصره" (رقم ٤٤٣)! ولا النابلسي في "ذخائره" (رقم ٨٥٤٧)! ولا صاحب "المشكاة" رقم (٧٢٥)!
ثم إن الحديث يشهد له أحاديث كثيرة في إخلاص النية في العبادة:
منها الحديث المتفق عليه:
"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... ". الحديث.
................................. (*)
стр. 813
٢٠ - باب في كراهية إنشاد الضالّة في المسجد
٤٩٢ - عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"من سمع رجلًا ينشد ضالّة في المسجد؛ فليقل: لا أدّاها الله إليك؛ فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وأبو عوانة وابن حبان في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا عبيد الله بن عمر الجُشَمِيُّ: ثنا عبد الله بن يزيد: ثنا حيوة -يعني: ابن شريح- قال: سمعت أبا الأسود -يعني: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل- يقول: أخبرني أبو عبد الله مولى شداد أنه سمع أبا هريرة يقول ...
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم؛ وأبو عبد الله مولى شداد: اسمه سالم بن عبد الله النَّصْري.
والحديث أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٩): حدثنا أبو عبد الرحمن المقريء ... به.
وأبو عبد الرحمن: هو عبد الله بن يزيد شيخ شيخ المصنف فيه.
ومن طريقه: أخرجه مسلم (٢/ ٨٢)، وأبو عوانة (١/ ٤٠٦) في "صحيحيهما"، والبيهقي (٢/ ٤٤٧).
ثم أخرجوه هم، وابن ماجة (١/ ٢٥٨)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (رقم ١٤٨)، وأحمد (٢/ ٤٢٠) من طريق ابن وهب عن حيوة ... به.
ورواه أبو عوانة من طريق أبي زرعة المصري قال: ثنا حيوة ... به.
وأبو زرعة هذا: هو وهب الله بن راشد؛ وفيه ضعف.
стр. 814
وله شاهد من حديث بريدة: عند مسلم وأبي عوانة وابن حبان وابن ماجة.
٢١ - باب في كراهية البُزاق في المسجد
٤٩٣ - عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال:
"التَّفْلُ في المسجد خطيئة، وكفّارته أن يوارَيهُ".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجا نحوه).
إسناده: حدثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا هشام وشعبة وأبان عن قتادة عن أنس.
قلت: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه الطيالسي (رقم ١٩٨٨): ثنا شعبة ... به.
وأخرجه البخاري (١/ ٤٠٦)، ومسلم (٢/ ٧٧)، وأبو عوانة (١/ ٤٠٤)، والدارمي (١/ ٣٢٤)، والبيهقي (٢/ ٢٩١)، وأحمد (٣/ ٢٧٧) من طرق عن شعبة ... به، وصرح بسماع قتادة من أنس.
ثم أخرجه مسلم، والنسائي (١/ ١١٨)، والترمذي (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢)، والبيهقي أيضًا من طريق أبي عوانة عن قتادة ... به.
وأخرجه المصنف أيضًا كما يأتي.
وأما حديث هشام؛ فأخرجه أحمد (٣/ ٢٣٢ و ٢٧٧): ثنا محمد بن يزيد الواسطي عن هشام الدَّسْتُوائي وشعبة جميعًا عن قتادة ... به.
وأخرجه أبو عوانة، وأحمد أيضًا (٣/ ١٨٣ و ٢٧٤) من طرق أخرى عن هشام ... وحده.
стр. 815
وأما حديث أبان؛ فأخرجه أحمد أيضًا، فقال (٣/ ٢٨٩):
"ثنا بهز: ثنا أبان بن يزيد: ثنا قتادة ... به.
وهذا على شرطهما.
(تنبيه): الحديث عند جميع من ذكرنا بلفظ:
"دَفْنُها"؛ كما في رواية المصنف الآتية؛ بدل قوله: "أن تواريه".
ويظهر لي أن هذا لفظ رواية هشام الدستوائي؛ فإنه عند أحمد في رواية عنه بهذا اللفظ. فقول المنذري في "مختصره":
"رواه مسلم"!
إنْ كان يعني بهذا اللفظ -كما هو الظاهر-؛ فهو وهم. وإن كان يعني بالمعنى؛ فتخصيصه لمسلم دون البخاري وغيره؛ ليس له معنى!
٤٩٤ - وفي رواية عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
"إن البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دَفْنها".
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه هو ومسلم وأبو عوانة في "صحاحهم". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح").
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه مسلم (٢/ ٧٦ - ٧٧)، والنسائي (١/ ١١٨)، والترمذي (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢)، والبيهقي (٢/ ٢٩١) من طرق عن أبي عوانة ... به. وقال الترمذي:
стр. 816
"حديث حسن صحيح".
وقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من طريق شعبة عن قتادة ... بهذا اللفظ؛ وقد سبق تخريجه في الرواية الأولى. وقول المنذري:
"رواه البخاري والترمذي والنسائي"! قصور؛ فقد رواه مسلم أيضًا.
٤٩٥ - وفي أخرى عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
"النُّخَاعةُ في المسجد ... " فذكر مثله.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم).
إسناده: حدثنا أبو كامل: ثنا يزيد بن زُريع عن سعيد عن قتادة عن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وأبو كامل: هو فُضَيْل بن حسين الجَحْدَرِيُّ.
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٠٩ و ٢٠٩ و ٢٣١) من طرق عن سعيد ... به.
٤٩٦ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"من دخل هذا المسجد، فبزق فيه أو تَنَخَّمَ؛ فليحفِرْ وليدفِنْهُ، فإن لم يفعل؛ فليبزُق في ثوبه، ثم ليخرج به".
(قلت: إسناده حسن صحيح).
إسناده: حدثنا القعنبي: ثنا أبو مودود عن عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي قال: سمعت أبا هريرة يقول ...
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات؛ غير عبد الرحمن بن أبي حدرد
стр. 817
الأسلمي؛ قال الدارقطني:
"لا بأس به".
وذكره ابن حبان في "الثقات".
وأبو مودود: واسمه عبد العزيز بن أبي سليمان الهُذَلي مولاهم؛ وثقه المصنف وجماعة. فقول الحافظ فيه:
"مقبول"!
غير مقبول!
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٢٩١) من طريق المصنف.
وأخرجه أحمد (٢/ ٢٦٠ و ٤٧١ - ٤٧٢) من طريق زيد بن الحُبَاب ووكيع كلاهما عن أبي مودود ... نحوه.
وأخرجه ابن خزيمة (١٣١٠) عن أبي عامر عن أبي مودود.
وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا بلفظ:
"إذا تنخَّم أحدكم في المسجد؛ فَلْيُغَيِّبْ نُخامته؛ أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيَهُ".
أخرجه أحمد (١/ ١٧٩) بإسناد حسن، كما قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٤٠٦).
ورواه أبو يعلى أيضًا، كما في "المجمع" (٢/ ١٨)، وقال:
"ورجاله موثقون".
ولبعضه شواهد أخرى تأتي في الباب.
стр. 818
٤٩٧ - عن طارق بن عبد الله المُحَاربي قال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا قام الرجل إلى الصلاة -أو: إذا صلَّى أحدكم-؛ فلا يَبْزُقَنَّ أمامه، ولا عن يمينه، ولكن عن تلقاء يساره إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى، ثم ليقُلْ به".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: لـ "حديث صحيح"، ووافقه الذهبي).
إسناده: حدثنا هَنَّاد بن السَّرِيِّ عن أبي الأحوص عن منصور عن رِبْعِي عن طارق بن عبد الله المحاربي.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وأبو الأحوص: هو سلّام بن سُلَيم الحنفي.
ومنصور: هو ابن المعتمر.
وَربْعِيٌّ: هو ابن حِراش.
والحديث أخرجه النسائي (١/ ١١٩)، والترمذي (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١)، وابن ماجة (١/ ٣١٩)، والحاكم (١/ ٢٥٦)، والبيهقي (٢/ ٢٩٢)، وأحمد (٦/ ٣٩٦) من طريق سفيان الثوري عن منصور ... به.
وصححه الترمذي والحاكم، ووافقه الذهبي.
وأخرجه الطيالسي (رقم ١٢٧٥): قال: حدثنا شعبة وورقاء وسلام وقيس كلهم عن منصور ... به.
وأخرجه أحمد من طريق شعبة ومن طريق عَبِيدة بن حُمَيد كلاهما عن منصور.
стр. 819
٤٩٨ - عن ابن عمر قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يومًا؛ إذ رأى نُخامة في قبلة المسجد؛ فَتَغَيَّظَ على الناس، ثم حكَّها -قال: وأحسبه قال-؛ فدعا بزعْفران فَلَطَخَهُ به، وقال:
"إن الله تعالى قِبَلَ وجه أحدكم إذا صلى؛ فلا يَبْزُقْ بين يديه".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا أبو عوانة في "صحاحهم"؛ دون ذكر اللطخ بالزعفران؛ وهي زيادة ثابتة، وقد رواها الإسماعيلي في "مستخرجه على البخاري").
إسناده: حدثنا سليمان بن داود: ثنا حماد: ثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر.
قال أبو داود:
"ورواه إسماعيل وعبد الوارث عن أيوب عن نافع. ومالك وعبيد الله وموسى ابن عقبة عن نافع ... نحو حماد؛ إلا أنه لم يذكروا: الزعفران. ورواه معمر عن أيوب؛ وأثبت: الزعفران فيه. وذكر يحيى بن سُلَيم عن عبيد الله عن نافع: الخلوق.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرطهما؛ وسليمان بن داود: هو أبو الربيع الزهراني العَتَكي.
وحماد: هو ابن زيد.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٢٩٣) من طريق سليمان بن حرب: ثنا حماد ابن زيد ... به.
وأخرجه البخاري (٣/ ٦٥): ثنا سليمان بن حرب ... به؛ لكن ليس فيه: وأحسبه قال: ... فَلَطَخَه به.
стр. 820
وقد رواها الإسماعيلي في "مستخرجه على البخاري" من طريق حماد بن زيد؛ كما في "الفتح" (١/ ٤٠٤).
وكذلك أخرجه الدارمي (١/ ٣٢٤) عن سليمان.
وأما رواية إسماعيل -وهو ابن عُلَيَّةَ-؛ فأخرجها أحمد (٢/ ٦): ثنا إسماعيل: أنا أيوب ... به.
وأخرجه مسلم (٢/ ٧٥).
وأما رواية مالك؛ فهي في "الموطأ" (١/ ٢٠٠).
ومن طريقه: أخرجه البخاري (١/ ٤٠٤)، ومسلم، وأبو عوانة (١/ ٤٠٣)، والنسائي (١/ ١١٨)، وأحمد (٢/ ٦٦) كلهم عن مالك عن نافع.
وأما رواية عبيد الله بن عمر؛ فأخرجها مسلم، وأبو عوانة، وأحمد (٢/ ٢٩ و ٥٣).
وأما رواية موسى بن عقبة؛ فأخرجها مسلم أيضًا، وأبو عوانة، وعلقها البخاري (٢/ ١٨٧).
وليس في هذه الروايات ذكر: (الزعفران) كما ذكر المصنف.
وكذلك رواه الليث بن سعد عن نافع.
أخرجه البخاري (٢/ ١٨٧)، ومسلم، وابن ماجة (١/ ٢٥٧)، وأحمد (٢/ ٧٢).
وجويرية -عند البخاري (١٠/ ٤٢٥) -، وصخر بن جويرية -عند الطيالسي (رقم ١٨٤٣) -، ومحمد بن إسحاق -عند أحمد (٢/ ٣٢ و ١١٤) -؛ كلهم عن نافع.
стр. 821
وأما سائر الروايات التي علقها المصنف؛ فلم أقف على من خرجها! نعم ذكر الحافظ إثر رواية الإسماعيلي المتقدمة:
"زاد عبد الرزاق عن معمر عن أيوب: فلذلك صُنع الزعفران في المساجد".
وأخرج أحمد (٢/ ٣٤) من طريق ابن أبي رَوَّاد عن نافع ... به نحوه؛ وفيه: ثم دعا بخَلُوق فَخَضَبَهُ.
وعلقه البخاري (٢/ ١٨٧).
وبالجملة؛ فذِكْرُ الزعفران في هذا الحديث محفوظ؛ وله شواهد تأتي في الباب.
٤٩٩ - عن أبي سعيد الخدري:
أن النبي ﷺ كان يُحبُّ العراجين، ولا يزال في يده منها؛ فدخل المسجد، فرأى نخامة في قبلة المسجد، فحكها ثم أقبل على الناس مُغْضَبًا، فقال:
"أيَسُرُّ أحدَكم أن يُبصَق في وَجْهِهِ؟ ! إنّ أحدكم إذا استقبل القبلة؛ فإنما يستقبل ربه ، والملَك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه ولا في قبلته، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فإن عَجِلَ به أمر؛ فليقل هكذا"؛ ووصف لنا ابن عجلان ذلك: أن يتفل في ثوبه ثم يردَّ بعضه على بعض.
(قلت: إسناده حسن صحيح. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه". وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وهو في "الصحيحين" مختصر).
إسناده: حدثنا يحيى بن حبيب بن عَرَبِيٍّ: ثنا خالد -يعني: ابن الحارث-
стр. 822
عن محمد بن عجلان عن عِيَاضِ بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ إلا أنه إنما أخرج لابن عجلان متابعة، وهو حسن الحديث كما سبق.
وعياض بن عبد الله: هو القُرَشي العامري المكي.
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٢٤): حدثنا يحيى عن ابن عجلان ... به.
وأخرجه الحاكم (١/ ٢٥٧) من طريق يحيى بن سعيد ... به، وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم"!
كذا قال! ووافقه الذهبي! وفيه ما سبق.
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢/ ٤٦).
وله طريق أخرى؛ أخرجها أحمد (٣/ ٦٥) من طريق فُلَيْحٍ عن سعيد بن الحارث عن أبي سلمة عن أبي سعيد ... به نحوه.
وهو على شرط الشيخين؛ على ضعف في فليح! وقد أخرجاه مختصرًا من طريق أخرى عن أبي هريرة وأبي سعيد معًا.
٥٠٠ - عن عمادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: أتينا جابرًا -يعني: ابن عبد الله- وهو في مسجده، فقال:
أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا وفي يده عُرْجون ابنِ طابٍ، فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها، فحتّها بالعرجون ثم قال:
"أيُّكم يحبُّ أن يُعْرِضَ الله عنه بوجهه؟ ! "، ثم قال:
стр. 823
"إن أحدكم إذا قام يصلي؛ فإن الله قِبل وجهه؛ فلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة؛ فليقل بثوبه هكذا"؛ : ووضعه على فيه ثم دَلَكَهُ، ثم قال: أروني عَبيرًا"، فقام فتىً من الحي يشتدُّ إلى أهله، فجاء بخَلوق في راحته، فأخذه رسول الله ﷺ فجعله على رأس العرجون، ثم لَطَخَ به على أثر النخامة.
قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم.
(قلت: إسناده صحيح، رجاله رجال "الصحيح". وأخرجه مسلم في "صحيحه" مطولًا).
إسناده: حدثنا يحيى بن الفضل السِّجِسْتاني وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان -بهذا الحديث، وهذا لفظ يحيى بن الفضل السجستاني- قالوا: ثنا حاتم بن إسماعيل: ثنا يعقوب بن مجاهد أبو حَزْرَةَ عن عبادة بن الوليد ابن عبادة بن الصامت.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير أبي حزرة فمن رجال مسلم؛ وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد".
وغير يحيى بن الفضل السجستاني؛ فهو من شيوخ المصنف وحده، وهو مجهول الحال لم يوثقه أحد، لكن حديثه هذا مقرون مع ثقتين من رجال البخاري.
والحديث أخرجه مسلم (٨/ ٢٣١ - ٢٣٦): حدثنا هارون بن معروف ومحمد ابن عَبَّاد -وتقاربا في لفط الحديث؛ والسياق لهارون- قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل ... به مطولًا.
ورواه البيهقي (٢/ ٢٩٤) من طريق هارون مختصرًا؛ مثل رواية المصنف.
стр. 824
٥٠١ - عن أبي سَهْلَةَ السائب بن خَلَّاد -من أصحاب النبي ﷺ :
أن رجلًا أمّ قومًا، فبصق في القبلة ورسولُ الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ حين فرغ:
"لا يصلِّي لكم! ". فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم؛ فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ؟ فقال:
"نعم -وحسبت أنه قال-؛ إنَّك آذيت الله ورسوله".
(قلت: حديث حسن. وقال العراقي: "إسناده جيد". ورواه ابن حبان في "صحيحه" (١٦٣٤)).
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح: ثنا عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو عن بكر بن سَوَادة الجُذَامِيِّ عن صالح بن خَيْوانَ عن أبي سهلة السائب بن خلاد.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح"؛ غير صالح بن خيوان -بالمعجمة؛ ويقال بالمهملة-، ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: "تابعي ثقة"! وتعقبه الذهبي بقوله:
"قلت: ما روى عنه سوى بكر"! وقال عبد الحق:
"لا يُحْتَجُّ به".
وعاب ذلك عليه ابن القطان، وصحح حديثه، كما في "التهذيب"!
قلت: وما ذهب إليه عبد الحق هو الحق -إن شاء الله تعالى-، وتوثيق العجلي وابن حبان فيه لين؛ كما قد سبق.
стр. 825
لكن الحديث حسن أو صحيح؛ لوجود شاهد له من حديث عبد الله بن عمر (*) ﵁؛ أورده المنذري في "الترغيب" (١/ ١٢٢) بمعناه، ثم قال:
"رواه الطبراني في "الكبير" بإسناد جيد". وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٠):
"ورجاله ثقات".
ثم إن الحديث سكت عليه المنذري في "مختصره" (رقم ٤٥٣)! وكذا الحافظ في "الفتح" (١/ ٤٠٢)! وقال شيخه العراقي في "شرح التقريب" (١/ ٣٨٠):
"إسناده جيد".
وأخرجه الإمام أحمد (٤/ ٥٦): ثنا سُرَيْجُ بن النعمان قال: ثنا عبد الله بن وهب ... به.
ورواه ابن حبان في "صحيحه" (١٦٣٤).
٥٠٢ - عن مُطَرِّفٍ عن أبيه [هو عبد الله بن الشِّخِّير] قال:
أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي، فبزق تحت قدمه اليسرى.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه بزيادة وهو التالي).
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد: أنا سعيد الجُرَيري عن أبي العلاء عن مُطَرِّفٍ.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وحماد: هو ابن سلمة.
стр. 826
وسعيد: هو ابن إياس.
وأبو العلاء: هو يزيد بن عبد الله بن الشخير.
ومطرف: أخوه.
والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٥ - ٢٦): ثنا عفان قال: ثنا حماد بن سلمة قال: أنا الجريري ... به نحوه.
وهذا على شرط مسلم أيضًا.
وقد رواه غير حماد عن الجريري عن أبي العلاء عن عبد الله بن الشخير بإسقاط (مطرف) من بينهما؛ وهو صحيح أيضًا، وهو:
٥٠٣ - عن أبي العلاء عن أبيه [هو عبد الله بن الشِّخير] ... بمعناه؛ زاد: ثم دلكه بنعله.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما". وقال الحاكم: "صحيح على شرطهما"، ووافقه الذهبي).
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا يزيد بن زُرَيْعٍ عن سعيد الجريري عن أبي العلاء عن أبيه.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه مسلم (٢/ ٧٧): حدثني يحيى بن يحيى: أخبرنا يزيد بن زريع ... به، ولفظه:
أنه صلى مع النبي ﷺ ، قال: فتنخع فدلَكه ... الحديث.
وأخرجه البيهقي (٢/ ٢٩٣) من طريق أخرى عن مسدد.
стр. 827
وأخرجه أبو عوانة (١/ ٤٠٥)، والنسائي (١/ ١١٩)، وأحمد (٤/ ٢٥) من طرق أخرى عن الجريري ... به.
وكذلك أخرجه الحاكم (١/ ٢٥٦) وقال:
"صحيح على شرطهما". ووافقه الذهبي.
وقد تابعه كَهْمَس عن أبي العلاء ... به.
أخرجه مسلم وأبو عوانة.
٢٢ - باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد
٥٠٤ - عن أنس بن مالك قال:
دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عَقَلَهُ، ثم قال: أيُّكم محمدٌ؟ ورسول الله ﷺ متَّكئ بين ظهرانَيْهم، فقلنا له: هذا الأبيض المتَّكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب! فقال له النبي ﷺ : "قد أجبتك".
فقال له الرجل: يا محمد! إني سائلك ... وساق الحديث.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه البخاري في "صحيحه" بتمامه، وهو:
... فمشدِّد عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك، فقال:
"سل عمّا بدا لك".
стр. 828
فقال: أسألك بربك ورب من قبلك: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال:
"اللهم! نعم". قال: آنْشُدُك بالله: آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال:
"اللهم! نعم".
قال: أنشدك بالله: آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال:
"اللهم! نعم".
قال: أنشدك بالله: آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ :
"اللهم! نعم".
فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسولُ مَن ورائي من قومي، وأنا ضِمَامُ بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر.
وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما" بأتم منه، وزادا في آخره: ثم ولّى، قال: والذي بعثك بالحق؛ لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي ﷺ :
"لئن صدق ليدخُلَنَّ الجنة").
إسناده: حدثنا عيسى بن حماد: أنا الليث عن سعيد المَقْبُرِيِّ عن شَرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِرٍ أنه سمع أنس بن مالك يقول ...
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٤٤٤) من طريق المصنف.
стр. 829
وبإسناده: أخرجه النسائي (١/ ٢٩٧)، وابن ماجة (١/ ٤٢٧ - ٤٢٨) بتمامه.
وأخرجه البخاري (١/ ١٢٢ - ١٢٤)، وأحمد (٣/ ١٦٨) من طرق أخرى عن الليث ... به.
وللحديث طريق أخرى بأتم منه: أخرجه مسلم (١/ ٣٢)، وأبو عوانة (١/ ٢ - ٣)، وأحمد (٣/ ١٤٣ و ١٩٣) من طرق عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس.
وعلقه البخاري (١/ ١٢٥).
٥٠٥ - عن ابن عباس قال:
بَعَثَتْ بنو سعد بن بكر ضِمَامَ بن ثعلبة إلى رسول الله ﷺ ، فَقدِم عليه، فأناخ بعيره عند باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ... فذكر نحوه، قال: فقال: أيُّكم ابنُ عبد المطلب؟ فقال:
"أنا ابن عبد المطلب".
قال: يا ابن عبد المطلب! ... وساق الحديث.
(قلت: إسناده حسن، وصححه الحاكم والذهبي؛ وتمامه عنده:
إني سائلك ومغلِّط عليك في المسألة، فلا تجدنَّ عليّ في نفسك؛ فإني لا أجد في نفسي (١)، قال:
стр. 830
"سل عما بدا لك". قال:
أنشدك اللهَ إلهَك وإلهَ مَنْ قَبْلك وإلهَ من هو كائن بعدك: آلله بعثك إلينا رسولًا؟ قال:
"اللهم! نعم". قال: أنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك: آلله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأوثان والأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ فقال ﷺ :
"اللهم! نعم".
ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الصلاة والزكاة والصيام والحج، وفرائض الإسلام كلها؛ ينشده عند كل فريضة كما أنشده في التي كان قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله (١)، وسأؤدِّي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف راجعًا إلى بعيره، فقال رسول الله ﷺ -حين ولّى-:
"إنْ يصدقْ ذو العَقِيصتين يدخلِ الجنة".
وكان ضمامٌ رجلًا جلدًا أشعر ذا غديرتين، ثم أتى بعيره فأطلق عقاله؛ حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أولَ ما تكلم به، وهو يَسُبُّ اللات والعُزَّى، فقالوا:
стр. 831
مَهْ يا ضِمَام! ! اتق البَرَصَ والجُذام والجنون! فقال:
ويلكم! إنهما -والله- لا يضرَّان ولا ينفعان. إن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. فوالله ما أمسى ذلك اليوم من حاضرته رجلٌ ولا امرأة إلا مسلمًا.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضِمامِ بن ثعلبة رضي الله تعالى عنه).
إسناده: حدثنا محمد بن عمرو: ثنا سَلَمَةُ: حدثني محمد بن إسحاق: حدثني سَلَمَةُ بن كُهَيْلٍ ومحمد بن الوليد بن نُوَيْفعٍ عن كُرَيْبٍ عن ابن عباس.
قلت: وهذا إسناد حسن، محمد بن عمرو: هو ابن بكر بن سالم أبو غسان الرازي الطيالسي المعروف بـ (زُنَيْج)؛ وهو ثقة من رجال مسلم.
وشيخه سلمة: هو ابن الفضل؛ وهو مختلف فيه، ويظهر من مجموع أقوال الأئمة فيه: أنه في نفسه ثقة، ولكنه سيئ الحفظ؛ فينظر فيما تفرد به.
لكن له اختصاص في الرواية عن ابن إسحاق؛ فقد ذكره الذهبي في "الميزان":
"وقال زُنيج: سمعت سلمة الأبرش يقول: سمعت المغازي من ابن إسحاق مرتين، وكتبت عنه من الحديث مثل المغازي". وقال علي الهِسِنْجَانِيُّ عن ابن معين: سمعت جريرًا يقول:
"ليس من لَدُنْ بغداد إلى خراسان أثبتُ في ابن إسحاق من سلمة".
فهو عن ابن إسحاق حسن الحديث إن شاء الله تعالى.
стр. 832
ومحمد بن الوليد بن نويفع؛ ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: "يُعْتَبَرُ به". وقال الذهبي في "الميزان":
"ما روى عنه سوى ابن إسحاق".
قلت: لكن حديثه هذا مقرون مع سلمة بن كُهَيل، وهو ثقة من رجال الشيخين؛ كشيخهما كريب.
وأما ابن إسحاق؛ فقد صرح بالسماع، وهو حسن الحديث، كما سبق ذكره مرارًا.
والحديث أخرجه الحاكم (٣/ ٥٤ - ٥٥)، وأحمد (١/ ٢٥٠ و ٢٦٤ - ٢٦٥ و ٢٦٥) من طرق أخرى عن ابن إسحاق: ثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب ... به؛ ليس فيه: سلمة بن كهيل. وقال الحاكم:
"صحيح"، ووافقه الذهبي.
٢٣ - باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة
٥٠٦ - عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ :
"جُعِلَتْ لي الأرض طَهورًا ومسجدًا".
(قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وهو عندهما وكذا أبي عوانة من حديث جابر بن عبد الله).
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا جرير عن الأعمش عن مجاهد عن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ عن أبي ذر.
стр. 833
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وعبيد بن عمير: هو ابن قتادة الليثي.
والحديث أخرجه أحمد (٥/ ١٤٨): ثنا عفان: ثنا أبو عوانة عن سليمان الأعمش ... به مطولًا؛ ولفظه:
"أعطيت خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحد قبلي: بُعِثْتُ إلى الأحمر والأسود، وجُعِلَت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تَحِلَّ لأحد قبلي، ونصِرْت بالرُّعْبِ فَيرْعَب العدو وهو مني مسيرة شهر، وقيل لي: سلْ تُعْطَه؛ واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي؛ فهي نائلة منكم -إن شاء الله تعالى- مَنْ لم يشرك بالله شيئًا".
وهذا على شرطهما أيضًا.
ورواه ابن إسحاق: حدثني سليمان الأ عمش ... به؛ وزاد في آخره:
فكان مجاهد يرى أن الأحمر: الإنس، والأسود: الجن.
رواه أحمد (٥/ ١٤٥)؛ وسنده حسن.
وقد خالفه واصل الأحدب فقال: عن مجاهد عن أبي ذر ... فأسقط من بينهما: عبيد بن عمير.
أخرجه الطيالسي (رقم ٤٧٢): حدثنا شعبة عن واصل ... به.
وهكذا أخرجه أحمد (٥/ ١٦١) من طرق عن شعبة ... به.
قلت: وواصل الأحدب ثقة ثبت، كما في "التقريب"؛ فلعل مجاهدًا سمعه عن عبيد أولًا، ثم سمعه من أبي ذر مباشرة؛ فإنه قد أدركه؛ فإن أبا ذر ﵁ توفي سنة (٣٢) في خلافة عثمان، وولد مجاهد سنة (١٨) -على قول يحيى
стр. 834
ابن بكير-، وسنة (٢١) -على قول ابن حبان-؛ فعليه كان عمره (١١) سنة على الأقل حين وفاة أبي ذر؛ فكان له ممكنًا لقياه أو السماع منه. والله أعلم.
والحديث له شواهد كثيرة؛ منها: عن جابر بن عبد الله: عند البخاري (١/ ٣٤٦ - ٣٤٨)، ومسلم (٢/ ٦٢)، والنسائي (١/ ٧٤ و ١٢٠)، وأبي عوانة أيضًا في "صحيحه" (١/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، والدارمي (١/ ٣٢٣)، والبيهقي (٢/ ٤٣٣)، وأحمد (٣/ ٣٠٤)، وصححه ابن حبان (٦٣٦٤).
٥٠٧ - عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ :
"الأرض كلُّها مسجدٌ؛ إلا الحمَّامَ والمقبرةَ".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وكذا قال الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان، وقوّاه ابن حزم وابن دقيق العيد وابن التركماني، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أسانيده جيدة").
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد. (ح) وحدثنا مسدد: ثنا عبد الواحد عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ . وقال موسى في حديثه: فيما يحسب عمرو أن النبي ﷺ قال ...
قلت: وهذا إسناد صحيح عاس شرط الشيخين؛ وحماد: هو ابن سلمة.
وقد تابعه عبد الواحد -وهو ابن زياد-، وهو من رجالهما.
والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٨٣): ثنا يزيد: أنا سفيان الثوري وحماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه -قال حماد في حديثه: عن أبي سعيد الخدري ... -؛ ولم يجز سفيان أباه.
وهكذا أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٥١ - ٢٥٢)، والبيهقي (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، عن
стр. 835
يزيد -وهو ابن هارون-.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٤/ ٢٧) من طريق حجاج بن منهال: ثنا حماد ابن سلمة ... به موصولًا.
وأخرجه البيهقي (٢/ ٤٣٥) من طريق أخرى عن مسدد: ثنا عبد الواحد بن زياد ... به.
ثم أخرجه هو، وابن خزيمة (٢/ ٧ / ٣٩١)، وابن حبان (٣٣٨ و ٣٣٩)، والحاكم (١/ ٢٥١)، وابن حزم، وأحمد، (٣/ ٩٦) من طرق أخرى عن عبد الواحد.
وقد تابعهما عبد العزيز بن محمد الدراوردي: ثنا عمرو بن يحيى ... به.
أخرجه الترمذي (١/ ٣٢٣)، وابن خزيمة (٧٩٢)، والحاكم أيضًا، والبيهقي.
وتابعهم محمد بن إسحاق؛ لكنه شذ في لفظه؛ فقال:
"كلُّ الأرض مسجد وطهور؛ إلا المقبرة والحمام".
أخرجه أحمد (٣/ ٨٣). وقال البزار:
"أسنده أيضًا عن عمرو بن يحيى: أبو طُوالة عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري"؛ ذكره ابن حزم. ثم قال الحاكم:
"هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم"؛ ووافقه الذهبي.
وأما الترمذي؛ فقد أعله برواية الثوري المتقدمة مرسلًا! فقال:
"وكأن رواية الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ : أثبت وأصح ... مرسلًا"!
قلت: وهذا ترجيح عجيب! فكيف تكون رواية سفيان -وهو فرد- أصح من
стр. 836
رواية الجماعة وهم ثقات عدول ومعهم زيادة؟ ! ولو عكس ذلك؛ لكان أقرب إلى الصواب!
على أننا نقول: لعل عمرو بن يحيى أو والده كان أحيانًا يرسله؛ فرواه الثوري كذلك؛ فذلك لا ينفي صحة الموصول؛ بل كلاهما صحيح ثابت. وقال ابن حزم:
"قال بعضهم: هذا حديث أرسله سفيان الثوري، وشك في إسناده موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة. قال علي [يعني: ابن حزم]: فكان ماذا؟ ! وأي منفعة لهم في شَكّ موسى ولم يَشُكَّ حجاج؟ ! وإن لم يكن فوق موسى فليس دونه! أو في إرسال سفيان؛ وقد أسنده حماد وعبد الواحد وأبو طوالة وابن إسحاق؛ وكلهم عدل؟ ! ". وقال صاحب "الإمام":
"حاصل ما عُلِّلَ به: الإرسال، وإذا كان الواصل له ثقة؛ فهو مقبول. وأفحش ابن دِحْيَة، فقال في كتاب "التنوير" له: هذا لا يصح من طريق من الطرق. كذا قال؛ ولم يصب"؛ كذا في "التلخيص" (٤/ ٣٩).
قلت: على أن الثوري قد اختلف عليه فيه:
فرواه يزيد بن هارون عنه مرسلًا؛ كما تقدم.
ورواه أبو نعيم وقَبِيصة: ثنا سفيان عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد ... به موصولًا.
رواه الدارقطني في "العلل "قال: حدثنا جعفر بن محمد المؤذن -ثقة-: ثنا السرِيُّ بن يحيى: ثنا أبو نعيم وقبيصة ... به، وقال:
"المرسل المحفوظ".
وقد أشار إلى هذا البيهقي؛ حيث قال عقب رواية يزيد بن هارون:
стр. 837
"حديث الثوري مرسل؛ وقد روي موصولًا؛ وليس بشيء. وحديث حماد بن سلمة موصول؛ وقد تابعه على وصله: عبد الواحد بن زياد والدراوردي". وتعقبه ابن التركماني بقوله:
"قلت: إذا وصله ابن سلمة، وتوبع على وصله من هذه الأوجه؛ فهو زيادة ثقة؛ فلا أدري ما وجه قول البيهقي: ليس بشيء؟ ! "!
قلت: وهذا التعقُّب لا شيء! فإن قول البيهقي هذا إنما أراد به حديث الثوري خاصة لا أصل الحديث؛ كأنه يقول: وقد روي حديث الثوري موصولًا وليس بشيء؛ فهو بمعنى قول الدارقطني المتقدم: "المرسل المحفوظ"؛ يعني: المرسل عن الثوري هو المحفوظ، لا الموصول عنه.
ويدل على ما ذهبنا إليه؛ قول البيهقي عقب ذلك:
"وحديث ابن سلمة موصول ... " إلخ؛ فإنه كالصريح على أنه أراد بذلك الكلام حديثَ الثوري وحده. ولذلك لا يمكن القول -كما فعل الحافظ في "التلخيص"-:
"إن البيهقي رجح المرسل أيضًا"! والله أعلم.
وثَمَّ وهَمٌ آخر يجب التنبيه عليه أيضًا؛ فقد قال الأستاذ الفاضل الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي (٢/ ١٣٣) -إثر قول البيهقي المذكور آنفًا-:
"ولا أدري كيف يزعم الترمذي ثم البيهقي أن الثوري رواه مرسلًا؛ في حين أن روايته موصولة أيضًا؟ ! ثم الذي وصله عن الثوري: هو يزيد بن هارون، وهو حجة حافظ، وأنا لم أجده مرسلًا من رواية الثوري؛ إنما رأيته كذلك من رواية سفيان بن عيينة؛ فلعله اشتبه عليهم سفيان بسفيان"! !
قلت: لو وقف الأستاذ الفاضل على رواية أحمد المتقدمة عن يزيد بن هارون
стр. 838
عن الثوري؛ لما قال ما قال، ولما رمى الأئمة بالوهم! ذلك لأنها صريحة في أنها مرسلة.
ثم إن رواية سفيان التي زعم أنها موصولة؛ إنما عنى بها رواية البيهقي عن يزيد، فهي ليست صريحة فيما ادعى؛ بل هي تحتمل الوصل والإرسال؛ حيث إن سياقها هكذا: ... ثنا يزيد بن هارون: أبَنا سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه. وحماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ ... حديث الثوري مرسل وقد روي موصولًا ... إلخ.
فهذا -كما ترى- محتمل للوجهين الذين ذكرنا؛ لكن قول البيهقي: "حديث الثوري مرسل" دليل على أنه وقع عنده كذلك؛ وإلا فمن غير المعقول أن تكون الرواية عنده موصولة، ثم يقول: إنها مرسلة دون أن يبين وجه ذلك!
ويؤيد ذلك تصريح أحمد بأنها مرسلة كما سبق.
ثم إن الفاضل المذكور قد وقع في وهم آخر؛ حيث قال عند تخريج الحديث:
"ورواه أبو داود (ج ١ / ص ١٨٤)، والشافعي في "الأم" (ج ١ / ص ٧٩) عن سفيان بن عيينة عن عمرو ... مرسلًا"!
وهذه الرواية ليست عند المصنف ﵀! وقد أشار بالجزء والصفحة إلى موضعها من النسخة التي عليها شرح "عون العبود"، والتي منها ننقل، وعليها نعتمد في هذا الكتاب، وليس في هذه الصفحة ولا في غيرها منها هذه الرواية؛ فهو وهم واضح! نسأل الله تعالى التوفيق.
ثم إن للحديث طريقًا أخرى هو في منجى من ذلك الاختلاف؛ فقد أخرجه الحاكم، ومن طريقه البيهقي: عن عُمَارة بن غَزِية عن يحيى بن عمارة الأنصاري عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا ... به.
стр. 839
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص ١٦٠):
"أسانيده جيدة، ومن تكلم فيه؛ فما استوفى طرقه".
٢٤ - باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل
[تحت هذا الباب في الكتاب حديث البراء بن عازب، وقد مضى بنفس الإسناد في "الطهارة" (رقم ١٧٨) بأتم مما هنا؛ ولذلك حذفناه].
٢٥ - باب متى يُؤْمَرُ الغلام بالصلاة ؟
٥٠٨ - عن عبد الملك بن الربيع بن سَبْرَةَ عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ :
"مُرُوا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين؛ فاضربوه عليها".
(قلت: إسناده حسن صحيح. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وقال النووي: "حديث صحيح". ورواه ابن خزيمة؛ يعني: في "صحيحه").
إسناده: حدثنا محمد بن عيسى -يعني: ابن الطَّبَّاع-: ثنا إبراهيم بن سعد عن عبد الملك بن الربيع بن سَبْرَةَ عن أبيه عن جده.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات؛ غير عبد الملك بن الربيع بن سبرة؛ وقد أخرج له مسلم في "صحيحه" (٤/ ١٣٢ - ١٣٣) حديثًا في نسخ متعة النكاح بهذا السند، لكنه عنده متابعة؛ فإنه أخرجه -بعد أن ساقه- من طريق
стр. 840
الليث وعُمَارة بن غَزِيَّة وعبد العزيز بن عمر كلهم عن الربيع بن سبرة ... به؛ وقد وثقه العجلي، وروى عنه جماعة من الثقات، وقد صحح له من يأتي ذكره؛ فهو كما قال الذهبي:
"صدوق إن شاء الله. ضعفه يحيى بن معين فقط، فقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عن أحاديثه عن أبيه عن جده؟ فقال: ضعاف". وقال أبو الحسن ابن القطان:
"لم تثبت عدالته، وإن كان مسلم أخرج له؛ فغير محتج به". قال الحافظ في "تهذيب التهذيب":
"ومسلم إنما أخرج له حديثًا واحدًا -في المتعة- متابعة، وقد نبه على ذلك المؤلف"؛ يعني: المزي.
والحديث أخرجه الترمذي (٢/ ٢٥٩)، والدارمي (١/ ٣٣٣)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٠٠٢)، والطحاوي في "المشكل" (٣/ ٢٣١) والدارقطني (ص ٨٥)، والحاكم (١/ ٢٠١)، والبيهقي (٢/ ١٤ و ٣/ ٨٣ - ٨٤)، وأحمد (٣/ ٤٠٤) من طرق عن عبد الملك ... به.
وقد صححه من ذكرنا آنفًا، وكلام النووي في "المجموع" (٣/ ١٠) -وتمام كلام الحاكم-:
"فقد احتج -يعني: مسلمًا- بعبد الملك بن الربيع بن سَبْرَةَ عن أبائه"!
كذا قال، وأقره الذهبي! وقد علمت أنه إنما روى له متابعة.
ويقويه ما بعده، وحديث أبي هريرة مرفوعًا نحوه.
أخرجه البزار (ص ٤١ - زوائده) بسند حسن في الشواهد.
стр. 841
٥٠٩ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ :
"مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم أبناءُ سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشر سنين؛ وفرِّقوا بينهم في المضاجع".
(قلت: إسناده حسن صحيح. وقال النووي: "إسناده حسن").
إسناده: حدثنا مُؤَمَّلُ بن هشام اليَشْكُرِيُّ: ثنا إسماعيل عن سَوَّارٍ أبي حمزة -قال أبو داود: هو سَوَّار بن داود أبو حمزة المُزَنِيُّ الصَّيْرفِيُّ- عن عمرو بن شعيب.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات -على الخلاف الشهور في عمرو بن شعيب، وقد سبق تحقيق الحق فيه، وأنه حسن الإسناد-؛ غير سوار بن داود أبي حمزة المزني الصيرفي، وهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى. وإليك ترجمته من "تهذيب التهذيب":
"قال أبو طالب عن أحمد: شيخ بصري لا بأس به، روى عنه وكيع فقلب اسمه، وهو شيخ يوثق بالبصرة، لم يرْوَ عنه غير هذا الحديث".
قلت: يعني هذا: وقال ابن معين:
"ثقة". وقال الدارقطني:
"لا يتابع على أحاديثه، فيعتبر به".
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال:
"يخطيء". ولخَّص ذلك الحافظ في "التقريب"، فقال:
"صدوق له أوهام".
стр. 842
وهذا معناه أنه حسن الحديث على أقل تقدير؛ إذا لم يظهر وهمه فيه. ولذلك قال النووي في "المجموع" (٣/ ١٠)، وفي "الرياض" (ص ١٤٨):
"رواه أبو داود بإسناد حسن".
وإسماعيل: هو ابن عُلَيَّةَ.
والحديث أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧): ثنا محمد بن عبد الرحمن الطُّفَاوي وعبد الله بن بكر السَّهْمِيُّ -المعنى واحد- قالا: ثنا سوار أبو حمزة ... به؛ وفيه الزيادة الآتية في الكتاب في الرواية الأخرى؛ بلفظ:
"إذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره؛ فلا ينظرن إلى شيء من عورته؛ فإن ما أسفل من سُرَّته إلى ركبتيه من عورته".
وأخرجه من طريق عبد الله بن بكر السَّهْمِي: الدارقطني (ص ٨٥)، وعنه البيهقي (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، والحاكم (١/ ١٩٧)، والخطيب في "تاريخه" (٢/ ٢٧٨)؛ وليس عند الحاكم الزيادة.
وأخرجه الدارقطني، وعنه البيهقي (٢/ ٢٢٩) من طريق النَّضْرِ بن شُمَيْلٍ: أنا أبو حمزة الصيرفي -وهو سوار بن داود- ... به، ولفظها عنده:
"وإذا زوج أحدُكم عبدَه أَمَتَهُ أو أجيره؛ فلا تنظرِ الأمَةُ إلى شيء من عورته؛ فإن ما تحت السرة إلى الركبة من العورة".
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٢٢٦) من طريق المؤلف.
وقد رواه وكيع أيضًا عن سَوَّارٍ؛ لكنه قلب اسمه كما سبق؛ وقد أخرجه المصنف وهو:
стр. 843
٥١٠ - وفي رواية عنه ... بإسناده ومعناه؛ وزاد:
"وإذا زوَّج أحدكم خادمه عبده أو أجيره؛ فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة".
(قلت: إسناده حسن، وكذا قال النووي).
إسناده: حدثنا زهير بن حرب: ثنا وكيع: حدثني داود بن سَوَّارٍ المزني ... بإسناده ومعناه؛ وزاد: قال أبو داود: وَهِمَ وكيع في اسمه، وروى عنه أبو داود الطيالسي هذا الحديث؛ فقال: ثنا أبو حمزة سوار الصيرفي.
قلت: وهذا إسناد حسن كما سبق.
والحديث أخرجه أحمد (٢/ ١٨٠): ثنا وكيع ... به دون الزيادة، قال: وقال الطفاوي محمد بن عبد الرحمن في هذا الحديث: سوار أبو حمزة ... وأخطأ فيه!
قلت: هكذا في رواية عبد الله بن أحمد عن أبيه. وخالفه أبو طالب فقال عن أحمد:
"سوار أبو حمزة لا بأس به، روى عنه وكيع فقلب اسمه"؛ كما تقدم ذكره في الرواية الأولى.
وهذا يوافق كلام المصنف هنا، وهو الصواب؛ لأن الطفاوي قد تابعه عبد الله ابن بكر السَّهمي وإسماعيل فقالوا: سوار أبو حمزة.
وكذلك قال الطيالسي عنه، فيما ذكره المصنف، وليست هذه الرواية في "مسنده".
стр. 844
٢٦ - باب بَدْءِ الأذان
٥١١ - عن أبي عمَيْرِ بن أنس عن عُمُومةٍ له من الأنصار قال:
اهتم النبي ﷺ للصلاة؛ كيف يجمع الناس لها؟ ! فقيل له: انصبْ راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يُعْجِبْهُ ذلك. قال: فذُكر له القُنْعُ؛ يعني: الشَّبُّور -وفي رواية: شَبُّور اليهود-، فلم يعجبه ذلك، وقال:
"هو من أمر اليهود".
قال: فذكر له الناقوس؟ فقال:
"هو من أمر النصارى".
فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه -وهو مهتمٌّ لِهَمِّ رسول الله ﷺ ، فأريَ الأذانَ في منامِهِ، قال: فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: يا رسول الله! إني لَبَيْنَ نائم ويقظان؛ إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب قد رأى قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا، قال: ثم أخبر النبي ﷺ ، فقال له:
"ما منعك أن تخبرني؟ ".
فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ :
"يا بلال! قم؛ فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله".
стр. 845
قال: فأذن بلال. قال أبو بشر: فأخبرني أبو عُمير: أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذ مريضًا؛ لجعله رسول الله ﷺ مؤذنًا.
(قلت: إسناده صحيح. وقال الحافظ: "سنده صحيح إلى أبي عمير بن أنس. وقال ابن عبد البر: روى قصة عبد الله بن زيد جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعانٍ متقاربة، وهي من وجوه حسان، وهذا أحسنها").
إسناده: حدثنا عَبَّاد بن موسى الخُتُّلي وزياد بن أيوب -وحديث عباد أتم- قالا: ثنا هُشَيْمٍ عن أبي بشر -قال: قال زياد: أنا أبو بشر- عن أبي عمير بن أنس.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير أبي عمير ابن أنس، وهو ثقة كما في "التقريب"، وصحح حديثه أبو بكر بن المنذر وغير واحد. وقال ابن سعد:
"كان ثقة قليل الحديث".
وذكره ابن حبان في "الثقات. وقول ابن عبد البر فيه:
"مجهول لا يحتج به"! مما لا يلتفت إليه ولا يحتج به؛ فقد عرفه من وثقة ومن صحح حديثه. وقد قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٦٤):
"أخرجه أبو داود بسند صحيح إلى أبي عمير بن أنس .. وقال أبو عمر بن عبد البر: روى قصة عبد الله بن زيد جماعة من الصحابة بألفاظ .. " إلخ كلامه المذكور في أعلاه.
فهذا يفيد أن أبا عُمَيْرٍ حجة عنده؛ فلعله رجع عن قوله السابق! والله أعلم.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٣٩٠) من طريق المؤلف.
ثم أخرجه (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠) من طريق آخر عن هشيم.