← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 25881

صحيح سنن أبي داود ط غراس

ناصر الدين الألباني

Полный текст (3 494 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

(قلت: إسناده حسن، وقال النووي: "إسناده صحيح"، وقال الحاكم: "صدوق رواته"، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان (٢٠٩٨) في "صحيحيهما"). إسناده: حدثنا أحمد بن يونس: ثنا زائدة: ثنا السائب بن حُبَيْشٍ عن مَعْدان ابن أبي طلحة اليَعْمَرِي عن أبي الدرداء. وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال "الصحيح"؛ غير السائب بن حبيش، وهو الكَلاعي الحمصي، وقد وثقه العجلي وابن حبان. وقال الدارقطني: "صالح الحديث من أهل الشام، لا أعلم حدث عنه غير زائدة". قلت: وقال الحاكم بعد أن أخرج الحديث: "وقد عرف من مذهب زائدة أنه لا يحدث إلا عن الثقات". ووافقه الذهبي. وهذه فائدة لا تجدها في كتب الرجال؛ فينبغي أن تقيد. هذا وقد ذكر في "التهذيب" راويًا آخر عنه؛ وهو حفص بن عمر بن رواحة الحلبي. والحديث أخرجه النسائي (١/ ١٣٥)، والحاكم (١/ ٢١١)، وأحمد (٥/ ١٩٦ و ٦/ ٤٤٦) من طرق عن زائدة بن قدامة ... به. وقال الحاكم: "حديث صدوق رواته، متفق على الاحتجاج بهم؛ إلا السائب بن حبيش؛ وقد عرف من مذهب زائدة أنه لا يحدث إلا عن الثقات"، ووافقه الذهبي. ثم أخرجه الحاكم في موضع آخر (١/ ٢٤٦)، وقال: "حديث صحيح"، ووافقه الذهبي أيضًا.

стр. 947

وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان (٢٠٩٨) في "صحيحيهما"؛ كما في "الترغيب" (١/ ١٥٦). وقال النووي في "المجموع" (٤/ ١٨٣): "إسناده صحيح". وأما في "الرياض"؛ فقال -كما قلنا نحن-: "إسناده حسن". وللحديث طريق أخرى: عند أحمد (٦/ ٤٤٥). وفيه حاتم بن أبي نصر؛ وهو مجهول. ٥٥٧ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أن آمُرَ بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال -معهم حُزَمٌ من حَطَبٍ- إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأُحَرِّق عليهم بيوتهم بالنار". (قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه، وكذا أبو عوانة في "صحاحهم"). إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. والحديث أخرجه مسلم (٢/ ١٢٣)، وابن ماجة (١/ ٢٦٥) ... بإسناد المصنف. وأخرجه أبو عوانة (٢/ ٥) عن شيخ آخر عن أبي معاوية.

стр. 948

ثم أخرجه هو، ومسلم، والبخاري (٢/ ١١١ - ١١٢) من طرق أخرى عن الأعمش ... به نحوه. وللحديث -في "الصحاح الثلاثة: البخاري ومسلم وأبا عوانة"، والنسائي (١/ ١٣٥)، والترمذي، والدارمي (١/ ٢٩٢)، و "المسند" (٢/ ٢٤٤ و ٢٩٢ و ٣١٤ و ٣٧٦) - طرق أخرى عن أبي هريرة؛ ومنها ما يأتي في الكتاب عقب هذا. وله في "مسند الطيالسي" (رقم ١٧١٧) شاهد من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. ٥٥٨ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أن آمر فِتْيَتِي، فيجمعوا حزمًا من حطب، ثم آتيَ قومًا يصلُّون في بيوتهم -ليست بهم علة-، فأحرِّقها عليهم". قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف! الجمعةَ عَنَى أو غيرها؟ قال: صُمَّتَا أُذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يَأْثِرُهُ عن رسول الله ﷺ ! ما ذكر جمعة ولا غيرها. (قلت: حديث صحيح؛ دون قوله: "ليست بهم علة"؛ وإن كانت صحيحة المعنى، والصحيح: "يسمعون النداء". وأخرجه مسلم مختصرًا. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"). إسناده: حدثنا النُّفَيْلِيُّ: ثنا أبو المَلِيح: حدثني يزيد بن يزيد: حدثني يزيد ابن الأصم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ ... وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير يزيد بن يزيد؛ وهو يزيد بن يزيد بن

стр. 949

جابر، شيخ من أهل الرَّقَةِ: كذا رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": عن أحمد بن عبد الرحمن بن عفان عن أبي جعفر النفيلي عن أبي المليح قال: حدثنا ... فذكره؛ كما في "تهذيب التهذيب"؛ وهو غير يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي الدمشقي؛ فإن هذا ثقة مشهور. والمترجم -كما في "التقريب"- مجهول؛ وقال: "قيل: هو الذي قبله -يعني: الأزدي-. وقيل: آخر من أهل الرقة مجهول". قلت: لكنه لم يتفرد بالحديث؛ بل قد تابعه عليه غير ما واحد؛ فكان حديثه هذا صحيحًا، كما يأتي بيانه. والحديث أخرجه البيهقي (٣/ ٥٦) من طريق المؤلف. وأخرجه أحمد من طريق أخرى عن ابن الأصم، فقال: (٢/ ٥٣٩): ثنا كثير: ثنا جعفر: ثنا يزيد بن الأصم ... به نحوه؛ وقال: "يسمعون النداء ثم لا يأتون الصلاة". فسئل يزيد: أفي الجمعة هذا أم في غيرها؟ قال: ما سمعت أبا هريرة يذكر جمعة ولا غيرها؛ إلا هكذا. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وكثير: هو ابن هشام أبو سهل الرَّقيُّ. وجعفر: هو ابن برقان. وقد أخرجه البيهقي (٣/ ٥٥ - ٥٦) من طريق أبي نعيم: ثنا جعفر بن برقان ... به. دون سؤال يزيد.

стр. 950

وكذلك أخرجه مسلم (٢/ ١٢٣)، والترمذي (٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣)، وأحمد (٢/ ٤٧٢) من طريق وكيع عن جعفر ... به؛ وليس عندهم: "يسمعون النداء". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". قلت: فقد اختلف جعفر بن برقان في جملة من الحديث مع يزيد بن يزيد؛ فقال هذا: "ليست بهم علة". وقال جعفر في رواية أحمد الصحيحة والبيهقي: "يسمعون النداء". وهذا هو الصحيح؛ لما علمت من جهالة يزيد، وإن كانت روايته -من حيث المعنى- صحيحة. وإنما كلامنا من حيث الإسناد والمبنى. ثم إن الروايتين اتفقتا على أن أبا هريرة لم يذكر في الحديث نوع الصلاة التي هدَّد ﷺ المتخلفين عنها بالحرق. فذلك مما يدل على شذوذ ما رواه البيهقي من طريق عبد الرزاق: ثنا معمر عن جعفر بن برقان ... به؛ إلا أنه قال: "لا يشهدون الجمعة"! وقال البيهقي عقبها: "كذا قال: "الجمعة". وكذلك روي عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود. والذي يدل عليه سائر الروايات: أنه عبر بـ "الجمعة" عن الجماعة، والله أعلم". وتعقبه ابن التركماني بقوله: "قلت: التعبير بـ "الجمعة" وإرادة الجماعة بعيد؛ وفيه تلبيس على

стр. 951

المخاطبين. والوجه أن يقال: لا منافاة بين رواية: "لا يشهدون الجمعة"، ورواية: "لا يشهدون الصلاة"؛ فيعْمَلُ بالروايتين، ويتوجه الذم إلى من ترك الجمعة، وإلى من ترك الجماعة! قلت: هذا الجمع إنما يصح أن يقال في حق حديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود -الذي أشار إليه البيهقي، وهو في "صحيح مسلم" وغيره، ويأتي-، ولكنه لا يصح أن يقال في الجمع بين روايتي حديث أبي هريرة؛ لأن في بعض طرقه -في "الصحاح الثلاثة" و "مسند أحمد" (٢/ ٢٩٢) -: "إنها صلاة النساء"! ولذلك رجح الحافظ في "الفتح" أنها لا تختص بصلاة الجمعة. والله أعلم. ٥٥٩ - عن عبد الله بن مسعود قال: حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس حيثُ يُنادى بهن؛ فإنهن من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيه ﷺ سنن الهدى، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق بيِّن النفاق، ولقد رأيتُنا وإن الرجل ليُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صلَّيتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم؛ تركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم. (قلت: حديث صحيح. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"؛ إلا أنهما قالا: لضللتم؛ بدل: لكفرتم). إسناده: حدثنا هارون بن عَبَّاد الأزدي: ثنا وكيع عن المسعودي عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود.

стр. 952

قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ هارون بن عباد الأزدي لم يذكروا توثيقه عن أحد؛ وقد روى عنه محمد بن وضاح القرطبي أيضًا؛ فهو مجهول الحال. والمسعودي ضعيف؛ لاختلاطه كما قد سبق. لكن قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: "سماع وكيع من المسعودي قديم، وأبو نعيم أيضًا". فهذا من صحيح حديثه؛ لأنه من رواية وكيع عنه كما ترى؛ لولا أن الراوي عن وكيع مجهول. لكن قد توبع عليه كما يأتي؛ فالحديث صحيح على كل حال. والحديث أخرجه النسائي (١/ ١٣٦) -من طريق عبد الله بن المبارك-، وأحمد (١/ ٤٥٥) -من طريق أبي قَطَن (واسمه عمرو بن الهيثم) - كلاهما عن المسعودي ... به. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (رقم ٣١٣): حدثنا المسعودي ... به. وقد تابعه أخوه أبو العميس -واسمه عتبة بن عبد الله المسعودي- عن علي ابن الأقمر ... به. أخرجه مسلم (٢/ ١٢٤)، وأبو عوانة (٢/ ٧)، والبيهقي (٣/ ٥٨ - ٥٩)، وأحمد (١/ ٤١٤ - ٤١٥). وتابع عليًّا عن أبي الأحوص: إبراهيم بن مسلم الهَجَرِي: عند ابن ماجة (١/ ٢٦١)، وأحمد (١/ ٣٨٢). وكل هؤلاء قالوا: لضللتم؛ بدل: لكفرتم.

стр. 953

فقد تفرد بها المؤلف. ٥٦٠ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر -قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض-؛ لم تُقْبَلُ منه الصلاة التي صلَّى". (قلت: حديث صحيح؛ لكن بلفظ: "من سمع النداء، فلم يأته؛ فلا صلاة له إلا من عذر". وقال النووي: "حديث صحيح"، وقال الحاكم: "هو صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢٠٦١). وصححه أيضًا عبد الحق في "أحكامه"، وأبو محمد بن حزم في "المحلى"). إسناده: حدثنا قتيبة: ثنا جرير عن أبي جناب عن مَغْراءَ العبدي عن عدي ابن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي جناب -واسمه: يحيى بن أبي حية الكلبي-، وقد اتفقت كلمات الأئمة على تضعيفه، وهم على طائفتين: منهم من أطلق فيه الضعف، ومنهم من ضعفه بسبب تدليسه. وقال الحافظ: "ضعفوه؛ لكثرة تدليسه". وشيخه مغراء العبدي -وكنيته أبو المخارق الكوفي-؛ قال الذهبي: "تكلم فيه". وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 954

وقد روى عنه جماعة من الثقات. ونقل أبو العرب التميمي وابن خُلْفون عن العِجْلي أنه قال: "لا بأس به". وقال ابن القطان: "لم أره في كتاب الكوفي"؛ يعني: العجلي. قال: "ولا يعرف فيه تجريح"، وأنكر على عبد الحق طعنه في حديثه. كذا في "تهذيب التهذيب". وفي "التقريب": "مقبول". والله أعلم. وقال المنذري في "مختصره" (رقم ٥١٩): "في إسناده أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي؛ وهو ضعيف". وزاد الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٣٠٤): " .. ومدلس؛ وقد عنعن"، وقال النووي (٤/ ١٩١): "إسناده ضعيف". والحديث أخرجه البيهقي (٣/ ٧٥) من طريق المصنف ومحمد بن داود بن دينار: ثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد ... به. وأخرجه الدارقطني (١٦١) من طريق المصنف أيضًا. والحاكم (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) من طريق أخرى عن قتيبة، ومن طريق سليمان بن قرم عن أبي جناب ... به. - لكن الحديث له طريق أخرى صحيحة عن عدي بن ثابت: أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٦٥)، والدارقطني، والحاكم، وابن حبان في "صحيحه" (٢٠٦١) -عن

стр. 955

عبد الحميد بن بيان-، والحاكم أيضًا -عن عمرو بن عون-، والبيهقي (٣/ ١٧٤) -من طريق أحمد: ثنا أبو معمر- ثلاثتهم قالوا: ثنا هُشَيْمُ بن بَشِير: ثنا شعبة ثنا عدي بن ثابت: ثنا سعيد بن جبير ... مرفوعًا باللفظ الذي أوردناه آنفًا (ص ٦٦) وقال الحاكم: "هو صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي؛ وهو كما قالا. وقال الحافظ في "بلوغ المرام" (٢/ ٢٧): "وإسناده على شرط مسلم؛ لكن رجح بعضهم وقفه"! قلت: يأتي الجواب عن هذا الترجيح. ثم إن هشيمًا لم يتفرد به؛ بل تابعه قُرَادٌ -واسمه: عبد الرحمن بن غزوان-: عند الدارقطني والحاكم. وسعيد بن عامر وأبو سليمان داود بن الحكم: عند الحاكم؛ وقال: "هذا حديث قد أوقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وهشيم وقراد أبو نوح ثقتان؛ فإذا وصلاه؛ فالقول فيه قولهما". وقال الحافظ في "التلخيص": "وإسناده صحيح؛ لكن قال الحاكم: وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة"! قلت: لكن الحاكم قد أجاب عن ذلك، وهو جواب صائب، مبني على القاعدة المسلّمة المشهورة: أن زيادة الثقة مقبولة! فكان الأولى بالحافظ أن ينقل تمام كلام الحاكم على سبيل الحكاية، إذا كان لا يريد أن يتبناه كله! هذا؛ ومن الغرائب قول الدارقطني: "رفعه هشيم وقراد -شيخ من البصريين مجهول-"!

стр. 956

ولعله خفي عليه أن قراد إنما هو لقبه وأن اسمه ما ذكرنا آنفًا، وهو ثقة كما قال الحاكم؛ بل الدارقطني نفسه وثقه في "الجرح والتعديل"، كما نقله في "التهذيب"؛ وهو من رجال البخاري. ومتابعه سعيد بن عامر ثقة أيضًا؛ وهو الضُّبَعي، من رجال "الصحيحين". ولشعبة فيه شيخ آخر: أخرجه قاسم بن أصبغ في كتابه فقال: ثنا إسماعيل ابن إسحاق القاضي: ثنا سليمان بن حرب: ثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير ... به مرفوعًا. قال ابن التركماني: "ذكره عبد الحق في "أحكامه"؛ وقال: حسبك بهذا الإسناد صحة". قلت: ورواه ابن حزم في "المحلى" (٤/ ١٩٠) من طريق قاسم بن أصبغ، ثم صححه (ص ١٩١). وأخرجه الخطيب في "تاريخه" (٦/ ٢٨٥)، والبيهقي (٣/ ١٧٤) من طرق أخر عن إسماعيل بن إسحاق ... به. وقال الخطيب: "قال لنا أبو بكر البرقاني: تفرد به إسماعيل بن إسحاق عن سليمان بن حرب". قلت: وهما ثقتان إمامان حافظان؛ فلا يضر تفردهما بالحديث بهذا الإسناد. ولذلك صححه ابن حزم وابن عبد الحق. وقد خلط الأستاذ الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "المحلى" بين إسناد شعبة هذا: عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير، وبين إسناده المتقدم: عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير، فجعلهما إسنادًا واحدًا من روايته عن عدي عن سعيد! وهو وهم، تبعته عليه في كتابي "نقد التاج"؛ فليصحح.

стр. 957

كما أن صاحب "التاج" خلط أيضًا بين إسناد المصنف للحديث وبين إسناد ابن ماجة فيه، فجعلها إسنادًا واحدًا؛ حيث قال (١/ ٢٦٨): "رواه أبو داود، وابن ماجة؛ قال: بسند ضعيف"! وهذا خلط فاحش؛ حيث أدّى إلى تضعيف الإسناد الصحيح. وله مثل هذا كثير في الكتاب المذكور ذلك؛ مما حملنا على نقده، وقد فرغنا من الجزء الأول فيه منذ أمد، ولما يَتَسَنَّ لنا الاستمرار في نقده إلى نهايته! ومن الله تعالى التوفيق، ومنه نرجو العصمة من الخطأ والزلل. هذا؛ وللحديث شواهد: منها: ما أخرجه الحاكم والبيهقي من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي حَصِين عن أبي بُرْدة بن أبي موسى عن أبيه مرفوعًا بلفظ: "من سمع النداء فارغًا صحيحًا، فلم يجب؛ فلا صلاة له". وهو على شرط البخاري؛ لولا أن أبا بكر بن عياش سيئ الحفظ. لكنه قد توبع؛ فقال الحافظ: "ورواه البزار من طريق قيس بن الربيع عن أبي حَصِينٍ أيضًا". قلت: فهو صحيح أيضًا مرفوعًا؛ وإن صح موقوفًا. ومن شواهده: ما روى في "الحلية" (٩/ ٢٥٠) ... بإسناده عن ابن عمر مرفوعًا: "من سمع الفلاح، فلم يجبه؛ فلا هو معنا، ولا هو وحده". وقال: "غريب".

стр. 958

قلت: وفيه من لم أعرفه! ٥٦١ - عن ابن أم مكتوم: أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني؛ فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: "هل تسمع النداء؟ ". قال: نعم. قال: "لا أجد لك رخصة". (قلت: إسناده حسن صحيح، وقال النووي: "إسناده صحيح أو حسن". ورواه ابن خزيمة في "صحيحه"). إسناده: حدثنا سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي رَزِين عن ابن أم مكتوم. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير أنه روى لعاصم مقرونًا بغيره؛ وهو حسن الحديث كما سبق. وأبو رزين: اسمه مسعود بن مالك الأَسَدي الكوفي، وقد أنكر ابن القطان سماعه من ابن أم مكتوم؛ كما في "التهذيب". لكن قد ذكر أيضًا أن أبا رزين هذا كان غلامًا على عهد عمر، وأن ابن أم مكتوم مات في آخر خلافة عمر. ومعنى هذا أن أبا رزين قد أدرك ابن أم مكتوم وهو غلام يعقل؛ فروايته عنه محمولة على الاتصال عند الجمهور؛ فإنكار ابن القطان لسماعه منه؛ لا ندري ما وجهه؟ ! فإن ثبت فالإسناد منقطع.

стр. 959

لكن الحديث صحيح على كل حال؛ لما له من الطرق والشواهد، كما يأتي. والحديث أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٦٥) -عن زائدة-، وأحمد (٣/ ٤٢٣) -عن شيبان- كلاهما عن عاصم ... به. وقال النووي في "المجموع" (٤/ ١٩١) -بعد أن عزاه للمصنف: "إسناده صحيح أو حسن". وأخرجه أيضًا الطبراني في "الصغير" (ص ١٥٠)، والحاكم (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧ و ٣/ ٦٣٥)، والبيهقي (٣/ ٥٨) من طرق عن عاصم. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه"، كما في "الترغيب" (١/ ١٥٧). وللحديث طريقان آخران: الأول: أخرجه الدارقطني (ص ١٤٦)، وأحمد (٣/ ٤٢٣) من طريقين عن حُصَيْنِ بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن ابن أم مكتوم ... به؛ إلا أنه قال: "أتسمع الإقامة؟ " بدل: "النداء". وهذا إسناد صحيح على شرطهما. وقال المنذري: "إسناده جيد". وأخرجه الحاكم من طريق ثالثة عنه؛ وصححه، ووافقه الذهبي. وأما الطريق الأخرى؛ فتأتي في الكتاب عقب هذا. وله شاهد من حديث أبي هريرة في "صحيح مسلم" (٢/ ١٢٤)، و "أبي عوانة" (٢/ ٦).

стр. 960

وشواهد أخرى؛ تراجع في "مجمع الزوائد" (٢/ ٤٢ - ٤٣). ٥٦٢ - وعنه قال: يا رسول الله! إن المدينة كثيرة الهوامِّ والسباع؟ فقال النبي ﷺ : "تسمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ فحيّ هلًا". (قلت: إسناده صحيح، وقال النووي: "إسناده حسن"). إسناده: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء: ثنا أبي: نا سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أم مكتوم. قال أبو داود: "وكذا رواه القاسم الجَرْمِيُّ عن سفيان، ليس في حديثه: "حي هلًا" ... ". قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير هارون بن زيد بن أبي الزرقاء وأبيه؛ وهما ثقتان بلا خلاف. والحديث أخرجه البيهقي (٣/ ٥٨) من طريق المصنف. وبإسناده: أخرجه النسائي (١/ ١٣٦ - ١٣٧). وأخرجه الحاكم (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧) من طريق علي بن سهل الرملي: ثنا زيد بن أبي الزرقاء ... به؛ إلا أنه سقط من روايته: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فصارت عنده هكذا: عن عبد الرحمن بن عابس عن ابن أم مكتوم! ولذلك قال: "حديث صحيح الإسناد؛ إن كان ابن عابس سمع من ابن أم مكتوم"! قلت: لكن الحديث موصول برواية ابن زيد بن أبي الزرقاء؛ حيث ذكر بينهما: عبد الرحمن بن أبي ليلى.

стр. 961

وقد تابعه على ذلك غيره عن غير أبيه: فأخرجه النسائي قال: وأخبرني عبد الله بن محمد بن إسحاق قال: ثنا قاسم بن يزيد قال: ثنا سفيان ... به. وهذا إسناد صحيح أيضًا كالأول؛ والقاسم هذا: هو الجرمي الذي علَّقه المصنف عنه. هذا؛ وقد ذكر المنذري في "مختصره" (رقم ٥٢١) أن النسائي قال: "وقد اختلف على ابن أبي ليلى في هذا الحديث: فرواه بععضهم عنه مرسلًا"! وليس هذا القول في "سننه الصغرى"! فلعله في "الكبرى" له، أو في غيرها من كتبه. وللحديث طريقان آخران: أحدهما الذي قبله، وقد ذُكِرَ الآخر عند الكلام عليه؛ فراجعه إن شئت. ٤٦ - باب في فضل صلاة الجماعة ٥٦٣ - عن أُبَيِّ بن كعب قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ يومًا الصبح، فقال: "أشاهدٌ فلانٌ؟ ". قالوا: لا. قال: "أشاهدٌ فلانٌ؟ ". قالوا: لا. قال: "إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما؛ لأتيتموهما ولو حَبْوًا على الرُّكَبِ، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته؛ لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله ".

стр. 962

(قلت: حديث حسن، وصححه علي بن المديني وابن السكن والعقيلي والحاكم. وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان (٢٠٥٤) في "صحيحيهما"). إسناده: حدثنا حفص بن عمر: نا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن أبي بَصِير عن أُبيّ بن كعب. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير عبد الله بن أبي بصير؛ قال في "التهذيب": "لا يعرف له راوٍ غير أبي إسحاق. ذكره ابن حبان في "الثقات" ... ". وقال فيه العجلي: "كوفي تابعي ثقة". وقال الذهبي في "الميزان": "لا يعرف إلا من رواية أبي إسحاق عنه". وقد اختلف فيه على أبي إسحاق على أربعة أوجه؛ كما يأتي بيانه. والحديث أخرجه الطيالسي (رقم ٥٥٤): ثنا شعبة ... به. وكذلك أخرجه الدارمي (١/ ٢٩١)، والحاكم (١/ ٢٤٧)، والبيهقي (٣/ ٦٧ - ٦٨)، وأحمد (٥/ ١٤٠) من طرق عن شعبة ... به. وقال الحاكم: "هكذا رواه الطبقه الأولى من أصحاب شعبة -يزيد بن زريع ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر وأقرانهم-. وهكذا رواه سفيان بن سعيد عن أبي إسحاق". قلت: ورواية سفيان هذه: أخرجها هو، وأحمد عنه عن أبي إسحاق عن عبد الله بن أبي بصير عن أُبيّ بن كعب ... نحو حديث شعبة. ثم قال:

стр. 963

"وهكذا رواه زهير بن معاوية وَرَقَبَةُ بن مَصْقَلَةَ ومطرِّفٌ وإبراهيم بن طهمان وغيرهم". قلت: وقد أخرجه البيهقي (٣/ ٦١) -عن إبراهيم بن طهمان-، وأحمد (٥/ ١٤١) -عن الحجاج بن أرطاة- كلاهما عن أبي إسحاق ... به. فهذا وجه من أوجه الاختلاف على أبي إسحاق. والوجه الثاني: أخرجه الحاكم (١/ ٢٤٨)، وعنه البيهقي (٣/ ٦٨) من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي بصير عن أُبيّ بن كعب ... به؛ فجعل (أبا بصير) مكان (ابنه عبد الله). قال الحاكم: "وهكذا قال إسرائيل بن يونس وأبو حمزة السُّكَّرِيُّ وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وجرير بن حازم؛ كلهم قالوا: عن أبي إسحاق عن أبي بصير عن أبي". ورواية جرير بن حازم: أخرجها أحمد (٥/ ١٤١) مثل رواية ابن المبارك عن شعبة عنه. ورواية المسعودي: أخرجها البيهقي (٣/ ١٠٢). والوجه الثالث: أخرجه النسائي (١/ ١٣٥)، وأحمد، والحاكم (١/ ٢٤٩)، والبيهقي (٢/ ٦٨) من طريق خالد بن الحارث: ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن أبي بصير عن أبيه -قال أبو إسحاق: وقد سمعته منه ومن أبيه- قال: سمعت أبيّ بن كعب يقول: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح يومًا ... فذكر الحديث. وتابعه معاذ بن معاذ العنبري ويحيى بن سعيد عن شعبة: عند الحاكم والبيهقي.

стр. 964

ورواه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن أبي بصير عن أبيه عن أُبيّ. أخرجه الدارمي والبيهقي وأحمد. قال البيهقي: "وكذلك رواه خالد بن ميمون وجماعة عن أبي إسحاق". ورواية خالد: أخرجها الدارمي. وكذلك رواه الأعمش عن أبي إسحاق ... به. أخرجه أحمد، وابن ماجة (١/ ٢٦٥) عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه؛ بلفظ: "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل وحده أربعًا وعشرين -أو خمسًا وعشرين- درجة"! وقوله: "أربعًا وعشرين"! منكر؛ لم أره إلا في هذه الرواية. والوجه الرابع: أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن العَيْزارِ بن حُرَيْثٍ عن أبي بصير قال: قال أُبيّ ... الحديث. قال الحاكم: "فقد اختلفوا في الحديث على أبي إسحاق من أربعة أوجه؛ والرواية فيها عن أبي بصير وابنه عبد الله؛ كلها صحيحة، والدليل عليه رواية خالد بن الحارث ومعاذ بن معاذ العنبري ويحيى بن سعيد عن شعبة". ثم قال: "وقد حكم أئمة الحديث -يحيى بن معين وعلي بن المديني ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم- لهذا الحديث بالصحة ... ".

стр. 965

ثم ذكر النقول عنهم في ذلك؛ وليست صريحة في تصحيحهم الحديث! وإنما صححوا رواية أبي إسحاق عن عبد الله بن أبي بصير عن أبيه، وروايته عن أبي بصير مباشرة، ولا يلزم منه صحة الحديث، كما لا يخفى! اللهم إلا ما نقله عن ابن المديني؛ ففيه التصريح بذلك؛ حيث قال: "وما أرى الحديث إلا صحيحًا". قلت: وترجيح هؤلاء الأئمة للوجه الثالث؛ يقتضي أن الوجه الأول فيه انقطاع بين ابن أبي بصير وأُبيّ؛ لأن الوجه الثالث قد بيَّن أن بينهما أبا بصير. وأيضًا؛ فليس في شيء من الروايات تصريح ابن أبي بصير بسماعه من أبيّ؛ فقد عاد الحديث إلى أنه من رواية أبي إسحاق عن أبي بصير -سمعه منه- عن أُبيّ -سمعه منه-. وهذا إسناد متصل؛ إلا أنه يبقى النظر في حال أبي بصير هذا! ويظهر أنه كحال ابنه لا يعرف؛ فإنهم لم يذكروا توثيقه عن غير ابن حبان، ولم يذكروا في الرواة عنه غير من دار الحديث عليهم عنه، وهم: أبو إسحاق -وهو ثقة-، وابنه عبد الله بن أبي بصير -وهو مجهول-، والعيزار بن حريث -وهو ثقة-؛ لكن الرواية عنه شاذة فيما يظهر: رواها عنه أبو الأحوص -كما تقدم-عن أبي إسحاق عنه. وقد روى البيهقي عن محمد بن يحيى -وهو الذهلي- أنه قال: "في رواية خالد بن الحارث ويحبي بن سعيد دلالة أن هذه الروايات محفوظة -من قال: عن أبيه، ومن لم يقل-؛ خلا حديث أبي الأحوص؛ ما أدري كيف هو؟ ". لكن الحديث له شاهد يأتي ذكره، فيرقى إلى درجة الحسن إن شاء الله تعالى؛ لا سيما وقد صححه من عرفت، وصححه أيضًا ابن السكن والعقيلي -كما في "التلخيص" (٤/ ٢٨٤) -.

стр. 966

وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" (٢٠٥٤)؛ كما في "الترغيب" (١/ ١٥٢) و (١/ ١٥٥). وأما الشاهد؛ فهو ما أخرجه البيهقي (٣/ ٦١) من طريق عيسى بن يونس عن ثور. ومن طريق الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وثور بن يزيد عن يونس بن سيف الكلاعي عن قباث بن أَشْيَمَ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الرجل -يؤم أحدهما صاحبه- أزكى عند الله ... " الحديث نحوه. قال البيهقي: "هذا حديث الوليد بن مسلم. وقال عيسى بن يونس في روايته عن ثور: عن يونس عن عبد الرحمن بن زياد عن قُباث. وكذلك رواه البخاري في "التاريخ" عن عبد الله بن يوسف عن الوليد عن ثور عن يونس عن عبد الرحمن بن زياد عن قُباث". قلت: وكذلك رواه معاوية بن صالح عن يونس عن عبد الرحمن ... به. أخرجه الحاكم (٣/ ٦٢٥). وقال الحافظ: "في إسناده نظر". والله أعلم. ٥٦٤ - عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى العشاء في جماعة؛ كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة؛ كان كقيام ليلة". (قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وأبو عوانة في "صحيحيهما". وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"). إسناده: حدثنا أحمد بن حنبل: نا إسحاق بن يوسف: نا سفيان عن أبي

стр. 967

سهل -يعني: عثمان بن حكيم-: ثنا عبد الرحمن بن أبي عمرة عن عثمان بن عفان ﵁. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم. والحديث في "مسند أحمد" (رقم ٤٩١) ... بهذا السند. وأخرجه هو (رقم ٤٠٨)، ومسلم في "صحيحه" (٢/ ١٢٥)، وأبو عوانة (٢/ ٤)، والترمذي (١/ ٤٣٣)، من طرق أخرى عن سفيان ... به. وقد تابعه عبد الواحد بن زياد عن عثمان بن حكيم: عند مسلم وأبي عوانة. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وهو في "الموطأ" (١/ ١٥٢ - ١٥٣) من طريق محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ... به موقوفًا على عثمان. لكن أخرجه أحمد (رقم ٤٠٩) من طريق أخرى عن محمد بن إبراهيم عن عثمان بن عفان ... به مرفوعًا، لكنه منقطع؛ إلا أن رواية مالك قد بينت أن بين محمد بن إبراهيم وعثمان: عبد الرحمن بن أبي عمرة، وعنه رواه عثمان بن حكيم أيضًا كما سبق؛ فالحديث موصول مرفوع. ٤٧ - باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة ٥٦٥ - عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الأبعد فالأبعد من المسجد: أعظم أجرًا". (قلت: حديث صحيح، وكذا قال الحاكم، ووافقه الذهبي).

стр. 968

إسناده: حدثنا مسدد: ثنا يحيى عن ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران عن عبد الرحمن بن سعد عن أبي هريرة. قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح"؛ غير عبد الرحمن بن مهران -وهو المدني مولى بني هاشم-؛ لم يذكروا في الرواة عنه غير ابن أبي ذئب؛ ومع ذلك ذكره ابن حبان في "الثقات" على قاعدته! وقال أبو الفتح الأزدي: "فيه نظر". وقال الحافظ في "التقريب". "مجهول". والحديث أخرجه الحاكم (١/ ٢٠٨)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٦٤ - ٦٥) من طريق أخرى عن مسدد ... به. وأخرجه ابن ماجة (١/ ٢٦٣)، وأحمد (٢/ ٣٥١) من طريقين آخرين عن ابن أبي ذئب ... به. ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح رواته مدنيون"! ووافقه الذهبي! لكن الحديث صحيح لغيره؛ فإنه يشهد له حديث أبي موسى مرفوعًا: "أعظم الناس أجرًا في الصلاة: أبعدهم فأبعدهم ممشى ... " الحديث. أخرجه البخاري (٢/ ١٠٩)، ومسلم (٢/ ١٣٠)، وأبو عوانة (١/ ٣٨٨ و ٢/ ١٠)، والبيهقي (٣/ ٦٤). (فائدة): وأما الحديث الذي أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٩) من طريق بكر بن عمرو: أن أبا عبد الملك علي بن يزيد الدمشقي حدثه: أنه بلغه عن حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 969

"إن فضل الدار القريبة -يعني: من المسجد- على الدار البعيدة؛ كفضل الغازي على القاعد": فهو حديث منكر جدًّا؛ وعلي بن يزيد هذا: هو الألهاني، وهو متروك؛ وقد رواه بلاغًا عن حذيفة، فبينهما مجهول. وقد أسقطه ابن لهيعة في روايته عن بكر بن عمرو. أحرجه أحمد أيضًا (٥/ ٣٨٧)، وهو من سوء حفظ ابن لهيعة. ٥٦٦ - عن أُبيّ بن كعب قال: كان رجل، لا أعلم أحدًا من الناس -ممن يصلي القبلة من أهل المدينة- أبعد منزلًا من المسجد من ذلك الرجل، وكان لا تخطئه صلاة في المسجد، فقلت: لو اشتربتَ حمارًا تركبه في الرَّمْضَاءِ والظلمة؟ فقال: ما أُحِبُّ أن منزلي إلى جنب المسجد! فَنُمِي الحديث إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن قوله ذلك؟ فقال: أردت يا رسول الله! أن يُكْتَبَ لي إقبالي الى المسجد، ورجوعي إلى أهلي إذا رجعت! فقال: "أعطاك الله ذلك كله، أنطاك الله ما احتسبت كله أجمع". (قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"). إسناده: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي: نا زهير. نا سليمان التيمي أن أبا عثمان حدثه عن أُبيّ بن كعب. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.

стр. 970

والحديث أخرجه أبو عوانة (١/ ٣٨٩) من طريق يحيى بن أبي بكير قال: ثنا زهير ... به. ثم أخرجه هو، ومسلم (٢/ ١٣٠)، والدارمي (١/ ٢٩٤)، وأحمد (٥/ ١٣٣) من طرق أخرى عن سليمان التيمي ... به. ثم أخرجه أربعتهم -إلا الدارمي-، وابن ماجة (١/ ٢٦٣) من طريق عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي ... به نحوه. وأخرجه البيهقي (٣/ ٦٤) عن سليمان. وله شاهد -عند ابن ماجة- من حديث أنس مختصرًا. وسنده صحيح. ٥٦٧ - عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: "من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة؛ فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرح إلى تسبيح الضحى لا يُنصِبُه إلا إياه؛ فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة -لا لغو بينهما- كتاب في عِلِّيينَ". (قلت: إسناده حسن). إسناده: حدثنا أبو توبة: نا الهيثم بن حميد عن يحيى بن الحارث عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات؛ إلا أن في القاسم هذا -وهو ابن عبد الرحمن الشامي الدمشقي- اختلافًا، وقد وثقه ابن معين والعجلي ويعقوب ابن سفيان والترمذي، وصحح له وغيرهم. وقال البخاري:

стр. 971

"روى عنه العلاء بن الحارث وابن جابر وكثير بن الحارث ويحيى بن الحارث وسليمان بن عبد الرحمن أحاديث مقاربة. وأما من يُتكلم فيه -مثل جعفر بن الزبير وبشر بن نمير وعلي بن يزيد وغيرهم- ففي حديثهم عنه مناكير واضطراب". وقال أبو حاتم: "حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به، وإنما ينكر عنه الضعفاء". وأما أحمد فخالف حيث قال: "في حديث القاسم مناكير مما يرويها الثقات، يقولون: من قبل القاسم"! وقال أيضًا: "روى عنه علي بن يزيد أعاجيب، وما أراها إلا من قبل القاسم"! قلت: فإذا كانت هذه الأعاجيب من رواية علي بن يزيد -وهو متروك كما ذكرنا قريبًا في الحديث الذي قبله-؛ فلا يمكن الحمل فيها على القاسم! ولئن صح أن في حديثه مناكير من رواية الثقات عنه؛ فينبغي اجتنابها إذا تبين ذلك؛ وإلا فالرجل في نفسه ثقة، ولا يسقط ذلك الاحتجاج به، ولا حديثه عن مرتبة الحسن. ولذلك قال الحافظ في ترجمته من "التقريب": "صدوق". فلم يلتفت إلى من جرحه، ولم يعتدَّ به. والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٣ و ٢٦٨)، وابن عدي (١٠٢/ ٢)، وابن عساكر (١٦/ ٥٦ / ٥) من طريقين آخرين عن القاسم. وأخرجه البيهقي (٣/ ٦٣) عن المؤلف. ٥٦٨ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة؛ تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة، وذلك بأن أحدكم إذا توضأ فأحسن

стр. 972

الوضوء، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، ولا يَنْهَزُهُ -يعني- إلا الصلاة، ثم لم يَخْطُ خطوه؛ إلا رفع له بها درجة، وحُطَّ بها عنه خطيئة؛ حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد؛ كان في صلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلُّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، فيقولون: اللهم! اغفر له، اللهم! ارحمه، اللهم! تب عليه؛ ما لم يؤذِ فيه، أو يحدث فيه". (قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه في "صحيحه" بإسناد المصنف. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"). إسناده: حدثنا مسدد: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري. والحديث أخرجه البخاري (١/ ٤٤٧ - ٤٤٨) بإسناد المصنف. وأخرجه مسلم (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، وأبو عوانة (١/ ٢٨٨ و ١/ ٢١ - ٢٢)، وابن ماجة (١/ ٢٦٠ و ٢٦٤ و ٢٦٥) -مفرقًا-، والبيهقي (٣/ ٦١) من طرق أخرى عن أبي معاوية ... به. ورواه عنه أحمد (٢/ ٢٥٢). ثم أخرجه البخاري (٢/ ١٠٦ - ١٠٧) من طريق عبد الواحد قال: ثنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح ... به، فقد صرح بسماع الأعمش له من أبي صالح. وكذلك صرح شعبة في روايته عن الأعمش بسماعه منه.

стр. 973

أخرجه الطيالسي (رقم ٢٤٠٠ و ٢٤١٢ و ٢٤١٤ و ٢٤١٥). وروى -من طريقه بعضه-: أبو عوانة (٢/ ٢٢)، والترمذي (٢/ ٤٩٩)، وقال: "حسن صحيح". وقد تقدم بعض الحديث من طريق أخرى (رقم ٤٨٨ و ٤٨٩)، وذكرنا هناك طرقه. وللجملة الأولى منه طرق أخرى في "الصحيحين" وغيرهما: عن أبي هريرة وغيره؛ وفي بعض الروايات عن أبي هريرة بلفظ: "صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده". أخرجه مسلم (٢/ ١٢٢)، وأبو عوانة (٢/ ٣)، وأحمد (٢/ ٢٧٣ و ٥٢٩). ٥٦٩ - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاة في جماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة، فأتم ركوعها وسجودها، بلغت خمسين صلاة". قال أبو داود: "قال عبد الواحد بن زياد في هذا الحديث: "صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة ... " وساق الحديث". (قلت: إسناده صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الزيلعي: "إسناده جيد". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢٠٥٣). وأخرج البخاري منه الشطر الأول). إسناده: حدثنا محمد بن عيسى: ثنا أبو معاوية عن هلال بن ميمون عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري.

стр. 974

قال أبو داود: "قال عبد الواحد في هذا الحديث: "صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة ... " وساق الحديث". قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ وفي هلال كلام لا يضر. ولذلك قال الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٢٣): "إسناده جيد". وسكت عليه الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٢٨٣). والحديث أخرجه ابن ماجة (١/ ٢٦٤): حدثنا أبو كريب: ثنا أبو معاوية ... به الشطر الأول منه فقط؛ بلفظ: "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته خمسًا وعشرين درجة". وأخرجه الحاكم (١/ ٢٠٨) بتمامه؛ لكن وقع في إسناده خطأ؛ فقد رواه من طريق يحيى بن يحيى: ثنا أبو معاوية ... به؛ إلا أنه قال: هلال بن أبي ميمونة! ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين؛ فقد اتفقا على الحجة بروايات هلال بن أبي هلال -ويقال: ابن أبي ميمونة، ويقال: ابن علي، ويقال: ابن أسامة-، وكله واحد"! ووافقه الذهبي! قلت: راوي هذا الحديث؛ إنما هو هلال بن ميمونة؛ ليس هو هلال بن أبي ميمونة؛ وهذا محتج به في "الصحيحين"؛ بخلاف الأول وإن كان ثقة، ولا أدري ممن الوهم؟ ! وإن كان يغلب على الظن أنه من الحاكم نفسه؛ فإن له أوهامًا كثيرة في هذا الكتاب؛ كما ظهر لنا ولغيرنا بالتتبع! والحديث أخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" (٢٠٥٣).

стр. 975

وأخرج الشطر الأول منه: البخاري (٢/ ١٠٦)، والبيهقي (٣/ ٦٠)، وأحمد (٣/ ٥٥) من طريق آخر عن أبي سعيد. ٤٨ - باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظُّلَم ٥٧٠ - عن بُرَيْدة عن النبي ﷺ قال: "بشِّرِ المشَّائين في الظُّلَمِ إلى المساجد بالنور التامِّ يوم القيامة". (قلت: حديث صحيح، وصححه النووي). إسناده: حدثنا يحيى بن معبن: نا أبو عبيدة الحداد: نا إسماعيل أبو سليمان الكَحَّال عن عبد الله بن أوس عن بريدة. قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات غير إسماعيل أبي سليمان الكحال -وهو ابن سليمان-؛ قال أبو حاتم: "صالح الحديث". واختلف فيه قول ابن حبان؛ فقد ذكره في "الثقات"، وقال: "يخطيء". وذكره في "الضعفاء" وقال: "ينفرد عن المشاهير بمناكير". ولخص ذلك الحافظ في "التقريب"، فقال: "صدوق يخطيء". فمثل هذا قد يكون حديثه حسنًا؛ لا سيما إذا كان له شواهد؛ كهذا الحديث على ما يأتي. ولكن شيخه عبد الله بن أوس؛ لم يرو عنه غيره -كما في "الميزان"- ولذلك

стр. 976

قال ابن القطان: "مجهول الحال، ولا نعرف له رواية إلا بهذا الحديث من هذا الوجه". وأما ابن حبان؛ فأورده في "الثقات" على قاعدته! ولا أدري كيف وافقه الذهبي في هذه الترجمة؛ حيث قال -عقب قول القطان: "مجهول"-: "قلت: صدوق"! وهذا ما لا تساعد القواعد الحديثية على الأخذ به؛ ما دام لا يعرف إلا في هذا الحديث! ولذلك قال الحافظ فيه: "لين الحديث". ومن ذلك تعلم أن قول المنذري في "الترغيب" (١/ ١٢٩): "ورجال إسناده ثقات"! ليس بصواب. وصنيعه في "مختصر السنن" (رقم ٥٢٩) أقرب إلى الصواب؛ حيث قال: "وأخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. وقال الدارقطني: تفرد به إسماعيل بن سليمان الضبي البصري الكحال عن عبد الله بن أوس". فقد نقل عن الترمذي تضعيفه للحديث ثم أقره؛ لكننا -على الرغم من ذلك كله- نرى أن الحديث حسن أو صحيح لغيره؛ نظرًا لكثرة شواهده. والحديث أخرجه الترمذي أيضًا (١/ ٤٣٥) من طريق يحيى بن كثير أبي غسان العنبري عن إسماعيل الكحال ... به، وقال ما نقله المنذري آنفًا عنه؛ إلا أنه زاد -كما في بعض النسخ الصحيحة-:

стр. 977

" ... من هذا الوجه". وفي هذا إشارة إلى أنه قد يصح من وجه آخر أو لوجوه أخر؛ وهذا ما ذهبنا إليه آنفًا. ولعله لذلك أورده النووي ﵀ في "رياض الصالحين" (ص ٤٠٤) -الذي قال في مقدمته (ص ٣) -: "وألتزمُ فيه أن لا أذكر إلا حديثًا صحيحًا". فالحديث عنده صحيح؛ وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى. وقد أخرجه البيهقي أيضًا (٣/ ٦٣ - ٦٤) من طريق أخرى عن الكحال. وعزاه الحافظ في "تخريج أحاديث الكشاف" (ص ٦ / رقم ٣٤) للبزار أيضًا من طريق إسماعيل، ثم قال: "وله شاهد من رواية ثابت عن أنس وسهل بن سعد ﵁: أخرجه ابن ماجة والحاكم. وأخرجه ابن حبان عن أبي الدرداء ﵁. والطبراني من رواية ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن حارثة، وأبي موسى، وأبي أمامة ﵃ بأسانيد ضعيفة. وحديث زيد: في "الكامل" لابن عدي. وحديث أبي موسى: عند البزار. ورواه الطبراني في "الأوسط" من حديث عائشة في ترجمة (أحمد بن محمد بن صدقة) وقال: تفرد به قتادة بن الفضل عن الحسن بن علي البيروتي. ورواه الطيالسي وأبو يعلى من حديث أبي سعيد، وإسناده ضعيف أيضًا. ورواه عمر بن شاهين في "الترغيب" -له- من حديث حارثة بن وهب الخُزَاعي". قلت: حديث أنس؛ علَّته أن فيه -عند ابن ماجة (١/ ٢٦٢)، والحاكم (١/ ٢١٢)، والبيهقي أيضًا (٣/ ٦٣) - سليمان بن داود -وهو ابن مسلم الصائغ-، وقد نسب عند غير ابن ماجة إلى جده؛ قال العقيلي: "لا يتابع على حديثه"؛ يعني: هذا. وقال الحاكم:

стр. 978

"رواية مجهولة عن ثابت". وحديث سهل بن سعد: رواه البيهقي من طريق الحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي! وغمزه المنذري، فقال: "كذا قال"! وبيانه أنه من رواية إبراهيم بن محمد الحلبي البصري: ثنا يحيى بن الحارث الشيرازي؛ وليسا من رجال الشيخين! والأول منهما؛ روى عنه ابن ماجة وجمع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "يخطيء" وفي "التقريب": "صدوق يخطيء". والآخر لا يعرف توثيقه إلا في رواية الحاكم لهذا الحديث؛ ففيها: أن إبراهيم هذا قال: أبَنا يحيى بن الحارث الشيرازي -وكان ثقة، وكان عبد الله بن داود يثتي عليه-. فهو في عداد المجهولين. وفي "التقريب" أنه: "مقبول"؛ يعني: إذا توبع؛ وإلا فهو لين الحديث. ومن هذا يتبين أن قول البوصيري في "الزوائد": "إسناده حسن"! غير حسن؛ إلا أن يقصد أنه حسن لغيره؛ فهو حق. وأما حديث أبي الدرداء: فرواه الطبراني أيضًا في "الكبير" بإسناد؛ قال المنذري: "حسن"! وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٠):

стр. 979

"ورجاله ثقات"! قلت: ويخطر في البال أن فيهم من تفرد بتوثيقه ابن حبان، كمثل من سبق؛ وإلا لما صرح الحافظ بتضعيف إسناده وهو يستحق التحسين، وهو عندنا أقعد في الحديث وأعلم به ممن حسنه ووثقه. وحديث ابن عباس؛ فيه -كما قال الهيثمي-: "العباس بن عامر الضَّبِّيُّ؛ ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله موثقون". وحديث ابن عمر؛ فيه داود بن الزبرقان، وهو ضعيف. وحديث زيد بن حارثة؛ فيه ابن لهيعة؛ وما ضعفه إلا من قبل حفظه، فيحتج به في الشواهد. وحديث أبي موسى؛ فيه محمد بن عبد الله بن عمير بن عبيد، وهو منكر الحديث. وحديث أبي أمامة؛ فيه رجل مجهول، وآخر لم يُسَمَّ. وحديث عائشة؛ فيه رجل لا يعرف. وحديث أبي سعيد الخدري؛ فيه عبد الحكم بن عبد الله، وهو ضعيف. وهو عند الطيالسي في "مسنده" (رقم ٢٢١٢). وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة؛ قال المنذري -وتبعه الهيثمي-: "رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن". وبالجملة فالحديث يرتقي إلى درجة الصحة بهذه الشواهد الكثيرة، التي بلغت اثني عشر شاهدًا، وفيها ما هو حسن عند بعضهم، وفيها ما هو محتج به في

стр. 980

الشواهد كما سبقت الإشارة إليه. والله تعالى أعلم. ٤٩ - باب ما جاء في الهَدْي في المشي إلى الصلاة ٥٧١ - عن أبي ثُمَامةَ الحَنَّاط: أن كعب بن عُجْرَةَ أدركه وهو يريد المسجد، أدرك أحدهما صاحبه، قال: فوجدني وأنا مُشَبِّكٌ بيديَّ؛ فنهاني عن ذلك وقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد؛ فلا يشبكنَّ يديه؛ فإنه في صلاة". (قلت: حديث صحيح، وقال المنذري: "إسناده جيد"، وصححه ابن خزيمة وابن حبان (٢٠٣٤)). إسناده: محمد بن سليمان الأنباري أن عبد الملك بن عمرو حدثهم عن داود ابن قيس: ثني سعد بن إسحاق: ثني أبو ثمامة الحناط. قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات؛ غير أبي ثمامة الحناط؛ ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: "لا يعرف، يترك". ووافقه الذهبي، فقال في "الميزان": "لا يعرف، وخبره هذا منكر". وقال الحافظ في "التقريب": "مجهول الحال". ومن هنا تعلم أن قول المنذري في "الترغيب" (١/ ١٢٣): "رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد"! غير جيد؛ لجهالة أبي ثمامة هذا.

стр. 981

والحديث أخرجه الدارمي (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، والبيهقي (٣/ ٢٣٠)، وأحمد (٤/ ٢٤١) من طرق عن داود بن قيس ... به. وفي الحديث علة أخرى، وهي الاضطراب؛ فقد أخرجه البيهقي من طريق الضحاك بن عثمان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي ثمامة ... به نحوه. ثم قال: "ورواه أيضًا عيسى بن يونس عن سعد بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي ثمامة، فعاد الحديث إلى المقبري عن أبي ثمامة". وقد اختلف فيه على سعيد المقبري على أوجه أخرى؛ فقد أخرجه الترمذي (٢/ ٢٢٨) من طريق الليث عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن رجل عن كعب ابن عجرة. وأخرجه أحمد (٤/ ٢٤٢) عن ابن جريج: أخبرني محمد بن عجلان عن سعيد القبري عن بعض بني كعب بن عجرة عن كعب. وقال ابن أبي ذئب: عن سعيد المقبري عن رجل من بني سالم عن أبيه عن جده عن كعب. أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٢)، والطيالسي (رقم ١٠٦٣)؛ إلا أنه ليس فيه: عن جده. وهكذا رواه البيهقي من طريقه. وأخرجه الدارمي، وابن ماجة (١/ ٣٠٦)، وأحمد (٢/ ٢٤٢ و ٢٤٣ - ٢٤٤) من طرق عن ابن عجلان عن المقبري عن كعب بن عجرة؛ فأسقط الواسطة من بينهما.

стр. 982

وثمة اختلاف آخر عليه، فقال يحيى بن سعيد عن ابن عجلان: ثنا سعيد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: "إذا توضأت ... " الحديث نحوه. وقال شريك: عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره نحوه. أخرجهما الحاكم (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧) وعلَّق الترمذي حديث شريك، وقال: "إنه غير محفوظ". وأخرجه الدارمي (١/ ٣٢٧) من طريق إسماعيل بن أمية عن المقبري عن أبي هريرة ... به. وإسناده صحيح. وأخرجه في "المستدرك" من طريقين قالا: ثنا عبد الوارث: ثنا إسماعيل بن أمية ... به. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي! وتعقبه المنذري بقوله: "وفيما قاله نظر". ولعل وجهه هذا الاختلاف على سعيد المقبري، وهو اختلاف شديد، يحار الباحث في استخراج الصواب منه. ولذلك ضعَّفَ الحديثَ بعضُهم، كما ذكره الحافظ في "الفتح" (١/ ٤٤٨). لكني وجدت للحديث طريقًا عن كعب، هي في منجاة من هذا الاضطراب؛

стр. 983

وهو ما أخرجه البيهقي (٣/ ٢٣٠ - ٢٣١) من طريق الحسن بن علي: ثنا عمرو بن قُسَيْطٍ: ثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن الحكم عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي ﷺ قال له: "يا كعب! إذا توضأت فأحسنت الوضوء، ثم خرجت إلى المسجد؛ فلا تشبكن بين أصابعك؛ فإنك في صلاة". وقال: "هذا إسناد صحيح؛ إن كان الحسن بن علي الرَّقّيُّ هذا حفظه، ولم أجد له بعد متابعًا"! قلت: وقد توبع عليه؛ فقد قال ابن التركماني عقبه: "قلت: أخرجه ابن حبان في "صحيحه"؛ فقال: ثنا أبو عروبة: ثنا محمد ابن معدان الحَرَّاني: ثنا سليمان بن عبيد الله عن عبيد الله بن عمرو ... فذكره بسنده". قلت: وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير سليمان بن عبيد الله -وهو أبو أيوب الرقي-؛ قال أبو حاتم: "صدوق، ما رأيت إلا خيرًا". وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال النسائي: "ليس بالقوي". وقال ابن معين: "ليس بشيء". وذكره العقيلي في "الضعفاء". وقال الحافظ: "صدوق ليس بالقوي".

стр. 984

قلت: لكن يقويه متابعة عمرو بن قسيط له عند البيهقي، وهو صدوق، كما قال الحافظ. فالحديث -بهذا الإسناد، مع المتابعة- صحيح إن شاء الله تعالى. وقد قال الحافظ: "وصححه ابن خزيمة وابن حبان". وله شاهد من حديث أبي سعيد: في "المسند" (٣/ ٤٢ - ٤٣)، حسنه المنذري! وفيه نظر بينته في "التعليق الرغيب". ٥٧٢ - عن سعيد بن المسيَّب قال: حضر رجلًا من الأنصار الموتُ، فقال: إني مُحَدِّثُكم حديثًا ما أحدِّثكموه إلا احتسابًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة؛ لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حَطَّ الله عنه سيئة، فليُقَرِّبْ أحدكم أو ليُبَعِّدْ، فإن أتى المسجد فصلى في جماعة؛ غُفِرَ له، فإن أتى المسجد وقد صلَّوا بعضًا وبقي بعض؛ صلى ما أدرك وأتم ما بقي؛ كان كذلك، فإن أتى المسجد وقد صلَّوا، فأتم الصلاة؛ كان كذلك". (قلت: حديث صحيح). إسناده: حدثنا محمد بن معاذ بن عَبَّاد العنبري: أنا أبو عوانة عن يعلى بن عطاء عن معبد بن هُرمُز عن سعيد بن المسيب.

стр. 985

قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة معبد هذا؛ قال الذهبي: "لا يعرف. ذكره ابن حبان في "ثقاته"، وتفرد عنه يعلى بن عطاء". وقال ابن القطان: "لا يعرف حاله". وفي "التقريب": "مجهول". وبقية رجال الإسناد ثقات رجال مسلم. والحديث أخرجه البيهقي (٣/ ٦٩) من طريق المصنف. وأخرجه ابن نصر في "الصلاة" (١/ ١٦٢/ ١٠٦)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ١٠٧) من طريقين آخرين قالا: ثنا أبو عوانة عن يعلى بن عطاء. لكن الحديث صحيح لغيره؛ فقد ورد معناه مفرقًا في أحاديث: الأول: عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله، ليقضي فريضة من فرائض الله؛ كانت خطوتاه؛ إحداهما تحظ خطيئته، والأخرى ترفع درجة". أخرجه مسلم (٢/ ١٣١)، وأبو عوانة (١/ ٣٩٠)، والبيهقي (٣/ ٦٢). ورواه النسائي (١/ ١١٥)، والحاكم (١/ ٢١٧)، وأحمد (٢/ ٣١٩ و ٤٣١ و ٤٧٨) من طريق أخرى مختصرًا؛ بلفظ: "مِنْ حينِ يخرج أحدكم من منزله إلى مسجده؛ فرِجْلٌ تكتب حسنة، وأخرى تمحو سيئة". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
следующие страницы →