Полный текст (233 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
كلام المرأة
وأما قوله: (وَنَهى أن تتكلم المرأة مع غير زوجها أو ذي رحم غير محرم إلا خمس كلمات فيما لا بد منه) .
فهذا سببه ما تقدم، لأن الكلام نغمة، وفي النغمة فتنة وشهوة، فإذا كلمت غير زوجها فقد أذاقته بعض شهوتها، فقد خانت زوجها.. الا ترى أنه استنثى المحرم لأنها لا تحل له، وقرب رحمها منه يحول دون أن يجد طعما للذاتها. ثم أطلق لها في كلمات محظورات ذات عدد لا بد لها منها للضرورة.
قال أبوعبد الله ﵀: وكان عندنا رجل أعمى، افتتن بجارة له، حتى ابتلى بلاء عظيما وخرب منزله، فسألت عن سبب ذلك، فقيل: كان بينهما كوة، فكانت تجىء تلك المرأة فتحدث إمرأة الأعمى ويستمع الأعمى إلى حديثها، فافتتن بها لحلاوة نغمتها وعذوبة ألفاظها.. فيما ذكر لي.
والنغمة شأنها عظيم، ومن ها هنا قال: (من نابه شيء في صلاته، فلتسبح الرجال، ولتصفق النساء) ؛ لحال النغمة، فإن فيه افتتانا للمصلين إذا سمعوا نغمة المرأة بالتسبيح. والمراة جند من جنود إبليس عظيم؛
стр. 107
ولذلك قال إبليس حيث خلقت المرأة: فأنت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي المسموم الذي أرمي بلك فلا أخطىء. وإنما صارت مسمومة لأنها خلقت من الضلع الذي يجاور موضع الشهوة، من آدم ﵇. فهي من قرنها إلى قدمها شهوة حتى شعرها وظفرها؛ فلذلك أمرت أن تستر كل شيء منها إلا ما ظهر مما لا يمتنع وهو: الوجه والكفان؛ فبالوجه تنظر، وبالرجل تمشي، وباليد تتناول.
ألا ترى كيف حجب الله نساء النبي من المؤمين وقال (وَإِذَا سَأَلتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَاسأَلوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجاب) ثم قال: (ذَلِكُم اأطهَرُ لَقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ) . فرحم الله العباد، فمنعهم النظر إليهن كيلا يقعوا في خيانة الرسول ﷺ ، ولا يقعن في خيانة الرسول ﵇. فما ظنك بمن خان محمد ﷺ في أهله ماذا يحل به من الله؟ حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا خالد بن يزيد، عن عثمان بن سعيد، قال: لقى يحيى ابن زكريا عيسى ﵉، فقال يحيى لعيسى ﵉: يا روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، حدثني.. قال عيسى ﵇: بل أنت فحدثني؛ أنت خير مني؛ أنت روح الله وكلمته تقعد مع الروح؛ فحدثني ما يبعد من غضب الله. قال له عيسى ﵇: لا تغضب. قال: يا روح الله، ما يبدي الغضب ويثبته؟ قال: التعزز، والحمية، والفخر، والعظمة. قال: يا روح الله، هؤلاء شداد كلهن؛ فكيف لي بهن؟ قال:
стр. 108
سكن الروح، واكظم الغيظ. ثم قال له: وإياك واللهو؛ فيسخط الله عليك، وإياك والزنا؛ فإنه من غضب الرب. قال: يا روح الله، ما يبدي الزنا وثبته ويقيده؟ قال: النظر، والشهوة، واتباعها.. لاتكونن حديد النظر إلى ما ليس لك؛ فإنه لن يزنى فرجك ما حفظت عينيك، ولن تستطيع ذلك إلا بالله.
امتناع المرأة عن زوجها
وأما قوله: (ونهى أن تمنع المرأة نفسها عن زوجها ولو كانت على قتب، إذا كانت طاهرة) .
فهذا قد تقدم وصفه؛ لأن الزوج قد ضمن المهر، والنفقة، وعقدالعقد؛ لتكون مستعدة له في وقت الحاجة؛ ليعف عما حرم الله تعالى.
فأوقات الحاجة هي لاحقة بالمفروضات الواجبات.. ألا ترى أنه أطلق الله تعالى له أربعا؛ لأنها صارت مشغولة عنه بالحيض.
стр. 109
وقوله: (ولو كانت على قتب) فهو قتب البعير. وذلك أنهم في الجاهلية كانوا أهل بادية، وقلت القوابل عندهم، فكن يقعدن على قتب الأرض عند الطلق حتى تلد. فلم يعذرها في ذلك الوقت الذي تطلق للولادة أن تمنع نفسها حتى تبذل، وهي في ذلك الوقت عند الولادة في وقت الحيض، فإن رأت الدم فهي طاهرة؛ لأن ذلك ليس بدم حيض، وإذا كان الولادة في وقت الحيض فهي معذورة، من أجل الحيض؛ ولذلك شرط في الحديث فقال: (إذا كانت طاهرة) لأنها ربما ولدت في أيام حيضها.
بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه
وأما قوله: (ونهى عن بيع النخل حتى تزهو وتجيء بحمار أو بصفار، وعن بيع العنب حتى يسود، وعن الحب حتى يشتد وعن الثمرة حتى تطعم في أكمامها) .
стр. 110
فهذا كله مثال واحدالعباد أكل الأموال بالباطل. فربما باع النخل، وقد بدا ثمرته؛ لأن الله تعالى قد حظر على ا، ولم تصربحال ينتفع بها؛ لأنها كحب الرمان المتراكم؛ فذاك ما لا نفع فيه فإذا أصابته آفة، وهو بتلك الحال، فقد صار الآخذ لثمنه آكلا بالباطل.
فإذا احمار واصفار، فقد صار بحال ينتفع به، فقد أعطى ثمنا في شيء ينتفع به إن كان الله تعالى يرزقه السلامة حتى يدرك، وإلا فقد أخذ شيئا ينتفع به.
وكذلك العنب إذا كان عوزقا لا ثمن له، وكذلك الحب الذي لم ينعقد ولم يبلغ الفرك، وعن الثمرة حتى تطعم في أكامها.
فك ثمرة صار لها ثمن في ذلك، ومن قبل ذلك فيه ما لم ينعقد ليس له ثمن، فإذا أصابته آفة في ذلك الوقت لم يكن ما أخذ من ثمنه إلا بالباطل؛ لأنه لم يعط عنه عوضا.
وكذا بكيله من الثمر والمحاقلة أن تقول: أبيعك هذا الزرع بحقله ثم يحصد بعد بكذا درهم. فهذا غرر فقد أخذ ماله على شيء لا يدري يكون أم لا.
стр. 111
بيع السنين
وأما قوله: (ونهى عن بيع السنين) .
وهو أن يقول: أبيعك ثمرة هذا النخل لكذا وكذا من السنين بكذا درهم.
فهذا غرر؛ فقد أخذ ماله على شيء لا يدري أن يكون أم لا.
المزابنة والمحاقلة
وأما قوله: (ونهى عن المزابنة والمحاقلة) .
وهو أن يقول: أبيعك ثمرة هذا النخل بكذا قفيز من تمر. فهذا ربا؛
стр. 112
لأنه لا يدري لعل التمر الذي على رؤوس النخل زائد على الذي يكيل له؛ لأن التمر بالتمر، والبر بالبر، سواء بسواء، والفضل ربا، وكذلك العنب بالزبيب.
بيع القردة والخنازير
وأما قوله: (ونهى عن بيع القردة، وعن جلود القردة والخنازير؛ لأن القرد والخنزير سبع وقد نهى عن كل ذي ناب من السباع) .
وكذلك الذئب والنمر وكل ذي ناب فهو سبع، لا يجوز بيعه، ولا ثمن له؛ لأنه حرام لا ينتفع به، ومباح قتلهن، وما أبيح لك قتلهن فلا يملك، وما لا يملك لم يجز بيعه، ولا ملك لأحد عليهن.
ولو قتل رجل ذئبا في يد آخر أو أسدا أو قردا أوخنزيرا، لم يكن عليه شيء. ز ألا ترى أن رسول الله ﷺ أهدر شأن الكلاب، وأمر بقتلهنن ولم يجعل للكلاب ثمنا، غلا كلب الصيد وكلب الماضية. فلما ظهر النفع
стр. 113
من جنس منهن، وقع الملك، وحل بيعهن، وغرم قاتلهن.
حدثنا ابن مسلم، حدثنا على بن سعيد المسروقى، حدثنا عباد ابن عوام، عن محمد بن أبي إسحاق، عن عمران بن أبي أنيس: أن رجلا كان له كلب صيد، قد أعطى به عشرين بعيرا، فتزوج بامرأة وأمهرها ذلك الكلب، فقتله؛ فرفع ذلك إلى عثمان ﵁، فغرمه عشرين بعيرا.
بيع الصنم
وأما قوله: (ونهى عن بيع الصنم) .
فكذلك أيضا؛ لأنه لا ثمن له، وقال رسول الله ﷺ : (أمرني ربي بكسر الأوثان، ومحق المعارف) . فكيف يجوز بيع شيء أمر الله تعالى رسوله ﷺ بمحقه وإبطاله.
وكذلك بيع المزامير والمعارف، وهو باطل، ولا ثمن له، ومن كسره لم يغرم شيئا. حدثنا صالح بن محمدن حدثنا قيس بن الربيع
стр. 114
عن أبي إسحاق، عن شريح أنه أتى برجل كسر طنبور الآخر، فلم يضمنه شريح.
الشطرنج والنرد والجوز
وأما قوله:) ونهى عن بيع الشطرنج، وعن اللعب به؛ ونهى عن النرد، واللعب به، وعن مخالة اللاعب بالنرد. ونهى عن القمار كله، وعن اللعب بالجوز للصبيان.
стр. 115
فهذا كله من القمار، وهو الميسر.. قال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن الصلاة، وعن ذكر الله؛ فهو قمار. فإنما نهى عن ذلك كله؛ لأنه ملهى، يدعو إلى القمار، ويلهى.
فأما بيع الشطرنج والنرد فهو شيء لا ثمن له؛ لأنه لا نفع، ولو كسر وأحرق لم يضمن الكاسر شيئا. وقد رخص ابن عمر للصبيان في اللعب بالجوز في أيام العيد فيما روى عنه؛ لأن ذلك منهم غير طلب القمار. والذي جاء من النبي عن رسول الله ﷺ تأديبا لهم. واللعب كله باطل، وما خلق الخلق للعب.
الخمر
واما قوله: (ونهى عن شرب الخمر، وعن بيع الخمر، وعن أن يعصر الخمر، وعن أن يشترى الخمر، وعن حمولة الخمر، ونهى أن يسقى الخمر؛ فإن الله تعالى لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، وحاملها، والمحمولة إليه) .
وقال ﷺ :) من شربها فهو كعابد الوثن، ولا يُقبل له صلاة أربعين يوما؛ فإن مات وفي بطنه شيء منها كان حقا على الله تعالى أن
стр. 116
من طينة الخبال (. قيل: وما طينة الخبال؟ قال:) صديد أهل النار وما يخرج من فروج الزناة (فيجتمع ذلك في قدور جهنم فيصير حميما فيشربه أهل النار ويصهر به ما في بطونهم والجلود.
وأما قوله:) ونهى عن شرب الخمر (فكل شراب خامر العقل أو خالطه حتى شده عن أن يشرق على قلبه فهو خمر. وكذلك قال عمر بن الخطاب ﵁، حيث قام على المنبر خطيبا في شأن الخمر.
فالخمر نزل تحريما أيضا كالربا، فلما كان الربا أبواب، فكذلك الخمر أجناس. فالخمر ما خامر العقل وغشاه؛ فكل شيء مغطى فهو مخمر. فالعصير إنما يغلى ويصير رجسا بما يناله من يد العدو، وذلك أن العدو خلق من مارج من نار، فإذا أدخل يده فيه فخاضه أزبد وغلى؛ فرجاسته في يده.. ألا ترى أنه قال في تنزيله:) رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطانِ فاجتَنِبوهُ) فعمله هو إدخال يده فيه حتى يغلى من حرارة يده المعلونة؛ فرجاسته منها.
فحرمه الله؛ لأنه لما دخل طار إلى رأسه، إلى معدن العقل، فأفسده، وسد الطريق إلى القلب. وذلك أن العقل في الدماغ، وشعاعه وعمله في القلب، وتدبيره في الصدر. فإذا صار سدا، بقى العقل في الدماغ منكمنا، فاستد الطريق. ولذلك قيل: سكر، أي سد. وفي ذلك قيل: سكر النهر، أي سده. وسكر غيره وساكر بنفسه. ومن ذلك قوله تعالى
стр. 117
حكاية: (سُكَرَت أَبصارُنا) أي سدت. فكل شراب إلى، فإنما هو من وضع يد الشيطان فيه، فهو داخل مع نصيبه إلى المعدة، وآخذ للذهن، وحابس للعقل، ويبقى الإيمان منفردا في القلب. فالحمد لله على تحريمه على عباده.
قال أبو عبد الله ﵀: فهذا سبب من الله في الظاهر لما هو في الباطن، وذلك أن الحلاوة خرجت من الفرح في الأصل، فإذا شربه فرح، والله لا يحب الفرحين بغيره، فطبع الآدمي علىالفرح بوجود كل شيء حلو، وقد وضع في العنب عامة الفرح.
وروى عن وهب: أن آدم ﵇ لما دخلها أول ما أكل منها العنب، فامتلأ فرحا حتى ثمل، فعندها أكل من الشجرة، ووجد العدو سبيلا إلى خدعه. فعامة الخلق هلكوا في أفراح الدنيا.. ألا ترى كيف ذمة الله تعالى: (وَفَرِحوا بِالحَياةِ الدُّنيا) .. وقال: (وَلاَ تَفرَحُوا بِمَا آتاكُم) .. وقال: (لاَ تَفرَح إِنَّ الله لاَ يُحبُّ الفَرِحين) .
وقال: (قُل بِفَضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَليَفرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجمَعُونَ) .
فالأفراح كلها مذمومة، إلا فرحين: فرح بالله، وهو فرح الصديقين؛ وفرح بفضل الله ورحمته وهو الإسلام والقرآن.
والفرح يقسى القلب، فإذا صار فيه الشراب دب فيه الفرح، فلذلك يشتد على هؤلاء الشربة مفارقته والنزوع عنه؛ لأنهم قد وجدوا لذة الفرح. فهم يحتملون مرارته، وأذاه، وغائلته، وصوره العاجل؛ ويخاطرون
стр. 118
بما أمامهم من الهول العظيم، والعذاب الأليم، والوعيد الذاهل لأهله. فإذا طبخ بالنار لم يبق للشيطان نصيب، ولم يكن له سلطان في صدره، حتى يجىء بتلك النار، وهي نار ذات زينة وبهجة وشهوة، فيأخذ منها العدو، وفتنتها في الصدر في وقت سلطانه، وإنما يكون سلطانه مع نصيبه من الشراب، فلم يقدر على فتنته إذا ذهب نصيبه.
وأما قوله: (ونَهى أن يعصر الخمر) فهو أن يعصر العنب على نية الخمر، فهو حرام عليه، وأما شرب العصيرن فلا بأس به مالم يغل. وإنما نهى عن أن يعصر الخمر، أى للخمر. وكذلك بيعه وشراؤه وثمنه وحمولته.
وقوله: (يسقى الصبيان) ، يعني في الدواء، وأن الله لم يجعل الشفاء فيما حرم عليكم.
وقوله: (عاصرها ومعتصرها) ، إذا عصرها للخمر. والعاصر هو الفاعل له، والمعتصر هو الذي يعصر له. وشاربها، وساقيها، وحاملها؛ فهؤلاء شركاء في هذه الحرمة.
وقال: (شاربُها كعابد الوثن) لا عقل لهما، قد أحاط فرح العباد لهما بقلبه، وشارب الحمر قد صار في هذا الوقت مسلوب العقل ممتلئا فرحا من ذلك الشراب، فاشتبها في صفة الحال، لا في الملة؛ لأن هذا مسلم، وذاك كافر. ولكنه شبهه به لسلب العقل وفرحه به، فكان المشركون يفرحون بآلهتهم.. ألا ترى إلى قوله (كَأَنَّهُم إٍلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) ، والوفض السرعة في النهوض كالرمل. وروى عن الحسن ﵀ أنه قال: يبتدرون آلهتهم أيهم يستلمها قبل.
стр. 119
الربا
وأما قوله: (نهى عن أكل الربا، وعن الشهادة على الربا، وعن كتابة الربا، وعن إطعام الربا، ولعن آكل الربا، ومواكله، وكاتبه، وشاهده) .
فهؤلاء كلهم قد تعاونوا على هذا الإثم والعدوان، وكل قد أخذ بحظه من الحرام، وكذلك الخمر.
نكاح التحليل
وأما قوله: (ونهى عن المطلقة أن تتزوج زوجا آخر يحلها للأول، ونهى الذي تزوجها ليحلها للزوج الأول، ونهى زوجها الأول إذا علم ذلك؛ فإن الله تعالى لعن الذي يفعل ذلك في المستحل والمستحل له) .
فهذا التحليل مخادعة؛ لأن الله تعالى أدب المؤمنين، وأمرهم بالطلاق
стр. 120
للعدة، وهو أن يطلقها طاهرا في طهر لم يجامعها فيه، فلما طلق ثلاثا جميعا كان ذلك معصية ووزرا. فإن طلقها واحدة للسنة، ثم واحدة عذر في الثنتين، ولم يعذر في الثالثة، فقيل له: لا تحل لك بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيرك؛ كي تتأدب وتحذر، فلا تطلق ثلاثا. فإذا ذهب يعمل على التحليل، فقد طمس وجه الأدب، وكان فيه ضرر يعم؛ فزجر رسول الله صلى الله عليهوسلم باللعن؛ لأنه نكاح دلسة وخدعة وغرور لا رغبة فيه.
بيع وسلف
وأما قوله: (ونهى عن بيع وسلف) .
فهو أن يقول: أشتري منك بكذا على أن تقرضني كذا.
стр. 121
شرطان في بيع
وأما قوله: (ونهى عن شرطين في بيع) .
فيقول: أخذت هذا منك بالنقد بكذا، وبالنسيئة بكذا، فافترقا على قولين لم يجب واحدا منهما، ولا يؤدي أحدهما ما لزمه.
بيع ما ليس عنده
وأما قوله: (ونهى عن بيع ما ليس عنده) .
فمن أجل أنه عقد البيع على شيء لم يملكه، لا يدري أيملكه أم لا، فلم يملك. وقد تأول بعض العلماء أن المواعدة داخلة في النهي، وهو أن يواعده فيقول: اشتر كذا حتى أشتري منك.
стр. 122
ربح ما لم يضمن
وأما قوله: (ونهى عن ربح ما لم يضمن) .
فهو الذي يشتري الشيء، ثم يبيعه قبل القبض، وقبل أن يدخل في ضمانه. وهذا باب يدخل فيه أشياء كثيرة من الإجارات، والزراعات، والمضاربات. فكل شيء لم يدخل في ضمانه، فربح من ذلك الوجه، فهو منهي عنه؛ لأنه لا يملكه بعد.
الجلالة
وأما قوله: (ونهى عن الجلالة، وركوبها، وألبانها من البقر، والغنم، والإبل وقال: تحبس الإبل أربعين يوما، والبقر كذلك، والغنم سبعة أيام) . وفي حديث النبي ﷺ : (تحبس الدجاجة ثلاثة أيام) .
стр. 123
والجلالة التي تأكل الجلة، وهي العذرة، فهذا ليس بمحرم، ولكنه يعاف ويتنزه منه، وإنما تحبس للتنظيف. وإنما كره ألبانها؛ لأن العذرة صارت علفا لها وغذاء، ومنها يدر لبنها. وإنما كره ركوبها لعرقها ولعابها.
والعذرة شيء قد خالطه يلبس في جوف الإنسان فرجاسته بالعدو وقد نالته. والعذرة رجس، ومن اعتلفها صارت رجسا.. ألا ترى أن الله تعالى سمى الخمر رجسا؛ في تنزيله، فقال: (أو لَحمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجسٌ) من بين السباع؛ لأنه خلق في سفينة نوح ﵇ لأكل العذرة، فصارت العذرة غذاء له، فأصابته رجاسة الشيطان.
стр. 124
ضرب الوجه
وأما قوله: (ونهى أن يضرب الرجل خده او خد غيره) .
فإن الله تعالى أكرم هذا الآدمي بصورته، فصارت لها حرمة، فنهى عن ضرب الوجوه والتقبيح.
حدثنا الجارود بن معاذ، حدثنا جرير، عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن؛ فلا تقبحوا الوجوه) . ونهى عن ضرب وجوه البهائم؛ لأن الوجه أكرم الأشياء على الخلق.
стр. 125
مصافحة الذمى
وأما قوله: (ونهى عن مصافحة الذمى) .
لأنه كافر، والصفاح للمسلم، لأنه أخوه في دينه وصفيه؛ للمصافاة يصافحه، وللإيمان يؤمنه بالسلام عليه؛ فلا يستحق الذمى هذا.
عظام الفيل
وأما قوله: (ونهى أن ينتفع بعظام الفيل) .
فالفيل غير مطلق أكل لحمه، وعظامه فيه دسومة فخليق أن يكون من أجل ذلك. وقد جاء الرخصة من الآثار.
стр. 126
البول في الإناء الذي ينتفع به
وأما قوله: (ونهى أن يبال في الإناء الذي ينتفع به) .
فهذا تنزه، وليس بحرام؛ لأن الإناء الذي بال فيه تشرب البول فيه؛ فهو خليق أن لا يشرب فيه ولا يؤكل.
مجامعة المرأة مستقبلا القبلة
وأما قوله: (ونهى أن يجامع الرجل امرأته مستقبل القبلة) .
فهذا لتعظيم البيت، ومن أجل ذلك نهى عن البول مستقبل القبلة.
مجامعة المرأة بعد الخروج من الخلاء دون أن يتوضأ
وأما قوله: (ونهى أن يجامع الرجل امرأته وقد خرج من الخلاء حتى يتوضأ) .
стр. 127
فهذا تأديب، وخليق أن يكون الشيطان معه حين خرج من الخلاء، فإذا توضأ تباعد منه.. ألا ترى أنه يؤمر إذا دخل الخلاء أن يقول: (أعوذ بك من الخبث والخبائث) .
النوم جنبا بلا وضوء
وأما قوله: (ونهى أن يبيت الرجل وهو جنب حتى يتوضأ) .
فهذا تأديب.. وقد جاء رخصة في ذلك.. حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقى، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يجنب ثم ينام ولا يمس ماء.
стр. 128
قول: مسيجد ومصيحف
وأما قوله: (نهى أن يقول الرجل: مسيجد ومصيحف) فهذا من أجل أنه صغرها بالتسمية، ولا يحتملان التصغير، وفيه جفاء عظيم وهو من شره النفس وبطرها.
تلقي الجلب وبيع حاضر لباد
وأما قوله: (ونهى أن يستقبل الرجل الرفاق معهم البيوع حتى يقدموا السوق) .
فهذا في بدء الأمر، لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهي خالية من المرافق والمعاش؛ فأحب أن تكون عامرة لأنها دار الهجرة؛ حتى تطمئن نفوس
стр. 129
من يهاجر؛ فنهاهم عن استقبال الأعراب وتلقي الركبان؛ كي يدخلوا السوق، فهناك يكون بيعهم؛ كي يعم الجميع نفع الجلب الذي جاءوا به، وترخص الأسعار.
(ونهى أن يبيع حاضر لباد) ؛ حتى يقدم البادي وهو لا يعلم سعر البلد فيسهل في بيعه؛ فنهى الحاضر أن يبيع له على الاستقصاء كي يرزق الناس بعضهم من بعض.
وهذا في بدء الأمر، حتى عمرت الأسواق، وكثر الجلب واتسع الناس، واستقرت دار الهجرة وألفة الناس.
وكان ينهى عن قطع أشجارها، وعن الإصطياد فيها، كل ذلك
стр. 130
توخيا لنزهتها وسعتها؛ كي يرغب الناس في توطينها، فلما توسعوا سقط هذا النهي عامته.
وروى عن رسول الله ﷺ قال: (لا بيع حاضر لباد، ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) .
بيع الماء
وأما قوله: (ونهى عن بيع الماء) .
لأن الماء حياة الخلق، والمسلمون شركاء فيه للشقة والحيوان. فأما الأرض فكل يملك من الماء ما في يده يسوقه إلى أرضه، فإذا باع بالمكيال أو بالمقدار جاز، وإن باع في النهر فهو بيع فاسد لا يدري ما يعقد عليه البيع.
فهذا من هذه الجهة فاسد.
وخلة أخرى أن رسول الله ﷺ حيث الناس على بذل فضل الماء كي
стр. 131
يتسامحوا، ولا ينسوا الفضل بينهم؛ فقد ندب الله العباد إلى ذلك، فقال: (وَلاَ تَنسَوا الفَضلَ بَينَكُم) فقال ﷺ : (من منع فضل ماء ليمنع به كلأ منعه الله فضله يوم القيامة) .
منع الكلأ
وأما قوله: (ونهى عن منع الكلأ) .
فهذا مثله؛ لأن المسلمين فيه شركاء لمرعى دوابهم؛ لأنه لم ينبته، ولم يعمل فيه عملا، إنما أنبته الله مرعى للبهائم ثم خلقه، فإذا نبت في أرض مملوكة، فمن سبقه إليه فاحتشه فهو له، وكذلك روى عن رسول الله ﷺ : (المسلموهن شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار) وهذا شيء عام لا يستغنى عنه ولا يسوغ منعه.
стр. 132
غش اللبن
وأما قوله: (ونهى أن يشاب لبن لبيع) .
فهذا إذا صب الماء فيه حتى يزداد في الكيل، فهو غش وخيانة، وإنما باع الماء بسعر اللبن!!
تعاطي السيف مسلولا
وأما قوله: (ونهى أن يتعاطى السيف مسلولا) وقال: (ليغمده ثم يناوله) .
فهذا لتعظيم الدماء، ولعله إن أعطاه مسلولا أن يزل فيقتل لآخر، فيكون المعطي معينا له، وليغمده حتى يكون هو الذي يسله، فيكون وباله عليهن ولا يشركه المعطي.
стр. 133
سل السيف في المسجد
وأما قوله: (ونهى أن يسل السيف في المسجد) .
وذلك أن المسجد يبنى للذكر، والسيف منه الموت إلا أن يعصم الله.. ألا ترى إلى قوله: (وَلَقَد كُنتُم تَمَنَّونَ المَوتَ مِن قَبلِ أَن تَلقَوهُ فَقَد رأَيتُموهُ وأَنتُم تَنظُرونَ٩ فإنما رأوا السيوف في الحرب فيه الموت فسماه الله تعالى الرؤية.
برى النبل أو تريشه أو المرور به في المسجد
وأما قوله:) ونهى أن يبرى النبل في المسجد، أو تريش، أو يمر بها في المسجد إلا وهو آخذ بنصولها (.
فهذا كله خوفا من أن يصيب مسلما في المسجد، وليس السلاح من شأن المسجد.
стр. 134
رفع الأصوات في المسجد، ونشدان الضالة، وإنشاد الشعر، وإقامة الحدود ، والإقتصاص، والبيع
وأما قوله: (ونهى عن رفع الأصوات في المساجد، وأن تنشد الضالة، وأن ينشد الشعر، وأن تقام فيه الحدود، وعن أن تقاص فيه الجراحات، وعن البيع فيه) .
فهذا كله يشبه بعضه بعضا؛ لأن فعل هذا كله في المسجد ترك لحرمة المسجد؛ لأن المسجد بيت الله، أذن الله أن يرفع، ويعظم، ويشرف،
стр. 135
ويذكر إسم الله فيه، ومن أتى المسجد فقد زار ربه، وأن في التوراة مكتوبا: من أتى المسجد فقد زارني وضافني، ولن أرض له قرى دون الجنة، فالمساجد بيوت طيبة..
حدثنا يحيى بن أحمر الطائي، حدثنا محمد بن مسلم الطائي، حدثني خال عبد الله بن المؤذن، عن سعيد بن المسيب، قال: من جلس في المسجد، فإنما يجالس ربه، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: (الله نورُ السَمَواتِ وَالأَرضِ) . ثم قال: (في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فيها اِسمُهُ) فقوله (فى) ينبك عن قول سعيد، فإذا رفع الصوت فيه في خصومة، أو لغط، أو لغو؛ فقد ضيع حرمته. فرفع الصوت في الدعاء، والذكر، والقرآن، والمناظرة للتفقه في الدين، محمود كله؛ ولهذا بنى، لأن هذا كله ذكر الله.
وإقامة الحدود والاقتصاص من الجراحات عقوبات، والمسجد موضع نزول الرحمن. وناشد الضالة طالب دنيا، وإنما بني لطلب الآخرة. وكذلك البيع والشراء فهو أرباح الدنيا، وإنما بني لأرباح الآخرة ولمتاجرة الملك الأعلى لا لمتاجرة العباد. والبيع يحضره الشياطين واللغو والكذب، والمسجد ليس بحقيق لمثل هذا.
وأما إنشاد الشعر، فإن كان من الشعر الذي فيه قوام الدين، ويرجع إلى محمود الأمر؛ فهو خارج من النهي؛ فقد فعله حسان بن ثابت في مسجد
стр. 136
رسول الله ﷺ ، وفي حرم الله تعالى حين دخل مكة، وفعله عبد الله بن رواحة ﵁ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلمن وفي حرم الله تعالى حين دخل مكة، والحرام مسجد كله. وما كان فيه تشبيب ومباح أن يبسط، فالمسجد معظم ومنزه عن ذلك؛ لأنه للذكر بنى. ألا ترى إلى قوله تعالى: (في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فيها اِسمُهُ) . وقال: (وَمساجِدَ يُذكَر فيها اِسمُ الله كَثيراً) .
دخول الرجل الحمام العام بدون مئزر
وأما قوله: (ونهى أن يدخل الحمام إلا بمئزر) .
فمن أجل العورة؛ لأن النظر إلى عورة المسلم حرام، وقد سترى الله ذلك على آدم وحواء ﵉، وقال الله تعالى: (لِيُبدىَ لَهُما ما وُوُرىَ عَنهُما مِن سُوءاتِهِما) . فهو سوأة قد وريت عنهما، فأمر ولده
стр. 137
بالستر، فإذا دخل بغير مئزر فقد أثم، إلا أن يكون خاليا ليس معه أحد، فليس بآم، وقد ترك الأدب.. حدثنا محمود بن عبد الله بن بزيغ البصرى، حدثنا يزيد بن زريع، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قلت: يا رسول الله ﷺ ، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: " احفظ عورتك إلا عن زوجك أو ما ملكت يمينك (. قلت: أرايت إن كان أحدنا خاليا؟ قال:) فالله أحق أن تستحي منه (.
دخول المرأة الحمام العام
وأما قوله:) ونهى أن تدخله المرأة (.
فمن ذلك أيضا حظر عليها أصلا تأديبا.. وجاء عن عمر ﵁: أنه كتب إلى أمراء الأجناد بالنهى عن ذلك إلا من سقم. فإذا كانت سقيمة، ودخلت مستترة، فلا بأس به.
والرجل قد أبيح له دخوله بمئزر، والمرأة من قرنها إلى قدمها عورةن فاحتيط لهن أن لا يدخلن إلا من سقم.
стр. 138
حدثنا بذلك يحيى بن أحمر الطائي، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني، عن حكيم بن عمير: أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب: أن الحمام حرام على كل مؤمن إلا بمئزر، وعلى النساء إلا من: سقم. وإسماعيل، عن الأحوص بن حكيم، عن عمير، عن أبيه، عن عمر بمثله.
النظر إلى العورة
واما قوله: (وَنهى أن ينظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة) .
فتلك سوأة، وقد سترها الله، وسماها سوأةن وخلق آدم ﵇ وسترها عنه وعن زوجته. وإنما ظهر لهما ذلك بالمعصية، فاستحييا مما رأيا.
فذاك موضع حياء. وقال: (يا بَني آَدَمَ، قَد أَنزَلنَا عَلَيكُم لِباساً يُوَاري سَواءَتِكُم) . فإذا نظرت إليها فقد نظرت إلى شيء قد واراه الله باللباس الذي أنزل من أجله، وهتكت ستر الله؛ ولذلك قال سليمان: لأن أموت، ثم أنشر، ثم أموت، ثم أنشرن أحب إلىّ من أن أرى عورة مسلم، أو يرى عورتيس. وفي هذا كلام كثير قد شرحناه في كتاب " العلل ".
стр. 139
الخلوة بالأجنبية
وأما قوله: (ونهى أن يخلو الرجل بإمرأة غير محرم) .
فهذا فعل داع إلى فتنة عظيمة، وروى في الخبر: أن الرسول ﷺ قال: (ما خلا رجل بامرأة غير ذات رحم محرم إلا كان الشيطان ثالثهما) .
قال أبو عبد الله ﵀: العصمة عصمتان: عصمة من الله على القلب، وعصمة من الله على طريق الأسباب. فإذا خلا بامرأة غير محرم فقد ذهبت الأسباب، وانقطعت العصمة، فإن أدركته عصمة اللهعلى الإنفراد برحمة منه وفضل وإلا فقد هلك.. ألا ترى أن يوسف ﵇ لم ينصرف حتى رأى البرهان، وهو جبريل على صورة يعقوب صلى الله عليهما، فحينئذ ولىهاربا، وهذه عصمة على سبب خاص كرامة من الله، ليس كالأسباب العامة.
والأسباب العامة هو أن يهم بأمر، فيحدث حدث من الأمر، فيقطع عليك هذا، نويحول بينك وبينه، من خوف، أو حياء، أو نقص تدبير، أو
стр. 140
يجىء إنسان، فيحول بينك وبينه أحداث الدنيا. فهذه عصمة وسبب.
حدثنا محمد بن الضحاك، حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد، قال: لو لم يصب المسلم من أحيه المسلم شيئا إلا أن حياءه يمنعه من المعاصي.
فهذه عصمة الأسباب.
حدثنا عبد الوهاب بن فليح المكي، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعرة: أن رجلا وجد امرأة على غدير فراودها عن نفسها، فلما جلس منها ذهب يحرك ذكره، فإذا هو مثل الهدبة، لم يقدر على شيء منها؛ فندم، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فأمره النبي ﷺ أن يركع أربع ركعات، فنزلت: (أقم الصلاة طرفي النهار) .
стр. 141
الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر
وأما قوله: (ونهى أن يُجلس على مائدة يشرب عليها الخمر) .
فلإت اللعنة غير مأمونة أن تحل تلك المائدة، فأما البركة فقد ارتفعت، لأن كل رزق فمادته من البركة، فإذا انقطع المدد صارت رزءا في الدنيا، ووبالا في الآخرة.
الأكل بالشمال
وأما قوله: (ونهى أن يأكل الرجل بشماله) .
فإن الشمال للشيطان، واليمين للملك، وكاتب الحسنات عن اليمين، وكاتب السيئات عن الشمال، وغدا صفوف أهل الجنة عن اليمين، وصفوف أهل النار عن الشمال، والجنة عن اليميني، والنار عن الشمال؛ فمختار الله من الأشياء والبقاع اليمين.
стр. 142
فما كان من أكل، أو شرب، أو ليس، أو تناول مرفق، فباليمين. وما كان من مرفوض وإزالة أذى فبالشمال، مثل: الإستناء، والامتخاط، وما أشبهه.
حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الله الرملي، حدثنا مؤمل ابن إسماعيل، عن مبارك بن فضالة، حدثني عبيد الله بن مسلم بن يسار، سمع أباه يقول: إني لأكره أن أمس فرجي بيميني، وأنا أرجو أن أخذ به كتابي.
النفخ في الطعام والشراب
وأما قوله: (ونهى عن النفخ في الطعام والشراب) فهذا إذا كان مع غيره، فهو مؤذ له، ولعله ان يعاف صاحبه ذلك، فيكون قد أفسد عليه. وأما إذا كان وحده فلا نعلم به بأسا؛ لأنه ليس فيه أذة ولا إفساد على أحد.
حدثنا محمد بن علي الشقيقي، حدثنا أبي، حدثنا أبو عصمة، عن الحجاج، عن عبد الملك، عن إبراهيم، قال: إنما كره النفخ في الطعام.
حدثنا محمد، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن زيد، حدثني صاحب لي، عن إسحاق بن سويد، قال: سألته عن النفخ في الطعام؟ قال: لا أدري.
стр. 143
إلا أن الأحنف قالك إن في الإنسان ريحان، فإذا أراد أن يبرد الشيء قال: تفه، وإذا أراد أن يسخن قال: آه.
حدثنا عبدان بن عثمان، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا بكار بن عبد الله، قال: سمعت وهب بن منبه قال: الروح في الرأس، والنفس في البطن، فإذا التقيا جاء النوم. والروح يأمر بالخير، والنفس تأمر بالشر، والريح الحارة من النفس، والباردة من الروح، وهي باردة.
قال أبو عبد الله ﵀: وزاد فيه غيره عن وهب قال: ثم نفخ وهب على يده فقال: " أف " ثم قال: هذه من الروح، وهي باردة. ثم قال: " آه " قال: هذه من النفس، وهي حارة.
النفخ في الصلاة
وأما قوله: (ونهى أن ينفخ في الصلاة) .
فإن النفخ في الصلاة مجراه مجرى الكلام؛ ولذلك قال علماؤنا: إذا كان نفخ يسمع فهو كلام، ويقطع الصلاة؛ لأن النفخ إنما هو " أف " أو " تف " وهي كلمة. وقد ذكر الله تعالى عن إبراهيم ﵇: (أف لكم) ، وقال: (وَلا تَقُل لَهُما أُفٌ) فهذه كلمة بالغة. وروى
стр. 144
عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لو علم الله شيئا أردة في العقوق من أف لذكره) حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا محمد بن حجر، عن أبي جعفر، عن زيد بن علي، عن أبيه عن جده، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وصسلم: (لو علم الله من العقوق شيئا أردة من أف لذكره؛ فليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار، وليعمل العاق ما شاء أن يعمل، فلن يدخل الجنة) .
حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا هارون الراسبي، عن جعفر بن حيان، عن أبي رجاء، قال: " الأف " الكلام القذع الردىء الجفى.
قال أبو عمرو بن العلاء ﵀: " الأف " وسخ في الأظفار، والتف قلامتها.
الصلاة إلى مقبرة أو حمام
وأما قوله: (ونهى عن الصلاة إلى موضع حش، أو حمام، أو مقبرة) .
فهذا تأديب، ولا نعلم أنه يفسد صلاته ما أمامه. وإذا كانت بينه وبين
стр. 145
هذه الأشياء سترة فلا بأس به. وإذا لم تكن سترة ففيه وحشة؛ لأن الحش متغوطة الناس؛ وإنما سمى حشا؛ لأنه موضع النخيل، وكانوا يتغوطون هناك للسترة، والحمام أقذار الناس وغسالتهم، والمقبرة دفن الموتى، وفيها البلى، وتبدد العظام، والأوصال. فلا يستحب أن يستقبل الله تعالى بمثل هذه الأشياء.
أربع كنى
وأما قوله: (ونهى عن أربع كنى: عن أبي مالك، وأبي الحكم، وأبي القاسم، وأبي عيسى) .
فإن هذه الألفاظ غير عذبة، فيها بعض الوحشة؛ لأن الكنى إكرام المؤمن وإجلاله. والاسم متبذل، فإذا أريد إجلاله كنى عن الاسم المتبذل..
والأسماء في الأصل على الحقائق هي سمات الأشياء، ثم أحدث الناس أشياء صيروها علائم فيما بينهم تفاؤلا وتطيرا، فأول اسم بدا في الخلق آدم ﵇؛ لأنه مشتق من أديم الأرض، وكأنه مشتق من الإدام، لأنه جمع بين ترابه ومائه وعجن، وكأنه مشتق من الأدمة وهي الوسيلة، وهذا
следующие страницы →