← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 25950

المنهيات

الحكيم الترمذي

Полный текст (233 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأما قوله: (ونهى أن يُجلس على مائدة يشرب عليها الخمر) . فلإت اللعنة غير مأمونة أن تحل تلك المائدة، فأما البركة فقد ارتفعت، لأن كل رزق فمادته من البركة، فإذا انقطع المدد صارت رزءا في الدنيا، ووبالا في الآخرة. الأكل بالشمال وأما قوله: (ونهى أن يأكل الرجل بشماله) . فإن الشمال للشيطان، واليمين للملك، وكاتب الحسنات عن اليمين، وكاتب السيئات عن الشمال، وغدا صفوف أهل الجنة عن اليمين، وصفوف أهل النار عن الشمال، والجنة عن اليميني، والنار عن الشمال؛ فمختار الله من الأشياء والبقاع اليمين.

стр. 142

فما كان من أكل، أو شرب، أو ليس، أو تناول مرفق، فباليمين. وما كان من مرفوض وإزالة أذى فبالشمال، مثل: الإستناء، والامتخاط، وما أشبهه. حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الله الرملي، حدثنا مؤمل ابن إسماعيل، عن مبارك بن فضالة، حدثني عبيد الله بن مسلم بن يسار، سمع أباه يقول: إني لأكره أن أمس فرجي بيميني، وأنا أرجو أن أخذ به كتابي. النفخ في الطعام والشراب وأما قوله: (ونهى عن النفخ في الطعام والشراب) فهذا إذا كان مع غيره، فهو مؤذ له، ولعله ان يعاف صاحبه ذلك، فيكون قد أفسد عليه. وأما إذا كان وحده فلا نعلم به بأسا؛ لأنه ليس فيه أذة ولا إفساد على أحد. حدثنا محمد بن علي الشقيقي، حدثنا أبي، حدثنا أبو عصمة، عن الحجاج، عن عبد الملك، عن إبراهيم، قال: إنما كره النفخ في الطعام. حدثنا محمد، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن زيد، حدثني صاحب لي، عن إسحاق بن سويد، قال: سألته عن النفخ في الطعام؟ قال: لا أدري.

стр. 143

إلا أن الأحنف قالك إن في الإنسان ريحان، فإذا أراد أن يبرد الشيء قال: تفه، وإذا أراد أن يسخن قال: آه. حدثنا عبدان بن عثمان، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا بكار بن عبد الله، قال: سمعت وهب بن منبه قال: الروح في الرأس، والنفس في البطن، فإذا التقيا جاء النوم. والروح يأمر بالخير، والنفس تأمر بالشر، والريح الحارة من النفس، والباردة من الروح، وهي باردة. قال أبو عبد الله ﵀: وزاد فيه غيره عن وهب قال: ثم نفخ وهب على يده فقال: " أف " ثم قال: هذه من الروح، وهي باردة. ثم قال: " آه " قال: هذه من النفس، وهي حارة. النفخ في الصلاة وأما قوله: (ونهى أن ينفخ في الصلاة) . فإن النفخ في الصلاة مجراه مجرى الكلام؛ ولذلك قال علماؤنا: إذا كان نفخ يسمع فهو كلام، ويقطع الصلاة؛ لأن النفخ إنما هو " أف " أو " تف " وهي كلمة. وقد ذكر الله تعالى عن إبراهيم ﵇: (أف لكم) ، وقال: (وَلا تَقُل لَهُما أُفٌ) فهذه كلمة بالغة. وروى

стр. 144

عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لو علم الله شيئا أردة في العقوق من أف لذكره) حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا محمد بن حجر، عن أبي جعفر، عن زيد بن علي، عن أبيه عن جده، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وصسلم: (لو علم الله من العقوق شيئا أردة من أف لذكره؛ فليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار، وليعمل العاق ما شاء أن يعمل، فلن يدخل الجنة) . حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا هارون الراسبي، عن جعفر بن حيان، عن أبي رجاء، قال: " الأف " الكلام القذع الردىء الجفى. قال أبو عمرو بن العلاء ﵀: " الأف " وسخ في الأظفار، والتف قلامتها. الصلاة إلى مقبرة أو حمام وأما قوله: (ونهى عن الصلاة إلى موضع حش، أو حمام، أو مقبرة) . فهذا تأديب، ولا نعلم أنه يفسد صلاته ما أمامه. وإذا كانت بينه وبين

стр. 145

هذه الأشياء سترة فلا بأس به. وإذا لم تكن سترة ففيه وحشة؛ لأن الحش متغوطة الناس؛ وإنما سمى حشا؛ لأنه موضع النخيل، وكانوا يتغوطون هناك للسترة، والحمام أقذار الناس وغسالتهم، والمقبرة دفن الموتى، وفيها البلى، وتبدد العظام، والأوصال. فلا يستحب أن يستقبل الله تعالى بمثل هذه الأشياء. أربع كنى وأما قوله: (ونهى عن أربع كنى: عن أبي مالك، وأبي الحكم، وأبي القاسم، وأبي عيسى) . فإن هذه الألفاظ غير عذبة، فيها بعض الوحشة؛ لأن الكنى إكرام المؤمن وإجلاله. والاسم متبذل، فإذا أريد إجلاله كنى عن الاسم المتبذل.. والأسماء في الأصل على الحقائق هي سمات الأشياء، ثم أحدث الناس أشياء صيروها علائم فيما بينهم تفاؤلا وتطيرا، فأول اسم بدا في الخلق آدم ﵇؛ لأنه مشتق من أديم الأرض، وكأنه مشتق من الإدام، لأنه جمع بين ترابه ومائه وعجن، وكأنه مشتق من الأدمة وهي الوسيلة، وهذا

стр. 146

والأوسط واحد؛ لأن الذي يقرب والذي يجمع يقرب أيضا، فإنما سمي آدم فيصير هذا له سمة، ثم كنى عن اسمه، فقال: أبا البشر، فأكرم بذكر الأبوة، فكل من كنى من بعده من ولده عن إسم من الأسماء بالأبوة، ثم ألحق أبوته باسم من الأسماء تفاؤلا بشيء أو تطيرا من شيء، ففزع إلى التفاؤل، لا أنه تطير.. فهذا شأن الكنى. فأما النهي عن أبي مالك، فيرى أنه استوحش من هذه اللفظة، لأنه لا مالك إلا الله، ومنه بدأ الملك للمالكين، فحسن أن يسمى مالك لأنه قد مملكهم. وأول المالكين الله تعالى. فإذا قلت " يا مالك " " يا أبا الحكم " ففيه وحشة. وأما أبو عيسى، فإذا قلت " يا أبا عيسى " فتلك الوحشة موجودة؛ لأن الله تعالى يقول: (رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلى مَريمَ وَرُوحٌ منهُ) فنفى عنه أبوة الآباء. وأما قوله " أبي القاسم " فهو كما قال ﷺ : (أنا أبو القاسم؛ الله يعطى، وأنا أقسم، فكان سيد الخزان " وما زال جوادا حتى منعه الله من الإعطاء، فقال:) وَلاَ تَبسُطهَا كُلَّ البَسطِ) . وكان يقول:

стр. 147

(يأبى الله لي البخل) . وما سئل رسول الله ﷺ قط فقال: لا. فثبتت أبوته إلى القسمة. فهذه كنيته، ومكرمة عظيمة. ومن قال: إنما كانت هذه الكنية له متقدمة قبل نبوته من أجل ابنه القاسم ". فهو كذلك، ولكن هكذا قدر الله تعالى ان يكنى بذلك، حتى يكون قاسما من قسامه، فيكنى عن إسمه بالأبوة بالقسمة، حتى كنى عن ذلك فعل الله ورسوله. ثم أدب الله المؤمنين فقال: (لاَ تَجعَلُوا دُعاءَ الرَسولِ بَينَكُم كَدُعاءِ بَعضِكُم بَعضاً) . وإنما يدعو بعضهم بعضا بالإسم والكنية، فأين إجلال رسول الله ﷺ إذا سويته بالناس؟ فأدبهم حتى قالوا: يا رسول الله، يا نبي الله، فأما الجفاة الأعراب فكانوا يجيئون ويقولون: يا محمد. فأدب الله المؤمنين بذلك. وقال رسول الله ﷺ : (سمّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي) . فتأول من بعده هذه الكلمة على ضروب شتى؛ فمنهم من قال: قد أطلق الإسم للعامة، وحظر الكنية على مذهب ما جاء به الخبر من القسمة (الله يعطي، وأنا أقسم) . ومنهم من قال: قد أطلق الإسم

стр. 148

وحظر الكنية على من له هذا الإسم، فليس له أن يجمع بين كنيته واسمه فيتشبه به؛ لأنه سمى محمد وأحمد على الإسم الأصلي وكذلك الكنية. ومنهم من قال: هذا في حياته، فلما قبض رسول الله ﷺ ارتفع النهي. أربعة أسماء وأما قوله: (ونهى عن أربعة من الأسماء: يسار، ونافع، وبركة، ورافع) . فاليسر واليسار من الله تعالى، والنافع هو الله، والبركة عنده ينزلها حيث شاء، والرافع هو الله يرفع ويخفض، بيده ميزان القسط. فهذه أسماؤهم؛ فكره.. ألا ترى انه لا يكره أن يسمى عليما أو حكيما أو مالكا؛ فاليسر والنفع والبركة والرفع أصله من الربوبية. وهذا تأديب وليس بحظر.

стр. 149

قتل النملة والهدهد والصرد والنحل وأما قوله: (ونهى عن قتل النملة، والهدهد، والصرد، والنحل) . فإن الدواب خلقت من الأرض من الموضع الذي رفعت منه تربة آدم ﵇، فجعلت سخرة له. فأما ما كان من التربة مما يلي أسفل آدم ﵇ فهو السباع وما لا يؤكل، وما كان مما يلي أعلاه فذلك مما يؤكل، والحمامة من موضع القلب، فلذلك يؤنس بها وتأنس بالآدميين، وهو قوله تعالى: (أَوَ لَم يَرَوا أَنَّا خَلَقنا لَهُم مِمَّ عَمِلَت أَيدينّا أَنعاماً فَهُم لَهَا مالِكُونَ) . فعمل الله كان في تربة آدم ﵇، ثم خلق مما عملت الأيدي هذه الدواب، أي من ذلك الموضع. ثم كل دابة راجعة إلى تربتها، وإلى جوهرها من الأرض. وقسم الله الخير والشر بين خلقه، فوضع الخير في بعض، والشر في بعض.. ألا ترى أن الضفدع كيف نصرت إبراهيم ﵇ بالماء الذي نقل بفمه ليطفئ ألا ترى أن الوزع كيف نفخ النار على إبراهيم ﵇ عداوة له، وولاية لإبليس؛ لأنه من جنس الحية؟ وألا ترى أن

стр. 150

الغراب كيف ترك أمر الرسول ﵇، وأقبل على جيفة حمامة، وجفا حيث خرج من السفينة يوم استوت سفينة نوح ﵇ على الجودي؟ وألا ترى أن الحمامة كيف أسرعت الرجعة وفي منقارها ورق الزيتون، وعلى رجليها أثر الطين؛ فهذه جواهر الأرض، فالنملة كيسة.. ألا ترى أنها تجمع في صيفها لشتائها حرزا وأخذا بالحزم، فلم يكن هذا لها من بينالدواب إلا ولها هناك فضل معرفة وبصر؟ ألا ترى كيف قالت عندما أقبل سليمان ﵇ في موكبه حتى تبسم نبي الله ضاحكا من قولها، فقالت: (يا أَيُّهَا النَّملُ اِدخلُوا مَسَاكِنَكُم لاَ يَحطِمَنَّكُم سُلَيمانُ وَجُنودُهُ وَهُم لاَ يَشعُرُونَ) . ألا ترى أنه فزع عندما سمع هذه الكلمة إلى إيزاع الشكر؛ لأنها ذكرت الحطم، ثم نسبته إلى أن يفعل ذلك. وأما الهدهد، فحدثنا سليمان بن حميد أبو الربيع الأيادي، حدثنا عون بن عمارة، عن الحسن الجعدي، عن الزبير بن حريث، عن عكرمة، قال: إنما صرف الله شر سليمان ﵇ عن الهدهد لأنه كان بارا بأبويه. وسمعته يقول: إن ملكا خرج إلى الصيد في يوم صحو، فقابله حراث يرجع مع آلته إلى بيته، فقال للملك: ارجع فهذا يوم مطير، فلم يقبل الأمير ما قال ومضى، وكان ساعة جاء المطر؛ فقال الأمير: هو رجل منجم، علىّ به. فقال: لست بمنجم، ولكن أعلم علم النمل أنه يدخل طعامه يوما يعلم أنه

стр. 151

يكون مطرا في بيته، ويخرجه يوما يعلم أنه لا يكون مطرا؛ فهم منجم لا أنا. وأما الصرد، فحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن مهدي، عن قرة بن خالد، عن موسى بن أبي غليط، عن أبي هريرة ﵁، قال: الصرد أول طير صام. وروى في الخبر: أنه كان دليل إبراهيم ﵇ حيث سار من الشام لبناء الكعبة. وأما النحلة، فمذكورة في التنزيل بالطاعة لله تعالى، فقال: (وَأَوحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعرِشُونَ) إلى قوله: (ذُلُلاً) فالثمرات منها ما هو حلو، ومنها مر، ومنها بشع، ومنه حامض، ومنه حار، ومنه رخو لين؛ فذلت لله فأكلت من الكل وتركت شهوتها، فجعل الله ما في بطنها عسلا حلوا كله، وصير فيه شفاء للناس؛ لأنها لم تأكل بنهمة ولا شهوة، وإنما أكلته طاعة وذلة لربها؛ فصارت بذلك سالكة لسبل ربها بترك النهمة والهوى؛ يعلم العباد أن السالك لسبيله من ترك النهمة في الأمور. فهذه زنابير احتملت من ربها كل هذا الثناء، ونالت هذه المرتبة؛ فكيف بالآدمي المكرم المفضل على البرية، وقد قال الله تعالى: (وَفَضَّلناهُم عَلَى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلاُ) .

стр. 152

التحريش بين البهائم وأما قوله: (ونهى أن يحرش بين البهائم، أو يمثل بها، وقالك من فعل ذلك فهو ملعون) . فإن الله وضع العدل بين خلقه، ثم لم يرض من الظلم بقليل، ولا كثير، ولامثقال ذرة، ولا حبة خردل، وليس بتارك أحدا من خلقه يوم القيامة حتى يقضي له، حتى أن الشاة الجماء ليقاد لها من القرناء. فإذا حرش، فقد دعاهم إلى الظلم، واستعملهم بذلك؛ فالوبال راجع إليه يوم القيامة إذا كان هو سبب ذلك.

стр. 153

التخنيث ومخالطة المخنث وأما قوله: (ونهى عن التخنيث، وعن حديث المخنث، ومحادثة المخنث، وعن مجالسة المخنث، وعن صحبة المخنث، وعن إجابة دعوة المخنث، وقال: لعن الله المخنث) . فالمخنث خلق هائل شأنه، فظيع أمره؛ فظاهره رجل، وباطنه امرأة. فالذي في باطنه حول أحوال الظاهر حتى مده إلى أحوال النساء قولا ومشيا وعملا ولباسا وزيا وهيئة، فقد حلت به اللعنة؛ لأنه مسخ، فنفسه نفوس النساء، وخلقته خلقة الرجال؛ فلذلك لا تكاد تجد منهم تائبا لأن نفسه الممسوخة قد غيرت قلبه وطبعه إلى أخلاق النساء وطلبهن للرجال. وهذا آية عظيمة من آيات الله يعتبر بها المسلمون، ويستعيذون بالله من شرها، فكأنه جعل هذا موعظة للخلق ليشكروه على لباس العافية.

стр. 154

وقد كان على عهد رسول الله ﷺ مخنث، فنفاه إلى البقيع. فلما كان زمن عمر ﵁، استأذنه في الدخول إلى المدينة ليسأل الناس، فأذن له في الجمعة مرة. حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن عامر بن سعد، عن سعد بن مالك: أن رسول الله ﷺ نفى رجلا مخنثا من المدينة فكان كذلك حتى إمرة عمر ﵁، فكان يرخص له أن يدخل يوم الجمعة المدينة فيتصدق عليه. حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، حدثنا الحسن بن أبي صالح البجلي، عن عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، حدثنا بشر بن نمير، سمع مكحولا يقول: حدثنا يزيد بن عبد الله الجهني، عن صفوان بن أمية، قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فجاء عمرو بن مرة، فقال: يا رسول الله، إن الله كتب على الشقوة، فلا أراني أرزق إلا من ضرب دفى بكفي، فأذن له في الغناء من غير فاحشة. فقال رسول الله ﷺ لا آذن لك، ولا كرامة، ولا نعمة، كذبت أي عدو الله، فقد رزقك الله حلالا طيبا فاخترت ما حرمه الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من خلال. ولو كنت تقدمت إليك لفعلت بك، قم عني وتب إلى الله. أما إنك إن فعلت بعد التقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا، وجعلتك مثلة، ونفيتك من أهلك، وأحللت

стр. 155

سلبك نهبة لفتيان المدينة (، فقام عمرو وبه من الشر والحزن ما لا يعلمه إلا الله، فقال ﵇ بعد ما تولى:) هؤلاء العصاة من مات منهم بغير توبة حشره الله كما كان يوم القيامة مخنثا عريانا، لا يستتر من الناس بهدبه، كلما قام صرع (فقام عرفطة بن نهيك التيميمى، فقال: إن أهلي مرزوقون من هذا الصيد، ولنا فيه قسم وبركة، وهو مشغلة عن ذكر الله، وعن الصلاة في الجماعة، وبنا غليه حاجة، أفتحله أو تحرمه؟ فقال النبي ﷺ :) أُحله، لأن الله تعالى قد أحله، نعمالعملن والله أولى بالعذر، وقد كان لله رسل قبل كلها تصطاد أوتطلب الصيد ويكفيك من الصلاة في الجماعة إذا غبت عنها في طلب الرزق حبك للجماعة، وحبك ذكر الله وأهله، فابتغ على نفسك وعيالك حلالا، فإن ذلك جهاد في سبيل الله، واعلم أن عون الله مع صالح التجار (سمعته يقول: سأل عرفطة رسول الله ﷺ عن ذلك لأن العرب تقول إن الوحش دواب الجن يركبونهن، فلا يجوز صيدهن، فلذلك سأله عرفطة، فقال رسول الله ﷺ ما قال.

стр. 156

الاختصار تحزنا على المصائب وأما قوله: (ونهى عن الإختصار يتحازنون على مصائبهم) . وروى في الخبر: أن إبليس نزل من السماء بهذه الصفة مدحورا مطرودا. والإختصار أن يأخذ بيده على خصره من الجانبين. التثاؤب في الصلاة وأما قوله: (ونهى عن التثاؤب في الصلاة، وقال: ليمسك بيده على فيه؛ فإن الشيطان يضحك منه) . التثاؤب أصله. من قلة المبالاة ألقى إلى إبليس.. ألا ترى أنه قال: (يضحك في جوفه) ؛ فالضحك من ذهاب البال. حدثنا هارون بن حاتم الكوفي، حدثنا ابن إدريس، عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تثاءب أحدكم في صلاته فليقل: سبحان الله) فإنما أمر بالتسبيح من بين

стр. 157

الكلام، ولم يؤمر بالتهليل ولا بالتكبير ولا بالتحميد؛ لأن مبتدأ هذه الكلمة وهو السين من قوله: (سبحان الله) فإذا نطقت بها، وضممت شفتيك انقمع وذهب سلطانه لذكر الله. وإذا هللت أو كبرت أو حمدت، فمبتدأ كلمته مفتوح، وهو الألف واللام، فإذا نطق بها مع الفتح وجد العدو سبيلا إلى الدخول. الحلف بالآباء والكعبة والحياة وأما قوله: (ونهى أن يقول الرجل: لا وأبيك، أو يقول: لا والكعبة، لا وحياتك وحياة فلان) . فهذا حالف بغير الله، فمن حلف بالله فإنما يريد بذلك الشيء أن يثبته باسم الله، وإذا حلف بغير الله فقد ضاده؛ لأن هذه الأشياء كلها زائلة والله دائم لا يزول، وإنما يؤكد إثبات الأشياء بالدائم الذي لا يزول، فكذا وصفه بين العباد. فإذا أردت أن تؤكده بشيء هو زائل فإن، فكأنك تريد أن تثبت له ديمومته.

стр. 158

قول: لا نزال بخير ما بقيت ! وأما قوله: (ونهى أن يقول الرجل لا نزال بخير ما بقيت) . فإنه قد نسب الخير إليه، والخير والنعمة لولي النعمة، فبقاؤه لا يجدي نفعا. وقد نسب الخير إلى غير مستحقه فهذا كفران. وإذا اعترف أن الخير كله بيد الله ثم يقول لعبده لا تزال بخير ما بقيت، فهذا حكم منه على الله فما يدريه أن يكون كذلك. قول ما شاء الله وشئت ! وأما قوله: (ونهى أن يقول: ما شاء الله وشئت) . فهذا شرك في المشيئة، فهي لفظة سيئةن وقول شينع؛ لأن المشيئة لله، وبمشيئته شاء العبد، قال الله تعالى: (وَما تَشاءُونَ إِلاَّ أَن يَشاءَ الله. فلا يجمع بين المشيئتين؛ لأن مشيئة العبد إنما تقوم بمشيئة الله تعالى، فإذا نطقه بالواو، فقد جمع بينهما وسوى، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت، كما نطق به الكتاب، وكما هو في الأصل؛ فإنه لا يقدر أحد أن يشاء شيئا حتى يشاء الله ذلك، فعند ذلك يشاء العبد.

стр. 159

الحلف بغير الله وأما قوله: (ونهى أن يحلف بغير الله) . فقد وصفنا بدءا فمن لم يرض بالله فليس من الله، فإنما يؤكد الحادث من الأفعال والأخبار باسمبه، فمن لم يرض بذلك، فلنفاق فيه، والمنافق ليس من الله. وذلك فعل من خلا قلبه من عظمة الله، ولا يجد تعظيم اسمه على قلبه. فهذا الأصل، فلما ساءت رعة الخلق، وأدبر الزمان بهم إلى ظهور الجهل والمنكر، فإذا عرض عليه اليمين بالله اجترأ، فإذا عرض عليه اليمين بالطلاق امتنع. فامتناعه لما يعلم أنه يقع في الحرام من تقية الإسلام في صدره، وإذا اجترأ على اليمين بالله، فإنما يفعله لجهله بالله وقلة خوفه منه وحيائه. فإذا اضطر الإنسان لشيء من هذا، وهو يعلم أن صاحبه بهذه الصفة، فحلفه بالطلاق والعتاق ونحوه لم أر به بأسا.

стр. 160

الحلف بسورة من كتاب الله وأما قوله: (ونهى أن يحلف بسورة من كتاب الله ، فقال: من حلف بشيء من كتاب الله تعالى، فعليه بكلامه يمين، فمن شاء بر، ومن شاء فجر) . فكتاب الله كلام الله، فالحلف بكلامه كالحلف بفعل من أفعاله، فإن حلف على التبري منه فهو يمين سوء. وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من حلف بملة سوى الإسلام، أو قال: إنه برىء من الإسلام، فإن كان صادقا فلن يرجع إلا الإسلام سالما، وإن كان كاذبا فهو كما قال) . فهذا معناه إذا حلف على شيء ماض فقال: إن كنت فعلت كذا فأنا برىء من الإسلام، وقد فعلها، فقد كفر عقد يمين. فإن كان صادقا فقد أساء القول بالتبري من الإسلام، وكيف لا يكون مسيئا، وإنما أعطى الإسلام من المنة، وهو على أعظم خطر؛ لأنه لا يدري ما يكون في العاقبة، فيجترىء أن

стр. 161

يلفظ بمثل هذه اللفظة مستخفا بهذا الخطر، ولا يخاف أن يسلبه الله بكفرانه واستخفافه. وأما إذا حلف به على شيء لم يكن، فهو يريد أن يؤكد ذلك الشيء بهذه اللفظة، فقد أساء في قوله، ولكنه إن حنث في ذلك لزمته كفارة يمين. سوم الرجل على سوم أخيه، وخطبته على خطبة أخيه وأما قوله: (ونهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه، وأن يخطب على خطبة أخيه) . فمن أجل أن في هذا إفسادا، وهو داعية إلى الشحناء، فمنع القوم من ذلك. حدثنا أبي، عن مطرف، عن مالك بن أنس: أنه لا يسوم على سومه ما لم يرد، فإذا رد فله أن يدخل في سومه، فكذلك الخطبة إذا رد مرة فله أن يدخل في خطبته. ولقد كان رجل مادام يسوم ويماكس لا يسع أحدا

стр. 162

الدخول فيه لكثرة الضرر في ذلك، ولا يسد على الرجل بيع شيء يريده لمكان هذا السائم، ثم لا يزال يتردد ويماكس والراغبون في ذلك بمعزل عنه ينتظرون رفضه، فهذا ضرر. مجامعة المرأة في حضور أحد وأما قوله: (ونهى أن يجامع الرجل المرأة وعنده أحد حتى الصبي في المهد) . فهذا تأديب؛ لأنه إذا سمع الوجس غيره رجلا أو امرأة افتتن به. وأما ذكر الصبي في المهد، فهذا تشديد وحسم للباب حتى لا يطمع أحد في الكبير، فأما الصغير فلا يعلم به بأسا وكذلك صغير لم يعقل، وقد ذكر الله في تنزيله فقال: (أَو الطِفلِ الَّذَينَ لَم يَظهَرَوا عَلَى عَوراتِ النِّساءِ) فإذا كان طفلا بهذه الصفة أجنبيا جاز له أن ينظر إلى المرأة الأجنبية، وإن كان رضيعا في المهد فهذا أحرى أن لا يكون به بأس في حال الجماع؛ وإنما حظر هذا الفعل من أجل الإفتتان. حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم، حدثنا عباد بن العوام، عن أبي شيبة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁: أنه كان ينام بين جاريتين. قال: وروى عن الحسن: أنه كره ذلك لاستماع الوجس.

стр. 163

حد الشفرة والشاة تنظر وأما قوله: (ونهى أنتحد الشفرة والشاة تنظر) . فهذا لأنها تفزع، ويهولها ذلك؛ لأنها تعلم. فهذا لقلة الرحمة، ومن لا يرحم لا يُرحم. وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتهم فأحسنوا القتلة) . حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: (أمر رسول الله صلى الله عليبه وسلم بحد الشفار، وأن تواري عن البهائم) . فهذا من الإحسان، وإنه يحب المحسنين. محو اسم الله تعالى بالبزاق وأما قوله: (ونهى أن يمحو اسم الله تعالى بالبزاق) لأن البزاق من شأنه أن يتفل، فالتفل على الشيطان. فهو وإن كان

стр. 164

طاهرا، فهو مهجور مرمى بهن فلا يحسن ان يلقى على إسم الله تعالى.. ألا ترى أن الشيء إذا استحقر واستهين به بزق عليه صاحبه، وكذلك إذا خسىء يتفل عليه؟ فهذا المحو لإسم الله تعالى بالبزاق تشبيه بالتفل؛ فهو قبيح. قعود الرجل في المسجد وهو جنب وأما قوله: (ونهى أن يقعد الرجل في المسجد وهو جنب) . فهذا لتعظيم حرمة المسجد؛ لأنه إنما بنى للذكر، وقال الله تعالى: (وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عابِري سَبيلٍ) وإنما رخص للمجتاز الذي يعبره لأن القاعد متوطن. اتخاذ المسجد طريقا وأما قوله: (ونهى أن يمر في المسجد يتخذه طريقا حتى يصلى فيه ركعتين) . فهذا تأديب.. كره أن يسوي المسجد يتخذه طريقا حتى يصلى فيه ركعتين (. فهذا تأديب.. كره أن يسوي المسجد بسائر البقاع عند الناس، فإذا مر فيه مجتازا فلا بأس به عندنا والله أعلم؛ لأنه قد ذكر في تنزيله مع الجنابة

стр. 165

لعابري سبيل، فإذا كان بغير جنابة فهو أحرى أن يوسع له. ولكن هذا إذا اتخذه طريقا لنفسه فلا يزال فيه كالذي يصير الشيء وطنا يدوم عليه، فهو غير محبوب حتى يصلي ركعتين، فيكون ممزوجا فعلها بفعل المرور إذا صيره طريقا، فقد أخرجه من حد المسجد، فهو عنده مسجد صلاته في مروره مرتفق ورخصة؛ لأنه إنما بنى للصلاة، فمادام له فيه صلاة فهو مقيم لحرمة ما بنى له، فإذا أعده طريقا ورفض الصلاة فيه فقد أخرجه مما بنى له، فهو منهى عنه. ندب الميت وأما قوله: (ونهى أن يندب الميت) . فالندبة داعية إلى الفتنة والجزع، لأن المرائي والكلام يعمل في النفوس، فيهيج الرفأة حتى يرق الفؤاد فيجزع. وربما كان في الندبة افتخار ومديح لا يستحقه الميت وهو لا يدري مقدمه على الله، فهو على غرور يتكلم.. ألا ترى إلى حديث أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ وقف على قبر شاب قتل شهيدا، فقال قائل: هنيئا لك.

стр. 166

فقال رسول الله ﷺ : (وما يدريك؟ فعله كان يبخل بما لا ينقصه، ويتكلم فيما لا يعنيه) . فالندبة تزكية، وقد زجر الله عن التزكية للنفوس؛ والبراءة لها، والشهادة لها. نعي الميت في القبائل وأما قوله: (ونهى أن يقال: مات فلان فاشهدوه، وأن ينعى في القبائل) . فهذا من أجل أن هذا فعل أهل الجاهلية، كانوا يتكاثرون، ويتفاخرون بالجمع، ويتزينون بذلك، وهو رياء وسمعة. التعري بالليل والنهار وأما قوله: (ونهى عن التعري بالليل والنهار) . فمعناه أن يكون هذا التعري بارزا. فأما في بيت مستور يغتسل فيه، فإن كان في إزار فهو أفضل، فإن لم يكن فهو في سعة غير آثم، ولكنه ترك الأفضل. فإذا تعرى بارزا لم يأمن أن يفجأه بعض من لا يحل له النظر فيراه عريانا، وقد أمر الله تعالى بحفظ الفروج، وقال: (قُل لِلمُؤمِنينَ يَغُضُّوا مِن

стр. 167

أَبصارِهِم وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم (، أي لا يتعروا فقد أمر بالستر، وغض البصر عمن لا يستر. حدثنا أبي ﵀، حدثنا مكي بن إبراهيم، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن بزيغ البصري، حدثنا يزيد بن زريع، عن بهز، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال:) احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك (قلت: فإن كان أحدنا خاليا؟ قال:) فالله أحق أن يستحى منه (. قيام الرجل بالليل والنهار منتصبا عريانا وأما قوله:) ونهى أن يمشي الرجل بالليل والنهار منتصبا عريانا (. فقد ذكرنا شأنه وأن هذا من فعل الجاهلية. وكانوا لا يبالون من التعري لما قد سلبوا من الحياء. وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال:) الحياء من

стр. 168

الإيمان (. وروى عنه أنه قال:) قلة الحياء كفر (. حدثنا بذلك الجارود، حدثنا سليمان بن عمرو النخعي، حدثنا يزيد بن أبي حبيب المصري، عن مرثد بن عبد الله، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :) قلة الحياء كفر (. قال أبو عبد الله ﵀: الإنتصاب عريانا هو من قلة المبالاة وقلة الحياء. قال: وأيضا خلة أخرى أن يخاف عليه من الجن أن ترميه ببلية. وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال:) من اغتسل في براز من الأرض بالليل، فليخط حوله دائرة ليغتسل فيها (. حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب بذلك. فهذا إذا لم يجد ما يستتر به، واحتاج إلى غسل فعل مثل ذلك، حتى لا يجد العدو وأعوانه سبيلا إليه. والتعري الذي ذكر في الحديث أن يتخلى عن جميع ثيابه بلا حاجة ولا ضرورة، فأما المستنجي والمغتسل فلا يجد بدا من كشف عورته. وقد أبان رسول الله ﷺ ذلك.

стр. 169

حدثنا بشر بن خالد العسكري، حدثنا مسلمة بن هشام بن عبد الملك، عن الأعمش عن زيد العمى، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (سِترُ بينَ أعين الجن وبين عورات بني آدم إذا وضع أحدهم ثوبه أن يقولك بسم الله) . وروى عن موسى بن عمران ﵇: أنه كان إذا أراد أن يغتسل دخل الماء مع ثوبه، ثم يرفعه قليلا قليلا حتى يغيب حتى يغيب جسده في الماء، فحينئذ يضع ثوبه. وحدثنا الجارود، حدثنا الفضل بن موسى، عن عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن زيد العمى، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ لا يرفع ثوبه عند الحاجة حتى يدنو من الأرض. مباشرة الرجل امرأته وهي حائض بدون ثوب وأما قوله: (ونهى أن يباشر الرجل امرأته وهي حائض إلا وبينهما ثوب) .

стр. 170

فهذا حسم على الناس كي لا تجد النفس ذريعة إلى الوقاع بها؛ فإنه إذا باشرها في وقت الحيض خيف عليه الفتنة حتى يتعدى إلى الوقاع. والأصل أنه يحل له منها كل شيء إلا الجماع، وأما فيما دون الفرج فهو مباح له في وقت الحيض، ولكن الرسول ﵇ أدب المؤمنين، وحسم عليهم الأبواب الداعية إلى الفتنى. حدثنا الجارود، عن وكيع، عن عبيد بن عبد الرحمن، عن مروان الأصفر، قال: سمعت مسروقا قال: قلت لعائشة ﵂: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: كل شيء إلا الفرج. بيات الرجل على سطح دون أن يحبس قدميه شيء وأما قوله: (ونهى أن يبيت الرجل على سطح وليس يحبس قدميه شيء دونه) . فهذا لأنه يخاف أن يتردى عن السطح في نومه إذا انقلب. فإذا كان في الستر بقدر ما يمسك رجليه فلا بأس، وذلك أدنى الستر.

стр. 171

الحجامة يوم الأربعاء ويوم السبت وأما قوله: (ونهى عن الحجامة يوم الأربعاء ويوم السبت وقال: من فعل ذلك فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه) . فالسبت هو يوم قد أسبت الله الخلق فيه، وذلك أنه ابتدأ في خلقه يوم الأحد، فخلق الأرض في يومين، والسماء في يومين، وقدر في هذه الأيام أقواتها، فذلك أربعة أيام، فأمسك يوم الأربعاء عن جرى الأشياء، وخلق الجنة والنار يوم الخميس، ثم خلق آدم يوم الجمعة، وهو آخر خلقه، لأن هذه الأشياء كلها خلقت له، ومن أجله، ومن أجل ذريته، فختم الخلق به. ثم لحظ إلىالخلق لحظة يوم السبت يعرفهم نفسه، ويلهمهم ربوبيته، وأقبل على الكلام، فأثنى على نفسه، ومجد نفسه، وخاطب خلقه. وذلك في الأخبار مروي. فأطرق له كل شيء وأنصت له كل شيء، وأقروا بالملك، وذلوا وانقادوان فاسبتوا من كلامه، فسمى يوم السبت، وبالأعجمية شه مشتق من الحيرة والإسبات، وهو الخدر وسنة النعاس، والسنة ريح النوم، فصار الخلق كالموقوذ من أثقال الكلام، ومنه قوله : (وجَعلنا نومَكُم سُباتا) فإذا أسبت فهو ثقيل يحذر، فهذا في كل سبت

стр. 172

موجود. فإذا احتجم الرجل يومئذ فإنما يحتجم في وقت ركود الدم وإسباته فيعود برصا. وأما يوم الأربعاء فهو يوم قدر الله الأقوات فيه، والدم قوت النفس وغذاؤها، فلا يخرج في وقت تقدير الأقوات فيعود برضا وفرحا. وفي غير هذا الحديث كراهية الحجامة يوم الثلاثاء. حدثنا ابي، عن موسى بن إسماعيل، عن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه: أن أبا بكرة كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويقول: إن رسول الله ﷺ قال: (فيها ساعة لا يرقأ فيها دم) . حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أسيد الكلابي، حدثنا زاجر بن الصلت، عن عبد الله بن حفص، عن عبد الله بن القاسم، عن أبيه: أن أبا بكرة كان ينهى عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويقول: هو اليوم الذي أنزل فيه الحديد؛ فلا يستعمل الحديد في اليوم الذي أنزل فيه، وهو يوم الدم؛ فلا يهيج الدم في يوم مهتاجه. فإذا كان يوم اهتياجه مخافة أن لا يرقأ، فكذلك لا يهيج في يوم إسباته مخافة أن يجمد وينعقد فيصير برصا. الكلام أو العبث يوم الجمعة والإمام يخطب وأما قوله:) ونهى عن الكلام يوم الجمعة والإمام يخطب، وعن اللعب بالحصى، والإيماء، وعن إشارة بيده أو برأسه والإمام يخطب

стр. 173

وقال: (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له) . قال أبو عبد الله ﵀: إنما قصرت عن أربع فجعلت ركعتين من اجل الخطبة؛ لما علم الله أن بالناس حاجة إلى الموعظة والتذكرة، فأمر قائدهم أن يقوم في كل أسبوع مرة، يجمعهم لصلاتهم، ويذكرهم بأيام الله ويعظهم؛ فاشتملت هذه الجمعة على أمر عظيم من الثواب الجزيل والفضل. فمن ذهب يتكلم في ذلك الوقت فقد شغل قلبه عن الموعظة. وكذلك الإيماء والإشارة فيه مشغلة عن الموعظة وإن قل ودق شأنه، فهو لاغ. وقوله: (لا جمعة له) ، أي يذهب فضل جمعته وجزيل ثوابه، لا أنها تبطل ويؤمر بالإعادة، بل صلاته جائزة، ولكنها منقوصة، وقد ذهب حظه من فضل الجمعة؛ فقد بقيت صلاته مقصورة إلى ركعتين وفاته فضل جمعته.

стр. 174

الخضاب بالسواد وأما قوله: (ونهى عن الخضاب بالسواد) . فهذا من أجل أنه غرر، فإن أراد أن يتزوج ولم يبيحه كان غررا ومن أجل أن الشيب وقار أكرم الله به إبراهيم ﵇ ومن تبعه على ملته، فإذا شاب وغيره بالسواد فكأنه رفض تلك الكرامة وزينتها وحرم وقاره؛ لأنه يريد أن يتشبه بالحالة الأولى. وهذا تأديب واختيار من النبي ﷺ للأمة. ومن فعله لم يقع في النهي المأثوم، وقد كان الحسن والحسين ﵄ يخضبان بالسواد، وقد فعله كثير من الصحابة، غلا أن الخضاب على الغالب الحمرة والصفرة، فقد زجر عن ذلك في وقته. حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن أبي رباح، عن مجاهد، قال: أول من خضب بالسواد فرعون. فهذا فعل الجبارين الذين يأنفون من الشيب، ويكرهون أن يكونوا في زي الضعفاء المشيخة. فأما عبد تذلل لله عبادة وعبودية، فإن خضب بالسواد ليتزين به عند أهله أو ليهيب العدو إذا خرج غازيا، فإن الشاب أنكى في العدو

стр. 175

من الشيخ وأهيب له، لم تلحقه سنن الفراعنة، وهو على كل مراده أمر جميل. حدثنا قتيبة، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : (غيروا الشيب، ولا تقربوه السواد، ولا تشبهوا باليهود) . حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: جيء بأبي قحافة يوم فتح مكة ولحيته كالثغامة بياضا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمك (غيروا هذا الشيبن وجنبوه السواد) . قال أبو عبد الله ﵀: فالشيب وقار، وإنما قصد رسول الله ﷺ لتغييره مخالفة أهل الكتاب. حدثنا حميد بن الربيع اللخمي ويعقوب بن شيبة قالا: حدثنا محمد بن كناسة، عن هشام بن عروة، عن أخيه عثمان بن عزوة، عن الزبير بن العوام، قال: قال رسول الله ﷺ : (إنَّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) .

стр. 176

حدثنا علي بن حجر، عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (غيروا اللحى ولا تشبهوا بالأعاجم) . وحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق العبدي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا الأجلح، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود الديلين عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : (إنَّ أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم) . وحدثنا علي بن حجر السعدي ويحيى بن أحمد الطائي، قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، حدثنا سالم بن عبد الله الكلاعي، عن أبي عبد الله القرشي، عن عبد الله ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الصفرة خضاب المؤمن، والحمرة خضاب المسلم، والسواد خضاب الكافر) . وحدثنا محمد بن يحيى القصري، حدثنا أبو حمص العبدي، عن محمد ابن إبراهيم بن عكاشة السدي، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ :) عليكم بالحناء؛ فإنه خضاب الإسلام، يزيد في

стр. 177

العقل، ويجلي البصر، ويذهب بالصداع، ويزيد في الجماع، ويزين المؤمن. وعليكم بالصفرة؛ فإنها خضاب الإيمان (. حدثنا أبي ﵀، حدثنا جندل بن والق، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقى، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ :) يكون قوم في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد لا ينظر الله إليهم يوم القيامة (. قال أبو عبد الله ﵀: فهذا فعل أهل العتو والجبرية في آخر الزمان، وكذلك كان من قبل فعل الفراعنة. فإن المرء إذا شاخ راح، وإذا راح استحقره السفهاء، واستوقره العقلاء، وكان أهل العتو يأنفون من ذلك، ويغيرونه بالسواد، يخفون على الناظرين إليهم أحوالهم. فهذه مثلة يريد أن يعود في هيئة الشاب، وقد قال الله تعالى في تنزيله

стр. 178

فيما يحكي عن قول العدو: (وَلآَمُرَنَهُم فَلَيُغَيِرُنَّ خَلقَ الله) . وقال الله تعالى: (لاَ تَبديلَ لِخَلقِ الله) . فإذا أَذهب المغير وقاره بسواد، فهو كأنه يريد أن يعود كما كان، لحبه للشباب، وحرصه على العمر. فإنه يكره الشيب؛ لأنه علامة لإقباله على الموت ... ألا ترى أن أول من خضب بالسواد فرعون، فهو السابق على العتو. إلا ان المجوس يحفون لحاهم، ويعفون شواربهم، يريدون بذلك التعلم والتجلد للسنين، فقال ﷺ : (خالفوا المجوس؛ جزوا الشوارب، وأوفروا اللحى) . وقال رسول الله ﷺ : (إن أهل الشرك يعفون شواربهم ويحفون لحاهم، فخالفوهم فأعفوا اللحى وحفوا الشوارب) . ففي مذهب كسرى التجلد والتجبر والعتو، وأن يكون في هيئة الغلمان والشبان. وفي مذهب محمد صلى الله عليهوسلم التواضع، والعبودية لله، والتطهير، وزينة الرجال في اللحى (وتطهرهم في قص الشارب لئلا يبقى فيه وضر الطعام) . قال أبو عبد الله ﵀: فأما منيرخص في خضاب السواد من السلف فلمعنى غير هذا.

стр. 179

حدثنا محمد بن مرزوق البصرين حدثنا علي بن عيسى، حدثنا الصديق بن عمر، حدثني رفاع السدوسي، حدثنا ابن صهيب، حدثه عن أبيه صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ : (اختضبوا بالسواد؛ فإنه أنس للزوجة، ومكيدة للعدو) . وحدثنا على بن حجر، حدثنا شعيب بن إسحاق الدمشقي، قال: سمعت أبا لاحق يحدث عن عبد الله بن معاوية، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: (اختضبوا بالسواد؛ فإنه أنس للنساء، وهيبة للعدو) . حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعد بن عبد الرحمن، عن السايب بن سبيع، بعثه عمر بن الخطاب ﵁ وهو أبيض الرأس واللحية، فرجع وهو أسود الرأس واللحية يتراءى ويتمارى في معرفته. وحدثنا عبد الجبار، حدثنا الحسن بن حبيب بن ندية، عن عبد الصمد ابن حبيب، عن أبيه، عن الحكم بن عمرو الغفاري، قال: دخلت أنا وأخي رافع على عمر بن الخطاب رضي لاله عنه وأنا مخضوب بالحناء وأخي بالصفرة، فقال: أما خطابك فخضاب الإسلام، وأما خضاب أخيك فخضاب الإيمان ... وسئل عن السواد، فكرهه. قال أبو عبد الله ﵀: فقد جاء عن رسول الله ﷺ بأنه: (آنس للزوجة، ومكيدة للعدو) ، وكذلك قول عمر ﵁ من بعده

стр. 180

على الوجهين جميعا. فللنساء على أزواجهن حقوق، منها حق التزين لهن وقال ابن عباس ﵁: إني لأحب أن أتزين لأمرأتي كما أحب أن تتزين لي. فمن التزين أن يخفي شيبه، ويخضبه بسواد، فإن كان لهذا يفعله فهو خارج من النهي عندنا.. ألا ترى أن محمد بن الحنفية ﵀ لما خرج إلى الناس في حمراء أنكروا عليه، فقال: هذا ألقته علىّ أهلي، وإنهن يحببن منا ما نحب منهن ... حدثنا بذلك فضالة بن فضل، والجارود به معاذ، قالا: حدثنا يزيغ الحنظلي، عن أبي وهب، عن الضحاك، عن محمد بن الحنفية. ألا ترى أن عثمان ﵁ لما دخل بامرأته، فرأت به منالشيب، ففطن لها عثمان ﵁، فقال لها: إنما وراء الشيب ما تحبين. فللنساء في هذا تمييز ونظر وميل إلى الأشب فالأشب؛ لأن نهمتها في الرجال؛ لأنها خلقت من الرجل. وكذلك الحسن بن علي ﵁ اختضب بالسواد؛ لأنه في الخبر أنه تزوج ثلثمائة. وإنما قال: (الحمرة خضاب الإسلام، والصفرة خضاب الإيمان) ؛ لأن الإسلام في الحياة، والإيمان عند الموت؛ لأنه إذا قرب الموت زالت عنه أعمال الشريعة، والإسلام ما ظهر، والإيمان ما بطن. حتى يقدم إلى ربه وقد غير شيبه، لئلا يشبه أهل الكتاب ... ألا ترى إلى قوله عليه
следующие страницы →