← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 25950

المنهيات

الحكيم الترمذي

Полный текст (233 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حدثنا علي بن حجر، عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (غيروا اللحى ولا تشبهوا بالأعاجم) . وحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق العبدي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا الأجلح، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود الديلين عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : (إنَّ أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم) . وحدثنا علي بن حجر السعدي ويحيى بن أحمد الطائي، قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، حدثنا سالم بن عبد الله الكلاعي، عن أبي عبد الله القرشي، عن عبد الله ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الصفرة خضاب المؤمن، والحمرة خضاب المسلم، والسواد خضاب الكافر) . وحدثنا محمد بن يحيى القصري، حدثنا أبو حمص العبدي، عن محمد ابن إبراهيم بن عكاشة السدي، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ :) عليكم بالحناء؛ فإنه خضاب الإسلام، يزيد في

стр. 177

العقل، ويجلي البصر، ويذهب بالصداع، ويزيد في الجماع، ويزين المؤمن. وعليكم بالصفرة؛ فإنها خضاب الإيمان (. حدثنا أبي ﵀، حدثنا جندل بن والق، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقى، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ :) يكون قوم في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد لا ينظر الله إليهم يوم القيامة (. قال أبو عبد الله ﵀: فهذا فعل أهل العتو والجبرية في آخر الزمان، وكذلك كان من قبل فعل الفراعنة. فإن المرء إذا شاخ راح، وإذا راح استحقره السفهاء، واستوقره العقلاء، وكان أهل العتو يأنفون من ذلك، ويغيرونه بالسواد، يخفون على الناظرين إليهم أحوالهم. فهذه مثلة يريد أن يعود في هيئة الشاب، وقد قال الله تعالى في تنزيله

стр. 178

فيما يحكي عن قول العدو: (وَلآَمُرَنَهُم فَلَيُغَيِرُنَّ خَلقَ الله) . وقال الله تعالى: (لاَ تَبديلَ لِخَلقِ الله) . فإذا أَذهب المغير وقاره بسواد، فهو كأنه يريد أن يعود كما كان، لحبه للشباب، وحرصه على العمر. فإنه يكره الشيب؛ لأنه علامة لإقباله على الموت ... ألا ترى أن أول من خضب بالسواد فرعون، فهو السابق على العتو. إلا ان المجوس يحفون لحاهم، ويعفون شواربهم، يريدون بذلك التعلم والتجلد للسنين، فقال ﷺ : (خالفوا المجوس؛ جزوا الشوارب، وأوفروا اللحى) . وقال رسول الله ﷺ : (إن أهل الشرك يعفون شواربهم ويحفون لحاهم، فخالفوهم فأعفوا اللحى وحفوا الشوارب) . ففي مذهب كسرى التجلد والتجبر والعتو، وأن يكون في هيئة الغلمان والشبان. وفي مذهب محمد صلى الله عليهوسلم التواضع، والعبودية لله، والتطهير، وزينة الرجال في اللحى (وتطهرهم في قص الشارب لئلا يبقى فيه وضر الطعام) . قال أبو عبد الله ﵀: فأما منيرخص في خضاب السواد من السلف فلمعنى غير هذا.

стр. 179

حدثنا محمد بن مرزوق البصرين حدثنا علي بن عيسى، حدثنا الصديق بن عمر، حدثني رفاع السدوسي، حدثنا ابن صهيب، حدثه عن أبيه صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ : (اختضبوا بالسواد؛ فإنه أنس للزوجة، ومكيدة للعدو) . وحدثنا على بن حجر، حدثنا شعيب بن إسحاق الدمشقي، قال: سمعت أبا لاحق يحدث عن عبد الله بن معاوية، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: (اختضبوا بالسواد؛ فإنه أنس للنساء، وهيبة للعدو) . حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعد بن عبد الرحمن، عن السايب بن سبيع، بعثه عمر بن الخطاب ﵁ وهو أبيض الرأس واللحية، فرجع وهو أسود الرأس واللحية يتراءى ويتمارى في معرفته. وحدثنا عبد الجبار، حدثنا الحسن بن حبيب بن ندية، عن عبد الصمد ابن حبيب، عن أبيه، عن الحكم بن عمرو الغفاري، قال: دخلت أنا وأخي رافع على عمر بن الخطاب رضي لاله عنه وأنا مخضوب بالحناء وأخي بالصفرة، فقال: أما خطابك فخضاب الإسلام، وأما خضاب أخيك فخضاب الإيمان ... وسئل عن السواد، فكرهه. قال أبو عبد الله ﵀: فقد جاء عن رسول الله ﷺ بأنه: (آنس للزوجة، ومكيدة للعدو) ، وكذلك قول عمر ﵁ من بعده

стр. 180

على الوجهين جميعا. فللنساء على أزواجهن حقوق، منها حق التزين لهن وقال ابن عباس ﵁: إني لأحب أن أتزين لأمرأتي كما أحب أن تتزين لي. فمن التزين أن يخفي شيبه، ويخضبه بسواد، فإن كان لهذا يفعله فهو خارج من النهي عندنا.. ألا ترى أن محمد بن الحنفية ﵀ لما خرج إلى الناس في حمراء أنكروا عليه، فقال: هذا ألقته علىّ أهلي، وإنهن يحببن منا ما نحب منهن ... حدثنا بذلك فضالة بن فضل، والجارود به معاذ، قالا: حدثنا يزيغ الحنظلي، عن أبي وهب، عن الضحاك، عن محمد بن الحنفية. ألا ترى أن عثمان ﵁ لما دخل بامرأته، فرأت به منالشيب، ففطن لها عثمان ﵁، فقال لها: إنما وراء الشيب ما تحبين. فللنساء في هذا تمييز ونظر وميل إلى الأشب فالأشب؛ لأن نهمتها في الرجال؛ لأنها خلقت من الرجل. وكذلك الحسن بن علي ﵁ اختضب بالسواد؛ لأنه في الخبر أنه تزوج ثلثمائة. وإنما قال: (الحمرة خضاب الإسلام، والصفرة خضاب الإيمان) ؛ لأن الإسلام في الحياة، والإيمان عند الموت؛ لأنه إذا قرب الموت زالت عنه أعمال الشريعة، والإسلام ما ظهر، والإيمان ما بطن. حتى يقدم إلى ربه وقد غير شيبه، لئلا يشبه أهل الكتاب ... ألا ترى إلى قوله عليه

стр. 181

السلام في دعائه على الجنازة: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) . الجرس وأما قوله: (ونهى عن الجرس) فالضرب به يشبه المعازف؛ لأنها تصوت وتتلون، وتلذذ السامعين، قال: وروى عن رسول الله ﷺ : (لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس) ومحاضر الشيطان عند ضرب الجرس.. ألا ترى أن الجن والشياطين يدعون بضرب الجرس، وبطنين الطست، وما أشبه ذلك. فالأصوات مقسمة على جميع الخلقن فكل له منه حظن وإن العدو سال ربه زيادة في حله ليكون له بذلك تبع يؤويهم إليه فأعطى على الإستدراج لأنه ينال

стр. 182

على المكر والخداع، فلما اعطى استعملها في هذه الأصوات من المعارف والمزامير والجرس والصيح والصفير، فمزج الذي عنده من ذلك بهذه الأصوات التي تحدث منها هذه الأشياء، فما كان من ذلك الجنس فهو حظ الشيطان، وتجتنبه الملائكة. تكنية الذمى وأما قوله: (ونهى أن يقال للذمي: يا أبا فلان) . فذاك من أجل أن الكنية كرامة وإجلال، فلا يحيا بها الذمي، ولا يوجب له ذلك، ولا يستحق الإجلالا، لأنه عدو الله. الخاتم المصنوع من الحديد أوالصفر أو الذهب وأما قوله: (ونهى أن يتختم الرجل والمرأة بخاتم من حديد، وعن خاتم الصفر، وخاتم الذهب) .

стр. 183

فالحديد حلية أهل النار، وأما خاتم الصفر فمن أجل الأصنام، وأما خاتم الذهب فمن أجل أن الذهب محرم على الذكور. حدثنا أبي، حدثنا جندل بن والق، حدثنا محمد بن الفضل بن عطية، عن عبد الله بن مسلم الباهلي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: دخل رجل من الأنصار على رسول الله ﷺ وعليه خاتم من حديد، فقال: (مالي أرى عليك حلية أهل النار؟ ن فنزعه فاتخذ خاتم من شبه. فقال) مالي مالي أجد منك ريح الأصنام؟ فقال: فماتأمرني يارسول الله؟ قال: (اتخذه فضة، ولا تتمه مثقالا) . فأما الخاتم من الذهبن فروى في حديث آخر: ان رسول الله ﷺ خرج وبيده ذهب وحرير، فقال: (هذان حرامان على ذكور أمتي، حل لإناثهم) حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي أفلح الهمداني، عن عبد الله زريز الغافقي: أنه سمع

стр. 184

علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله ﷺ يقول: (إنَّ هذين حرام على ذكور أمتي) . حدثنا محمد بن علي الشقيقي، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (هذان محرمان على ذكور أمتي حل لإناثهم) . أخبرنا يحيى بن أحمر، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يتختم بالذهب ولا يلبس القسى) . حدثنا سليمان بن أبي هلال الدهني، حدثنا أبو الأحوص، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن معاوية بن سويدن عن البراء بن عازب، قال: نهانا رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب (. قال أبو عبد الله ﵀: فإنما وقع هذا النهي على الرجال دون النساء؛

стр. 185

لأن المرأة تتزين لزوجها للعفة عن الحرام، وليس على الرجال من الزينة كل ذلك، إنما على الرجال التنظيف والتطهير والتطييب؛ لأن بغية النساء من الرجال الفراش، لأن المرأة خلقت من الرجل، فنهمتها في الرجال، والرجل يتخير ويبغي الزينة والحلية؛ لأن نهمته متشعبة في النساء وفي غيرها من سائر الشهوات (. وروى عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال:) خلق الرجل من طين، فنهمته في الطين، وخلقت المرأة من الرجل؛ فنهمتها في الرجال (. وقال الله تعالى جده:) أَوَ مَن يُنَشَأُ في الحِليَة (. فالحلية لهن دون الرجال. حدثنا على بن حجر، شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: أتيت رسول الله ﷺ بقناع من رطب وأجر زعب، فأعطاني ملء كفه حليا أو ذهبا. حدثني يعقوب بن شيبة، حدثني إسحاق بن عيسى الطباع، عن شريك بإسناده مثله غير أنه قال: أعطاني ملء كفه ذهبا وقال:) " تحلى به (. حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا عبد الله بن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: أهدى النجاشي إلى رسول الله ﷺ بحلى فيها خاتم من ذهب، فيه فصى حبشي، فأخذه رسول الله صلى الله عليهوسلم بعود أو ببعض أصابعه، وإنه ليعرض عنه، فدعا ابنته أمامة بنت أبي العاص، فقال:) تحلى بهذا يا بنية (.

стр. 186

حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، حدثني سرى بن عبد الله، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: أتى رسول الله ﷺ بقلادة، فقال: (لأعطينها أحبَّ أهلي إلىَ) ؛ فتغير ألوان نساء رسول الله ﷺ ، كل واحدة تقول يعطى صاحبتي، حتى إذا استبان في وجوههن وأمامة في ناحية البيت، فقال: " تعالى يا بنية " فعلقها في عنقها (. حدثنا موسى بن عبد الله السيقل، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أم محمد، عن عائشة، عن النبي ﷺ بمثله. قال أبو عبد الله ﵀: أما ما جاء من حديث البراء: نهانا رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب. ثم روى من فعله - فذاك له خاص. حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن مجعفر وابن مهدي، حدثنا شعبة، عن أبي السفر، قال: رأيت على البراء ﵁ خاتما من ذهب. حدثنا محمد بن شجاع المروزي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال: رأيت على البراء خاتما من ذهب. وحدثنا محمد بن مقبل، حدثنا عيسى بن خالد، عن شيخ من أهل جوزجان، قال: رايت على البراء خاتما من ذهب، فقلت: ما هذا؟ قال: رخص لي رسول الله ﷺ .

стр. 187

وحدثنا محمد بن معمر البصرى، حدثنا إبراهيم بن عبد الله الباجي، حدثنا أبو المغيرة الجوزجاني، عن البراء بن عازب، قال: أعطاني رسول الله ﷺ خاتما من ذهب، فقال: (تحل ما ألبسك الله ورسوله) . فهذا كشف عن أمر البراء أنه له خاص ومكرمة من الله.. ألا ترى أنه قال: (ما ألبسك الله) والذي قال: (نهانا) فإنما هي للعامة. وأما الذي يتخذ آنفا من ذهب أو سنا، فليس ذلك من اللباس ولا التحلي. حدثنا حميد بن علي مولى رسول الله ﷺ قال: (حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي، قال: أصيب أنفي، فأمرني رسول الله ﷺ أن اتخذ أنفا من ذهب) . حدثنا علي بن محمد بن مروان السدى، حدثني أبي، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: انكسر سن لعبد الله بن عبد الله بن أبى، فأمره رسول الله ﷺ أن يجعل مكانه سنا من ذهب. وحدثنا الجارود، حدثنا النضري، حدثنا أبو الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرقة بن عرفجة: أن جده عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم

стр. 188

الكلاب في الجاهلية فاتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأمره أن يتخذ أنفا من ذهب. قلت لأبي الأشهب: عبد الرحمن أدرك جده عرفجة؟ قال: نعم. نقش الحيوان في الخاتم وأما قوله: (ونهى أن ينقش الحيوان في الخواتيم) . لأنه إذا نقش يحول صورة، والمصور هو الله تعالى، وقد زجر رسول الله ﷺ عن التصاوير، وقال: (أشد الناس عذابا المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) . فإذا نقش في الخاتم حيوانا، ثم ختم به في طينة أو في شيء صارت صورة. وأما ما جاء من الأخبار في نفس من لبس من الصحابة والتابعين الخواتيم التي فيها هذه النقوش، فروى عن حذيفة: أنه لبس خاتما عليه نقش كركيين متقابلين، وفلان لبس خاتما فيه ذباب، وأشباه هذا - أحاديث كثيرة. سمعت

стр. 189

سفيان بن وكيع يقول: سمعت أبي يقول لما حدث بهذه الأحاديث: أن هذه خواتيم العجم، فلما فتحوا كور الأعاجم غنموها، فإنما لبسوها من أجل أنها غنيمة، ولم يعبئوا بذلك النقش. حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج، حدثنا عقبة بن خالد السكوني، عن أبي أمية بن يعلى الثقفي، عن أبي الزناد، قال: رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى خاتما من فضة عتيق، عليه أسدان متقابلان، بينهما رجل يلحسانه. قال أبو عبد الله ﵀: فهذا خاتم قد روى في الأخبار أنه خاتم دانيال ﵇، لما فتحت تستر غنموه وأميرهم أبو موسى فأصابه في الفىء، وذلك أن دانيال ﵇ لما ألقى في البئر، وفيه أسدان قد خرجا فجعلا يلحسانه - كي يكون نصب عينيه عطف الله عليه. فلما لبسه أبو موسى ﵁ لم يغيره عن حاله. وهذا كما فعل داود ﵇ أحب أن تكون الخطيئة نصب عينيه، فسأل ربه أن ينقشها في كفه، ففعل، فكان إذا رآهما اضطربت يده فوقع الإناء من يده.

стр. 190

نقش إسم الله تعالى على الخاتم وأما قوله: (ونهى أن ينقش إسم الله على الخاتم) . فهذا تأديب وحسم على الناس لكي يعظموا إسم الله تعالى؛ فإنه يلبس ذلك ويدخل في الخلاء ويستنجي. وهذا إنما نهى عن هذا الإسم خاصة فيما نعلم؛ لأن الله تعالى لا يشركه أحد فيه بنو آدم فيسموا بها، فإن نقش بها، على الخواتيم لم يكن داخلا في هذا النهي عندنا. وإنما خص إسم الله تعالى؛ لأن إسمه الذي هو إسمه من العظمة أن يجل هذا الإسم عن أن يدخل به المواضع الدنيئة. وأما ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه نقش خاتمه ثلاثة أسطر " محمد رسول الله الله ": محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، فلم يجئنا أنه كان يدخل به الخلاء. حدثنا أحمد بن مدرك الهروي، حدثنا عون بن جعفر، عن مسرف بن أبي معاذ، عن صالح بن مرداس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁: قال: لما ارتقى موسى ﵇ جبل طور سيناء رأى الجبار في

стр. 191

أصبعه خاتما، فقال: يا موسىن ما هذا؟ قال: يا رب حلى من حلى الرجال. قال: فهل عليه شيء من أسمائي أو كلامي؟ قال: لا يا رب: قال: فاكتب عليه لكل أجل كتاب. حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا شباب بن خليفة، حدثنا الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس: أن نقش خاتم رسول الله ﷺ ثلاثة أسطر: (محمد رسول الله) . حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن ثابت البناني، حدثني أبي، عن أنس، عن رسول الله ﷺ : أنه اتخذ خاتما من ورق نقشه " محمد رسول الله ". حدثنا يحيى بن أحمر الطائي، حدثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتما من فضة ونقش فيه " محمد رسول الله " وقال: " لا ينقش أحد على نقشه ". حدثنا محمد بن بشار العبدي، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا زمعة ابن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن يعلى بن أمية، قال: صنعت لرسول

стр. 192

صلى الله عليه وسلم خاتما لم يشركني فيه أحد، ونقشه؛ " محمد رسول الله ". حدثنا محمد بن ميمون المكي، حدثنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ذهب، ثم ألقاه، ثم اتخذ خاتما فضة، فجعل فصه من باطن كفه، ثم نقش عليه " محمد رسول الله " وقال: (لا ينقش أحد على نقش خاتميْ) .قال أبو عبد الله ﵀: معناه أنه إنما نقش ليختم به الكتب، وذلك أنه قيل له: إن الملوك لا يقرون الكتاب إذا لم يكن مختوما، فلذلك قال: لا ينقش على مثل نقشه؛ لاشتباه الأمر، ودخول الضرر. وكذلك خاتم الخلافة ممنوع أن نقشه على مثل نقشه لاشتباه الأمر. وأما قوله: (جعل فصه مما يلي بطن كفيه) فذلك عندنا بمعنى دخول الخلاء. حدثنا أبو الربيع الأيادي، حدثنا إسحاق بن نجيح الملطي، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: كان خاتم رسول الله ﷺ من فضة، وكان يجعله مما يلي راحته. حدثنا أبو الربيع الأيادي، حدثنا إسحاق بن نجيح الملطي، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: كان خاتم رسول الله ﷺ من فضة، وكان يجعله مما يلي راحته. حدثنا أبو الخطاب الحرشي، حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا عبد الله بن

стр. 193

ميمون القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يمينه. وحدثنا بشر بن القاسم النيسابوري، حدثنا ابن نمير، حدثنا إبراهيم بن الفضل، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن جعفر: أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يمينه. قال أبو عبد الله ﵀: فهذا لحال الإستنجاء، كأنه كره أن يستنجي والخاتم فيه ذلك النقش. حدثنا الجارودن حدثنا يحيى بن الضريس، عن عبد العزيز بن أبي رواد، قال: سالت عكرمة عن الرجل يدخل الخلاء وعليه خاتم فيه اسم الله؟ قال: يجعل فصه في كفه، ثم يقبض عليه، فيكون كالقرآن في صدره.

стр. 194

الصلاة بعد العصر وبعد الفجر وأما قوله: (ونهى عن الصلاة في ساعتين: بعد العصر، وبعد الفجر) . ففي النهار ثلاث ساعات الصلاة فيهن محرمة: وفي وقت طلوعها، ووقت زوالها، ووقت غروبها. فحسم على الناس باب الصلاة بعد العصر وبعد الفجر حتى لا يقعوا في الوقت المحرم، فالساعات محرمة فيها بعد الفجر وبعد العصر منهي عنها. حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا موسى بن علي بن رباح اللخمي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر موتانا: حتى تطلع الشمس بازغة، وحين يستوي الزوال، وحين تضيف للغروب حتى تغرب (.

стр. 195

صيام ستة أيام ؟ وأما قوله: (ونهى عن صيام ستة أيام: يوم الفطر، ويوم النحر، ويوم يشك فيه من رمضان، وثلاثة أيام بعد النحر) . فأما قوله: (يوم الفطر) فيكون فصلا بين الفريضة والتطوع. وأما " النحر " فلأكل القربان؛ لأنه طعمة الله، قال: (فَكُلوا مِنها وَأَطعِمُوا القانِعَ وَالمُعتَر) فبدأ بالأكل، ثم الإطعام. وكان رسول الله ﷺ يطعم يوم الفطر قبل أن يخرج، ولا يطعم يوم النحر حتى يرجع فيأكل من لحم الأضحية، كأنه أحب أن يكون على ريق الغذاء، فيرجع فيذبح

стр. 196

الأضحية فيأكل منها، فكان يأكل من كبدها؛ لأنه موضع الرحمن من كل ذي روح، فذاك كالتداوي والإستشفاء فيه. وأما " يوم الشك " فمن أجل أنه إذا صام فكأنه زاد في الفرض، وذاك إذا صام على انه من الفرض، وأما إذا صامه تطوعا فقد فعله رسول الله ﷺ فكان يصوم شعبان كله يصله إلى رمضان، كأنه يتأول في قول الله تعالى: (فِصِيامُ شَهرينِ مُتَتابِعَينِ تَوبَةً مِنَ الله) . وأما " أيام النحر " فهي أيام خروج الناس من الإحرام. وإذا حظر الله على العباد شيئا فانتهى وقت الحظر أحب أن يرجعوا إلى إطلاقه. ألا ترى أنه قال: (لا تَقتُلوا الصَيدَ وَأَنتُم حُرُم) ثم قال: (وإذا حَلَلتُم فاصطَادوا) وقال: (إذا نُودِيَ لِلصَلاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فاسعَوا إِلى ذِكرِ اللهِ وَذَروا البَيع) ثم قالك (فَإذا قُضِيَتِ الصَلاةُ فانتَشِروا في

стр. 197

الأَرضِ (فكان عبد الله من بشر إذا قضى الصلاة خرج ثم عاد إلى المسجد، فأحب أن يطلق ويراهم مطلقتين، كما رآهم في الحظر محظورا عليهم. فكانوا في الإحرام، فإذا فرغوا أحب الله الله تعالى أن يراهم محلين ... ألا ترى إلى قوله ﵇:) أيام التشريق أيام أكل وشرب وبعالْ (. وكان القوم في الإحرام ممنوعين من التبعل، فلما أطلقوا أحب الله لهم ذلك، فنهوا عن صيامه ليكونوا في هيئة المطلقين المحلين من إحرامهم، وليتقوى الذاكر على ذكره؛ فإنها أيام ذكر. واعتبر برجل له عبد، قيد عبده، ثم أطلقه، فثبت على مكانه كالملقى نفسه كسلا، فهذا مستثقل وخم، بعيد عن الكياسة، لا يفرح بإطلاقه، فكأنه لم يعبأ به.. ألا ترى إلى قوله:) إنّ أحبّ عبادي إلىّ أعجلهم فطرا (. فهذه مبادرة إلى رخصته، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. وكذلك نهى عن صيام الأضحى والفطر فيما نرى ليخرج من صومه

стр. 198

يوم الفطر، وليأكل من لحم أضحيته يوم النحر. حدثنا سعيد المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن أبي عبيد، قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁، فبدأ بالصلاة، ثم خطب فقال: إن رسول الله ﷺ نهىعن صيام هذين اليومين، أما يوم الفطر ففطركم من صيامكم، وأما يوم الأضحى فتأكلون من لحوم نسككم. فقد بين عمر ﵁ العلة فيه. سفر المرأة فوق ثلاث دون زوج أو ذي محرم وأما قوله: (ونهى أن تسافر المرأة فوق ثلاث إلا مع زوج أو ذي محرم) . فهذا توقيت ومقدار السفر الذي يقدر فيه لقصر الصلاة وانقطاع المسح على الخفين، كأنه رأى أن ما دون مسيرة ثلاث وإن كان يسمى سفرا فليس بذلك السفر الذي يوجب العذر. وإن غابت المرأة عن وطنها، فليست تلك

стр. 199

غيبة غربة؛ لأن في الغربة تضييعا لافتقاد الأحوال: أحوال الوطن.. ألا ترى إلى قول رسول الله ﷺ : (من مات غريبا مات شهيدا) ، فإنما صار هكذا لأنه افتقد أحوال التربية والنعمة والتغذية. وهذا كله نصيب النفس؛ فإنما تحب الحياة، فإذا افتقدت هذا كله فما تصنع بالحياة؟ فيجد القلب حينئذ الزهادة والخلاصة من شهوات النفس، فيقدر أن يحتسب بنفسه على الله، فكتب شهيدا، لأن الشهيد هو الذي احتسب نفسه على الله.. ألا ترى إلى قول رسول الله ﷺ : (الشهداء أمناء الله قتلوا أو ماتوا) . فإنما صار أمينا إذا تخلص العبد من إيثار النفس وأحب الموت وتمناه، فذلك قد سلم نفسه إلى الله، واحتسب بها عليه. ومن لم يخلص قلبه من أسر النفس، فنفسه متشبثة بحب الحياة الدنيا للشهوة الغالبة، فهو فار من الموت، فإذا مات لم يكن شهيدا، وليس هو من أمناء الله؛ لأن الأمين من إذا أعطى شيئا عاريةن فيسال الرد، رده بلا كره. والخائن من قد ولج في رده حتى يؤخذ منه بغير طيبة نفسه، قال الله - عزوجل - عندما قالت اليهود والنصارى: نحن أولياء الله: (قُل يا أَيُها الَّذَينَ هادوا إِن زَعَمتُم أَنَّكُم أَولياءَ لِله مِن دونِ النَّاسِ، فَتَمَنَّوا المَوتَ إِن كُنتُم صادِقينَ) ، ثم أعلم العباد الذي منعهم من ذلك فقال: (وَلاَ يَتَمَنونَهُ أَبداً بِمَا قَدَّمَت أَيديهِم) . فمن قدم سوءا، فهو

стр. 200

عبد آبق، فار من الله تعالى؛ فكيف يتمنى القدوم عليه؟ وكيف تطيب نفسه بالموت؟ وكيف يكتب شهيدا، والشهيد من يختار وجه الله ورزقه هناك عنده في محل القربة ليشهده، فيلزمه هذا الإسم؟ فأخبر أن الولي يتمنى الموت، وكذلك المقتول في سبيل الله سلم نفسه إلى الله بذلا فقلل الإسم، وكذلك المطعون أيس من الحياة، وكذلك النفساء أيست من الحياة فطابت نفسها بالموت فهي باذلة، وكذلك الغريق، وصاحب الحرق، وكذلك صاحب الهدم، والمبطون؛ فهؤلاء كلهم قد طيبوا أنفسهم بالموت، واحتسبوا على الله، وتركوا الخيانة في شأن الروح لما أيسوا من الحياة، فقبل الله ذلك منهم، وألحقهم بالشهداء. فهذا الغريب قد لحق بهم أيضا من أجل ما وصفنا أنه لما اقتقدت نفسه تلك الأشياء طلب الموت وسلس قيادة وتخلى عن تشبث النفس بها، فخرج من الخيانة، وصار من الشهداء، فكان رسول الله ﷺ صير توقيت الثلاث اغترابا، وما دون ذلك حكمه حكم الحضر، وإنما سمى حضرا لأنه تحضره النعمة والتربية، وسميت غربة لأنه أغرب نفسه وتباعد، وسمى سفرا لأنه أسفر عن النعمة إلى البراز.

стр. 201

إحراق شيء من الحيوان بالنار وأما قوله: (ونهى أن يحرق شيء من الحيوان بالنار) . فإنه ليس لأحد أن يعذب بعذاب الله. والنار مثلة، والمثلة تشبه بفعل الله؛ لأن الله تعالى يعذب بالنار إذا عاقب. وقد جاء حديث عن رسول الله ﷺ في شان الحية، حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن إدريس، عن شريح، عن عمرو بن دينار، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمنى فمرت حية، فقال ﷺ : " اقتلوها " فسبقتنا إلى جحر فدخلتهن فقال رسول الله ﷺ : (هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا) قال نعيم: حدثت به ابن أبي عتبة وابن إدريس حي، فجعل يتعجب، فلم يصبر حتى قام إليه وسمع منه. قال أبو عبد الله ﵀: وليس هذا الحرق، ولكنه لما فاتتهم وهي عدو لهم احتال في إيصال الهلاك إليها لما أحب أن يقيم العداوة التي نصبها

стр. 202

الله بينهم حيث قال: (اِِهبِطُوا بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُو) فإقامة عداوتك في شأن الحية وشأن إبليس مما يتقرب به إلى الله، فلما ابتدروا قتلها سبقتهم، فاحتال رسول الله ﷺ لقتلها كي يخفر ذمة إبليس، ويقيم العداوة التي نصبها الله بينهم، وينتصر إلىالحق، فإنها مالت إلى الباطل وإلى إبليس، فألقى النار على الصخرة كي تحمي فتموت غما فليس ذلك حرقا. وكانت الحية أقيمت في الجنة لخدمة آدم ﵇، وكانت ذات قوام ولها عرف كأحسن من بين نابيها، حتى دخل وكلمه منها، فلعنت ولعن إبليس، وسلبت قوائمهان وجعلت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وقال لها إبليس: أنت في ذمتي، فلا تخافي من الذي أصابك. فكان ابن عباس ﵁ يقول: اخفروا ذمة عدو الله. فلما لعنت تكلمت، فروى في الخبر أنه قال لها الرب تعالى: وتتكلمين أيضا، فشق لسانها حتى خرست. حدثنا الهاشمي، حدثنا عبد الرزاق، عن عمر بن عبد الرحمن، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: قال الله تعالى لآدم عليه السلم عندما أكل من الشجرة: ملعونة الأرض التي منها خلقت لعنة يتحول ثمارها شوكا. ولم يكن في الأرض ولا في الجنة شجرتان أفضل من الطلح والسدر، ثم قال: يا حواء، غررت عبدي؛ فإنك لا تحملين حملا إلا حملتيه كرها، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت مرارا. وقال للحية: أنت الذي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي؛ ملعونة أنت لعنة تتحول قوائمك في

стр. 203

بطنك، ولا يكون لك رزق إلا التراب؛ أنت عدو بني آدم، وهم أعداؤك، أين لقيت واحدا منهم أخذت بعقبه، وحيث لقيك شدخ رأسك. قال أبو عبد الله ﵀: فهذه عداوة أصلية متأكدة يتقرب بها إلى الله، وإنما أعطيت السم في نابها لمتنع به عن ولد آدم. ولتحذر فتقتل؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه نوسلم: (اقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في الصلاة) . حدثنا بذلك عبد الوهاب بن فليبح، حدثنا عبد العزيز عبد الصمد، حدثنا بذلك عبد الوهاب بن فليح، حدثنا عبد العزيز عبد الصمد، حدثنا هشام أبو المقدام، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ . وحدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا عبد الرحيم، بن زيد العمى، عن أبيه، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بمثله. وأبيح للمحرم قتلها. حدثنا قتيبة، عن ليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : (خمس يقتلن في الحرم: منها الحية) . وحدثنا يزيد بن عمرو بن يزيد البزاني عبد الله الفتوي، حدثنا

стр. 204

أحمد بن حرب الغساني، حدثتني ساكنة بنت الجعد، عن سري بن نبهان الغنوية، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقتلوا الحية: صغيرها وكبيرها، وأسودها وأبيضها؛ فإن من قتلها كانت له فداء من النار، ومن قتلته كان شهيدا) . قتل الجان أو ماقوله: (ونهى عن قتل الجان) . فذلك طائفة منالجن قد أنست بالمسلمين، ولهم مساكن في بيوتات المسلمين، وخلقتهن خلقة الحيات. فهم الجان، فإذا قتلوا أضروا بالقاتل: أولياءه وعشيرته. وروى لنا عن رسول الله ﷺ أنه زجر عن ذلك. حدثنا بذلك سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني صيفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بالمدينة نفرا من الجن أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بد له بعد ذلك فليقتله؛ فإنه شيطان) .

стр. 205

حدثنا الزبير بن بكار الزبيري، حدثنا سعيد بن سعيد المقبري، عن أخيه، عن جده أبي سعيد الخدري، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى أحد، فخرج معه فتى من بني خدرة هو حديث عهد بعرس، فاستأذن رسول الله صلى الله عليهوسلم أن يطالع أهله، فأذن له، فخرج الفتى وفي يده رمح حتى دخل الدار، فوجد زوجته بباب حجرته جالسة، فافزعه ذلك، فقال: ما أخرجك من بيتك؟ قالت: حية مطوية على فراشك، هي التي ذعرتني. فدخل الفتى فركزها برمحه ثم خرج بها في الرمح ترتكض فماتت، ومات الفتى من ساعته. فذكر ذلك لرسول الله صلىالله عليه وسلم فقال: (لا تقتلوا شيئا تجدوه في البيوت منهن حتى تقدموا) . وحدثنا محمد بن أيوب السختياني، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: (الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون) . قال: وزاد فيه غيره عن أبي أسامة، عن أبي المنيب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ :) خلق

стр. 206

الله الجن ثلاثة أثلاث: فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض، وثلث ريح هفافة، وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب. وخلق الله الإنسان ثلاث أثلاث: فثلث لهم قلوب لا يعقلو بها، ولم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها؛ إن هم إلا كالأنعام، بل هم اضل. وثلث أجسامهم أجسام آدم ﵇ وقلوبهم قلوب الشياطين. وثلث في ظل يوم لا ظل إلا ظله (. حدثنا ابن أبي مسرة، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن مجمع، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، حدثني عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل ذوات البيوت - يعني الجان. وحدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن أبي قيس الأودي، عن علقمة، قالك اقتلوا الحيا كلها إلا الجنان الذي كأنه ميل فإنه جنها، ولا يضر أحدكم كافرا قتل أو هو - يعني الحيات) . حدثنا صالح بن محمد، حدثنا يحيى بن واضح أبو ثميلة، حدثنا

стр. 207

ربيع بن بدر: الجان التي نهى رسول الله صلى الله ﷺ عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي (. حدثنا نصر بن فضالة، عن محمد بن سلام البيكندي عن ابن المبارك، قال: علامة الجنية أنها إذا مشت لا تلتوي. تقبيل الرجل الرجل أو التزام الرجل الرجل وأما قوله:) ونهى أن يقبل الرجل الرجل، أو يلتزم الرجل الرجل (. فهذا فعل يدعو إلى ريبة وفساد. فهذا للعامة، وليس كل الناس يستوي. وحدثنا صالح بن محمد، حدثنا قبيس بن الربيع، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن الشعبي، قال: لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر أتاه البشير بأن جعفر قد خرج من أرض الحبشة، فقال رسول الله ﷺ :) لا أدري بأيهما أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر (فخرج يتلقاه، فالتزمه، وقبل بين عينيه. قال أبو عبد الله ﵀ فالإلتزام والتقبيل من فعل الأولياء وأهل

стр. 208

المحبة، والعامة نفوسهم معهم، والخيانة معهم كائنة. فالأولياء قد تنزهوا وبرئوا من الخيانة.. ألا ترى أنه قبل بين عينيه؛ وذلك أن المأخوذ بالناصية الذي قد أخذ بناصيته إلى الله. الإنحاء أو السجود لغير الله وأما قوله: " ونهى أن ينحني الرجل للرجل، أو يسجد لأحد غير الله (. فهذا تواضع وعبادة، ولا يستحق ذلك أحد غير الله؛ لأن الإنحناء كالركوع، والركوع لله. وقد كان في الأمم قبلنا إذا لقى الرجل الرجل انحنى له، يريد بذلك أمانة. فأكرم الله هذه الأمة بتحية أهل الجنة، وخصهم بها فجعل السلام أمانا بينهم. حدثنا محمد بن علي الشقيقي، حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن عباس، حدثنا أبو سلمة الحمصي، عن يحيى بن خالد: أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: السلام أمان الله في الأرض. وحدثنا الشقيقي، حدثنا أشعث بن سوار، عن كردوس بن عياش، عن ابن مسعود ﵁ قال: السلام إسم من أسماء الله تعالى؛ فأفشوه بينكم نصحا من عند قلوبكم. معناه أن يكون في ذمة أمانك في

стр. 209

الظاهر والباطن، فلا تؤذه ولا تخنه بفعلك، ولا تضمر له على سوء، ولا تحله من رحمتك ورأفتك ونصحك. حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أوفى، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى أعطاني ثلاث خصال لم يعطها أحدا قبلي: السلام وهو تحية أهل الجنة، وصفوف الصلاة وهي صفوف الملائكة، وآمين.. إلا ما كان من موسى وهارون) . معناه أن موسى دعا وأمَّن هارون ﵉، وهو قول: (رَبَّنا اطمس عَلَى أَموالِهِم) الآية، فقال: (قَد أُجيبَت دَعوَتُكُما) . قال أبو عبد الله ﵀: فجعل لهذه الأمة بدلا من الإنحناء السلام، فإن عاد إلى ذلك فقد رفض كرامة الله. شرب الخليطين وأما قوله: (ونهى عن شرب الخليطين: البسر والتمر) . فهو من أجل أنه إذا اختلط النيىء بالنضيج اشتد وقواه.

стр. 210

الذبح بالسن أو الظفر وأما قوله: (ونهى أن يذبح بالسنب والظفر) . لأنه لا يقطع قطع الشيء الحاد، وإنما يبرد الأوداج ويمزقها فيصير كهيئة الموقوذة، وإذا لم يقطع الودج لم يسل الدم، فجمد فيه، فصار آكلا للدم. المثلة وأما قوله: (ونهى عن المثلة) . فالمثلة تشبه وتمثل بالخلائق، وتبديل خلقه تعالى.

стр. 211

الإنتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت وأما قوله: (ونهى عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت: أن ينبذ في شيء منها) . وذلك أن الدباء هو القرع، فإذا اشتد فيه وغلا لم يشعر، وكذلك الحنتم وهي جرار مقبرة، وكذلك النقير وهو خشب منقور مجوف، والمزفت، وهو الذي قد ضرب بالزفت. فهذه أوعية لا تنشق إذا إلى ما فيها فيعلم به صاحبه فيجتنبه. فإنما حرم

стр. 212

عنه باب شرب النبيذ الذي يغلي ويشتد، والمراد منه هذا. ثم لما استحكم تحريم كل مسكر في قلوبهم فاجتنبوه، قال: (إن الأوعية لاتحرم شيئا ولا تحله) أدخلي عنهم فقال: (اشربوا من الأشربة ما طاب لكم، فإذا خبث فذروه) . حدثنا بذلك صالح بن محمد، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ . حدثنا أبي، حدثنا الحماني وعفان قالا: حدثنا أبو الأحوص، عن يحيى بن التميمي، عن عمرو بن عامر، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : (كنت نهيتكم عن الأوعية، فاشربوا فيها، ولا تشربوا مسكرا) . وقال عثمان ﵁: اشربوا فيها ما شئتم، فمن شاء أو كي سقاه على إثم. حدثنا حفص بن عمر، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا فرق السنجي، حدثنا جابر بن زيد: أنه سمع مسروقا يحدث عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (كنت نهيتكم عن هذه الظروف، فانتبذوا فيها، واجتنبوا كل مسكر) . حدثنا ابن أبي مسرة، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا إبن أبي صالح، عن أيوب بن هلال، عن مسروق،

стр. 213

عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا إن وعاء لا يحل شيئا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام) . التنخم في قبلة المسجد وأما قوله: (ونهى عن التنخم في قبلة المسجد) . فالقبلة لها حرمة عظيمة؛ لأنها قبالة بيت الله، وقباله معلمه، وقبالة البيت المعمور، وقبالة العرش. والنخامة فضول الرأس والصدر، فلا يرمى بها في القبلة، فيكون كالشيء الذي لا حرمة له.. ألاترى أنه ليس من الأدب أن يبزق الرجل عن يمينه ولا أمامه، وكذلك روى عن رسول الله ﷺ أنه زجر عن ذلك، وقال: (عن يساره أو تحت قدمه) .

стр. 214

البزاق في البئر الذي يشرب منه وأما قوله: (ونهى عن البزاق في البئر يشرب منه) . فمن أجل أن هذا إفساد على كل مستقى يعاف ويقذره، ولعله أن يكون في بعض بزاقه ماخالطه دم؛ فإنه ينجس بئره من حيث لا يعلم (. تغيير الحدود بغير حق وأما قوله:) ونهى أن يحول شيء من تخوم الأرض، قال: ومن فعل ذلك فعليه لعنة الله (. فالتخوم: الحدود فإذا حول أو غضب أو أخذ من أرض غيره، فقد روىعن رسول الله ﷺ :) من ظلم شبرا من الأرض، فأخذه بغير حق، طوقه الله من سبع أرضين (. وذلك أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، جعلها بساطا

стр. 215

لعباده، وصير فيها معاشهم، ثم ملكهم على مقاديره؛ فمن تعدى حده الذي أذن له فيه، فأخذه من غير الوجه الذي أذن فيه، صار غاصبا لأرض الله. وهي أرض واحدة فتقت فجعلت سبعا، فالغاصب لها يطوق ذلك الذي غصبه من سبع أرضين، حتى يجىء بها يوم القيامة في عنقه (. ووجدنا ملك الأشياء كلها إنما أذن الله تعالى للعباد في تناولها من ستة اوجه للأغنياء، ومن ثمانية أوجه للفقراء: من الغنيمة، والتجارة، والوصية، والهبة، والهدية، والميراث.. فهذه ستة للأغنياء، وللفقراء زيادة وجهين: من الصدقة، واللقطة. فما تناولوا من الدنيا من هذه السبل الثمانية أبيح لهم وسائر ذلك حرام. الوصال في الصوم وأما قوله:) ونهى عن الوصال في الصوم (. فإنه إذا واصل ترك هدية الله، وذلك أن الله تعالى أهدى إلى هذه الأمة الغذاء المبارك، وهو السحورن جعله طعمة لهم؛ فهو تارك طعمة.. ألا ترى
следующие страницы →