وأما سائرُ العَرَب بعد المُلوك فكانوا أهل مَدَرْ ووَبَرٍ، فلم يكن فيهم عالمٌ مَذْكور، ولا حكيمٌ معروفٌ.
وكانت أديانهم مختلفةٌ (١) وعِلْمُهم الذي كانوا يَفْتَخِرُونَ به علم لِسانهم، ونَظْمِ الأشعار، وتأليف الخُطب، وعلم الأخبار ومَعْرِفة السِّيرِ والأعصار.
قال الهَمْداني (٢): ليسَ يُوصل إلى أحدٍ خَبرٌ من أخبارِ العَرَب والعَجَم إلا بالعَرَب، وذلك أنَّ مَن سكن بمكة أحاطوا بعلم العَرَب العاربة وأخبار أهل الكتاب، وكانوا يدخلون البلاد للتجارات فيعرفون أخبار النّاس، وكذلك من سكن الحيرة وجاورَ الأعاجمَ عَلِمَ أخبارَهُم وأيام حِمْير ومَسِيرها في البلاد، وكذلك من سكن الشامَ خَبَّرَ بأخبارِ الرُّوم وبَني إسرائيل واليونان، ومَن وقعَ في البَحْرين وعُمانَ فعنه أتت أخبار السند والهند وفارس، ومَن سكنَ اليَمَن عَلِمَ أخبار الأمم جميعًا؛ لأنَّه كانَ في ظل الملوكِ السَّيّارة.
والعَرَبُ أصحاب حفظ ورواية، ولهم معرفةٌ بأوقات المطالع والمغارب وأنواء الكواكب وأمطارها؛ لاحتياجهم إليه في المعيشة لا على طريق تَعَلّم الحقائق والتَّدَرّب في العُلوم. وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله تعالى شيئًا منه ولا هَيَّأ طباعَهُم للعناية به إلا نادِرًا.
стр. 107
الفصل الرابع في أهل الإسلام وعُلُومهم
وفيه إشارات:
الإشارة الأولى: في صدر الإسلام.
واعْلَم أَنَّ العَربَ في آخر عَصْر الجاهلية حينَ بُعِثَ النبي ﷺ قد تَفَرَّقَ مُلْكُها، وتَشَتَّتَ أمْرُها فَضَمَّ الله به، شاردَها، وجمع عليه جماعةً من قحطان وعَدْنان فآمنوا به، ورَفَضُوا جميعَ ما كانوا عليه، والتزموا شريعةَ الإسلام من الاعتقادِ والعَمَل.
ثم لم يلبث رسول الله ﷺ إلا قليلا حتى تُوفي وخَلَفَهُ أصحابه ﵃ فغَلَبُوا الملوك، وبلغت مملكة الإسلام في أيام عثمان عفان بن ﵁ من الجَلالةِ والسَّعَةِ إلى حيثُ نَبّه عليه النبي ﵇ في قوله: "زويت لي الأرضُ فأُرِيتُ مَشَارِقَها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أُمتي ما زُوِيَ لي منها" (١)، فأبادَ الله تعالى بدَولة الإسلام دَوْلةَ الفُرْس بالعراق وخُراسان، ودَولة الرُّوم بالشّام، ودَولة القِبْط بمصر، فكانت العرب في صَدْرِ الإسلام لا تَعْتَني بشيءٍ من العُلوم إلا بلغتها، ومعرفة أحكام شَرِيعتها وبصناعة الطّب، فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم لحاجةِ النّاس طُرًّا إليها، وذلك منهم صَوْنًا لقواعد الإسلام وعقائدِ أهلِه عن تَطَرْقِ الخَلَل من عُلوم
стр. 108
الأوائل قبل الرسوخ والإحكام، حتى يُرْوَى أَنَّهُم أَحْرَقوا ما وجدوا من الكُتُبِ في فتوحاتِ البلاد (١)، وقد ورد النّهي عن النَّظَر في التَّوراة والإنجيل، لاتحاد الكلمة واجتماعِها على الأخذ والعَمَل بكتاب الله وسُنّةِ رسولِ الله واستمر ذلك إلى آخر عَصْر التابعين. ثم حدَثَ اختلافُ الآراء وانتشار المذاهب، قال الأمرُ إلى التّدوين والتَّحْصِين.
الإشارة الثانية: في الاحتياج إلى التّدوين.
واعْلَم أَنَّ الصَّحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين لخُلُوص عَقيدَتِهم ببركة صحبة النبي ﵇ وقُرب العَهْد إليه ولقلة الاختلاف والواقعات وتمكّنهم من المُراجعة إلى الثّقاتِ كانوا مُسْتَغنين عن تَدْوينِ عِلْم الشَّرائع والأحكام حتى أنَّ بعضَهُم كَرِه كتابةَ العِلْم واستدل بما رُوِيَ عن أبي سعيد الخُدْري أنّه استأذن النبي ﵇ في كتابة العِلْم فلم يأذن له (٢).
ورُوي عن ابن عباس أنَّه نَهَى عن الكتابة وقال: إنما ضَلَّ مَن كان قبلكم بالكتابة (٣).
وجاءَ رجلٌ إلى عبد الله بن عبّاس ﵄، فقال: إِنِّي كتبتُ كتابًا أريد أن أعرضَ عليكَ. فلما عَرَضَ عليه أخَذَ منه ومَحَا بالماء، وقيل له:
стр. 109
لماذا فعلت؟ قال: لأنَّهم إذا كَتَبُوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحِفْظُ فيعرضُ الكتاب عارض فيفوتُ عِلْمُهم. واستَدَلَّ أيضًا بأنَّ الكتابَ مما يزيد فيه وينقص ويُغَيَّر، والذي حَفِظَ لا يمكن تغييره؛ لأنَّ الحافظ يتكلم بالعِلْم والذي يُخبر عن الكتابة يخبر بالظَّنِّ والنَّظَر (١).
ولما انتشر الإسلام، واتسعت الأمصار، وتَفَرَّقت الصَّحابةُ في الأقطار، وحَدَثت الفتن واختلاف الآراء، وكَثُرَت الفتاوى والرجوع إلى الكُبَرَاء أَخَذُوا في تدوين الحديث والفقه وعُلوم القُرآن، واسْتَغَلُوا بِالنَّظَرِ والاسْتِدْلالِ والاجتهادِ والاستنباط، وتمهيد القواعد والأصول، وترتيب الأبواب والفُصول، وتكثير المسائل بأدلتها، وإيرادِ الشُّبهة بأجوبتها، وتعيين الأوضاع والاصطلاحات، وتبيين المذاهب والاختلافات.
وكان ذلك مصْلحةً عَظِيمةً وفِكْرةً في الصّواب مستقيمةً، فرأوا ذلك مُسْتَحَبًّا، بل واجبًا لقضية الإيجاب المذكور مع قوله ﵇: "العِلْم صَيْدُ والكتابة قَيْدُ، قَيِّدُوا رحمكم الله عُلومَكُم بالكتابة" (٢)، الحديث.
الإشارة الثالثة: في أوّل مَن صَنَّف في الإسلام.
واعلم أنَّهُ اختُلِفَ في أوّل مَن صَنَّفَ، فقيل: الإمام عبد الملك (٣) بن
стр. 110
عبد العزيز بن جُرَيْج البَصْرِيُّ المتوفى سنة خمس وخمسين ومئة (١)، وقيل: أبو النضر سعيد (٢) بن أبي عَرُوبة المتوفّى سنة ست وخمسين ومئة؛ ذكرَهُما الخطيب البغدادي (٣).
وقيل: ربيع (٤) بن صبيح المتوفَّى سنة ستين ومئة؛ قاله أبو محمد الرامَهُرْمُزي (٥). ثم صَنَّفَ سُفيان بن عُيَيْنةَ ومالك بن أنس بالمدينة (٦)، وعبد الله بن وهب بمصر، ومَعْمَر (٧) وعبد الرزاق (٨) باليَمَن، وسُفيان الثوري ومحمد بن فُضَيْل بن غَزْوان بالكوفة، وحَمّاد بن سَلَمة ورَوْح بن عُبادة بالبَصْرة، وهشيم (٩) بواسط، وعبد الله بن المبارك بخُراسان. وكان مَطْمَعُ نَظَرهم في التَّدْوين ضَبْطُ مَعاقد القُرآن والحديث ومعانيهما، ثم دَوَّنوا فيما هو كالوسيلة إليهما. الإشارة الرابعة: في اخْتِلاط عُلُوم الأوائل والإسلام.
واعْلَم أَنْ عُلومَ الأوائل كانت مَهْجُورة في عَصْر الأمويّة. ولمّا ظهر آل العباس كان أول من عُنِي مِنْهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور،
стр. 111
وكان ﵀ مع براعته في الفقه مُقَدَّمًا في عِلْم الفَلْسَفة وخاصةً في النُّجوم مُحِبًّا لأهلها.
ثم لما أفضت الخلافة إلى السابع عبد الله المأمون ابن الرَّشيد تَمَّمَ ما بدأ به جَدَّهُ، فأقبل على طَلَبِ العِلْم في مواضِعِه واستخراجه من مَعَادِنه بقوةٍ نَفْسه الشَّرِيفة وعُلو هِمَّتِه المُنيفة، فداخَلَ مُلوكَ الرُّوم وسألَهُم وَصْلَة ما لدَيْهم من كُتُب الفلاسفة، فبَعَثُوا إليه منها بما حضرَهُم من كُتب أفلاطون وأرسطو وبُقْراطَ وجالينوس وإقليدس وبَطْلَمْيوس وغيرِهم، وأحْضَر لها مَهَرة المُترجمين فترجموا له على غاية ما أمكن ثم كَلَّفَ النّاسَ قِراءَتها ورغبهم في تعلمها، إذ المقصود من المَنْع هو إحكام قواعد الإسلام ورسوخ عقائد الأنام، وقد حصل وانْقَضَى على أنَّ أكثرها مما لا تَعَلُّق له بالديانات (١) فنَفَقَت سُوق (٢) العِلْم، وقامت دولةُ الحِكْمة في عَصْره، وكذلك سائر الفنون، فأتقن جماعةٌ من ذَوِي الفَهْم في أيامه كثيرًا من الفَلْسَفة، ومَهْدُوا أصول الأدب، وبَيَّنوا منهاج الطلب.
ثم أخذَ النَّاسُ يَزْهَدُون فِي العِلْمِ ويَشْتَغلُونَ عنه بتزاحُمِ الفِتَن تارةً وبجمع الشَّمْلِ أخرى إلى أن كادَ يَرْتَفع جُملةً وكَذا شأن سائرِ الصَّنائع والدُّول فإنَّها يَبْتدى (٣) قليلا قليلا ولا يزال يَزِيد حتى يَصِلَ إلى غاية هي منتهاه، ثم يعود إلى النقصان فيؤول أمرُهُ إلى الغَيْبَةِ فِي مَهاوِي النِّسْيان. والحق أنَّ أعظم الأسباب في رَوَاجِ العِلْم وكَسادِه هو رَغْبَةُ المُلوكِ في كلِّ عَصْر وعَدَم رَغْبتهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 112
الباب الثالث في المؤلفين والمؤلفات (١)
وفيه ترشيحاتٌ:
الترشيح الأوّل: في أقسام التدوين وأصناف المُدَوَّنات
واعْلَم أنَّ كُتُبَ العُلوم كثيرةٌ لاختلافِ أَعْراضِ المُصَنَّفين في الوَضْع والتأليف ولكن تنحصر من جهة المَعْنَى في قِسْمين:
الأول: إمّا أخبارٌ مُرْسَلَةٌ، وهي كُتُب التواريخ. وإما أوصافٌ وأمثال ونحوها قَيَّدَها النَّظْمُ، وهي دواوينُ الشَّعْر.
والثاني: قواعد عُلوم، وهي تَنْحَصِرُ من جهة المقدار في ثلاثة أصناف:
الأوّل: مُختصرات تُجْعَلُ تَذْكِرةً لرؤوس المسائل يَنْتَفِع بها المُنْتَهي للاستحضار وربَّما أفادت بعضَ المُبْتَدِئينَ الأذكياء لسرعة هجومهم على المعاني من العبارات الدقيقة.
والثاني: مبسوطات تقابِلُ المُخْتَصر، وهذه يُنتفع بها للمطالعة.
والثالث متوسطات، وهذه نَفْعُها عام.
ثم إِنَّ التأليف على سَبْعَةِ أقسام لا يُؤلِّفُ عالمٌ عاقل إلّا فيها،، وهي: إما شيء لم يُسْبَق إليه فيخترعه، أو شيء ناقص يتمّمه، أو شيءٌ مُغْلَقٌ يَشْرحُه، أو شيء طويل يختصره دون أن يُخِلَّ بشيء من معانيه، أو شيء متفرّقُ يجمعه، أو شيء مُخْتَلِطٌ يُرَتِّبه، أو شيء أخطأ فيه مُصَنِّفُه فيُصلحه.
стр. 113
ويَنْبغي لكلِّ مؤلِّف كتابٍ في فَنٍّ قد سُبِقَ إليه أن لا يَخْلُو كتابه من خَمْس فَوائد: استنباط شيءٍ كانَ معْضلًا، أو جَمْعه إن كان مُفَرَّقًا، أو شَرْحه إن كان غامضًا، أو حُسن نَظْم وتأليف، أو إسقاط حَشْوٍ وتَطويل.
وشرطٌ في التأليف إتمام الغَرَض الذي وُضِعَ الكتابُ لأَجْلِهِ من غير زيادةٍ ولا نَقْصٍ، وهَجْر اللَّفْظ الغريب وأنواع المَجاز، اللَّهُم إلا في الرَّمْز والاحتراز عن إدخالِ عِلْمٍ في عِلْمٍ آخر، وعن الاحتجاج بما يَتَوَقَّف بيانه على المُحْتَج به عليه، لئلا يلزم الدور وزادَ المتأخرون: اشتراط حُسن الترتيب، ووجازَةَ اللَّفْظ، ووضوحَ الدّلالةِ، ويَنْبَغي أن يكونَ مَسُوقًا على حَسَب إدْراكِ أهل الزَّمان، وبمقتضى ما تَدْعُوهم إليه الحاجةُ، فمتى كانت الخواطر ثاقبةً، والإفهام للمُرادِ من الكُتُبِ مُتَناولةً قام الاختصارُ لها مقامَ الإكثار، وأغْنَت بالتلويح عن التصريح، وإلا فلا بُدَّ من كَشْف وبيانٍ وإيضاح وبُرهان يُنَبّه الذَّاهِلَ ويُوقظُ الغافل.
وقد جَرَت عادة المُصَنِّفينَ بأن يَذْكُروا في صَدْر كُلِّ كتابٍ تَراجمَ تُعرب عنه، سَمَّوها الرؤوس وهي ثمانية:
الغَرَضُ وهو الغايةُ السابقةُ في الوَهم المتأخرةُ في الفِعْل.
والمنفعة ليتَشَوَّق الطبع.
والعُنوانُ الدال بالإجمال على ما يأتي تَفْصِيلُه، وهو قد يكون بالتَّسْمِية وقد يكون بألفاظٍ وعباراتٍ تُسَمَّى ببراعة الاستهلال.
والواضِعُ ليُعلم قدره.
ونَوع العِلْم وهو الموضوع لتعلم (١) مرتبته. وقد يكون جزءا من أجزائه، وقد يكون مَدْخلًا كما سبق في بحث الموضوع.
стр. 114
ومَرْتبة ذلك الكتاب، أي: متى يجب أن يُقرأ؟
وترتيبه.
ونَحْو التّعليم المُستعمل فيه، وهو بيانُ الطريق المَسْلوك في تحصيل الغاية.
وأنحاء التعليم خمسة:
الأول: التَّقسيم. والقِسْمةُ المُستعملة في العلوم قسمة العام إلى الخاص وقِسْمة الكُلِّ إلى الجزء، أو الكُلِّي إلى الجزئيات، وقسمة الجنس إلى الأنواع، وقسمة النوع إلى الأشخاص، وهذه قِسْمةُ ذاتيّ إلى ذاتي. وقد يُقْسَم الكُلِّي إلى الذَّاتِي والعَرَضِي، والذاتِي إلى العَرَضِي، والعَرَضِي إِلى الذَّاتِي، والعَرَضِي
إلى العَرَضِي. والتقسيم الحاصِرُ هو المُرَدّدُ بين النَّفي والإثبات.
والثاني: التَّركيب. وهو جَعْلُ القضايا مُقَدِّمات تؤدِّي إلى المعلوم.
والثالث: التحليل، وهو إعادة تلك المُقَدِّمات.
والرابع: التَّحديد. وهو ذكر الأشياء بحدودها الدالة على حقائقها دِلالةً تفصيلية.
والخامس: البُرْهان. وهو قياسُ صَحِيح عن مُقَدِّماتٍ صادقة. وإنّما يمكن استعماله في العلوم الحقيقية، وأما ما عداها فيُكتَفَى بالإقناع.
التَّرْشِيحُ الثاني: في الشَّرْح وبيانِ الحاجة إليه والأدب فيه.
واعْلَم أَنَّ كلَّ مَن وضعَ كتابًا إنما وضعَهُ لِيُفْهَم بذاتِه من غير شَرْح وإنما احتيج إلى الشرح لأمور ثلاثة:
الأمر الأوّل: كمالُ مَهارة المُصَنِّف؛ فإنَّه لجودة ذهنه وحُسنِ عِبارته يتكلّمُ على مَعانٍ دقيقةٍ بكلامٍ وجيزٍ كافيًا في الدلالة على المطلوب، وغيرُهُ
стр. 115
ليسَ في مَرْتبته، فربّما عَسِرَ عليه فَهُمُ بعضها أو تَعَذَّرَ فيحتاجُ إلى زيادةِ بَسْطِ في العبارة لتظهر تلك المعاني الخفيّة. ومن هاهنا شَرَحَ بعضُ العُلماء تصنيفَهُ.
الأمر الثاني: حذفُ بَعْض مُقَدِّمات الأقيسة اعتمادًا على وضوحها أو لأنها من عِلْمٍ آخر، أو أهْمَلَ ترتيب بعض الأقيسة فأغفلَ عِلَلَ بعض القضايا فيحتاجُ الشّارحُ إلى أن يَذْكُرَ المُقَدِّمات المُهْمَلة ويُبَيِّنَ ما يُمكن بيانه في ذلك العِلْم ويُرْشِد إلى أماكن فيما لا يليقُ بذلك الموضع (١) من المُقَدِّمات ويُرَتِّب القياسات ويُعطي عِلَلَ ما لم يُعْطِ المصنِّف.
الأمر الثالث: احتمال اللفظ لمعان تأويلية، أو لطافةِ المَعْنَى عن أن يُعَبر عنه بلفظ يُوضِّحه، أو للألفاظ المجازيّة، واستعمال الدلالة الالتزامية فيحتاجُ الشّارحُ إلى بيانِ غَرَضِ المُصَنِّف وتَرْجيحِه. وقد يقعُ في بعضِ التصانيف ما لا يَخْلُو البَشَرُ عنه من السَّهْو والغَلَط، والحَذْف لبعض المُهمّات، وتكرار الشيء بعينه بغير ضرورة، إلى غيرِ ذلك فيُحتاج أن يُنَبّه عليه.
ثم إن أساليب الشرح على ثلاثة أقسام:
الأوّل: الشرح بقالَ أقول، كشَرْح المقاصد، وشَرْح الطوالع للأصفهاني، وشَرْح العَضُد (٢). وأمّا المتنُ فقد يُكتَبُ في بعض النسخ بتمامه، وقد لا يُكتب لكونه مُنْدَرِجًا في الشرح بلا امتياز.
والثاني: الشَّرْحُ بـ "قوله"، كشَرْح البُخاري لابن حَجَر، والكرماني، ونحوهما. وفي أمثاله لا يُلتَزَمُ المتنُ، وإنما المقصود ذِكْر المَواضع المشروحة. ومع ذلك قد يَكْتُب بعضُ النسّاخ متنه تمامًا إما في الهامش، وإمّا في المُسَطَّر، فلا يُنكر نفعه.
стр. 116
والثالث: الشَّرْحُ مَزْجًا، ويقال له شَرْحُ مَمْزوجٌ، تُمزَجُ فيه عبارة المَتْن والشَّرْح، ثم يُمتاز إما بالميم والشَّيْن، وإما بخَط يُخَطُّ فوقَ المَتْن، وهو طريقة أكثر الشُّرّاح المتأخرين من المحققين وغيرِهم، لكنه ليسَ بمأمون عن الخَلْط والغَلَط.
ثم إنَّ من آداب الشارح وشَرْطه أن يَبْذُل النُّصْرةَ بما (١) قد التزمَ شَرْحُه بقَدْر الاستطاعةِ ويَذُبُّ عمّا قد تَكَفَّل إيضاحَهُ بما يَذُبُّ به صاحب تلك الصناعة ليكونَ شارحًا غير ناقض وجارح ومُفَسّرًا غيرُ مُعْتَرضٍ اللَّهُم إلا إذا عَثَرَ على شيءٍ لا يمكن حَمْله على وجه صحيح فحينئذٍ يَنْبغي أن يُنبه عليه بتعريض أو تصريح مُتَمسكًا بذيل العدل والإنصاف، مُتَجنبًا عن الغي والاعتساف؛ لأنَّ الإنسانَ محل النسيان، والقَلَمُ ليسَ بمعصوم من الطغيان، فكيف بمن جمع المطالب من محالها المتفرقة، وليس كل كتابٍ يَنْقُل المصنف عنه سالما من العيب، محفوظًا له عن ظهر الغَيْب حَتَّى يُلامُ في خَطَيْهِ فينبغي أن يتأدَّبَ عن تَصْرِيح الطَّعْنِ للسَّلفِ مُطلقًا، ويكنّي بمثل: قِيلَ، وظَنَّ ووَهِمَ، واعتَرَض وأجيب، وبعضُ الشَّرّاح، والمُحَشِّى، أو بعض الشروح والحواشي، ونحو ذلك من غير تعيين كما هو دأب الفُضَلاء من المتأخرين، فإنَّهم تأنَّقُوا في أسلوب التَّحْرير، وتأدبوا في الرَّدُّ والاعتراض على المُتَقَدِّمينَ بأمثالِ ما ذُكِرَ تَنْزِيهًا لهُم عما يُفْسِدُ اعتقاد المبتدئين فيهم، وتعظيمًا لحقهم، ورُبّما حَمَلوا هَفَواتِهم على الغَلَط من الناسخين، لا من الراسخين وإن لم يَمْكِن ذلك قالوا: لأنَّهم لفَرْط اهتمامهم بالمُباحثةِ والإفادة لم يَفْرغوا لتكرير النَّظَر والإعادةِ وأجابوا عن لمز بَعْضِهم بأنَّ ألفاظ كذا وكذا ألفاظ
стр. 117
فلان بعبارته بقولهم: إنا لا نعرف كتابًا ليس فيه ذلك، فإنَّ تصانيف المتأخِّرينَ، بل المُتَقَدِّمين لا تخلو عن مثل ذلك، لا لعدم الاقتدارِ على التغيير، بل حَذَرًا عن تضييع الزمان فيه، وعن مَثَالَبهم بأَنَّهُم عَزَوا إِلَى أَنْفُسِهِم مَا لَيسَ لَهُم بِأَنَّهُ إِن اتفق فهو من تواردِ الخَواطِر، كما في تعاقب الحوافر على الحوافر.
الترشيح الثالث: في أقسام المُصَنِّفين وأحوالهم.
اعْلَم أَنَّ المؤلفين المعتبرة تصانيفهم فريقان:
الأولى (١): مَن له في العِلْم مَلَكةٌ تامةٌ، ودربةٌ كافيةٌ، وتجاربُ وثيقة، وحَدَسٌ صائبٌ، وفَهْمٌ ثاقبٌ، فتصانيفهم عن قوةِ تَبْصرةٍ ونَفَاذِ فِكْرٍ وسَدَاد رأي، كالنَّصير (٢) والعَضُد (٣) والسيد (٤) والسَّعْد (٥) والجلال (٦) وأمثالهم، فإنَّ كلا منهم يجمع إلى تحرير المعاني تهذيب الألفاظ، وهؤلاء أحسنوا إلى النّاسِ كما أحسنَ اللهُ إليهم، وهذه لا يَسْتغني عنها أحد.
والثانية (٧): مَن له ذهنٌ ثاقِبُ، وعِبارةٌ طَلقة، طالع الكُتُبَ فاستخرج دُرَرَها وأحسنَ نَظْمها، وهذه ينتفع بها المبتدئون والمتوسطون. ومنهم من جمعَ وصَنَّفَ للاستفادة لا للإفادة فلا حَجْر عليه، بل يُرْغَب إليه إذا تأهل؛ فإِنَّ العُلماء قالوا: ينبغي للطالب أن يَشْتَغِلَ بالتَّخريج والتصنيف فيما فَهِمَه منه إذا احتاجَ النَّاسُ إليه بتوضيح عِبارته، غير مائل عن المُصْطَلح، مُبَيّنًا مُشْكِلَهُ،
стр. 118
مُظْهِرًا مُلْتَبَسَهُ، كي يكتسبه (١) جميل الذِّكْر، وتخليده إلى آخر الدهر، فينبغي أن يُفرغ قَلْبه لأجله إذا شَرَع ويَصْرف إليه كُلَّ شُغْله قبل أن يمنعه مانع عن نَيْل ذلك الشَّرف. ثم إذا تَمَّ لا يُخْرِج ما صَنَّفَهُ إلى النّاس ولا يُدَع (٢) عن يَدِه إلا بعد تهذيبهِ وتَنْقيحه وتَحْريرِه وإعادة مُطالعته، فإنه قد قيل: الإنسان في فُسْحةٍ من عَقْله، وفي سَلامةٍ من أفواه جنسه ما لم يَضع كتابًا أو لم يَقُل شعرًا وقيل (٣): مَن صَنَّفَ كتابًا فقد استَشْرف للمَدْح والذَّمِّ، فإن أحسن فقد استُهْدِفَ من الحَسَد والغيبة، وإن أساءَ فقد تعرَّضَ للشتم والقذف. قالت الحُكماءُ: مَن أرادَ أن يُصَنِّف كتابًا أو يقول شِعرًا فلا يَدْعوه العُجب به وبنفْسِه إلى أن ينتحلَهُ، ولكن يَعْرِضُه على أهله في عَرْض رَسائل أو أشعار، فإن رأى الأسْماعَ تَصْغِي إليه ورأى مَن يَطلبه انتحلَهُ وادعاه، وإلا فليأخُذ في غير تلك الصناعة.
تذنيب: ومن النّاس من يُنكر التَّصنيف في هذا الزَّمان مُطْلَقًا، ولا وجهَ لإنكاره من أهله، وإنما يحمله عليه التّنافس والحَسَد الجاري بين أهل الأعصار والله دَرّ القائل في نظمه (٤):
قُل لمن لا يَرَى المُعاصر شيئًا … ويَرَى للأوائل التَّقْديما
إنَّ ذاكَ القديم كان حديثًا … وسيَبْقَى هذا الحديث قديما
стр. 119
واعلم أنَّ نتائج الأفكار لا تَقِف عندَ حَدٍّ وتصرُّفات الأنظار لا تنتهي إلى غاية بل لكلِّ عالم ومُتعلّم منها حَظٌّ يحرزه في وقته المُقَدَّر له وليسَ لأحدٍ أن يُزاحمَهُ فيه لأنَّ العالمَ المَعْنَوي واسع كالبَحْر الزّاخِر، والفيض الإلهي ليس له انقطاع ولا آخر، والعُلومُ مِنَحٌ إلهية، ومواهِبُ صَمَدانيةٌ، فغيرُ مُسْتَبْعد أن يُدَّخَرَ لبعض المتأخرين ما لم يُدَّخَر لكثير من المتقدمين، فلا تغتر بقول القائل: ما ترك الأول للآخر، بل القولُ الصَّحيحُ الظاهر: كم ترك الأوّل للآخر، فإنّما يستجيد الشيءَ ويَسْتَرْذله لجودَتِه ورَداءتِه في ذاته لا لقِدَمِهِ وحُدُوثِه. ويُقال: ليس بكلمة أضَرّ بالعِلْم من قولهم: ما ترك الأول شيئًا لأنه يقطعُ الآمال عن العِلْم ويحمل على التَّقاعُد عن التَّعلّم فيَقْتَصر الآخر على ما قدَّم الأوّل من الظواهر، وهو خَطرٌ عظيمٌ وقولٌ سقيمٌ، فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخِرُ فازوا بتفريع الأصول وتشييدها، كما قال ﵊: "أمّتي أمّة مُباركة لا يُدْرَى أَوّلَهُ خير أم آخِرُهُ" (١).
وقال ابن عبد ربه في "العقد" (٢): إني رأيتُ آخرَ كُلِّ طَبَقةٍ وواضعي كُلّ حكمة ومؤلفي كُلّ أدب أهذب لفظًا، وأسهل نقةً، وأحكم مذاهب، وأوضح طريقة من الأوّل، لأنّهُ ناقض مُتَعَقِّبٌ، والأول بادئ متقدم. انتهى.
стр. 120
ورُوِيَ أنّ المولى خَوَاجَة زَاده (١) كان يقول: ما نظرتُ في كتاب أحدٍ بعد تصانيف السَّيِّد الشَّريف الجرجاني بنيّة الاستفادة.
وذكر صاحب "الشقائق" (٢) في ترجمة المولى شمس الدين الفَنارِي (٣) أنَّ الطَّلَبة إلى زمانه كانوا يعطلون يوم الجمعة ويوم الثلاثاء فأضاف المولى المذكور إليهما يوم الاثنين للاشتغال بكتابة تصانيف العلامة التفتازاني وتحصيلها. انتهى.
стр. 121
الباب الرابع في فوائد منثورة من أبواب العلم
وفيه مناظر وفتوحات:
المَنْظر الأوّل: في العلوم الإسلامية.
واعْلَم أنَّ العُلومَ المُتداولة في الأمصار على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وهي العلوم الحِكمية، وصنفٌ نَقْلِي يأخذه عمّن وضعه، وهي العلوم النَّقْليّة الوَضْعِيَّة، وهي كُلُّها مُسْتَنِدة إلى الخَبَر عن الوَضْع الشَّرعي ولا مَجالَ فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول؛ لأنَّ الخَبَريات الحادثة المُتعاقبة لا تَنْدَرِج تحتَ النَّقْل الكُلِّي بمجرد وضعه فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي إلا أن هذا القياس يتفرع عن الخَبَر بثبوتِ الحُكْم في الأصل وهو نَقْلي، فرجع هذا القياسُ إلى النَّقْل لتفرُّعِه عنه، ثم يَسْتَتْبعُ ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملة وبه نزلَ القُرآن وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة، لأنَّ المكلف يجب عليه أن يعلم أحكام الله المَفْروضة عليه وعلى أبناء جنسه، وهي مأخوذةٌ من الكتاب والسنة بالنَّص أو بالإجماع أو بالإلحاق.
فلا بد من النَّظَر في الكتاب ببيان ألفاظه أولا، وهذا هو علم التفسير ثم بإسناد نَقْلِه وروايته إلى النبي ﵇ الذي جاءَ به من عندِ الله واختلافِ روايات القرّاء في قراءته، وهو: علم القراءات.
ثم بإسناد السُّنّة إلى صاحبها والكلام في الرواة الناقلين لها ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارهم وهذه هي علوم الحديث.
ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيدنا العِلْم بكيفية هذا الاستنباط، وهذا هو أصول الفقه.
стр. 122
وبعد هذه تحصل الثمرة بمعرفة أحكام الله في أفعال المُكَلَّفين وهو الفقه.
ثم إن التكاليف منها بَدَني، ومنها قلبي وهو المُختص بالإيمان وما يجب أن يُعْتَقَد وهذه هي العقائد في الذات والصفات والنبوات والأخرويات والقدر والاحتجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو علم الكلام.
ثم النَّظَر في القُرآن والحديث لا بُدَّ أن تتقدمه العلوم العربية، لأنَّه متوقف عليها، وهي علم اللغة والنحو والبيان ونحو ذلك.
وهذه العُلوم النقلية كُلُّها مختصة بالمِلّة الإسلامية، وإن كانت كُلّ ملة لا بُدَّ فيها من مِثْل ذلك، فهي مُشارِكةٌ لها من حيثُ أنها عُلوم الشريعة. وأما على الخُصوص فمباينة لجميع الملل، لأنها ناسخة لها، وكُلُّ ما قَبْلها من عُلوم الملل فمهجورة، والنظر فيها محظور وإن كان في الكُتُب المنزلة غَيْر القُرآن كما ورد النهي عن النَّظر في التّوراة والإنجيل.
ثم إِنَّ هذه العلوم الشرعية قد نفقت أسواقها في هذه المِلة بما لا مزيد عليه، وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى التي لا فَوْقها، وهذبَت الاصطلاحات ورتبت الفنون، وكانَ لكلِّ فنّ رجالٌ يُرجع إليهم فيه، وأوضاعٌ يستفاد منها التعليم، واختصَّ المشرقُ من ذلك والمَغْرِبُ بما هو مشهور منها.
المنظر الثاني: في أنَّ حملةَ العِلْم في الإسلام أكثرهم العَجَم (١).
وذلك من الغريب الواقع، لأنَّ عُلماء المِلَّة الإسلامية في العلوم الشَّرْعية والعقلية أكثرهم العَجَم، إلّا في القليل النّادر، وإن كان منهم العَرَبي في نِسْبَته
стр. 123
فهو أعجمي في لغته. والسَّببُ في ذلك أنَّ المِلّة في أوّلها لم يكن فيها عِلْمٌ ولا صناعة لمُقْتَضَى أحوال البداوة وإنما أحكام الشريعة كان الرِّجال يَنْقُلونها في صُدورهم، وقد عَرَفوا مآخذَها من الكتاب والسنة بما تَلَقَّوه من صاحبِ الشرع وأصحابه، والقومُ يومئذٍ عَرَب لم يعرفوا أمر التعليم والتدوين، ولا دَعَتهم إليه حاجة إلى آخر عَصْر التّابعين كما سبق. وكانوا يُسَمَّون المختصين بحَمْل ذلك ونَقْله: القُرّاءَ. فهُم قُرّاء لكتاب الله والسُّنّة المأثورة التي هي في غالب موارده تفسيرٌ له وشَرْحٌ.
فلما بَعد النَّقْلُ من لَدُن دَوْلَة الرَّشِيد احتيج إلى وَضْع التفاسير القُرآنية وتقييد الحديثِ مخافة ضياعه، ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الرُّواة. ثم كَثُر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسُّنّة، وفَسَدَ مع ذلك اللّسانُ فاحتيج إلى وضع القوانين النَّحْوية، وصارت العُلومِ الشَّرْعية كُلّها مَلَكات في الاستنباط والتنظير والقياس، واحتاجت إلى عُلوم أُخْرَى هي وسائل لها كقوانين العربية وقوانين الاستنباط والقياس والذب عن العقائد بالأدلة، فصارت هذه الأمور كُلّها علومًا مُحتاجةً إلى التعليم فاندَرَجت في جُملة الصَّنائع، والعربُ أبعد الناس عنها، فصارت العلوم لذلكَ حَضَريّة، والحَضَرُ هم العَجَمُ أو مَن فِي مَعْناهُم؛ لأنَّ أهلَ الحواضِرِ تَبَعُ العَجَم في الحضارة وأحوالها من الصَّنائع والحِرَف؛ لأنَّهم أقومُ على ذلك للحضارة الراسخة فيهم مند دولة الفُرْس، فكانَ صاحب صناعة النَّحو سيبويه والفارسي والزَّجاج كُلُّهم عَجَمُ في أنسابهم اكتَسَبُوا اللَّسانَ العربي بمخالطة العَرَب وصَيَّرُوه قوانين لمن بَعْدَهُم. وكذلك حَمَلةُ الحديث وحُفّاظه أكثرهم عَجَم أو مُسْتَعْجِمون باللغة. وكان عُلماء أصول الفقه كلهم عَجَمًا، وكذا جُمْلة أهل الكلام، وأكثر المُفَسّرين. ولم يَقُم بحفظ العِلْم وتدوينه إلا الأعاجم.
стр. 124
وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وخَرَجُوا إليها عن البَدَاوة فشَغَلَهُم الرياسة في الدولة العباسية، وما دفعوا إليه من القيام بالمُلْك عن القيام بالعِلْم مع ما يَلْحَقُهم من الأنفة عن انتحالِ العِلْم لكونه من جملة الصَّنائع، والرُّؤساءُ يَسْتَنكَفُون عن الصَّنائع.
وأمّا العلوم العَقْليةِ فلم تظهر في المِلّة إلا بعد أن تَمَيَّزَ حملةُ العِلْم ومؤلفُوه واستَقَرَّ العِلْمُ كُلُّه صناعة، فاختصت بالعَجَم وتَرَكها العَرَبُ فلم يحملها إلا المُعرَّبون من العجم.
المنظر الثالث: في أن العِلْم من جُملةِ الصَّنائع لكنَّهُ أَشرفُها.
واعْلَم أنَّ الحذاقةَ والتَّفَنُّنَ في العِلْم والاستيلاء عليه إِنَّما هو بحصول مَلَكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوُقوفِ على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله. وهذه الملكة هي غير الفهم والمَلَكاتُ كُلُّها جِسْمانيةٌ، والجسمانيات كُلُّها مَحْسُوسةٌ، فتفتقر إلى التعليم، فيكون صناعيًا، ولذلكَ كانَ السَّنَدُ فيه مُعْتَبَرًا وجميعُ (١) ما يُسَمُّونهُ عِلْمًا أو صناعةً فهو عبارةٌ عن مَلَكة نَفْسانية يَقْتَدِر بها صاحبها على النظر في الأحوال العارضة لموضوع ما من جهةٍ ما بحيثُ يُؤدّي إلى الغَرَض، فالعِلْمُ إِذَن ما اختصَّ بالجَنان واللسان، والصناعة إذن ما احتاجت إلى عَمَل بالبنان كالخياطة.
وقد قيل إنَّ المعلوماتِ الحاصلة لصاحب هذه المَلَكة لا تخلو إمّا أن تَحْصل على الاستقراء والتَّتَبُّع كالنَّحو وصنائع الفَصاحة والبَدِيعِ، أو تَحْصُل عن النَّظر والاستدلال كعلم الكلام، فالأوّلُ يُسَمَّى الصناعة، والثاني العِلم، لكنَّ الزَّمَخْشَري قد عَكَسَ في أول تفسيره فسَمَّى المعاني والبيان عِلْمًا
стр. 125
وسَمَّى الكلامَ صناعة (١). فقال الطِّيبيُّ (٢) والحقُّ أَنَّ كُلَّ علم مارسَهُ الرَّجُلُ حتى صار له حِرْفة سُمِّي ذلك عندهم صَنْعة، واستشهد عليه بما قاله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣].
والأولى أن يُقال: إن أُريد العُرْف الخاص فلا يَنْضَبط، وإن أُريدَ العُرف العام المتبادر إلى الأذهان عند الإطلاق فالحق ما قيل أوّلا؛ إذ لا يُطلق على الأساكفة أنهم عُلماء، ولا على صنائعهم أنها علوم، وإن كانت أفعالهم لا تَصْدر إلا عن عِلْم العُلماء وحِكْمَةِ الحُكماء، فالصَّنائعُ الحِكَم التي تَفْتَقِرُ إِلى تَصَوّر الجنان وتمرين البنان، فإن أطلقت الصَّناعة على ما لا وجود له في الأعيان، فبالمجاز على طريق التّشبيه (٣) وأطلقوا على العالم صانعًا للتنبيه على أنه أحكمَ عِلْمَهُ وتفرَّس فيه.
واعْلَم أنَّ تعليمَ العِلْم من جُملة الصَّنائع إذ هو صناعة اختلافِ الاصطلاحاتِ فيه فلكل إمام اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع، ألا تَرَى إلى علم الكلام كيفَ يُخَالَفُ في تعليمه اصطلاح المُتقدِّمين والمتأخرين فدَلَّ على أنها صناعات في التعليم والعِلْم واحد.
ولما كانَ التعليم من جُملة الصَّنائع كانَ العُلوم تكثر حيثُ يكثر العمران وتكون نِسْبةُ الصَّنائع في الجَوْدة والكثرة بحسب الأمصار على نسبة عِمْرانها في الكثرة والقلّة والحضارة؛ لأنّه أمر زائد على المعاش، فمتى فَضَلَت أعمال أهل العِمْران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش
стр. 126
من التصرف في خاصيّة الإنسان، وهي العلوم والصَّنائعُ، ومَن تَشَوَّق بفطرته إلى العِلْم ممن نشأ في القُرى فلا يجد فيها التعليم لا بد له من الرحلة في طلبه إلى الأمصار.
المنظر الرابع: في أَنَّ الرِّحْلةَ فِي الطَّلَب مُفيدةٌ.
وسبب ذلك أنَّ البشر يأخذونَ مَعارفَهُم وأخلاقَهُم وما يَنْتَحِلُونه من المذاهب تارةً عِلْمًا وتعليمًا وإلقاء، وتارةً مُحاكاةً وتَلْقِينًا بالمُباشرة إلا أنَّ حصولَ المَلكات على المُباشرة والتَّلْقين أشدُّ استحكامًا وأقوَى رُسوخًا، فعلَى قَدْر كَثرة الشُّيوخ يكون حُصُولُ المَلكة ورُسُوخُها.
والاصطلاحات أيضًا في تعليم العلوم مغلَطةٌ على المتعلم حتى ظنَّ كثير منهم أنَّها جزء من العِلْم ولا يُدفَع عنه ذلك إلا بمباشرته، لاختلافِ الطرق فيها من المُعلّمين؛ فلقاء أهل العُلُوم وتَعَدُّدُ المشايخ يفيده تمييزَ الاصطلاحات بما يَرَاهُ من اختلافِ طُرُقهم فيها فيُجَرِّد العِلم عنها، ويعلم أنَّها أنحاء تعليم، وتَنْهضُ قُواهُ إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات، فالرِّحْلة لا بُدَّ منها في طلب العِلم، لاكتساب الفوائد، والكمال بلقاء المشايخ، ومباشرة الرجال.
المنظر الخامس: في موانع العلوم وعوائقها.
وفيه فُتُوحات:
فَتْحٌ: واعلم أنَّهُ على كلِّ خَيْر مانعٌ، وعلى العِلْم موانع، منها: الوُثوق بالمستقبل، والوثوق بالذكاء، والانتقال من عِلْم إلى عِلْمٍ قبل أن يَحْصُلَ منه قَدْرٌ يُعْتَدُّ به، أو من كتاب إلى كتاب قبل خَتْمه. ومنها: طَلَبُ المال، أو الجاه، أو الرُّكون إلى اللذات البهيمية. ومنها: ضيقُ الحال، وعَدَم المَعُونة
стр. 127
على الاشتغال ومنها: إقبال الدُّنيا وتقليد الأعمال. ومنها: كَثْرَةُ التّوليف في العلوم، وكثرة الاختصارات فإنها مُخِلّةٌ عائقةٌ.
فَتْحٌ: أما الوثوق بالمُستقبل فلا ينبغي للعاقل، لأنَّ كُل يوم آت بمشاغله، فلا يؤخِّرَ شُغْلَ يومِهِ إلى غدٍ.
فَتْحٌ: وأما الوثوق بالذكاء فهو من الحماقة وكثير من الأذكياء فاته العلم بهذا السبب.
فَتْحٌ: وأما الانتقال من عِلْمٍ إلى عِلْم قبل أن يَسْتَحكِمَ الأوّل فهو سَبَبُ الحرمان عن الكل، فلا يجوز، وكذا الانتقال من كتاب إلى كتاب كذلك.
فَتْحٌ: وأما طلب المالِ أو الجاه أو الرُّكون إلى اللذات البهيمية، فالعِلْمُ أعزُّ أن يُنَال معَ غيره أو على سبيل التَّبعية، ولذلك ترى كثيرًا من الناس لا ينالون من العِلْم قَدْرًا صالحًا يُعْتَدُّ به لاشتغالهم عنه بطلب المنصب والمدرسة، وهم يطلبونَهُ دائمًا ليلا ونهارًا سِرًّا وجَهارًا ولا يَفْتُرون، وكانَ ذِكْرُهم وفِكْرُهم تَحْصِيلُ المالِ والجاه مع انهماكهم في اللذات الفانية وعَدَم رُكونهم إلى السَّعادةِ الباقية. ومناصبهم في الحقيقة مناصب أجنبية، لأنَّها شاغلةٌ عن الشغل والتحصيل على القانون المُعْتَبَر في طريقه.
فَتْحٌ: وأمّا ضِيقُ الحالِ وعَدَم المعونة على الاشتغال، فمن أعظم الموانع وأشدها؛ لأنَّ صاحبَه مهمومٌ مشغولُ القَلْب أبدًا.
فَتْحٌ: وأما إقبال الدُّنيا وتَقَلُّد الأعمال فلا شك أَنَّهُ يَمْنعُ صاحبَهُ عن التعليم والتعلُّم.
فَتْحٌ: وأَما كَثْرَةُ المصنَّفات في العلوم، واختلاف الاصطلاحات في التعليم فهي عائقةٌ عن التّحْصيل؛ لأنَّه لا يَفِي عُمر الطالب بما كتب في صناعةٍ واحدةٍ
стр. 128
إذا تَجَرَّد لها، لأنَّ ما صَنَّفُوه في الفقه مثلًا من المتون والشروح لو التزمَهُ طالب لا يَتَيسر له مع أَنَّهُ يحتاجُ إلى تمييز طُرُق المُتَقَدِّمين والمتأخرين، وهي كُلُّها متكرّرة والمعنى واحد، والمُتعلِّمُ مُطالَبٌ والعُمُر يَنْقضي في واحدٍ منها، ولو اقتصروا على المسائل المذهبيّة فقط لكان الأمرُ دُون ذلك، ولكنه داءٌ لا يَرْتفع.
ومثله عِلْمُ العربية أيضًا في مثل "كتاب" سِيبَوَيْه وما كُتِبَ عليه، وطُرُق البَصْريين والكوفيين والأندلسيين، وطُرُق المتأخرين مثل ابن الحاجب وابنِ مالك وجميع ما كُتِبَ في ذلك كيف يُطالب به المتعلم ويَنْقَضِي عُمُره دونه، ولا يَطْمع أحدٌ في الغاية منه. فالظاهرُ أنَّ المتعلم لو قطعَ عُمُرَهُ في هذا كُلِّه فلا يفي له بتَحْصِيل علم العَربيّةِ الذي هو آلةٌ من الآلات ووسيلة، فكيف يكون في المقصود الذي هو الثَّمرة، ولكنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يشاء.
فَتْحٌ: وأمّا كَثرة الاختصارات في العلوم فإنَّها مُخِلَّةٌ بالتعليم. وقد ذهب كثير من المُتأخرينَ إلى اختصارِ الطُّرق في العلوم ويُدَوِّنون منها مُختصرًا في كل علم يَشْتَمِلُ على حَصْر مسائله وأدلّتِها باختصار في الألفاظ وحَشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلكَ الفَنِّ، فصار ذلكَ مُخِلًّا بالبلاغَةِ وعَسِيرًا على الفهم. ورُبّما عَمَدُوا إلى الكُتُب المُطَوَّلة فاختَصَرُوها تقريبًا للحِفْظِ، كما فعلَهُ ابن الحاجب في أصوله وابن مالك في العربية، وفيه إخلال بالتَّحْصيل؛ لأنَّ فِيهِ تَخْليطًا على المُبْتَدِئ بإلقاء الغايات من العِلْم عليه وليس له استعداد لقبولها، ثم فيه شُغْلٌ كثيرٌ بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم لتزاحم المعاني عليها.
ثم إنَّ المَلَكة الحاصلة من المُختصرات إذا تَمَّ (١) على سَدَادِه فهي مَلَكَةٌ قاصرةٌ عن الملكات التي تَحْصُل من الموضوعات البسيطة لكثرة ما فيها
стр. 129
من التَّكْرارِ والإطالةِ المُفيدين لحصول الملكة التامة، ولما قصدوا إلى تسهيل الحِفْظ أرْكَبُوهم صَعْبًا بقَطْعِهم عن تحصيل الملكات النافعة.
المنظر السادس في أنَّ الحِفْظ غير المَلكة العلمية.
اعلم أنَّ مَن كانَ عنايته بالحِفْظ أكثر من عنايته إلى تحصيل الملكة، لا يَحْصُل على طائل من مَلَكةِ التَّصَرُّف في العِلْم، ولذلكَ تَرَى مَنْ حَصَّلَ الحفظ لا يُحسن شيئًا من الفَنَّ، وتجد مَلكته قاصِرةً في عِلْمه إن فاوَضَ أو ناظَرَ. ومَن ظَنَّ أَنَّهُ المقصود من المَلَكة العِلْمية فقد أخطأ، وإنَّما المقصود هو ملكة الاستخراج والاستنباط وسُرعة الانتقال من الدَّوال إلى المَدْلُولات، ومن اللازم إلى المَلْزوم وبالعكس، فإن انضمَّ إليها مَلَكة الاستحضار فنعم المطلوب. وهذا لا يتمُّ بمُجرَّدِ الحِفْظِ، بل الحِفْظُ من أسباب الاستحضار وهو راجع إلى جَوْدةِ القُوّة الحافِظةِ وضَعْفِها، وذلك من أحوال الأمزجة الخَلْقِيّة، وإن كان مما يقبل العلاج.
المنظر السابع: في شَرَائط تحصيل العِلْم وأسبابه.
وفيه فتوحات أيضًا:
فَتْحٌ: واعْلَم أَنَّ شَرائِطَ التَّحْصيل كثيرة لكنَّها مُجتمعةٌ فيما نُقِلَ عن سُقراط، وهو قوله: يَنبغي للطالب أن يكونَ شابًا، فارغ القَلْب غير مُلْتَفتٍ إلى الدُّنيا، صحيح المزاج، مُحبًّا للعلم بحيثُ لا يَخْتار على العِلْم شيئًا من الأشياء، صَدُوقًا، مُنْصِفًا بالطَّبْع، مُتَدَيِّنًا، أمينًا، عالمًا بالوظائف الشَّرْعية والأعمال الدينية، غير مُخل بواجبٍ فيها، ويُحَرِّم على نَفْسِهِ ما يَحْرُم في مِلَّة نَبِيِّه ويوافق الجمهور في الرُّسوم والعادات، ولا يكونُ فَظًّا سييءَ الخُلُق، ويَرْحمَ من دونه في المرتبة، ولا يكون أكولا ولا مُتَهَتِّكًا، ولا خاشعًا من الموت،
стр. 130
ولا جامعًا للمال إلا بقدر الحاجة فإنَّ الاشتغال بطلب أسباب المعيشة مانعٌ عن التعلّم. انتهى.
فَتْح: ومن الشُّروط تزكية الطالب عن الأخْلاقِ الرَدِيَّة، وهي مُتقدِّمة على غيرها كتقدم الطَّهارة، فكما أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كَلْبٌ (١)، كذلك لا تَدْخُل القَلْبَ إِذا وُجِدَ فيه كلابٌ باطنية. وكانت الأوائل يختبرونَ المتعلم أولًا، فإن وَجَدُوا فيه خُلُقًا رَدِيًّا مَنَعُوه لئلا يصير آلةَ الفَسادِ، وإن وجدُوهُ مهذبًا عَلَّمُوه ولا يُطْلِقُونه قبل الاستكمال خَوْفًا على فَسادِ دينه ودين غيره.
فَتْحٌ: ومنها الإخلاص في مُقاساة هذا المُسْلَكَ، وقَطْعُ الطَّمَع قبول أحدٍ، فيَجِبُ أن يَنْوِي في تعلّمه أن يَعْمَل بِعِلْمِه الله تعالى، وأن يُعَلِّم الجاهل، ويُوقظ الغافِلَ، ويُرشِدَ الغَوِي، فإنه قال ﵇: "مَن تَعَلَّم العِلْم لأربع دخلَ النّارَ ليُباهِي به العُلماء، وليماري به السُّفهاء، ويُقبل به وجوه النّاس إليه، وليأخذ به الأموال" (٢).
стр. 131
فَتْحٌ: ومن الشروط تقليلُ العوائق حتى الأهل والأولاد والوطن، فإنَّها صارفةٌ وشاغلةٌ، ما جعل الله لرجل من قَلْبَين في جَوْفِهِ، ومَهُما توزّعَتِ الفِكْرة قَصَرَت عن دَرْك الحقائق وقد قيل: العِلْمُ لا يعطيك بعضَهُ حتى تُعطيه كُلَّكَ، فإذا أعطيته كُلَّكَ فأنتَ على خَطَرٍ من الوصول إلى بعضه.
فَتْحٌ: ومنها تَرْكُ الكَسَل، وإيثارُ السَّهَر في الليالي. ومن جملة أسباب الكَسَل فيه ذِكْر المَوْت والخوف منه لكنه يَنْبَغِي أن يكون من جملة أسباب التَّحْصِيل، إذ لا عَملَ يَحْصُل به الاستعداد للموتِ أفضل من العِلْم والعَمَل به، والخوفُ (١) لا ينبغي أن يتسَلَّطَ على الطالب بحيثُ يشغله عن الاستعدادِ، وقوله ﵇: "أكثِرُوا ذِكْرَ هاذم اللذات" (٢) يدل على أنَّه يَنْبَغي أن يكون ذكره سببا للانقطاع عن اللذات الفانية دون الباقية.
فَتْحٌ: ومن الشُّروط العَزْمُ والثَّباتُ على التعلُّم إلى آخرِ العُمُر، كما قيل: الطَّلَبُ من المَهْد إلى اللَّحْدِ، وقال تعالى لحبيبه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]،
стр. 132
وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، والحيلة في صَرْف الأوقات إلى التحصيل أَنَّهُ إِذا مَلَّ مِن عِلْمٍ اسْتغلَ بآخَرَ كما قال ابن عبّاس ﵄ إذا مَلَّ من الكلام مع المُتعلِّمين: هاتوا دواوينَ الشُّعراء (١).
فَتْحٌ: ومنها اختيارُ مُعلِّمٍ ناصحٍ، نَقِيِّ الحَسَبِ، كَبيرِ السِّنِّ، لا يُلابِس الدُّنيا بحيث تُشْغِله عن دينه، ويُسافِرُ في طَلَب الأستاذ إلى أقصى البلاد، ويقال: أوّل ما يُذكر من المرء أستاذه، فإن كانَ جليلًا جَلَّ قَدْرُه (٢)، وإذا وُجِدَ يُلْقِي إليه زمامَ أَمْرِه ويُذْعِن لنُصْحِه إذعان المريض للطَّبِيب، ولا يَسْتَبِد بنفسه اتكالا على ذهنه، ولا يتكبر عليه وعلى العِلم، ولا يَسْتَنْكف؛ لأنَّه قد ورد في الحديث: "من لم يتحمل ذل التّعلّم ساعة بقي في ذل الجهل أبداط (٣).
ومن الآداب احترام المُعلِّم وإجلاله، فمن تأذَى منه أستاذه يُحْرَم بَرَكة العِلْم، ولا يَنْتَفِع به إلا قليلًا وينبغي أن يُقَدِّمَ حَقَّ مُعلّمه على حَقِّ أبويه وسائر المُسلمين. ومن تَوْقِيرِه تَوْقيرِ أولاده ومُتَعَلَّقاتِه، ومن تعظيم العِلْم تَعْظيم الكتب والشَّرَكاء.
فَتْحٌ: ومن الشروط أن يأتي على ما قرأهُ مُسْتوعِبًا لمسائله من مبادئه إلى نهايته بتفهيم واستثباتِ بالحُجَج وأن يَقْصد فيه الكتب الجيدة، وأن لا يعتقد في علم أنه حَصَّلَ منه على مِقدارٍ لا يُمكن الزيادة عليه، وذلكَ طَيْش يوجِبُ الحِرْمان.
стр. 133
فتحٌ: ومنها أن لا يَدَع فَنًّا من فنون العِلْم إلا وينظر فيه نظرًا يَطَّلع به على غايته ومَقْصده وطريقته، وبعدَ المُطالعة في الجميع، أو الأكثر إجمالًا، إن مالَ طبعه إلى فَنٍّ عليه أن يَقْصدَهُ ولا يتكلف غيرَهُ فليسَ كُلّ النّاس يَصْلُحون للتعلّم، ولا كُلّ مَن يَصْلُح لتعلم العِلْم يَصْلُح لسائر العلوم بل كُلّ مُيَسَّر لما خُلِقَ له. وإن كان ميله إلى الفنون على السواء مع موافقة الأسباب ومساعدة الأيام طَلَبَ التَّبَحُّرَ فيها، فإنَّ العُلومَ كُلَّها مُتعاونةٌ مُرتبطةٌ بعضُها ببعض، لكن عليه أن لا يَرْغَب في الآخَرِ قبل أن يَسْتَحْكِمَ الأوّل، لئلا يَصِير مُذَبْذبًا فيُحْرَم من الكُلِّ.
ولا يَكُن ممن يميل إلى البعض ويُعادِي الباقي، لأنَّ ذلكَ جَهْلٌ عظيم، وإياه أن يستهين بشيءٍ من العُلوم تقليدًا لما سَمِعَهُ من الجهلة، بل يجب أن يأخذ من كُلِّ حَظًّا، ويَشْكر من هداه إلى فَهْمِه.
ولا يَكُن ممن يَذُمُّ العِلْمَ ويَعْدُوه لجهلِه مثل ذَمّهم المنطق الذي هو أصلُ كُلِّ عِلْمٍ وتقويمُ كُلّ ذِهْنٍ، ومثل ذَمّهم العلوم الحِكْمية على الإطلاق من غيرِ معرفةِ القَدْر المذموم والمَمْدوح منها، ومثل ذَمّ علم النُّجوم مع أنَّ بعضًا منه فَرْضُ كفاية والبعضُ مُباحٌ، ومثل ذَمّ مَقالات الصُّوفية لاشتباهها عندَهُم.
والعِلْمُ إن كان مَذْمُومًا في نفسه كما زَعَمُوا فلا يَخْلُو تحصيله عن فائدة أقلها رد القائلين بها.
تنبيه: اعْلَم أَنَّ النَّظَرَ والمُطالعةَ فِي عُلوم الفلسفة يَحِلُّ بِشَرْطين:
أحدهما: أن لا يكون خالي الذهن عن العقائد الإسلامية بل يكون قويًّا في دينه راسخًا على الشريعة الشَّريفة.
стр. 134
والثاني: أن لا يتجاوز مسائلَهُم المُخالفة للشَّريعة، وإن تَجاوَزَ فإنما يُطالعها للرَّدُّ لا غير. هذا لمن ساعدَهُ الذِّهْنُ والسِّنُ والوَقْتُ، وسامَحَهُ الدَّهر عما يُفْضِيه إلى الحِرْمان، وإلّا فعليه أن يقتصر على الأهم وهو قَدْر ما يحتاجُ إليه فيما يَتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى وما لا بُدَّ منه في المبدأ والمَعادِ والمعاملات والعبادات والأخلاق والعادات.
فَتْحٌ: ومن الشروط المُعتبرة في التحصيل: المُذاكرة مع الأقران ومناظرتهم لما قيل: "العِلْمُ غَرْسٌ وماؤه دَرْسٌ"، لكن طَلبًا للثواب وإظهارًا للصواب، وقيل: "مطارَحةُ ساعةٍ خَيْرٌ من تَكْرارِ شَهْرٍ"، ولكن مع مُنْصفٍ سَليمِ الطَّبْع.
وينبغي للطالب أن يكون متأمِّلًا في دقائق العِلْم ويعتاد ذلك، فإنما تُدْرَك به، خصوصًا قبل الكلام، فإنه كالسهم فلا بد من تقويمه بالتأمل أولا.
فتحٌ: ومنها: الجِدُّ والهِمّة، فإنَّ الإنسان يطير بهما إلى شَوَاهِقِ الكَمَالات، وأن لا يؤخِّرَ شُغْلَ يومٍ إلى غَدٍ؛ فإنَّ لكلّ يومٍ مَشاغل.
ولا بُدَّ أن يكون معه محبرة في كل وقتٍ حتى يكتب ما يَسْمَع من الفوائد ويَسْتَنْبطه من الزَّوائِد، فإن العِلْمَ صَيْدٌ والكتابة قَيْدٌ.
وينبغي أن يَحْفَظ ما كَتَبَهُ، إذ العِلْمُ ما ثَبَتَ فِي الخَوَاطِر لا ما أودع في الدَّفاتر، بل الغَرَضُ منه المُراجعة إليها عند النسيان لا الاعتماد عليها.
فَتْحٌ: ومن الشُّروط مُراعاة مَرَاتب العلوم في القُرْب والبُعْدِ من المَقْصِدِ فلكل منها رُتبةٌ تَرْتِيبًا ضَرُوريًا يجبُ الرّعاية في التحصيل إذ البعض طريقٌ إلى البعض، ولكلِّ عِلْمٍ حَدٌ لا يَتَعدَّاهُ فعليه أن يَعْرِفَهُ، فلا يَتَجاوز ذلكَ الحَدّ، مثلًا لا يَقْصُد إقامة البراهين في النحو ولا يَطلب، وأيضًا لا يُقَصِّر عن حَدِّه
стр. 135
كان يَقْنع بالجَدَل في الهيئة، وأن يَعْرفَ أيضًا أنَّ ملاك الأمْرِ في المعاني هو الذَّوْقُ وإقامة البرهان عليه خارج عن الطَّوْق، ومَن طلبَ البُرهانَ عليه أتعب نفسه.
قال السَّكاكي (١): قبل أن نمنح هذه الفنون حَقَّها فلننبهك على أصل ليكون على ذِكْرٍ منكَ، وهو أن ليسَ من الواجب في صناعة، وإن كان المرجع في أصولها وتَفارِيعِها إلى مُجرَّد العَقْل، أن يكونَ الدَّخِيلُ فيها كالناشئ عليها في استفادَةِ الذَّوْق عنها (٢)، فكيف إذا كانت الصناعةُ مُسْتَنِدَةً إلى (٣) تحكُّماتٍ وَضْعيّة واعتباراتٍ إلْفِيّة فلا بأس (٤) على الدخيل في صناعةِ عِلْمٍ المعاني أن يُقَلِّدَ صاحبها في بعض فتاواه إن فاتهُ الذَّوْق هناك إلى أن يتكامل له على مَهْل مُوجباتُ ذلك الذَّوْق. انتهى.
فَتْحٌ: ومنها: أنَّ العُلوم الآلية لا تُوَسَّعُ فيها الأنظار؛ وذلك لأنَّ العُلوم المُتداولة على صنفين: علومٌ مَقْصودةٌ بالذات؛ كالشرعيات والحكميات، وعلومٌ هي آلةٌ ووسيلةٌ لهذه العلوم كالعَرَبية والمنطق.
وأما المقاصد فلا حَرَج في تَوْسِعة الكلام فيها، وتفريع المسائل، واستكشاف الأدِلّةِ فإنَّ ذلكَ يُزِيدُ طالبها تمكنًا في مَلَكتِه. وأمَّا العُلوم الآلية فلا يَنبغي أن ينظر فيها إلا من حيثُ هي آلةٌ للغَيْرِ ولا يُوسع فيها الكلام؛ لأنَّ ذلك يخرج بها عن المقصود، وصارَ الاشتغال بها لَغْوًا مع ما فيه مِن صُعوبة الحُصُولِ على مَلَكَتِها بطُولِها وكَثْرَةِ فُرُوعها. وربما يكون ذلك عائقًا عن
стр. 136
تَحْصِيل العلوم المقصودة بالذات لطولِ وسائلها فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعا للعُمُر وشُغلًا بما لا يَعْنِي. وهذا كما فَعَلَهُ المتأخِرونَ في النَّحْو والمَنْطِق وأصول الفقه، لأنَّهم أوسَعُوا دائرة الكلام فيها نَقْلًا واستدلالا، وأكثَرُوا من التّفاريع والمَسائِل بما أَخْرَجَها عن كَوْنِها آلةً وصَيَّرَها (١) مَقْصودةً بذاتها، فيكون لأجل ذلك لَغْوًا ومُضِرًّا بالمُتعلمين، لاهتمامهم بالمقصودِ أكثر من هذه الآلات (٢)، فإذا أفْنَى العُمُر فمتَى يَظفر بالمقاصد، فيجب عليه أن لا يَسْتَبْحِر فيها ولا يَسْتَكْثِر من مسائلها.
المنظر الثامن: في شروط الإفادة ونشر العِلْم.
وفيه فُتُوحات أيضًا:
فَتْحٌ: اعْلَم أَنَّ الإفادة من أفضل العِبادة فلا بُدَّ له من النِّيةِ ليكونَ ابتغاء لمرضاة الله وإرشادِ عبادِه، ولا يريد بذلك زيادةَ جَاهٍ وحُرْمةٍ، ولا يَطلب على إفادته أجرًا اقتداءً بصاحب الشَّرْع ﵇.
ثم يَنبغي لهُ مُراعاة أمورٍ منها أن يكونَ مُشْفِقًا ناصحًا على أصحابه (٣)، وأن يُنَبِّهه على غاية العُلوم، ويَزْجره عن الأخلاق الرَّدِيّة، ويَمْنعه أن يتَشَوَّق إلى رُتبةٍ فوقَ استحقاقه، وأن يَتَصدَّى للاشتغال فوق طاقته، وأن لا يُزْجَر إذا تعلّم للرياسةِ والمُباهاة إذ رُبما يَتَنبّه بالآخرة لحقائق الأمور، بل ينبغي أن يُرَغَبَ في نوع من العِلْم تُستفاد به الرياسة بالإطماع فيها حتى يستدرجه إلى الحق.
стр. 137
اعْلَم أَنَّ الله تعالى جعلَ الرِّياسةَ وحُسنَ الذِّكْر حِفْظًا للشَّرْع والعِلْم، مثل الحَبِّ المُلْقَى حولَ الشَّبَكة وكالشَّهوة الدّاعية إلى التناسل، ولهذا قيل: لولا الرياسة لبطل العِلْمُ، وأن يَزْجُرَ عما يجب الزَّجْر عنه بالتّعريض لا بالتصريح.
فَتْحٌ: ومنها أن يُبدأ بما يهم للمتعلم في الحال، إمّا في معاشه أو في مَعادِه ويُعَيِّن له ما يليقُ بطبعه من العُلوم، ويُراعِي التَّرْتِيبَ الأحسنَ حَسْبما يقتضيه رتبتها على قدر الاستعداد، فمن بلغَ رُشده في العِلْم يَنبغي أن يَبُثُّ إليه حقائق العُلوم وإلّا فحِفْظ العِلْم وإمساكه عمن لا يكون أهلا له أولى به:
فمن مَنَحَ الجُهَّالَ عِلْمًا أَضَاعَهُ … ومَن مَنَعَ المُسْتَوجبينَ فَقَد ظَلَم (١)
فإنَّ بَثَّ المعارفِ إلى غير أهلها مذمومٌ، وفي الحديث: "لا تَطْرَحُوا الدُّرَر في أفواه الكلاب" (٢). وكذا ينبغي أن يجتنب إسماع العوام كلمات الصُّوفية التي يَعْجَزُون عن تطبيقها بالشَّرْع، فإنّه يؤدي إلى انحلال قَيْد الشَّرْع عنهم، فيُفْتحُ عليهم باب الإلحاد والزَّنْدقة فينبغي أن يرشد إلى عِلْمٍ
стр. 138
العبادات الظاهرة، وإن عَرَض لهم شُبْهة يُعالِجُ بكلام إقناعي، ولا يَفْتح عليه (١) باب الحقائق، فإنَّ ذلك فسادُ النظام. وإن وجدَ ذكِيًّا ثابتًا على قواعدِ الشَّرْع جاز له أن يَفْتَح باب المعارف بعد امتحانات متوالية، لئلا يتزلزل عن جادّةِ الشَّرْع.
تنبيه: اعلم أنّه يجب على الطالب أن لا يُنكر ما لا يفهم من مقالاتهم الخَفِيّة وأحوالهم الغَرِيبة، إذْ كُلُّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، قال الشيخ (٢) في الإشارات" (٣): كلّ ما قرعَ سَمْعك من الغَرَائب فذَرْهُ في بُقعة الإمكان ما لم يَزُدْكَ عنه قائِمُ البُرهان. انتهى.
وإنما الغَرَضُ من تَدْوينِ تلك المقالات التذكرة لمن يعرفُ الأسرار والتنبيه على مَن لا يَعْرِفُها بأنَّ لنا عِلْمًا يجلُّ عن الأذهان فَهُمه حتى يُرْغَب في تَحْصيله كما في الحديث: "إِنَّ مِنَ العِلْم كهيئةِ المَكْنُون لا يَعْرفها إلا العُلماء بالله وإذا (٤) نطَقُوا لا ينكره إلّا أهلُ الغِرّة" (٥).
ورُوِيَ عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: حفظتُ من رَسُول الله ﷺ وعاءين أما أحدهما فبثثته، وأمّا الآخرُ فلو بثثته لقُطِعَ هذا لقُطِعَ هذا البُلْعُوم (٦).
стр. 139
وغَرَضُهم عدم إمكان التَّعبير وخَوْفُ مُقايسة السامعين الأحوال الإلهية بأحوالِ المُمْكِنات، فيَضِلُّوا أو يسوء الظَّنَّ في قائلها فيقابلوه بالإنكار.
فَتْحٌ: ومنها: يَنبغي (١) أنْ لا يُخالف قوله فعلهُ إذ لو أكْذَبَ مقاله بحاله يَنْفَرُ الناس عنه وعن الاسْتِرشادِ به وأكثر المُقَلِّدينَ يَنْظُرُونَ إلى حال القائل، والمُحَقِّقُ الذي لا ينظرُ إلى القائل فهو نادر، فلتكن عنايته بتزكية أعماله أكثر منه بتحْسِين عِلْمه؛ إذ لا بُدَّ للعالم من الوَرَع ليكونَ علمه أنفع، وفوائده أكثر، وأن يَكْظِمَ غيظَهُ عند التعليم، ولا يَخْلطهُ بِهَزْلٍ فيقْسُو قَلْبَه، ولا يَضْحَك فيه، ولا يَلْعب، ولا يُبالي إذا لم يُقْبَل قوله، ولا بأسَ بأَن يَمْتَحِنَ فَهم المتعلم، وأن لا يُجادِلَ في العِلْم، ولا يُماري في الحقِّ، فَإِنَّهُ يفتحُ بابَ الضَّلال، و أن لا يُدْخِل عِلْمًا في عِلم، لا في تعليم ولا في مناظرة، فإنَّ ذلك مُشَوِّش. وكثيرًا ما غَلِطَ جالينوس بهذا السبب، وأن يحثّ الصغار على التعلّم سيّما الحِفْظ، وأن يذكر لهم ما يَحْتَمِله فهمُهُم، وإن كان الطلاب مُبتدئين لا يُلْقِي عليهم المُشْكلات، وإن كانوا مُنتَهِين لا يتكلّم في الواضحات، ولا يجيبُ مَتَعَنِّتًا في سؤالِه، ولا ما لا يُلْقِى عليه من الأُغْلُوطات، وأن ينظر في الطالب (٢) إن كانَ له زيادة فَهم بحيثُ يَقْدَر على حَلِّ المُشكلات وكشف المُعْضلات، يهتم لتعليمه أشدّ الاهتمام، وإلا فيُعلِّمه قَدْرَ ما يَعْرف الفَرائضَ والسُّنَنَ، ثم يأمرُهُ باشتغال الاكتساب ونوافل الطاعات، لكن يَصْبر في امتحانِ ذهنه مِقدار ثلاث سنين، وإن سُئِلَ عما يَشُك فيه يقول: لا أَدْرِي، فإنَّ لا أدري نصفُ العِلْم.
стр. 140
المنظر التاسع: فيما يَنبغي أن يكونَ عليه أهلُ العِلْم.
قال الفقيه أبو الليث (١): يُرادُ من العُلماء عشرة أشياء: الخَشْيةُ، والنَّصيحةُ، والشَّفَقةُ، والاحتمال، والصَّبْرُ، والحِلْمُ، والتَّواضع، والعِفّةُ عن أموال النّاس، والدَّوامُ على النظر في الكُتُب، وقلة الحِجاب.
وأن لا يُنازِعَ أحدًا ولا يخاصمه، وعليه أن يشتغل بمصالح نفسه لا بقهر عَدُوَّهِ، قيل: مَن أراد أن يرغم أنفَ عَدُوّه فليحصلَ العِلْم وأن لا يَتَرفّه في المَطعم والملبس، ولا يَتَجمَّل في الأثاث والمسكن، بل يُؤثِرُ الاقتصاد في جمع الأمور، ويتشبه بالسَّلف الصالح، وكُلما ازداد إلى جانب القِلّة ميله از دادَ قُربه من الله؛ لأنَّ التزين بالمُباح وإن لم يكن حَراما، لكنَّ الخوض فيه يُوجبُ الأنس به حتى يَشُقَّ تَرْكُه، فالحَزْمُ اجتناب ذلك؛ لأَنَّ مَن حَاضَ في الدُّنيا لا يَسلمُ منها البَيَّةَ مع أنَّها مَزرعة الآخرة، ففيها الخيرُ النّافِعُ والسُّمُّ النّاقِعُ، ففي تمييز الأوّل من الثاني أحوالٌ:
منها: مَعْرفةُ رُتبة المال، فنعمَ الصّالحُ منه للصالح إذا جَعَلَهُ خادِمًا لا مخدوما، وهو مطلوب لتقوية البَدَن بالمطاعم والملابس والتَّقْوية لكَسْب العلوم والمعارف الذي هو المقصد الأقصى.
ومنها: مُراعاة جِهَة الدَّخل فمن قَدَر على كَسْب الحلال الطَّيِّب فليترك المُشْتَبه، وإن لم يَقْدَر يأخذ منه قدر الحاجة. وإن قدر عليه لكن بالتعب واستغراقِ الوَقْت فعلى العامل العامّي أن يختارَ التَّعَب، وإن كان من الأهل. فإن كانَ ما فاتَهُ من العِلْم والحال أكثر من الثّواب الحاصل في طلب الحلال
стр. 141
فله أن يختار الحلال الغير الطَّيِّب، كمن غَصَّ بلقمةٍ يَسِيغه (١) بالخَمْر لكن يُخفيه من الجاهل مهما أمكن كيلا يُحرِّك سلسلةَ الضَّلال.
ومنها: المقدار المأخوذ منه، وهو قَدْر الحاجة في المَسْكن والمَطْعَم والملبس والمَنْكَح إن جاوز من الأدنى لا يجوز التجاوز عن الوسط.
ومنها: الخَرْجُ والإنفاقُ فالمحمودُ منه الصَّدَقةُ المَفْروضة، والإنفاقُ على العيال. وقد اختُلِفَ في الأخذ والإنفاق على الوجه المَشْروع أَوْلَى أم تركه رأسًا مع الإنفاق؟ على أنَّ الإقبال على الدُّنيا بالكلية مذموم فالمُقْبِلون على الآخرة والصّارفُون للدُّنيا في محلّه فهم الأفضلون من التارك بالكلية، ومنهم عامة الأنبياء.
ومنها: أن تكون نيته صالحةٌ في الأخذ والإنفاق فينوي بالأخذِ أَنْ يستعينَ به على العبادة ويأكل ليتقوَّى به على العبادة.
المنظر العاشر: في التَّعَلُّم.
وفيه فتوحات أيضًا:
فَتْحٌ: اعْلَم أَنَّ تكميل النفوس البشرية في قواها النظرية والعَمَليّة إنّما يتم بالعِلْم بحقائق الأشياء، وما هو إليه كالوسيلة، وبه يكونُ القَصْدُ إلى الفَضائِل والاجتناب من (٢) الرَّذائل إذْ كانَ هو الوسيلة إلى السعادة الأبدية، ولا شيء أشنع وأقبح من الإنسان مع ما فَضَّلَهُ الله تعالى به من النُّطْق وقَبُول تَعَلُّم الآداب والعلوم أن يَهْمِلَ نفسَهُ ويُعَرِّيها من الفضائل. وقد حَثَّ
стр. 142
الشارع ﵊ على اكتسابه حيثُ قال: "طلبُ العِلْمِ فَرِيضة" (١)، وقال: "اطلبوا العِلْمَ ولو بالصين" (٢).
فَتْحٌ: واعْلَم أنَّ الإنسان مطبوعٌ على التّعلُّم؛ لأنَّ فِكْرَهُ هو سبب امتيازه عن سائر الحيوانات. ولما كانَ فكره راغِبًا بالطبع في تحصيل ما ليس عندَه من الإدراكات لزمه الرجوع إلى مَن سَبقَهُ بعلم، فيلقن ما عِنْده، ثم إِنَّ فكرَهُ يتوجه إلى واحدٍ من الحقائق، وينظرُ ما يَعْرِضُ له لذاتِه واحد بعد واحد، ويتمرن عليه حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة له، فيكون عِلْمُه حينئذٍ بما يَعْرضُ لتلك الحقيقة عِلْمًا مَخصوصًا ويَتَشَوَّق نفوسُ أهل القَرْن الناشئ إلى تحصيله فيَفْزعون إلى أهله.
فَتْحٌ: وكلُّ تعليمٍ وتَعَلُّمٍ ذهنيٍّ إنما يكون بعلمٍ سابق في مَعْلُومٍ ما من عالم لمن ليس بعالم وقد يكون بالطَّبْع مُسْتَفادًا من وقائع الزَّمانِ بتردُّدِ الأذهانِ ويُسَمّى عِلْمًا تجريبيًا. وقد يكونُ بالبحث وإعمالِ الفِكْر ويُسَمَّى علمًا قياسيًّا.
стр. 143
والعِلْمُ محصورٌ في التصور والتصديق والتّصورُ يُطْلَبُ بالأقوال الشارحة، والتصديقُ يكونُ عن مُقَدِّماتٍ في صُور القياسات للنتائج، فقد يحصل به اليقين وقد لا يَحْصُل إلا إقناع.
وقدَّموا في التعليم ما هو أقرب تناولًا ليكون سُلّمًا لغيره. وجَرَت سُنّة القدماء في التعليم مشافهة دون كتاب؛ لئلا يَصِلَ علمٌ إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه، ولكثرة المشتغلين بها. فلمّا ضَعُفت الهِمَمُ أخذوا في تدوين العُلوم وضَنُّوا ببعضها، فاستعملوا الرَّمْز واقتَصَرُوا (١) من الدِّلالات على الالتزام فمن عرَفَ مقاصِدَهُم حصل على أغراضهم.
فَتْحٌ: واعْلَم أَنَّ جميعَ المَعلومات إنَّما تُعْرفُ بالدلالة عليها بأحدِ الأمور الثلاثة: الإشارة، واللفظ، والخَطُّ. والإشارة تتوقفُ على المشاهدة، واللَّفْظُ يتوقف على حُضورِ المُخاطَب وسماعه، وأمّا الخَطُّ فلا يتوقف على شيءٍ فهو أَعَمُّها نَفعًا وأشرَفُها، وهو خاصةُ النَّوع الإنساني، فعلى المتعلم أن يجوده ولو بنوع منه. ولا شك أنَّه بالخَطِّ والقراءة ظهرت خاصة النوع الإنساني من القوة إلى الفعل وامتاز عن سائر الحيوان، وضُبطت الأموال، وحفظت العلوم والكمال، وانتقلت الأخبار من زمانٍ إلى زمان فجُبلت غرائز القوابل على قبول الكتابة والقراءة، لكنَّ السَّعْيَ لتحصيل المَلَكة وهو موقوفٌ على الأخذ والتعلم والتَّمرّنِ والتدرب.
فَتْحٌ: واعْلَم أَنَّ العِلْمَ والنَّظَرَ وجودهما بالقوة في الإنسان فيفيدُ صاحبَها عَقْلًا؛ لأنَّ النَّفْسَ الناطقة وخُروجها من القُوّة إلى الفِعْل إنَّما هو بتجدد العلوم والإدراكات من المَحْسُوسات أولًا ثم ما يُكْتَسَبُ بالقوة النَّظَرِيةِ إلى أن يصير إدراكًا بالفِعْل وعَقْلًا مَحْضًا، فيكون ذاتا رُوحانية، ويُسْتَكْمَل
стр. 144
حينئذ وجودها؛ فثبتَ أنَّ كلَّ نوع من العلوم والنَّظَرِ يفيدُها عَقْلًا مَزِيدًا، وكذا المَلَكاتُ الصناعية تفيدُ عَقْلا، والكتابة من بين الصنائع أكثر إفادة لذلك؛ لأنَّها تشتمل على عُلوم وأنظار إذ فيها انتقال من صُورِ الحُرُوف الخطية إلى الكلمات اللفظية، ومنها إلى المعاني، فهو ينتقل من دليلٍ إلى دليل، وتَتَعوّدُ النَّفْسُ ذلك دائمًا فتحصُلُ لها مَلَكة الانتقال من الأدِلَّة إلى الْمَدْلول، وهو مَعْنَى النَّظَر العَقْلي الذي تُكْسَب به العُلومُ المَجهولة، فيَحْصُل بذلك زيادةَ عَقْل ومزيدَ فِطْنة، وهذا هو ثمرة التعلّم في الدُّنيا.
فَتْحٌ: ثم إنَّ المقصود من العِلْم والتعليم والتَّعَلُّم معرفةُ الله تعالى، وهي غاية الغايات، ورأسُ أنواع السعادات ويُعَبَّرُ عنها بعلم اليقين الذي يَخُصُّه الصوفية أولوا الكرامات، وهو الكمالُ المطلوبُ من العِلْمِ الثابت بالأدلة.
وإياكَ أَيُّها المتعلم أن يكونَ شُغلك من العِلْم أن تجعله صنعةً غَلَبت على قلبك حتى قضيتَ نَحْبَكَ بتكراره عند النَّزْعِ، كما يُحْكَى أَنَّ أَبا طاهرٍ الزِّياديَّ (١) كان يكرر مسألة ضمان الدَّرَك (٢) حالة نَزْعه بل يَنْبَغِي لكَ أن تتخذَهُ سَبِيلًا إلى النَّجاة.
ذِكْر إحراق الكُتُب وإعدامها:
ومن أجل ذلك نُقِلَ عن بعض المشايخ أَنَّهُم أحرقُوا كتبهم، منهم العارف بالله أحمد بن أبي الحواري (٣) فإنه كما ذكرَهُ أبو نعيم في "الحلية" (٤) أَنَّه
стр. 145
لما فرغ من التّعلّم جلسَ للنّاس فخَطَرَ بقَلْبه يومًا خاطرٌ من قِبَل الحقّ فحمل كُتُبه إلى شَطِّ الفُرات فجلسَ يَبْكي ساعةً، ثم قال: نِعْمَ الدَّليل كُنْتِ لي على رَبِّي، ولكن لما ظَفَرتُ بالمدلول الاشتغال بالدليل مُحالٌ، فغَسَلَ كتبَهُ.
وذكرَ ابن المُلَقِّن في ترجمته من طبقات الأولياء" (١) ما نصه: وقد رُوِيَ نحو هذا عن سفيان الثَّوري أنّه أوصَى بدَفْن كُتُبه، وكانَ نَدِمَ على أشياءَ كتبها عن الضعفاء.
وقال ابن عَساكر في الكُنى من "التاريخ" (٢): إِنَّ أَبا عَمْرو بن العلاء كانَ أعلم النّاس بالقُرآن والعَرَبية وكانت دفاتره ملء بيتٍ إلى السَّقْف ثم تنسك وأحرقها.
فائدة: ذكرها البقاعي في حاشيته على شرح الألفية للزين العراقي.
وهي أنَّه قال: سألت شَيْخَنا، يعني ابن حَجَر العَسْقَلاني، عَمّا فَعل داود الطائي وأمثاله من إعدام كتبهم ما سببه فقال: لم يكونوا يرون أنَّه يجوزُ لأحدٍ روايتها لا بالإجازة ولا بالوجادة بل يرون أنه إذا رواها أحد بالوجادة يُضَعَّف، فرأوا أنَّ مَفْسَدة إتلافها أخف من مَفْسَدة تضعيف بسببهم (٣). انتهى.
أقول: وجوابه بالنَّظَر إلى فنِّ الحديث، وهو لا يقعُ جوابًا عن إعدام ابن أبي الحواري وأمثاله، لأن الأوّل بسبب ضعف الإسناد، والثاني بسبب الزهد والتَّبَتُّل إلى الله تعالى، ولعل الجواب عن إعدامهم أَنَّه إن أخرجَهُ عن مِلْكه بالهِبَةِ والبَيْع ونحوه لا تَنْحَسِمُ مادة العلاقة القلبية بالكلية ولا يأمن