والأوّل: عِلْم المنطق، والثاني: عِلْم الأدب، وهو ما يُبْحَث فيه عن الدِّلالات اللسانية أو الدِّلالات البنانية، فالثاني عِلْم الخَطِّ، والأوّل يختص بالدلالات الإفرادية أو التركيبية أو يكون مُشْتَركًا بينهما، والأول إن كان البحث فيه عن المُفْردات فهو عِلْمُ اللُّغة، وإنْ كانَ البحث فيه عنها من صِيَغِها فعِلْمُ الصَّرْف، والثاني إما أن يختص بالموزون أو لا، والأوّل إن اختَصَّ بمقاطع الأبيات فعِلمُ القافية، وإلّا، فالعَرُوض والثاني: إن كانت العِصْمة به عن الخطأ في تأدية أصل المعنى فهو النحو وإلا فهو عِلْم البلاغة، والثالث: عِلْم الفَصاحة. ثمَّ عِلْمٍ البلاغة إن كان ما يُطلب به العِضمة عن الخطأ في تطبيق الكلام لمقتضى الحالِ فعِلْم المعاني، وإن كان في أنواع الدِّلالةِ ومعرفة كَوْنَها خَفِيّةً وجَلِيّةً فعِلْمُ البيان. وأمّا عِلْمُ الفَصاحة فإن اختَصَّ بالعصمة عن الخطأ في تركيب المُفردات من حيث التَّحْسين فعِلْمُ البَدِيع.
التقسيم الخامس: ما ذَكَرَهُ صاحب "مفتاح السعادة" وهو أحسنُ من الجميع حيث قال (١): اعْلَم أَنَّ للأشياء وجودًا في أربع مراتب في الكتابة، والعبارة، والأذهان، والأعيان. وكلُّ سابق منها وسيلة إلى اللاحق؛ لأنَّ الخَطَّ دالٌّ على الألفاظ، وهذه على ما في الأذهان، وهذا على من في الأعيان، والوجود العيني هو الوجود الحقيقي الأصيل، وفي الوجود الذهني خلافٌ في أنه حقيقي أو مجازي. وأما الأوّلان فمجازيّان قطعًا.
ثم العِلْمِ المُتعلِّقُ بالثلاث الأول آليٌّ البَتَّة وأما العِلْمُ المُتَعلِّق (٢) بالأعيان فإِما عَمَليُّ لا يُقْصَدُ به حُصُولُ نَفْسه بل غيره، أو نَظَرِيٌّ يُقْصَدُ به حصولُ نَفْسِه.
стр. 72
ثم إِنَّ كلًّا منهُما إما أن يُبْحَثَ فيه من حيثُ أنَّه مأخوذ من الشَّرْع، فهو العِلْم الشَّرْعي، أو من حيثُ أَنَّه مُقْتَضَى العَقْل فقط فهو العِلْم الحِكْمِي، فهذه هي الأصول السبعة، ولكلّ منها أنواع ولأنواعها فُروعٌ يَبْلغ الكُلُّ على ما اجتهدنا في الفحص والتَّنْقِير عنه بحَسَبِ مَوْضوعاتِه وأساميه وتتبع ما فيه من المُصَنَّفات إلى مئة وخَمْسين نَوْعًا، ولعلي سأزيد بعد هذا. انتهى.
فرتب كتابه على سَبْع دَوْحات لكلِّ أصلٍ دَوْحة، وجعل لكلِّ دَوْحَةٍ شُعَبًا لبيان الفُرُوع.
فما أورده في الأولى (١) من العلوم الخَطِّية (٢): عِلْمُ أدوات الخَطِّ، عِلْمُ قوانين الكتابة عِلْمُ تَحْسين الحُروف، عِلْمُ كيفية تَوَلّد الخطوط عن أصولها، عِلْمُ ترتيب حُرُوف التَّهَجِّي، عِلْمُ تركيب أشكال بسائط الحروف، عِلْمُ إملاء الخط العربي، عِلْمُ خَطِّ المُصْحف، عِلْمُ خَطِّ العَروض. وذكر في الثانية العلوم المتعلقة بالألفاظ وهي (٣): عِلْمُ مخارج الحروف، عِلْمُ اللُّغة عِلْمُ الوَضْع عِلْمُ الاشتقاق، عِلْمُ التّصريف، عِلْمُ النَّحو، عِلْمُ المعاني، عِلْمُ البَيان، عِلْمُ البَدِيعِ، عِلْمُ العَروض، عِلْمُ القوافي، عِلْمُ قَرْض الشَّعْر، عِلْمُ مبادئ الشَّعْر، عِلْمُ الإنشاء، عِلْمُ مبادئ الإنشاء وأدواته، عِلْمُ المُحاضرة، عِلْمُ الدَّواوين، عِلْمُ التواريخ.
وجعل من فروع العلوم العربية: عِلْمَ الأمثالِ عِلْمَ وقائع الأمم ورسومهم، عِلْمَ استعمالات الألفاظ، عِلْمَ التّرسل، عِلْمَ الشروط والسجلات، عِلْمَ الأحاجي والأغْلُوطات، عِلْمَ الألغاز، عِلْمَ المُعَمَّى، عِلْمَ التَّصْحيف، عِلْمَ
стр. 73
المَقْلُوب، عِلْمَ الجِناسِ، عِلْمَ مُسامَرةِ الملوكِ، عِلْمَ حكايات الصَّالحين، عِلْمَ أخبار الأنبياء، عِلْمَ المغازي والسير، عِلْمَ تاريخ الخُلفاء، عِلْمَ طبقات القُرّاء، عِلْمَ طبقات المُفَسِّرين، عِلْمَ طبقات المُحدِّثين، عِلْمَ سِيَر الصَّحابة (١)، عِلْمَ طبقات الشافعية، عِلْمَ طبقات الحنفية، عِلْمَ طبقات المالكية، عِلْمَ طبقات الحنابلة، عِلْمَ طبقات النحاة، عِلْمَ طبقات الأطبّاء.
وذَكرَ في الثالثة العلوم الباحثة عمّا في الأذهانِ من المَعْقُولات الثانية وهي (٢): عِلْمُ المَنْطق، عِلْمُ آداب الدَّرْس، عِلْمُ النَّظَرِ، عِلْمُ الجَدَل، عِلمُ الخلاف.
وذَكَرَ في الرابعة العلوم المتعلقة بالأعيان وهي (٣): العِلْمُ الإلهي، والعِلْمُ الطَّبيعي، والعلوم الرياضية وهي أربعةُ: عِلْمُ العَدَد، وعِلْمُ الهَندسة، وعِلْمُ الهيئة، وعِلْمُ الموسيقى.
وجعل من فُروع العِلْم الإلهي: عِلْمَ مَعْرفةِ النَّفْس الإنسانية، عِلْمَ معرفة النَّفْسِ المَلَكيّة (٤)، عِلْمَ مَعْرفة المَعاد، عِلْمَ أمارات النبوة، عِلْمَ مقالات الفرق. وجعل من فُروع العِلْم الطَّبيعي (٥): عِلْمَ الطِّب، عِلْمَ البَيْطَرة، عِلْمَ البَيْزَرة، عِلْمَ النّبات، عِلْمَ الحيوان، عِلْمَ الفلاحة، عِلْمَ المَعادن، عِلْمَ الجَواهر، عِلْمَ الكَوْن والفَساد، عِلْمَ قَوْس قُزح، عِلْمَ الفِراسة، عِلْمَ تَعْبير الرُّؤيا، عِلْمَ أحكام النُّجوم، عِلْمَ السِّحْر، عِلْمَ الطَّلسمات، عِلْمَ السِّيمياء، عِلْمَ الكيمياء.
عِلْمَ الملاحة، عِلْمَ السِّباحة، عِلْمَ الأوزان والموازين، عِلْمَ الآلات المبنية على ضرورة عدم الخلاء.
وجعل من فروع الهيئة: عِلْمَ الزيجات والتقويم، عِلْمَ حساب النُّجوم، عِلْمَ كتاب التَّقاويم، عِلْمَ كيفية الأرصاد، عِلْمَ الآلات الرصدية، عِلْمَ المواقيت، عِلْمَ الآلات الظِلية، عِلْمَ الأُكُر، عِلْمَ الأُكُر المُتَحَرِّكة، عِلْمَ تَسْطِيح الكُرة، عِلْمَ صُوَر الكواكب، عِلْمَ مقادير العُلويات، عِلْمَ مَنازل القَمَر، عِلْمَ جُغرافيا، عِلْمَ مَسالك البلدان، عِلْمَ البُرد ومُسافاتها، عِلْمَ خواص الأقاليم، عِلْمَ الأدوار والأكْوَار، عِلْمَ القِرَانات، عِلْمَ المَلاحم، عِلْمَ المواسم، عِلْمَ مواقيت الصَّلاة، عِلْمَ وَضْع الأسطرلاب، عِلْمَ عَمَل الأسطرلاب، عِلْمَ وَضْع الربع المُجَيّب والمُقَنْطَرات، عِلْمَ عَمَل رُبع الدّارَةِ، عِلْمَ آلات السّاعة.
وجعل من فُروع عِلْمَ العدد: عِلْمَ حساب التَّحْت والميل، عِلْمَ الجَبْرِ والمُقابلة، عِلْمَ حِسَابِ الخَطَأين (١)، عِلْمَ حِسَاب الدور والوصايا، عِلْمَ حساب الدرهم والدينار (٢)، عِلْمَ حساب الفَرائض، عِلْمَ حساب الهَوَاء، عِلْمَ حسابِ العقود بالأصابع، عِلْمَ أعداد الوفق عِلْمَ خواص الأعداد، عِلْمَ التّعابِي العَدَدِيّة.
وجعلَ من فُروع الموسيقى: عِلْمَ الآلات العَجِيبة، عِلْمَ الرَّقْص، عِلْمَ الغُنْج.
وذكر في الخامسة (٣) العلوم الحِكْمية العملية، وهي (٤): عِلْمُ الأخلاق، عِلْمُ تدبير المنزل، عِلْمُ السِّياسة.
стр. 76
وجعل من فُروع الحِكْمَة العَمَلية: عِلْمَ آداب المُلُوك، عِلْمَ آدابِ الوَزَارة، عِلْمَ الاحتساب، عِلْمَ قَوْد العساكر والجيوش.
وذكر في السادسة العلومَ الشَّرْعية وهي (١): عِلْمُ القراءة، عِلْمُ تفسير القُرآن، عِلْمُ رِوَاية الحديث، عِلْمُ دِرَاية الحديث، عِلْمُ أصول الدين المُسَمَّى بالكلام، عِلْمُ أصول الفقه، عِلْمُ الفقه.
وجعل من فروع القِراءة: عِلْمَ الشَّواذ، عِلْمَ مخارج الحُرُوف، عِلْمَ مخارج الألفاظ، عِلْمَ الوقوف، عِلْمَ عِلل القراءات، عِلْمَ رَسم كتابة القُرآن، عِلْمَ آداب كتابة المُصحف.
وجعل من فُروع الحديث: عِلْمَ شَرْح الحديث، عِلْمَ أسباب ورُود الأحاديث وأزمنته، عِلْمَ ناسخ الحديث ومنسوخه، عِلْمَ تأويل أقوال النبي ﵇، عِلْمَ رُموز الحديث وإشاراته، عِلْمَ غَرَائب لغات الحديث، عِلْمَ دَفْع الطَّعْن عن الحديث، عِلْمَ تَلْفِيق الأحاديث، عِلْمَ أحوال رواة الأحاديث، عِلْمَ طب النبي ﵇.
وجعل من فُروع التَّفْسير: عِلْمَ المكيّ والمَدَني، عِلْمَ الحَضَرِي والسَّفَرِي، عِلْمَ النَّهارِي واللَّيلي، عِلْمَ الصَّيفي والشِّتائي، عِلْمَ الفِرَاشي والنَّومِي، عِلْمَ الأرضِي والسَّمائي، عِلْمَ أول ما نَزَل وآخر ما نَزَل، عِلْمَ سَبَب النزول، عِلْمَ ما نزل على لسانِ بعض الصَّحابة، عِلْمَ ما تَكرّر نُزُوله، عِلْمَ ما تأخَّر حُكمُه من نزوله وما تأخَّر نُزُوله عن حكمه، عِلْمَ ما نزلَ مُفَرَّقًا وما نزلَ جَمْعًا، عِلْمَ ما نزلَ مُشَيَّعًا وما نزلَ مُفْرَدًا، عِلْمَ ما أَنزَلَ منه على بعض الأنبياء وما لم يَنْزل، عِلْمَ كيفية إنزال القُرآن، عِلْمَ أسماء القُرآن وأسماء
стр. 77
سُورِه، عِلْمَ جَمْعه وترتيبه، عِلْمَ عَدَد سُورِه وآياته وكلماتِه وحُرُوفه، عِلْمَ حُفاظه ورواته، عِلْمَ العالي والنّازِل من أسانيده، عِلْمَ المُتواتر والمَشْهور، عِلْمَ بيان المَوْصول لَفْظًا والمَفْصول معنَى عِلْمَ الإمالة والفَتْح، عِلْمَ الإدغام والإظهار والإخفاء والإقلاب، عِلْمَ المَدِّ والقَصْر، عِلْمَ تخفيف (١) الهَمْزة، عِلْمَ كيفية تَحَمُّل القُرآن، عِلْمَ آداب تلاوته وتاليه، عِلْمَ جَواز الاقتباس، عِلْمَ غَرِيب القُرآن، عِلْمَ ما وقع فيه بغير لغة الحجاز، عِلْمَ ما وقع فيه من غيرِ لغة العَرَب، عِلْمَ الوجوه والنظائر، عِلْمَ معاني الأدوات التي يَحْتاج إليها المُفَسّر، عِلْمَ المُحْكَم والمُتَشابه، عِلْمَ مُقَدَّم القُرآن ومؤخَّره، عِلْمَ عام القُرآن وخاصه، عِلْمَ ناسخ القُرآن ومَنْسوخه، عِلْمَ مُشْكل القُرآن، عِلْمَ مُطلق القُرآن ومُقَيَّده، عِلْمَ مَنْطوق القُرآن ومفهومه، عِلْمَ وجوه مخاطباته، عِلْمَ حقيقةِ ألفاظ القُرآن ومجازها، عِلْمَ تشبيه القُرآن، واستعاراتِه عِلْمَ كناياتِ القُرآن وتعريضاته، عِلْمَ الحَصْر والاختصاص، عِلْمَ الإيجاز والإطناب، عِلْمَ الخبر والإنشاء، عِلْمَ بدائع القُرآن، عِلْمَ فواصل الآي، عِلْمَ خَواتِم السُّور، عِلْمَ مُناسبة الآيات والشور، عِلْمَ الآيات المُتشابهات (٢)، عِلْمَ إعجاز القُرآن، عِلْمَ العلوم المُسْتَنْبَطَة من القُرآن عِلْمَ أقسام القُرآن، عِلْمَ جَدَل القُرآن، عِلْمَ ما وقعَ في القُرآن من الأسماء والكُنَى والألقاب، عِلْمَ مُبْهَمات القُرآن، عِلْمَ فضائل القُرآن، عِلْمَ أفضل القُرآن وفاضله، عِلْمَ مُفردات القُرآن، عِلْمَ خواص القُرآن، عِلْمَ مَرْسوم الخَطِّ وآداب كِتابتِه، عِلْمَ تَفْسِيرِه وتأويله وبيانِ شَرَفه، عِلْمَ شُرُوط المُفَسِّرِ وآدابِه عِلْمَ غرائبِ التَّفسير، عِلْمَ طبقاتِ
стр. 78
المُفَسِّرين، عِلْمَ خواص الحُروف، عِلْمَ الخواص الروحانية من الأوفاق (١)، عِلْمَ التّصريف بالحروف والأسماء، عِلْمَ الحُروف النُّورانية والظُّلمانية، عِلْمَ التّصرف بالاسم الأعظم، عِلْمَ الكَسْر والبَسْط، عِلْمَ الزّايرجه، عِلْمَ الجَفْر والجامِعَة، عِلْمَ دَفْعِ مَطاعن القُرآن.
وجعل من فُروع الحديث: عِلْمَ المواعظ، عِلْمَ الأدعية، عِلْمَ الآثار، عِلْمَ الزُّهد والورع، عِلْمَ صلاة الحاجات، عِلْمَ المَغازي.
وجعل من فُروع أصول الفقه: عِلْمَ النَّظَر، عِلْمَ المُناظرة، عِلْمَ الجَدَل.
وجعلَ من فُروع الفقه: عِلْمَ الفَرائض، عِلْمَ الشُّرُوط والسِّجلات، عِلْمَ القضاء، عِلْمَ حُكم الشَّرائع، عِلْمَ الفَتاوَى.
فيكون جميع ما ذكره من العلوم المتعلقة بطريق النظر ثلاث مئة وخمسة عُلوم.
ثم إنه جعلَ الطَّرَفَ الثّاني من كتابه في بيان العلوم المُتَعَلِّقة بالتصفية التي هي ثمرةُ العَمَل بالعِلْم فلخّص فيه كتاب "الإحياء" للإمام الغزالي ولم يذكر عِلْمَ التَّصَوف. فلله دره في الغَوْص على بحار العلوم وإبراز دُرَرِها.
فإن قيل: إنّه قصد تكثير أنواع العُلوم فأورد في فُرُوعها ما أوردَ كذكره في فُرُوع عِلْمَ التَّفسير ما ذكرَهُ السُّيُوطي في "الإتقان من الأنواع وهلا يُرَدّ عليه أنه إن أرادَ بالفُروع المقاصد للعِلم، فعلمُ الطِّبِّ مَثَلًا يصل إلى ألوف من العلوم، وإن أرادَ ما أُفْرِدَ بالتَّدوين فلم يستوعب الأقسام في كثير من المباحث التي أُفرِدَت بالتدوين وقد أَخَلَّ بذِكْرها على أنَّه أدخلَ في فُروع عِلْمٍ ما ليس منه.
стр. 79
قلت: نعم يَرِد لكنَّ الجواد قد يَكْبُو والفَتَى قد يَصْبُو ولا تُعدُّ إِلا هَفَوَاتُ العارف وتَدْخلُ الزُّيوفُ على أعلى الصَّوارف (١). ولا يَخْفَى عليكَ أنَّ التعقب على الكُتُب سَيّما الطويلة سَهْل بالنسبة إلى تأليفها ووَضْعِها وتَرْصيفها كما يُشاهد في الأبنية العظيمة والهياكل القديمة حيثُ يَعْتَرِضُ على بانِيهَا مَن عَرِيَ فِي فَنّه عن القوى والقدر بحيثُ لا يَقْدَر على وَضْع حجَرٍ على حَجَر.
هذا جوابي عمّا يَرِدُ على كتابي أيضًا. وقد كتبَ أستاذ البلغاء القاضي الفاضل عبد الرَّحيمِ البَيْساني (٢) إلى العِماد الأصفهاني (٣) معتذرا عن كلام استدركه عليه: إنَّه قد وقع لي شيء وما أدْرِي أوقعَ لك أم لا وها أنا أُخبركَ به، وذلك أني رأيتُ أَنَّهُ لا يَكْتُب إنسان كتابًا في يومه إلّا قال في غَدِه: لو غُيِّرَ هذا لكانَ أحْسَن ولو زِيْدَ لكانَ يُسْتَحْسَن ولو قُدِّم هذا لكانَ أفْضَل، ولو رك هذا لكانَ أجْمَل وهذا من أعظم العِبَر، وهو دليلٌ على استيلاء النَّقص على جُملة البَشَر (٤). انتهى.
هذا اعتذارٌ قليلُ المِقْدار عن جَميع الإيرادات والأنظار إجمالا، وأما التفصيل فسيأتي في موضع كُلِّ عِلْمٍ مع توجيهه بإنصاف وحِلْمٍ. ورُبَّما زِيْدَ على ما ذكَرَهُ من العلوم على طريق الاستدراك بتمكين مانِح القريحة والذِّهن الدَّرّاك.
стр. 80
الفصل الخامس في مَرَاتِب العُلُوم (١) وشَرَفِه وما يَلْحَقُ به
وفيه إعلامات:
الإعلام الأول: في شَرَفه وفَضْله.
واكتفيتُ مما ورد فيه من الآيات والأخبار بالقليل لشُهرته وقوّة الدليل. قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الزمر: ٩] الآية. وعن معاذ بن جَبَل ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَعَلَّمُوا العِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لله خَشْيَةٌ وطَلَبَهُ عِبادةٌ، ومُذاكرتَهُ تَسْبيحٌ، والبَحْثَ عنه جهادٌ، وتَعْليمَهُ لَمَنْ لا يَعْلمه صَدَقَةٌ، وبَذْلَهُ لأَهلِهِ قُربةٌ، لأنه معالم الحلال والحَرام، ومَنارُ سُبُل أهل الجنة، وهو الآنسُ (٢) في الوَحْشَةِ، والصّاحِبُ في الغُرْبةِ والمُحَدِّثُ في الخَلْوةِ والدَّليلُ على السَّرّاء والضَّرّاء، والسّلاحُ على الأعداء، والزَّيْنُ عند الأخلاء، يرفعُ الله به أقوامًا فيجعلهم في الخَيْر قادةً وأئمةً تُقْتَصُّ آثارُهم ويُقْتَدى بفعالهم، تَرْغَبُ الملائكة في خلّتِهم وبأجنحتها تَمْسَحُهم، يستغفِرُ لهم كُلُّ رَطْبٍ ويابس، وحِيتانُ البَحْر وهَوَاتُه، وسِبَاعُ البر وأنعامه؛ لأنَّ العِلْمَ حياةُ القُلوبِ من الجَهْل، ومُصابيح الأبصار من الظُّلَم، يبلغُ العَبْدُ بالعِلْم منازل الأخيارِ والدَّرجات العلى في الدُّنيا والآخرة، التفكرُ (٣) فيه يَعْدلُ الصِّيام ومُدَارستُه تَعْدِلُ (٤) القيام، به تُوصَلُ الأرحام،
стр. 81
وبه يُعْرَفُ الحلال والحرام، هو إمام العَمَلُ تابِعُهُ، ويُلْهَمُهُ السُّعداء ويُحْرَمُه الأشقياء".
أورده ابن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم" بإسناده (١) وقال: وهو حديث حَسَن جِدًّا وفي إسناده ضعف (٢). وروي أيضًا من طرقٍ شَتّى موقوفًا على مُعاذ (٣). وقد يقال: الموقوف في مثل هذا كالمرفوع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي (٤).
وقال الشافعي: من شَرَف العِلْم أَنَّ كُلَّ مَن نُسِبَ إليه ولو في شيءٍ حَقِيرٍ فَرِحَ ومن رُفِعَ عنه حَزِن (٥).
وقال الأحنف: كُلُّ عِزٍّ لم يُوَطَّد بعلم فإلى ذُل مصيره (٦).
ثم إنَّ العلوم مع اشتراكها في الشَّرَف تتفاوت فيه: فمنه (٧) ما هو بحَسَبِ
стр. 82
الموضوع كالطِّب فإنَّ موضوعَهُ بَدَنِ الإنسان، والتفسير فإنَّ موضوعَهُ كلامُ الله، ولا خَفَاء في شَرَفهما.
ومنه (١) ما هو بحَسَب الغاية كعِلم الأخلاق، فإنَّ غايته معرفةُ الفَضائل الإنسانية.
ومنها ما هو بحَسَب الحاجة إليه كالفقه فإنَّ الحاجة إليه ماسة.
ومنها ما هو بحسب وثاقة الحجة كالعلوم الرياضية فإنها برهانية.
ومن العلوم ما يَقْوَى شَرَفُه باجتماع هذه الاعتبارات فيه أو أكثرها كالعلم الإلهي، فإنَّ موضوعه شريفٌ وغايتُهُ فاضلةٌ والحاجة إليه ماسةٌ.
وقد يكون أحدُ العِلْمَيْن أشرف من الآخر باعتبار ثَمَرتِه (٢) أو وثاقة دلائله (٣) أو غايته. ثم إِنَّ شَرَف الثَّمرة أولى من شَرَف قُوةِ الدِّلالة (٤)، فأَشْرَفُ العُلوم ثمرةُ العِلْم بالله وملائكته وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وما يعينُ عليه، فإِنَّ ثمرته السعادة الأبدية.
الإعلام الثاني: في كون العِلْم ألذّ الأشياء وأنْفَعها.
وفيه: تعليمان:
الأول: في لذّتِه. اعْلَم أَنَّ شَرَفَ الشيء إمّا لذاتِهِ أو لغَيرِه، والعِلْمُ حائز للشرفين جميعًا؛ لأنَّه لذيذ في نَفْسِه فيُطْلَبُ لذاته، ولذيذ لغيره فيُطْلَب لأجلِه. أمّا الأوّل فلا يَخْفَى على أهله أَنَّهُ لا لَذَّة فوقها لأنَّها لذةٌ رُوحانية، وهي اللذة
стр. 83
المَحْضةُ. وأمّا اللَّذةُ الجِسْمانيّة فهي دَفْعُ الألم في الحقيقة كما أَنَّ لَذَّةَ الأكْلِ ألم الجوع ولَذّة الجماع دَفْعُ ألم الامتلاء (١) بخلاف اللَّذة الروحانية فإِنَّهَا أَلَذُّ وأشْهَى (٢) من اللذائذ الجِسْمانيّة، ولهذا كانَ الإمامُ الثاني: محمد بن الحَسَن الشَّيْباني يقول عندما انحلت له مشكلات العلوم: أينَ أبناء الملوك من هذه اللَّذة، سيما إذا كانت الفكرة في حقائق الملكوت وأسرار اللاهوت (٣).
ومن لذته التابعة لعزّتِه أنه لا يَقْبل العزل والنَّصب، ومع دوامه لا مزاحمة فيه لأحد؛ لأن المعلومات مُتَّسعة مزيدة بكثرة الشركاء ومع هذا لا تَرَى أحدًا من الولاة الجُهّال إلّا يتمنون أن يكون عِزّهم كعز أهل العِلْم إلا أنَّ الموانع البهيمية تمنع عن نيله.
وأمّا اللذائذ الحاصلة لغيره: إما في الأُخْرَى فلكونه وسيلة إلى أعظم اللذائذ الأخروية والسَّعادة الأبدية، وإما في الدُّنيا فالعِزُّ والوقار ونفوذ الحُكْم على الملوك ولُزُوم الاحترام في الطباع فإنَّكَ تَرَى أغبياء الترك وأجلافَ العَرَب يُصادقون طباعَهُم مَجْبُولة على التَّوْقير لشيوخهم، لاختصاصهم بمزيد عِلْمٍ مُستفاد من التَّجربة بل البهيمة تجدها تُوَفِّر الإنسان بطبعها لشعورها بتميُّز الإنسان بكمال مجاوز لدَرَجتها حتى إنها تَنْزَجِرُ بزَجْرِه وإِن كانت قُوَّتُها أضعافَ قوة الإنسان (٤).
التعليم الثاني: في نَفْعِه. واعْلَم أَنَّ السَّعادةَ مُنْحَصِرة في قِسْمين: جَلْب المنافع ودَفْع المَضارِ وكُلٌّ منهما دنيوي وديني. فالأقسام أربعةٌ:
стр. 84
الأول: وهو ما يَنْجَلب بالعِلْم من المنافع الدينية، وهو حَقِّيٌّ وخُلُقيٌّ، أشار إلى نَفْعِه الأوّل قوله ﵇ في الحديث السابق: "فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لله خَشْيَةٌ" إلخ، وإلى نَفْعه الثاني قوله ﵇: وتَعْلِيمَهُ لمن لا يَعْلمه صَدَقَةٌ وبَذله قُربةٌ" (١).
الثاني: وهو ما يَنْجَلِبُ بالعِلْم من المنافع الدنيوية، وهو وجدانيٌّ وذُوْقيٌّ وجاهيٌّ رُتَبيٌّ. والوجداني إما راحةٌ أو استيلاء، والراحة: إما من مشقة وجود ظاهر للنَّفْس أو من فَقْدِ سارٍّ لها بالأنس، وكل منهما إما خارجيّ وإما ذاتي، فالرّاحة أربعة أقسام.
وقوله ﵇: "وهو الآنس (٢) في الوَحْشة" إشارة إلى الأوّل؛ لأَنَّهُ يُريح بأُنْسِه من كُلِّ قَلَقٍ واضطراب.
وقوله ﵇: "والصاحب في الغُربة" إشارة إلى الثاني؛ لأنه يقرُّ من الغَرِيب عَينَهُ ويريحه من حمود النَّفْس من الحُزْن وانكسارها لفَقْد سُرور الأهل والوطن.
وقوله ﵇: "والمُحَدِّث في الخلوة" إشارة إلى الثالث لأنَّ العِلْمَ يريحُ المُنْفَرد عن الناس بتحديثه من انقباض الفهم وحموده وهو ألمٌ ذاتيٌّ لأهل الكمال. وهذا هو السِّرُّ في استلذاذ المسامرة والمُنادمة.
وقوله ﵇: "الدَّليل على السَّرّاء والضراء"، أي في الماضي والآتي، إشارة إلى الرّابع الذي هو فقد سار ذاتي، أي: إِنَّ العُلوم تقومُ مقامَ ذي الرأي السَّدِيد إذا استُشِيرَ، إِذْ هو دالٌّ لصاحبه على السَّرّاء وأسبابها وعلى الضَّرّاء ومُوجِباتِها فالحيرةُ وجَهْل عَواقب الأمور مؤلم للنَّفْس ومُضَيِّقٌ للصَّدْر لفَقْدِ نُور البَصيرة، فالعِلْمُ يريح من تلك الهموم والأحزان.
стр. 85
والاستيلاء قسمان:
أحدهما: استيلاءٌ يَمْحَق الشَّرَّ ويَدْفَعُ الضُّرَّ، وإليه أشار قوله ﵇: "والسلاح على الأعداء" فبالعِلْم يُزْهَقُ الباطل وتَنْدفعُ الشُّبهة والجهالة.
قيل لبعض المناظرين: فيمَ لذتكَ؟ فقال: في حُجة تَتبَخْتر إيضاحًا وشُبهة تتضاءل افتضاحا.
وثانيهما: استيلاءٌ يَجْلِبُ الخيرَ ويُذْهِبُ الضَّيْرَ، وإليه أشار قوله ﵇: "والزَّينُ عند الأخلاء" أي أنَّ العِلْم جمالٌ وحُسْنُ وكمال يجذب القلوب من الأخلاء كما قيل:
العِلْمُ زَيْن وكنزٌ لا نفاذ له … نعمَ القَرِين إذا ما عاقلًا صَحِبا
القسم الثاني: ما يَجْلبهُ العِلْمُ من الوَجَاهِةِ والرُّتْبة، وهي إما عندَ الله، وإما عند الملأ الأعلى، أو عند الملأ الأسفل.
الأول: أشار إليه قوله ﵇: "يرفع الله به أقوامًا"، أي: يُعْلِي مَقامَهُم ورُتْبَتَهُم فيَجْعَلهم في الخَير قادةً وأئمةً أي: شُرفاء النّاس وسادتهم. والقادةُ: جَمْع قائد وهو الذي يجذب إلى الخَيْر، إما مع الإلزام كالقاضي والوالي اللذين إلزامهم على الظاهر وكالخَطِيب والواعظ: اللذين إلزامهم على الباطن وكالأئمة الذين بعلمهم يُهتَدَى وبحالهم يُقتدى.
والثاني: أشار إليه قوله ﵇: "ترغب الملائكة في خلّتهم أي: لهم من المنزلة والمكانة في قُلُوبهم ما استولى على غُيوب بواطنهم فرَغِبوا في محبتهم وأنسُوا بملازَمَتِهم وما استولى على ظواهرهم فيتبركون بمسحهم.
والثالث: أشار إليه قوله ﵇: "يَسْتَغفر لهم كُلُّ رَطب ويابس"، فشَمَل النّاطقَ والنّافِس. قيل: سبب استغفار هؤلاء رُجوع أحكامهم إليهم في صَيْدِهم وقَتْلِهم وحِلِّهم وحُرْمَتِهم.
стр. 86
القسم الثالث: ما يَنْدفعُ بالعِلْم من المضار الدِّينية، وهو نوعان: الأول (١): فِعْل النَّواهي وتَرْك الأوامر.
فالأول: اتباعُ الشَّهوات المُضِرّة، وأشار إليه قوله ﵇: "التفكرِ فيه يَعْدل الصِّيام" أي: في كَسْرِه الشَّهْوَتين.
والثاني: الغَفْلة والمَيْل إلى الكَسَل وأشار إليه قوله ﵇: "ومدارسته تعدل القيام" أي: في نَفْي ما عرض في ذلك لحصول التنبيه والنَّشاط والتذكرة والانبساط. القسم الرابع: هو ما يندفع بالعِلْم من المضارّ الدُّنيوية، وهو أيضا نوعان:
الأول: دفعُ المصالح والمقاصد وجَلْب المعايب والمفاسد (٢) وإليه أشار قوله ﵇: "به تُوصل الأرحام" أي: بالعِلْم تُدْفَعُ مَضَرّة القَطِيعة وتُوصَلُ الأرْحام بين الأنام (٣) وحِقْدِهم وحَسَدِهم ومُحاربَتِهم.
والثاني: مَضَرّة اجتلاب المَفاسِد برفض القانون الشَّرْعي العاصم من كُلَّ ضَلال، وإليه أشار قوله ﵇: "وبه يُعرفُ الحلال والحرام"، أي: بالعِلْم تَبَيَّنَ أحدهما من الآخر وهو أساس جميع الخيرات. فتأمل في بيان مَنافِع العِلْم وكيفيّة جوامع الكَلِم وَأَكْثِرَ الصَّلاةَ على صاحبه ﵇.
стр. 87
الإعلام الثالث: في دَفْع ما يُتَوَهَّم من الضَّرَر في العِلْم وسَبَبٍ كَوْنه مَذْمُومًا.
اعْلَم أَنَّهُ لا شيء من العلوم (١) من حيث هو عِلم بضارٍّ ولا شيء من الجَهْل من حيثُ هو جَهْلٌ بنافع؛ لأنَّ في كُلِّ علم مَنْفعةٌ ما في أمر المعادِ أو المعاش أو الكمال الإنساني، وإنَّما يُتَوَهَّمُ في بعض العُلوم أَنَّهُ ضارٌ أو غير نافع لعدم اعتبارِ الشَّروط التي يجب مراعاتها في العِلْم والعلماء؛ فإنَّ لكلّ علم حَدًّا لا يتجاوزه. فمن الوجوه المُغَلِّطة (٢) أن يُظَنَّ بِالعِلْم فوقَ غايتِهِ كما يُظَنَّ بالطِّبِّ أنَّه يُبْرى جميع (٣) الأمراض وليس كذلك، فإنَّ منها [ما] (٤) لا يبرأ بالمعالجة.
ومنها أن يُظَنَّ بالعِلْم فوقَ مَرْتبته في الشَّرف، كما يُظنُّ بالفقه أنَّه أشرف العلوم على الإطلاق، وليس كذلك فإن علم التّوحيد أشرفُ منه قطعا.
ومنها أن يُقْصَدَ بالعِلْم غير غايته كمن يتعلَّم عِلْمًا للمال أو الجاه، فالعلوم ليسَ الغَرَض منها الاكتساب، بل الاطلاع على الحقائق وتهذيب الأخلاق، على أنَّه مَن تعلَّم عِلْمًا للاحتراف لم يأت عالمًا، إنّما جاءَ شبيها بالعلماء.
ولقد كُوشِفَ عُلماءُ ما وراء النَّهرِ بهذا الأمر ونَطَقُوا به لمّا بَلَغَهُم بناء المدارس ببغداد أقامُوا مأتم العِلْم وقالوا: كانَ يَشْتغل به أرباب الهمم العَلِيّة والأنْفُس الزَّكيّة الذين يقصدونَ العِلْم لشرفه والكمال به، فيأتونَ عُلماء يُنْتَفَع بهم وبعلمهم، وإذا صارَ عليه أجرة تَدانَى إِليه الأخِسَاءُ وأربابُ الكَسَل فيكون سببًا لارتفاعه (٥). ومن هاهنا هجرت علومُ الحِكْمَةِ وإن كانت شَرِيفة لذاتها.
стр. 88
ومنها: أن يُمتَهَن العِلْمُ بابتذالِهِ إلى غير أهْلِه، كما اتفق في علم الطِّب، فإنَّه كانَ في الزمن القديم حِكْمةً موروثةً عن النبوة فصارَ مُهانًا لمّا تعاطاه اليهود فلم يَشْرُفوا به بل رَذُلَ العِلْم بهم.
وما أحسن قول أفلاطون: إِنَّ الفَضِيلة تستحيل في النفس الرَّدِية رذيلةً، كما يستحيلُ الغذاء الصّالحُ في البَدَن السَّقِيم إلى الفساد.
ومن هذا القبيل الحال في عِلْم أحكام النجوم فإنه لم يكن يتعاطاه إلا العلماء به للملوك ونحوهم فرَذُل حتى صارَ لا يتعاطاه غالبًا إلا جاهل يُرَوِّجُ أكاذيبه.
ومنها أن يكونَ العِلْمُ عزيز المنالِ رفيعَ المَرْقَى قَلّما يتحصل غايتُه، ويتعاطاهُ مَن ليسَ من أهله لينال بتمويههِ غَرَضًا كما اتفق في علوم الكيمياء والسيمياء والسَّحْر والطَّلَسْمات والعَجَبُ ممن يقبل دَعْوَى من يَدَّعِي عِلْمًا من هذه العلوم فإِنَّ الفِطْرةَ (١) قاضيةٌ بأَنَّ مَن يَطَّلع على ذُنابةٍ (٢) من أسرار هذه العلوم يكتمها عن والده وولده.
ومنها ذَمُّ جاهل متعالمٍ لجهلِه إِيَّاه، فإِنَّ مَن جَهِلَ شَيئًا أنكرَهُ وعاداهُ كما قيل: المرء عدوٌ جَهِلَهُ، أو ذم عالمٍ متجاهل لتعصبه على أهله بسبب من الأسباب فإِنَّكَ تَسْمعُهم يقولون بتحريم المَنْطق مع كونه ميزان العلوم وتحريم الفَلْسَفة مع أنها عبارةٌ عن معرفة حقائق الأشياء، وليس فيها ما يُنافي الشَّرْع المُبِين والدِّين المتين غير المسائل اليَسِيرة التي أوردَها أصحاب (٣) "التهافت" (٤) كما سيأتي. وليسَ في كُتُب الحنفية القولُ بتَحريم المنطق غير
стр. 89
الأشباه، فإن كان صاحبه رآه كان المناسب أن يُنْقَل. وأما ما في كُتُب الشافعية من التّصريح به فمن قَبِيل سَدِّ الذرائع وصَرْف الطَّبائع إلى علوم الشّرائع.
ولعل المراد من مَنْع الأئمةِ عن تعليم بعض العلوم وتَعَلّمِه تخليص أصحاب العقول القاصرة من تضييع العُمر وتعذيبه (١) بلا فائدة؛ فإِنَّ فِي تَعْليم أمثاله ليس له عائدة، وإلا فالعِلْمُ إن كانَ مَذْمُومًا في نفسه على زَعْمِهم لا يخلو تَحْصيله عن فائدة أقلّها رَدّ القائلين بها.
الإعلام الرابع: في مراتب العلوم في التعليم.
ولا يَخْفَى أنَّه يُقَدَّمُ الأهم فالأهم فيه، والوسيلةُ مُقَدَّمةٌ على المَقْصَدِ، كما أنَّ المباحث اللفظية مُقَدَّمةُ على المباحثِ المعنوية؛ لأنّ الألفاظ وسيلةٌ إلى المعاني، ويُقَدَّم الأدبُ على المنطق، ثم هُما على أصول الفقه، ثم هو على الخلاف.
والتحقيق أن يُقَدَّمَ (٢) العِلْمُ على العِلْم لثلاثة أمور:
إما لكونه أهم منه كتقديمِ فَرْض العَيْن على فرض الكفاية، وهو على المَنْدوب إليه، وهو على المباح.
وإما لكونه وسيلةً إليه كما سبق، فيُقَدَّم النَّحو على المنطق.
وإما لكون موضوعِهِ جزءًا من موضوع العِلْم الآخر، والجزء مُقَدَّم على الكُلَّ، فيُقَدَّمُ التّصريف على النحو، ورُبّما يُقَدَّمُ علمٌ على علم لا لشيء منها، بل لغرض التمرين على إدراك المعقولات كما أنَّ طائفةٌ من القدماء قَدَّموا تعليمَ عِلْم الحساب. وكثيرًا ما يُقَدَّمُ الأهونُ فالأهون ولهذا (٣) قَدَّمَ
стр. 90
المصنفون في كُتُبهم النَّحو على التّصريف، ولعلّهم راعوا في ذلك أنَّ الحاجة إلى النحو أمس. ثم إنَّه تختلفُ فُرُوض الكفاية في التأكد وعدمه بحسب خُلو الأعصار والأمصار من العُلماء، فرُب مِصْرِ لا يُوجد فيه مَن يَقْسِم الفَرِيضةَ إلا واحدٌ أو اثنان ويوجد فيه عشرون فقيهًا، فيكون تعلم الحِساب فيه أكد من أصول الفقه.
واعْلَم أَنَّ الواجب علمه هو فَرْضُ عَيْنٍ، وهو كُلُّ ما أُوحِبَهُ الشَّرْعُ على الشَّخْص في خاصّةِ نفسه وأما ما أوجبه على المجموع ليعملوا به لو قام به واحدٌ لسقط عن الباقي (١)، ويُسَمَّى فَرْضُ كفاية. والعلوم التي هي فُروضُ كفاية على المشهور كُلُّ عِلْمٍ لا يُسْتَغْنَى عنه في قوام أمر الدُّنيا وقانون الشَّرْع، كفَهم الكتاب والسُّنّةِ وحَفْظِهِما عن (٢) التَّحريفات، ومعرفة الاعتقاد بإقامة البرهان عليه وإزالة الشَّبْهةِ ومَعْرفةِ الآفات والفَرائض والأحكام الفَرْعية وحفظ الأبدان والأخلاق والسياسة وكُلّ ما يُتَوَصَّل [به] (٣) إلى شيء من هذه، كاللُّغةِ والتّصريف والطِّب والنحو والمعاني والبيان، وكالمنطق وتسيير الكواكب ومعرفة الأنساب والحِسَاب إلى غير ذلك من العلوم التي هي وسائل إلى هذه المقاصد وتفاوتِ درجاتِها في التأكيد بحَسَب الحاجة إليها.
стр. 91
الباب الثاني في مَنْشأ العلوم والكتب
وفيه: فصول أيضًا.
الفصل الأوّل في سَبَبِه (١)
وفيه: إفهامات:
الإفهام الأوّل: في أنَّ العِلْمَ طبيعيٌّ للبَشَر، وأَنَّهُ مُحتاج إليه.
واعْلَم أنَّ الإنسان قد شاركَهُ جميع الحيوانِ في حَيوانيته من الحِسِّ والحَرَكة والغِذاء وغير ذلك من اللوازم، وإنما يمتاز عنه بالفكر وإدراك الكُلّيات الذي يَهْتَدِي به لتحصيل مَعاشِه والتّعاون عليه بأبناءِ جِنْسِه وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعَمَل واتباع صلاح أُخْرَاهُ فهو مُفَكرٌ في ذلك دائمًا لا يفتر عنه.
وعن هذا الفِكْرِ تنشأ العُلوم والصَّنائعُ ثم لأجله، ولِمَا جُبِلَ عليه الإنسانُ بل الحيوان من تحصيل ما تستدعيه الطَّباعُ يكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس عندَهُ من الإدراكات فيرجعُ إلى ما استفاد عنه، إما من الأفواه أو من الدوال عليه.
فهذا ميلٌ طبيعيٌّ من البَشَرِ إلى الأخذ والاستفادة، فمنهم مَن ساعدَهُ فَهْمَه ومنهم مَن لم يساعده مع ميله إليه. وأما عَدِيم (٢) المَيْل فلأمرٍ عارِضي كفسادِ المِزاج وبعد المكان عن الاعتدال فلا اعتداد به.
стр. 92
الإفهام الثاني: في أنَّ العِلْمَ والكتابة من لوازم التَّمدُّن.
واعْلَم أَنَّ نوع الإنسانِ لمّا كانَ مَدَنيًّا بالطبع وكانَ مُحتاجًا إلى إعلام ما في ضَمِيره إلى غيره، وفَهم ما في ضَمِير الغير اقتضت الحكمة الإلهية إحداث دَوَالّ يَخْفِي عليه إيرادها ولا يحتاج إلى غير الآلات الطبيعية، فقادَهُ الإلهام الإلهي إلى استعمالِ الصَّوْت وتَقْطِيع النَّفْسِ الضَّرُوري بالآلة الذاتية إلى حُروفِ يمتاز بعضُها عن بَعْض باعتبار مخارجها وصفاتِها حتى يَحْصُلَ منها بالتركيب كلمات دالة على المعاني الحاصلة في الضَّمِيرِ فيتيسر لهم فائدة التَّخاطبِ والمحاورات والمقاصدِ التي لا بُدَّ منها في معاشهم.
ثم إِنَّ تَرْكيباتِ تلكَ الحُروف لمّا أمكنت على وجوه مختلفة وأنحاء متنوعة حَصَلَ لهم ألسنةٌ مُختلفةٌ، ولغات متباينة، وعُلوم متنوّعة.
ثم إِنَّ أَرْبابَ الهمم مِن بين الأمم لمّا لم يكتفوا بالمحاورة في إشاعة هذه النِّعَم لاختصاصها بالحاضرينَ سَمَت هِمَّتهم السامية إلى إطلاع الغائبينَ ومن بَعْدَهم على ما استَنْبَطُوه من المعارف والعلوم وأتْعَبُوا نُفُوسَهُم في تحصيلها لينتفع بها أهل الأقطارِ ولتزْدادَ العُلوم بتلاحُقِ الأفكار وَضَعُوا قواعد الكتابة الثابتة نُقُوشُها على وجه كُلِّ زمانٍ ويَحثُوا عن أحوالها من الحركات والسكناتِ والضَّوابط والنُّقاط، وعن تركيبها وتَسْطِيرها لينتقل منها النّاظِرونَ إلى الألفاظ والحروف، ومنها إلى المعاني فنشأ من ذلك الوَضْع جُملةً العلوم والكُتُب.
الإفهام الثالث: في أوائل ما ظهر من العِلْم والكتاب.
واعْلَم أَنَّهُ يُقال: أنَّ آدم ﵇ كانَ عالمًا بجميع اللغات لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
стр. 93
قال الإمام الرّازي (١): المراد أسماء كُل ما خَلَقَ الله تعالى من أجناس المخلوقات بجميع اللُّغات التي يتكلّم بها وَلَدُه اليوم.
وعَلَّم أيضًا معانيها، وأنزل عليه كتابا، وهو كما ورد في حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: يا رسول الله، أي كتابٍ أُنْزِلَ على آدم؟ قال: كتاب المُعْجَم. قلتُ: أي كتاب المُعْجَم؟ قال: أ ب ت ث ج. قلت: يا رسول الله، كم حَرْفًا؟ قال: تسعة وعشرونَ حَرْفًا" الحديثَ (٢). وذكرُوا أَنَّه عَشْر صُحُفٍ فيها سُوَر مُقَطَّعة الحُروف، وفيها الفَرائضُ والوَعْدُ والوَعِيدُ وأخبارُ الدُّنيا والآخرة، وقد بَيَّنَ أهلَ كُلِّ زمان وصُورَهم وسيرَهُم مع أنبيائهم وملوكهم، وما يَحْدُث في الأرضِ من الفِتَنِ والملاحم.
ولا يَخْفَى أَنَّه مُسْتَبعد عندَ أصحاب العقول القاصرة، وأمّا مَن أَمْعنَ النَّظْرَ فِي الجَفْر ولاحظ شموله على غرائب الأمور فعنده ليس ببعيد سيما في الكُتُب المُنْزَلة.
ورُوِيَ أَنْ آدمَ ﵇ وضعَ كتابًا بأنواع الألسن والأقلام قبل موته بثلاث مئة سنة كَتَبَها في طينٍ ثم طَبَخه فلما أصابَ الأَرضَ الغرقُ وجد كلُّ قوم كتابًا فكتبوه من خَطِّهِ فأصابَ إسماعيل ﵇ الكتاب العربي، وكان ذلك من مُعجزات آدم ذكره السُّيوطي في "المُزهر" (٣).
وفي رواية: أنَّ آدمَ ﵇ كان يَرْسم الخطوط بالبنان وكانت (٤)
стр. 94
أولاده تتلقّاها بوصيةٍ منه، وبعضُهم بالقوّة القُدسية القابلية. وكان أقرب عهد إليه إدريس ﵇، فكتب بالقلم واشتُهِرَ عنه من العُلوم ما لم يُشْتَهر عن غيره ولُقب بهِرْمِس الهَرَامِسة والمُثَلَّث بالنِّعْمةِ، لأَنَّهُ كانَ نبيًّا مَلِكًا حَكِيمًا، وجميعُ العُلوم التي ظهرت قَبْل الطُّوفان إِنَّما صَدَرت عنه في قول كثير من العلماء، وهو هرمس الأول، أعني إدريس بن يرد بن مهلايل بن أنُوش بن شِيث بن آدم ﵇ المُتمكّن بصعيد مِصْرَ الأعلى. وقالوا: إِنَّه أوّل مَن تكلَّمَ في الأجرام العُلوية والحَرَكات النُّجومية، وأوّل مَن بَنَى الهياكل وعبد الله فيها، وأوّل مَن نَظَر في الطّب، وأَلَّفَ لأهل زمانه قصائد في البَسائِط والمُرَكَّبات وأنذر بالطُّوفان، ورأى أنَّ آفةً سماوية تلحق الأرضَ، فخافَ ذهابَ العِلْم فبنَى الأهرام التي في صعيد مصر الأعلى وصَوَّرَ فيها جميعَ الصناعات والآلات، ورَسَمَ صفاتِ العُلوم والكَمَالات حِرْصًا على تخليدها.
ثم كانَ الطُّوفان وانقرضَ النَّاسُ فلم يَبْقَ علمٌ ولا أثر سوى مَن في السَّفينة من البَشَر، وذلك مذهَب جميع النّاس إلا المَجُوسَ فَإِنَّهم لا يقولونَ بعموم الطُّوفان. ثم أخذ يتدرج الاستئنافُ والإعادة فعادَ ما اندَرَسَ من العِلْم إلى ما كانَ عليه من الفَضْل والزّيادةِ فأصْبَح مُؤَسَّسَ البُنْيان مُشَيّدَ الأركان لا زالَ مؤيّدًا بالمِلّة الإسلاميّة إلى يوم الحشر والميزان.
стр. 95
الفصل الثاني في مَنْشأ إنزال الكتب واختلاف الناس وانقسامهم
وفيه إفصاحات:
الإفصاح الأوّل: في حِكْمةِ إنزالِ الكُتُب.
واعْلَم أَنَّ الإنسان لما كانَ مُحتاجًا إلى اجتماع مع آخر من بني نَوعِه في إقامة معاشه والاستعداد لمعادِه، وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكل يَحْصل به التَّمانُعُ والتَّعاونُ حتَّى يُحفظ بالتّمانع ما هو له ويَحْصل بالتّعاون مًا ليس له من الأمورِ الدُّنيويةِ والأُخْرَوية. وكان في كثيرٍ منها ما لا طريق للعَقْل إليه، وإنْ كانَ فيه فبأنظار دقيقةٍ لا تتيسر إلا لواحدٍ بعدَ واحدٍ اقْتَضَتِ الحِكْمَةَ الإلهية إرسالَ الرُّسل وإنزالَ الكُتُب للتَّبشير والإنذار وإرشادِ النّاس إلى ما يحتاجون إليه من أمور الدين والدُّنيا. فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي المِلّة، والطريقُ الخاص الذي يَصِلُ إلى هذه الهيئة هو المنهاج والشِّرْعةُ، فالشَّريعة ابتدأت من نُوح ﵇، والحدود والأحكام ابتدأت من آدمَ وشِيثَ وإدْرِيسَ وخُتِمَت بأتمها وأكملها، فمن الناس من آمن بهم واهتدى، ومنهم من اختارَ الضَّلالةَ على الهُدَى فظهر اختلاف الآراء والمذاهب من الكُفَّار والفِرق الإسلامية، وكُلُّ حِزْبٍ بما لديهم فرحون.
الإفصاح الثاني: في أقسام النّاس بحسب المذاهب والديانات.
اعْلَم أَنَّ التَّقسيم الضابط أن يُقال: من الناس من لا يقولُ بمحسوسٍ ولا بمعقولٍ، وهم السُّوفَسْطائية، فإنَّهم أنكروا حقائق الأشياء.
ومنهم من يقولُ بالمَحْسوس ولا يقول بالمعقول وهم الطبيعية. كُلٌّ منهم مُعَطِّلٌ لا يرد عليه فكره براد ولا يَهْديه عقله ونَظَرُه إلى اعتقاد، ولا
стр. 96
يُرْشدُه ذِهْنُه إِلى مَعَاد، قد ألِفَ المحسوسَ ورَكَنَ إِليه وظَنَّ أَنْ لا عالم وراء العالم المحسوس، ويقال لهم: الدَّهْريون أيضًا، لأنَّهم لا يثبتون معقولًا.
ومنهم مَن يقولُ بالمَحْسُوسِ والمَعْقُولِ ولا يقولُ بحدودِ الأحكام (١)، وهم الفلاسفة، فكلٌّ منهم قد تَرَقّى عن المَحْسوس وأثبت المعقول، لكنّه لا يقولُ بحدودٍ وأحكام وشريعة وإسلام، ويَظُنُّ أَنَّهُ إِذا حصل له المعقول وأثبت العالم مبدأ ومعادًا وصل إلى الكَمَالِ المَطلوب من جِنْسه، فتكون سعادته على قدر إحاطته وعلمه وشقاوته بقدر جهله وسفاهته وعقله هو المُسْتَبِدُّ بتحصيل هذه السَّعادة.
وهؤلاء الذين كانوا في الزَّمن الأول دَهْريةٌ وطبيعيةُ وآلهية لا الذين أخذوا علومهم عن مشكاة النبوة.
ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام ولا يقول بالشريعة والإسلام، وهم الصَّابئة، فهم قوم يقرب من الفلاسفة ويقولونَ بحدود وأحكامٍ عَقْليةٍ رُبّما أخذوا أصولها وقوانينها من مؤيَّدٍ بالوحي إلا أنَّهم اقتَصرُوا على الأول منهم وما تعدوا إلى الآخر. وهؤلاء هم الصابئة الأولى الذين قالوا بغَاذِيمونَ وهِرْمِس، وهما شيث وإدريس ﵉، ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء.
ومنهم مَن يقولُ هذهِ (٢) كُلّها وشَرِيعة ما وإسلام، ولا يقولُ بشريعة محمد ﵇ وهم المَجُوس واليهود والنصارى.
ومنهم مَن يقول هذه (٣) كُلّها وهم المسلمون وكانوا عند وفاة النبي عليه
стр. 97
السَّلام على عَقِيدةٍ واحدةٍ إلا مَن كانَ يُبْطِنُ النِّفاق. ثم نشأ الخلافُ فيما بينهم أولًا في أمور اجتهادية، وكانَ غرضُهم منها إقامةَ مَرَاسم الدين، كاختلافهم في التَّخَلف عن جيش أسامة، وفي موته ﵇، وفي مَوْضع دَفْنه، وفي الإمامة، وثبوتِ (١) الإرث عنه ﵇، وفي قتالِ مانع (٢) الزَّكاة، وفي خلافة علي ومعاوية، وكاختلافهم في بَعْض الأحكام الفَرْعية، ثم يَتَدرَّجُ ويترقى إلى آخرِ أيام الصحابة، فظهر قوم خالفوا في القَدَر ولم يَزَل الخلافُ يَتَشَعَّب حتى تَفَرَّق أهل الإسلام إلى ثلاث وسبعين فِرَقًا كما أشار إليه الرسول ﵇ (٣)، وكان من معجزاته، ولكن كبار الفرق الإسلامية ثمانية، وهم: المعتزلة، والشِّيْعة، والخَوَارج، والمُرْجئة، والنَّجارية، والجَبْرِية، والمُشَبِّهة، والناجية ويقال لهم أهل السنة والجماعة، هذا ما ذكروه في كُتُب الفِرَق.
الإفصاح الثالث: في أقسام النّاس بحَسَب العلوم.
اعلم أنهم باعتبار العِلْم والصناعة قسمان:
قسم اعتنى بالعِلْم فظهَرَت منهم ضُرُوبُ المعارف، فهم صفوة الله من خَلْقه، وفرقة لم تعيّن بالعِلْم عنايةً تستحقُ بها اسمه، فالأولى أممٌ منهم أهل
стр. 98
مصر والرُّوم والهِنْد والفُرْس والكلدانيون واليونانيون والعرب والعبرانيون. والثانية بقية الأمم؛ لكن الأنبه منهم الصّين والتُّرك.
وفي "الملل والنِّحل" (١): أنَّ كبار الأمم أربعة: العربُ والعَجَمُ والرُّوم والهند ثم إنَّ العرب والهند يتقاربان على مذهب واحدٍ وأكثر ميلهم إلى تقرير خَوَاصِّ الأشياء والحُكْم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الرُّوحانية. والعَجَمُ والرُّوم يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحُكْم بأحكام الكَيْفِيّات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية. انتهى.
وفي بيان هذه الأُمم تلويحات:
التلويح الأوّل: في أهل الهند.
اعلم أنَّ لونَ الهِنْدي وإن كانَ في أوّل مراتب السودان فصار بذلك من جِبِلَّتِهم إلا أنَّ الله (٢) تعالى جَبَلَهُم (٣) سوء أخلاق السُّودان وفَضَّلَهُم على كثير من الشمر والبيض، وعَلَّلَ ذلك بعضُ أهل التَّنْجيم بأنَّ زُحَل وعُطارد يتوليان بالقِسْمة لطبيعة الهِنْد، فلولاية زُحَل اسودت ألوانهم، ولولاية عطارد خَلُصَت عقولهم وأذهانهم، فهم أهل الآراء الفاضِلة والأحلام الراجحة، لهم التَّحَقّق بعلم العَدَد والهَندسة والطِّبُّ والنُّجوم والعِلم الطبيعي والإلهي، فمنهم البراهمة (٤)، وهي فرقة قليلة العدد، مذهبهم (٥) إبطال النبوات،
стр. 99
وتَحْريم ذَبح الحيوان. ومنهم الصّابئة (١) وهم جمهور الهِنْد، ولهم في تعظيم الكواكب وأدوارها آراء ومذاهب والمشهور في كتبهم مَذهب السِّنْد هِنْد، أي: الدَّهرُ الدّاهر ومذهب الأرْجَهِير ومذهب الأرْكَند. ولهم في الحساب والأخلاق والموسيقى تأليفات.
التلويح الثاني: في الفُرْس.
وهم أعْدَل الأمم وأوسطهم دارًا وكانوا في أول أمرهم موحدين على دين نُوح ﵇ إلى أن تمذهب طَهُمُورث بمَذهب الصّابِئِين وقَسَرَ الفُرسَ على التَّشَرّع به، فاعتقدوه نحو ألف سنة إلى أن تَمجَّسُوا جميعًا بسبب زَرَادَشت، ولم يزالوا على دينه قريبًا من ألف سنةٍ إلى أن انقرَضُوا.
ولخواصهم عنايةٌ بالطِّب، وأحكام النجوم ولهم أرصاد ومذاهب في حركاتها.
واتفقوا على أنَّ أصح المذاهب في الأدوار مذهب الفرس ويُسَمَّى سني أهل فارس، وذلك أن مدة العالم عندهم جُزء من اثني عَشَر ألفًا من مُدَّةِ السِّنْد هِنْد، وهي أنَّ السَّيّارات وأوجاتها (٢) وجوزهراتها (٣) تجتمعُ كُلها في رأس الحَمَل في كُلِّ ستة وثلاثين مرّة مئة ألف سنة شَمْسية، ولهم في ذلك كُتُب جليلة. وفي كتاب الفهرس" (٤): يقال: إنَّ أوّل من تكلم بالفارسية كيومرت (٥) وتسميه الفُرس كل شاه، أي: مَلِك الطَّين، وهو عندهم آدم أبو البَشَر. وأَوَّلُ مَن كَتَبَ بالفارسية بيوراسب المعروف بالضّحاك، وقيل: فَرِيدُون.
стр. 100
قال ابن عَبْدُوس (١) في كتاب "الوزراء": كانت الكُتُب والرَّسائل قبل مُلْك كُشْتاسِب قليلةً، ولم يكن لهم اقتدار على بَسْط الكلام وإخراج المَعَاني من النُّفوس. ولما مَلَك ظهرَ زَرَادَشت صاحبُ شَريعة المجوس وأظهر كتابه القَحِيب (٢) بجميع اللغات فأخَذَ (٣) الناس بتعلّم الخَطِّ والكِتاب فزادوا ومَهَرُوا.
وقال ابن المقفع (٤): لغاتُ الفارسيّة: الفَهْلوية، والدُّرِّية، والفارسية، والحوزية، والسريانية. أمّا الفَهْلوية فمنسوبة إلى فَهْلَة اسمٌ يقعُ على خَمْسة بلدان، وهي: أصبهان والرَّي وهَمَذَان وماءِ نهاوند وأذربيجان. وأمّا الدُّرِّية فلغة المدائن، وبها كانَ يتكلَّمُ مَنْ بابِ المَلِك، وهي مَنْسوبةٌ إلى الباب، والغالب عليها من لغة أهل خُراسان والمشرق لغةً أهل بَلْخ. فأما الفارسية فيتكلم بها المَوابِذَةُ (٥) والعُلماء، وهي لغة أهل فارس وأمّا الخُوزية فبها كانَ يتكلّمُ الملوك والأشرافُ في الخَلْوة مع حاشيتهم. وأما السريانية فكانَ يتكلَّمُ بها أهلُ السَّواد، والمُكاتبة في نوع من اللغة بالسُّرياني فارسيٌّ. وللفُرْس ستة (٦) أنواع من الخُطوط (٧).
وحُرُوفهم مُرَكَّبة من أبجد هوزي كَلَمن سَفْ رَش ثخذغ، فالتاء المثناة والحاء المهملة والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والقاف سواقط.
стр. 101
التلويح الثالث: في الكلدانيين (١).
وهم أمةٌ قديمةٌ مَسْكنهم أرض العراق وجزيرة العرب منهم النَّماردة ملوك الأرض بعدَ الطَّوفان وبُخْتَنَصَّر منهم، ولِسانُهم سُرياني، ولم يَبْرَحُوا إلى أن ظهر عليهم الفُرْسُ وغَلَبوا مملكتهم.
وكان منهم عُلماء حُكماء متوسِّعون في الفنون ولهم عناية بأرصاد الكواكب وإثبات الأحكام والخواص، ولهم هياكل وطرائق لاستجلاب قُوَى الكواكب وإظهار طبائعها بأنواع القَرَابين، فظهرت منهم الأفاعيلُ الغَربية من إنشاء الطلسمات وغيرها، ولهم مذاهب نَقَلَ منها بَطْلَميوس في "المَجْسِطي".
ومن أشهر علمائهم أبْرَخس واصطفَن. وفي "الفهرس" (٢) أن النَّبَطِي أفصح من السُّرياني (٣)، وبه كان يتكلم أهل بابل. وأمّا النَّبَطي الذي يتكلّم به [أهل] (٤) القُرَى فهو سُرياني غير فَصيح. وقيل: اللسان الذي يُستعمل في الكُتُب الفَصِيحة بلسان أهل سوريا وحَرّان، وللسوريانيين (٥) ثلاثة أقلام (٦)، أقدم الأقلام.
стр. 102
ولا فَرْقَ بينه وبين العربي في الهجاء إلا أنَّ الثاء المثلثة والخاء والذَّال والضاد والظاء والغَيْن كلها مُعجمات سواقط وكذا لام ألف، وتُركّب حُرُوفها من اليمين إلى اليسار.
التلويح الرّابع: في أهل اليونان (١).
هم أمةٌ عظيمةُ القَدْرِ بلادهم بلاد رُوم إيلي وآناطولي وقَرَمان، وكانت عامتهم صابئة عَبَدَة الأصنام (٢). وكان الإسكندر من ملوكهم الذي (٣) أجمعَ مُلوكُ الأرض على الطاعةِ لسُلْطانِه. وبعدَهُ البَطَالِسةُ، إلى أن غَلَب عليهم الرُّوم. وكانَ عُلماؤهم يُسَمَّون فلاسفة (٤) إلهيون أعظمهم خَمْسة: بندقليس: كان في عصر داود ﵇، ثم فيثاغورس، ثم سُقراط، ثم أفلاطون، ثم أرسطاطاليس. ولهم تَصَانيفٌ في أنواع الفنون. وهم من أرفع الناس طبقةً وأجلّ أهل العِلْم مَنْزِلَةً، لما ظهَرَ منهم من الاعتناء الصَّحيح بفنونِ الحِكْمَةِ من العلوم الرياضية والمنطقيّة والمعارف الطَّبيعية والإلهية والسياسات المنزلية والمَدَنيّة. وجميعُ العُلوم العَقْلية مأخوذةٌ عنهم.
ولُغة قُدَمائهم تُسَمّى الإغريقية وهي من أوسع اللُّغات، ولغة المتأخرين تُسَمَّى اللَّطِيني لأنَّهم فرقتان: الإغريقيون واللطينيون. وكان ظهور أمة اليونان
стр. 103
في حُدودِ سنة ثمان وستين وخمس مئة من وفاة موسى ﵇، وكان قبل ظهور الإسكندر بخمس (١) وأربعين وثمان مئة سنة.
التلويح الخامس: في الروم.
وهم أيضًا صابئة إلى أن قامَ قُسْطَنطين بدين المسيح وقَسَرَهم على التَّشَرُّع به، فأطاعُوه. ولم يَزَل دينُ النَّصْرانية يَقْوى إلى أن دخل فيه أكثر الأمم المُجاورة للروم وجميع أهل مِصْر.
وكانَ لهم حكماء وعُلماء بأنواع الفَلْسَفة. وكثير من الناس يقولُ: إِنَّ الفَلاسِفة المَشْهورين رُوميون، والصحيح أنهم يونانيون، ولتجاور الأمتين دخل بعضُهم في بعض واختلط، خبرُهم، وكلا الأمتين مشهور العناية بالفلسفة إلا أنَّ لليونان من المَزِيّة والتَّفَضّل ما لا يُنْكَر، وقاعدةُ مَمْلكتهم: رومية الكبرى (٢) ولغتهم مُخالفة للغة اليونان، وقيل: لغة اليونان الإغريقية ولغة الرُّومِ اللَّطِنية. وقَلَم اليونان والرُّوم من اليسار إلى اليمين، مُرَتَّب على ترتيب أبجد، وحروفهم أبج وزطي كلمن سعفص قرشت ثخ ظغ، فالدال والهاء والحاء والذال والضاد ولام ألف سَوَاقط.
ولهم قَلمٌ يُعرف بالسّاميا ولا نظير له عندنا، فإنّ الحرف الواحد منه يحيطُ بالمعاني الكثيرة ويجمع عدة كلمات (٣).
стр. 104
قال جالينوس في بعض كُتُبه كنتُ في مجلس عام فكلَّمْتُ (١) في التّشْريح كلاما عاما فلما كان بعد أيام لقيني صديق لي فقال: إِنَّ فُلانًا يحفظ عليكَ في مجلسِكَ أَنَّكَ كَلَّمْتَ بكلمة كذا، وأعاد علي ألفاظي. فقلتُ: من أين لك هذا؟ فقال: إني لقيتُ بكاتب ماهر بالسّاميا فكانَ يَسْبقك بالكتابة في كلامك. وهذا العِلْم (٢) يتعلمه الملوكُ وجلَّةُ الكتاب، ويُمْنَع منه سائر الناس لجلالته. كذا قال النَّدِيمُ في "الفهرس" (٣). وذكر أيضًا أنَّ رَجُلًا مُتَطببًا جَاءَ إليه من بَعْلَبك سنة ثمان وأربعين وزعم أنه يكتبُ بالسّاميا، قال: فجربنا عليه فأصبناه إذا تكَلَّمْنا بعشر كلمات أصْغَى إليها ثم كَتَبَ كلمةً، فاستعدناها فأعادها بألفاظنا (٤). انتهى.
تَبْصرة: ذُكِرَ (٥) في السَّبَب الذي من أجلِه يَكْتُب الرُّوم من اليسار إلى اليمين بلا تركيب أَنَّهُم يَعْتقدُونَ أنَّ سبيل الجالس أن يَسْتقبل المشرق في كل حالاته، فإنَّه إذا توجّه إلى المَشْرق يكونُ الشَّمال على يَساره، فإذا كانَ كذلك فاليَسارُ يَعْطِي اليَمين، فسبيل المكاتب أن يَبْتَدِئ من الشَّمَال إِلى الجَنُوب. وعَلَّل بعضُهم بكون الاسْتِمْداد عَن حَرَكَة الكَبِدِ على القَلْب.
التلويح السادس: في أهل مصر.
وهم أخلاط من الأمم إلّا أنَّ جَمْهَرتهم قبط، وإنما اختلطوا لكثرة من تَدَالّ (٦) مُلك مصر من الأمم كالعمالقة واليونانيين والرُّوم، فخَفِي أنسابهم فانتسبوا إلى مَوْضِعهم.
стр. 105
وكانوا في السَّلَف صابئةً، ثم تَنَصَّروا إلى الفتح الإسلامي. وكان لقدمائهم عناية بأنواع العُلوم وفيهم (١) هِرْمِس الهَرَامِسة قبل الطُّوفان، وكانَ عُلماء بضُروب الفَلْسَفة خاصةً بعلم الطلسمات والنِّيرَنجات والمرايا بعده المُحْرِقة والكيمياء. وكانت دارُ العِلْم بها مدينة مَنْف (٢)، فلما بَنَى الإسكندر مدينةً رَغِبَ النّاسُ في عِمارتها، فكانت دار العِلْم والحكمة إلى الفتح الإسلامي، فمنهم الإسكندرانيون الذين اختَصَرُوا كُتُبَ جالينوس. وقيل: إِنَّ القِبْطَ اكتَسَبَ العِلْمِ الرِّياضي من الكلدانيين.
التلويح السابع: في العبرانيين.
وهم بنو إسرائيل وكانت عنايتهم بعلومِ الشَّرائع وسِير الأنبياء فكانَ أحبارهم أعلم النّاس بأخبار الأنبياء وبَدء الخليقة، وعنهم أخَذَ ذلك علماء الإسلام لكنهم لم يشتهروا بعلوم (٣) الفَلْسَفة.
ولغتهم تُنْسَبُ إلى عابر بن شالخ. والقلم العبراني من اليمين إلى اليسار، وهو من: أبجد إلى آخر، قرشت، وما بعده سواقط، وهو مشتق من الشرياني.
التلويح الثامن: في العَرَب.
وهم فرقتان بائدة، وباقية. والبائدةُ كانت أممًا كعاد وثمود انقرضُوا وانقطع عنا أخبارهم، والباقية متفرعةٌ من قَحْطان وعَدْنان، ولَهُم حالُ الجاهلية وحالُ الإسلام، فالأولى منهم التبابعة والجَبَابرة.
ولهم مَذهب في أحكام النُّجوم، لكن لم يَكُن لهم عناية بأرصاد الكواكب ولا بحث عن شيءٍ من الفلسفة.
стр. 106
وأما سائرُ العَرَب بعد المُلوك فكانوا أهل مَدَرْ ووَبَرٍ، فلم يكن فيهم عالمٌ مَذْكور، ولا حكيمٌ معروفٌ.
وكانت أديانهم مختلفةٌ (١) وعِلْمُهم الذي كانوا يَفْتَخِرُونَ به علم لِسانهم، ونَظْمِ الأشعار، وتأليف الخُطب، وعلم الأخبار ومَعْرِفة السِّيرِ والأعصار.
قال الهَمْداني (٢): ليسَ يُوصل إلى أحدٍ خَبرٌ من أخبارِ العَرَب والعَجَم إلا بالعَرَب، وذلك أنَّ مَن سكن بمكة أحاطوا بعلم العَرَب العاربة وأخبار أهل الكتاب، وكانوا يدخلون البلاد للتجارات فيعرفون أخبار النّاس، وكذلك من سكن الحيرة وجاورَ الأعاجمَ عَلِمَ أخبارَهُم وأيام حِمْير ومَسِيرها في البلاد، وكذلك من سكن الشامَ خَبَّرَ بأخبارِ الرُّوم وبَني إسرائيل واليونان، ومَن وقعَ في البَحْرين وعُمانَ فعنه أتت أخبار السند والهند وفارس، ومَن سكنَ اليَمَن عَلِمَ أخبار الأمم جميعًا؛ لأنَّه كانَ في ظل الملوكِ السَّيّارة.
والعَرَبُ أصحاب حفظ ورواية، ولهم معرفةٌ بأوقات المطالع والمغارب وأنواء الكواكب وأمطارها؛ لاحتياجهم إليه في المعيشة لا على طريق تَعَلّم الحقائق والتَّدَرّب في العُلوم. وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله تعالى شيئًا منه ولا هَيَّأ طباعَهُم للعناية به إلا نادِرًا.
стр. 107
الفصل الرابع في أهل الإسلام وعُلُومهم
وفيه إشارات:
الإشارة الأولى: في صدر الإسلام.
واعْلَم أَنَّ العَربَ في آخر عَصْر الجاهلية حينَ بُعِثَ النبي ﷺ قد تَفَرَّقَ مُلْكُها، وتَشَتَّتَ أمْرُها فَضَمَّ الله به، شاردَها، وجمع عليه جماعةً من قحطان وعَدْنان فآمنوا به، ورَفَضُوا جميعَ ما كانوا عليه، والتزموا شريعةَ الإسلام من الاعتقادِ والعَمَل.
ثم لم يلبث رسول الله ﷺ إلا قليلا حتى تُوفي وخَلَفَهُ أصحابه ﵃ فغَلَبُوا الملوك، وبلغت مملكة الإسلام في أيام عثمان عفان بن ﵁ من الجَلالةِ والسَّعَةِ إلى حيثُ نَبّه عليه النبي ﵇ في قوله: "زويت لي الأرضُ فأُرِيتُ مَشَارِقَها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أُمتي ما زُوِيَ لي منها" (١)، فأبادَ الله تعالى بدَولة الإسلام دَوْلةَ الفُرْس بالعراق وخُراسان، ودَولة الرُّوم بالشّام، ودَولة القِبْط بمصر، فكانت العرب في صَدْرِ الإسلام لا تَعْتَني بشيءٍ من العُلوم إلا بلغتها، ومعرفة أحكام شَرِيعتها وبصناعة الطّب، فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم لحاجةِ النّاس طُرًّا إليها، وذلك منهم صَوْنًا لقواعد الإسلام وعقائدِ أهلِه عن تَطَرْقِ الخَلَل من عُلوم
стр. 108
الأوائل قبل الرسوخ والإحكام، حتى يُرْوَى أَنَّهُم أَحْرَقوا ما وجدوا من الكُتُبِ في فتوحاتِ البلاد (١)، وقد ورد النّهي عن النَّظَر في التَّوراة والإنجيل، لاتحاد الكلمة واجتماعِها على الأخذ والعَمَل بكتاب الله وسُنّةِ رسولِ الله واستمر ذلك إلى آخر عَصْر التابعين. ثم حدَثَ اختلافُ الآراء وانتشار المذاهب، قال الأمرُ إلى التّدوين والتَّحْصِين.
الإشارة الثانية: في الاحتياج إلى التّدوين.
واعْلَم أَنَّ الصَّحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين لخُلُوص عَقيدَتِهم ببركة صحبة النبي ﵇ وقُرب العَهْد إليه ولقلة الاختلاف والواقعات وتمكّنهم من المُراجعة إلى الثّقاتِ كانوا مُسْتَغنين عن تَدْوينِ عِلْم الشَّرائع والأحكام حتى أنَّ بعضَهُم كَرِه كتابةَ العِلْم واستدل بما رُوِيَ عن أبي سعيد الخُدْري أنّه استأذن النبي ﵇ في كتابة العِلْم فلم يأذن له (٢).
ورُوي عن ابن عباس أنَّه نَهَى عن الكتابة وقال: إنما ضَلَّ مَن كان قبلكم بالكتابة (٣).
وجاءَ رجلٌ إلى عبد الله بن عبّاس ﵄، فقال: إِنِّي كتبتُ كتابًا أريد أن أعرضَ عليكَ. فلما عَرَضَ عليه أخَذَ منه ومَحَا بالماء، وقيل له:
стр. 109
لماذا فعلت؟ قال: لأنَّهم إذا كَتَبُوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحِفْظُ فيعرضُ الكتاب عارض فيفوتُ عِلْمُهم. واستَدَلَّ أيضًا بأنَّ الكتابَ مما يزيد فيه وينقص ويُغَيَّر، والذي حَفِظَ لا يمكن تغييره؛ لأنَّ الحافظ يتكلم بالعِلْم والذي يُخبر عن الكتابة يخبر بالظَّنِّ والنَّظَر (١).
ولما انتشر الإسلام، واتسعت الأمصار، وتَفَرَّقت الصَّحابةُ في الأقطار، وحَدَثت الفتن واختلاف الآراء، وكَثُرَت الفتاوى والرجوع إلى الكُبَرَاء أَخَذُوا في تدوين الحديث والفقه وعُلوم القُرآن، واسْتَغَلُوا بِالنَّظَرِ والاسْتِدْلالِ والاجتهادِ والاستنباط، وتمهيد القواعد والأصول، وترتيب الأبواب والفُصول، وتكثير المسائل بأدلتها، وإيرادِ الشُّبهة بأجوبتها، وتعيين الأوضاع والاصطلاحات، وتبيين المذاهب والاختلافات.
وكان ذلك مصْلحةً عَظِيمةً وفِكْرةً في الصّواب مستقيمةً، فرأوا ذلك مُسْتَحَبًّا، بل واجبًا لقضية الإيجاب المذكور مع قوله ﵇: "العِلْم صَيْدُ والكتابة قَيْدُ، قَيِّدُوا رحمكم الله عُلومَكُم بالكتابة" (٢)، الحديث.
الإشارة الثالثة: في أوّل مَن صَنَّف في الإسلام.
واعلم أنَّهُ اختُلِفَ في أوّل مَن صَنَّفَ، فقيل: الإمام عبد الملك (٣) بن
стр. 110
عبد العزيز بن جُرَيْج البَصْرِيُّ المتوفى سنة خمس وخمسين ومئة (١)، وقيل: أبو النضر سعيد (٢) بن أبي عَرُوبة المتوفّى سنة ست وخمسين ومئة؛ ذكرَهُما الخطيب البغدادي (٣).
وقيل: ربيع (٤) بن صبيح المتوفَّى سنة ستين ومئة؛ قاله أبو محمد الرامَهُرْمُزي (٥). ثم صَنَّفَ سُفيان بن عُيَيْنةَ ومالك بن أنس بالمدينة (٦)، وعبد الله بن وهب بمصر، ومَعْمَر (٧) وعبد الرزاق (٨) باليَمَن، وسُفيان الثوري ومحمد بن فُضَيْل بن غَزْوان بالكوفة، وحَمّاد بن سَلَمة ورَوْح بن عُبادة بالبَصْرة، وهشيم (٩) بواسط، وعبد الله بن المبارك بخُراسان. وكان مَطْمَعُ نَظَرهم في التَّدْوين ضَبْطُ مَعاقد القُرآن والحديث ومعانيهما، ثم دَوَّنوا فيما هو كالوسيلة إليهما. الإشارة الرابعة: في اخْتِلاط عُلُوم الأوائل والإسلام.
واعْلَم أَنْ عُلومَ الأوائل كانت مَهْجُورة في عَصْر الأمويّة. ولمّا ظهر آل العباس كان أول من عُنِي مِنْهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور،