← История

История · id 26001

إنباء الغمر بأبناء العمر - ط الهندية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 236 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

صحيح مسلم على ابن عبد الهادي وحدث، وكان ذا خير وعبادة وفيه سلامة فكان أصحابه يقولون له: ادع لفلان، فيقول: وليته قضاء العسكر، فكثر ذلك منه فلقبوه قاضي القضاة سمعت منه؛ مات في سادس عشرى شهر رجب وقد قارب التسعين. محمد بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الله ناصر الدين ولد سنة ستين أو نحوها وتعانى الكتابة وولي التوقيع وباشر في الجيش وصحب حمزة أخا كاتب السر وكان جميل الوجه وسيما محبا في الرياسة لكنه لم يرزق من الحظ إلا الصورة، مات مقلا في صفر. محمد بن محمد بن علي بن عبد الرزاق الغماري ثم المصري المالكي

стр. 1297

شمس الدين أخذ العربية عن أبي حيان وغيره، وسمع الكثير من مشايخ مكة كاليافعي والفقيه خليل، وسمع بالإسكندرية من النويري وابن طرخان وحدث بالكثير، وكان عارفا باللغة والعربية، كثير المحفوظ للشعر لا سيما الشواهد، قوي المشاركة في فنون الأدب، تخرج به الفضلاء، وقد حدثنا بالبردة بسماعه من أبي حيان عن ناظمها، وأجاز لي غير مرة عاش اثنتين وثمانين سنة. محمد بن محمد بن محمد بن عبد الدائم الباهي نجم الدين الحنبلي

стр. 1298

اشتغل كثيرا وسمع من شيوخنا ونحوهم، وعني بالتحصيل ودرس وأفتى، وكان له نظر في كلام ابن العربي فيما قيل، مات في شعبان عن ستين سنة، قال ابن الحجي: كان أفضل الحنابلة بالديار المصرية بالقاهرة وأحقهم بولاية القضاء. محمد بن محمد بن محمد بن عثمان الغلفي ابن شيخ المعضمية، سمع من الحجار وحضر على إسحاق الآمدي، وأجاز له أيوب الكحال وعلي بن محمد البندنيجي، مات في جمادى الآخرة، أجاز لي غير مرة. محمد بن محمد الجديدي القيرواني، تفقه ثم تزهد وانقطع وظهرت

стр. 1299

له كرامات، وكان يقضي حوائج الناس، وحج سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة فجاور بمكة إلى أن مات، وكان ورعه مشهورا، وقيل مات سنة إحدى وثمانمائة. محمد الكردي الصوفي الزاهد المعمر، كان بخانقاه عمر شاه بالقنوات بدمشق، وكان ورعا جدا لا يرزأ أحدا شيئا ويؤثر بما عنده، ويؤثر عنه كرامات وكشف، وكان لا يخالط أحدا ويخضع لكل أحد، جاوز الثمانين، مات في شوال. مفتاح بن عبد الله عتيق المهتار نعمان، كان مهتار الطشتخاناة، مات في هذه السنة. مقبل بن عبد الله الرومي عتيق الناصر حسن، طلب العلم واشتغل

стр. 1300

في الفقه على مذهب الشافعي، ثم تعمق في مقالة الصوفية الاتحادية، وكتب الخط المنسوب إلى الغاية، وأتقن الحساب وغيره، مات في أوائل السنة، رأيته مرارا وقد قارب الستين. ملكة بنت الشرف عبد الله بن العز إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي ثم الصالحي، أحضرت علي الحجار وعلي محمد بن الفخر ابن البخاري، واحضرت علي أبي بكر ابن الرضي وزينب بنت الكمال وغيرهم، وأجاز لها ابن الشيرازي وابن عساكر وابن سعد وإسحاق الآمدي وغيرهم وحدثت بالكثير وسمع منها الفضلاء، ماتت في تاسع عشر جمادى الأولى وقد جاوزت الثمانين وأجازت لي. يوسف بن أحمد بن غانم المقدسي النابلسي، ولي قضاء نابلس زمانا ثم قضاء صفد ثم خطابة المقدس لما مات عماد الدين الكركي، ثم سعى عليه ابن السائح قاضي الرملة بمال كثير فعزل فقدم دمشق متمرضا، ومات فيها في جمادى الأولى، وهو سبط الشيخ تقي الدين القلقشندي.

стр. 1301

يوسف بن الحسن بن محمود السرائي ثم التبريزي عز الدين الحلوائي، قرأت في تاريخ حلب لابن خطيب الناصرية أنه نقل

стр. 1302

ترجمة يوسف هذا عن ولده بدر الدين لما قدم عليهم في سنة تسع وعشرين فقال: ولد سنة ثلاثين وسبعمائة وأخذ عن جلال الدين القزويني وشهاب الدين الخونجي والعضد، ورحل إلى بغداد فقرأ على الكرماني ثم رجع إلى تبريزفأقام بها ينشر العلم ويصنف إلى أن بلغه أن ملك الدعدع قصد تبريز لكون صاحبها أساء السيرة مع رسول أرسله إليه في أمر طلبه منه وكان الرسول جميل الصورة إلى الغاية فتولع به صاحب تبريز فلما رجع إلى صاحبه أعلمه بما صنع معه وأنه اغتصبه نفسه أياما وهو لا يستطيع الطواعية وتفلت منه، فغضب أستاذه وجمع عسكره وأوقع بأهل تبريز فأخربها، وكان أول ما نازلها سأل عن علمائها فجمعوا له فآواهم في مكان وأكرمهم فسلم معهم ناس كثير ممن اتبعهم، ثم لما نزح عنهم تحول عز الدين إلى ماردين فأكرمه صاحبها وعقد له مجلسا حضره فيه علماءها مثل شريحا الهمام والصدر فأقروا له بالفضل، ثم لما ولي إمرة تبريز أميرزاه ابن اللنك طلب عز الدين المذكور وبالغ في إكرامه وأمره بالستقرار بها وتكملة ما كان شرع في تصنيفه، ثم انتقل

стр. 1303

بأخرة إلى الجزيرة فقطنها إلى أن مات في هذه السنة؛ ومن سيرته أنه لم يقع منه كبيرة ولا لمس بيده دينارا ولا درهما، وكان لا يرى إلا مشغولا بالعلم أو التصنيف، وشرح منهاج البيضاوي وعمل حواشي علي الكشاف وشرح الأسماء الحسنى، وكان يذكر أنه لما حج ثم أتى المدينة جلس على المنبر فرأى وهو جالس بجانب المنبر بالروض الشريفة مغمض العينين أن امنبر على أرض الزعفران قال: ففتحت عيني فرأيت المنبر على ما عهدت أولا، فأغمضت عيني فرأيته على الزعفران وتكرر ذلك؛ قال القاضي علاء الدين: قدم علينا ولده الآخر جمال الدين فذكر أن والده مات سنة أربع وثمانمائة والله أعلم. يوسف بن عبد الله المقرئ كان مقيما بمشهد ابن أبي بكر بمصر وللناس فيه اعتقاد، مات في ربيع الأول. يوسف بن عثمان بن عمر بن مسلم بن عمر الكتابي - بالمثناة

стр. 1304

الثقيلة - الصالحي، سمع من الحجار حضورا ومن الشرف ابن الحافظ وأحمد بن عبد الرحمن الصرخدي وعائشة بنت مسلم الحرانية وغيرهم، وأجاز له الرضى الطبري وهو خاتمة أصحابه، وأجاز له أيضا ابن سعد وابن عساكر وآخرون، وحدث بالكثير وكان خيرا؛ مات في نصف صفر عن ثلاث وثمانين سنة، أجاز لي غير مرة. يوسف بن مبارك بن أحمد جمال الدين الصالحي بواب المجاهدية كان يقرأ بالألحان في صباه هو وعلاء الدين عصفور الموقع وذلك قبل الطاعون الكبير، ولكل منهما طائفة تتعصب له، ثم انتقل يوسف إلى الصالحية وعصفور إلى القاهرة؛ ومات يوسف في ربيع الأول وله ثلاث وستون سنة. يوسف الهدباني الكردي من قدماء الأمراء تأمر في أيام الناصر

стр. 1305

محمد بن قلاوون، وكان مولده تقريبا سنة أربع وسبعمائة، وتنقل في الولايات وولي تقدمة الف وصودر غير مرة، وفي الأخير كان نائب القلعة عند موت الظاهر فتحيل النائب تنم وأخذها منه، فلما غلب الناصر فرج صودر، وكان يكثر شتم الأكابر على سبيل المزاح ويحتملون ذلك له، مات في ذي الحجة. بنت الشيخ تقي الدين اليونيني ماتت في شعبان. سنة ثلاث وثمانمائة خرجت من دمشق في أول يوم منها وفي الثاني وصل توقيع القاضي علاء الدين بن أبي البقاء وقرئ وباشر قضاء دمشق، ودخلت هذه السنة، والناس في أمر مريج من اضطراب البلاد الشمالية بطروق تمرلنك، وفي كل وقت ترد أخبار مغائره لما قبلها، وكان وصوله إلى سيواس في السنة الماضية كما تقدم، فحاصرها مدة ونقب سورها وقتل جمعا ونهب الأموال، وذلك في أول يوم في هذه السنة حتى قيل أنه دفن

стр. 1306

من أهل سيواس ثلاثة آلف نفس وهم بالحياة، ثم نازل بهنسا في صفر ثم توجه إلى ملطية فأباد من فيها، ثم إلى قلعة الروم فقوي عليه أهلها فتركها وتوجه إلى جهة حلب فوصل عينتاب في أواخره وراسل نائب حلب نائب الشام يستحثه على القدوم بعساكر الشام لدفع تمرلنك، ثم وصل كتابه إلى نائب حلب يقول فيه: إنا وصلنا في العام الماضي إلى البلاد الحلبية لأخذ القصاص ممن قتل رسلنا بالرحبة ثم بلغنا موت الظاهر وبلغنا أمر الهند وما هم عليه من

стр. 1307

الفساد فتوجهنا إليهم وأظفرنا الله تعالى بهم ثم رجعنا إلى الكرج فأظفرنا الله بهم ثم بلغتنا قلة أدب هذا الصبي ابن عثمان فأردنا عرك أذنه ففعلنا بسيواس وغيرها من بلاده ما بلغكم أمره ونحن نرسل الكتب إلى مصر فلا يعود جوابها فنعلمهم أن يرسلوا قريبنا أطلمش وإن لم يفعلوا فدماء المسلمين في أعناقهم والسلام، وفي أواخر المحرم عقد مجلس بالقضاة والخليفة والأمراء واشتوروا فيما بلغهم من أمر العدو وهل يجوز أن يأخذوا من التجار نصف أموالهم أو ثلثها للاعانة على تجهيز الجيوش لملتقاه، فتكلم القاضي الحنفي جمال الدين الملطي وقال: إن فعلتم بأيديكم

стр. 1308

فالشوكة لكم وإن أردتم ذلك بفتوانا فهذا لا يجوز لأحد أن يفتي به والعسكر يحتاج لمن يدعو له فلا ينبغي أن يعمل شيء يستجلب الدعاء عليه، ثم اشتوروا ثانية في ارتجاع الأوقاف وإقصاعها لمن يستخدم، فعارضهم الملطي أيضا وقال: القدر الذي يتحصل منها قليل جدا والأجناد البطالة لا يستنصر بهم إلا مع من غلب ووظيفتهم النهب، فانفصل المجلس على ذلك فكانت هذه من حسنات الملطي، ووعى هذا المجلس يلبغا السالمي فلم يرجع عنه حتى عمل ما منعهم منه الملطي، بعد ذلك وجرى له عقب ذلك ما لا خير فيه، ثم تواردت الأخبار بأخذ تمرلنك غالب البلاد الشمالية، فاضطرب أهل حلب ونقلوا أموالهم إلى القلعة ومنهم من فر إلى البلاد القريبة وغلت أسعار الجمال والحمير وتجهز نائب حلب بعسكرها ومن انضاف إليهم من العرب والتركمان ولما بلغت هذه الأخبار أهل الدولة بمصر أرسلوا إلى النواب بالبلاد بجمع العساكر والتوجه إلى حلب فاجتمعوا كلهم بحلب وهو نائب صفد ونائب حماة دقماق ونائب دمشق سودون قريب السلطان ونائب طرابلس شيخ الذي ولي السلطنة بعد ونائب غزة ومعهم من العسكر تقدير ثلاثة آلاف فارس، ثم شرع السلطان في التجهيز فأرسل تمرلنك إلى

стр. 1309

دمرداش نائب حلب يعده بأن يبقيه على نيابته بشرط أن يمسك سودون نائب الشام، فاطلع دمرداش على ذلك سودون فوثب على الرسول فضرب عنقه، فلما بلغ ذلك تمرلنك نازل حلب وذلك في العشر الأول من ربيع الأول، واشتور الأمراء فأشار بعضهم بالبروز إلى ظاهر البلد

стр. 1310

والقتال هناك وأشار البعض بالإقامة والقتال على الأسوار إلى أن يحضر العسكر المصري وأشار دمرداش لأهل البلد بإخلائها والتوجه حيث شاؤوا، فغلب أهل الرأي الأول وضربوا الخيام ظاهر البلد والتقى الجمعان يوم السبت حادي عشر شهر ربيع الأول فزحف اللنك بجنوده ومعهم الفيلة وصاحوا صيحة واحدة فولى أكثر الناس

стр. 1311

فزعا، فأبلى نائب طرابلس في الحرب وأزدمر ويشبك بن أزدمر وغيرهم من الفرسان حتى كوثر أزدمر بالفرسان ففقد ووقع ولده يشبك بن أزدمر بين القتلى، فسلم بعد ذلك وتمت الهزيمة على العسكر الإسلامي، ورجعوا طالبين أبواب حلب فقتل من الزحام من لا يحصى، واللنكية في آثارهم بالسيوف وانحشر الأمراء في القلعة وهجم عسكر تمرلنك البلد فأضرموا فيها النار وأسروا النساء والصبيان وبذلوا السيف في الرجال والأطفال حتى صار المسجد الجامع كالمجزرة وربطت الخيول في المساجد وافتضت الأبكار فيها. بمحضر من أهلها، وكان من شأن عسكر تمرلنك عدم الاحتشام من الوطء بمحضر من الناس ولو زنوا، ثم حوصرت القلعة وردم خندقها فلم يصبروا إلا يومين والثالث وطلب دمرداش ومن معه الأمان فأجيبوا إلى ذلك، ثم استنزلوهم من القلعة ونظموا كل نائب وطائفته في قيودهم، ثم استحضرهم تمرلنك بعد أن طلع القلعة في ناس قليل بين يديه وعنفهم، وامتدت الأيدي لنهب أموال الناس التي حصنت بالقلعة لظن أصحابها أنها تسلم فكأنهم جمعوا ذلك للعدو حتى لا يتعب في تحصيلها، وعرضت عليه الأموال ومن أسر من الأبكار والشباب ففرق ذلك على أمرائه وكان بالقلعة من الأموال والذخائر

стр. 1312

والحلي والسلاح ما تعجب اللنك من كثرته حتى أخبر بعض أخصائه أنه قال: ما كنت أظن أن في الدنيا قلعة فيها هذه الذخائر، ثم تعدى أصحابه إلى نهب القرى المجاورة والمتقاربة والإفساد فيها بقطع الأشجار وتخريب الديار وجافت النواحي من كثرة القتلى حتى كادت الأرجل أن لا تطأ إلا على جثة إنسان وبني من رؤوس القتلى عدة مواذن منها ثلاث في رابية بن جاجا وهلك من الأطفال التي أسرت أماتهم بالجوع أكثر ممن قتل، وذكر القاضي محب الدين ابن الشحنة عن الحافظ الخوارزمي أنه أخبره أن ديوان اللنك اشتمل على ثمانمائة ألف مقاتل، وذكر أيضا أن اللنك لما جلس في القلعة وطلب علماء البلد ليسألهم عن علي ومعاوية فقال له القاضي القفصي المالكي: كلهم مجتهدون، فغضب وقال: أنتم تبع لأهل الشام وكلهم يريدون ويحبون قتلة الحسين، وذكر أنه قرر في نيابة حلب لما توجه لدمشق الأمير موسى بن حاجي طغاي وكان رحيله عنها في أول يوم من شهر ربيع الآخر؛ ويقال إن أعظم الأسباب من خذلان العسكر الإسلامي ما كان دمرداش نائب حلب اعتمده من إلقاء الفتنة بين التركمان والعرب حتى أغار بعض التركمان على أموال نعير فنهبها، فغضب نعير من ذلك وسار قبل حضور تمرلنك فلم يحضر الوقعة أحد من العرب، وقال بعضهم: إن دمرداش كان قد باطن تمرلنك لكثرة ما كان تمرلنك قد خدعه ومناه. وفي أواخر ربيع الأول عرض يشبك الدويدار أجناد الحلقة

стр. 1313

فقرر بعضهم وقطع بعضهم وسافر سودون من زاده في سلخه على هجين لكشف الأخبار، ثم تحققت أخبار حلب بوصول قاصد أسنبغا الذي توجه قبل ذلك لكشف الأخبار، فخرج السلطان في ثالث ربيع الآخر واستقر تمراز نائب الغيبة، ورحل السلطان من الريدانية عاشر ربيع الآخر فوصل غزة في العشرين منه، وتوجه منها في السادس والعشرين منه بعد أن قرر نواب البلاد عوضا عن المأسورين، فولي تغري بردى

стр. 1314

نيابة دمشق وآقبغا الجمالي نائب طرابلس وتمر بغا المنجكي نائب صفد وطولو نائب غزة، ووصل السلطان دمشق في سادس جمادى الأولى، فوافاهم جاليش تمرلنك في نحو ألف فارس فالتقى معه بعض العسكر فكسروه في ثامن الشهر المذكور، ثم نازل تمرلنك الشام وراسل السلطان أن يطلق له أطلمش قريبه على أن يطلق جميع من عنده من الأسارى ويرحل من البلاد، فامتنعوا من ذلك وظنوا أن ذلك لعجزه عنهم، فكرر الطلب

стр. 1315

مرارا فأصروا، ثم وقعت الحرب بينهم واقتتلوا مرارا لكن لم يقع بينهم وقعة جامعة بل مناوشة. فلما كان في الثاني عشر من الشهر المذكور وقع الاختلاف بين أمراء العسكر المصري فخاف بعضهم من بعض فاختفى، فظن من أقام أن الذي اختفى قد توجه إلى القاهرة ليتملكها، فاخذوا السلطان وتوجهوا به إلى نحو صفد ثم إلى غزة فتركوا الناس في فوضى، ووصل السلطان إلى مصر في خامس من جمادى الآخرة وصحبته الخليفة وهم في غاية من الذل ليس معهم خيل ولا جمال ولا قماش ولا عدة، وصار الجيش بعد هرب السلطان يخرجون من دمشق إلى جهة مصر فيسلبهم العشير أثوابهم وربما قتلوا بعضهم، ومنهم من ركب البحر الملح حتى وصل إليهم إلى القاهرة في أسوء حال، ولما تحقق تمرلنك فرار العسكر

стр. 1316

أمر عسكره باتباعهم فصاروا يلتقطون منهم من تخلف فأغلق أهل دمشق

стр. 1317

أبوابها وركبوا أسوارها وتراموا مع اللنكية فقتل منهم جماعة، فأرسل تمرلنك يطلب من أهل البلد رجلا عاقلا يتكلم معه في الصلح، فأرسلوا إليه القاضي برهان الدين ابن الشيخ شمس الدين ابن مفلح، فرجع وأخبر أنه تلطف معه في القول وسأله في الصلح فأجابه، فأطاعه كثير من الناس وأبى كثير منهم فأصبحوا في يوم السبت نصف جمادى الآخرة وقد غلب رأي من أراد الصلح وأخرجوا إلى تمرلنك الضيافة جبوها من مياسير الناس، فكتب لهم أمانا قرء على المنبر يتضمن أنهم آمنون على أنفسهم وأهاليهم، ثم فتح الباب الصغير واستحفظ عليه بعض أمراء تمرلنك لئلا ينهب التتار البلد، واستقر الصلح على ألف ألف دينار فوزعت على أهل البلد، ثم روجع تمرلنك فتسخطها وقال: إنه إنما طلب ألف تومان والتومان عشرة آلاف دينار، فتزايد البلاء على أهل البلد وندموا حيث لا ينفع الندم، ثم أول شيء فعله اللنك من القبائح تعطيل الجمعة من الجامع الأموي فإنه نزل فيه شاه ملك وزعم أنه نائب تمرلنك على دمشق فسكنه بأهله وخيوله وأسبابه ومنع الناس من

стр. 1318

دخوله وتعطلت من المساجد الصلوات والأسواق من المعائش وشرع اللنكية في حصار القلعة واستكتب تمرلنك من بعض أهل دمشق أسماء الحارات وقسمها في أصحابه وأقطعها لهم، فنزل كل أمير حيث أقطع وطلب سكان ذلك الخط فكان الرجل يقوم في أسوء هيئة على باب داره ويطلب منه المال الجزيل فإن امتنع عوقب إلى أن يخرج جميع ما عنده فإذا لم يبق له شيء أحيط على نسائه وبناته وبنيه فيفجر بهم حتى قيل إنهم يفعلون ذلك بهم بحضرته مبالغة في الإهانة ثم بعد وطئهم يبالغون في عقوبتهم لإحضار المال، فأقاموا على ذلك سبعة عشر يوما فهلك تحت الضرب والعقوبة من لا يحصى، ثم خرج منها الأمراء المذكورون وصبح البلد في سلخ رجب المشاة والرجالة في أيديهم السيوف المصلتة فانتهبوا ما بقي من المتاع وألقوا الأطفال من عمر يوم إلى خمس تحت الأرجل وأسروا أمهاتهم وآباءهم ثم أطلقت النار في البيوت إلى أن أحترق أكثر البلد وخصوصا الجامع وما حواليه، ثم رحل تمرلنك بعساكره في ثالث شعبان فأعقب رحيله جراد كثير إلى الغاية ودام أياما، ومات في هذا الشهر من أهل الشام من لا يحصى عدده إلا الله تعالى، فمنهم من حريقا، ومنهم عن عجز من الهرب فمات جوعا، ومنهم من توجه هاربا فمات إعياء، ومنهن من كان ضعيفا فاستمر إلى أن مات، وبلغ الأمر بأهل دمشق قبل رحيل العسكر عنهم ان الواحد

стр. 1319

من التمرية كان يدخل إلى البيت وفيه العدد الكثير فيصنع بهم ما أراد من نهب وقتل وإحراق وإفساد وفسق، ولا تمتد إليه يد ولا تخاطبه لسان لما غلب على القلوب من الخوف منهم، وبيع القمح بعد رحيلهم كل مد بأربعين درهما، واخذ الناس في ضم الجراد وبيعه وصار هو غالب القوت بالبلد، وبيع الرطل منه بأربعة ونصف، وصار من بقي حفاة عراة، وأعيانهم عليهم العبي والجلود وهم يبيعون الجراد، وينادون عليه ويتتبعون ما بقي من خلق المتاع ويبيعونه ليشتروا به الجراد، واستمر الحريق في البلد لعجز من بقي عن طفيه حتى عم جميعها، ومن بعد رحيل تمرلنك عن الشام قصد ماردين فنازلها، ووصل إله في تلك الأيام العادل صاحب حصن كيفا فأكرمه وكان وصوله إلى حلب راجعا في سابع عشر شعبان ولم يدخلها بل امر المقيمين بها من جهته بتخريبها وتحريقها ففعلوا ثم لحقوا به وحدث كثير ممن كان أسر معهم ..... وسار هو قاصد البلاد الشمالية، وذكر بعض من يوثق به انه قرأ في الحائط القبلي بالجامع النوري بحماة منقوشا على رخامة بالفارسي ما نصه: إن الله يسر لنا فتح البلاد والممالك حتى انتهى استخلاصنا إلى بغداد فجاورنا سلطان مصر والشام فراسلناه لتتم بيننا المودة فقتلوا رسلنا وظفرت طائفة من التركمان بجماعة من أهلنا فسجنوهم فتوجهنا لاستخلاص

стр. 1320

متغلبينا من أيدي مخالفينا، واتفق في ذلك نزولنا بحماة في العشرين من شهر ربيع الآخر، وكان لما وصل إلى حمص لم يتعرض لها إكراما لخالد بن الوليد، ولما تكامل الجند بمصر قام بأمرهم يلبغا السالمي فصار يكسوا العرايا منهم ويحما إليهم الأموال والأمتعة والسلاح وقام في تحصيل الأموال لتجهيز العساكر إلى الشام لدفع تمرلنك بزعمه عن دمشق، فبسط يده في أخذ أموال الناس بغير رضاهم، فمن حضر قاسمه ماله قسمة صحيحة، ومن غاب أخذ نصف ما يجده له ويترك النصف وعم ذلك حتى في اموال الأيتام والأوقاف وفرض على البيوت كل بيت كراء شهر، وعلى كل فدان حبوب عشرة دراهم، وعلى كل فدان قلقاس أو قصب مائة درهم، وعلى البساتين كل فدان، مائة درهم، وفرض على الإقطاع عن عبرة كل ألف دينار ثمن فرس خمسمائة درهم.

стр. 1321

وفي ذي الحجة منها حاصر نعير أمير العرب حلب وأميرها إذ ذاك دمرداش النائب والعساكر بها قليلة جدا فغلا السعر عندهم واشتد عليهم الخطب فاستنجد دمرداش بابن رمضان فحضر إليه بخيله ورجاله ووقع القتال فرأى نعير الغلبة وقد أشرف دمرداش وابن رمضان على كسرهم ففر ليلا بمن معه فساروا في أثرهم فلم يدركوهم ورجع ابن رمضان إلى بلده وقد فرج الله عن الحلبيين به. وفي ليلة الإثنين النصف من صفر طلع القمر خاسفا فصلى ابن أبي البقاء بدمشق صلاة الخسوف وخطب وفرغ عند وقت العشاء وانجلى القمر عند غياب الشفق. ومن الحوادث غير قصة تمرلنك في أول يوم منها ولي تغري برمش ولاية القاهرة عوضا عن أحمد بن الزين. وفي تاسعه استقر نور الدين ابن الجلال في قضاء المالكية عوضا عن ابن خلدون. وفي أواخره صرف تقي الدين الكفري عن قضاء الحنفية بدمشق

стр. 1322

وأعيد بدر الدين القدسي. وفي خامس عشرى المحرم قرئ على المحدث جمال الدين عبد الله ابن الشرائحي بالجامع كتاب الرد على الجهمية لعثمان الدارمي فحضر عندهم زين الدين عمر الكفيري فأنكر عليهم وشنع وأخذ نسخة من

стр. 1323

الكتاب وذهب بها إلى القاضي المالكي فطلب القارئ وهو إبراهيم الملكاوي فأغلظ له ثم طلب ابن الشرائحي فآذاه بالقول وأمر به إلى السجن وقطع نسخه ابن الشرائحي ثم طلب القاري ثانيا فتغيب ثم أحضره فسأله عن عقيدته فقال: الإيمان بما جاء عن رسول الله ﷺ ، فانزعج القاضي لذلك وأمر بتعزيره فعزر وضرب وطيف به، ثم طلبه بعد جمعة وكان بلغه عنه كلام أغضبه فضربه ثانيا ونادى عليه وحكم بسجنه شهرا. وفي ثاني عشر المحرم عزل ابن خلدون عن قضاء المالكية وأهين وطلب بالنقباء من عند آقباي الحاجب ماشيا من القاهرة إلى بيت الحاجب بالكيش وأوقف بين يديه ورسم عليه وحصل له إخراق زائد وأطلق بعض من سجنه ثم بعد مدة من عزله أعطي تدريس المالكية بوقف الصالح.

стр. 1324

وفي الرابع والعشرين منه كسر يلبغا السالمي من شبرى نحو من خمسين ألف جرة خمر. وفي عاشر ربيع الآخر استقر بدر الدين العيني في الحسبة عوضا عن البجاسي ثم عزل بعد رجوع السلطان من دمشق وأعيد البجاسي في سابع جمادى الآخرة. وفي أواخر ربيع الآخر خلع تمراز نائب الغيبة على منكلي بغا

стр. 1325

الزيني بكشف البهسنا فنزل إلى يلبغا السالمي الأستادار فعراه الخلعة وضربه بالمقارع، فبلغ ذلك نائب الغيبة فغضب، فدخل النائب بينهما إلى أن أعاد السالمي على المذكور خلعته واستمر به. وفي نصف جمادى الأولى منع يلبغا السالمي اليهود والنصارى من دخول الحمامات إلا بشعار يعرفون به نساء ورجالا وشدد في ذلك فبلغ ذلك نائب الغيبة فنادى بإبطاله ثم وصل كتاب السلطان في أوائل جمادى الأولى وفيه أن يلبغا السالمي لا يحكم إلا فيما يتعلق بالديوان المفرد خاصة وكان السالمي عند سفر السلطان استنجز مرسوما بأنه يحكم في الأحكام الشرعية وكتب له عليه قضاة القضاة، فلما وقع الخلاف بينه وبين نائب الغيبة سعى عليه في إبطال ذلك فتم له ما أراد وأمر بان ينادى في البلد: من وقف ليلبغا السالمي في شكوى عوقب ومن له على السالمي ظلامة يرفعها لنائب الغيبة ثم أمر بكتابة محضر بأحوال السالمي وما هو فيه من الهوج، وكان السالمي يومئذ غائبا فلما رجع وبلغه ذلك أهان الذي كتب المحضر وأحضر دويدار الوالي فضربه بسبب إشهاره النداء، فبلغ ذلك الوالي فهرب إلى بيت نائب الغيبة ثم وصل السلطان فتمكن يلبغا السالمي من التحكم في البلد ونودي له بذلك فصنع ما تقدم شرحه قريبا. وفي ثاني عشر جمادى الآخرة استقر القاضي أمين الدين عبد الوهاب ابن القاضي شمس الدين الطرابلسي في قضاء الحنفية عوضا عن القاضي

стр. 1326

جمال الدين الملطي وكان قد تعوق عن السفر إلى الشام لضعفه فمات في غيبتهم وتعطل المنصب بعده إلى هذه الغاية واستقر القاضي جمال الدين عبد الله بن مقداد الأقفهسي في قضاء المالكية عوضا عن نور الدين

стр. 1327

ابن الجلال لأنه كان مات في غزة لما توجه العسكر إلى الشام ثم عزل بعد يسير واستقر القاضي ولي الدين ابن خلدون في رمضان.

стр. 1328

وفي ثالث رجب استقر علم الدين أبو كم في الوزارة عوضا عن فخر الدين ابن غراب. وفي رجب وقع بحسبان من الشام برد كبار مثل الكف ومنه مثل الخيار وزن الواحدة سبعة وعشرون درهما ولم يعهدوا مثل ذلك من قبل. وفي رجب حضر رسول تمرلنك يطلب أطلمش ويعدهم أنهم إذا

стр. 1329

أرسلوه يرسل كل من عنده من الأسرى أميرا كان أو فقيها وكانوا قد أسروا قاضي القضاة صدر الدين المناوي وشغر المنصب عنه ابتداء هرب السلطان من دمشق، فلما وصل الكتاب لم يسعهم المخالفة فأخرجوا أطلمش وأعطوم مالا وأرسلوا رسلا يخبرون تمرلنك بإكرامه وإعزازه؛ وفي ثامن عشر رجب استقر سعد الدين ابن غراب استادارا مضافا إلى ما بيده من نظر الخاص والجيش وشرط أن لا يغير ملبوسه، وسلم له السالمي ليحاسبه على الأموال التي أخذها من الناس، فسلمه لناصر الدين بن

стр. 1330

كلفت شاد الدواوين فأهانه وهدده وعصره، ثم أطلق في أول يوم من شوال ولقد عدته مهنئا بسلامته فوجدته مصرا على تحسين أفعاله المستقبحة المقدم ذكرها ويوجه ذلك بانه لولا أشيع عنه تحصيل الأموال وتجهيز العساكر بها ما رحل تمرلنك عن دمشق، وهذا من غلطاته الظاهرة فإن رحيل اللنك إنما كان لضيق العيش على من معه فخشي أن يهلكوا جوعا وإلا فما الذي يمنعه من اتباعهم إلى مصر؛ ثم قبض عليه مرة أخرى في ذي القعدة وتسلمه أحمد بن رجب شاد الدواوين فضربه وعصره حتى أشيع موته، ثم أفرج عنه في نصف الشهر. وفي سابع شعبان وصل نائب طرابلس شيخ المحمودي إلى القاهرة وكان قد هرب من أسر تمرلنك، فتلقاه يشبك وبقية الأمراء وأرسلوا إليه الخيول والمال، ثم خلع عليه في رمضان بنيابة طرابلس

стр. 1331

على عادته؛ وفي تاسع عشره حضر دقماق نائب حماة فارا أيضا من أسر تمرلنك. وفي أواخر شعبان نودي بالقاهرة: لا يقيمن عجمي بها ومن أقام لا يلومن إلا نفسه فشرعوا في الخروج منها ثم فتر ذلك وشفع فيهم. وفي تاسع عشرين شعبان استقر ناصر الدين الصالحي في قضاء الشافعية عوضا عن صدر الدين المناوي بعد السأس منه وشغر المنصب عنه أكثر من شهرين، وفيه أخذ الذهب في الأرتفاع لكثرة من يطلبه

стр. 1332

لأن الفضة كانت في غاية الغلاء وغالب نقد الناس الفلوس وهي مثقلة لمن يقتنيها ولا سيما من يخاف على نفسه.

стр. 1333

وفي أوائل شوال عمل يشبك الدويدار على جماعة من الخاصكية والأمراء ليخرجهم من القاهرة وقرر السلطان أن يؤمرهم في دمشق وغيرها فلما علم بذلك جكم ونوروز وغيرهما من كبار أهل الدولة تفطنوا لمقصود يشبك فعاكسوه واتفقوا مع الذين عينوا أن يردوا المناشير فدا بينهم وبين يشبك كلام فأغلظ لهم فخرجوا عليه فضربوا قطلوبغا الكركي وأخاه الخازندار بالرميلة وجرح قطلوبغا في وجهه ووقف المماليك إلى الليل وانضاف إليهم جكم ووقع بينهم وبين جركس المصارع الدويدار

стр. 1334

الثاني ثم توجه جكم ومعه جمع كثير نحو الخمسمائة إلى جهة بركة الحبش ثم سودون طاز أمير آخور وأخذ معه الخيل التي في الاصطبل والطبول وأتلف أشياء كثيرة من آلات الاصطبل كالقرب والوايا، فأرسل السلطان لهم نوروز وصحبته القاضي الشافعي في الحادي عشر يستخبرهم عن سبب نفرتهم ويأمرهم بالرجوع إلى الطاعة فأعلموهم

стр. 1335

بباطن القضية فرجع القاضي إلى السلطان فأطلعه على ما سمع وتأخر نوروز موافقا لهم فخشي السلطان أن يتفلل من بقي عنده فنزل إلى الاصطبل وأمر رؤوس النوب بمنع المماليك من مساعدة أحد الفريقين وأرسل إلى يشبك يعلمه بانهم ليس لهم قصد غيره ويقول له: قاتل عن نفسك. فلما كان حادي عشر شوال التقى الجمعان فانكسر يشبك وقبض على أخوته وهم آقباي وقطلوبغا الكركيان وجركس المصارع وأرسلوا إلى الإسكندرية ثم قبض على يشبك وأرسل أيضا واستقر جكم دويدارا وسودون من زاده خازندار ثم استعفي منها في سادس ذي الحجة واستقر شاد الشربخاناه وطلب المماليك الإنفاق بسبب النصرة فامر ناظر الخاص بتحصيل مال النفقة فشرع في الاقتراض من التجار وطلع في أول ذي القعدة لينفق لكل مملوك ألف درهم فثارت عليه المماليك فأمسكوه وضربوه فهرب واختفى عند الزمام ثم توجه إلى مصر ومعه النفقة وعدا من مصر إلى الجيزة وتمادى سائرا إلى تروجة وذلك في سادس عشري ذي القعدة وفي أثناء ذلك قبض يشبك على الشيخ لاجين
следующие страницы →