← История

История · id 26001

إنباء الغمر بأبناء العمر - ط الهندية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 236 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وفيها وصل الذين جردوا إلى الإسكندرية بسبب الفرنج سالمين. وفيها نازل الفرنج طرابلس فأقاموا عليها ثلاثة أيام فبلغ ذلك نائب الشام فنهض إليهم مسرعاً فانهزموا وأوقع بهم وكان ذلك مبدأ سعادته ثم توجه الفرنج إلى بيروت وكانوا في نحو من أربعين مركباً فواقعهم دمرداش ومن معه من الجند والمطوعة وقتل بعض الناس من الفريقين وجرح الكثير وكان نائب الشام ببعلبك فجاءه الخبر فتوجه من وقته وأرسل إلى العسكر يستنجده ومضى على طريق صعبة مشقة إلى أن وصل إلى طرابلس في المحرم، ثم توجه من فوره إلى بيروت فوجده قد نهبوا ما فيها وأحرقوها وكان أهلها قد هربوا إلى الجبال إلا المقاتلة منهم فوقع بين الفريقين مقتلة عظيمة فأمر النائب بإحراق قتلى الفرنج ثم توجه إلى صيدا ومعه العساكر فوصل إليها وقد أخذ الفرنج من البهار الذي للكيتلان شيئاً كثيراً فوصل النائب بالعسكر فوجدهم في القتال مع أهل صيدا ولم يتقدمه أحد بل كان معه عشرة أنفس لا غير فحمل على الفرنج فكسرهم وفروا إلى مراكبهم وفروا راجعين إلى ناحية بيروت ثم نزلوا لأخذ الماء فمانعهم بعض أصحاب النائب فغلبوه على الماء وأخذوا حاجتهم وتوجهوا إلى جهة طرابلس ثم مروا عنها إلى الماعوضة فركز النائب طائفة بصيدا وطائفة ببيروت وتوجه إلى دمشق وكانت مدة غيبته دون نصف شهر، ولما رجع لاقاه الناس فلام القضاة على تأخرهم

стр. 1577

عن الغزاة فأجابه الحنفي بجواب أغضبه فأهانه واستهزأ به. وفيها في ليلة الرابع عشر من المحرم توقف النيل بمصر مدة أيام فاتفق خسوف القمر بتمامه وهو في برج الدلو بحيث لم يبق من ضوئه شيء أصلاً فاستشعر الناس عدم الزيادة فأمر الخطباء أن يستسقوا في الخطب ففعلوا فزاد في الجمعة التي تليها واطمأن الناس بعد أن اضطربوا ثم توقف فمضت مسرى من شهور القبط ولم يوف ثم نزل إصبعين في أيام النسيم ثم إصبعين فبادروا في أول يوم من توت وهو في العشرين من صفر وخلّقوا المقياس وكسروا السد بغير وفاء ثم لم يزد بعد ذلك سوى نصف ذراع ثم انهبط دفعة واحدة فلم يصبح في الخلجان ماء وشرق غالب البلاد وذعر الناس بسبب ذلك وذلك في صفر وخرج القاضي جلال الدين ماشياً إلى الجامع الأزهر بعد الظهر فاستمر فيه إلى العصر في الدعاء والتضرع والقراءة وانضم إليه جمع كبير على ذلك فبلغ ذلك القضاة وشيوخ الخوانق فاستمروا إلى قريب المغرب وذلك في تاسع صفر ثم توجه إلى الآثار يوم السبت ثالث عشر صفر فوضعها على رأسه وهو واقف في المحراب يتضرع ويبكي ويدعو

стр. 1578

ثم رجع. وفي أول ربيع الأول وقع الغلاء في القمح واشتد الأمر وشرق غالب البلاد وقدر الله تعالى أن الذي وقع في الري من البلاد زكت الأرض بالزرع حتى جاء الفدان الواحد من الشعير في الفيوم إحدى وسبعين إردباً بكيل الناحية يكون بالكيل المصري مائة إردب وجاء الفدان في غير الفيوم بثلاثين إردباً إلى عشرة وثمانية وخرج الناس إلى الصحراء يستسقون بعد صيام ثلاثة أيام فخطب فيهم الحافظ زين الدين العراقي أوائل ربيع الآخر ثم رجعوا فتزايد السعر في القمح وجميع الغلال إلا أن المأكولات كثيرة جداً والبيع والشراء ماش الحال وأعيد البجاسي في هذه الحالة إلى الحسبة. وفي ربيع الأول منها استقر شمس الدين البيري أخو جمال الدين

стр. 1579

يوسف الأستادار في قضاء الشافعية بحلب وهي أول نيابة أخيه جمال الدين بالقاهرة وذلك أنه كان عمل أستادارية سودون طاز ثم أستادارية سودون الحمزاوي ثم عمل أستادارية بيبرس ابن عم السلطان في سنة خمس وثمانمائة فظهرت حسن مباشرته وأهل للوظائف الكبار وعين للوزارة فامتنع وأصر على ذلك وصارت له كلمة نافذة وأحبه الناس. وفي جمادى الآخرة حدث بالقاهرة سعال عقب هبوب ريح جنوبية شديدة البرد كثيرة الرطوبة وفشا السعال ثم الحمى وجاء الشتاء شديداً أزيد من العادة ففشا الموت في أهل المسكنة وكان يموت بالجوع والبرد في كل يوم فوق الألف وقام أهل المروءة بتكفين من يموت منهم مثل سودون المارداني وسعد الدين ابن غراب خارجاً عما يكفن من

стр. 1580

المارستان ووقف الطرحي فيقال كان عدة من تكفل ابن غراب بمواراته إلى سلخ شوال اثني عشر ألف نفس وسبعمائة نفس. وفي شوال تزايد هبوب الريح المريسي وكثرت الأمراض ووقع الطاعون والأمراض الحادة وغلت الأدوية حتى بيع القدح من لب القرع بمائة درهم وبيع الرطل الشيرشخت بمائة وثلاثين، والقنطار البطيخ الصيفي بثمانمائة درهم والفروج الواحد بسبعين درهماً والزهرة الواحدة من النيلوفر بدرهم والخيارة الواحدة البلدية بدرهم ونصف. وفي رجب غلت الأسعار جداً حتى وصل القمح إلى أربعمائة وهو بالذهب خمسة مثاقيل والفول والشعير إلى مائتين وخمسين ونحو ذلك. وفي ذي الحجة غلت الأنعام لأجل النحر حتى بيع العجل الصغير بألفي درهم. وفي أوائل هذه السنة عزل دقماق عن نيابة حلب وأمر بمجيئه

стр. 1581

إلى القاهرة واستقر عوضه آقبغا الجمالي الأطروش فهرب دقماق ثم مات آقبغا في وسط هذه السنة فجاء دقماق وقد جمع جمعاً كثيراً من التركمان واستولى على حلب فقرر السلطان دمرداش نائب طرابلس في نيابة حلب وقرر في نيابة طرابلس شيخ السليماني وكان نائب صفد وقرر في نيابة صفد بكتمر جلق وكان من أمراء دمشق، ولما استقر دمرداش بحلب كاتب نعير فيه إلى الناصر بأنه جمع جماعة وعصب عصبة وكذلك دقماق وأن كلاً منهما لا يصلح للإمرة وأن نعيراً التزم أنه لا ينصر واحداً منهما ويشير بأن يولى غيرهما ليكون معه من جهة السلطان. وفي رجب تجهزت رسل تمرلنك. وفيها توجه تمرلنك بعساكره إلى سمرقند بسبب جماعة خانوه في أموال أرسلها معهم إلى بعض القلاع فعصوا عليه وكان بعد رجوع

стр. 1582

اللنك من بلاد الروم أغار على بلاد الكرج فنازلهم وأبادهم ولم يزل يحاصرهم إلى أن غلب عليهم فطلبوا الأمان فأمنوا وشفع فيهم الشيخ إبراهيم الحاكم بشيروان فشفعه فصالحهم على مال ورحل عنهم. وفيها توجه منكلي بغا رسولاً بهدية إلى تمر من الناصر فرج وفيها زرافة فدخلوا حلب يوم عيد الفطر سنة ست وكان الناصر لما وردت عليه هدية تمر بالفيل وغيره وتوجهوا في شوال.

стр. 1583

وفيها في الثامن من شعبان زلزلت بحلب وأعمالها زلزلة شديدة وأخربت أماكن كثيرة وزلزلت قبل ذلك في يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة وقت الاستواء ثم سكنت ثم زلزلت زلازل كثيرة متفرقة في طول السنة وكانت الزلازل بالجهة الغربية منها أكثر، وفي ذي الحجة أفرج

стр. 1584

دمرداش لما تحول من طرابلس إلى حلب عن سودون طاز وجكم الدويدار وكان دمرداش أخرج جكم من السجن بالمرقب وصحبه معه في حركاته ثم سجنه لما حارب التركمان بالقصر ثم أفرج عنه وأخذه معه إلى حلب ثم فر منه إلى حماة ثم إلى أنطاكية، فلما أوقع دمرداش بأمير أنطاكية ورجع إلى حلب وصل الأمر السلطاني بالإفراج عن جكم وأن يسكن حيث شاء من البلاد، فتوجه إلى طرابلس واستولى عليها وأخرج شيخ السليماني نائباً عنها، ثم نازل حلب فهزم دمرداش ودخلها عنوة واستقرت قدمه بها إلى أن اتفقت حركة يشبك في ركوبه

стр. 1585

على السلطان ثم انهزم ومن معه إلى الشام واقتضى رأيهم خلع الناصر من الملك، فكاتبوا نواب البلاد فأطاعوهم إلا دمرداش، ثم كانت وقعة السعيدية فتفرقوا ورجع جكم إلى حلب فاستولى عليها وكسر التركمان ودعا أهل حلب إلى مبايعته بالسلطنة فأجابوه، وذلك في تاسع شوال وكان قطع الخطبة للناصر من جمادى الآخرة وتلقب العادل ولم يتسلطن إلا في شوال، وخطب له على المنابر ولبس خلعة السلطان في عاشره وركب من دار العدل إلى القلعة، وكتب إلى نواب الشامات فأطاعوه إلا القليل، وبلغ ذلك الناصر فخرج طالباً قتاله فقتل سودون طاز، قتله دويدار دمرداش بغير أمره وهرب جكم. وفيها هرب قانباي العلائي من محبسه بقلعة الصبيبة وكان مع نوروز وغيره. وفي ذي الحجة تقلد القاضي عز الدين عبد العزيز البغدادي الحنبلي

стр. 1586

قاضي القدس سيفاً ووقف بالمسجد الأقصى وجمع الناس وأشهد على نفسه أنه حكم بزندقة القاضي شهاب الدين الباعوني خطيب المسجد الأقصى ومنع الناس من الصلاة خلفه، فسئل عن مستنده في ذلك فذكر أنه سمعه يقول إنه رأى النبي ﷺ يقبل يد الباعوني، فاستفتى الباعوني عند ذلك العلماء بالقدس، فأفتوا بأن ذلك لا يقتضي كفراً ولا زندقة، فوصل الباعوني إلى دمشق في المحرم من السنة المقبلة فشكاه إلى نائب دمشق فأرسل إليه ليحكم بينهما ففر إلى العراق. وفيها حاصر قرا يوسف التركماني صاحب تبريز بغداد فهرب

стр. 1587

صاحبها أحمد بن أويس إلى جهة الشام فوصل إلى دمشق فغلب قرا يوسف على بغداد، فجهز إليه تمرلنك طائفة فكسرهم، فبلغ ذلك تمرلنك فجهز إليه ولده مرزا شاه في مائة ألف، فنازلوا قرا يوسف فهزموه فهرب إلى الرحبة ولم يمكن من دخولها، وتعصب عليه جماعة من جهة نعير فهرب أيضاً إلى جهة الشام، فوقع بينه وبين نعير وقعة فانكسر قرا يوسف ووصل إلى الشام في ربيع الآخر، فأكرمه النائب وكان قد تعب وجهد منذ توجه من الرحبة إلى دمشق في البرية بلا ماء ولا

стр. 1588

زاد حتى وصل إلى بيروت وهو لا يشعر فلم يفجأه إلا وقاصد النائب يطلبه فتوجه إليه فبلغ ذلك الأمراء بمصر فأرسلوا بطلبه، فشفع فيه نائب الشام شيخ المحمودي فقبلت شفاعته، واستقر بالشام أميراً يركب في خدمة النائب، واعتقل أحمد بن أويس ملك بغداد بدار السعادة، وكان وصوله إلى بعلبك بعد وصول قرا يوسف إلى دمشق وذلك في ربيع الآخر، ودخل دمشق في سادس جمادى الأولى، وتلقاه النائب فأنزله بدار السعادة وكاتب فيهما فوصل الجواب بالقبض عليهما، والسبب في ذلك ما وقع من الاتفاق مع تمرلنك أن من جاء من عنده يحبس حتى يكاتب فيه وكذا من جاء من عندنا إليه، فقيد أحمد وقرا يوسف وسجن أحدهما ببرج السلسلة والآخر ببرج الحمام، ثم وصل مرسوم السلطان في شعبان بقتلهما، فتوقف النائب وراجع في ذلك، ثم وصل كتاب تمر في شوال إلى نائب الشام يعاتبه على إكرامه قرا يوسف ويستبطئ مجيء رسوله مسعود وكان قد توجه في رمضان من حلب، وكان وصل كتاب نعير يخبر فيه أن تمرلنك أرسل إليه يهدده إن أمكن قرا يوسف من دخول الشام فانزعج الناس لذلك، ومع ذلك فلم يذكر النائب لقرا يوسف ذلك وكان السلطان قد جهز مسعوداً ومن معه من رسل

стр. 1589

اللنك وصحبتهم منكلى بغا الحاجب وصحبته هدية جليلة وتوجهوا في رجب وصحبتهم زرافة، وكان وصولهم إلى حلب يوم عيد الفطر، وتوجهوا منها إلى جهة الشرق. وفيها شرع نائب الشام في إعادة عمارة الجامع الأموي. وفي المحرم عزل عز الدين الحنبلي عن قضاء الشام بابن عبادة، ثم أعيد في ربيع الآخر، ثم عزل في جمادى الأولى بابن عبادة، ثم أعيد في شعبان. وفي ربيع الأول أعيد زين الدين الكفري إلى قضاء الحنفية عوضاً عن ابن القطب، ثم عزل في ربيع الأول بمحيي الدين بن العز ولم يباشر فباشر ابن القطب ثم عزل بابن الكفري في رمضان ثم أعيد ابن القطب في ذي القعدة. وفي جمادى الآخرة استقر علاء ابن أبي البقاء في قضاء

стр. 1590

الشافعية بدمشق عوضاً عن ابن خطيب يبرين وكان، ابن الخطيب استقر في ذي القعدة في العام الماضي عوضاً عن شمس الدين بن عباس وكان الحصفاوي الذي ولى قضاء حلب قد سعى في قضاء الشافعية بدمشق وكتب توقيعه، فسعى ابن العديم في الحط عليه وعقدت له مجالس فبطلت قضيته، ووصل كتاب النائب يشفع في عود علاء الدين ابن أبي البقاء فأعيد، ثم وصل مرسوم السلطان إلى النائب أن يقبض من ابن أبي البقاء مائتي ألف درهم وهي التي جرت عادة القضاة بدمشق ببذلها للسلطان وأن السلطان أنعم بها على إينال حطب وأن إينال

стр. 1591

كتب إلى ناظر الجيش أن يقبضها ويشتري له بها أمتعة، فكانت هذه الكائنة من أقبح ما نقل ثم وصل الخبر باستقرار أبي العباس أحمد الحمصي قاضي حمص في قضاء دمشق ولم يصل فكاتب النائب أيضاً فيه. وفي ربيع الآخر قدم الشهاب أحمد الأموي على قضاء المالكية بدمشق عوضاً عن عيسى، فلم يمكن من المباشرة وكوتب فيه فأعيد شرف الدين، ثم عزل في شوال بحسن الجابي وكان النائب توقف عن إمضاء ولايته وأهانه ثم أمضاها ثم أعيد في ذي القعدة. وفي سابع جمادى الأولى صرف الهوى عن الحسبة واستقر الشاذلي، ثم صرف في ثالث عشري شعبان واستقر ابن شعبان. وفيها استقر عبد الله المجادلي في وكالة بيت المال عوضاً عن

стр. 1592

فتح الدين بن الشيخ شمس الدين الجزري. وفيها باشر شمس الدين محمّد بن يوسف الحلاوي وكالة بيت المال ونظر الكسوة بالقاهرة. وفي رمضان باشر الشيخ شهاب الدين ابن حجي خطابة الجامع بدمشق ومشيخة السميساطية انتزعتا من القاضي الشافعي وهو ابن خطيب يبرين. وفي ذي الحجة أوقع نائب الشام بعرب آل فضل وكان كبيرهم علي بن فضل قد قسم بلاد الشام سنة ثلاث وثمانمائة فطمع أن يفعل ذلك في هذه السنة، فبلغ ذلك النائب فاحتال عليه إلى أن قبض عليه وكبس بيوته ونهب ما فيها. وفيها وقع بين نعير أمير عرب آل فضل وبين دمشق خجا بن سالم الدوكاري التركماني وقعة عظيمة قتل فيها ابن سالم وانكسر عسكره وغلب نعير وأرسل برأس ابن سالم إلى القاهرة وكان ذلك في رمضان، قرأت في تاريخ القاضي علاء الدين أن دمشق خجا كان أمير جعبر وأن محمّد ابن شهري لما أراد القيام على دقماق نائب حلب استعان به فوصل في جمعه

стр. 1593

وحاصرا دقماق إلى أن هرب وطاف عسكر دمشق خجا في أعمال حلب وأفسدوا فيها الفساد الفاحش أشد من فعلات اللنكية ولم يرحموا أحداً

стр. 1594

بل بالغوا في النهب والعقوبة والفسق وذلك في بلاد عزاز وغيرها، ثم رجع المذكور إلى جعبر في رجب فدهمه نعير أمير آل فضل وكان يعاديه فتواقعا فيها بين جعبر وبالس واستمر القتال أياماً إلى أن قتل دمشق خجا في سابع عشر شهر رمضان، قال: وكان من المفسدين في الأرض

стр. 1595

كهفاً للصوص وقطاع الطريق فأراح الله البلاد والعباد منه برأفته ورحمته. وفي جمادى الأولى أبطل النائب من دمشق مكس الخضراوات وكاتب في إبطاله إلى مصر، فجاء التوقيع بحسب ما رسم به واستمر ذلك وكتب في صحيفته. وفيها جهز النائب المحمل المكي وطيف به في شهر رجب على العادة وقد كان تعطل الحج من طريق دمشق إلى مكة، وخروج المحمل سنة ثلاث واللتين بعدها، فاهتم النائب بأمره في هذه السنة وجهزه فخرجوا في نصف شوال وأمير الحاج فارس دويدار تنم وحج من الأمراء برش باي أحد الأمراء ويحيى بن لاقي وكان نقيب الجيش. وفي رمضان كمل الجامع الذي بناه سودون من زاده ظاهر القاهرة وخطب به ابن الطرابلسي ودرس به عز الدين البلقيني للشافعية وبدر الدين المقدسي للحنفية. وفيه عزل الشريف النسابة من مشيخة الخانقاه البيبرسية واستقر شهاب الدين النبراوي إمام السلطان في المشيخة، وفي النظر شاهين السعدي. وفيها رسم بإبطال القاضيين المالكي والحنبلي من القدس فأبطلا منه ومن غزة فعزل عبد العزيز البغدادي فجاء إلى دمشق في ذي القعدة

стр. 1596

فسعى في العود. وفي ذي القعدة نقب برج الخيالة بقلعة دمشق وهرب منه قطاع الطريق وكانوا أمسكوا بعد أن قطعوا الطريق على ابن المغربل التاجر وباعوا بدمشق بعض الأمتعة ورجعوا إلى نابلس ففطن بهم فقبض عليهم ثم هربوا إلا واحداً منهم ضخماً لم يستطع الخروج فقتل، وأرسل في آثارهم فأخذوا من عكا فوسطوا إلا واحداً منهم هرب ووسط معهم السجان. وفي ذي الحجة بلغ نائب دمشق شيخ المحمودي أن سودون الحمزاوي تعين لنيابة الشام فشق عليه ذلك وتوجه إلى نوروز وهو في سجن الصبيبة ليتفق معه فلم يقع ذلك وانسلخت السنة والأمر على ذلك. وفي أواخرها وقع بين دمرداش والتركمان وقعة عظيمة فانكسر دمرداش، وكان النيل في هذه السنة احترق حتى أنهم اعتبروا المقياس في أواخر يوم على العادة: جاء القاع ذراعاً واحداً ونصفاً بنقص إصبعين ولم يسمع بمثل ذلك قبلها، فزاد إلى أن انسلخت السنة أربعة أذرع وثلثي ذراع، ونقص سعر القمح من ثلاثمائة إلى مائتين وخمسين. وفيها مات محمد سلطان ابن خان تنكز بن اللنك وكان ولي عهده وكان يحب العدل ويلوم جده على القتل، ويحب العلماء والفضلاء

стр. 1597

فاتفق أن اللنك لما عزم على الدخول لبلاد لروم أرسل إليه أن يحضر هو وجنوده فحضر إليه فمات بعد الوصول والظفر بابن عثمان فبدّل فرح اللنك ترحاً وحزناً عظيماً بحيث أنه جعله في تابوت وحمله إلى سمرقند فدفنه بمدرسته التي أنشأها هناك، واتفق وفاة محمد سلطان ووفاة أبي يزيد بن عثمان في وقت واحد، ويقال: إن ابن عثمان قال للّنك: إني أعرف أني لا أبقى معك ولكني أوصيك بثلاث: لا تسفك دماء الروم فإنهم ردء الإسلام، ولا تترك التتار بهذه البلاد فإنهم من أهل الفساد، ولا تخرب قلاع المسلمين وحصونهم فتسلط الكفرة عليهم، فقبل وصيته في الأمور الثلاثة وعمل حيلة قتل بها غالب رجال التتار. وفيها بعد قتل اللّنك ابن عثمان أخرج محمداً وعليّاً ولدي ابن قرمان من حبس ابن عثمان، وخلع عليهما، فاستولى كل منهما على جهة، ووصل اسفنديار أحد ملوك الروم وكان ممن يعادي ابن عثمان فأكرمه

стр. 1598

أيضاً، ومن ممالكه سبتيون وتلقب جزيرة العشاق يضرب بظرفها المثل، فأقبل اللّنك عليه وأكرمه. وفيها زلزلت بحلب زلزلة عظيمة فخرب من الجهة الغربية أماكن كثيرة ثم كثرت الزلازل فيها، وفي السنة التي بعدها زلزلت بحلب أيضاً وكانت عظيمة وبقيت ساعة، وذلك في جمادى الأولى، وجأر الناس بالدعاء والتوبة. وفيها انضم جكم بعد هروبه إلى فارس ابن صاحب الباز التركماني بإنطاكية، فبلغ ذلك دمرداش فحاصرهم مدة ولم يظفر بطائل، وراسل جكم الحاجب بطرابلس فقبض على النائب بها وهو شيخ السليماني ودخلها جكم فغلب عليها ثم كان ما سنذكره في سنة سبع. ذكر من مات في سنة ست وثمانمائة من الأعيان إبراهيم بن عمر بن علي المحلى برهان الدين التاجر الكبير، كان

стр. 1599

يذكر أنه طلحي النسب، وهو سبط الشيخ شمس الدين ابن اللبّان، تقدم شيء من ذكره في الحوادث من تجديده مقدمة جامع عمرو، وذلك في سنة أربع وثمانمائة، ومن تجهيز العسكر من ماله إلى الإسكندرية، وكان معظماً عند الدولة، عارفاً بأمور الدنيا، وكان في آخر أمره قد تموّل جدّاً وأنجب ابنه أحمد فبلغ الغاية في المعرفة بأمور التجارة، ومات برهان الدين في ربيع الأول بمصر، وولده إذ ذاك باليمن فوصل إلى مكة ومعه من الأموال ما لا يدخل تحت الحصر حتى أنه كان معه في تلك السنة ستة آلاف زكيبة من أصناف البهار، فتفرّقت أموالهما شذر مذر بأيدي العباد في جميع البلاد، وقد سمعت من برهان الدين عدّة فوائد وسمع على ترجمة البخاري من جمعي، وكان يقول ما ركبت في مركب قط فغرقت، وسمعته يقول: أحضرت عند جدي لما ولدت فبشّر أبي بأني أصير ناخوذه ثم سمعت ذلك من جدي وأنا ابن أربع سنين وكان أبوه مملقاً فرزق هو من المال ما رقى سماه.

стр. 1600

إبراهيم بن محمد بن صديق بن إبراهيم بن يوسف الدمشقيّ المؤذِّن المعروف بالرّسام، وكان أبوه بوّاب الظاهريّة مسند الدنيا من الرجال، سمع من الحجار الكثير ومن إسحاق الآمدي والشيخ تقي الدين ابن تيمية وطائفة تفرّد بالرواية عنهم، ومتع بسمعه وعقله، سمعت منه

стр. 1601

بمكة وحدّث بها بسائر مسموعاته، وقد رحل في السنة الماضية إلى حلب ومعه ثبت مسموعاته فأكثروا عنه وانتفعوا به، وألحق جماعة من الأصاغر بالأكابر ورجع إلى دمشق ولم يتزوج، ومات في شوال وله خمس

стр. 1602

وثمانون سنة وأشهراً. أحمد بن إبراهيم بن عمر المحلى أبو الفضل التاجر، كان شابّاً حسناً كريم الشمائل عفيف الفرج، مات بعد موت أبيه بمكة في أواخر

стр. 1603

ذي القعدة. أحمد بن داود بن إبراهيم بن داود الصالحي القطان، روى عن عبد الرحيم ابن أبي اليسر، مات في رجب. أحمد بن عبد الكافي بن عبد الوهاب البليني، كان أبوه قاضي البلينة، واشتغل وتفقّه وأقام بالقاهرة، وناب في الحكم بالحسينية، وولي الإعادة بالشافعي، وكان فاضلاً خيّراً ديِّناً، مات كهلاً. أحمد بن علي بن محمد بن علي بن ضرغام بن علي بن عبد الكافي

стр. 1604

البكري الغضائري المؤذّن المعروف بابن سكَّر، أخو شيخنا شمس الدين المقدم ذكره، سمع بإفادة أخيه من يحيى بن يوسف بن المصري وغيره، وحدّث، سمعت منه بالقاهرة، ومات في رجب وقد جاوز السبعين.

стр. 1605

أحمد بن علي التركماني، يعرف بابن الشيخ، ولي نيابة الكرك وصفد واستقرّ في الآخر أميراً كبيراً بدمشق، مات في ذي القعدة بمصر. إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي الزبيدي، ولد سنة ٧٢٢ على ما ذكر،

стр. 1606

وتعانى الاشتغال ثم تصوّف، وكان خيراً عابداً حسن السمت والملبوس مغري بالسماع محبّاً في مقالة ابن العربي، وكنت أظن أنه لا يفهم الاتحاد حتى اجتمعت به فرأيته يفهمه ويقرره ويدعو إليه حتى صار من لم يحصل كتاب الفصوص من أصحابه لا يلتفت إليه، وكان السلطان الأشرف قد عظّمه بسبب أنه قام معه عند حصار الإمام صلاح، الزيدي زبيد فاعتقده، وصار أهل زبيد يقترحون له كرامات، وكان يداوم قراءة سورة يس في كل حالة ويعتمد فيه حديثاً موضوعاً، وأراني جزءاً جمعه له شيخنا مجد الدين الشيرازي في ذلك، وقام عليه مرّة الشيخ صالح المصري فتعصّبوا عليه حتى نفوه إلى الهند، ثم كان الفقيه أحمد الناشري عالم زبيد يقوم عليه وعلى أصحابه ولا يستطيع أن يغيِّرهم عمّا هم فيه لميل السلطان إليهم، وقد حدث الشيخ إسماعيل بالإجازة

стр. 1607

العامة عن القاسم بن عساكر وبالخاصة عن أبي بكر بن المحب، ومات في نصف رجب وله بضع وثمانون سنة لأنه ذكر أن مولده سنة ٧٢٢.

стр. 1608

إسماعيل بن علي بن محمد البقاعي ثم الدمشقي الناسخ، كان يشتغل بالعلم ويصحب الحنابلة ويميل إلى معتقدهم مع كونه شافعيّاً، وكان يقرأ الحديث للعامّة وينصحهم ويعظهم ويكتب للناس مع الدين والخير، وله نظم حسن أنشدني منه بدمشق، وقد كتب بخطه صحيح البخاري في مجلدة واحدة معدومة النظير سلمت من الحريق إلاّ اليسير من حواشيها فبيعت بأزيد من عشرين مثقالا، وفرَّ في الكائنة إلى طرابلس فأقام بها إلى آخر سنة خمس، ورجع فمات بدمشق في المحرّم. أقبغا الهدباني الظاهري، كان من عتقاء الظاهر برقوق، وتنقل في الخدمة إلى أن ولي الحجوبية بحلب بعد رجوع الظاهر إلى السلطنة

стр. 1609

من الكرك ثم نيابة صفد ثم نيابة طرابلس ثم نيابة حلب في سنة إحدى وثمانمائة سنة وفاة الظاهر، ثم كان ممن أعان تنم نائب دمشق، فلما انكسر تنم أسر أقبغا فيمن أسر ثم أطلق وولي نيابة طرابلس سنة أربع، ثم ولي نيابة حلب بعد دقماق فدخلها في جمادى الأولى سنة ست وثمانمائة فأقام بها أربعين يوماً، ومات ليلة الجمعة سابع عشري جمادى الآخرة، وكان عاقلاً كثير السكون، وأنشأ بحلب جامعاً وداخله تربة له دفن فيها. أبو بكر بن داود الصالحي أحد من كان يعتقد ويزار

стр. 1610

بالصالحية بدمشق، وله زاوية هناك، وكان على طريقة السلف وله إلمام بالعلم، مات في سابع عشري رمضان. أبو بكر بن قاسم بن عبد المعطي بن أحمد بن عبد المعطي الخزرجي المكي، سمع من عثمان ابن الصفي أحمد الطبري بمكة ومن غيره، ودخل بلاد التكرور فاتفق أنهم كانوا احتاجوا أن يستسقوا فاستسقوا به فسقوا وذلك ببلد ماني، ثم رجع إلى مصر فأقام بها، وكان يكثر زيارة الصالحين بالقرافة ويشارك في قليل من الفقه ويدري التاريخ، اجتمعت به مراراً، مات وله سبع وسبعون سنة وكان يعرف عند أهل مصر بالفقيه أبي بكر الحجازي.

стр. 1611

أبو بكر بن محمد الحبشي العدني قاضي عدن وليه بها مراراً، وكان نبيهاً في الفقه، مات في أواخر السنة. دمشق خجا بن سالم الدوكاري التركماني، تقدم ذكره في الحوادث، قتل في رمضان من هذه السنة. عبد الله بن عبد الله الدكاري المغربي المالكي نزيل المدينة، أقرأ بها ودرّس وأفاد وناب في الحكم في بعض القضايا، وكان يتجرّأ على العلماء سامحه الله. عبد الله بن عثمان بن محمد الصالحي المعروف بابن حمية، روى

стр. 1612

لنا عن البرزالي، سمع من محيى الدين ابن خطيب بعلبك وحدّثنا عن الحافظ علم الدين البرزالي. عبد الله بن الشيخ بن أحمد بن عبد الرحمن، ويقال: ابن عثمان بن عمر التركستاني المعروف بالقرمي، هو ولد الشيخ المشهور ببيت المقدس اشتغل قليلاً وقدم حلب ثم دخل بغداد وأسر مع اللنكية ثم خلص، ويقال إنه جرت له محنة فخنق نفسه بسببها، على ما استفاض بين الناس، ومات في سنة ست وثمانمائة في أواخرها. عبد الله بن محمد المارديني، جمال الدين المعروف بتمنّع، كان من أولاد الأغنياء فورث مالاً جزيلاً فأنفقه في الخيرات ثم افتقر فصار يكدى بالأوراق وينظم البيتين في ذلك أحياناً وكان يعاشر الرؤساء، وللشيخ عز الدين الموصلي فيه نظم، مات في رمضان بدمشق.

стр. 1613

عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم المهرانيّ المولد العراقي الأصل الكرديّ الشيخ زين الدين العراقي حافظ العصر، ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين، وحفظ التنبيه في الفقه، واشتغل بالفقه والقرآآت، ولازم المشايخ في الرواية وسمع في غضون ذلك من عبد الرحيم بن شاهد الجيش وابن عبد الهادي وعلاء الدين التركماني، وقرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين ابن البابا، وتشاغل بالتخريج ثم تنبه للطلب بعد أن فاته السماع من مثل يحيى بن المصري آخر من روى حديث السلفي عالياً بالإجازة ومن الكثير من أصحاب ابن عبد الدائم والنجيب وابن علاق ولكنه أدرك أبا الفتح الميدومي فأكثر عنه وهو من أعلى مشايخه إسناداً، وسمع أيضاً من ابن الملوك وابن القطرواني، ثم رحل إلى دمشق فسمع من ابن الخبّاز

стр. 1614

ومن أبي العباس المرداوي ونحوهما، وعني بهذا الشأن ورحل فيه مرّاتٍ إلى دمشق وحلب والحجاز، وأراد الدخول إلى العراق ففترت همّته من خوف الطريق ورحل إلى الإسكندرية، ثم عزم على التوجّه إلى تونس فلم يتم له ذلك، وصنّف تخريج أحاديث الإحياء وأكمل مسودته الكبرى قديماً ثم بيّضه في نحو نصفه ولم يكمل تبييضه، ثم اختصره في مجلد واحد ولم يبيِّضه، وكتبت منه النسخ الكثيرة، وشرع في إكمال شرح الترمذيّ لابن سيد الناس، ونظم علوم الحديث لابن الصلاح ألفيّة وشرحها وعمل عليه نكتاً، وصنّف أشياء أخر كباراً وصغاراً، وصار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الشيخ جمال الدين الأسناي وهلمّ جرّا، ولم نر في هذا الفن أتقن منه، وعليه تخرّج غالب أهل

стр. 1615

عصره، ومن أخصهم به صهره شيخنا نور الدين الهيثمي، وهو الذي درّبه وعلًمه كيفية التخريج والتصنيف، وهو الذي يعمل له خطب كتبه ويسميها له، وصار الهيثمي لشدّة ممارسته أكثر استحضاراً للمتون من شيخه حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك لأن الحفظ المعرفة، وولي شيخنا قضاء المدينة سنة ثمان وثمانين فأقام بها نحو ثلاث سنين ثم سكن القاهرة، وأنجب ولده قاضي القضاة ولي الدين، لازمت شيخنا عشر سنين تخلّل في أثنائها رحلاتي إلى الشام وغيرها، قرأت عليه كثيراً من المسانيد والأجزاء وبحثت عليه شرحه على منظومته وغير ذلك، وشهد لي بالحفظ في كثير من المواطن، وكتب لي خطه بذلك مراراً وسئل عند موته عمّن بقي بعده من الحفّاظ فبدأ بي وثنّى بولده وثلّث بالشيخ نور الدين، وكان سبب ذلك ما أشرت إليه من أكثريّة الممارسة، لأن ولده تشاغل بفنون غير الحديث، والشيخ نور الدين كان يدري منه فنّاً واحداً، وكان السائل للشيخ عن ذلك القاضي كمال الدين ابن العديم، ثم سأله الشيخ نور الدين الرشيدي على ما أخبرني بذلك بعد ذلك فقال: في فلان كفاية، وذكر أنه عناني وصرّح بذلك، مات الشيخ عقب خروجه من الحمّام في ثامن شعبان وله إحدى
следующие страницы →