← История

История · id 26001

إنباء الغمر بأبناء العمر - ط الهندية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 236 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

من السجن فركب معه وجمع جمع جم من التركمان وأنعم شيخ على نوروز بالدورة التي جرت العادة بها في بلاد الشام فحصل جملة مستكثرة، ولما فر يشبك كان قد أغلقت أبواب القاهرة في هذه الفتنة أياماً ففتحت وزاد الكلام ونقص ثم استقر الأمر وقرر إينال باي بن قجماس قريب السلطان أمير آخور وسكن الاصطبل واستقر بيبرس قريب السلطان أتابكاً ويشبك ابن ازدمر رأس نوبة كبيراً وسودون المارداني في الدويدارية الكبرى ووصل دقماق نائب حلب إلى دمشق بحسب تفويض السلطان ذلك إلى اختياره والإذن له في المقام بأي بلد شاء، واستقر أبو كم في نظر الجيش وابن قيماز في الإستادارية عوضاً عن ابن غراب ثم صرف أبو كم واستقر بدر الدين ابن نصر الله في ثاني عشري جمادى الآخرة، فكانت مدة أبو كم في نظر الجيش عشرة أيام ثم صرف ابن البقري عن الوزارة ونظر الخاص وأضيفتا لابن نصر الله وقبض على ابن البقري ثم صرفتا عنه ووليهما ناصر الدين قريب ابن الطبلاوي في رمضان وكان قبل ذلك شاد الدواوين.

стр. 1647

وفي رابع رجب صرف ابن قيماز من الأستادارية واستقر جمال الدين يوسف البيري أستاداراً بجاس. وفي شعبان أفرج عن يلبغا السالمي أيضاً من الإسكندرية وقدم في رمضان واستقر مشير الدولة، ثم لما اجتمعت الأمراء على العصيان على الناصر هرب منهم دقماق واحتاج نائب الشام إلى الأموال فأخذ من التجار عشرة آلاف دينار ومن الغوطة من كل بستان دينارين واستولى على كل شعير بدمشق ولما استقر يشبك بدمشق كاتب جكم فجمع العساكر وجاء إلى

стр. 1648

دمشق واجتمعت كلمة غالب النواب على ذلك وخرج معهم قرا يوسف بمن معه من التركمان فاجتمع من لا يحصى وأنفق فيهم نائب الشام شيخ من الأموال ما لا يدخل تحت الحصر، وساروا أولاً إلى صفد فحاصروها وبها بكتمر جلق فصالحوه ثم توجهوا جميعاً بعد قدوم جكم من الشام إلى مصر وبلغ ذلك الأمراء بمصر فتجهزوا فخرجوا في ثامن ذي الحجة، وكان يشبك لما خرج على السلطان أرسل بالإفراج عن السالمي وأعيد إلى الإشارة فباشرها بشدة عظيمة وسطوة وصار الوزير وغيره لا يقطعون

стр. 1649

أمراً دونه وخلص من سجن الإسكندرية سودون من زاده والمشطوب وصرق فاستقر سودون من زاده حاجباً كبيراً وصرق كاشفاً وجمال الدين

стр. 1650

أستادار بجاس في الأستادارية في شهر رجب من هذه السنة وأضيف إليه كشف الوجه البحري وخرج العسكر إلى الريدانية في الثاني من ذي الحجة ثم ساروا إلى جهة الشام، فلما انتهوا إلى منزلة السعيدية في رابع عشر ذي الحجة وجدوا العسكر الشامي قد وصل، وكانوا خرجوا من رمضان وهلم جرا فالتقى الجمعان ليلاً بغير تعبية، فأشار قرا يوسف على الشاميين بالمبيت على العسكر المصري، فدهمهم ما لم يكن في حسابهم فانهزموا لا يلوي أحد على أحد إلى أن انتهوا إلى القاهرة. وأما الناصر فأركبه سودون طاز وغيره الهجن وشق به البرية إلى أن انتهى به إلى القلعة بعد معاناة عظيمة ومقاساة جهد بعد يأس شديد، واجتمع إليه من انهزم وتحايوا وتهيئوا للقتال، ووقع في القاهرة هرج عظيم

стр. 1651

وغلقت أبواب البلد والدروب وانقطعت المعايش وتباطأ الشاميون بسبب النهب فأخذوا من العسكر المصري ما لا يدخل تحت الوصف من الأقمشة والجمال والخيول، ووقع صرق في قبضة نائب الشام فضرب عنقه صبراً، ولما عزموا في الرحيل إلى جهة القاهرة استعجل جكم فالتمس منهم أن يبايعوه بالسلطنة قبل دخول القاهرة فأنفوا من ذلك واختلفت الكلمة، وكانوا قد حاصروا القلعة وكادوا أن يملكوا البلد فراسلوا الناصر فاقتضى رأي شيخ ومن وافقه الرجوع إلى الشام، واقتضى رأي يشبك ومن وافقه الدخول إلى مصر خفية، واقتضى رأي كراي ويلبغا الناصري وسودون الحمزاوي الدخول تحت طاعة الناصر، فوصلوا إليه وتفرق بقية الناس فدخل أكثرهم القاهرة خفية، ورجع جكم لما رأى الخذلان إلى جهة الشام حمية بمن معه، واستمرت الهزيمة على الشاميين فتفرقوا، ثم اجتمع جكم وشيخ وقرا يوسف ومن بقي معهم ببلبيس ورجعوا ولم يظفروا بطائل فنودي بالقاهرة على أعيان الأمراء الذين اختفوا ثم سكن الحال واحتيط على موجود الأمراء الهاربين وقرر

стр. 1652

على مباشري يشبك مائة ألف دينار وعلى مباشري سودون الحمزاوي ثلاثين ألف دينار، وكان جملة من فرّ من مماليك السلطان مائتي نفر، وصودر شمس الدين الحلاوي وعصر لأنه كان يباشر عند يشبك، وسلم الشيخ زين الدين القمني لشادي الدواوين لأنه كان أعان يشبك بقسي وسهام ومال، وسعى ابن غراب إلى أن أمنوه فظهر هو وكثير من

стр. 1653

الأمراء في العام الآتي ثم ظهر يشبك وأعيدت إليه وظائفه وعفا السلطان عنه. ويقال: إن سبب ذلك أن العسكر المصري لما كبس ركب السلطان فأبصره يشبك وقد أراد بعض المماليك أن يقتله فحماه منه إلى أن نجا فرعى له ذلك. وفي آخر هذه السنة سجن الأمراء الذين استأمنوا إلى

стр. 1654

الناصر وكان يشبك لما انهزم أرسل طولو إلى الشيخ يخبره بأمرهم ويستأذنه في قدومهم عليه فأذن وجهز له الإقامة ثم تلقاه وترجل له فترجل يشبك أيضاً ودخل دمشق بمن معه في رابع رجب، ثم راسل شيخ خلف نوروز فحضر إليهم من الصبيبة وكان معتقلا بها وكذا حضر دقماق نائب حلب وأفرج شيخ عن قرا يوسف وكان معتقلاً بقلعة دمشق، وأنفق فيهم ما يزيد على مائتي ألف دينار وراسله بكتمر جلق نائب صفد بأنه يوافقهم واتفق خروج المحمل فركب في موكب جليل وركب معه جميع الأمراء القادمين، وهم يشبك وسودون الحمزاوي وجركس المصارع وتمراز وقطلوبغا الكركي وإينال حطب ويلبغا الناصري وابن غراب وابن سنقر في آخرين، ثم قدم عليه جكم فوافقهم

стр. 1655

بعد أن كان اجتاز بحلب ففرّ منه دمرداش ثم سار بالعساكر من الشام وخلف بدمشق تمراز ويلبغا الناصري وجماعة معهما وانضم إلى شيخ أحمد ابن بشارة بعشيره وعيسى الكابولي بعشيره والتركان مع قرا يوسف ونزلوا كلهم على صفد فأرسلوا قاضي العسكر تقي الدين يحيى ابن الكرماني

стр. 1656

إلى بكتمر يدعوه إلى الموافقة فلم يقبل، فحاصروه إلى أن طلب الأمان، وخربت في تلك المدة صفد خراباً شنيعاً، ثم إنهم رجعوا إلى دمشق، وأعطى شيخ الأمير نوروز الدورة في بلاد حوران والرملة فغدر به وتوجّه إلى القاهرة ومعه جماعة فدخلوا في طاعة الناصر، وقطعت الخطبة من دمشق للناصر، ثم أفرج عن أحمد بن أويس من الاعتقال، وخرجت العساكر من دمشق في يوم الإثنين ثاني عشر ذي القعدة إلى قبّة يلبغا، وخلف بدمشق سودون الظريف، وتقدم الجاليش ثم تبعه بقيّة الأمراء ففرّ منهم دقماق إلى صفد، ولما وصلوا غزّة استناب فيها الطنبغا العثماني، واستناب بالقدس الشهاب ابن اليغموري فوصلوا إلى الصالحية يوم التروية فاستولوا على ما كان للسلطان بها من إقامة، فلما رحل من الصالحية أخبر بأن السلطان جمع العساكر ونزل بلبيس ثم التقت كشّافة الفريقين، ثم نزل السلطان بعساكره السعيدية، ونزل شيخ

стр. 1657

بمن معه قريباً فلما جنَّ عليهم الليل كبسهم شيخ ومن معه فانكسر عسكر الناصر وقاموا لا يلوي أحد على أحد من الدهشة وانهزموا، فنجا

стр. 1658

الناصر بنفسه مع الهجانة إلى بلبيس ثم إلى قلعة الجبل، واستولى شيخ على الخليفة والقضاة وجماعة من المماليك والأمراء ثم ركب بمن معه إلى أن وصل إلى الرّيدانيّة فوقف عند تربة الظاهر وما بقي إلا الظفر، فاختلفت الآراء فيمن يكون سلطاناً، وتنمّر لهم جكم وصرّح بإرادة السلطنة فأنِفوا من ذلك ففرّ خلق كثير إلى الناصر وطلبوا الأمان، منهم إينال حطب وجمق ويلبغا الناصري وسودون الحمزاوي، ودخل يشبك ومن معه وطائفة ليلاً إلى القاهرة فتوزّعوا في البيوت، ورجع شيخ ومن معه لما رأوا ذلك إلى دمشق، وخلص الخليفة والقضاة ومن معهم فتوجهوا إلى منازلهم وذلك بعد أن وقع القتال بينهم تحت القلعة من جهة دار الضيافة فخامر إينال حطب وجمق وأسن باي ويلبغا الناصري والحمزاوي، وقتل في هذه الكائنة صرق وأسن بيه وأقباي الحاجب الكبير، ولما تفرّق الأمراء بعد إشرافهم على الظفر خلص من كان أسر منهم من الخليفة والقضاة والجند ثم أمر السلطان بحبس الأمراء الذين خامروا بالإسكندرية ولما فر الأمراء أحبط على موجودهم فقرر على مباشري يشبك مائة ألف دينار وعلى مباشري سودون الحمزاوي ثلاثون ألف دينار، وكان جملة من فرّ من المماليك السلطانية مائتي نفس من المنزلين في ديوان السلطان.

стр. 1659

وفي أول هذه السنة حاصر دمرداش نائب حلب أنطاكية وبها فارس ابن صاحب الباز التركماني، فأقام مدة ولم يظفر منها بطائل، وكان جكم مع فارس فتوجه جكم بعده إلى طرابلس فغلب عليها وطرد عنها نائبها وهو شيخ السليماني، ثم توجه إلى حلب فنازلها وبها دمرداش وذلك في شعبان فالتقيا وجرى بينهما قتال كبير فانكسر دمرداش وخرج من حلب فركب البحر إلى القاهرة وملكها جكم ودخل من باب أنطاكية ثم خرج إلى جهة البيرة فقطع الفرات وأوقع بالتركمان وغلب على مواشيهم وأسر منهم جمعاً كثيراً، ورجع في سلخ شعبان ثم توجه إلى طرابلس ثم إلى دمشق. وفيها في جمادى الأولى زلزلت مدينة حلب زلزلة عظيمة ففزع الناس لها ولجأوا إلى الله، فسكنت ثم عاودت مراراً ولم تفسد شيئاً ولله الحمد. وفيها توجه شهاب الدين أحمد بن كندغدي رسولاً إلى اللّنك

стр. 1660

من المصريين فاتفق وفاته بحلب في ليلة السبت رابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة. وكان الغلاء قد اشتد فيها فخرجوا إلى الاستسقاء فاستسقوا في شهر رجب فخطب بهم في اليوم الثاني أبو زرعة ابن القاضي شرف الدين الأنصاري،

стр. 1661

ثم عادوا في الثالث فخطب بهم شمس الدين ابن الحدّاد الطوفي، فلما انصرفوا حصل مطر لكنه غير غزير لكنهم استبشروا به ثم جاء المطر بعد ذلك. وفي هذه السنة نودي على الفلوس أن يتعامل بها بالميزان وذلك في شعبان وسعّرت كل رطل بستة دراهم وكانت فسدت إلى الغاية بحيث صار وزن الفلس ربع درهم بعد أن كان مثقالاً. وفي يوم عيد النحر والعسكر خارج البلد أمر السالمي أن ينادى على الفلوس كل رطل بأربعة دراهم، فحصل للناس من ذلك تشويش عظيم وأكثروا الدعاء عليه، فبلغ ذلك السلطان فكاتب السالمي بالمنع من ذلك وأمر بإعادة الفلوس إلى ستة كل رطل، ثم أرسل السلطان بإمساك السالمي، فأمسك

стр. 1662

ليلة كبس السلطان بالسعيدية، ثم سجن بالإسكندرية في نصف ذي الحجة بعد أن سلّمه السلطان لجمال الدين فعوقب بالعصي بسبب أنه كاتب السلطان أنه حصل له ثلاثة آلاف دينار فطلبت منه، وفي سابع عشر ذي الحجة نقل إلى دمياط، ثم في تاسع عشر ذي الحجة بعد استقرار السلطان بمملكته وظهور ابن غراب أعيد أخوه فخر الدين إلى الوزارة ونظر الخاص. وفي الرابع والعشرين من ذي الحجة استقر نوروز في نيابة الشام، ووصل شيخ وجكم وقرا يوسف إلى الشام في ثامن عشري

стр. 1663

ذي الحجة، واستقر بكتمر الجركسي في نيابة صفد، وسعد الدين بن غراب مشيراً، ولبس بزيّ الأمراء حينئذ، واستمر جمال الدين في الأستاداريّة. وفي ذي الحجة هرب أحمد بن أويس من دمشق إلى جهة بلاده، وكان النائب قد أطلقه من السجن، فخشي أن ينكسروا فيقبض عليه فهرب. وفيه أحدث بمكة قاضيان مالكي وحنفي، فالحنفي شهاب الدين أحمد بن الضياء محمد بن محمد بن سعيد الهندي، والمالكي المحدّث تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي، وذلك بعناية السالمي، وكنت ممن ساعد الفاسي في ذلك.

стр. 1664

وفي أوّلها وصل اللنك إلى سمرقند، واستقبله ملوك تلك البلاد وقدّموا له الهدايا، وأمر بعد قدومه بتزويج ولده شاه رخ، وعمل له عرساً عظيماً بلغ فيه المنتهى، وراعى وصية ابن عثمان في التتار فاستصحبهم معه في جملة العسكر إلى أن فرّقهم في البلاد ولم يجعل لهم رأساً فتمزّقوا، ثم عزم اللنك على الدخول إلى بلاد الخطا، فأمر أن يصنع له خمسمائة عجلة وتضبب بالحديد، وبرز في شهر رجب ورحل إلى تلك الجهة، فلما وصل إلى أترار فجأه الأمر الحق فوعك فاستمر في توعّكه

стр. 1665

أيّاما، ولم ينجع فيه الطب إلى أن قبض في سابع عشر شعبان، وحمل حينئذ إلى سمرقند. وفيه في جمادى الأولى جهزت بنت تنم، وهي أخت الناصر لأمه إلى الشام، وتلقّاها زوجها نائب الشام شيخ، فدخلت في جمادى الآخرة فدخل بها وأولدها ومات عنها، وتزوجت بعده بعض الأمراء الصغار، وماتت في عصمته سنة ست وثلاثين. وفي ثامن عشر من جمادى الآخرة صرف جلال الدين البلقيني من قضاء الشافعية، واستقرّ شمس الدين الأخنائي وهي الثالثة للأخنائي، ثم صرف الأخنائي في ثالث عشري ذي القعدة، واستقر جلال الدين وهي

стр. 1666

الرابعة له وصرف جمال الدين البساطي عن قضاء المالكية واستقر ولي الدين ابن خلدون في حادي عشر رجب، ثم صرف في أواخر ذي القعدة واستقر جمال الدين عبد الله بن مقداد الأقفهسي. وفي أول يوم من المحرم وصل أبو العباس الحمصي دمشق على قضاء الشافعية بها. وفي ربيع الأول صرف أبو العباس الحمصي عن قضاء دمشق وكان قبيح السيرة متجاهراً بأخذ الرشوة، وولي علاء الدين ابن أبي البقاء.

стр. 1667

وفي صفر وصل عبد العزيز البغدادي من القدس فعقد له مجلس مع الباعوني فزعم عبد العزيز أنه قطع عليه الطريق وأخذ قماشه ونهب ما معه من الورق والمستندات فادعى عليه الباعوني أنه حكم عليه بما حكم به مع ثبوت العداوة بينهما، وكان قد أثبت ذلك على قاضي القدس الشافعي ونفذها له المالكي بدمشق فأنكر عبد العزيز العداوة، فحكم عليه المالكي بثبوتها عنده واقتضى الحال تعزيره فعزر فكشف رأسه ثم توجه المذكور إلى بغداد فأقام بها وولي قضاءها وكان ما سنذكره. وفيها مات الطاغية تمرلنك الخارجي في سابع عشر شعبان بعلة الإسهال القولنجي وله تسع وسبعون سنة وكان بصفه بطالا وقد أباد البلاد والعباد، وأكثر في الأرض الفساد، ولم يكن له في عراق

стр. 1668

العجم منازع، ثم ملك عراق العرب ودخل البلاد الشامية فملكها إلا اليسير منها، ثم دخل الروم فحارب المسلمين بها وترك الفرنج ودخل الهند قبل ذلك، فحارب المسلمين بها وترك الكفار، وعزم في آخر عمره على الدخول إلى الصين فمضى في الشتاء فهلك من عسكره أمم لا يحصون، فرجع إلى سمرقند فأخذه أسر البول فتمادى به حتى هلك بالقولنج، وأراح الله منه. وفي أواخر هذه السنة وعك السلطان إلى أن أشرف على الموت ثم فرج الله تعالى عنه وتعافى. ذكر من مات في سنة سبع وثمانمائة أحمد بن عبد الله بن محمّد بن محمّد بن محمّد الأنصاري أبو اليسر

стр. 1669

محي الدين ابن تقي الدين بن نور الدين ابن الصائغ الدمشقي نزيل الصالحية ولد سنة تسع وثلاثين في جمادى الآخرة، وسمع من الواد آشى وأحمد ابن علي الجزري وزينب بنت الكمال بعناية أبيه فاكثر وسمع من زين الدين ابن الوردي، وعني بالأدب والتاريخ وطلب بنفسه وكتب الطباق وتخرج بابن سعد وتفرد بأشياء سمعها، كان حسن المذاكرة سمعت منه بدمشق وكان عسراً في الرواية، مات في شهر رمضان. أحمد بن كندغدي التركي أحد الفضلاء المهرة من الحنفية، اشتغل في عدة علوم وفاق فيها، وكان قد اتصل بالملك الظاهر في أواخر دولته ونادمه ثم توجه رسولاً من ولده الناصر إلى تمرلنك في أواخر سنة ست فقدرت وفاته بحلب في ربيع الأول من هذه السنة في الرابع عشر منه، أرخه البرهان المحدث وأثنى عليه بالعلم والمروءة ومكارم الأخلاق رحمه الله تعالى لقيته مراراً وسمعت من فوائده وقرأ عليه

стр. 1670

صديقنا مجد الدين بن مكاس المقامات فكان يجيد تقريرها على ما أخبرني به المجد وقال القاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية في تاريخه: كان عالماً ديناً تمرض لما دخل إلى حلب؛ فعزم على الرجوع فأدركه الأجل المحتوم في شهر ربيع الأول، ودفن خارج باب المقام، وقد جاوز الستين. أنس بن علي بن محمّد بن أحمد بن سعيد بن سالم الأنصاري أبو حمزة الدمشقي سمع بعناية قريبه صدر الدين ابن إمام المشهد من عبد الله بن القيم واستجاز له القلانسي وغيره وطلب بنفسه فسمع من جماعة من أصحاب القاضي سليمان فمن بعدهم وقرأ بنفسه وانتقى على بعض

стр. 1671

الشيوخ وكان متيقظاً نبيهاً عارفاً بالوثائق والأدبيات مع المروءة والديانة، وكان في بدايته بزي الأجناد ثم لبس زي الفقهاء، مات في رجب وله ثمان وخمسون سنة، سمعت منه قليلاً، وكتب عني من نظمي، وسمع معي كثيراً وأفادني. أبو بكر بن داود بن أحمد الحنفي الدمشقي أحد الفضلاء في مذهبه، ناب في الحكم ودرس، مات في جمادى الأولى. تاج بن محمود بن محمّد الأصفهندي الشيخ تاج الدين العجمي نزيل حلب، قدم من بلاد العجم حاجاً ثم رجع فسكن في حلب بالمدرسة

стр. 1672

الرواحية وأقرأ بها النحو، ثم انثالت عليه الطلبة فلم يكن يتفرغ لغير الاشتغال بل يقرئ من بعد صلاة الصبح إلى الظهر بالجامع ومن الظهر إلى العصر بجامع منكلى بغا، ويجلس من العصر إلى المغرب بالرواحية للإفتاء، وكان عفيفاً ولم يكن له حظ ولا تطلع إلى أمر من أمور الدنيا، وأسر مع اللنكية فاستنقذه الشيخ إبراهيم صاحب شماخي وأحضره إلى بلده مكرماً، فاستمر عنده إلى أن مات في ربيع الأول، أخذ عنه غالب أهل حلب وانتفعوا به، وقد شرح المحرر في الفقه، وأقرأ الحاوي، قرأت بخط القاضي علاء الدين في تاريخه سألته عن مولده في سنة إحدى وثمانمائة فقال لي: الآن اثنتان وسبعون سنة.

стр. 1673

تيمور اللنك بن ططرغان الجقطاي، قد قدمت أوليته في هذا المجموع كان من اتباع طقتمش خان آخر الملوك من ذرية جنكز خان، فلما مات وقرر في السلطنة ولده محمود استقر تيمور أتابكه وكان أعرج وهو اللنك بلغتهم، فعرف بتمر اللنك، ثم خفف فقيل: تمرلنك، وتزوج أم محمود وصار هو المتكلم في المملكة، وكانت له همة عالية وتطلع إلى الملك، فأول ما جمع عسكراً ونازل بخارى فانتزعها من يد أميرها حسن المغلي، ثم نازل خوارزم فاتفق وفاة

стр. 1674

أميرها حسن المغلي، واستقر أخوه يوسف فانتزعها اللنك أيضاً، ولم يزل إلى أن انتظم له ملك ما وراء النهر، ثم سار إلى سمرقند وتملكها ثم زحف إلى خراسان فملك هراة، ثم ملك طبرستان وجرجان بعد حروب طويلة سنة أربع وثمانين، فنجا صاحبها شاه وتعلق بأحمد بن أويس صاحب العراق فتوجه اللنك إليهم فنازلهم بتبريز وأذربيجان، فهلك شاه في الحصار وملكها اللنك، ثم ملك أصبهان وفي غضون ذلك خالف عليه أمير من جماعته يقال له قمر الدين وأعانه طقتمش خان صاحب صراي فرجع إليهم ولم يزل يحاربهم إلى أن أبادهم واستقل بمملكة المغل، وعاد إلى أصبهان سنة أربع وتسعين فملكها، ثم تحول

стр. 1675

إلى فارس وبها أعيان بني المظفر اليزدي فملكها ثم رجع إلى بغداد سنة خمس وتسعين فنازلها إلى أن غلب عليها، وفر أحمد بن أويس صاحبها إلى الشام واتصلت مملكة اللنك بعد بغداد بالجزيرة وديار بكر، فبلغت أخباره الظاهر برقوق فاستعد له وخرج بالعساكر إلى حلب فرجع إلى أذربيجان فنزل بقراباغ، فبلغه رجوع طقتمش إلى صراي فسار خلفه ونازله إلى أن غلبه على ملكه في سنة سبع وتسعين، ففر إلى دلغادر، وانضم عسكر المغل إلى اللنك فاجتمع معه فرسان المغل وغيرهم ثم رجع إلى بغداد، وكان أحمد فر منها ثم عاد إليها فنازلها إلى أن ملكها

стр. 1676

وهرب أحمد ثانيا فسار إلى أن وصل إلى سيواس فملكها ثم حاصر بهسنا مدة، وبلغ ذلك أهل حلب ومن حولها فانجفلوا، ونازل حلب في ربيع الأول فملكها، وفعل فيها الأفاعيل الشنيعة، ثم تحول إلى دمشق فسار من حلب في أول ربيع الآخر، فكان من أمر الناصر ورجوع العساكر إلى مصر ما تقدم، وتوجه من دمشق في شعبان، فلما كان في سنة أربع وثمانمائة قصد بلاد الروم فغلب عليها وأسر صاحبها، ومات في الاعتقال. ودخل الهند فنازل مملكة المسلمين حتى غلب عليها، وكان مغرى بغزو المسلمين وترك الكفار، وصنع ذلك في بلاد الروم، ثم في بلاد الهند؛ وكان شيخاً طوالاً شكلاً مهولاً

стр. 1677

طويل اللحية، حسن الوجه، بطلاً شجاعاً، جباراً، غشوماً، ظلوماً سفاكاً للدماء، مقداماً على ذلك، وكان أعرج، شلت رجله في أوائل أمره، وكان يصلي من قيام، وكان جهير الصوت، وكان يسلك الجد مع القريب والبعيد، ولا يحب المزاح، ويحب الشطرنج وله فيها يد طولى، وزاد فيها جملاً وبغلاً وجع رقعته عشرة في أحد عشر، وكان فيها ماهراً وكان لا يلاعبه به إلا الأفراد، وكان يقرب العلماء والصلحاء والشجعان والأشراف وينزلهم منازلهم ولكن من خالف أمره أدنى مخالفة استباح دمه، فكانت هيبته لا تدانى بهذا السبب، وما اخرب البلاد إلا بذلك لأنه كان من أطاعه في أول وهلة أمن، ومن خالفه أدنى مخالفة وهن. وكان له فكر صائب ومكايد في الحرب عجيبة وفراسة قلَّ أن تخطئ، وكان عارفاً بالتواريخ لإدمانه على سماعه، لأنه لا يخلو مجلسه عن قراءة شيء منها سفراً وحضراً، وكان مغرى بمن له معرفة بصناعة ما إذا كان حاذقاً بها، وكان أمياً لا يحسن الكتابة، وكان حاذقاً باللغة الفارسية والتركية والمغلية خاصة، وكان بقدم قواعد جنكز خان ويجعلها أصلاً ولذلك أفتى جمع جم بكفره مع أن

стр. 1678

شعائر الإسلام في بلاد ظاهرة، وكان له جواسيس في جميع البلاد التي ملكها والتي لم يملكها وكانوا ينهون إليه الحوادث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بجميع ما يروم فلا يتوجه إلى جهة إلا وهو على بصيرة من أمرها، وبلغ من دهائه أنه كان إذا أراد قصد جهة جمع أكابر الدولة وتشاوروا إلى أن يقع الرأي على التوجه في الوقت الفلاني إلى الجهة الفلانية فيكاتب جواسيس تلك الجهات فيأخذ تلك الجهة المذكورة حذرها ويأمن غيرها فإذا ضرب النفير وأصبحوا سائرين ذات الشمال عرج بهم ذات اليمين فإلى أن يصل الخبر الثاني دهم هو الجهة التي يريد وأهلها غافلون. وكان أنشأ بظاهر سمرقند بساتين وقصوراً عجيبة، فكانت من أعظم النزه، وبنى عدة قصبات سماها بأسماء البلاد الكبار كحمص ودمشق وبغداد وشيراز، ولما مات كان له من الأولاد أمير زاه شاه وشاه رخ وبنت له اسمها سلطان بخت، وكان له ثلاث زوجات، ومن السراري شيء كثير، وكان يجمع العلماء ويأمرهم بالمناظرة ويعنتهم في المسائل؛ وأخباره مطولة.

стр. 1679

حرمي بن سليمان البباءي ثم القاهري، ولد قبل الخمسين وتفقه قليلاً، وسمع من الشيخ بهاء الدين ابن خليل وغيره، وناب في الحكم ودرس بالشريفية، وولي الإعادة في المنصورية، نزل له عنها بعض العجم وفي ذلك يقول الشاعر: قالوا توالى الببائي مع جهالته … وكان أجهل منه النازل العجمي فأنشد الجهل بيتاً ليس تنكره … ما سرت من حرم إلا إلى حرمي

стр. 1680

واتفق أن جركس الخليلي غضب على شاهد عنده مرة فصرفه واستخدم عنده حرمي هذا فنقم عليه أمراً فأنشده: ما سرت من حرم إلا إلى حرمي وأشبع فتح الراء فعد ذلك من نوادر الخليلي، مات في رمضان وقد جاوز الستين. عبد الله بن عمر بن علي بن مبارك، جمال الدين أبو المعالي الهندي السعودي الأزهري، المعروف بالحلاوي بمهملة ولام خفيفة أسمع الكثير من يحيى ابن المصري وأحمد بن علي المستولي وإبراهيم

стр. 1681

ابن علي الخيمي وجمع جم من أصحاب النجيب وابن علاف وابن عزوز وابن عبد الدائم فأكثر، وكان ساكناً خيراً صبوراً على الإسماع

стр. 1682

قل أن يعتريه نعاس، قرأت عليه مسند أحمد في مدة يسيرة في مجالس طوال، وكان لا يضجر وكان جده الشيخ مبارك معتقداً فبنى له بالأبارين بقرب الجامع الأزهر زاوية يسكن بها أولاده، وكانت موعداً لإسماع المشايخ، فلذلك كثرت سماعات شيخنا وأكثر ما حدث به فمن أصوله، وفي الجملة لم يكن في شيوخ الرواية من شيوخنا أحسن أداء ولا أصغى للحديث منه، مات في صفر وقد قارب الثمانين، لأن مولده في وسط سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. عبد الله بن عمر المدني التواتي كان من أهل الخير والصلاح وأقام بالمدينة مجاوراً إلى أن مات، وكان يتردد إلى مصر والشام، مات بالقاهرة. عبد الله بن محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن إدريس بن نصر النحريري جمال الدين المالكي، ولد سنة أربعين واشتغل بالعلم بدمشق وبمصر وفضل

стр. 1683

وسمع من الظهير ابن العجمي وشمس الدين محمّد بن حسن الأنفي وغيرهما ثم ناب في الحكم بحلب، ثم ولي قضاء حلب سنة سبع وستين فبعث إلى القيام مع ابن أبي الرضا على الملك الظاهر، وقدم مرسوم الظاهر إلى حلب بإمساكه، وذلك بعد أن رجع الظاهر من حلب بعد قتل الناصري فأحس بذلك، فخشي منه ففر إلى بغداد فأقام بها على صورة فقير فلم يزل هناك إلى أن وقعت الفتنة اللنكية ففر إلى تبريز، ثم تحول إلى

стр. 1684

حصن كيفا فأكرمه صاحبه فأقام عنده، وكان قد سمع الكثير من أصحاب الفخر، وكانت على ذهنه فوائد حديثية وفقهية، وكان يحب الفقهاء الشافعية ويعجبه مذاكرتهم، ثم رجع من الحصن إلى حلب فدخلها في صفر فحدث بها وأقام بها أياماً ثم توجه إلى دمشق سنة ست فحج، ثم رجع قاصداً الحصن، فلما كان بسرمين مات في بكرة يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول منها. قرأت بخط حاكم البلاد الحلبية القاضي علاء الدين في تاريخها: كان إماماً فاضلاً فقيهاً يستحضر كثيراً من التاريخ ويستحضر مختصر ابن الحاجب في الفقه، وكان يحب العلم وأهله، وكان من أعيان الحلبيين، وقرأت بخط البرهان المحدث بحلب أنه سأل نور الدين ابن الجلال عن فرعين منسوبين للمالكية فلم يستحضرهما وأنكر أن يكونا في مذهب مالك، قال: فسألت الشيخ جمال الدين فاستحضرهما وذكر أنهما يخرجان من كلام ابن الحاجب الفرعي.

стр. 1685

عبد الله بن محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن لاجين الرشيدي، سمع من الميدومي وابن الملوك وغيرهما، وكان يلازم قراءة صحيح البخاري، وسمعنا بقراءته، وكان حسن الأداء، وسمعت منه من المعجم الكبير أجزاء، مات في رجب وقد جاوز السبعين بأشهر.
следующие страницы →