← История

История · id 26001

إنباء الغمر بأبناء العمر - ط الهندية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 236 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

لكونهما من جهة شيخ وكذلك الصفدي فتسلمهم نوروز، وطلب الناصر المنجنيق من دمشق إلى صرخد فنصبه على القلعة وكان شيئاً مهولاً وصل إليه على مائتي جمل، واستكثر من طلب المدافع والمكاحل من الصبيبة وصفد ودمشق ونصبها حول القلعة، فاشتد الخطب على شيخ ومن معه فتراموا على تغرى بردى الأتابك وألقوا إليه ورقة في سهم من القلعة يستشفعون به، فجاء إلى السلطان وشفع عنده وألح عليه إلى أن أذن له أن يصعد إليهم ويقرر الصلح، فتوجه صحبته الخليفة وكاتب السر وجماعة من ثقات السلطان وذلك في أواخر الشهر، فجلسوا كلهم على شفير الخندق وجلس شيخ داخل باب القلعة ووقف أصحابه على رأسه، فطال الكلام بينهما إلى أن استقر الأمر على أنه لا يستطيع أن يقابل السلطان حياء منه، فأعيد الجواب عليه فأبى إلا أن ينزل إليه

стр. 1927

ويجتمع به، فلم يزل تغرى بردى به إلى أن أجاب إلى الصلح فرجع هو وكاتب السر فسلم لهما كمشبغا الجمالي وأسنبغا دلاهما بحبل ثم أرخى ولده وعمره سبع سنين ليرسله إلى الناصر فصاح وبكى من شدة الخوف، فرحمه الحاضرون فرد إلى أبيه، واستبشر الفريقان بالصلح وكان العسكر الناصري قد مل من الإقامة بصرخد لكثرة الوباء بها وقلة الماء والزاد هذا مع كون الأهواء مختلفة، وأكثر الناصرية لا يحبون أن يظفر الناصر بشيخ لئلا يتفرغ لهم فطلعوا في آخر يوم من الشهر وحلفوا الأمراء وأفرج شيخ عن ابن لاقي وعن تجار دمشق، وبعث للناصر تقدمة عظيمة ولبس تشريفه واستقر في نيابة طرابلس، وما فرغ من ترتيب ذلك إلا وأكثر المماليك السلطانية من مصر قد ساروا إلى جهة دمشق، فاضطر الناصر إلى الرحيل إلى دمشق فتوجه وجهز شيخ ولده الصغير في أثر السلطان، فوصل مع تغرى بردى فأكرمه وأعاده إلى أبيه ورحل الناصر عن دمشق في ربيع الآخر فوصل إلى غزة بعد أن زار

стр. 1928

بيت المقدس في سابع عشر منه. وأما شيخ فخرج من صرخد وانضم إليه جمع كثير من أصحابه وتوجه إلى ناحية دمشق، وأرسل إلى بكتمر جلق نائب الشام يستأذنه في دخول دمشق ليقضي أشغاله ويرحل إلى طرابلس، فمنعه حتى يستأذن السلطان، وكتب إليه بحيلة من دخوله دمشق، فأجابه بمنعه من دخولها وإن قصد دخولها بغير إذن يقاتلوه، فاتفق وصول شيخ إلى شقحب في عاشر جمادى الأولى فأوقع بكتمر جلق ببعض أصحابه، فبلغه ذلك فركب بمن معه فلم يلبث بكتمر أن انهزم، ونزل شيخ قبة يلبغا ثم دخل دمشق في حادي عشره، وهو اليوم الذي وصل فيه الناصر إلى القلعة بمصر وتلقاه الناس، فأظهر بأنه لم يقصد القتال ولا الخروج عن الطاعة، وأنه لم يقصد إلا النزول في الميدان خارج البلد ليتقاضى مهماته ويرحل إلى طرابلس وأن بكتمر هو الذي بغى عليه، ثم استكتبهم في محضر بصحة ما قال وجهزه إلى السلطان صحبة أمام الصخرة المقدسة فوصل في آخر جمادى الآخرة، فغضب السلطان وضرب الإمام بالمقارع ووسط الجندي الذي كان رفيقه، واستمر بكتمر في هزيمته

стр. 1929

إلى جهة صفد فأقام شيخ بدمشق وأعطى شمس الدين ابن التباني نظر الجامع الأموي وشهاب الدين ابن الشهيد نظر الجيش بدمشق، ثم صرفه في جمادى الآخرة، وقرر صدر الدين ابن الأدمي وقرر في خطابة الجامع شهاب الدين الحسباني ثم أعاده ثم قسم الوظائف بينهما، واستقر الحسباني في قضاء الشافعية، ثم توجه شيخ بعساكره إلى جهة صفد فطرقها

стр. 1930

شاهين الدويدار في جماعة على حين غفلة، فاستعدوا لهم فرجعوا واستمر شيخ في طلب بكتمر إلى غزة، وكان بكتمر قد سار متوجهاً إلى القاهرة، وصحبته بردبك نائب حماة ونكباي حاجب دمشق والطنبغا العثماني نائب صفد ويشبك الموساوي نائب غزة فتلقاهم السلطان، فلما يئس منهم شيخ رجع إلى دمشق بعد أن قرر في غزة سودون المحمدي وبالرملة جاني بك، ثم أرسل الناصر يشبك الموساوي في جيش إلى غزة فحارب سودون المحمدي فانكسر ونهب الذي له ولحق بجهة الكرك، ثم جمع عسكراً ورجع إلى غزة فانكسر الموساوي ورجع إلى القاهرة، وقتل علان نائب صفد، فأرسل شيخ إلى سودون

стр. 1931

المحمدي بنيابة صفد فوليها في نصف شعبان. وفي أواخر جمادى الأولى قدم نوروز وقد خلص من التركمان إلى حلب، فتلقاه دمرداش وأكرمه وكاتب الناصر يعلمه به ويسأله أن يعيد نوروز إلى نيابة الشام، ويشبك ابن أزدمر إلى طرابلس وتغرى بردى ابن أخي دمرداش إلى حماة، فأعجب الناصر ذلك وأجاب سؤاله وجهز إليه مقبل الرومي ومعه التقاليد بذلك، وصحبته خمسة عشر ألف دينار مدداً لنوروز، وتوجه في البحر لخوفه من شيخ أن يسلك البر، وكان يشبك ابن أزدمر وتغرى بردى قد توجها إلى حماة، ففر منهما جانم الذي من جهة شيخ فغلبا عليها، ووصل مقبل إلى نوروز بحماة ومعه تقليده بنيابة الشام فلبس الخلعة. وفي سابع عشر جمادى الآخرة قبض سبان نائب قلعة صفد على الطنبغا العثماني، فوصل علان من جهة شيخ فغلب على صفد فثار عليه أهل صفد لما بلغهم خبر غزة، ففر إلى دمشق فدخلها وتوجه أبو شوشة

стр. 1932

صديق التركماني من صفد بطائفة، فكبسوا من كان بها من جهة شيخ فهربوا إلى دمشق. وفي رابع عشريه برز شيخ برزة بعساكره قاصداً حماة وقدم دمرداش إلى حماة لنجدة نوروز ومعه عساكر حلب وطوائف من التركمان ومن العرب وشيخ يحاصر حماة، فلما بلغه قدومهم ترك وطاقه وأثقاله، وتوجه إلى ناحية العربان، فركب دمرداش فأخذ الوطاق واشتغل أصحابه بالنهب فرجع شيخ بأصحابه عليهم، فاشتدت الحرب بينهم فقتل جماعة وأسر آخرون وكسرت أعلام دمرداش وأخذت طبلخاناته، ونزل شيخ على بعيرن واستمر في حصار حماة. وأما دمشق فإن سودون المحمدي بعد أن استماله نوروز بعث به إلى دمشق بعد أن عاث في بلاد صفد وصادر أهل قراها وكان جقمق دوادار شيخ بدمشق، قد وزع على القرى والبساتين مالاً لنفقة عسكر أستاذه، فزحف سودون المحمدي إلى داريا في سابع رمضان، فقاتله الشيخية منهم الطنبغا القرمشي ومن معه.

стр. 1933

وفي أثناء ذلك قدم سودون بقجة وإينال المنقار مدداً للشيخية فتقنطر المحمدي عن فرسه، فأركبوه وتفرق جمعه، ولحق بنوروز وقبض على نحو الخمسين من أصحابه، وقد شاهين دوادار شيخ يستحث على استخراج المال، وتأهب سودون بقجة للتوجه إلى صفد نيابة عن شيخ، وكتب شيخ إلى الناصر كتاباً يخدعه فيه ويعلمه أن نوروز يريد الملك لنفسه، ولا يطيع أحداً أبداً ويقول عن نفسه إنه لا يريد إلا طاعة السلطان والانتماء إليه، ويعتذر عما جرى منه ويصف نفسه بالعدل والرفق بالرعية، ويصف نوروز بضد ذلك ونحو ذلك من الخداع، فلم يجبه الناصر عن كتابه. وفي الثالث عشر من شوال وصلت عساكر شيخ إلى صفد فنازلوها وفيها شاهين الزردكاش فجرت لهم حروب وخطوب إلى أن جرح شاهين في وجهه ويده وهرب وأسر أسندمر كاشف الرملة

стр. 1934

فوصل إلى صفد يشبك الموساوي من القاهرة، وسودون اليوسفي وبردبك من جهة نوروز، فقوي بهم أهل صفد، فرجع من الشيخية قرقماش إلى دمشق، وأمده شيخ بنجدة كبيرة، وأخذ من دمشق آلات القتال، ورجع إلى صفد، فاشتد الخطب واشتد القتال بين الفريقين، وكانت الدائرة على الشيخية، وانهزم قرقماش وجرح وقتل عدة من أصحابه، وأسر أهل صفد لكنهم بين قتيل وجريح، وقتل ابن مهنا الأكبر وعورت عين ابنه الآخر، وأصيبت رجل ابنه الثالث وأبلى هو بلاء عظيماً، وكذلك محمّد بن هيازع، وهؤلاء عربان تلك البلاد فخرجوا

стр. 1935

بعد الوقعة فعاثوا في البلاد وأفسدوا، ورجع يشبك الموساوي إلى غزة، فكاتب الناصر بما اتفق، واشتد الخطب على أهل دمشق بسبب ذلك، وجبيت منهم الخيول والأموال، وكل ذلك وشيخ بحمص يحاصر نوروز ومن معه بحماة، فلما بلغه ذلك جهز عسكراً إلى أصحابه يمدهم به، فمضوا إلى نيسان وكبسوا محمّد بن هيازع أمير عرب آل مهدي، وأخذوا ما كان معه، وتوجهوا إلى صفد فحاصروا شاهين الزردكاش أيضاً. وفيها طرق قرا يوسف بغداد فملك عراق العجم وديار بكر ووصل إلى الموصل فملكها وسلطن ابنه محمّد شاه، وكتب بذلك إلى

стр. 1936

شيخ وأعلمه أنه تفرغ من تلك الجهات، وأنه عزم على الحضور إلى الشام نجدة للأمير شيخ لما بينهما من المودة والعهود، فاستشار شيخ أصحابه فأشاروا عليه بأن يجيبه إلى ما طلب من الحضور إليه ليستظهر بهم على أعدائه، فخوفه تمراز الناصري من عاقبة ذلك وأشار عليه بأن يكاتب الناصر بحقيقة ذلك، وأنه يخشى من استطراق قرا يوسف في بلاد الشام أن يتطرق منها إلى مصر فأخرجوا به. وفي السادس من ذي الحجة توجه الدويدار إلى البقاع للاستعداد لبردبك لما طرق الشام، فوصلت كشافة بردبك في التاسع عشر إلى عقبة بيحورا، ثم نزل هو شقحب فتأهب من بالقلعة بدمشق، وخرج العسكر مع سودون بقجة والقرمشي، فوقع القتال فانكسر جاليش سودون بقجة والقرمشي، وحمل هو على عسكر بردبك فكسرهم، ثم انهزم بردبك على خان ابن ذي النون، فرجع إلى صفد، ونهب من كان معه، واجتمع جميع الشيخية وتوجهوا قاصدين غزة. وفي هذا الشهر اشتد الحصار على نوروز ودمرداش بحماة،

стр. 1937

فقتل بينهما أكثر من كان معهما من التركمان، وانضم أكثر التركمان إلى شيخ ووصل إليه العجل بن نعير نجدة له بمن معه من العرب في ثاني عشر ذي الحجة فخيم بظاهر حماة، فوقع القتال بين الطائفتين واشتد الخطب على النوروزية، فمالوا إلى الخداع والحيلة، ولم يكن لهم عادة بالقتال يوم الجمعة، فبينما الشيخية مطمئنين إذ بالنوروزية قد هجموا عليهم وقت صلاة الجمعة، فاقتتلوا إلى قبل العصر، فكانت الكسرة على النوروزية فرجعوا إلى حماة، وأسر من النوروزية جماعة منهم سودون الجلب وشاهين الأباشي وجانبك القري وغيرهم فأرسلوا إلى السجن بدمشق ثم إلى المرقب، وغرق بردجا أمير التركمان بنهر العاصي وكذلك

стр. 1938

أرسطاي أخو يونس وآخرون وتسحب منهم جماعة وغنم الشيخية منهم نحو ألف فرس، وتفرق أكثر العساكر عن نوروز، ولحق كثير منهم بشيخ فتحول إلى الميدان بحماة، ونزل هو والعجل به، وكتب إلى دمشق بالنصر، فدقت بشائره وزينوا البلد. فلما كان ليلة الاثنين سادس عشر ذي الحجة، ركب تمربغا المشطوب وسودون المحمدي وتمراز نائب حماة في عسكر ضخم فكبسوا

стр. 1939

العجل بن نعير ليلاً، فاقتتلوا إلى قريب الفجر فركب شيخ نجدة للعجل واشتد القتال، فخالفهم نوروز إلى وطاق شيخ فنهبه ورجع إلى حماة، وكتب دمرداش إلى الناصر يستنجده ويحثه على المجيء إلى الشام وإلا خرجت عنه كلها، فإنه لم يبق منها إلا غزة وصفد وحماة وكل من بها من جهته في أسوء حال. وفي ذي الحجة مال أكثر التركمان إلى شيخ وأطاعوه، وجاءه الخبر بأن أنطاكية صارت في حكمه وجهز شاهين داوداره وإيدغمش وملكوا حلب فصارت بأيديهم، واشتد الأمر على دمرداش ونوروز فاستدعيا أعيان أهل حماة فألزماهم بأن كتبوا إلى العجل كتاباً يتضمن أن نوروز هرب من حماة، ولم يتأخر بها غير دمرداش، وسألوه أن يأخذ له الأمان من شيخ، فظن العجل أن ذلك حق فركب إلى شيخ وأعلمه بذلك فظنه حقاً، وبعث فرقة من مماليكه ومن عرب العجل، فتسوروا على سلالم ونزلوا المدينة من السور ظانين قلة بالبلد من النوروزية، فوثبوا عليهم وقتلوهم جميعاً وعلقوا رؤوسهم على السور، وأتوا رجلين من جهة العجل فألزموهما أن كتبا إلى العجل بأن نوروز قد أسرنا وقد

стр. 1940

أطلعنا على أنه تصالح مع شيخ على أن شيخ يسلك إليه ويصطلحا على البلاد، فظن العجل ذلك صحيحاً فركب لوقته متوجهاً إلى بلاده، فبلغ ذلك الشيخية، فركب شيخ في طائفة ليسترضيه ويرده، فأعقبه نوروز ودمرداش في أثره فنهبوا وطاقه وخيله واستمر العجل ذاهباً، فرجع شيخ فوجد أثقاله قد نهبت فرجع من حمص إلى العريسين، فكاتب نوروز في طلب الصلح فلم يتم ذلك وانسلخت السنة وهم على ذلك. ذكر حوادث أخرى غير ما يتعلق بالمتغلبين فيها في ثالث ربيع الآخر قرر جماز بن هبة في إمرة المدينة عوضاً عن عجلان بن نعير، وفيها استقر جمال الدين الكازروني في قضاء

стр. 1941

المدينة خاصة دون الخطابة، فاستمرت بيد ابن صالح. وفي صفر فشا الطاعون بحمص وحماة وطرابلس ومات به خلق كثير.

стр. 1942

وفيه واقع التركمان الأمير نوروز بملطية فكسروه كسرة شنيعة. وفيه رتب جمال الدين الأستادار للقاضي جلال الدين البلقيني على تصدر بالجامع الأموي خمسمائة درهم في الشهر يقبضها من مباشري الجامع ألف درهم قرأت ذلك بخط القاضي شهاب الدين ابن حجي ﵀. وادعى شهاب الدين ابن نقيب الأشراف على صدر الدين ابن الأدمي بأنه سب الناصر، فعقدوا له مجلساً فأنكر فشهد عليه الشهاب المذكور فاستخصمه صدر الدين وقال إنه عدوه، فبلغ ذلك نائب الغيبة

стр. 1943

فصدق صدر الدين وأطلقه، ثم اتفق ابن الكشك وصدر الدين على قسمة الوظائف بينهما، وأشهد ابن الأدمي على نفسه أنه إن عاد إلى السعي في القضاء يكون لابن الكشك عنده ألف دينار، وحكم نائب الحنفي بصحة التعليق والمالكي بصحة الالتزام، ثم بطل ذلك عن قرب، وحكم ابن العديم ببطلان ذلك الحكم لأن صدر الدين أثبت عنده أنه كان يومئذٍ مكرهاً، وأعيد ابن الأدمي إلى القضاء قبل خروج الناصر من دمشق. وفي رابع عشر ربيع الآخر عقد عقد بنت الناصر على بكتمر

стр. 1944

جلق وهو أسن من أبيها، وتولى الناصر العقد لقنه إياه القاضي جلال الدين وقبله للزوج تغرى بردى الأتابك. وفي ثامن عشره أعيد ابن الأدمي إلى قضاء الحنفية وصرف ابن الكشك. وفي جمادى الأولى قدم من حلب جمال الدين الحسفاوي قاضي

стр. 1945

الشافعية بها، ومحب الدين ابن الشحنة قاضي الحنفية بها، وأخوه قاضي المالكية بها، وكانوا طلبوا من جهة السلطان لكونهم بايعوا جكم بالسلطنة وأفتوه بقتال السلطان، ثم هرب ابن الشحنة وأدخل الآخران القاهرة. وفي التاسع من جمادى الأولى نزل السلطان بلبيس فقبض على جمال الدين الأستادار وعلى ابنه وابن أخته وعامة من يلوذ بهم،

стр. 1946

وهرب أخوه شمس الدين البيري وطائفة، وكان الناصر قد تخيل منه في هذه السفرة أنه تمالأ عليه، وأنه يريد أن يمسكه، ووجد أعداؤه سبيلاً إلى الحط عليه عنده إلى أن تغير عليه وأمسكه، ودخل الناصر القلعة في حادي عشره وتقدم إلى كاتب السر فتح الله بحفظ موجود جمال الدين فاستعان فتح الله على ذلك بالقضاة فلم يزل جمال الدين وولده يخرجان ذخيرة بعد ذخيرة إلى أن قارب جملة ما تحصل من موجودهما ألف ألف دينار، وأحضره الناصر مرة وتلطف به ليخرج بقية ما عنده وجد وأكد اليمين واعترف بخطائه واستغفر فرق له وأمر بمداواته، فقامت قيامة أعدائه وألّبوا عليه إلى أن أذن لهم في عقوبته وسلمه لهم، فلم يزالوا به حتى مات خنقاً بيد حسام الدين الوالي، وقطعت رأسه

стр. 1947

فأحضرت بين يدي الناصر، فردها وأمر بدفنه، وذلك في حادي عشر جمادى الآخرة، واستقر تاج الدين عبد الرزاق ابن الهيصم في الأستادارية موضع جمال الدين، فلبس زي الأمراء وترك زي الكتاب، واستقر أخوه مجد الدين عبد الغني في نظر الخاص، وسعد الدين ابن البشيري في الوزارة وأضيف إلى تقي الدين ابن أبي شاكر ناظر ديوان المفرد أستادارية الأملاك والذخائر السلطانية عوضاً عن أحمد ابن أخت جمال الدين؛ ومن غريب ما اتفق في ذلك أنه كان ظفر من تركة بعض الأكابر بحاصل فيه ذهب وعلبة ملأى فصوص وجواهر نفيسة، فبلغ السلطان ذلك، فطلبه من الأمير جمال الدين فأنكره وأودع ذلك عند جندي يقال له جلبان، فلما قبض على جمال الدين وأمر بحمل ما عنده من الأموال ذكر أن له عند جلبان وديعة نحو عشرة قفف ذهباً، فطلع المذكور فغلب عليه الخوف فأحضر الذهب والعلبة التي فيها الجواهر، فانبسط الناصر، وبلغ ذلك جمال الدين فشق عليه مشقة شديدة. وفي أواخر جمادى الأولى استقر شهاب الدين أحمد بن أوحد

стр. 1948

الخادم بالخانقاه الناصرية بسرياقوس في مشيختها عوضاً عن شمس الدين القليوبي بحكم وفاته. وفي سابع جمادى الآخرة امسك بلاط أحد المقدمين وكزل حاجب الحجاب، وبعثا إلى الإسكندرية للاعتقال، وقرر يلبغا الناصري في الحجوبية. وفي تاسعه صرف ابن شعبان عن الحسبة وأعيد الطويل

стр. 1949

وفيه صرف البرقي عن قضاء العسكر، واستقر حاجي فقيه. وفي حادي عشر جمادى الآخرة استقر علاء الدين الحلبي قاضي غزة في مشيخة بيبرس عوضاً عن شمس الدين البيري أخي جمال الدين بحكم تسحبه بعناية فتح الله؛ واستقر نور الدين التلواني في تدريس الشافعي عوضاً عنه بعناية قردم.

стр. 1950

وفيه أحضر الناصر الشيخ شهاب الدين الزعيفريتي، وكان نقل له عنه أنه كتب ملحمة زعم فيها أن الملك يصل لجمال الدين ثم إلى ابنه أحمد، ونظم ذلك في قصيدة، فأمر الناصر بقطع لسانه وبعض عقد أصابع يده اليمنى، واعتقل ثم أفرج عنه، وأقام ببيته مدة الناصر يظهر الخرس إلى أن أقبلت الدولة المؤدية وتكلم، فعد ذلك من قوة تمكنه من عقله، وعظيم جلده وصبره، ولم يمتنع أيضاً من الكتابة، بل كتب مع فساد بعض أصابعه لكن دون خطه المعتاد. وفي سابع رجب أعيد ابن شعبان إلى الحسبة وعزل الطويل؛ ثم عزل ابن شعبان واستقر محمّد بن يعقوب الدمشقي في ثامن عشر من رجب، ثم صرف في ثاني شعبان واستقر كريم الدين الهوى.

стр. 1951

وبلغ النيل في هذه السنة في الزيادة إلى اثنين وعشرين ذراعاً، وكسر الخليج في أول يوم من مسرى وثبت إلى نصف هاتور، وبلغ سعر القمح من ذلك في شعبان إلى ثلاثمائة الإردب، والشعير والفول إلى مائتين، والحمل التبن إلى مائة وعشرين. وفي شعبان قبض الشيخية بدمشق على الإخنائي قاضي الدمشقية وكانوا قد نقموا عليه فكاتبه نوروز فسجن بالقلعة، ثم هرب منها إلى صفد، فأكرمه النائب بها من جهة الناصر، وهو شاهين الزردكاش، وأرسل الإخنائي إلى الناصر يغريه بالأمير شيخ ويحثه على سرعة الحركة إلى الشام. وفي أواخر شعبان فوض شيخ خطابة جامع دمشق لشرف الدين التباني وكان قد فر من القاهرة إليه في أواخر العام الماضي، فأنكر

стр. 1952

الشاميون ذلك، لعهدهم أن الخطابة إنما هي للشافعية، فكاتبوه بذلك، فاستناب الباعوني وباشر شرف الدين التباني مشيخة السميساطية خاصة، وأضيف إليه درس الخاتونية، وتصدر بالجامع الأموي. وفي مستهل رجب قبض على نصراني فادعى عليه أنه كان أسلم، وأقيمت عليه البينة بذلك فاعترف فعرض عليه الإسلام فامتنع فضربت رقبته بين القصرين. وفي ثالث عشر شعبان قتل شخص شريف لأنه ادعى عليه أنه عوتب في شئ فعله فعزر بسببه، فقال: قد ابتلى الأنبياء، فزجر عن ذلك فقال: قد جرى على رسول الله في حارة اليهود أكثر من هذا، فاستفتى في حقه فأفتوا بكفره، فضربت عنقه بين القصرين بحكم القاضي المالكي شمس الدين المدني. وفي ثالث عشر شوال أعيد ابن شعبان إلى الحسبة وصرف الهوى، وفي الثالث والعشرين منه كان الناصر توجه إلى وسيم عند مرابط خيله فرجع منه، فلما وصل الميدان بالقرب من قناطر السباع أمر بالقبض

стр. 1953

على قردم الخازندار. وكان شاع عنه وهو في السفر أنه اتفق مع جمال الدين على الفتك بالسلطان وأمر أيضاً بالقبض على أينال الساقي وهو حينئذ رأس نوبة كبير، فقبض على قردم وشهر أينال سيفه فلم يلحقه غير الأمير قجق، فضربه على يده ضربة جرحه بها، واستمر أينال هارباً، ثم ظفر به في ذي الحجة فسجن في الإسكندرية، ثم آل أمره إلى أن صار تاجراً في المماليك يجلبهم من البلاد ويربح منهم الربح الكثير، وقد قدم في الدولة المؤيدية مرتين بذلك وحصل مالاً طائلاً، وسجن قردم بالإسكندرية. وفي شوال استقر ابن خطيب نقرين في قضاء دمشق وصرف الحسباني، وفيه استقر شمس الدين محمّد بن علي بن معبد المدني في قضاء المالكية وصرف البساطي.

стр. 1954

وفي أواخر ذي القعدة استقر حسام الدين في ولاية القاهرة. وفيه صرف الزيدي، وكان ظالماً فاجراً ولي شد الدواوين فأباد أصحاب الأموال وبالغ في أذاهم فكان عاقبة أمره أن ضربت عنقه صبراً بالقاهرة. وفي ذي الحجة قدم على شيخ بحمص الشيخ أبو بكر بن تبع وذكر أن شخصاً حضر إليه وذكر له أنه رأى النبي ﷺ

стр. 1955

في المنام وهو يقول: ارجع عما أنت فيه وإلا هلكت، قال: يا رسول الله! ما يصدقني، قال: اذهب إلى ابن تبع فقل له يذهب إليه، قال: فإن لم يقبل من ابن تبع. قال: قل له فليقل له ما كلامه كيت وكيت، وذكر له ذكراً جرت عادة شيخ أن يحوط به نفسه عند النوم وعند القتال، فقص أبو بكر بن تبع ذلك على شيخ فصدق الإمارة وكتب إلى دمشق بأنه رجع عن المظالم، وكتب إلى أتباعه بالكف عن المصادرات ورد الأوقاف إلى أهلها ونودي بذلك في البلد، وكتب إلى قضاة دمشق بالكشف عن شمس الدين ابن التباني، وكان قد فوض إليه نظر الجامع والأوقاف وظهر عليه جملة مستكثرة ثم جاملوه وكتبوا له محضراً بأنه حسن المباشرة وأرسل مرجان الهندي خازندره يكشف عن حسابات الأوقاف وإلزام المباشرين عليها بعمارتها. وفيها قتل محمّد بن أميرزا شيخ بن عم تمرلنك سلطان فارس،

стр. 1956

قام عليه أخوه إسكندر شاه فغلبه وكان محمّد كثير العدل والإحسان فيما يقال فتمالأ عليه بعض خواصه فقتله تقرباً إلى خاطر أخيه إسكندر واستولى إسكندر على ممالك أخيه فاتسعت مملكته. وفيها أفرط النيل في الزيادة إلى تكملة العشرين ثبت ثباتاً زائداً عن العادة إلى نصف هاتور، ثم يسر الله بنزوله على العادة. وفي أول يوم من جمادى الآخرة ضرب إمام قبة الصخرة بالمقارع بأمر السلطان وحبس بسجن ذوي الجرائم، والسبب فيه أنه قدم رسولاً من شيخ يعتذر عن قتال بكتمر جلق وأنه الذي بدأه بالقتال، فلم يلتفت له فأمر بضرب هذا وتوسيط رفيقه وهو من المماليك، وفيها مات داود بن سيف أرغد الحطي - بفتح المهملة وكسر المهملة الخفيفة بعدها ياء خفيفة - الحبشي الأمحري - بحاء مهملة - صاحب مملكة الحبشة وقدمت رسله على الظاهر بهدية، وجهز له الظاهر هدية ورسولاً وهو

стр. 1957

برهان الدين الدمياطي فذكر أنه رآه حاسر الرأس عرياناً وعلى جبينه عصابة حمراء وكذا كان سلفهم فلما مات داود أقيم ابنه تدروس فهلك سريعاً فأقيم أخوه إسحاق فسلك سبيل الملوك وتزيا بزي أهل الحضر والسبب فيه أن نصرانياً كان يقال له فخر الدولة حصلت له كائنة بمصر ففر إلى الحبشة فقربه إسحاق فرتب له المملكة وأشار عليه بأن يتزيا بغير زي قومه وجبا الأموال وضبط الأمر ودخل إليه مملوك يقال له الطنبغا فتعلم من عنده صناعة الحرب والرمي بالنشاب واللعب بالرمح ورتب له زردخاناه فصرف فحظي عنده وصار يركب وبيده صليب جوهر كبير إذا قبض عليه برز طرفاه من كبره، وكان شديد البأس على من يجاوره من المسلمين من الجبرت وغيرهم، وكان سعد الدين رأس الجبرت يحاربه، وفي الغالب يكون سعد الدين منه في ضيق، وقتل

стр. 1958

من المسلمين في تلك الوقائع ما لا يحصى فلم يزل كذلك إلى أن مات إسحاق في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين، وقام بعده ابنه أندراس، فهلك لأربعة أشهر من موت أبيه فقام من بعده عمه خرساي فهلك في رمضان سنة أربع وثلاثين، فأقيم بعده سلمون بن إسحاق. وفي غضون ذلك نجا جمال الدين ابن سعد الدين ملك المسلمين

стр. 1959

ودهم الحبشة وأوقع بهم وصاروا منه في حصر شديد على ما اتصل بنا. وفيها مات أحمد بن ثقبة بن رميثة بن أبي نمى الحسني المكي أحد أمراء مكة، وكان قد اشترك مع عنان في الولاية الأولى مع كونه مكحولاً لما مات ابن عمه أحمد بن عجلان بن رميثة وأم ولده محمّد. وفيها قتل جماز بن هبة بن جماز بن منصور الحسيني أمير المدينة

стр. 1960

وقد كان أخذ حاصل المدينة ونزح عنها فلم يمهل وقتل في حرب جرت بينه وبين أعدائه، وكان يظهر إعزاز أهل السنة ويحبهم بخلاف ثابت بن نعير. وفي ذي الحجة استقر تاج الدين محمّد بن الحسباني في وكالة بيت المال والحسبة وإفتاء دار العدل وقضاء العسكر وبذل على ذلك ألف دينار وكانت الحسبة مع ناصر الدين ابن الجاي وما عدا ذلك مع تقي الدين يحيى الكرماني، فصرفا عنها وفيها مات أقباي الكبير

стр. 1961

وكان رأس نوبة الأمراء في جمادى الآخرة، وترك من العين ألف دينار هرجة، واثني عشر ألف دينار إفرنجية ومن الغلال والخيول والدواب ما قيمته فوق ذلك، حصل ذلك من الظلم وكان حاجباً مدة طويلة غشوماً ظلوماً، فاستأصل الناصر تركته، وفيها مات طوخ الخازندار في جمادى الآخرة وبلاط الإسكندرية وقجاجق الدويدار.

стр. 1962

ذكر من مات في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة من الأعيان أحمد بن سعيد بن أحمد السماقي الحسباني الشاهد بسوق صاروجا أخو القاضي شرف الدين قاسم مات في جمادى الأولى عن سبعين سنة بدمشق. أحمد بن عبد اللطيف بن أبي بكر بن عمر الشرجي ثم الزبيدي اشتغل كثيراً ومهر في العربية وكذا كان أبوه سراج الدين ودرس

стр. 1963

شهاب الدين بالصلاحية بزبيد اجتمعت به وسمع علي شيئاً من الحديث وسمعت من فوائده مات بحرض عن أربعين سنة. أحمد بن محمّد بن أبي الوفا محمّد بن محمّد الشاذلي شهاب الدين

стр. 1964

المشهور بتبن وفا أخو الشيخ علي الماضي سنة سبع وثمانمائة وأحمد هو الأسن وعلي هو الأشهر، وكان عند أحمد سكون وقلة كلام وليس له نظم وكان يذكر له أحوال حسنة ولم يكن يعمل المواعيد إلا مع خواص أصحابه ونبغ له أبو الفضل محمّد ففاق الأقران في النظم والذكاء ومات غريقاً بعد أبيه بسنة، وكانت وفاة شهاب الدين في شوال وله ست وخمسون سنة. أبو بكر بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي أخو الشيخ جمال الدين اشتغل قليلاً وسمع من عز الدين ابن جماعة وغيره، ومات في جمادى الأولى بمكة.

стр. 1965

أبو بكر بن عبد الله بن قطلوبك المنجم الشاعر، تعانى التنجيم والآداب، وكان بارعاً في النظم والمجون وله مطارحات مع أدباء عصره أولهم شمس الدين المزين ثم خطيب زرع ثم على البهائي، واشتهر بخفة الروح والنوادر المطربة؛ ومات في صفر، وهو القائل:
следующие страницы →