← История

История · id 26001

إنباء الغمر بأبناء العمر - ط الهندية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 236 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وكان رأس نوبة الأمراء في جمادى الآخرة، وترك من العين ألف دينار هرجة، واثني عشر ألف دينار إفرنجية ومن الغلال والخيول والدواب ما قيمته فوق ذلك، حصل ذلك من الظلم وكان حاجباً مدة طويلة غشوماً ظلوماً، فاستأصل الناصر تركته، وفيها مات طوخ الخازندار في جمادى الآخرة وبلاط الإسكندرية وقجاجق الدويدار.

стр. 1962

ذكر من مات في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة من الأعيان أحمد بن سعيد بن أحمد السماقي الحسباني الشاهد بسوق صاروجا أخو القاضي شرف الدين قاسم مات في جمادى الأولى عن سبعين سنة بدمشق. أحمد بن عبد اللطيف بن أبي بكر بن عمر الشرجي ثم الزبيدي اشتغل كثيراً ومهر في العربية وكذا كان أبوه سراج الدين ودرس

стр. 1963

شهاب الدين بالصلاحية بزبيد اجتمعت به وسمع علي شيئاً من الحديث وسمعت من فوائده مات بحرض عن أربعين سنة. أحمد بن محمّد بن أبي الوفا محمّد بن محمّد الشاذلي شهاب الدين

стр. 1964

المشهور بتبن وفا أخو الشيخ علي الماضي سنة سبع وثمانمائة وأحمد هو الأسن وعلي هو الأشهر، وكان عند أحمد سكون وقلة كلام وليس له نظم وكان يذكر له أحوال حسنة ولم يكن يعمل المواعيد إلا مع خواص أصحابه ونبغ له أبو الفضل محمّد ففاق الأقران في النظم والذكاء ومات غريقاً بعد أبيه بسنة، وكانت وفاة شهاب الدين في شوال وله ست وخمسون سنة. أبو بكر بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي أخو الشيخ جمال الدين اشتغل قليلاً وسمع من عز الدين ابن جماعة وغيره، ومات في جمادى الأولى بمكة.

стр. 1965

أبو بكر بن عبد الله بن قطلوبك المنجم الشاعر، تعانى التنجيم والآداب، وكان بارعاً في النظم والمجون وله مطارحات مع أدباء عصره أولهم شمس الدين المزين ثم خطيب زرع ثم على البهائي، واشتهر بخفة الروح والنوادر المطربة؛ ومات في صفر، وهو القائل:

стр. 1966

حنفي مدرس حاز خدّاً … كرياض الشقيق في التنميق لو رآه النعمان في مجلس الدر … س لقال النعمان هذا شقيقي وله في شمس الدين المزين الشاعر زجل أوله: لعمرك يا مزين أمسى … ناقص البراعه لكن في الحرام حيث … تجده كامل البضاعه سيرك يا ربيط سير … محلول من قبيح فعالك وأنت حرامي مجروح … وعرضك بحالك وتهجي المنجم أما … تبصر شاعر حالك لا تلعب بذكاعي … وتعمل رقاعه أنصحك وأسقيـ … ـك شربة ولا سم ساعه فلما مدح الشيخ علي البهائي بدر الدين ابن الشهاب محمود بقصيدته التي أولها: ألا يا نسمة الريح … قفي أبديك تبريحي قفي أخبرك عن جسمي … وإن شئت أقل روحي فناقضه المنجم بقوله: ضراط البغل في الريح … على فرش من الشيح

стр. 1967

وشرب الخل ممزوجاً … بأمراق القواليح ونقلي يابس الزعـ … ـرور مع بعر التماسيح ونيك ليس بالتعم … يق بل حك وتشطيح وقوم في جنان البل … ح قد فازوا بتسليحي وبيتي من دمشق الشا … م ليلاً غير ممسوح وتعويض بأكل اللف … ت من تلك التفافيح وسمعي في حقول الفج … ل أصوات الذراريح على شيز الضفاديـ … ـع التي في بحر أطفيحي أحبّ إلي من شعر … شبيه الشيح في الريح بتوشيح كتوشيح … وتحسين كتقبيح وتلميع كتلي … ح الدباغات المناسيح إذا عاناه معصوم … شكى داء المساليح وغاد ببرءه يشكو … من القولنج والريح تراني حين أسمعه … بصدر غير مشروح أقول لنفسي اعتزمي … وعن أبياته روحي قريض من مقالته … على الحمى لدى الروح

стр. 1968

وناظمه أخو جهل … من القوم المشاليح ووزن الشعر يشغله … بنقصان وترجيح بنظم منظم يطفي … إشعات المصابيح ولولا بدر دين الـ … ـدين مخدومي وممدوحي لأظلم بيت أفكاري … ولم أظفر بتوضيح ولا عارضت في شعري … ألا يا نسمة الريح أنشدنيها بقصتها ناصر الدين البارزي بالقاهرة ثم أنشدنيها بقصتها ولده القاضي كمال الدين بالبيرة على شاطئ الفرات في سنة آمد وأنا للإنشاد الثاني أضبط. أبو بكر بن علي الحمصي سيف الدين المعمار اشتهر بذلك وقد تقدم في فنه، وعاش أزيد من تسعين سنة بدمشق. خليل بن محمّد بن خليفة بن عبد العالي الحسباني ابن عم شهاب الدين وصهره على ابنته، كان خيراً ديّناً وورث من أبيه مالاً جزيلاً، وغرم أكثره في تزويج ابنة عمه المذكور، ثم كان في آخر أمره أن طلقت منه، وقد ولي قضاء حسبان. عبد الله بن أحمد اللخمي التونسي الفرياني - بضم الفاء وتشديد

стр. 1969

الراء بعدها تحتانية خفيفة وبعد الألف نون - كان فاضلاً مشاركاً في الفقه والعربية والفرائض مع الدين والخير؛ مات راجعاً من مكة إلى مصر، ودفن بعقبة أيلة في المحرم. عبد الرحيم بن محمود بن محمّد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن علي بن عقيل السلمي البعلبكي، زين الدين، خطيب بعلبك وابن خطيبها، ولد سنة تسع وعشرين أو قبلها ومات أبوه سنة خمس وثلاثين وهو الكاتب المجود المشهور بهاء الدين محمود، فرباه جده، وولي عبد الرحيم

стр. 1970

خطابة بلده، وكانت بيد سلفه منذ أربعمائة سنة فيما يقال، وقد حدث عبد الرحيم عن الحجار وغيره بالإجازة، وكان من أعيان شهود بلده موصوفاً بالخير؛ مات في ربيع الأول. علي بن الحسن بن أبي بكر بن الحسن بن علي بن وهاس الخزرجي موفق الدين الزبيدي، اشتغل بالأدب ولهج بالتاريخ فمهر فيه، وجمع لبلده تاريخاً كبيراً وآخر على الحروف وآخر في الملوك، وكان ناظماً ناثراً اجتمعت به بزبيد، وكتب لي مدحاً؛ مات في أواخر هذه السنة وقد جاوز السبعين. علي بن محمّد بن إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن الناشري موفق الدين الشاعر المشهور الزبيدي اشتغل بالأدب ففاق أقرانه

стр. 1971

ومدح الأفضل ثم الأشرف ثم الناصر، وكانوا يقترحون عليه الأشعار في المهمات، فيأتي بها على أحسن وجه، وكانت طريقة شعره الانسجام والسهولة دون تعاني المعاني التي لهج بها المتأخرون، وحج في سنة عشرة ورجع فمات بنواحي حرض في المحرم، أو في الذي بعده، وقد جاوز الستين، رأيته بزبيد وسمعت منه قليلاً. قجاجق بن عبد الله الدويدار الناصري، وكان حسن الخلق لين الجانب مسرفاً على نفسه وولي الدويدارية الكبرى فباشرها بلطف ورفق، مات في أواخر السنة، وقيل في سادس المحرم من التي تليها.

стр. 1972

محمّد بن أحمد بن أبي القاسم الوزير كمال الدين ابن المقرئ الزبيدي ناب في الوزارة باليمن، وناب عن القاضي مجد الدين الشيرازي في القضاء، وكان فاضلاً. محمّد بن عبد الله بن أبي بكر الشيخ شمس الدين القليوبي الشافعي اشتغل بالعلم وتلمذ للشيخ ولي الدين الملوي، ورأيت سماعه على العرضي ومظفر الدين ابن العطار في جامع الترمذي، وما أظنه حدث عنهما، واشتهر بالدين والخير، وكان متقللاً جداً إلى أن قرر في مشيخة الخانقاه الناصرية

стр. 1973

بسرياقوس شيخاً بها فباشرها إلى أن مات في جمادى الأولى وكان متواضعاً ليناً. محمّد بن عبد الله الخردفوشي: أحد من كان يعتقد مات في ربيع الآخر. محمّد بن عبد الرحمن بن يوسف الحلبي المعروف بابن سحلول ناصر الدين، كان عمه عبد الله وزيراً بحلب، ولد سنة. . . . . . وسمع المسلسل بالأولية من أحمد بن عبد الكريم، وسمع عليه الأربعين المخرجة من صحيح مسلم بسماعه على زينب الكندية عن المؤبد، وسمع من ابن الحبال جزء المناديلي، أنا عبد الخالق بن علي بن واصل البصري ثنا أبو جعفر

стр. 1974

السعيدي ثنا أبو القاسم إبراهيم بن محمّد المناديلي، وولي مشيخة خانقاه والده فكان أهل حلب يترددون غليه لرياسته وحشمته وسؤدده، ومكارم أخلاقه، وكان مواظباً على إطعام من يرد عليه ثم عظم جاهه لما استقر جمال الدين الأستادار في التكلم في المملكة فإنه كان قريبه من قبل الأم لأن أم جمال الدين بنت عبد الله عم شمس الدين المذكور وكان استقر في مشيخة الشيوخ بعد موت الشيخ عز الدين الهاشمي، ثم سافر من حلب إلى القاهرة فبالغ جمال الدين في إكرامه وجهزه إلى الحجاز في أبهة زائدة وأحمد ولد جمال الدين يومئذٍ أمير الركب فحج وعاد فمات بعقبة أيلة في شهر الله المحرم، وسلم مما آل إليه أمر قريبه جمال الدين وآله. محمّد بن عمر بن إبراهيم بن القاضي العلامة شرف الدين هبة الله البارزي، ناصر الدين الحموي، قاضي حماة هو وأسلافه كان موصوفاً بالخير والمعرفة، فاضلاً عفيفاً، مشكوراً في الحكم، باشر القضاء مدة ومات بحماة

стр. 1975

في هذه السنة وجده هبة الله هو القاضي شرف الدين البارزي العالم المشهور. محمّد بن محمّد بن موسى بن سليم - بفتح المهملة - الحجاوي، كان من أهل العلم بالهيئة، وولي وظيفة التوقيت بالجامع الأموي، ثم انتقل إلى حجا بلده فمات هناك في شعبان. محمّد بن محمّد بن موسى بن محمّد بن محمّد بن محمود بن سلمان الحلبي الأصل الدمشقي بدر الدين ابن الشهاب محمود، ولد في حدود الخمسين ونشأ بدمشق واشتغل وتعانى الأدب، ونظم الشعر وولي كتابة السر بدمشق وطرابلس وكان ولي توقيع الدست بحلب وكان رئيساً، ذكياً كريماً، له مروءة وعصبية إلا أنه كان ينسب إلى أشياء غير مرضية، كتب عنه القاضي علاء الدين في ذيل تاريخ حلب من نظمه، ومات في السجن بدمشق سنة ٨١٢ على يد جمال الدين الأستادار.

стр. 1976

نصر الله بن أحمد بن محمّد بن عمر التستري الأصل ثم البغدادي نزيل القاهرة جلال الدين أبو الفتح ولد في حدود الثلاثين ومات أبوه وهو صغير، فرباه الشيخ الصالح أحمد السقا وأقرأه القرآن واشتغل بالفقه على مذهب الحنابلة؛ وسمع الحديث من جمال الدين الخضري وكمال الدين الأنباري وأبي بكر بن قاسم السنجاري في آخرين وأسانيدهم نازلة، وقرأ الأصول على الشيخ بدر الدين الأربلي وأخذ عن الكرماني شارح البخاري، شرح العضد على ابن الحاجب وولي تدريس الحديث بمسجد يانس ببغداد ومدارس الحنابلة كالمستنصرية والمجاهدية، وصنف في الفقه

стр. 1977

وأصوله ونظم كتاباً في الفقه في ستة آلاف بيت، وأرجوزة في الفرائض مائة بيت جيدة في بابها، وله مختصر ابن الحاجب ومدايح نبوية، وكان يذاكر الناس ببغداد مدة وانتفع الناس بذلك، وخرج من بغداد لما شاع أن اللنك قصدها فوصل إلى دمشق فبالغوا في إكرامه، وكان مقتدراً على النظم والنثر، ثم قدم القاهرة في سنة تسعين وتقرر في تدريس الحنابلة بمدرسة الظاهر برقوق وكان قد امتدحه وعمل له رسالة في مدح مدرسته، وحدث بالقاهرة بجامع المسانيد لابن الجوزي سماعه له بإسناد نازل إلى مؤلفه، مات في عشري صفر بعد أن مرض طويلاً.

стр. 1978

نصر الله بن محمّد الصرخدي ناصر الدين أحد الفضلاء، مات في أحد الربيعين. يوسف بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن جعفر بن قاسم البيري، ثم الحلبي نزيل القاهرة الأمير جمال الدين، ولد سنة ٧٥٢ وكان أبوه خطيب البيرة فصاهر الوزير شمس الدين بن سحلول فنشأ جمال الدين في كنف خاله وكان أولاً بزي الفقهاء وحفظ القرآن وكتباً في الفقه والعربية، وسمع من شمس الدين ابن جابر الأندلسي قصيدته البديعية.

стр. 1979

وعرض عليه ألفية ابن معطي وأخذ عنه في شرحها له بحلب، ثم قدم مصر بعد سنة سبعين وهو بزي الجند فخدم أستادار الأمير بجاس وعرف به وطالت مدته عنده، ثم ترقى إلى أن تزوج بنت أستاذه وعظم قدره ومحله، فباشر الأستادراية عند جماعة من الأمراء كبيبرس وسودون الحمزاوي وغيرهما، وعمر الدور الكبار وعمر في داخل القصر بجوار المدرسة السابقية منزلاً حسناً، فيقال إنه وجد فيه خبيئة للفاطميين واشتهر ذكره بالمروءة والعصبية وقضاء حوائج الناس فقام بإعباء كثير من الأمور وصار مقتصداً للملهوفين يقضي حوائجهم ويركب معهم إلى ذوي الجاه، ولم يزل معظماً نافذ الكلمة إلى أن قرر في الأستادارية رابع رجب سنة سبع وثمانمائة بعد أن هرب ابن غراب مع يشبك فشكرت سيرته، ثم وقع بينه وبين السالمي لتهور السالمي فقبض عليه في ذي الحجة واستبد بالأمر إلى أن قرر في الأستادارية الكبرى عوضاً عن ابن قيماز في رابع رجب سنة ثمان بعد أن رسم عليه في بيت شاد الدواوين يوماً وليلة واستمر مع ذلك يتحدث في أستادارية الأمير الكبير بيبرس، ثم لما تغيرت الأمور التي بسطناها في سنة ثمان وثمانمائة وتمكن ابن غراب من المملكة أراد الفتك بجمال الدين، ثم اشتغل عنه بمرضه ولم يلبث أن هلك، فاستولى جمال الدين على الأمور واستضاف الوزارة ونظر الخاص والكشف بالوجه البحري واستقر مشير الدولة، ثم لما قتل يشبك صفا الوقت له وصار عزيز مصر على الحقيقة، لا يعقد أمر إلا به ولا تفصل مشورة إلا عن رأيه، ولا تخرج إقطاع إلا بإذنه، ولا يستخدم أحد من الأمراء ولو عظم

стр. 1980

كاتباً عنده إلا من جهته، ولا تباع دار حتى تعرض عليه، ولا يكتب مكتوب على قاض حتى يستأذنه، ولا يباع شيء من الجوهر والصيني ولا من آنية الذهب والفضة ولا من الفرو والصوف والحرير ولا من كتب العلم النفيسة حتى يعرض عليه، ولا يلي أحد وظيفة ولو قلت حتى نواب القضاة إلا بأمره، ثم تجاوز ذلك حتى صار لا يخرج إقطاع ولو قل إلا بمشورته ولا يحكم أمير في فلاحه حتى يؤامره، ولا تكتب وصية حتى تعرض عليه أو يأذن فيها، وخضع له الآمر والمأمور، وكثر تردد الناس إلى بابه حتى كان رؤساء الدولة من الدويدارية وكاتب السر ومن دونهما ينزلون في ركابه إلى منزله، ولا يصدر أحد منهم إلا عن رأيه، ثم شرع في انتهاك حرمة الأوقاف فحلها أولاً فأولاً حتى استبدل بالقصور الزاهرة المنيفة بالقاهرة كقصر يشبك والحجارية وغيرهما بشيء من الطين من الجيزة وغيرها، وكان قبل ذلك يتوقى في الظاهر فربما رام استبدال بعض الموقوفات فيعسر عليه القاضي إلى أن تجتمع شروط ذلك عند من ذهب إلى جوازه فيبادر هو بدس بعض الفعلة إلى ذلك المكان في الليل فيفسد في أساسه إلى أن يكاد يسقط فيرسل من يحذر سكانه، فإذا اشتهر ذلك بادر المستحق إلى الاستبدال ومن غفل منهم أو تمنع سقط فينقص من قيمته ما كان يدفعه له لو كان قائماً، ثم بطلت هذه الحيلة لما زاد تمكنه بإعانة القاضيين الحنفي تارة والحنبلي أخرى سمعت

стр. 1981

القاضي كريم الدين ابن عبد العزيز يقول: كنت في جنازة فتوجهت للمقبرة فوافقت ابن العديم ففتحت له انتهاك حرمة الأوقاف بكثرة الاستبدال، فقال لي: إن عشت أنا والقاضي مجد الدين - وأشار إلى الحنبلي - لا يبقى في بلدكم وقف، والعجب أن رؤساء العصر كانوا ينكرون أفعال جمال الدين في الباطن رعاية له وفرقاً منه، فما هو إلا أن قتل فتوارد الجميع على أتباعه فيما سن من ذلك حتى لم يسلم من ذلك أحد منهم، ولم يزل الأمر يتزايد بعد ذلك، ثم لم يزل جمال الدين يترقى ويحصل الأموال ويداري بالكثير منها ويمتن على الناصر بكثير من الأموال التي ينفقها عليه إلى أن كاد يغلب على الأمر، وفي الآخر صار يشتري بني آدم الأحرار من السلطان، فكل من تغير عليه استأذن السلطان في إهلاكه واشتراه منه بمال معين يعجل حمله إلى الناصر ويتسلم ذلك الرجل فيهلكه، فهلك على يده خلق كثير جداً، وأكثرهم في التحقيق من أهل الإفساد. وفي الجملة كان قد نفذ حكمه في الإقليمين مصر والشام، ولم يفته من المملكة سوى اسم السلطنة مع أنه كان ربما مدح باسم الملك ولا يغير ذلك ولا ينكره، وتقدم أنه قتل في جمادى الآخرة، ولقد رأيت له بعد قتله مناماً صالحاً حاصله أني ذكرت وأنا في النوم ما كان فيه وما صار إليه وما ارتكب من الموبقات، فقال لي قائل: إن السيف محاء للخطايا، فلما استيقظت اتفق أني نظرت هذا اللفظ بعينه في صحيح ابن حبان في أثناء حديث، فرجوت له بذلك الخير، ولعمري لقد

стр. 1982

ارتكبوا في حقه منذ قبض عليه إلى أن قتل ما لم يرتكبه في حق ممن دونه فيما كان فيه من الإهانة والإفراط في ظلم البراء من أهله حتى وضعت امرأته سارة بنت الأمير بجاس وهي حامل على دست نار فأسقطت ورأت من الذل ما لا يوصف وماتت بعد ذلك قهراً فلله الأمر. يونس بن قاضي الصنمين نقيب الشافعي لم يكن محمود السيرة فيما يقال مات سنة ٨١٣.

стр. 1983

سنة ثلاث عشرة وثمانمائة استهلت والأمير شيخ يحاصر الأمير نوروز بحماة وبيد شيخ غالب المملكة الشامية وفي تلك المدة اتصل القاضي ناصر الدين البارزي بالملك المؤيد، فلم يزل في خدمته إلى أن مات في أيام سلطنته. وفي خامس المحرم استولى شاهين دويدار شيخ على حلب وحاصر القلعة ووصل إلى شيخ الطنبغا القرمشي راجعاً من المرقب وقد حبس فيه المأسورين فعمل نائب الغيبة فأذن لسودون بقجة أن يخرج إلى

стр. 1984

الدورة فيحصل منها ما يمكن تحصيله ويأخذه لنفسه. وفي الثالث والعشرين من صفر خرج جاليش الناصر إلى قصد الشام وفيه من الأمراء بكتمر جلق وطوغان ويلبغا الناصري وشاهين الأفرم وغيرهم. وفي سابع عشر منه توجهوا من الريدانية وخرج السلطان في رابع ربيع الأول بالعسكر بعد أن عمل المولد النبوي في أول ليلة من ربيع الأول، وجلس عن يمينه ابن زقاعة ودونه الشيخ نصر الله ودونه بقية المشايخ، وعن يساره القضاة، وأنعم في هذه السنة على قاضي الحنابلة بمائة دينار ليتجهز بها دون بقية القضاة، وقرر في مشيخة التربة التي أكمل عمارتها، وكان أبوه أسسها صدر الدين أحمد ابن العجمي ورتب عنده الصوفية.

стр. 1985

وفي السادس منه أمر بأخذ ما في الطواحين والمعاصر من الخيل والبغال فصيرت إلى العسكر، وبلغ الأميرين تحرك الناصر إليهما من القاهرة فأذعنا إلى المصالحة على أن يكون دمشق وما معها لشيخ وحلب وما معها لنوروز وأن يستقل كل منهما بمملكته، وتركا ذكر اسم الناصر من مكاتباتهما وصارا يكتبان بدل الملكي الناصري الملك لله، فلما تقرر ذلك عزما على مسك دمرداش وابن أخيه قرقماش فهرب دمرداش ولحق بالعجل بن نعير ثم سار إلى الناصر، وهرب أيضاً مقبل الرومي فلحق بالناصر لما قدم غزة ورجع شيخ إلى دمشق ومعه يشبك بن أزدمر وأفرج عن سودون الجلب وغيره من المأسورين بقلعة المرقب وأشاع أنه يريد التوجه إلى عسكره فتوجه إلى العربان فأوقع بهم وأخذ لهم جمالاً وأغناماً كثيرة، وخرج من دمشق ومعه جانم نائب حماة متوجهاً إلى جهة حلب ووصل القاضي شمس الدين الإخناي مع الناصر فأعيد إلى قضاء دمشق وصرف الباعوني عن خطابة القدس وخطب الإخناي،

стр. 1986

وأما نوروز فمضى إلى حلب فتسلمها واستمر السلطان في السير إلى الشام وقرر في نيابة الغيبة أرغون نائب السلطنة وكمشبغا الجمالي في القلعة وإينال الصصلاني الحاجب لفصل الحكومات وأنفق في هذه السفرة من الموال ما لا يدخل تحت الضبط فأعطى لتغري بردي وبكتمر جلق ستة آلاف دينار ولكل مقدم ألفي دينار ولكل طبلخاناه خمسمائة ولكل أمير عشرين ثلاثمائة ولكل أمير عشرة مائتين ولكل مملوك مائة فكانت النفقة وحدها نحو خمسمائة ألف دينار خارجاً عن الخيول والجمال وما يحتاج هو

стр. 1987

إليه من الترك والخلع وغير ذلك فلما وصلوا إلى غزة بلغهم خبر شيخ فبادر بكتمر جلق فأسرع السير فوصل إلى دمشق في سابع عشري ربيع الأول صبيحة خروج شيخ منها فأدرك جماعة من أصحاب شيخ فقبض عليهم، وقدم الناصر صبيحة ذلك جريدة ليكبس شيخ ففاته، ثم قدمت أثقال الناصر ونودي بالأمان وقرر الناصر في نيابة دمشق نوروز ونودي بذلك ليطمئن ويحضر إليه، وقرر في نيابة طرابلس يشبك الموساوي بعد أن بذل فيها مائة ألف دينار. وبرز الناصر إلى برزة في العشر الأول من ربيع الأول واستناب بدمشق شاهين الزردكاش وقبض على شرف الدين موسى الملكاوي واتهمه بإخفاء صدر الدين ابن الأدمي وكان إذ ذاك قاضي الحنفية وكاتب السر عند شيخ فدلّ عليه، فلما أتاه

стр. 1988

الطلب هرب ثم قبض عليه فسجن بقلعة دمشق في سابع جمادى الأولى واستمر مسير الناصر إلى حلب ثم خرج منها في نصف الشهر، فلما أحسّ الأمراء بمسيره مضوا إلى مرعش فتلقاهم علي بك وناصر الدين بك ولدا خليل بن بلغادر فأقاموا عندهما، ثم بلغهم خروج الناصر من حلب في طلبهم فرحلوا إلى غلوا ثم إلى قيسارية فنزل الناصر بالابلستين وكتب إلى شيخ ونوروز يخيّرهما بين الخروج عن مملكته

стр. 1989

أو الوقوف لمحاربته أو الوصول إلى خدمته ليفعل فيهما ما شاء وأنه عزم على الإقامة بمكانه السنتين والثلاث حتى ينال غرضه منهم، فأجابه شيخ يعتذر بما خامر قلبه من الخوف وأنه المانع من الحضور وأنه لا يقابل السلطان أبداً وأنه إن لم يسمح له السلطان بنيابة دمشق فلينعم عليه بنيابة أبلستين ولنوروز بنيابة ملطية وليشبك بن أزدمر بعينتاب ويفرق القلاع على بقية الأمراء ليحفظوها فإنهم أحق من التركمان والأكراد المفسدين، فلم يرض السلطان بذلك وأرسل إلى دمشق يستدعي الأموال وأمرهم أن يوزعوا البساتين وغيرها من الطواحين والحمامات وغيرها نصف ما كان يأخذه نوروز، وأهل القرى حينئذ يجبى منهم الشعير وأحدثوا عليهم شعيراً آخر ليزرع للفصيل التي ترعاه الخيل. ووصل إلى الناصر من التركمان والعربان ونواب القلاع خلق كثير، ووصلت إليه رسل قرا يوسف ورسل صاحب ماردين ورسل قرا يلك بتقادمهم وهداياهم، فكثرت العساكر وقلت الأقوات وظهر الملل في العسكر وبدت نفرتهم من

стр. 1990

طول الإقامة فألزم ولدا دلغادر محمّد بك وعلي بك بالقبض على نوروز وشيخ ومن معهما وطردهما من البلاد ورجع إلى حلب، فلما رجع توجه سودون الجلب من عسكر نوروز وشيخ فغلب على الكرك، وخرج نائب دمشق في طلبه فلما بلغه أنه مر عليه فلم يدركه وفاتهم أيضاً جانم

стр. 1991

وقرقماش فتوجها إلى ملطية ثم افترقا فقدم قرقماش على الناصر بحلب فأكرمه وولاه نيابة صفد، ثم قدم جانم فولاه نيابة طرابلس، ثم قدم تغرى بردى ابن أخي دمرداش فقرر في نيابة صفد وعوض عنها أخوه قرقماش بحلب وكان استناب في دمشق بكتمر جلق وكان استناب حيدر نائب قلعة المرقب على طرابلس فتوجه إليها، وبها حسن بن محب الدين أستادار شيخ وعلم الدين وصلاح الدين ولدا ابن الكويز من جهته فحاصرهم ثم صرف عن النيابة وسار إليها جانم المذكور قبل، وأرسل الناصر إلى الطنبغا العثماني وقانباي المحمدي يطلبهما من دمشق

стр. 1992

فتوجها إليه في خامس رجب، ووصل بكتمر جلق في السادس منه فاستقر بها ووصل فيروز الخازندار لإخراج من بقي من المماليك بدمشق، ووقعت بين نائب البيرة وبين سودون المحمدي حرب، وأرسل الناصر من أخذ قلعة الروم، وأرسل بلبان يحاصر كزل من الشيخية بصهيون وأرسل تنكز إلى حصن الأكراد ومعه ابن إينال، وأرسل إلى دمشق بالقبض على جماعة من المخامرين. فلما كان السادس من رجب ركب بكتمر جلق ورفع علم السلطان ونادى من أطاع السلطان فليقف تحت العلم فتسارعوا إليه

стр. 1993

إلا قليلاً مضوا إلى الميدان ودقوا طبلاً، وقبضوا على قانباي ونكباي وتوجهوا فتبعهم بقية العسكر فلم يلحقوهم واستمر أولئك إلى أن دخلوا الكرك وكبيرهم بردبك الخازندار، فلما بلغ الناصر خبر الكرك أرسل تقليد نيابتها لسودون الجلب ليستميله بذلك، ثم رحل الناصر فوصل إلى دمشق في أواخر رجب، ولما تحقق شيخ ونوروز رحيله من حلب توجها إلى عينتاب وسلكا البرية طالبين الشام، فركب الناصر من حلب على حين غفلة فقدم دمشق في أربعة أيام، واستأذنه القاضي جلال الدين في التوجه إلى القاهرة بسبب تجهيز صرر الحرمين فأذن له فسار منها في ثامن

стр. 1994

شعبان، وسار أيضاً مجد الدين ابن الهيصم ناظر الخاص فقدم القاهرة في ثامن عشر شهر شعبان، وبالغ في المصادرات وطلب الأموال من غير حقها حتى أنه أحضر صحبته مراسيم بإبطال المواريث الأهلية حتى صار أنه من له ولد أو والد فلم يمهل ومات في ليلة العشرين منه وسر الناس بموته، وظفر الناصر بستة من أصحاب شيخ بدمشق فأمر بهم فوسطوا، وقدم الخبر بوصول شيخ ونوروز إلى أرض البلقاء في مائتين وخمسين فارساً، وكان سبب ذلك أنهم تفرقوا بعد رجوعهم عن قيسارية عند تل ياسر؛ ولحق بدمشق وحلب منهم عدة وافرة واختفى آخرون ومر شيخ ونوروز في خواصهما إلى تدمر فامتاروا منها ثم مضوا إلى صرخد

стр. 1995

ولم يستقروا بها ثم مضوا إلى البلقاء ودخلوا إلى القدس، ثم رجعوا إلى غزة فدخلوها في سادس عشري شعبان ومات منهم بالبلقاء تمربغا المشطوب وإينال المنقار بالطاعون في حسبان ولحق بهم سودون الجلب من الكرك فاخذوا من غزة كثيراً من الخيول ثم رحلوا منها في صبيحة الثالث من رمضان ورجع الجلب إلى الكرك فجهز الناصر في أثرهم بكتمر جلق على عسكر كثير، فسار إلى زرع ثم ألحقه بطوغان، فساروا في أواخر شعبان فاجتمعوا بقاقون في الثاني من رمضان

стр. 1996

فساروا جميعاً إلى غزة فقدموها في ثالثه، وقد رحل منها شيخ وأصحابه بكرة النهار فوجدوا نائب غزة جاني بك قد تبعهم إلى الزعقة فاستراحوا بغزة وبعث بكتمر شاهين الزردكاش وغيره على البرية إلى القاهرة يحذرهم مجيء شيخ ومن معه وخرج من غزة في الخامس من رمضان واستمر شيخ ومن معه متوجهين إلى القاهرة فمات شاهين دويداره بالصالحية، فدفنه هناك، وحزن عليه كثيراً وكان من الفرسان المعدودين ميمون النقيبة لم يرسله أستاذه في جهة إلا وكان على وجهه النصر واستمر شيخ ومن معه إلى القاهرة، فاستعد أرغون نائب الغيبة ومن معه للحصار، فوصلوا في الثامن من

стр. 1997

رمضان وهم شيخ ونوروز ويشبك بن أزدمر وبردبك وقنباي وسودون بقجة وسودون المحمدي ويشبك العثماني وقمش وأتباعهم، والتف عليهم جمع كثير من عرب الشرقية فتوجه شيخ من ناحية المطرية

стр. 1998

إلى بولاق إلى الميدان الكبير إلى الصليبة إلى الرملة فبرز لهم أينال الصصلاني الحاجب فصدهم عن القلعة فتوجهوا إلى بيت نوروز بالرملة واجتمع عليهم خلق كثير من الغوغاء وأرسل شيخ رجلاّ إلى القاهرة فنادى بالأمان ورفع الظلم ورخص سعر الذهب والقمح، فمال الناس إليه وساعدوه فتوجه بمن معه إلى مدرسة الأشرف فملكها ثم مدرسة حسن ورموا على الإصطبل ففر منهم أرغون فدخل القلعة بمفرده وأمر شيخ بإخراج من في جميع الحبوس من المسجونين فأطلقوا وكان بعض ذلك بمباشرة يشبك بن أزدمر بحيث أنه هدم ما فوق خوخة إيدغمش وسهل الدخول للراكبين منها فدخلوا وفتحوا باب زويلة، فهرب حسين والي القاهرة وتوجه إلى حبس الديلم فكسر بابه وأخرج من فيه وأمر شيخ بتتبع الخيول من الإصطبلات وغيرها فأخذ منها ما يحتاج إليه ثم هجم على باب السلسلة فأخذ الإصطبل وجلس في الحراقة وتوجهوا إلى باب القلعة فطلبوا فتحه فكلمهم الزمام من وراء الباب فقال إن حريم السلطان في القلعة

стр. 1999

فقالوا: مالنا غرض في النهب بل نريد أن نأخذ ابن السلطان فنسلطنه، فقال: ليحضر منكم إلى باب السر اثنان أو ثلاثة فيحلفوا وأنا أسلمه لكم وقصد إعطاءه ليحضر العسكر السلطاني فباتوا، فلما أصبحوا لاحت بوارق العسكر وارتفع العجاج وأشيع أن الناصر وصل فارتفعت الأصوات في القلعة بذلك وهللوا وكبّروا، فركب شيخ وأصحابه من ساعتهم نحو باب القرافة فكبا بالأمير شيخ جواده، فبادر أصحابه فأركبوه غيره ولم يجسر أحد على اتباعهم وكان العسكر الواصل فيه بكتمر جلق وطوغان ومن معهما فقبضوا من المذكورين على جماعة منهم بردبك وبرسباي وقراكشك وكان السبب في قدوم هؤلاء بهذه السرعة أن الناصر لما وصل دمشق وقيل له إن نوروز ومن معه توجهوا إلى صرخد جهز بكتمر جلق وطوغان الدويدار ويشبك الموساوي وقنباي واسنبغا الزردكاش والطنبغا العثماني ومن معهم وكانوا قدر ألف نفس ليحاصروا نوروز ومن معه، ويقبضوا عليهم فلما وصلوا إلى صرخد قيل لهم قد توجهوا إلى غزة فاستمروا خلفهم إلى غزة فقيل لهم توجهوا نحو مصر، فاختلفوا

стр. 2000

فقال بكتمر ومن معه: ما معنا مرسوم بالرواح لمصر، وخالفهم الأكثر فاحتاج أن يوافقهم وتوجهوا إلى مصر مسرعين فاتفق وصولهم حين أراد نائب الغيبة بالقلعة أن يسلم القلعة فبطل ذلك فجأة، وظن شيخ ومن معه أن السلطان في العسكر المذكور فانهزموا، ولو تحقق أن رأسهم بكتمر لما انهزم لعلمه أن بكتمر المذكور لا يقوم قدامه، واعتذر من قدم من عدم اتباعهم للمنهزمين أن خيولهم كانت أعيت، وكذلك الرجال من توالي الركض حتى أدركوا ما أدركوا، فسار شيخ بمن معه إلى إطفيح ثم إلى السويس، فأخذوا منها عليقاً وجمالاً، وسار بهم شعبان بن عيسى في درب الحاج إلى نخل وافترقوا حينئذ فرقتين: فرقة رأسها نوروز ومعه يشبك بن أزدمر وسودون بقجة، وفرقة فيها شيخ ومعه سودون قراصقل وسودون المحمدي، فوصلوا إلى الشوبك ثم إلى الكرك فتلقاهم سودون الجلب وأدخلهم المدينة، فلما كان في وسط ذي القعدة توجه
следующие страницы →