Полный текст (3 236 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
أبا زيد الردماوي الزبيدي وقد تسمى بأخرة عبد الرحمن، ولد بردما وهي مشارف اليمن دون الأحقاف في جمادى سنة إحدى وأربعين ونشأ بها وجال في البلاد، ثم حج وجاور مدة وسكن الشام ودخل العراق ومصر، وسمع من اليافعي والشيخ خليل وابن كثير وابن خطيب يبروذ، وبرع في فنون من حديث وفقه ونحو تاريخ وأدب، وكان يستحضر من الحديث كثيراً ومن الرجال ويذاكر من كتاب سيبويه ويميل إلى مذهب ابن حزم، ثم تحول إلى البادية فأقام بها يدعو إلى الكتاب والسنة، فاستجاب له حيار بن مهنا والد نعير فلم يزل عنده حتى مات. واستمر ولده نعير على إكرامه فكانت إقامته عندهم نحو عشرين سنة، فلما كانت وقعة ابن البرهان وبيدمر وقرط خشي على نفسه فاختفى بالصعيد ثم قدم القاهرة وقد ضعف بصره، ومات في أول ذي القعدة وكان شهماً قوي النفس له معرفة بأحوال الناس على اختلاف طبقاتهم، وكان كثير التطور يتزيا في كل قليل بزي غير الزي الذي قبله ومن شعره:
ما العلم إلا كتاب الله والأثر … وما سوى ذاك لا عين ولا أثر
إلا هوى وخصومات ملفقة … فلا يغرنك من أربابها هذر
فعد عن هذيان القوم مكتفياً … بما تضمنت الأخبار والسور
نقلت ترجمته من خط الشيخ تقي الدين المقريزي والعهدة فيه عليه.
стр. 2032
علي بن عبد الرحمن بن محمّد بن أحمد الربعي الرشيدي نور الدين نزيل القاهرة قدمها فاشتغل بالعلم ولازم البلقيني ثم الدميري ودرس بعده في الحديث بقبة بيبرس وكان قد فاق في استحضار الفقه فصار كثير النقل كثير البحث وكان يقظاً نبيهاً كثير العصبية؛ مات في شهر رجب وقد جاوز الخمسين ودرست بعده بالقبة للمحدثين.
علي بن عبد الرحمن الصرنجي نور الدين، سمع صحيح مسلم علي ابن عبد الهادي وسنن أبي داود على عبد القادر بن أبي الدر، سمعت منه قديماً وحديثاُ، وحدث في العام الماضي مع الشيخ نور الدين الأبياري بالسنن في البيبرسية وكان صوفياً بها، مات في شعبان.
стр. 2033
علي بن محمّد بن علي الدمشقي علاء الدين بن الحريري، ولد سنة تسع وثلاثين، واشتغل على مذهب الحنفية وتعانى حفظ السير والمغازي وكان يستحضر منها شيئاً كثيراً، وكان كثير اليسار فتزوج الشيخ شهاب الدين الغزي ابنته فماتت بعد أبيها بقليل.
علي بن مسعود بن علي بن عبد المعطي بن أحمد بن عبد المعطي المالكي أبو الحسن المكي الخزرجي، ولد سنة أربعين وسمع من عثمان
стр. 2034
بن الصفي الطبري سنن أبي داود، من إبراهيم بن محمّد بن نصر الله الدمشقي مشيخته وحدث بمكة، وكان مشاركاً في الفقه مع الديانة والمروءة، مات في تاسع المحرم.
علي بن مصباح الشيخ نور الدين، كان أحد الفضلاء في الفقه خيراً كثير الإطعام، نزل في زاوية بمنية الشيرج وتردد في القرى وتعانى الزراعة، مات في شوال وسط السنة وهو والد شمس الدين محمّد خال سيدي عبد الرحيم الأبناسي.
عمر بن محمّد الطرابلسي الشاعر الماهر نزيل القاهرة قدمها ومدح
стр. 2035
رؤساءها، ومات في شهر رجب عن نحو من خمسين سنة، أنشدني كثيراً من شعره.
فاطمة بنت أحمد بن محمّد بن علي بن محمّد بن علي بن عبد الله
стр. 2036
بن جعفر بن زيد الحسينية الحلية أم الحسن أخت الشريف نقيب الأشراف، ولدت سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين، سمعت على جدها لأمها جمال الدين إبراهيم ابن الشهاب محمود في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين، وأجاز لها المزي وجماعة وحدثت بحلب، قال القاضي علاء الدين: كانت عاقلة دينة وماتت في العشر الأول وقد جاوزت الثمانين سنة.
محمّد بن أحمد بن عبد الملك الدميري شمس الدين ناظر البيمارستان ومفتي دار العدل ولي الحسبة مراراً وكان عارفاً بالمباشرة وحصل من البيمارستان مالاً كثيراً جداً يوفره مما كان غيره يصرفه في وجوه البر وغيرها، فاتفق أن الناصر اخذ منه جملة مستكثرة في بعض تجريداته؛ مات في رمضان.
стр. 2037
محمّد بن أحمد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن أحمد بن علي بن محمّد بن سليم بن حناء المصري شمس الدين ابن عز الدين ابن شمس الدين ابن شرف الدين ابن زين الدين بن محيي الدين ابن بهاء الدين المعروف بابن الصاحب، ولد سنة أربع وستين، واشتغل قليلاً وتقدم في ديوان الإنشاء وناب في كتابة السر مدة وأقام بالشام زماناً، ثم درس بعد أبيه بالشريفية وغيرها وكان وجيهاً ذا مروءة وبر ومعروف؛ مات فجأة فيقال إنه سم، وله شعر وسط، ولم يكن يتصون، وينسب إلى تعاطي المنكر، والله أعلم بسره، وتمزق ماله من بعده، سامحه الله.
стр. 2038
محمّد بن أحمد الجرواني نزيل القاهرة، ولد سنة تسع عشرة، وكان يذكر أنه سمع من الحجار فلم نظفر بسماعه، وكان عارفاً بالوثائق وله فيها تصنيف، وخطه حسن، وله نظم يزعمه لكنه بغير وزن ولا معنى، وكان قد انتسب إلى الحسن بن علي وصار شريفاً، وكان يطعن في نسبه، ويقال إنه كان أولاً يكتب الأنصاري.
محمّد بن خاص بك التركي الحنفي بدر الدين كان ينسب إلى الظاهر
стр. 2039
بيبرس من جهة النساء وقد اشتغل في مذهب الحنفية فبرع وأخذ عن أكمل الدين وغيره، وكان يجيد البحث مع الديانة والمروءة والعصبية لمذهبه وأهله؛ مات في خامس شهر رجب وقد جاوز الخمسين.
محمّد بن علي بن محمّد بن عمر بن عيسى الشيخ شمس الدين ابن القطان المصري الشافعي وكان أبوه قطاناً وأخوه كذلك، واشتغل هذا بالعلم ومهر ولازم الشيخ بهاء الدين ابن عقيل فصاهره على بنت له من جارية وسكن مصر ودرس وأفتى وصنف وناب في الحكم بأخرة فتهالك على ذلك إلى أن مات في أواخر شوال، وكان أخبرني أن مولده بعد سنة
стр. 2040
ثلاثين، قرأت عليه وأجاز لي، وذكر أنه قرأ الأصول على الشيخ عماد الدين الأسنائي ولم يحصل له سماع في الحديث على قدر سنه، وقد حدث بصحيح مسلم بإسناد نازل وسمع معنا على بعض شيوخنا كثيراً وبقراءتي وكان ماهراً في القراآت والعربية والحساب.
محمّد بن محمّد بن عبد الوهاب المناوي المعروف بالطويل شمس الدين صهر كاتب السر فتح الله تقدم بجاه صهره فولي الحسبة وكالة بيت المال ونظر الأوقاف ونظر الكسوة وتنقلت به الأمور في ذلك، وولي الحسبة مراراً بالقاهرة، مات في شعبان وكان له بعض اشتغال ومشاركة ومعرفة بشيء من الهيئة وكان قليل العلم ووجد بخطه على محضر تسمع الدعوة
стр. 2041
وقد ناب في الحكم لما كان محتسباً وبعد ذلك.
محمّد بن محمّد بن محمّد بن النعمان بن هبة الله الهوي نزيل القاهرة كريم الدين، اشتغل قليلاً وولي الحسبة ببلده، ثم تزيا بزي الجندي وولي شد البلد وظلم وعسف، ثم قدم القاهرة وتقدم عند الناصر بالمسخرة فولي الحسبة مراراً، أولها في ثالث جمادى الآخرة سنة خمس وثمانمائة ومنادمة السلطان؛ ومات في شعبان، وولي الحسبة بعده زين الدين محمّد ابن شمس الدين الدميري، وكان يقال إن الهوي هو الذي أشار على السلطان بأن من مات لا يعطى وارثه ولو كان ولده من ميراثه شيئاً بل يؤخذ للديوان السلطاني، وتقدم بذلك ابن الهيصم فاتفق موت الهوي فعوملت
стр. 2042
تركته بذلك، أخبرني بذلك الصاحب بدر الدين ابن نصر الله.
محمّد بن سعد الدين محمّد بن نجم الدين محمّد البغدادي نزيل القاهرة شمس الدين الزركشي، مهر في القراآت وشارك في الفنون وتعانى النظم، وله قصيدة في العروض استحسنها القاضي مجد الدين الحنفي ويقال إنه شرحها، ونظم العواطل الخوالي ست عشرة قصيدة على ستة عشر بحراً ليس فيها نقطة، وقد راسلني ومدحني وسمعت منه كثيراً من نظمه، ولازمني طويلاً ورافقني في السماع أحياناً، وجرت له، في آخر عمره محنة؛ ومات في ذي الحجة.
стр. 2043
محمّد بن محمّد الشوبكي شمس الدين قدم دمشق وتفقه بها وتولى وظائف وخطابة مات في المحرم.
محمّد بن محمود بن بون الشيخ الخوارزمي الحنفي المعروف بالمعيد
стр. 2044
نزيل مكة، أعاد بدرس يلبغا بمكة فعرف بالمعيد، وأم بمقام الحنفية زيادة على ثلاثين سنة فإنه وليها سنة ثمانين، وحدث عن العفيف والنشاوري والأمين الأقشهري وغيرهما، وحج خمسين حجة، وكان عارفاً بالعربية مشاركاً بالفقه وغيره، وقد حدث بالإجازة العامة عن الحجار، ومات في جمادى الأولى وقد جاوز الثمانين.
محمّد بن أبي اليمن الطبري تقدم ذكر أبيه قريباً وكان هو يلقب
стр. 2045
زكي الدين ويكنى أبا الخير، أم في المقام، وقتل ليلاً خطأً، ظنه بعض العسس لصاً، فضربه فصادف منيته وله أربعون سنة.
وفيها مات ابن حمامة قارئ الحديث تحت النسر في رمضان. وشهاب الدين الزملكاني وعلاء الدين البانياسي ناظر الجامع الأموي وكان مشكوراً، وتمربغا المشطوب مطعوناً بحسبان وتمربغا
стр. 2046
الحافظي في المحرم، وتغرى برمش أستادار شيخ خامر عليه إلى الناصر فولاه الأستادارية بالشام، فبالغ في الظلم والعسف فسلطه الله عليه فصادره وعاقبه حتى مات، وقراجا الداودار ولي بعد قجاجق ثم ضعف فمات أول ما خرج الناصر إلى الشام في ربيع الأول، ومجد الدين عبد الغني
стр. 2047
ابن الهيصم كما تقدم.
وشاهين المحمدي الدويدار الشيخي تقدم في الحوادث وقرا كشك الحاجب بالقاهرة في شوال، وكان عين لإمرة الحج فمات قبل أن يخرج وأحمد بن أويس كما تقدم وإينال الجلالي ويقال له إينال المنقار،
стр. 2048
مات بغزة في شعبان لما دخلها مع شيخ ونوروز وكان يحب العلماء والفضلاء. . . . وشهاب الدين الدويداري كاشف الجيزة في حادي عشري شعبان وخلف موجوداً كثيراً جداً.
стр. 2049
خاتمة الطبع
لقد انقضى بحمد الله تعالى و حسن توفيقه طبع الجزء السادس من إنباء الغمر بأبناء العمر من تجزئة الدائرة في سلخ جمادى الأولى سنة ١٣٩٣ هـ الموافقة لليوم الأول من يوليو سنة ١٩٧٣ م.
و قد اعتى بتصحيحه وتحقيقه الفقير الى رحمة ربه الغنى السيد عبد الله ابن أحمد بن محمد المديحج العلوى الحسينى الحضرمي رئيس شعبة التصحيح سابقا بدائرة المعارف العثمانية وقد بذل فى تصحيحه وتحقيقه جهد المقل إذ ما لا يدرك كله لا يترك قله و الميسور لا يسقط بالمعسور.
وإن تجد عيبا فسد الخللا … فجل من لا عيب فيه وعلا
وقد ساعده العالم الفاضل الشيخ عبد القادر كامل الجامعة النظامية ومصحح دارة المعارف العثمانية.
وقد قابل أصوله الأربعة بعضها ببعض وعلق عليه منها ومن غيرها لا سيما الضوء اللامع فإن مصنفه قلما يكتفى بما فى الإنباء بل يزيد عليه زيادات مفيدة لها أهميتها فى المناقب والمثالب فقد يفصّل الإجمال الذي في الإنباء وقد يخصص العام الذى فيه وقد يقيد المطلق إلى غير ذلك من الماجريات التاريخية وقد نقل كثيرا من تراجم الضوء برمتها حرصا على إفادة طالب علم التراجم.
ويتلوه الجزء السابع وأوله سنة أربع عشرة وثمانمائة.
стр. 2050
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سنة أربع عشرة وثمانمائة
فيها دخل الناصر إلى القاهرة في ثاني عشر المحرم وزار القدس في طريقه ولم يفقد أحد ممن كان صحبته إلا ابن الفريخ الحكيم فإنه اغتيل
стр. 2051
في الطريق، وفي يوم وصوله إلى القلعة عزل زين الدين ابن الدميري من الحسبة، واستقر شمس الدين يعقوب الدمشقي وكان قد صاهر إلى تقي الدين بن أبي شاكر، وفي سادسه دخل تغرى بردى نائب الشام.
وفي الثامن منه دخل الأميران شيخ ونوروز دمشق فتلقاهما نائب الشام، وتوجه شيخ من دمشق إلى حلب. وتوجه قرقماش من حلب يريد صفد، وتوجه نوروز يريد طرابلس، فوصلا إلى مقر نيابتهما وحكما بما أرادا
стр. 2052
فقدم الخبر على الناصر في ربيع الأول أنهما خالفا ما حلفا عليه وأخرجا الإقطاعات لمن أرادا وأرسل كل منهما يحاصر بعض القلاع التي لم تدخل في نيابتهما، فتغير خاطر الناصر لذلك.
وفي الرابع والعشرين من المحرم وصل بكتمر جلق إلى القاهرة فتلقاه السلطان وخلع عليه وعلى دمرداش نظر المارستان على العادة، ودخل الناصر البلد وهما معه بخلعتيهما فدخل مدرسة جمال الدين وكانت قد غيرت من اسم جمال الدين لاسمه، ودخل دمرداش المارستان ومعه القاضي فتح الله كاتب السر وعليه خلعة أيضاً، واستناب الأمير ولد
стр. 2053
ناظر الجيش صلاح الدين بن بدر الدين بن نصر الله في النيابة عنه في المارستان.
وفي حادي عشر منه صرف صدر الدين ابن العجمي عن مشيخة التربة الظاهرية واستقر حاجي فقيه عوضاً عنه. وقبض على صدر الدين فسلم للأستادار بسبب أن الناصر لما أراد التوجه إلى الشام أودع عند
стр. 2054
كل شيخ من المشايخ المشهورين الذين جرت عادتهم بالتردد عشرة آلاف دينار فلما عاد أحضر كل أحد ما استودعه إلا صدر الدين واحمد بن اوحد وهو شيخ السرياقوسية، فأما ابن أوحد فضمن دركه ابن أبي شاكر فلم يلحقه عتاب، وأما صدر الدين فكان قد حج واستبضع بذلك المال بضاعة، فلما عاد قبض عليه وألزم ببيع تلك البضاعة فباعها بثمن بخس وبقي عليه من الوديعة قريب من ألفي دينار، فلم يزل في الترسيم إلى أن شفع فيه بعض الكبار فأطلق وبقي من المال زيادة على الألف فذهبت مجاناً.
وفي المحرم أراد الناصر بإشارة بعض القبط أن يأخذ من المدرسة الجمالية برحبة العيد ما بها من الرخام وكان عجباً في الحسن انتقاه جمال الدين من بيوت كبار وجعله فيها فعزم على ذلك فأشار عليه كاتب السر فتح الله أن يترك المدرسة على ما هي عليه لسوء السمعة في ذلك والتزم أن يصيرها ملكه ثم يوقفها هو فتنسب ويبطل منها اسم
стр. 2055
جمال الدين، فأصغى لذلك فتكلم فتح الله مع القضاة إلى أن صوروا له في ذلك صورة وحكموا بصحتها ومحوا اسم جمال الدين من المدرسة وأثبت اسم عبد الناصر وصارت الجمالية هي الناصرية، وذلك من أظرف ما يسمع، ولم يكن قصد فتح الله في ذلك إلا الخير على ما اطلعنا عليه من باطن القصة، ودخلها الناصر في أواخر المحرم وصلى بها وقرر من بها من المدرسين والطلبة على حالهم في الأغلب، واستقر دمرداش أتابك العسكر بالقاهرة وبكتمر جلق أميراً كبيراً بها وتكلم دمرداش هو وفتح الله في البيمارستان المنصوري.
وفي صفر جهز الناصر جماعة من الأمراء البطالين والمماليك إلى الشام على إقطاعات هناك ليكونوا عونا لنائب الشام فتوجهوا.
وفي حادي عشر منه استقر تقي الدين ابن أبي شاكر في نظر الخاص عوضاً عن مجد الدين عبد الغني بن الهيصم الذي مات في السنة الماضية.
وفي الرابع والعشرين منه قبض على يشبك الموساوي وقنباي
стр. 2056
رأس نوبة وكمشبغا المزوق في آخرين وسجنوا بالإسكندرية، وعزل تمراز من الإمرة وصيره طرخاناً وقرر له شيئاً يكفيه وخيره بين الإقامة بالقاهرة أو دمياط فاختار دمياط فأرسل إليهاا.
وفي أواخر صفر وردت هدية من مانويلي صاحب القسطنطينية وتدعى اصطنبول، وقرينها كتاب يصف محبته ويوصي بالنصارى من أهل ملته.
وفي أوائل صفر استقر سودون بن عبد الرحمن في نيابة غزة. وفي سلخ صفر انقطع طوغان الدويدار عن الخدمة خوفا على نفسه من واش وشى به أنه يريد الركوب على الناصر، فأرسل يلبغا الناصري ودمرداش فلم يزالا به حتى أصعداه إلى الناصر فعاتبه واعتذر فسلم له غريمه وخلع عليه، وفيه ارتفع الطاعون عن دمشق وما حولها
стр. 2057
وكان ابتدأ من شوال فأحصى من مات من أهل دمشق خاصة فكانوا نحواً من خمسين ألفاً، وخلت عدة من القرى وبقيت الزروع قائمة لا تجد من يحصدها.
وفي ربيع الأول أطلق أينال الساقي من سجن الإسكندرية وصرف شرباش كباشة عن الإمرة وأرسل إلى دمياط بطالا، وقبض الناصر على جمع كثير من المماليك الظاهرية ممن أتهمهم بالممالأة عليه وسجن جماعة بالبرج ثم ذبحهم بعد وقبض إلى خيرباك وقتل جماعة ممن سجن بالإسكندرية ثم بالغ في القبض عليهم بأنواع الحيل حتى زادت عدة المسجونين في رمضان على أربعمائة نفس. وفي صفر توجه موسى بن أبي يزيد بن عثمان بعد استيلائه على مملكة أخي سلمان بعد قتله إلى مملكة أخيه فاستخلف كرسجي على بلاد أبيه مراد واستعد لقتال أخيه
стр. 2058
فالتقيا في شعبان من هذه السنة.
وفي أول ربيع الآخر زوج الناصر أخته بيرم من أسنبغا الزردكاش وسيره شاد الشربخاناه، وكان يقال إن اسمه محمد وإنه شامي، فغير اسمه وصار إلى ما صار.
وفي الثالث عشر منه قرر فخر الدين عبد الغني بن أبي الفرج الذي
стр. 2059
كان ولي كاشف الوجه البحري ونائب قطيا في أستادارية الناصر وسلم له تاج الدين ابن الهيصم الأستادار وحواشيه، فبسط فخر الدين يده في الظلم وبالغ في ذلك كما سيأتي.
وفي هذه السنة دامت الحرب بين قرا يوسف وقرا يلك أكثر من شهر فقتل بينهما خلق كثير فخرب قرا يوسف بلاداً كثيرة لغريمه، وهرب غريمه إلى بعض الأماكن، فوصل الخبر إلى قرا يوسف بأن شاه رخ بن تمر قصد تبريز فترك أثقاله ورجع مسرعاً، فعاد قرا يلك فنهبها وتوجه لتخريب بعض بلاد غريمه، ووقع الفناء في شعبان في عسكر قرا يوسف فأرسل يطلب الصلح من قرا يلك، فلم يوافقه على ذلك ونهب سنجار وأخذ قفل الموصل وأوقع بالأكراد فافتدوا منه بمائة ألف وألف رأس غنم.
وفيها كانت الفتن والحروب بين التركمان، وغيرهم، فتوجه نائب عينتاب إلى قلعة الروم فقبض عليه طوغان نائبها واعتقله فلم يزل به شيخ نائب حلب حتى أفرج عنه وقبض نائب صهيون على نائب اللاذقية فقتله، وحاصر بعض التركمان أنطاكية فأسر نائبها واعتقله، وحاصر نوروز قلعة صهيون فصالحه أهلها على مال، واجتمع نوروز وشيخ على قتال
стр. 2060
العجل بن نعير ففر منها فاستولى على عانة، فبعث ابن قرا يوسف عسكراً فكسره ومضى إلى الأنبار فتخوف أهل بغداد منهم فأرسل م بالأمان، فنزل شيخ على سرمين ونوروز على جبلة وأرسل الناصر لما بلغه ذلك يعاتبهما وأرسل إلى شيخ يحذره بما فيه صنيعه وأمره أن يجهز يشيك العثماني وبردبك وقنباي الخازن دار محتفظاً بهم وأن يرسل سودون الجلب إلى دمشق فلم يوافق على ذلك فأرسل الناصر إلى دمشق يأمرهم بتحصين قلعة دمشق، فبالغ غرس الدين خليل أستادار الشام في المظالم بالشام وقرر الشعير على الجهات، واتفق شيخ ونوروز لما بلغهما تغير الناصر عليهما فأرسلا عسكرا إلى حماة لأخذها وراسلا قرا يوسف فسار أحمد الجنكي، أحد ندماء شيخ وبهلوان مملوك نوروز، فعاد جوابه في آخر شوال بما طاب به خاطرهما وأما الناصر فجد وعزم على السفر وبالغ في القبض على الناس في المصادرات ووقعت الشناعة بذلك وفحش أخذ أموال الناس بغير طريق ولا شبهة، وكل ذلك
стр. 2061
على يد فخر الدين الأستادار في ذلك على الحد، ثم أراد فخر الدين القبض على الوزير وناظر الخاص، فبادراه وقبضا عليه بعد أن استمالا الناصر على ذلك في حين غفلة منه، ففجيء الناس من الفرح مالا مزيد عليه، وكان فخر الدين قد استمال تاج الدين بن الهيصم الذي كان أستاداراً قبله وكلم السلطان فألبسه خلعة رضا، فلما قبض على فخر الدين قبض عليه أيضاً وأهين، فعوقب فخر الدين عند الوزير بأنواع العقوبات فلم يعترف بشيء ولم توجد له سوى ستة آلاف دينار وشيء كثير من جرار الخمر، فباعوها كل جرة بنصف دينار فحصل منها جملة مستكثرة.
واستقر منكلى أستادار جركس في الأستادارية الكبرى.
وفي العشر الأخير من رجب قبض الناصر على جمع كثير من الأمراء والمماليك منهم عاقل وإينال الصصلائي وأرغون وسودون الظريف وشرباش وسودون الأسندمري وجانيك، وقتل
стр. 2062
جماعة ووسط جماعة وسجن جماعة وكان السبب في ذلك أن مملوكاً أحضر ورقة فيها خطوط جماعة من الأمراء والمماليك أرادوا الفتك به فقبض على من وجد اسمه فيها، وكان كبيرهم جانم فوجده حينئذ في إقطاعه بالوجه البحري فجهز طوغان الدويدار، فاقتتلا في البر ثم على ظهر النيل في المراكب فانتصر طوغان فألقى جانم نفسه في الماء فرمي بالسهام حتى هلك فقطع رأسه.
وفي شعبان أمر الناصر بالقبض بدمشق على يشبك بن أزدمر وجماعة من الأمراء الذين يخشى منهم الممالأة على الناصر مع نوروز وشيخ، وكان تغرى بردى قد ابتدأ به مرضه فأرسل إلى قرقماش نائب صفد، فحضر فقبض على تمرار الأعور وخشكلدي وغيرهما وسجنهم بقلعة الصبيبة وفر يشبك بن أزدمر إلى نوروز، فاتفق هو وسودون الجلب
стр. 2063
وقويا عزم شيخ ونوروز على المخامره ومضى ما كل مرتاب، واستمال شيخ محمد بن دلغادر أمير التركمان، فمال: أحضر له عساكره، فولاه عينتاب وأرسل خلعاً ومالاً، ثم توجه شيخ إلى قلعة عمه وعدى الفرات ليوقع بالعربان، فغرق طائفة من أصحابه فأنشأ مركباً بناحية الباب قريباً من حلب طوله نحو ثلاثين خطوة، فأرسل نائب قلعة الروم جماعة فأحرقوه، وقبض في شوال بدمشق على ناصر الدين ابن البارزي وعلى شهاب الدين الحسباني لكونهما يكاتبان شيخ بالأخبار، فسجنا بقلعة دمشق في سابع عشر شوال، فتوجه تاج الدين محمد ابن الحسبابي إلى القاهرة يسعى في خلاص أبيه، فأمر بإطلاقه فأطلق في
стр. 2064
أواخر ذي الحجة، وقبض الناصر على جماعة من الأمراء والممالك فوسط بعضهم وشنق بعضهم، وذبح بحضرته مائة نفس من أكابر الظاهرية، منهم حزمان نائب القدس، وومغلباي ومحمد بن قشماش، وبالغ في ذلك حتى أنه ركب مرة إلى الصيد ورجع فأمر الوالي بقتل عشرة من مماليكه تخلفوا عن الركوب معه وعاد من الصيد فمر بشارع القاهرة وهو بثياب جلوسه في دون المائة وهو يطفح سكراً حتى يكاد لا يثبت على الفرس.
وفي أواخر ربيع الأول قبض على أحمد بن جمال الدين الأستادار وعلى أحمد وحمزة ولدى أخيه وعلى ناصر الدين أخي جمال الدين وجماعة من قرابتهم، فعوقبوا وطولبوا بالأموال، فمات ناصر الدين تحت العقوبة ولم يوجد له إلا شيء يسير، واستخرج من أحمد ابن أخيه ستة
стр. 2065
آلاف دينار، ثم خنق الأحمدان وحمزة ليلة السادس عشر من جمادى الأولى وقتل الثلاثة ظلماً.
وفي يوم السبت ثامن عشر شعبان كتب علم الدين ابن جنيبة أحد رؤساء الأطباء للناصر ورقة دواء مسهل، فأمره أن ينزل ويطوف على الأمراء والمباشرين ويعلمهم أن السلطان يشرب يوم الأحد دواء، فحمل كل منهم تقدمة فحمل الوزير ألفي دينار وأشياء كثيرة من المأكولات، وكذلك ناظر الخاص لكن دونه في النقد، والأستادار حتى المحتسب، وكان أول من سن ذلك من ملوك مصر واستمرت بعده في كل سنة عند دخول الورد؟ وفي شهر رمضان نادى المماليك بالأمان وأنهم عتقاء رمضان، فظهر منهم جماعة تزيد على الثلاثين فحضروا الخدمة فوعدهم بالخير، ووعدهم يوماً أن يخرج لهم خيولهم أو بدلها من الإصطبل، فلما اجتمعوا أمسكهم أجمع، وجلس يوماً آخر لتفرقة القرفلات فأمسك منهم جماعة، ثم ذبحوا في شوال.
وفي هذه السنة غلا الزيت الحار إلى بلغ الرطل تسعة.
وفي شوال توجه الناصر إلى الإسكندرية وشن الغارات على
стр. 2066
الجهات البحرية لنهب الأغنام والخيل والجمال حيث وجدت ودخل الناصر الإسكندرية في ثامن عشر شوال، فقدم عليه مشايخ تروجة بتقاديمهم فخلع عليهم، ثم أمسكهم وساقهم في الحديد واحتاط على أموالهم، فهرب باقيهم إلى برقة ورجع إلى القاهرة، وفي حال إقامته بالإسكندرية شكى المغاربة أنه يؤخذ منهم ثلث أموالهم في المكس ويؤخذ من الفريخ العشر، فغضب من ذلك وأمر أن لا يؤخذ من المغاربة إلا العشر، فشكر المسلمون له ذلك فكانت من حسناته النادرة وكانت حركته إلى الإسكندرية آخر سعده، فلما قدم وصل كتاب نوروز يعتذر عما بلغه عنه وقرينه فحضر آخر فيه شهادة أربعين رجلاً أنه مقيم على الطاعة، فلم يلتفت الناصر لذلك.
وفي نصف ذي القعدة أمر الناصر أن يكون الفلوس كل رطل باثني عشر درهماً، فغلقت الحوانيت فغضب السلطان وأمر مماليكه الجلبان بوضع السيف في العامة فشفع فيهم الأمراء فقبض على جماعة وضربوا بالمقارع وقتل رجلاً وشنقه بسبب الفلوس، ثم أنحل أمر الفلوس بعد النفقة ونودي في سادس عشر ذي الحجة أن يكون بستة الرطل على العادة الأولى، وفي أواخر الشهر ضرب الناصر عنق أحمد بن
стр. 2067
محمد ابن الطبلاوي بيده، ثم استدعى بنت صرق وهي إحدى زوجاته فذبحها بيده ولفها مع ابن الطبلاوي في بساط وأمر أن يدفنا في قبر واحد، وكان قد وشى بها أنها تتنكر وتخرج من القلعة فتنزل إلى ابن الطبلاوي المذكور.
وأنفق الناصر لنفقة السفر وخرج الجاليش في سابع عشري ذي القعدة، وخرج الناصر في الثامن من ذي الحجة وقد تباهى في ملابس عسكره وجر ثلاثمائة جنيب بسروج الذهب الثقيلة وبعضها مرصع بالجوهر وكنابش الزركش والعرقيات الحرير واللجم المسقطة وزهاء ثلاثة آلاف فرس ساقها جشارا، وأعقبها عدداً كثيراً من العجل التي تجرها الأبقار وعليها آلات الحصار، وبعدها خزانة السلاح على ألف جمل، وخزانة المال مختومة على أربع مائة ألف دينار، والمطبخ وفيه ثلاثون ألف رأس من الغنم وكثير من البقر والجاموس، والحريم في سبع
стр. 2068
محفات، حتى بلغ عدة الجمال التي تحمل ذلك ثلاثة وعشرين ألف جمل، واستقر يلبغا الناصري نائب الغيبة واسنبغا نائب القلعة، وكانت نفقة المماليك لكل واحد سبعون ناصرياً، وصرف للأمير الكبير خمسة آلاف دينار ومثلها لبكتمر، ولغيرهما من الأمراء الكبار لكل واحد ثلاثة آلاف دينار، ونحر الناصر الضحايا بالتربة الظاهرية تربة أبيه -، ورحل من التربة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة حادي عشر ذي الحجة في طالع اختاره له الشيخ إبراهيم بن زقاعة وسار ليلة السبت ثالث عشرة وأتفق في هذا اليوم اجتماع نوروز وشيخ بحمص وفر إليهما جمع كثير، ونادى الناصر بأن أحداً لا يرحل قبله فبلغه أن واحداً رحل
стр. 2069
قبله فركب بنفسه ووسط بحضرته ونصب مشنقة ذهب بها معه، فما وصل إلى غزة حتى قتل عدة من الغلمان بسبب ذلك، فلما نزل بغزة وسط عشرين نفساً من الظاهرية وهو لا يعقل من السكر، ففر أكثر العسكر منه، فبلغه في تلك الساعة أن الجاليش الذي تقدمه خامر عليه، فركب وجد في طلبهم وكان أمراء الجاليش وصلوا إلى دمشق في سادس عشري ذي الحجة ودخلوا إلى تغري بردى وهو في غاية المرض فأعلموه بسوء سيرة الناصر وخوفهم منه واجتماع كلمتهم على اللحاق بالأميرين وتوجهوا في آخر الشهر إلى جهتهما فخالفهم شاهين الزردكاش فقبضوا عليه، وجد الناصر في السير فلم يلحقهم فالبس عسكره وقد ظهرت عليه علامة الخذلان، ودخل دمشق وقت الزوال من سلح السنة، وكان بعد ذلك ما سنذكره في حوادث السنة الآتية.
وفي هذا السنة مات السلطان المنصور ويقال له الصالح حاجي
стр. 2070
ابن الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر وكان مقيماً بالدور السلطانية في قلعة الجبل منذ خلعه الظاهر في الثانية من سنة اثنتين وتسعين إلى أن مات في تاسع عشرة شوال بعد أن تعطلت حركة يديه ورجليه منذ سنين وعاش أزيد من أربعين سنة، قال العينتابي: كان شديد البأس على جواريه لسوء خلقه من غلبة السوداء ولم يزل مشغولاً باللهو والسكر.
وفيها قتل من الظاهرية مأتي أمير وخاصكي وجمدار وغيرهما نحو من سبعمائة رجل، أراد الناصر بإزالتهم توطيد ملكه فانعكس الأمر وكان قتلهم في الحقيقة من أعظم الأسباب في توطيد ملك الملك المؤيد فسبحان من بيده الملك.
وفيها قتل الأمير تمراز الناصري الذي ولى نيابة السلطنة بالقاهرة قتل بالإسكندرية، وكان لا بأس به، وكان من خواص برقوق، وأمر أربعين في زمانه، ثم أمر تقدمة في سنة اثنتين وثمانمائة، ثم ثيابه الغيبة في فتنة اللنك ثم ولي نيابة السلطنة في سنة تسع وثمانمائة وناب في الغيبة في سنة اثنتي عشرة ثم قبض عليه في أوائل هذه السنة وسجن بدمياط ثم بالإسكندرية ثم قتل في عيد الأضحى، وكان يحب العلماء ويكرمهم ويعتقد في الصالحين، وكان تركياً خالصاً حسن الصورة.
следующие страницы →