← История

История · id 26001

إنباء الغمر بأبناء العمر - ط الهندية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 236 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الجهات البحرية لنهب الأغنام والخيل والجمال حيث وجدت ودخل الناصر الإسكندرية في ثامن عشر شوال، فقدم عليه مشايخ تروجة بتقاديمهم فخلع عليهم، ثم أمسكهم وساقهم في الحديد واحتاط على أموالهم، فهرب باقيهم إلى برقة ورجع إلى القاهرة، وفي حال إقامته بالإسكندرية شكى المغاربة أنه يؤخذ منهم ثلث أموالهم في المكس ويؤخذ من الفريخ العشر، فغضب من ذلك وأمر أن لا يؤخذ من المغاربة إلا العشر، فشكر المسلمون له ذلك فكانت من حسناته النادرة وكانت حركته إلى الإسكندرية آخر سعده، فلما قدم وصل كتاب نوروز يعتذر عما بلغه عنه وقرينه فحضر آخر فيه شهادة أربعين رجلاً أنه مقيم على الطاعة، فلم يلتفت الناصر لذلك. وفي نصف ذي القعدة أمر الناصر أن يكون الفلوس كل رطل باثني عشر درهماً، فغلقت الحوانيت فغضب السلطان وأمر مماليكه الجلبان بوضع السيف في العامة فشفع فيهم الأمراء فقبض على جماعة وضربوا بالمقارع وقتل رجلاً وشنقه بسبب الفلوس، ثم أنحل أمر الفلوس بعد النفقة ونودي في سادس عشر ذي الحجة أن يكون بستة الرطل على العادة الأولى، وفي أواخر الشهر ضرب الناصر عنق أحمد بن

стр. 2067

محمد ابن الطبلاوي بيده، ثم استدعى بنت صرق وهي إحدى زوجاته فذبحها بيده ولفها مع ابن الطبلاوي في بساط وأمر أن يدفنا في قبر واحد، وكان قد وشى بها أنها تتنكر وتخرج من القلعة فتنزل إلى ابن الطبلاوي المذكور. وأنفق الناصر لنفقة السفر وخرج الجاليش في سابع عشري ذي القعدة، وخرج الناصر في الثامن من ذي الحجة وقد تباهى في ملابس عسكره وجر ثلاثمائة جنيب بسروج الذهب الثقيلة وبعضها مرصع بالجوهر وكنابش الزركش والعرقيات الحرير واللجم المسقطة وزهاء ثلاثة آلاف فرس ساقها جشارا، وأعقبها عدداً كثيراً من العجل التي تجرها الأبقار وعليها آلات الحصار، وبعدها خزانة السلاح على ألف جمل، وخزانة المال مختومة على أربع مائة ألف دينار، والمطبخ وفيه ثلاثون ألف رأس من الغنم وكثير من البقر والجاموس، والحريم في سبع

стр. 2068

محفات، حتى بلغ عدة الجمال التي تحمل ذلك ثلاثة وعشرين ألف جمل، واستقر يلبغا الناصري نائب الغيبة واسنبغا نائب القلعة، وكانت نفقة المماليك لكل واحد سبعون ناصرياً، وصرف للأمير الكبير خمسة آلاف دينار ومثلها لبكتمر، ولغيرهما من الأمراء الكبار لكل واحد ثلاثة آلاف دينار، ونحر الناصر الضحايا بالتربة الظاهرية تربة أبيه -، ورحل من التربة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة حادي عشر ذي الحجة في طالع اختاره له الشيخ إبراهيم بن زقاعة وسار ليلة السبت ثالث عشرة وأتفق في هذا اليوم اجتماع نوروز وشيخ بحمص وفر إليهما جمع كثير، ونادى الناصر بأن أحداً لا يرحل قبله فبلغه أن واحداً رحل

стр. 2069

قبله فركب بنفسه ووسط بحضرته ونصب مشنقة ذهب بها معه، فما وصل إلى غزة حتى قتل عدة من الغلمان بسبب ذلك، فلما نزل بغزة وسط عشرين نفساً من الظاهرية وهو لا يعقل من السكر، ففر أكثر العسكر منه، فبلغه في تلك الساعة أن الجاليش الذي تقدمه خامر عليه، فركب وجد في طلبهم وكان أمراء الجاليش وصلوا إلى دمشق في سادس عشري ذي الحجة ودخلوا إلى تغري بردى وهو في غاية المرض فأعلموه بسوء سيرة الناصر وخوفهم منه واجتماع كلمتهم على اللحاق بالأميرين وتوجهوا في آخر الشهر إلى جهتهما فخالفهم شاهين الزردكاش فقبضوا عليه، وجد الناصر في السير فلم يلحقهم فالبس عسكره وقد ظهرت عليه علامة الخذلان، ودخل دمشق وقت الزوال من سلح السنة، وكان بعد ذلك ما سنذكره في حوادث السنة الآتية. وفي هذا السنة مات السلطان المنصور ويقال له الصالح حاجي

стр. 2070

ابن الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر وكان مقيماً بالدور السلطانية في قلعة الجبل منذ خلعه الظاهر في الثانية من سنة اثنتين وتسعين إلى أن مات في تاسع عشرة شوال بعد أن تعطلت حركة يديه ورجليه منذ سنين وعاش أزيد من أربعين سنة، قال العينتابي: كان شديد البأس على جواريه لسوء خلقه من غلبة السوداء ولم يزل مشغولاً باللهو والسكر. وفيها قتل من الظاهرية مأتي أمير وخاصكي وجمدار وغيرهما نحو من سبعمائة رجل، أراد الناصر بإزالتهم توطيد ملكه فانعكس الأمر وكان قتلهم في الحقيقة من أعظم الأسباب في توطيد ملك الملك المؤيد فسبحان من بيده الملك. وفيها قتل الأمير تمراز الناصري الذي ولى نيابة السلطنة بالقاهرة قتل بالإسكندرية، وكان لا بأس به، وكان من خواص برقوق، وأمر أربعين في زمانه، ثم أمر تقدمة في سنة اثنتين وثمانمائة، ثم ثيابه الغيبة في فتنة اللنك ثم ولي نيابة السلطنة في سنة تسع وثمانمائة وناب في الغيبة في سنة اثنتي عشرة ثم قبض عليه في أوائل هذه السنة وسجن بدمياط ثم بالإسكندرية ثم قتل في عيد الأضحى، وكان يحب العلماء ويكرمهم ويعتقد في الصالحين، وكان تركياً خالصاً حسن الصورة.

стр. 2071

وفيها قتل خايربك وكان قد ناب في غزة وأعطى تقدمة. وفيها قتل يشبك الموساوي الأمير وكان أعطى تقدمة ثم ولى نيابة طرابلس وكان نائب غزة مدة طويلة، قال العينتابي: ظلم أهلها ظلماً فاحشاً وكان أفقم سبئ المعتقد رديء المذهب متجاهراً باللواط، قتل بالإسكندرية أيضاً. وفيها ناب الأمير جانم، كان قد أعطى تقدمة وناب في غزة وفي حماة وفي طرابلس، قال العينتابي: لم يشتهر عنه إلا كل شر، والأمير قزدمر الحسني كان أعطى تقدمة وتولى خازنداراً كبيراً ولم يكن به بأس - قاله العينتابي: وقنباي وأقبغا القديدي المعروف بدويدار يشبك كان مقدما عند يشبك ثم استقر عند الناصر دويدار صغيراً وأمره عشرة، وكانت له وجاهة ومعرفة ويقتدى برأيه في كثير من الأمور، قال العينتابي: كان يدعي الحكمة ووفور العقل مع خبث ومكر

стр. 2072

وحب لجمع المال ولم يشتهر عنه خير قط وحصل في أيام يشبك مالاً جماً، ثم لم يزل في ازدياد إلى أن مات في ليلة الخميس ثالث عشر شوال، وخلف شيئاً كثيراً تمول بعده منه جماعة واستولى السلطان على غالبه. وفي رجب رجم رجل تركماني بدمشق اعترف بالزنا وهو محصن وذلك بدمشق فكتف تحت القلعة وأقعد في حفرة فرجم حتى مات. وفيها مات علي بن محمد الأخميمي فكان يدعي أنه شريف وأصله بغدادي وقد ولى الوزارة وشد الدواوين وغير ذلك -. وفيها مات فيروز الطواشي وكان قد تقدم عند الناصر ومات في رجب، وكان شرع في مدرسة واشترى لها مكاناً بالغرابليين ليبني به ربعا وغيره فمات قبل الفراغ، فأقر الناصر وقفه ونقله من المدرسة إلى التربة وأضاف الوقف كله إلى مدرسته، فأخذ دمرداش العمارة بإنعام الناصر وشرع فيها ثم فجئه السفر، ثم آل أمرها إلى أن اشتراها زين الدين عبد الباسط في الدولة المؤيدية واسمها قيسارية وربعا فأتقن ذلك غاية الإتقان، وذلك في سنة ٨٢٣ فما بعدها.

стр. 2073

وفيها قتل سلمان - بضم السين المهملة - ابن أبي يزيد صاحب برضا وغيرها من بلاد الروم، واستولى على مملكته أخوه موسى بعد حروب وقعت بينهما. وفي هذه السنة في ربيع الآخر قبض على أحمد بن جمال الدين وعلى أحمد وحمزة ابني أخت جمال الدين وعلى شمس الدين وناصر الدين أخوي جمال الدين فصودروا وعوقبوا إلى أن مات في العذاب ناصر الدين وقتل الأحمدان وحمزة خنقاً. وفي ربيع الآخر وصلت طائفة من الجنوية إلى الإسكندرية فوجدوا طائفة من الكسلان فقاتلوهم، فخاف منهم أهل الإسكندرية وأغلقوا الأبواب، وبلغت عدة القتلى ألفي نفس، وأسر الكسلان من الجنويين رجلاً يقال له النساوي فأرسلوه إلى الناصر فألزمه بمائة ألف دينار فذكر أن ماله تحت حوطة الجنويين فقبض على تجارهم بالإسكندرية، فغضبوا وساروا بمراكبهم إلى الطينة فسبوا نساء وصبيانا وكانت بينهم وقعة كبيرة، فخرج طائفة من أهل دمياط لنجدتهم وكبيرهم محيي الدين

стр. 2074

ابن النحاس وكان ملازماً للجهاد بثغر دمياط، وفيه فضيلة تامة، وجمع كتاباً حافلا في أحوال الجهاد، فقتل في المعركة مقبلاً غير مدبر، وغنم الفرنج من أهل الطينة مالاً كثيراً ثم مضوا. وفي ذي القعدة في ثاني عشر منه نازل الفرنج الطينة أيضاً في أربعة أغربة، فقاتلهم المسلمون قتالاً عظيماً إلى الليل، فمضى الفرنج إلى الساحل القديم فنهبوا ما وجدوا فيه ورجعوا من الغد إلى القتال، فقدم في الحال غراب للمسلمين فاحتاط به الفرنج، فألقى من فيه من المسلمين أنفسهم إلى البحر فنجوا إلى البر بالسباحة، ثم وافى أناس من دمياط مقاتلة فتكاثر المسلمون على الفرنج واستنقذوا منهم الغراب المذكور بعد قتال شديد فانهزم الفرنج وقد قتل بعضهم - والحمد لله. وفي جمادى الأولى أمر السلطان بهدم مدرسة الأشرف شعبان ابن حسين التي على باب القلعة وجد الهدم فيها وكانت من أعظم الأبنية، وكان جمال الدين قد اشترى من أولاد الأشرف كثيراً من الآلات التي بنيت بها لأن الأشرف مات قبل أن تكمل فبسط يده في تحويل بابها فأخذ الشبابيك والأبواب والبوابة وكثير من الحجارة حتى الكتب الموقوفة فاستعان بالجميع في مدرسته، ثم جاء الناصر في هذه السنة فعكره مكان بقعتها، لأن المتغلبين صاروا يستعينون بها على حصار القلعة

стр. 2075

بالنزول فيها فهدمها، فصارت رابية عالية، وحول ما ينتفع به من حجارتها وأخشابها إلى الأمكنة التي يريدها، فبقيت كذلك إلى أواخر دولة المؤيد، فأمر بعمارتها مارستانا وسكن به بعض المرضى، ومات المؤيد فحولوه بعده جامعاً ومنزلاً للواردين، وأمر في هذا الشهر أيضاً بهدم الدور الملاصقة لصور القلعة تحت الطبلخاناة وغيرها، فهدمت من ثم باب القرافة وتشتت سكانها. وفيه ختم على جميع الحواصل التي يظن أن بها فلوسا بالقاهرة، وندب الناصر لذلك أحمد بن الطبلاوي والي القاهرة قبل قتله ومجد الدين سالم بن سالم قاضي الحنابلة ففتحا حواصل الناس ونقلا ما فيها من الفلوس وأعطيا لكل واحد ثمن فلوسه ذهبا في كل قفة ثلاث ناصرية وكان قيمتها يومئذ ثلاثة وثمن، فجمع منها شيء كثير، فكان ذلك هو السبب في مناداته عليها في كل رطل باثني عشر درهما كما تقدم، ويقال إن الذي أخبره برخص الفلوس وإن قيمتها قبل ذلك كانت تقتضي أن يكون كل

стр. 2076

رطل بعشرين درهماً الشيخ سراج الدين البهادري أحد الأطباء، فجره إلى ذلك الطمع الكامن في نفسه قبل ذلك إلى أن نادى عليها باثني عشر، فلم يمش له ذلك إلا بالمشقة فترك بعد أن حصل من البلاد ما حصل. وفيها كانت بين الحجاج من أهل دمشق وبين العرب بناحية زيزا محاربة، فجرح أمير الحاج ومات من تلك الجراحة. وفيها مات صاحب الهند غياث الدين أبو المظفر أعظم شاه بن اسكندر شاه بن شمس الدين صاحب بنكاله.

стр. 2077

وفيها قتل وزيره يحيى بن عرب شاه ويلقب جان جهان. وفيها مات مرجان زمام الملك الأشرف ثم الناصر صاحبا اليمن وقد ولي إمرة زبيد. وفيها قتل وبير بن نخبار بن محمد عقيل بن راجح بن إدريس ابن حسن بن قتادة الحسني أمير ينبع، وليها أزيد من عشرين سنة وقتل أخوه مقبل وابنه على قتلى كثيرة ممن اتهموهم بقتله لأنه قتل غيلة، واستقر في إمرة ينبع بعده أخوه مقبل منفرداً، واستمر إلى أن خلع بعده بضع عشرة سنة، واستقر عقيل ابن وبير مكانه كما سيأتي. وفيها كان السعيد محمد بن أبي فارس بن عبد العزيز بن أبي سالم

стр. 2078

إبراهيم المريني يحاصر فأس وبها أبو سعيد بن أحمد بن أبي سالم، فهزمه أهل فأس بعد شهرين وذلك في صفر منها ووقع الإفساد في الزروع وقوى القوى على الضعيف واشتد الغلاء وكان الأردب عندهم بربع دينار فارتفع بعد ذلك أضعاف مضاعفة، ثم رجع السعيد إلى حصار فأس وقد انتهبت الأعمال والنواحي في ربيع الآخر وحصرها نحواً من عشرين يوماً ثم هزموه فتوجه إلى سلا ثم جمع عسكراً ورجع في شعبان وحصر البلاد وبنى مقابلها مدينة سماها المنصورة وانقضت السنة وهو على ذلك تم ملك البلد، ثم قام عليه عبد الواحد بن أبي حمو واسمه موسى، وفر السعيد إلى تونس فهلك ببلد العناب، وطالت مدة عبد الواحد وسنذكر أمره في سنة سبع وعشرين إن شاء الله تعالى. ذكر من مات في سنة أربع عشرة وثمانمائة من الأعيان إبراهيم بن أحمد بن حسين الموصلي ثم المصري نزيل مكة، أقام

стр. 2079

بها ثلاثين سنة وكان مالكي المذهب، يتكسب بالنسخ بالأجرة مع العبادة والورع والدين المتين وكان يحج ماشياً من مكة ومات بها، أثنى عليه تقي الدين المقريزي. إبراهيم بن أبي بكر الماحوزي الأصل ثم الدمشقي تفقه قليلاً

стр. 2080

وسلك طريق التصوف مع الدين المتين وكان كثير المال ولا يقبل لأحد شيئاً وينهى أصحابه أن يأكلوا لأحد شيئاً، وكانت تلك طريقة والده الشيخ أبو بكر الموصلي، وكان للناس فيه اعتقاد زائد وقل أن يرد أحد من الأمراء رسالته وكان لا يمشي لأحد مطلقا مع الثروة الزائدة مات راجعاً من الحج في المحرم ودفن بتبوك لم يبلغ الستين، وكان قد حج عشرين حجة وفي كل مرة يحصل للناس به النفع الزائد رحمه الله تعالى. أحمد بن إبراهيم بن محمد صاحب مصنف الجهاد. أحمد بن عبد الله الرومي ويعرف بالشيخ صارو وهو الأشقر بالتركية، قدم من بلاده فعظمه نائب الشام شيخ قبل أن يتسلطن،

стр. 2081

ثم صار من خواصه ثم سكن الشام وكان يقبل شفاعته ويكرمه وولاه عدة وظائف وكان كثير الإنكار للمنكر، وقد حج وجاور ومات في شعبان بحلب عند شيخ لما ولى نيابتها وقد شاخ. أحمد بن علي أحمد بن محمد بن سليمان بن حمزة الدمشقي ثم الصالحي الحنبلي شهاب الدين ابن فخر الدين ابن نجم ابن عز الدين خطيب الجامع المظفري. أحمد بن محمد بن مفلح الصالحي الحنبلي شهاب الدين أخو الشيخ تقي الدين، ولد سنة ٧٥٤ واشتغل قليلاً وسمع من جماعة، ثم انحرف وسلك طريق الصوفية والسماعات، ومات أبوهما الشيخ شمس الدين سنة ثلاث وستين. أحمد بن محمد بن أبي القاسم الحوراني ثم العثماني شاهد المطبخ

стр. 2082

السلطاني كان محبا في أهل الخير، مات في ثالث ربيع الأول، وكانت مباشرته للمطبخ من أول دولة الأشرف فأقام في الوظيفة المذكورة نحو خمسين سنة. أعظم شاه غياث الدين ابن اسكندر شاه ابن شمس الدين السجستاني الأصل ملك الهند كان غلبة سلفه على دلى بعد رجوع اللنك، وكان اللنك لما دخل الهند حاربه يلو مملوك فيروز شاه بن نصرة شاه ثم انهزم يلو فلما رجع اللنك عاد إليها يلو فخرج عليه خضر خان بن سليمان فقتله وقبض على نائبه دولة يار واستولى خضر على المملكة فلما مات قام بعده ولده مبارك شاه في ملك دلى وقام شمس الدين السجستاني في ملك بنكالة ثم مات فقام بعده ابنه اسكندرشاه ثم قام بعده ابنه أعظم شاه - وكان له حظ من العلم والفهم والخير، وهو الذي أنشأ المدرسة البنكالية بمكة والبنكالية الأخرى بالمدينة وكان له معروف كثير.

стр. 2083

ومات في سنة أربع عشرة، وملك ابنه حمزة بعده فثار عليه مملوكه شهاب وقتله فسلط عليه فندوا ملك الكفرة فقتله، ثم ثار ولد فندو عليه فقتله وتسمى محمداَ وأسلم ويلقب جلال الدين أبا المظفر وجدد مآثر من شعائر الإسلام والمساجد، وأرسل إلى مكة بأموال يتصدق بها سنة اثنتين وثلاثين، ثم أرسل هدية إلى مصر بعدها وطلب التقليد من الخليفة، فجهز مع رسوليه سهمك وترغوب في سنة ثلاث، فأعاد جوابه سنة أربع وصحبته مال للخليفة وللسلطان هدية. أقبغا القديدي وتمراز الناصري وجانم وحاجي بن الأشرف شعبان تقدموا في الحوادث. حسين بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الأذرعي ثم الصالحي بدر الدين ابن قاضي أذرعات تفقه في صباه على الشرف ابن الشريشي والنجم بن الحاني وتعانى الأدب وفاق في الفنون ودرس وأفتى وناظر، وناب في

стр. 2084

الحكم ثم تركه تورعاً وولى عدة إعادات وهو ممن أذن له البلقيني بالإفتاء لما قدم الشام سنة ثلاث وتسعين وكان يثني عليه كثيراً، ودخل القاهرة بعد الكائنة العظمى، وكانت بيننا مودة، سمعت منه نظما وسمع مني، وكان بأخرة قد انجمع الناس، مات بالطاعون في المحرم رحمه الله تعالى. خابرك تقدم في الحوادث. خليل بن عبد الله الأذرعي المعروف بالقابوني، كان صالحاً مباركاً منقطعاً عن الناس مثابراً على العبادة قليل الكلام كثير الحج مع فقره، وكان الناس يأتمنونه على الصدقات التي يريدون إرسالها إلى مكة، وكان أهل مكة يستبشرون به إذا حج لكثرة إحسانه م، وكان للشاميين فيه اعتقاد زائد، مات في صفر بالطاعون وله ثلاث وستون سنة، وحضر الناس جنازته حتى النائب، وقد نسخ الكثير للناس وخطه حسن. عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أبي الوفاء الشاذلي أبو الفضل ابن

стр. 2085

الشيخ شهاب الدين، اشتغل في صباه قليلاً، وتعانى النظم فقال الشعر الفائق، وكان ذكياً حسن الأخلاق لطيف الطباع، غرق في بحر النيل هو ومحمد بن عبيد اليشكالشي وعبد الله بن أحمد بن محمد التنيسي جمال الدين قاضي المالكية وابن قاضيهم، ومن نظمه أراه في مرثية محبوب له: مضت قامة كانت أليفة مضجعي … فلله ألحاظ لها ومراشف ولله أصداغ حكين عقاربا … فهن على الحكم المضي سوالف وما كنت أخشى أمس إلا من الجفا … وإني على ذاك الجفا اليوم آسف رعى الله أياماً وناسا عهدتهم … جياداً ولكن الليالي صيارف ومن نظمه غزل قصيدة على هذا الروي:

стр. 2086

وبي ذهبي الخد صيغ لمحنتي … يطيل امتحانا لي وما أنا زائف يذيب فؤادي وهو لا غش عنده … فيا ذهبي اللون إنك حائف وفي فمه شهد وشهد مكرر … وفي خده ورد وورد مضاعف له أعين أني رأته توابع … وأعينه أيضا لقلبي خواطف عبد السلام بن محمد الزرعي أحد سكان المجاهدية بدمشق، كان خيرا أمينا موثوقاً به، قرأت ذلك بخط ابن حجي، مات في أواخر السنة. عبد الوارث بن محمد بن عبد الوارث البكري المالكي أخو الشيخ نور الدين المقدم ذكره ونسبه في سنة ست وثمانمائة مات فيها بينبع راجعاً من الحج في المحرم. عقيل بن سريجا بن محمد الملطي الأصل المارديني نزيلها قطب الدين أبو عبد القاهر بن المحقق زين الدين، اشتغل على أبيه وحدث عنه بشيء من تصانيفه بحلب. قال القاضي علاء الدين في تاريخ حلب: كان شيخاً حسناً على الكهولة أقرب، قدم علينا بلادنا سنة ثمان

стр. 2087

وتسعين، فكتب عنه شيخنا برهان الدين شيئاً من نظم أبيه الشيخ سريجا، وتكلم على الناس بالجامع الكبير وكان كثير الاستحضار، ورجع إلى بلاده بحصن كيفا فمات هناك في هذه السنة ومن إنشاده عن أبيه: حفظ الحديث رواية ودراية … وعلومه تسند إلى الإيمان لا جاحد في من حداه على الفتى الن … حرير بعد تلاوة القرآن وهي طويلة. علي بن سيف بن علي بن سليمان اللواتي الأصل الأبياري النحوي المصري نزيل دمشق، ولد سنة بضع وخمسين بالقاهرة ونشأ بغزة يتيما فقيرا فحفظ التنبيه، ثم دخل دمشق فعرضه على التاج السبكي فقرره في بعض المدراس وأستمر في دمشق وأخذ عن العنابي وغيره ومهر في العربية وشغل الناس بدمشق وأدب أولاد ابن الشهيد وقرأ عليه التفسير، وسمع من الكمال ابن حبيب وابن أميلة وغيرهما، وكان خازن كتب السمساطية، وحصل كثيرا من الوظائف والكتب، وفاق في حفظ اللغة وعني بالأصول فقرأ مختصر ابن الحاجب دروساً على المشايخ، وأكثر مطالعة كتب الأدب وصار يستحضر من الأنساب والأشعار والأخبار شيئاً كثيراً، ولم يتزوج قط ثم نهب جميع ما حصله في فتنة اللنك وكان عارفاً بأيام الناس حسن الخط كثير الأنجماع دخل القاهرة بعد الكائنة

стр. 2088

العظمى فأقام بها وحصل كتباً، ثم قدم دمشق ثم رجع فعظمه تمراز وكان يومئذ نائباً وتعصب له ففوض له مشيخة البيبرسية بعد موت النسابة فعارضه جمال الدين الأستادار وانتزعها منه لأخيه شمس الدين البيري ثم قرره في تدريس الشافعي بعد موت جلال الدين ابن أبي البقاء، فعارضه جمال الدين أيضاً وانتزعها منه لأخيه وعوضه تدريس الشيخونية، فدرس بها يوما واحداً ثم نزل عنها لي بمال واستمر على انجماعه، وحدث بالبيبرسية بسنن أبي داود وجامع الترمذي عن ابن أميلة وبغير ذلك، وحدث بالفصيح بسماعه من ابن حبيب، وسمعت منه يسيراً، وكان فقير النفس شديد الشكوى، وكلما حصل له شيء اشترى به كتباً، ثم تحول بما جمعه إلى دمشق في هذه السنة، وذكر لنا القاضي علاء الدين أنه قرأ عليه جزأً جمعه شيخه العنابي في الفعل المتعدي والقاصر وأنه لم يستوعبه كما ينبغي، قال: وذكر أن في الإصبع أحد عشر لغة فأنشدته البيت المشهور وفيه عشرة وطالبته بالزائدة فلم يستحضرها ولكنه صمم على العدد، وذكر لي أنه جمع جزأ في الرد على تعقبات أبي حبان لكلام ابن مالك - انتهى ومات بالشام في ذي الحجة عن نحو سبعين سنة، وتفرقت كتبه شذر مذر.

стр. 2089

علي بن محمد بن علي بن عبد الله الحلبي علاء الدين ابن القرمي نشأ بدمشق واحترف بالنسخ وبالشهادة، ثم وقع على الحكام وناب في الحكم عن البرهان الصنهاجي المالكي، وولى قضاء المجدل وتوقيع الدست ثم قضاء غزة بعناية فتح الله وكان صديقه قديما، ثم ولى قضاء دمياط مضافاً لغزة ومشيخة البيبرسية بالقاهرة، وخطابة القدس، وكان متواضعاً بشوشاً كثير المداراة والخدمة للناس ولا يمر به أحد بغزة إلا أضافه وخدمه وراح وهو يشكره، وقد سمع في صباه ابن أميلة وجماعة من أصحاب الفخر وابن القواس على ما أخبرني به، وكانت بيننا مودة مات في آخر السنة. فيروز الخازندار الرومي، تربى مع الناصر فرج من صغره فاختص به، وكان جميل الصورة نافذ الكلمة، ولى نظر الخانقاه بسرياقوس، ومات في تاسع رجب وهو شاب، وكان عمر أماكن كثيرة ووقف وقفا على تدريس بالأزهر وغيره، فاستولى الناصر على جميع أوقافه فصيرها للتربة الظاهرية.

стр. 2090

قاسم بن أحمد بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين ابن يوسف ابن محمود الحلبي الأصل العينتابي الكتبي أحد الفضلاء في الحساب والهندسة والنجوم والطلسمات وعلم الحرف والطب، وكان مفرطاً في الذكاء، وهو ابن أخي القاضي بدر الدين العينتابي، وهو الذي ترجمه وذكر أن مولده في سنة ست وتسعين، ومات في رابع عشر المحرم مطعوناً بمصر وصلى عليه بجامع الأزهر، قال: وكان له صديق يقال له خليل بن إبراهيم الخياط من أهل بلده فقال لما رأى جنازته وقد صلى عليها من حضر صلاة الجمعة: يا رب اجعلني مثله فمات ليلة الجمعة المقبلة وصلى عليه كما صلى على صديقه وعاش أبو قاسم بعده مدة -. قزدمر الحسني تقدم في الحوادث. محمد بن إسماعيل بن يوسف بن عثمان الحلبي الشيخ شمس الدين الناسخ المقري كان دينا خيراً يتعانى نسخ المصاحف مع المعرفة بالقراآت أخذ عن أمين الدين ابن السلار وغيره، واقرأ الناس وانتفعوا به، وقد جاور بالحرمين نحو عشر سنين ودخل اليمن فأكرمه ملكها، وكان

стр. 2091

قد بلغ غاية في حفظ القرآن بحيث أنه يتلو ما شاء منه ويسمع في موضع آخر ويكتب في آخر من غير غلط، شوهد ذلك منه مرارا، مات في ربيع الآخر وقد جاوز السبعين، وهو عم شرف الدين أبي بكر الموقع المعروف بابن العجمي. محمد بن خليل بن محمد العرضي الشيخ شمس الدين الغزي، ولد قبل سنة ستين، واشتغل بالفقه فمهر فيه إلى أن فاق الأقران وصار يستحضر أكثر المذاهب مع المعرفة بالطب وغيره مات في جمادى الأولى. محمد بن عبيد بن عبد الله البشكالسي المالكي زين الدين، كان أبوه من أعيان أهل مذهبه وناب في الحكم، وأفتى وحدث عن عز الدين ابن جماعة وغيره، ونشأه ولده هذا ذكياً فاشتهر ذكره بالفضل، وكان يتعاشر مع جماعة من الفضلاء فاتفق أنهم توجهوا إلى شاطئ النيل فركبوا شختوراً فانقلب بهم فغرقوا.

стр. 2092

محمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان بن جعفر بن محمد بن عدنان ابن جعفر الحسيني الشريف ناصر الدين ابن كاتب السر، وكان فاضلاً ماهراً في الأنساب كثير الاشتغال إلا أنه جامد الذهن، وكان كثير التقشف لا يتعاني الملابس ولا المراكيب، سمع معنا كثيراً، وكانت بيننا مودة، وكان أعجوبة زمانه في السعي كثير الدهاء، دخل القاهرة مرارا بسبب السعي لأبيه في كتابه السر فكان غالبا هو الغالب، وحصل لنفسه في غضون ذلك كثير من الوظائف والتداريس والأنظار، وكان يتبرأ من التشيع ويتهم به: قال ابن حجي: كان دينا صينا لا تعرف له صبوة، وقد عين لكتابة السر فلم يتفق ذلك، ومات في صفر بالطاعون وله سبع وثلاثون سنة. محمد بن علي بن عمر بن علي بن محمد الدمشقي المعروف بابن الأريلي سبط ابن الشريشي، مات في المحرم. محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن يوسف الدمشقي فتح الدين بن الشيخ شمس الدين ابن الجزري نزيل بلاد الروم ثم دمشق، باشر الأتابكية بدمشق إلى أن مات في صفر مطعوناً، وكان جيد الذهن يستحضر كثيراً من الفقه ويقرئ بالروايات ويخطب جيداً، ترجمه ابن حجي فقال: وكان

стр. 2093

ذكيا جيد الذهن يستحضر التنبيه ويقرأ بالروايات، أخذ ذلك عن أبيه وعن الشيخ صدقة وغيرهما، ومات في صفر مطعوناَ ولم يكمل الأربعين، وقد رأيته بالقاهرة، هو ولد صاحبنا الشيخ شمس الدين، وعاش بعده دهراً، وكان قد تسحب من أبيه لما توجه إلى بلاد الروم، ثم حضره إلى القاهرة برسالة ابن عثمان بسبب المدرسة الصلاحية وكانت مع والده، فوثب عليها بعده القمني فنازعه فتعصب للقمني جماعة فغلب ابن الجزري، فنازع جلال الدين ابن أبي البقاء في تدريس الأتابكية ونظرها، فلم يزل إلى أن فوضها له برغمه، ثم تصالحا وفوضها له باختياره، وباشرها إلى أن مات. محمد بن مسكين بن مسعود الشبراوي اشتغل كثيراً وكان مقتدرا على الدرس فدرس كتاب الشفاء وعرضه، ثم درس مختصر مسلم للمنذري ولم يكن بالماهر مات في سلخ السنة.

стр. 2094

محمد بن الحنبلي شمس الدين شاهد القيمة، وكان من كبار الحنابلة وقدمائهم وكان ورعاً قليل الكلام على سمت السلف مات في رابع ربيع الأول وقد بلغ الستين. هود بن عبد الله المحابري الدمشقي، مات في أوائل السنة. يحيى بن محمد بن حسن بن مرزوق المرزوقي الجبلي - بكسر الجيم وسكون الباء الموحدة - الشافعي اليمني، تفقه على رضى الدين ابن الرداد وسمع من علي بن شداد واشتغل كثيراً وكان عابداً ديناً خيراً، يتعانى السماعات على طريق الصوفية ويجتمع الناس؛ عنده لذلك، مات في جمادى الآخرة وقد بلغ ثمانين سنة. يشبك الموساوي تقدم في الحوادث.

стр. 2095

يوسف بن أحمد بن عبد الله بن الصائغ وهو لد شيخنا أبي اليسر المقدم ذكره قريباً وكان ثقيل البدن خفيف الروح كثير المجون حسن المذاكرة، ولي تدريس الدماغية ونظر الرباط الناصري، مات في المحرم. يوسف بن محمد النحاس جمال الدين المعروف بابن القطب الحنفي، وكان يجلس في الشهود ثم ولى الحسبة مرة ثم ناب في الحكم، ثم سعى في القضاء بعد فتنة اللنك فوليه مرارا، وكان عربا عن العلم وباشر مباشرة غير محمودة، مات في المحرم لم يكمل السبعين. سنة خمس عشرة وثمانمائة استهلت والناصر قد رحل في آثار الأمراء الذين خامروا عليه، فدخل دمشق كما قدمنا في سلخ السنة الماضية وخرج منها في سادسه، ووقع في أول يوم منه تقرير ابن الكشك في قضاء الحنفية وكان

стр. 2096

عماد الدين ابن القصاص قاضي الحنفية بحماة، قد جرت له مع يشبك ابن أزدمر وكائنة قبيحة جدا فخرج من حماة إلى دمشق فبذل لنوروز نائب الشام مالاً فولاه قضاءها، ثم عزل فتوجه إلى مصر فقرره طوغان وهو بغزة في قضاء الشام فوصل إلى دمشق، فلم يتمكن من المباشرة لدخول الشريف ابن بنت عطاء بتوقيع قضاء الحنفية بدمشق فباشر، ثم دخل الناصر دمشق فأعاد ابن الكشك، فولى قضاء دمشق ثلاثة أنفس في عشرة أيام، وأفرج الناصر عن ناصر الدين ابن البارزي ونكباي الحاجب وسار إلى جهة حمص وقد بلغه أن الأمراء دخلوا بها، فبلغه أن الأمراء رحلوا

стр. 2097

إلى بعلبك فوصل إليها، فوجدهم قد توجهوا إلى البقاع على جهة وادي التيم لقصد القاهرة فتوجه إليهم، فمضوا إلى جهة الصبيبة وهو يتبعهم حتى نزلوا باللجون، فأشار عليه نصحاؤه أن يرجع إلى دمشق حتى يستريح العسكر ثم يتوجه م فيأخذهم من الصبيبة، فأبى ولج في طلبهم وظن أنهم في قبضته وأن الذي أشار عليه بذلك غشه وأتهمه لهواه فيهم، ثم ركب في ساعته وساق فما وصل إلى اللجون حتى تقطعت عساكره ولم يبق معه إلا اليسير، وذلك في ثالث عشر المحرم، وكان الأمراء قد دخلهم الخوف منه فعزموا على أن يتوجهوا في الليل من وادي عارا إلى جهة الرملة ثم يقصدوا حلب من طريق البرية ولم يخطر لهم أن يقاتلوه خوفاً منه وعجزاً عنه، فساعة وقوع عينه عليهم حمل واقتحم فيهم، فارتطمت خيول الذين معه في وحل كان هناك وخامرت طائفة منهم فقتل في المعركة مقبل الرومي وكان الناصر قد فسخ عقد أخته من

стр. 2098

نوروز وزوجها لمقبل، فقصده نوروز فقتله في المعركة وقتل الطنبغا سقل وجرح سكب فمات من جراحه بعد ذلك بأيام، ووقعت في الناصر جراحة فانهزم راجعاً إلى دمشق، فأشار عليه بعض من ينصحه أن يتم مستمراً إلى القاهرة، فامتنع لما أراد الله من هلاكه وتوجه إلى دمشق فأدركه الليل في بيت تركماني فعرفه فأنزله عنده وكان معه حينئذ ثلاثة أنفس فأقام في الليل يسيراً حتى استراح، ثم قدم له التركماني حجرة وكان فرسه قد أعيا فركبها ووعده بمال وإقطاع وتوجه إلى دمشق فتحصن بالقلعة، واحتاط الأمراء بالخليفة والقضاة وكاتب السر وناظر الجيش وبجميع ما كان مع الناصر من المال والخيل مما لم يتركه محتسبا، فانتقل الأمراء من الخوف إلى الأمن ومن الذل إلى العز، وتقدم شهاب الدين الأذرعي أمام شيخ وهو ابن أخي بدر الدين ابن قاضي أذرعات فصلى بالقوم المغرب فقرأ واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فاوئكم وأيدكم بنصره - الآية فوقعت الموقع لمناسبة الحال وأصبح الأمراء ورأسهم شيخ ونوروز فاشتوروا فيما يفعلونه وكان كاتب السر فتح الله قد خاف من الناصر فأشار عليهما

стр. 2099

أن يكتبا إلى القاهرة بما اتفق بحفظ القلعة والبلد ويكتب الخليفة بمثل ذلك، وتوجه قجقارا القردمي بذلك فوصل آخر الشهر، ورحل الأمراء إلى دمشق فوصلوا في نصف المحرم، وكان الناصر قدم تلك الليلة وطلع القلعة واستدعى القضاة والأعيان، ورغبهم فيما لديه ووعدهم بالعدل والجميل فمالوا معه وشجعوه، فتلاحق به العسكر شيئاً بعد شيء، ووجد تغري بردى نائب الشام قد مات في ذلك اليوم فقرر عوضه دمرداش، واخذ بالاستعداد وأخرج الأموال والسلاح، فاجتمع له جمع كثير وانفق فيهم، وقواهم بالمدافع والمكاحل ورفع

стр. 2100

الجسور عن الخنادق، وأمر القضاة أن يركبوا مع القاضي جلال الدين البلقيني وكان قد تقدم قبل الوقعة إلى دمشق وينادي بأن الناصر قد أبطل المكوس وأزال المظالم، ويطلب منهم الدعاء، فتعصب له عوام الشام، فلما كان في الثامن عشر من المحرم نزل الأمراء قبة يلبغا، فندب الناصر لهم عسكراً فخرج م سودون الجلب وسودون المحمدي فهزموهم ثم ارتحلوا فنزلوا غربي البلدة ووقفوا من جهة القلعة فتراموا بالنشاب، ثم نزل نوروز بدار الطعم وشيخ بدار غرس الدين الأستادار وضم معه الخليفة وكاتب السر والقضاة ونزل بكتمر جلق وقرقماش، فمنعوا الميرة عن الناصر وقطعوا نهري دمشق، فتعطلت الحمامات وغلقت الأسواق وعظم الأمر واشتد القتال وكثرت الجراحات. وفي ثالث عشري المحرم لحق بالأمير شيخ ناصر الدين ابن العديم

стр. 2101

قاضي الحنفية وشهاب الدين الباعوني وشهاب الدين الحسباني وكانوا بالصالحية. وناصر الدين البارزي وصدر الدين الأدمي وكانا من أخصاء شيخ فأنس بهما وعرفاه بأحوال البلد مفصلة، وبسط ناصر الدين ابن العديم لسانه في الناصر فبلغ ذلك الناصر، فقرر ابن الشحنة في قضاء الحنفية بالقاهرة عوضا عنه ويقال، إن ناصر الدين المذكور كان ممن شهد الوقعة باللجون وأحيط به مع الخليفة والمباشرين. وفي الرابع والعشرين من المحرم وسط بلاط أشق شاد الشربخاناة وبلاط أمير علم وكان كل منهما يذبح المماليك الظاهرية بين يدي الناصر بالقاهرة. وفي يوم السبت خامس عشري المحرم أشهر غلبة الخليفة بخلع الناصر من الملك لما ثبت عليه من الكفريات الانحلال والزندقة وحكم ناصر الدين ابن العديم بسفك دمه.

стр. 2102

واستقر في السلطنة الخليفة المستعين بالله أبو الفضل العباس بن المتوكل العباسي، ولم يغير لقبه، وبايعه الأمراء ومن حضره، وكان رأي الأمراء قد اجتمع على ذلك، فلم يوافقهم الخليفة إلا بعد شدة وتوثق منهم بالإيمان فاشتد امتناعه وصمم فبادر كاتب السر فتح الله فأرسل جماعة منهم محمد بن مبارك الطازي، هو أخو الخليفة لأمه ورتب معه ورقة فيها مثالب الناصر وأن الخليفة عزله من السلطنة فلا يحل لأحد من المسلمين القتال معه ولا مساعدته فإنه فعل وفعل - وعدد مثالب الناصر، وقرأه شخص منهم جهراً ودار بها على الوطاق كله حتى بلغ ذلك

стр. 2103

الناصر وتحققه وتوعد الخليفة بكل سوء ظنا منه أن ذلك من تدبيره، فبلغ ذلك الخليفة فسقط في يده وأيس من صلاح الناصر له، فأجاب إلى ما التمسوه منه من القيام بالأمر، فبايعوه كلهم فحلفوا له على الوفاء وأحضروا له لباس الخظيب الأسود فلبسه وجلس على كرسي وقام الكل بين يديه وقرر بكتمر جلق في نيابة الشام وقرقماش في نيابة حلب وسودون الجلب في نيابة طرابلس والأميرين شيخ نوروز في ركابه يدبران الأمر، ونادى منادي الخليفة ألا أن فرج بن برقوق خلع من السلطنة ومن حضر إلا أمير المؤمنين وابن عم رسول الله فهو آمن، فتسلل الناس عن الناصر، وكتب المستعين إلى القاهرة باجتماع الكلمة له، وأمر يلبغا الناصري بحفظ البلد، فلما كان صبحة هذا اليوم قدم الحاج فتلقاهم شيخ وبعث كل طائفة إلى الجهة التي قصده ومنعهم أن يمروا تحت القلعة. وفي سابع عشري المحرم استقر برهان الدين الباعوني في قضاء الشافعية بالقاهرة عوضا عن البلقيني وشهاب الدين الحسباني في قضاء

стр. 2104

الشافعية بدمشق عوضا عن الإخنائي واشتغل الأميران بحصار الناصر، وقتل في هذه الفتنة خلق من الأمراء منهم يشبك العثماني، ولما بلغ الناصر ما صنع فتح الله عزله من كتابة السر وقرر عوضه فخر الدين ابن المرزوق وأضاف نظر الخاص إلى الوزير سعد الدين بن البشيري وكان معه بدمشق. وفي ثاني صفر قدم قجقار القردمي القاهرة فذكر الواقعة، فأراد اسنبغا الزردكاش أن يقبض عليه فمنعه يلبغا الناصري وقرأ كتبه واشتهر الخبر، ورتب الناصري لقجقار ما يليق به وبمن معه وهم نحو ثلاثين نفرا، ثم قدم كزل العجمي وعلى يده كتب من الخليفة والأمراء بما تقدم من خلع الناصر، وقدم بعده ساع من عند الناصر يخبر فيه بأنه ملتجئ إلى القلعة، ثم قدم قصروه وعليه خلعة الخليفة وكتاب إلى الناصري ومن بالقاهرة من الأعيان فقرئ، وأرسل إلى الجامع الطولوني فقرأه ابن النقاش ثم إلى الجامع الأزهر فقرأه مسطرها - كما سيأتي.

стр. 2105

وفي السادس من صفر شاع بين الناس أن قرا يلك وغيره من التركمان قد وصلوا نجدة إلى الناصر فنادي شيخ بتكذيب ذلك وأن المذكورين جاليش تمر لنك فاحذروهم، ثم اجتمع الجميع وأعادوا بيعة المستعين وجددوا له الأيمان وأنهم رضوا بأن يكون حاكماً عليهم وأنه المستبد بالأمور من غير معارضة أحد منهم له. وفي الثاني من صفر اشتد القتال وحمل شيخ بمن معه فانهزم أصحابه وثبت هو ثم تراجعوا وصدقوا الحملة فانهزم أصحاب الناصر ووصل شيخ إلى طرف القنوات، فجاء دمرداش فأعلم الناصر أنه قد سهل القبض عليه وسأله أن يندب معه رجالاً، فناداهم فلم يجبه أحد فأعاد فأجابه بعضهم بجواب فيه جفاء وإذا العسكر قد احتيط بأن نوروز كبسهم، فهربوا بحيث لم يبق بين يدي الناصر أحد، فملك شيخ الميدان والإصطبل، فأشار دمرداش على الناصر أن يرحل إلى حلب، فقام فدخل حريمه ليلاً وتجهز فلم يخرج، فاستبطأه دمرداش فتركه وسار، وقام ناس على الأسوار فنادوا: نصر الله أمير المؤمنين فلما سمع الرماة ذلك تخوفوا على أنفسهم ففروا، فركب الناصر فرسه ودار على السور فلم يجد أحدا فعاد إلى القلعة، فركب شيخ ودخل من باب القصر وملك المدينة ونزل بدار السعادة، وامتدت أيدي الغوغاء إلى النهب فبالغوا، ونزل المستعين في البلد، ويقال إن دمرداش لما رأى أن حال الناصر تلاشى احتال لنفسه فقال للناصر: أروح أنا وابن أخي واجمع عسكراً من التركمان وغيرهم فمال الناصر لكلامه وأعطاه مالاً كثيراً لذلك فتوجه من دمشق ومعه نحو مائتي نفس، فلما
следующие страницы →