← История

История · id 26001

إنباء الغمر بأبناء العمر - ط الهندية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 236 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

سليمان بن فرح سليمان، الحجي الحنبلي علم الدين أبو الربيع ابن نجم الدين أبي المنجا، ولد سنة سبع وستين وسبعمائة، واشتغل علي ابن الطحان وغيره، ورحل إلى مصر فأخذ عن ابن الملقن وغيره، ثم عاد بعد فتنة اللنك فناب في القضاء وشارك في الفقه وغيره وشغل بالجامع ودرس بمدرسة أبي عمر، وكان قصير العبارة متساهلاً في أحكامه، مات في ربيع الآخر. سودون القاضي نائب طرابلس، مات في رابع عشر ذي القعدة. عبد العزيز بن مظفر بن أبي بكر محمد بن يعقوب بن رسلان، البلقيني قريب شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني عز الدين، اشتغل علي سراج الدين، ورافقنا في سماع الحديث كثيراً، وناب في الحكم، وكان سيئ السيرة في القضاء، جماعة للمال من غير حله في الغالب، زريّ الملبس، مقتراً على نفسه إلى الغاية، وخلف مالاً كثيراً جداً فحازه بعده ولده، وكان يذاكر بالفقه حسناً ويشارك في بعض الفنون، وقد درس بمدرسة سودون من زاده بالتبانه، ومات في ثالث عشري جمادى الأولى. عبد اللطيف بن أحمد بن علي، الفاسي نجد الدين الشافعي، سمع معنا كثيراً من شيوخنا، ولازم الاشتغال في عدة فنون، وأقام بالقاهرة

стр. 2417

مدة بسبب الذب عن منصب أخيه تقي الدين قاضي المالكية إلى أن مات مطعوناً في هذه السنة. عمر بن أحمد بن عبد الواحد، شاد زبيد، كان له اعتناء بالعلم رحمه الله تعالى. فضل الله بن عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن مكانس، مجد الدين بن فخر الدين، ولد في شعبان سنة سبع وستين ونشأ في نعمة وعز في كنف أبيه، فتخرج وتأدب ومهر ونظم الشعر وهو صغير السن جداً، وكان أبوه يصحب الشيخ بدر الدين البشتكي فانتدبه لتأديب ولده، فخرجه في أسرع مدة، ونظم الشعر الفائق، وباشر في حياة أبيه توقيع الدست بدمشق وكان أبوه وزيراً بها، ثم قدم القاهرة وساءت حالته بعد أبيه، ثم خدم في ديوان الإنشاء وتنقلت رتبته فيه إلى أن جاءت الدولة المؤيدية، فأحسن القاضي ناصر الدين البارزي كثيراً واعتنى به ومدح السلطان بقصائد وأحسن السفارة له فأثابه ثواباً حسناً، وكانت بيننا مودة أكيدة اتصلت نحواً من ثلاثين سنة وبيننا مطارحات وألغاز، وسمعت من لفظه أكثر منظومه ومنثورة، وجمع هو ديوان أبيه ورتبه، وشعره في الذروة العليا وكذلك منثوره، وجمع هو ديوان أبيه ورتبه، وشعره في الذروة العليا وكذلك منثورة لكن نظمه أحسن منه، وكان قليل البضاعة من العربية فربما وقع له اللحن الظاهر وأما الخفي فكثير جداً، مات في يوم الأحد خامس عشري شهر ربيع الآخر.

стр. 2418

كزل الأرغون شاوي أحد الأمراء بحماة وزوج بنت كاتب السر، وكان قد ناب في الكرك، ثم في الإسكندرية ثم عزل، فمات في أواخر المحرم. محمد بن إبراهيم، العلوي جمال الدين، أخو الفقيه نفيس الدين، حضر على والده وحدث عنه، مات بتعز. محمد بن أبي البركات محمد بن أحمد بن الرضي إبراهيم بن محمد، الطبري المكي، أبو السعادات، إمام المقام الشافعي، سمع من الجمال ابن عبد المعطي وغيره، مات في جمادى وقد جاوز الخمسين. محمد بن عبد الله بن شوعان، الزبيدي الحنفي، انتهت الرئاسة في مذهب أبي حنيفة بزبيد، ودرس وأفاد. محمد بن عبد الماجد، العجمي سبط العلامة جمال الدين بن هشام الشيخ شمس الدين، أخذ عن خاله الشيخ محب الدين ابن هشام، ومهر في الفقه والأصول والعربية، ولازم الشيخ علاء الدين البخاري لما قدم القاهرة، وكذلك الشيخ بدر الدين بن الدماميني، وكان كثير الأدب فائقاً في معرفة العربية ملازماً للعبادة وقوراً ساكناً، مات في العشرين من شعبان، وكانت جنازته حافة، ودفن بالصوفة ﵀. محمد بن عمر، الحموي الأصل نظام الدين التفتازاني، كان أبوه حصرياً فنشأ هذا بين الطلبة، وقرأ في مذهب أبي حنيفة، وتعانى الآداب واشتغل

стр. 2419

في بعض العلوم الآلية، وتكلم بكلام العجم وتزيا بزيهم، وتسمى نظام الدين التفتازاني، وغلب عليه الهزل والمجون وجاد خطه، وقرر موقعاً في الدرج وكان عريض الدعوى، مات في رابع عشري ذي القعدة عن نحو الستين، وله شعر وسط، قرأت بخط القاضي محب الدين الحنبلي: كان حسن المنادمة، لطيف المعاشرة، ولم يتزوج قط وكان متهماً بالولدان، وكان يأخذ الصغير فيربيه أحسن تربية فإذا كبر وبلغ حد التزوج زوجه. محمد بن قاسم، الأجدل ناظر زبيد ثم عدن، ولي إمرة الحج وغيرها. محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فرحون، أبو البركات اليعمري المالكي، قاضي المدينة، مات بها في المحرم. محمد بن محمد بن علي بن يوسف، الزرندي الشافعي بهاء الدين بن محب الدين، ولي قضاء المدينة وخطابتها في سنة تسع، ثم عزل فدخل دمشق ثم دخل الروم فانقطع خبره ثم قدم، ومات بالطاعون في القاهرة. محمد بن محمد بن علي، بدر الدين ابن الخواجا شمس الدين ابن البراق الدمشقي، أحد أكابر التجار، فجع به أبوه، وكان قد نبغ ف معرفة التجارة وسافر مراراً إلى اليمن وغيرها، ومات في هذه السنة بعدن، ويقال إنه مات مسموماً ولم يكمل الثلاثين.

стр. 2420

محمد بن محمد بن محمد، النحريري أبو الفتح فتح الدين المعروف بابن أمين الحكم، سمع على جماعة من شيوخنا، وعني بقراءة الصحيح، وشارك في الفقه والعربية، وأكثر المجاورة بالحرمين، ودخل اليمن فقرأ الحديث بصنعاء وغيرها، ثم قدم القاهرة بأخرة فوعك ومات بالمارستان عن نحو من خمسين سنة. محمد بن محمد بن محمود، الجعفري البخاري الشيخ شمس الدين، اشتغل ببلاده ثم قدم مكة فجاور بها، وانتفع الناس به في علوم المعقول، مات بمكة في العشر الأخير من ذي الحجة عن ست وسبعين سنة. محمد بن يعقوب بن إسماعيل، الشيباني المطري المكي، سمع من عز الدين ابن جماعة والموفق الحنبلي وغيرهما، وولي خطابة وادي نخلة وقبا، مات وله سبعون سنة.

стр. 2421

محمد المعروف بابن شبيب، القصري التاجر، وكان مقلاً ثم أكثر السفر إلى الإسكندرية إلى أن أثرى فتردد إلى مكة، وقد كان أولاً يشتغل ويحضر دروس شيخنا ابن الملقن وسمع عليه الكثير، مات في ١٢ شوال. مسعود بن محمود، الكجحاني، كان ولي نظر الأوقاف - وقد مرت سيرته في الحوادث وهي من اقبح السير، مات في ١٢ جمادى الأولى. الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى، الحسني الصنعاني الزيدي، عني بالأدب ففاق فيه، ومدح المنصور صاحب صنعاء، مات يوم عرفة، وله أخ يقال له محمد بن إبراهيم مقبل على الاشتغال بالحديث شديد الميل إلى السنة بخلاف أهل بيته. يحيى بن بركة بن محمد بن لاقى، الدمشقي. كان أبوه من أمراء دمشق، ونشأ هو في نعمة ثم خدم أستاداراً وصار من الأمراء. وقدم القاهرة مراراً، وتقدم في الدولة المؤيدية وصار مهمنداراً وأستادار الحلال.

стр. 2422

ثم تنكر له جقمق بسبب كلام نقله للسلطان، فأظهر جقمق أن الأمر بخلاف ذلك، فالتمس جقمق من السلطان أن يمكنه منه فأذن له، فرسم بنفيه من القاهرة فأخرج على حمار، فمات في أثناء الطريق غريباً طريداً في حادي عشر صفر، ودفن بغزة. يوسف بن شريكار، العينتابي، ولد سنة ست وستين بعينتاب، وتعانى القراآت فمهر فيها وانتفعوا به. وكان يتكلم على الناس بلسان الوعظ، وكان فصيح اللسان حلو المنطق مليح الوجه، له يد في التفسير، وعاش خمساً وستين سنة - ذكره العينتابي في تاريخه. سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة في الثاني من المحرم جلس السلطان في إيوان دار العدل، وجلس القضاة والمفتون ومن له الجلوس من الأمراء. ووقف الباقون وبقية العسكر صفوفاً، وأحضر مم بن قرمان مقيداً صحبة داود بن ناصر الدين محمد بن خليل بن محمد بن دلغادر التركمانيِ، فوقف داود مع الأمراء وأخر ابن قرمان، وقرئت القصص على العادة وركب السلطان إلى القصر فأحضر ابن قرمان وداود فخلع على داود. وعاتب السلطان ابن قرمان على تعرضه لطرسوس وعلى قبح سيرته في رعيته فسأل العفو، ثم بدر منه أن قال: يا مولانا السلطان لمن تعطى البلاد؟ فاستسمجه

стр. 2423

وقال له: ما أنت وهذا؟ ثم أمر به فأخرج فاعتقل، فأقام في الاعتقال سنة كاملة، ثم أفرج عنه بعد موت السلطان المؤيد وأعيد إلى بلاده ثم أرسل للسلطان فاستكتبه إلى نوابه بالبلاد بتسليم القلاع والبلاد كلها ويحذرهم عن تأخير ذلك لئلا يقتل ففعل، فكان هذا المجلس أفخر مجلس جلسه السلطان وأفخمه، ثم جلس في أواخر الشهر مجلساً آخر لحضور رسول كرسجي بن أبي يزيد بن عثمان بهدية من صاحبه فقرئ كتابه وقبلت هديته، وشرع في تجهيز هدية صحبة قاصد من جهة السلطان، فعين له قجقار شقطاي من أتباع إبراهيم ابن السلطان. وفي أوائل المحرم غدر عذراء بن علي بن نعير بنائب الرحبة أرغون شاه، فقبض عليه وحمله إلى عانة. وفي رابع الحرم قدم على يار التركماني أحد الأمراء الإينالية منهم، فأكرمه السلطان. وفيه استقر شاهين الزردكاش في نيابة طرابلس نقلاً من نيابة حماة، واستقر في حماة إينال اليوسفي نقلاً من نيابة غزة، واستقر أركماس الجلباني في نيابة غزة.

стр. 2424

واستقر نكباي بعد الإفراج عنه من سجن دمشق في نيابة طرسوس. وفي حادي عشر المحرم قرر شمس الدين محمد بن مغالي الحيتي في مشيخة الخانقاه المستجدة بالجيزة التي انتزعت من الخروبي وكانت وقفاً على الذرية ثم على الزاوية المجاورة لها فأخفي كتاب الوقف واشتريت للسلطان من الورثة بقدر حصصهم، وغالبهم أشهد عليه ولم يقبض الثمن، واستمر ذلك إلى أن مات المؤيد وندموا على عدم قبض الثمن. وفي سادس عشر المحرم قرر عز الدين عبد العزيز بن علي بن العز الحنبلي مدرس الحنابلة بالمؤيدية في قضاء الحنابلة بدمشق، وقرر عوضه في المؤيدية محب الدين ابن نصر الله البغدادي. وفي العشرين من المحرم أفرج عن برسباي الدقماقي من قلعة المرقب، واستقر في مقدمي الألوف بدمشق، وهو الذي ولي السلطانة في سنة خمس وعشرين كما سيأتي. وفي المحرم وقع المطر الغزير بالوجه البحري فأخصبت الزروع بعد أن كانت جفت وكثر الغلاء بالوجه القبلي فبلغ الإردب دينارين. وفي أوائل المحرم تسلم علي بن قرمان بلاد أخيه، وعصت عليه قلعة قونيا فحاصرها، وخطب باسم المؤيد في جميع تلك البلاد، ووصلت

стр. 2425

هدية على المذكور إلى السلطان في صفر وهو في ربيع خيله. وفي العشرين من صفر نزل السلطان إلى بيت كاتب السر على شاطئ النيل، وعمل الوقيد في ليلة الثاني والعشرين وبالغ المباشرون في رمي النفط وترتيب السرج. وفي سادس عشريه نزل السلطان إلى بيت أبي بكر الأستادار يعوده، فقدم تقدمة سنية على العادة. وفيه شاع الخبر بأن قرا يوسف قد تأهب للمجيء إلى الشام، وكان بلغه ما نودي به في حقه في القاهرة، وكان أرسل يطلب التمكين من قرا يلك فلم يجب سؤاله، ثم أرسل يطلب من السلطان الجواهر التي كان السلطان أخذها منه وهو مسجون بدمشق، فرد جوابه بما يكره فتهيأ لدخول البلاد الشامية، فاستعد السلطان لذلك وكان قد لهج قبل ذلك بالمسير إلى بغداد وتمادت الأيام ولا يزداد إلا تصميماً على ذلك. وفي الثامن والعشرين من المحرم سخط السلطان على صدر الدين ابن العجمي بسبب كلام نقل له عنه وهو أنه يتمنى موته ويدعو عليه. وواجهه بذلك أحمد بن الشيخ محمد المغيربي في مجلس السلطان، وتفاحشا في القول فأكد قول ابن المغيربي جماعة دسهم كاتب السر ابن البارزي لبغضه في ابن العجمي، فأمر السلطان بإخراجه من القاهرة وأن يستقر كاتب السر بصفد، فكتب توقيعه في الحال وألزم بالخروج من بيته في يومه ولم يمهل ليتجهز، فودع أهله وخرج وهم يبكون كأنما يساق إلى الموت، فسار يوم الجمعة إلى سرياقوس فأقام بها وبات بها فجاءه مستعجل يستحثه،

стр. 2426

فاتفق أنه بلغ السلطان شناعة ما عومل به من ذلك فأنكره وتغيظ على كاتب السر وقال: من أمرك أن تزعجه? وأمر برده إلى القاهرة، فرجع يوم السبت فأقام عند الدويدار إلى يوم الاثنين، فاصعده إلى القلعة وخلع عليه خلعة حسنة وأمره بالسفر لكتابة سر صفد، فشفع له الطنبغا الصغير راس نوبة أن يقيم ويستمر في الحسبة، فقبل ذلك السلطان فرجع إلى منزله وقد فرح الناس به فرحاً شديداً، ونزل كاتب السر ولم يطلع على ما صنع الطنبغا الصغير فوجد القناديل في الشارع قد صففها الباعة فأنكر عليهم ومال أتباعه عليها بالطفئ والتكسير، فما وصل إلى بيته إلا وابن العجمي قد شق القاهرة بخلعة الحسبة، فجهر العامة بسب ابن البارزي وأسمعوه المكروه جهاراً كلما مر بهم، وكثر ذلك حتى هم بالإيقاع ببعضهم ثم سكت وسكتوا، وأشيع أن السلطان غضب على ابن البارزي وأنه يريد عزله، فخلع عليه في سادس صفر خلعة الرضا، وكان أصل الشر بين المحتسب وكاتب السر أن السلطان نزل إلى مدرسته في خامس صفر، فلما رجع مر في طريقه بخباز فاخذ منه رغيفاً ودخل إلى بيت الأستادار عائداً له من مرضه، فوزن الرغيف فجاء نصف رطل فأنكر على المحتسب، وكان يذكر أن الرغيف ثماني أواق، فشق على المحتسب لما بلغه وضرب الخباز ضرباً مبرحاً، وكان من جهة كاتب السر فأرسل يشفع له فضربه بحضرة القاصد، فبلغه ذلك فشق عليه، وبلغ السلطان خبر ابن العجمي من الطنبغا الصغير وتمراز الأعور فدبر هذه القضية المتعلقة بكتابة السر بصفد، فإنهما

стр. 2427

جلسا عنده يلعبان الشطرنج فقال أحدهما للآخر: إن زركت عليّ بليت بما بلي به ابن العجمي? فاستفهم السلطان فاخبره، ثم آل أمره إلى أن الوزير شفع في المحتسب عند كاتب السر وأحضره عنده وأصلح بينهما. وفي رابع صفر قدم العالم شمس الدين محمد بن حمزة بن محمد، الحنفي، الرومي المعروف بابن القناري قاضي الممالك الرومية وكان قد حج في العام الماضي وعاد إلى القدس، فاستقدمه السلطان ليستفهمه عن أحوال البلاد فقدم وأكرم، وحضر يوم الخميس للمولد السلطاني بعد أن طلب مرة بعد مرة، فما وصل حتى دخل الليل فالس تحت شيخ المؤيدية ابن الديري، وأشار لهم المؤيد أن يتكلموا في شيء من العلم، فتكلموا فلم ينطق القناري، ثم توجه بعد صلاة العشاء ثم أحضر المولد الخاص ودارت معه مباحث نفيسة، وكان ممن حضر ابن العجمي فتكلم بشيء أنكره عليه كاتب السر وواجهه بتكفيره، فأصبح منزعجاً يحصل الكتب التي تشهد له بصحة ما قال، وعادت العداوة كما كانت أو أشد. وفي خامس ربيع الأول أبل أبو بكر الأستادار من مرضه قليلاً

стр. 2428

وركب واستصحب تقدمة قيمتها ثلاثون ألف دينار فخلع السلطان عليه، ونزل إلى بيته فانتكس فأقام أربعة أيام ومات، فتكلم السلطان مع الوزير أن يفوض الأستادارية بغير إمرة، فأبى إلا بتقدمة فصاح السلطان عليه وقال: تقدمة للوزارة وتقدمة للأستادارية? هذا لا يكون ثم أعرض عنه واستدعى شخص يقال له يشبك الإينالي، وكان أرسله قبل ذلك لكشف التراب فسار بالناس سيرة سيئة فشكوا منه فعزل، فاختاره الآن للأستادارية الكبرى فقرره فيها وخلع عليه، وقرر الوزير في أستادارية ابنه إبراهيم، ثم انتزعت منه بعد قليل وقرر فيها يوسف الحجازي الذي كان يدبر أمر طوغان، وأعطى ولده صلاح الدين الحاجب إمرة طبلخاناة. وفي الثاني والعشرين من ربيع الأول سافر ابن القناري وصحبته أحمد بن الشيخ شمس الدين الجزري وهو صهره إلى بلاد الروم، وصحبته من جهة السلطان قجقار شقطاي برسالة السلطان إلى ابن عثمان، وسار القناري بتجمل هائل وكان قد جامل أهل البلد وجاملوه، ولم تنتشر عنه دعوى كما انتشرت عن غيره، وكتم ما يبوح به في بلاده من محبة ابن العربي وشغل الناس في الفصوص وغيرها، فأقام هذه المدة بالقاهرة مجموع الخاطر قليل الفضول إلى أن سافر سالماً. وفيه عقد مجلس بسبب زيادة الجوامك لمدرّسي المنصورية، وقام في ذلك الشيخ شمس الدين القمني فحصل بينه وبين المحتسب كلام سيئ

стр. 2429

وتساخطا، فقام السلطان وتركهم ولم يستقر لهم أمر، وكان ذلك بالمدرسة المؤيدية. وفي ربيع الآخر أمر السلطان ببناء المنظرة التي خربت في التاج والسبع في وجوه وأن يبني حولها بستان، فشرع في ذلك. وفي رابع عشري ربيع الأول أمر السلطان بإبطال مكس الفاكهة مطلقاً، بطل ونقش على الجامع المؤيدي، وفيه كثر الوباء بالإسكندرية وما حولها وكثر الإرجاف بمسير قرا يوسف إلى الجهة الشامية. واشتد بالسلطان ألم رجله وحبس الإراقة، ثم عوفي في أول جمادى الِأولى وركب وفرح الناس. وفي هذه المدة أغرى السلطان بولده إبراهيم وأنه كان يتمنى موته ويعد الأمراء بمواعيد إذا وقع ذلك، وبلغ كاتب السر عنه أنه يتوعده بالقتل وتأكد بغضه عنده فحقد عليه ودس على السلطان من أعلمه أنه يتمنى موته لكونه يعشق بعض حظاياه ولا يتمكن منها بسببه إلا خفية، ورتب له على ذلك إمارات وعلامات إلى أن أبغض السلطان ولده وأحب الراحة عنه، ورتبوا له أنه صمم على قتله بالسم أو بغيره إن لم يمت عاجلاً من المرض لما في نفسه من محبة الاستبداد، فأذن لبعض خواصه أن يعطيه ما يكون سبباً لقتله من غير إسراع، فدسوا عليه

стр. 2430

من سقاه من الماء الذي يطفأ فيه الحديد، فلما شربه أحس بالمغص في جوفه فعالجه الأطباء مدة وندم السلطان على ما فرط فيه، فتقدم الأطباء بالمبالغة في علاجه فلازموه نصف شهر إلى أن أبل قليلاً من مرضه فركب في نصف الشهر إلى بيت عبد الباسط بشاطئ النيل. ثم ركب إلى الخروبية بالجيزة فأقام بها وكاد أن يتعافى، فدسوا من سقاه ثانياً بغير علم أبيه، فانتكس واستمر إلى آخر الشهر فتحول إلى الحجازية، ثم حمل في ثالث عشر جمادى الآخرة إلى القلعة فمات ليلة الجمعة خامس عشره، فاشتد جزع السلطان عليه إلا أنه تجلد، وأسف الناس كافة على فقده وأكثروا الترحم عليه، وشاع بينهم أن أباه سمه إلا أنهم لا يستطيعون التصريح بذلك، ولم يعش أبوه بعده سوى ستة أشهر تزيد أياماً، كدأب من قتل أباه أو ابنه على الملك قبله عادة مستقرة وطريقة مستقرأة - فإنا لله وإنا راجعون، وصار الذين حسنوا له ذلك يبالغون في ذكر معايبه وينسبونه إلى الإسراف والتبذير والمجاهرة بالفسق من اللواط والزنا والخمر والتعرض لحرم أبيه وغير ذلك مما كان برياً من أكثره بل يختلقون أكثر ذلك ليتسلى أبوه عن مصابه به.

стр. 2431

ولقد حكى لي من شاهده في السفرة التي تجرد فيها إلى البلاد القرمانية منه ما يقضي منه العجب من ذلك، وذكره القاضي علاء الدين في ذيل تاريخ حلب فقال: كان شاباً حسناً شجاعاً، عنده حشمة مع الكرم والعقل والسكون والميل إلى الخير والعدل والعفة عن أمور الناس، ودفن بالجامع المؤيدي، وحضر أبوه الصلاة عليه يوم الجمعة وأقام إلى صلاة الجمعة، وخطب به ابن البارزي خطبة حسنة سبك فيها قوله ﷺ تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم ولمحزونون فأبكى السلطان ومن حضر، ولم يتفق أن السلطان بعد ذلك دخل المؤيدية، ووقع الخلل في أهل دولة المؤيد واحداً بعد واحد كما سنذكره، ولم يتهنأ لهم عيش يجمعهم بعد ذلك. وفي حادي عشر جمادى الآخرة صرف على ابن الطبلاوي من ولاية القاهرة وضرب بين يدي السلطان بالمقارع وصودر على مال، واستقر فيها ناصر الدين ابن أمير آخور. وفي أول يوم من هذا الشهر كملت عمارة الجامع الذي جدده ابن البارزي بجوار منزله وكان يعرف بجامع الأسيوطي، وصلى السلطان فيه الجمعة وخطب به البلقيني، وفي ثانيه نودي أن الحجاب لا يحكمون في الأمور الشرعية? فسعى الأمراء في نقض ذلك، فنقض بعد يومين ونودي لهم بالإذن بالحكم.

стр. 2432

وفي جمادى الأولى أرسل القاضي الحنفي إلى الحاجب الكبير يطلب من عنده غريماً فضرب الحاجب الرسول، فتوجه الحنفي إلى الشافعي فاستعان به فاجتمعا بالسلطان وشكيا ذلك فأنكر على الحاجب وأرسل وأهانه وقال له: لو كنت أنا وطلبت إلى الشرع لسارعت? وأمر فنودي بالمشاعلي أن الديون الشرعية لا يحكم فيها إلا القضاة? فشق ذلك على الحاجب وقبض على بعض المشاعلية فضربه، وجرسوه ومروا به من على باب الصالحية. فبلغ الحنفي فبادر الحاجب واعتذر بأنه لم يضربه إلا بشكوى عليه بجناية أخرى. وسكن الحال. وفي الثامن عشر من جمادى الآخرة توقف النيل من سادس أبيب وتمادى على ذلك سبعة أيام، فنودي في الناس بصيام ثلاثة أيام ثم خرجوا إلى الصحراء يستسقون. فاجتمعوا ونزل السلطان والقضاة والمشايخ وكثر الجمع جداً، وحضر السلطان راكباً بمفرده فجلس على الأرض، فصلى بهم القاضي ركعتين كهيئة صلاة العيد، ثم رقي منبراً وضع له هناك فخطب خطبتين حث الناس فيهما على التوبة والاستغفار وحذرهم

стр. 2433

ونهاهم وتحول فوق المنبر، والسلطان في ذلك يبكي وينتحب وقد باشر في سجوده التراب بجبهته، ثم ركب السلطان والعامة محيطة به، فدعا له بعضهم بالنصر فقال: سلوا الله فإنما أنا واحد منكم، واتفق أن نودي على النيل في صبيحة ذلك اليوم باثني عشر ذراعاً، فتباشر الناس بإجابة دعائهم، فاتفق أن السلطان سبح في النيل وهو مقيم في بيت كاتب السر الذي على شاطئ النيل فنودي من الغد بزيادة ثلاثين إصبعاً، فاستبشر الناس بذلك وقالوا إن ذلك ببركة السلطان، فسمع السلطان بذلك فأنكره عليهم وقال: وأنا عنده أسمع: لو علمت بسباحتي يقع ذلك لما سبحت، لأن مثل هذا يضل به العامة، وفي هذه الأيام أشيع أن قرا يوسف حاصر ولده محمد شاه ببغداد واستصفى أمواله، ثم تبين كذب ذلك وأن قرا يوسف كان قد تهيأ للمسير إلى البلاد الشامية. فشغله عنها خروج شاه رخ بن تمر. وفي نصف رجب أمر السلطان مقبل الدويدار أن يلبس صدر الدين ابن العجمي خلعة بكتابة سر صفد وأن يخرجه في الحال، ففعل ذلك وانجمع عن الحسبة وسعى أن يقيم بالقاهرة بطالاً وأن يعفي من كتابة سر صفد، فشفع له عند السلطان فأعفي وألزم بالتوجه إلى القدس بطالاً، فسار في يوم الثلاثاء ثامن عشره، فلما كان في ثالث عشري رجب

стр. 2434

وجد في أول النهار فرس ابن العجمي وفرس غلامه مع بدويين فانتزعتا منهما وأحضرتا إلى بيت الأستادار فشاع أن ابن العجمي قتل، وخرج نساؤه مشققات الثياب نائحات حتى صعدن القلعة، وصرحوا بتهمة ابن البارزي بقتله فأنكر السلطان ذلك وجزم بأنه اختفى بالمدينة، ثم بعث ليكشف عن قتله وبحث من أرباب الإدراك عن ذلك فلم يوقف له على خبر، ثم نودي بتهديد من أخفاه وترغيب من أحضره فلم يفد ذلك شيئاً واستمر مفقود الخبر، فلما كان في أواخر الشره أشيع أنه أرسل إلى أهله كتاباً يخبرهم فيه أنه فر من خوفه على نفسه واختفى، وتوطن خواطرهم عليه وأنه في قيد الحياة فاطمأنوا لذلك وشاع الخبر، فطلب زوج ابنته الذي نقل عنه أنه قرأ الكتاب فأحضر إلى السلطان فاعترف بقراءة الكتاب، فسئل أن يحضر الكتاب فادعى أنه رماه في البئر، فغضب السلطان منه وأمر بضربه فضرب تحت رجليه واعتقل، وتحقق الناس أن ابن العجمي في قيد الحياة إلا اليسير منهم فتمادوا على غيهم ونسبوا ابن البارزي إلى أنه اختلق الكتاب ودسه على أهل ابن العجمي، وحقق أمر حياته اطمئنان أهله بعد ذلك الجزع المفرط، وبالغوا في الطمأنينة حتى أدخلوا بعض بناته على زوجها.

стр. 2435

وفي العشرين من رجب استقر صارم الدين إبراهيم بن الوزير ناصر الدين ابن الحسام في الحسبة ملتزماً بألف دينار يحملها للخزانة، فباشر وهو بزي الجند ولم تشكر سيرته، وأساء الناس الظن بابن البارزي لسوء اختياره لهذا، لأنه هو الذي قام بأمره في ذلك بعد أن كان زين الدين الدميري قد تعين لذلك. وفي حادي عشري رجب توجه السلطان إلى الآثار فزاره وبر من هناك من الفقراء، ثم توجه إلى المقياس فأمر بهدم الجامع المجاور له وتوسيعه، وكان أمر بتجديد الميدان الناصري مقابل الجزيرة الوسطانية فشرع الوزير في تجديده وصرف عليه مالاً كثيراً فتوجه السلطان فبات به ليلة، وفي صبيحتها وهو ثالث عشري رجب قدم بدر الدين العيني من بلاد ابن قرمان. وفي الثالث عشر من شعبان برزت العساكر بالأمراء الذين أمروا بالإقامة بحلب لحراستها خشية من طروق قرا يوسف وهم الطنبغا القرمشي الأتابك وطوغان أمير آخور والطنبغا الصغير راس نوبة وشرباش عاشق وجلبان الأرغون شاوي والطنبغا المرقبي الحاجب

стр. 2436

الكبير وأزدمر النائب وسفروا في نصف شعبان. وفي هذه السنة توجه قرا يلك إلى أرزنكان وبها بير عمر نائباً من جهة قرا يوسف، فنازله إلى أن قبض عليه وعلى أربعة وعشرين نفساً من أهله وأولاده وقتل من عسكره ستين رجلاً وغنم شيئاً كثيراً ورجع منصوراً، فبلغ ذلك قرا يوسف فاشتد غيظه وصمم على قصد البلاد الشامية، وكان السبب في ذلك أن بير عمر المذكور كان أوقع بولد قرا يلك فقبض عليه وجهزه إلى قرا يوسف فقتله، فبلغ ذلك قرا يلك فحنق منه وطرقه في بلده حتى قبض عليه ثم قتل قرا يلك بير عمر المذكور وأرسل برأسه إلى القاهرة، فوصل بها قاصده في أول شعبان فوقع الشروع بالتهيؤ للسفر، وكتبت محاضر بكفر قرا يوسف وولده وأثبت على القضاة، وكان القائم في أمرها تصدر الدين بن العجمي قبل عزله فعزل ولم يتم أمرها فتولى أمرها كاتب السر، وطيف بها على مشايخ العلم فكتبوا في ظاهرها بتصويب الحكم المذكور، ولطف اله تعالى أنني وافقتهم بالكتابة بعد إلزام السلطان لي تم كاتب السر بذلك فالتزمت

стр. 2437

به ولكن قدر الله بلطفه أنني ما كتبت في ذلك شيئاً إلى الآن، فجمع في رابع شعبان القضاة والأمراء وقرئت عليه الفتاوى فسألني السلطان عن سبب امتناعي عن الكتابة، فاعتذرت بأنهم بدأوا بغيري، فأشار إلى كاتب السر أن يكتب نسخة جديدة ويرسلها إلي. فغالطت بلك ولطف الله مرة بعد مرة أخرى، ونزل القضاة في ذلك اليوم وبين أيديهم بدر الدين البرديني يقرأ من ورقة استنفار الناس إلى قتال قرا يوسف وولده وتعديد قبائحهما، فاضطرب الناس، وكان مما ادعى به على قرا يوسف أنه قال: أنا اشرب الخمر وألوط وشاه رخ يصلي ويصوم وسننظر من ينتصر منا? وأن ابنه لما مات سل سيفاً وأشار به إلى السماء وقال: إن كنت رجلاً تعال خذني إلا الصبي ما في أخذه رُجلة، وأنه التمس من القاضي جعفر أن يعقد له على امرأة، فقال له: أنت لك أربع نسوة فلا تحل لك الخامسة في شرع محمد، فقال: كان هذا جائع النفس - وأنه أشار إلى شاب أمرد جميل الصورة فقال: هذا الهي الذي أعبده ما هو خير من عبادة الحجارة، فقال له بعض من حضر: هذا كفر، فقال: إن لم يكن الإله فهو أخو الإله - إلى غير ذلك. وفي شعبان ادعى علي ناصر الدين ابن أمير آخور الوالي بأنه قتل رجلاً ظلماً بغير موجب شرعي، فأنكر فأقيمت عليه البينة، فحكم القضاة بقتله بين يدي السلطان، فأمر به أن يقتل في المكان الذي قتل فيه وعلى

стр. 2438

الهيئة التي قتل المذكور فيها ففعل به ذلك، واستقر في ولاية القاهرة شاب يقال له بكلمش ابن فري من أولاد الحسينية، كان أبوه والي العرب وكان هو عمل ولاية بلبيس ونح ذلك، وهو بالنساء أشبه منه بالرجال، فالتزم بمال كثير يحمله إلى الخزانة فقرر في الولاية فهان أمرها جداً لعدم هيبته وتماديه على الفجور والسكر حتى كان بعض المقدمين في أيامه أحشم منه، وصار العوام يلقبونه قندورتي، لانه طرقه امر يوجب الفزع فارادى أن يقول: ناولوني قباء، فقال: قندورني فبقيت عليه. وفي الثاني عشر من شعبان تزود الطنبغا القرمشي بنت الملك المؤيد وعقد عقده بالجامع المؤيدي، ثم برز في صبيحة ذلك اليوم إلى الريدانية وصحبته الطنبغا الصغير رأس نوبة وطوغان أمير آخور والطنبغا المرقبي الحاجب وجلبان ثاني أمير آخور وأزدمر الناصري وشرباش الكريمي في آخرين توجهوا إلى حلب ليقيموا بها خشية من طروق قرا يوسف، فلما وصلوا إلى حلب أمسكوا نائبها إينال النوروزي فحبس بقلعة الشام، وقرر في نيابة حماة آق بلاط الدمرداشي، فلما وصلوا إلى حلب استوحش منهم نائبها يشبك اليوسفي، لأنه استشعر حين عزل نائب حماة أنهم أمروا بالقبض عليه أيضاً وأساء عشرتهم ولم يحسن قراهم ولا ملتقاهم وأقيم الشر، ثم لم يلبث أن بلغه موت السلطان - فكان ما سنذكره في السنة المقبلة، وعرض السلطان المماليك الرماحة بالميدان وتكرر ركوب السلطان في

стр. 2439

البحر في هذا الشهر إلى الآثار تارة وإلى الخروبية أخرى وإلى المقياس. وفي الرابع عشر من رمضان قرر تاج الدين ابن الهيصم في نظر ديوان المفرد عن صلاح الدين ابن الكوز بحكم وفاته. وفي أول رمضان ثار على السلطان ألم رجله وابتدأ بكاتب السر مرضه. وفي ثالث رمضان ذبح جمل بغزة فأضاء اللحم كما يضيء الشموع، وشاع ذلك وذاع حتى بلغ حد التواتر، وفيه أنه رميت من لحمة قطعة لكلب فلم يأكلها. وفي رمضان ختم البخاري فوقع بين التفهني الحنفي وبين ابن المغلي الحنبلي مباحثة فاستطال الحنفي على الحنبلي، وأعانه عليه غالب من حضر، لما تقدم من استطالة الحنبلي عليه وعلى غيره. وفي عاشر ذي القعدة عزل بدر الدين بن نصر الله عن نظر الخاص، وتسلم الخزانة مرجان الخازندار. وفي ثامن شوال مات كاتب السر ناصر الدين ابن البارزي وابتدأ بالسلطان مرضه الذي مات فيه، ثم أرجف بموته في ثاني عشري شوال فاضطرب الناس، ثم عوفي في آخره وزينت البلد وتوجه بعض الأمراء بالبشارة، وباع فرساً على العادة فاشتراها علم الدين داود بن الكويز ناظر الجيش باثنين وسبعين ألفاً مؤيدية يكون حسابها ألفين وأربعمائة دينار

стр. 2440

وحملها إلى السلطان فتصدق بها. وفي الحادي والعشرين من شوال ظهر ابن العجمي فشفع فيه الشيخ يحيى السيرامي عند السلطان فرضي عنه وفرح به أصحابه وأمنه السلطان، واستمر يتردد إلى الأعيان على عادته. وفي ثالث عشري شوال استقر كمال الدين محمد بن ناصر الدين البارزي في كتابة السر عوضاً عن أبيه، واستقر بد الدين بن مزهر في نيابة كتابة السر عوضاً عن كمال الدين، وكان ابن مزهر منذ مات البارزي هو الذي يباشر. وفي أوائل ذي القعدة دل شهاب الدين، الملقب دُرّابه على ذخيرة لناصر الدين البارزي فحولت إلى القلة ومقدارها يزيد على سبعين ألف دينار ما بين هرجة وافلورية وناصرية والناصرية أقلها، فاستشعر الناس أنها ذخيرة لفتح الله لأن ابن البارزي دخل صحبة المؤيد قبل أن يشتهر بالمال الكثير، وفي مدة المؤيد ما كانت المعاملة إلا بالأفلورية وأما الهرجة فقليل جداً فاستولى الملك على ذلك المال وأضافه إلى بيت المال. وفي ذي القعدة أحضر من بعض بلاد الغربية من الوجه البحري محضر يتضمن أن امرأة وبنتها خرجتا تلتقطان ما يسقط من الحب فوجدتا

стр. 2441

خرقة عتيقة فيها صرة قديم قعد ذلك فوجد فيها بضعة وأربعين مشخصاً وجهر ذلك إلى السلطان فوقفنا عليه وأمرنا أن نقرأ ما فين نقشه، فوجدت على الدينار الذي دفع إليّ ضرب هذا الدينار سنة إحدى وثمانين ومائة، وإذا به قد ضرب في خلافة الرشيد بن هارون بن المهدي، وأظن بقية الذهب من ذلك النمط. وفي ثامن شعبان كسر الخليج وانتهت زيادة النيل في هذه السنة إلى. . .، وكان فصل الربيع قليل الحر جداً. وتحرك الطاعون في الفسطاط دون القاهرة وبالإسكندرية بالصعيد ثم تحرك بالقاهرة في أول بؤنة قليلاً ثم ارتفع وكان الصيف قليل الحر أيضاً. وفي جمادى الآخرة أحدثت جمعة بالمدرسة التي أنشأها زين الدين عبد الباسط ناظر الخزانة جوار منزله وأذن له السلطان في إقامتها وأقيمت وبجوارها بنحو سبعة أبيات مكان تقام فيها الجمعة عند ابن وفا، وقرر فيها شيخ خانقاه بها وهو صاحبنا عز الدين عبد السلام العجلوني - وذلك في أول يوم رجب. وفيها رفع إلى القاضي الشافعي أن شخصاً يقال له أبو بكر

стр. 2442

العزولي يدعي المشيخة ويتكلم على الناس فضبطوا عليه أنه قال: الأنبياء عرايا عن العلم لقوله تعالى قالوا سبحنك الله لا علم لنا إلا ما علمتنا ونح ذلك من الأشياء الشنيعة، فمنعه القاضي من الكلام بعد أن عزره بالقول، وهذا أبو بكر هو أخو شمس الدين رئيس المؤذنين بجامع ابن طولون، وفي ذي القعدة مات قرا يوسف التركماني الذي تملك تبريز وبغداد وغيرهما، وخمدت الفتنة بموته جداً. لطيفة: اشتهر بين الناس أن الذي يريد أن يعرف مقدار نيل السنة ينظر في أول يوم من مسرى إلى منتهى الزيادة فيزيد عليها ثمانية أذرع، حتى سمعت الإمام عز الدين ابن جماعة يحكي ذلك عن أبيه عن جده، وأن بدر الدين ابن جماعة كان يعتمد لك ويدعي أنه لا يخطئ، فاتفق في هذه السنة أنه أخطأ، ثم تأملت فوجدته أخطأ أيضاً في سنة ١٥، وبيان ذلك أنه في أول يوم من مسرى في هذه السنة كان أكمل ثمانية أذرع وثلاثة عشر إصبعاً، فلو أضيف إليها ثمانية أذرع لكان يلزم أن تكون غاية الزيادة ستة عشر ذراعاً وثلاثة عشر إصبعا، والفرض انه انتهى في هذه السنة إلى ثمانية عشر ذراعاً وثلاثة أصابع، وأما في سنة خمس عشرة فكان في أول يوم من مسرى قد بلغ ستة عشر ذرعاً، فلو زيد ثمانية لبلغ أربعاً وعشرين، ولم يقع ذلك. وفي العشرين من شوال عهد المؤيد لولده أحمد بالسلطنة

стр. 2443

وعمره سنة ونصف، وكان مرضه اشتد وأرجف بموته ثم تنصل ودخل الحمام وزينت البلد، ثم ركب واجتاز بالقاهرة إلى منظرة التاج. ذكر من مات في سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة من الأعيان إبراهيم ابن السلطان الملك المؤبد - تقدم في الحوادث. تغرى برمش ابن يوسف بن عبد الله التركماني زين الدين الحنفي، قدم القاهرة شاباً وقرأ على الجلال التباني وغيره وداخل الأمراء الظاهرية وصارت له عصبية وكان يتعصب للحنفية ويحب أهل الحديث مع ذلك وينوه بهم ويتعصب لأهل السنة ويكثر الحط على ابن العربي وغيره من متصوفي الفلاسفة، وبالغ في ذلك حتى صار يحرق ما يقدر عليه من كتب ابن العربي وربط مرة كتاب الفصوص في ذنب كلب، وصارت له بذلك سوق نافقة عند جمع كثير، وقام عليه جماعة من أضداده فما بالى بهم، ولما تسلطن المؤيد عرفه فقربه وأكرمه فقرر عنده بعض تلامذته واستأذنه في الحج والمجاورة، فصار إلىمكة فأقام بها من سنة سبع عشرة إلى أن مات، وصار تلميذه ذلك ينفق سوقه به ويحصل له الأموال ويرسلها وقام له جاه عريض ويم يكن بالماهر في العلم ولكن مشى حاله بالجاه وكتب له توقيع بتغيير المنكرات فأبغضوه ورموه بالمصائب حتى قال فيه شعبان بن داود الآثاري من أبيات:

стр. 2444

مبارك أبرك منه ما ترى وقد ترجمه الشيخ تقي الدين المقريزي فبالغ في ذمه فقال رضي من دينه وأمانته بالحط على ابن العربي مع عدم معرفته بمقالته، وكان يرمي في نفسه بشنيعة وكان قد اشتغل فما بلغ ولا كاد لبعد فهمه وقصوره، وكان يتعاظم مع دناءته ويتمصلح مع رذالته حتى انكشف للناس سيرته وانطلقت الألسن تذمه بالداء العضال مع عدم مداراته وشدة انتقامه ممن يعارضه في أغراضه، ولم يزل على ذلك حتى مات بمكة ليلة الاربعاء مستهل المحرم. خليل بن عبد الرحمن بن الكويز صلاح الدين ناظر الديوان المفرد، مات في العاشر من شهر رمضان، وكان الجمع في جنازته متوفراً، وكان متواضعاً كثير البشاشة حسن الملتقى كثير الصدقة. عبد الله بن شاكر بن عبد الله بن الغنام، القبطي الصاحب كريم الدين، ولي الوزارة في حياة الاشرف ثم باشرها مراراً، وحج كثيراً وجاور، وجعل داره مدرسة، وعمر أزيد من تسعين سنة،

стр. 2445

ومات في سادس عشري شوال، ودفن بمدرسته بالقرب من الجامع الأزهر، وكان موصوفاً بالعسف في مباشرته، واستمر خاملاً أكثر من ثلاثين سنة. عبد الله بن محمد. السمنودي جمال الدين الشافعي، اخذ عن الشيخ جمال الدين الأسنوي وأبي البقاء والشيخ محمد الكلاي، ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني، ودرس بأماكن فنفع الناس مع المروءة والعصبية والقيام في مصالح أصحابه، مات في سلخ رجب ودفن في مستهل شعبان. عبد الله بن مقداد، جمال الدين الأقفهسي المالكي، تفقه على الشيخ خليل وغيره، وشرح الرسالة، وكان قلي الكلام في المجالس مزجي البضاعة في غير الفقه، وولي القضاء مرتين، وناب أولاً في الحكم، ومات وهو على القضاء في رابع عشر جمادى الأولى وقد قارب الثمانين فيما سمعته يقول، ولما مات اتفق أهل الدولة على إقامة جمال الدين يوسف ابن نعيم البساطي، ثم صرف ذلك عنه لابن ابن عمه شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان البساطي، وشمس الدين أفقه وأكثر معرفة بالفنون من جمال الدين لكن جمال الدين أسن وأدرب بالأحكام وأشهم. علي القلندري صاحب الزاوية خارج الصحراء، كان أحد من يعتقد.

стр. 2446

قرا يوسف بن قرا محمد التركماني، كان في أول أمره من التركمان الرحالة فتنقلت به الأحوال إلى أن استولى بعد اللنك على عراق العرب والعجم، ثم ملك تبريز وبغداد وماردين وغيرها، واتسعت مملكته حتى كان يركب في أربعين ألف نفس، وكان نشأ مع والده، وكان قد تغلب على الموصل ثم ملكها بعده، وكان ينتمي إلى أحمد بن أويس، وتزوج أحمد أخته وكان يكاتب صاحب مصر وابنه بعد أحمد بن أويس في مهماته - وقد تقدم ذكر شيء من ذلك في الحوادث، ثم وقع بينهما وقتل أحمد رسله فغزاه فهرب أحمد منه، فملك بغداد سنة خمس وثمانمائة، فأرسل اللنك عسكراً فهرب وقدم دمشق، وكان أحمد لما هرب قدمها فتصالحا، ثم توجه قرا يوسف مع يشبك ومن معه إلى القاهرة، فلما كان من وقعة السعيدية سنة سبع وثمانمائة ما كان رجع، وتوجه من دمشق في صفر سنة ثمان إلى الموصل ثم إلى تبريز، ثم واقع مراراً أبي بكر بن مرزا شاه بن اللنك فقتله في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة واستبد بملك العراق، وسلطن ابنه محمد شاه ببغداد بعد

стр. 2447

حصار عشرة أشهر، ثم ثار أهل بغداد وأشاعوا أن أحمد بن أويس حي، فخرج محمد شاه من بغداد وكاتب أباه بما اتفق فرجع ودخل بغداد، وفر آل أحمد بن أويس إلى تستر، ودخلها محمد شاه في جمادى الأولى سنة أربع عشرة، وفي غضون ذلك كانت لقرا يوسف مع ليدكي ومع شاه رخ ابن اللنك ومع الشيخ إبراهيم الدربندي وقائع، ثم سار إلى محاربة قرا يلك وكان بآمد ففر منه وتبعه، ودامت الحرب مدة ثم حصر شاه رخ بتبريز فرجع قرا يوسف، وتبعه قرا يلك فنهب سنجار ونهب قبل أهل الموصل وأوقع بالأكراد، واختلف الحجال بين شاه رخ وقرا يوسف حتى تحالفا وتصالحا وتصاهرا، ثم انتقض الصلح سنة سبع عشر وتحاربا. وفي سنة عشرين طرق البلاد الحلبية، ثم صالحه قرا يلك، ثم رجع يريد تبريز خوفاً من شاه رخ. وفي سنة إحدى وعشرين كانت بينه وبين قرا يلك عثمان بن طورغلي وقعات حتى فر قرا يلك فقدم حلب، انتقل الناس من حلب خوفاً من قرا يوسف وكان قد وصل إلى عينتاب، وكتب إلى المؤيد يعتذر بأنه لم يدخل هذه البلاد إلا طلباً لقرا يلك لكونه هجم على ماردين وهو من بلاد قرا يوسف فأفحش في القتل والأسر والسبي بحيث بيع صغير واحد بدرهمين وحرق المدينة، فلما جاء قرا يوسف أحرق عينتاب وأخذ من أهلها مالاً كثيراً مصالحة وتوجه إلى البيرة

стр. 2448

فنهبها، ثم بلغه أن ولده محمد شاه عصى عليه ببغداد فتوجه وحصره واستصفى امواله وعاد إلى تبريز، فمات في ذي القعدة وقام من بعده ابنه إسكندر بتبريز، واستمر محمد شاه ببغداد، وكان قرا يوسف شديد الظلم قاسي القلب لا يتمسك بدين، واشتهر عنه أن في عصمته أربعين امرأة، وقد خربت في أيامه وأيام أولاده مملكة العراقين - وتقدم كثير من أخباره في الحوادث. محمد بن الطنبغا القرمشي ولد الأمير الكبير، كان شاباً حسناً شهماً شجاعاً، مات مسلولاً ويقال إنه سقي السم، وأسف عليه أبوه جداً. محمد بن بوزنة البخاري، يلقب نبيرة - بنون وموحدة وزن عظيمة، ذكر أنه من ذرية حافظ الدين النسفي، ونشأ ببلاده وقرأ الفقه وسلك طريق الزهد، وحج في هذه السنة وأراد أن يرجع إلا بلاده فذكر أنه رأى النبي ﷺ في النوم فقال له: إن الله قد قبل حج كل من حج في هذا العام وأنت منهم - وأمره أن يقيم بالمدينة، فأقام فاتفقت وفاته يوم الجمعة ودفن بالبلقي. محمد بن علي السوهاي ثم المصري جمال الدين، أحد العدول بمصر،

стр. 2449

كتب المنسوب على شيخنا أبي علي الزفتاوي وانتفع به الناس في ذلك، مات في شهر رجب وقد جاوز الخمسين. محمد بن علي الحبري الشرابي أبوه وأما هو فباشر في أعوان الحك للمالكية، ثم وقعت واقعة سجن بسببها ثم حكم بحقن دمه وأطلق ثم عمل في دكان سكري، ثم توصل إلى أن عمل حسبة مصر ثم القاهرة، وكان عامياً جلفً قليل الخير كثير الشر. لقبه شرف الدين. محمد بن محمد بن حسين، المخزومي البرقي شمس الدين الحنفي، كان مشهوراً بمعرفة الأحكام مع قلة الدين وكثرة التهتك. وقد باشر عدة أنظار وتداريس، مات في جمادى الأولى. محمد بن العلامة شمس الدين محمد بن سليمان، ابن الخراط الحموي شمس الدين الشاعر المنشي الموقع، أخذ عن أبيه وغيره وقال الشعر فأجاد، ووقع في ديوان الإنشاء، وكان مقرباً عند ابن البارزي، ولم يكمل الخمسين، وعاش أخوه زين الدين عبد الرحمن بعده وهو أسن منه إلى سنة أربعين.

стр. 2450

محمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد، شمس الدين الصغير - بالتصغير - الطبيب المشهور، ولد في ١٥ جمادى الأولى سنة ٧٤٥، وكان أبوه فراشاً، فاشتغل هو بالطب وحفظ الموجز وشرحه وتصرف في العلاج فمهر، وصحب البهاء الكازروني، وكان حسن الشكل له مروءة، مات بعد مرض طويل في عاشر شوال. محمد بن محمد بن عثمان، القاضي ناصر الدين البارزي كاتب السر، ولد في شوال سنة تسع وستين، وحفظ الحاوي في صغره واستمر يكرر عليه ويستحضر منه، وتعانى الآداب وقال الشعر، وكتب الخط الجيد، ثم ولي قضاء بلده وكتابة السر بها وقضاء حلب وكتابة السر بالقاهرة طول دولة المؤيد. وكان لطيف المنادمة كثير الرئاسة ذا طلاقة وبشر وإحسان للعلماء والفضلاء على طريقة قدماء الكرماء، ومات في يوم الأربعاء ثامن شوال، ومشى الناس في جنازته من منزله بالخراطين إلى الرميلة، ولم يصل السلطان عليه لأنه كان في غاية الضعف حينئذ. محمد بن محمد بن محمد بن سعيد، الصغاني جمال الدين ابن الضياء ولد قاضي مكة، ناب في عقود الأنكحة، ومات بمكة في ربيع الأول. محمد بن موسى بن علي بن عبد الصمد بن محمد بن عبد الله، المراكشي الأصل ثم المكي الحافظ جمال الدين أبو المحاسن ابن موسى، ولد في ثالث

стр. 2451

رمضان سنة سبع وثمانين، وحفظ القرآن، وأجاز له وهو صغير قبيل التسعين وبعدها أبو عبد الله بن عرفة وتقي الدين ابن حاتم وناصر الدين ابن الميلق وجماعة وتفقه، وحبب الطلب فسمع بمكة على مشايخ مكة كابن صديق ومن دونه وعلى القادمين عليها كعلاء الدين الجزري وعبد الرحمن الدهقلي وشهاب الدين ابن منيب، وأخذ علم الحديث عن الشيخ جمال الدين ابن ظهيرة والحافظ تقي الدين الفاسي والحافظ صلاح الدين الأقفهسي وتخرج به في المعرفة في طريق الطلب والعالي والنازل، ورحل إلى الديار المصرية فسمع من شيوخها ثم رحل الشام فأدرك عائشة بنت عبد الهادي خاتمة أصحاب الحجار، وجال في رحلته فسمع بحلب وحماة وحمص وبعلبك والقدس والخليل وغزة والرملة، وسمع بالإسكندرية وغيرها، ثم رجع وقد كمل معرفته، وخرج لغير واحد من مشايخه منهم الشيخ زين الدين بن حسين ومحمل تراجم مشايخه فأجاد فيها، وخرج لنفسه أربعين متباينة متوافقات لكن لم يلتزم فيها السماع بل خرج فيها بالإجازة، ثم رحل اليمن فسمع بها ومدح الناصر أحمد فأجازه وولاه مدرسة هناك، فأقام بتلك البلاد

стр. 2452

وصار يحج كل سنة، وكان ذا مروءة وقناعة وصبر على الأذى باذلاً لكتبه وفوائده، وكان موصوفاً بصدق اللهجة وقلة الكلام وعدم ما كان عند غيره من أقرانه إباءة من اللهو وغيره من صباه إلى أن مات، فلما كان في هذه السنة قدم حاجاً فعاقهم الريح فخشي فوات الحج فركب في البر وأجهد نفسه فأدركه، وتوعك واستمر مريضاً إلى أن مات في ثامن عشري ذي الحجة ودفن بالمعلى. محمد الشهير بابن بطالة كان أحد المشايخ الذين يعتقدهم أهل مصر، وله زاوية بقنطرة الموسكي، وكانت كلمته مسموعة عند أهل الدولة، واشتهر جداً في ولاية علاء الدين ابن الطبلاوي، وكانت جنازته مشهودة، حملها الصاحب بدر الدين بن نصر الله ومن تبعه، ومات في خامس عشري شهر ربيع الأول وقد جاوز الثمانين. موسى بن محمد بن نصر، البعلبكي المعروف بن السقيف القاضي شرف الدين أبو الفتح، ولد سنة اثنتين وخمسين، واخذ الفقه عن الخطيب جلال الدين والحديث عن عماد الدين ابن بردس وغيرهما، واشتغل بدمشق عند ابن الشريشي والزهري وغيرهما ومهر، وتصدى للإفتاء والتدريس ببلده من أول سنة إحدى وثمانين وهلم جرا، وولي قضاء

стр. 2453

بلده مراراً فحسنت سيرته، وكان كثير البر للطلبة سليم الباطن، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وله أوراد وعبادة، وانتهت رئاسة الفقه ببلده إلى أن مات في هذه السنة في جمادى الآخرة. ناصر الدين بن أحمد بن منصور بن مزني البسكري، كان أبوه من أمراء الغرب صاحب ثروة ومعرفة فحج هو ووقع للسلطان غضب على أبيه فأوقع به، فاستمر ناصر بالقاهرة واشتغل وكان لهجاً بالتاريخ وأخبار الرواة جماعة لذلك ضابطاً له مكثراً منه جداً، وأراد تبييض كتاب واسع في ذلك فأعجلته المنية، ومات في شعبان مها ولم يدخل الكهولة. يوسف بن الشيخ إسماعيل بن يوسف، الأنبابي الشيخ جمال الدين ابن القدوة إسماعيل، أخذ الكثير عن شيوخنا وقرأ في الفقه والعربية والأصول وأكثر جداً ثم انقطع بزاوية أبيه بأنبابة، وأحبه الناس واعتقدوه، وحج مراراً، وكان يذكر لنفسه نسباً في سعد بن عبادة، ومات في شوال وخلف مالاً كثيراً جداً.

стр. 2454

يوسف بن محمد، التركماني المعروف بقرا يوسف بن بيرم خواجا - تقدم في قرا يوسف. سنة أربع وعشرين وثمانمائة استهلت يوم الاثنين ورئي الهلال في تلك الليلة كبيراً ودام حتى غاب الشفق، وسمعنا بعض الجند يقول إنه رآه ليلة الأحد، كذا ثبت في حلب وكان يوم الاثنين حادي عشر طوبة، وفي أوله اشتد مرض السلطان وأرجف بموته وحصل له ذرب مفرط واستمر إلى أن مات ضحى يوم الاثنين ثامن السنة، وحضر موته الشيخ يحيى السيرامي وبعض الأمراء، ثم اجتمع الأمراء والقضاة والخليفة وسلطنوا ابنه أحمد ولقب المظفر وذلك قبل تجهيز والده، وكان القائم بذلك الأمير ططر وهو يومئذ أمير مجلس، ثم جهز الملك المؤيد وتقدم للصلاة عليه الخليفة، ثم حمل من القلعة إلى مدرسته التي أنشأها داخل باب زويلة،

стр. 2455

ودفن بها في القبة التي دفن فيها ولده إبراهيم، وتأسف الناس عليه جداً وأكثروا الترحم عليه، وأمطرت السماء ساعة المسير بجنازته مطراً غزيراً جداً حتى مشى الناس في الوحل إلى المدرسة، واخبرني بعض أصحابنا أنه شاهد البرد ينزل من السماء كباراً، وكانت مدة سلطنة المؤيد ثماني سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام، وكان ابتدأ استقراره في نيابة الشام في سنة خمس وثمانمائة، فاستوفى في الملك عشرين سنة أميراً صرفاً وفي معنى السلطان وسلطاناً، وكان شهماً شجاعاً عالي الهمة كثير الرجوع إلى الحق محباً في الشرع وأهله صحيح العقيدة كثير التعظيم لأهل العلم والإكرام لهم والمحبة في أصحابه والصفح عن جرائمهم، ومحاسنه جمة. وفي عقب دفن السلطان قبض على الأمير قجقار القردمي وحبس بالقلعة، وكان شاع في مدة مرض المؤيد أنه يريد الركوب عليه فلم يقع ذلك، فلما مات المؤيد كان الأمراء مقيمين بالقلعة فلم يتوجه مهم في الجنازة إلا القليل فبادر الأمير ططر وقبض على قجقار، وكان قجقار أراد ذلك فلم يتهيأ له وكان يريد أن يكون هو المتكلم في المملكة فحيل بينه وبين ما أراد، واستقر ططر بتدبير المملكة ولف المؤيديه عليه وقربهم وأمرهم، ونودي في يوم الخميس بالإنفاق على الجند، فأنفق لكل واحد ثمانين ديناراً وأربعة آلاف فلوساً، وكان في خزانة المؤيد جملة مستكثرة من الفلوس، ولم يفتح الأمير ططر الخزانة إلا بحضرة القضاة، فاخذ منها قدر أربعمائة ألف دينار للنفقة، ثم أغلقها وختم عليها
следующие страницы →