Полный текст (3 236 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
ابن جرباش بن كرموك، وكان كرموك كبير طائفته وكذلك نسله، ولما مات كان في الخزانة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار من الذهب على ما قيل، فلم تمض السنة وفيها دينار واحد.
стр. 2487
ططر بن عبد الله الظاهري كان من مماليك الظاهر ثم كان في خدمة ابنه الناصر إلى أن أخرج إلى البلاد الحلبية بسبب جكم، فلما رجع الناصر إلى مصر استمر ططر مع جكم، ثم لما قتل جكم استقر أميراً بحلب وتمريغا المشطوب يومئذ النائب بحلب، فاستمر فيها مدة طويلة وهو في أثناء ذلك ينتمي لنوروز إلى أن وقع بين شيخ ونوروز وانكس نوروز استمر مع المؤيد، فلما اقتسما البلاد بعد قتل الناصر قدم مصر مع المؤيد، واستمر في خدمته إلى أن تسلطن وحاصره مع النوروزية وهو يظهر
стр. 2488
خدمة المؤيد ويداريه ويبالغ في ذلك إلى أن أمره طبلخاناة ثم أمره تقدمة، ثم لما توجه لقتال قانباي استنابه بالإصطبل، ثم لما مات المؤيد استقر نظام الملك وخرج بالعساكر إلى الشام، ثم تسلطن بعد أن رجع من حلب وقدم مصر، فلم تطل مدته كما مضى في الحوادث، وكان يحب العلماء ويعظمهم مع حسن الخلق والمكارم الزائدة والعطاء الواسع. ذكر لي قبل أن يتسلطن قي ليلة المولد النبوي في ربيع الأول من هذه السنة أنه كان في آخر الدولة المؤيدية في الليلة التي مات في صبيحتها المؤيد قد ضاقت يده لكثرة ما كان يصرف وقلة متحصلة حتى أن شخصاً قدم له مأكولاً فأراد أن يكافيه عليه فلم يجد قي حاصله خمسة دنانير إلى أن أرسل يقترضها من بعض خواصه فكلهم يحلف أنه لا يقدر عليها إلى أن وجدها عند أحدهم قلم يكن بين ذلك وبين أن استولى على المملكة بأسرها وعلى جميع ما في الخزائن السلطانية التي جمعها المؤيد سوى سبعة أيام؛ وأمرني أن أكتب هذه الواقعة قال في التاريخ فإنها أعجوبة، ولما وصل إلى دمشق وقتل الطنبغا القرمشي ومن معه قرر في نيابة حلب إينال الساقي، ثم لما قدم حلب أقام بها أربعين يوماً أو أكثر وقرر في نيابتها تغرى بردى بن قصروه، وبعد السلطنة نقل تانى بك البجاسي من
стр. 2489
نيابة حماة إلى نيابة طرابلس وقرر في نيابة حماة جارقطلي.
عبد الله بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن عبد الوهاب بن علي بن نزار.
الظفاري عفيف الدين، كان جده الأعلى عبد الوهاب انتزع ظفار من يد الجواد أي بكر بن إبراهيم بن المنصور عمر بن علي بن رسول، واستمر في ملكها وتناوبها أولاده إلى أن حاربهم علي بن عمر بن كثير الكثيري فانهزم عبد الله وأخوه أحمد، فأما أحمد فانقطع خبره، وأما عبد الله فاستمر يتنقل إلى البلاد إلى أن دخل مكة، ثم دخل القاهرة وحيداً فقيراً فحضر عندي وشكى إلي حاله فبررته، وسكن بالجامع الأزهر مع الفقراء إلى أن مات.
عبد الرحمن القاضي جلال الدين بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن عبد الخالق البلقيني، ولد في جمادى سنة ثلاث وستين وسبعمائة وتفقه بأبيه، وكان ذكياً جداً فحفظ التدريب وبحث في الحاوي، ودخل مع أبيه إلى دمشق لما ولى القضاء وهو صغير، ولم يقف له في طول عمره على سماع شيء لا بمصر ولا بدمشق إلا على والده ومع ذلك فكان من عجائب الدنيا في سرعة الفهم وجودة الحافظة، وأول شيء ولى توقيع الدست، ثم ولى قضاء العسكر بعد موت أبيه بدر الدين، وكان شديد البأو تياها، ومن لم يقل له: قاضي القضاة، يغضب منه، وله مع
стр. 2490
القضاة وغيرهم وقائع، فلما تحقق موت صدر الدين المناوي ووثوب القاضي ناصر الدين ابن الصالحي على المنصب شق عليه وسعى إلى أن ولى في رابع جمادى الآخرة سنة أربع وثمانمائة كما تقدم، ثم سعى عليه الصالحي وعاد ثم مات فولى الإخنائي، ثم سعى على الإخنائي فعاد، ثم تناوب معه مراراً وفي آخرها استقرت قدمه من سنة ثمان وثمانمائة إلى أن صرف بالباعوني بعد قتل الناصر سنة خمس عشرة، ثم أعيد عن قرب من شهر واحد واستمر إلى أن صرف بالهروي سنة إحدى وعشرين، ثم أعيد بعد عشرة أشهر فلم يزل إلى أن مات - وقد مضى بسط ذلك في الحوادث، وكان قد اعتراه وهو بالشام قولنج فلازمه في العود وحصل له صرع فكتموه، ولما دخل القاهرة عجز عن الركوب في الموكب فأقام أياماً عند أهله، ثم عاوده الصرع في يوم الأحد سابع شوال، ثم عاوده إلى أن مات وقت أذان العصر من يوم الأربعاء عاشر شوال، وصلي عليه ضحى يوم الخميس ودفن عند أبيه، وتقدم في الصلاة عليه الشيخ شمس الدين ابن الديري، قدمه أولاده، ولم تكن جنازته حافلة، وكان يذكر الناس في التفسير كل يوم جمعة من حين وفاة أبيه إلى شوال سنة ثلاث وعشرين، وكان ابتدأ فيه من الموضع الذي انتهى أبوه، وقطع عند قوله: من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد.
стр. 2491
عبد القادر بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يوسف الصلاح ابن الزكي الأرموي المسند، مات ليلة الاثنين ثاني عشر شوال من هذه السنة.
عبد الوهاب بن أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب، البقاعي الفاري - بالفاء والراء الخفيفة - الدمشقي أبو نصر تاج الدين الزهري، ولد سنة سبع وستين، وحفظ التمييز وغيره، واشتغل على والده وعلى النجم ابن الجابي والشريشي وغيرهم، ونشأ هو وأخوه عبد الله على خير وتصون، ودرس في حياة أبيه بالعادلية الصغرى واستمرت بيده إلى أن مات، ودرس بعد أبيه بالشامية البرانية، وولي إفتاء دار العدل، وناب في الحكم مدة طويلة، وولاه الأمير نوروز القضاء بإتقان الفقهاء عليه بعد موت الإخناي فباشره مباشرة حسنة، فلما غلب المؤيد على نوروز صرفه ولم يعرض له بسوء فلزم الشباك الكمالي بجامع دمشق يفتي وبالشامية يدرس، وكان حسن الرأي والتدبير ديناً، وله حظ من عبادة إلا أنه لم يكن مشكوراً في مباشرة الوظائف؛ مات في شهر ربيع الآخر. قال القاضي تقي الدين الأسدي: كان يستحضر التمييز إلى آخر وقت، وكان عاقلاً ساكناً، كثير التلاوة
стр. 2492
يقوم الليل، كثير الأدب والحشمة، طاهر اللسان؛ مات في ربيع الأول.
علي المعروف بالشيخ حدندل، كان أحد من يعتقد وهو مجذوب؛ مات في صفر.
قجقار القردمي، أحد الأمراء الكبار، ولي نيابة حلب في زمن المؤيد سنة عشرين ثم نقله منها إلى دمشق أميراً، ثم أقدمه القاهرة وأمره، فلما مات المؤيد أراد أن يتسلطن فعوجل وأمسك قبل دفنه ثم قتل في هذه السنة، وكان جواداً مهاباً، مثير الحشمة والأدب، وكأنه بلغ الستين، وملت في سلطنة الناصر تنقلت به الأحوال إلى أن صار في صحبة المؤيد لما ولي نيابة حلب فاستمر إلى أن تسلطن فأمره
стр. 2493
تقدمة فصار من أمراء الألوف، ثم ولاه نيابة حلب سنة عشرين عوضاً عن اقباي، فلما توجه السلطان إلى الروم كان في صحبته فقرره في حصار كركر مع عدة أمراء، فلما طرق قرأ يوسف البلاد فر قجقار إلى حلب، فبلغ السلطان ذلك فغضب عليه ثم رضى عنه وجهزه إلى الشام بغير إمرة، ثم أعيد لما رجعوا إلى القاهرة، ثم تجهز مع ولد السلطان إلى بلاد ابن قرمان، فلما عاد عظم قدره، وامتدت عينه عند ضعف المؤيد إلى السلطنة وحرص على ذلك، فسبقه ططر فقبض عليه فكان آخر العهد به.
كردى بك أمير التركمان بالعمق ابن كدير التركماني، استولى على العمق من أعمال حلب بعد موت ابن صاحب الباز، وكان يقع بينه وبين أمراء حلب فتارة يصافيهم وتارة ينابذهم، وكان قد كثر جمعه بعد قتل جكم وطمع في الاستيلاء على ما حوله من القلاع فجمع له تمربغا المشطوب نائب حلب في أيام الناصر عسكراً وقصده وهو بطرف العمق من جهة الشمال فوقعت الوقعة، وكانت الكسرة على العسكر الحلبي فقوى تمر كردي بك، وكان إذا ولي دمرداش نيابة حلب يطمئن ويصانعه بخلاف غيره، ولما ولي الملك المؤيد نيابة حلب في أواخر دولة
стр. 2494
الناصر، نازله بالعمق وكردى بك تحت الجبل بالقرب من بقراس، فهجم كردى بك بعسكره على شيخ، فثبت له إلى أن وقعت الكسرة على عسكر كردى بك فانهزم وتشتت عسكره، واستمر كردى بك هارباً وخرج الناصر طالباً القبض على شيخ ونوروز، فكان من أمره ما كان وقتل وصارت السلطنة للمؤيد، فلما ولي دمرداش نيابة حلب حضر كردى بك ووافقه على معاملة الأمير طوخ وهو نائب حلب، فقوى طوخ ورجع كردى بك وصحبته دمرداش إلى العمق، ثم توجه إلى مصر وآل أمره إلى القتل، واستمر كردى بك في بلاده وأظهر طاعة المؤيد، فلما مات ودخل الظاهر ططر حلب في سنة أربع وعشرين حضر كردى بك، واتفق أن ططر كان من جملة الأمراء صحبة تمربغا المشطوب فتذكر الواقعة لما رآه فأمر بشنقه، فقتل وشنق وعلقت رأسه بجف كلب، وذلك في آخر رجب من هذه السنة؛ وكان كردى بك قليل الشر للمسافرين والقوافل في أيامه آمنة - نقلته من ذيل تاريخ حلب.
محمد بن إبراهيم، البوصيري شمس الدين الشافعي، كان خيراً ديناً، كثير النفع للطلبة، يحج كثيراً، ويقصد الأغنياء لنفع الفقراء، وربما
стр. 2495
استدان للفقراء على ذمته ويوفي الله عنه، وكانت له عبادة، وتؤثر عنه كرامات، مات في سادس ربيع الآخر.
محمد بن أحمد، ناصر الدين الهذباني الكردي الطبردار، كان من أبناء الأجناد، فتعلق بمجالسة العلماء فصحب الكمال الدميري ثم نور الدين الرشيدي، وكان يتدين ويسرد الصوم ويواظب الجماعة ولا يقطع صلاة الصبح بالجامع الأزهر، يقوم نحو ربع الليل يتمشى من منزله بحارة بهاء الدين إلى الأزهر فيصلي به الصبح كل يوم، وكان يكتسب من التجارة في الحوائص ثم كبر وترك، لازمني مدة، وكان على ذهنه أشياء.
محمد بن خليل بن هلال، عز الدين الحاضري الحلبي الحنفي، ولد في إحدى الجماديين سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ورحل إلى دمشق فأخذ بها عن جماعة منهم ابن أميلة، قرأ عليه سنن أبي داود والترمذي، ودخل القاهرة فأخذ عن الشيخ ولي الدين المنفلوطي والشيخ جمال الدين الأسنوي، ورحل إلى القاهرة مرة أخرى وجمع على العسقلاني إمام الجامع الطولوني، وتفقه ببلده وحفظ كتباً نحو الخمسة عشر كتاباً في عدة فنون، وأخذ عن الشيخ حيدر وغيره، ورافق الشيخ برهان الدين سبط ابن العجمي، وأخذ عن مشايخها كثيراً سماعاً واشتغالاً، وقرأ على شيخنا العراقي في علوم الحديث وأجاز له، ولازم العلم إلى أن انفرد وصار المشار ببلاده، وولي قضاء بلده ودرس وأفتى، وكان محمود
стр. 2496
الطريقة مشكور السيرة، مات في شهر ربيع الأول، وصليت عليه صلاة الغائب بالجامع الأزهر في أواخر جمادى الأولى، قال البرهان المحدث بحلب - ومن خطه نقلت: لا أعلم بالشام كلها مثله ولا بالقاهرة مثل مجموعه الذي اجتمع فيه من العلم الغزير والتواضع والدين المتين والمحافظة على صلاة الجماعة والذكر والتلاوة والاشتغال بالعلم، قلت: وكان المؤيد يكرمه ويعظمه - رحمها الله تعالى. محمد بن سويد شمس الدين المصري أخو بدر الحسن مات في هذه السنة بالصعيد محمد بن عبد الرحمن، ابن أبي الخير محمد بن أبي عبد الله، الفاسي رضى الدين أبو حامد الحسني المكي، ولد في رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وسمع الحديث وتفقه ودرس وأفتى، وولي قضاء المالكية في شوال سنة سبع عشرة عوضاً عن مستنيبه وابن عمه القاضي الشيخ تقي الدين، ثم عزل عن قرب فناب عن القاضي الشافعي، مات في ربيع الأول، وكان خيراً ساكناً متواضعاَ ذاكراً للفقه، وأخوه محب الدين أبو عبد الله محمد كان أسن من أخيه، أجاز له ابن أميلة وغيره، ومهر في الفقه.
محمد بن البرجي، بهاء الدين، ولي الحسبة مراراً ووكالة بيت المال
стр. 2497
وكان قد صاهر الشيخ سراج الدين على ابنته فولد له منها ولده بدر الدين محمد، ثم ماتت فتزوج بدر الدين ابن الشيخ المدعوة بلقيس فأولدها أولاداً، وكان استقر في شهادة العمائر السلطانية بواسطة ططر، ومات في أول صفر عن سبعين سنة.
يوسف الصفي - نسب إلى الصف من الإطفيحية، كان شيخاً مهاباً كثير البر والإيثار للفقراء قائماً بأحوالهم يأخذ لهم من الأغنياء، واتفق في آخر عمره أن شخصاً جاء فقال: رأيت النبي ﷺ في النوم يقول لي قل للشيخ يوسف يزورنا، فحج ثم رجع إلى القدس ثم رجع فمات، وله كرامات كثيرة.
لون الدين السطحي، كان مقيماُ بسطح جامع الحاكم وللناس فيه اعتقاد، انقطع ثلاثين سنة لا يخرج من منزله إلا يوم الجمعة، يغتسل ويعود، وكانت جنازته مشهودة.
سنة خمس وعشرين وثمانمائة
استهلت يوم الجمعة آخر يوم من. . . . وفيها ولدت فاطمة بنت
стр. 2498
القاضي جلال الدين البلقيني ولداً خنثى وفرج أنثى من تقي الدين رجب ابن العماد قاضي الفيوم، وقيل إن له يدين زائدتين، نابتتان في كتفيه، وفي رأسه قرنان كقرني الثور، فيقال: ولدته ميتاً، ويقال: بعد أن ولدته.
وفيها وقع بين أمير مكة حسن بن عجلان وبين القواد فتنة وتعصبوا عليه مع ابن أخيه رميثة بن محمد بن عجلان، فاستعان حسن بمقبل أمير ينبع فخرج في عسكره إلى جهة اليمن، فصالح القواد حسن بن عجلان واخرجوا رمثية عنهم فتوجه إلى جهة اليمن ورجع مقبل إلى بلده، ودخل الركب المصري من الحجاز في ثالث عشري المحرم، فأمسك تمرباي أمير الركب وأرسل إلى دمياط بطالا، وفي صفر نفي ايتمش إلى القدس بطال وكان قد عظم في دولة ططر وأراد الاستقلال بتدبير المملكة ونازع المباشرين فعملوا عليه حتى نفي، ثم أمر بعوده إلى القاهرة بعد ذلك عند إمساك طرباي، وفي ليلة رابع عشرة خسف القمر خسوفاُ شديداً بحيث لم يبق منه إلا اليسير وذلك في الثلث الأخير من الليل ولم يشعر أكثر الناس به، وفيه انقطع طرباي عن الخدمة السلطانية غضباً من برسباي، لأن بعض الأمراء مات فرام طرباي أخذ إمرته لبعض أصحابه فعارضه برسباي فتوجه طرباي إلى الربيع عند خيله بالجيزة، فأراد برسباي ملاقاته فأمر الوزير بإرسال ما جرت به العادة لأمثاله وعتبه
стр. 2499
على تأخير، وقيل إنه ضرب الوزير بسبب تأخير ذلك فبادر هو والأستادار وناظر الخاص إلى إرسال ما جرت العادة وذلك في العشرين من صفر، واستمر طرباي عند خيله فروسل فامتنع حتى سار بشبك الأعرج أحد الأمراء فخلف له وطيب خاطره، فلما استهل شهر ربيع الأول حضر الخدمة في يوم الثلثاء ثاني هذا الشهر؛ ثم أشاع برسباي أنه يريد أن يعمل المركب بالإيوان لحضور رسل ابن قرا يوسف، فحضر أهل المركب ومن جملتهم طرباي. فلما تكاملوا قيل لههم: الخدمة في الإيوان اليوم بطالة، فانصرفوا وأحضرت الرسل بالقصر ثم جلسوا في السماط فقال برسباي لطرباي: أنتم ما تعرفون أني كبير الأمراء؟ قال: نعم، قال: فلم تخالفون أمري؟ وأشار بالقبض على طرباي، فقام فجذب السيف فحمى نفسه، فهجم عليه قصروه أمير آخور فناوشه، فضربه برسباي من خلفه فجرح يده فسقط منها السيف، فأمسك وأمسك معه أميران من جهته وأرسلوا إلى الإسكندرية صحبة إينال الششماني فاعتقلوا بها.
وفي شهر ربيع الأول نازل تغري بردى بن قصوره الذي كان نائب حلب بعض القلاع فهزمه التركمان، فاستجار ببعضهم فأمنه، وفيه هبت ريح ذات سموم بالكرك وما حولها فأفسدت المزارع وقل الماء جداً بتلك البلاد وبالقدس وما حولها وتفرق أهل تلك البلاد من القحط.
стр. 2500
وفي شوال انتزع وقف الطرحى من القاضي الحنفي، ثم سعى أشد سعي حتى أعيد له وضم في نظره شخص آخر، وانتزع وقف قراقوش من القاضي الشافعي وأضيف إلى التاج الوالي وأمره أن يجمع متحصله ويبني منه خان السبيل، ففعل ذلك وجدد بناءه وقرر فيه غير من كان يتناول ريعه، وألزم أولاد البلقيني بغرامة مبلغ جيد بسبب ذلك، وألزم من كان يرتب عليه من الأغنياء بإعادة ما قبضوا منه، فاشتد الأمر عليهم ثم أفرج عنهم وفطموا عنه، وفيه عمل المولد السلطاني في حادي عشر ربيع الأول وحضر الملك الصالح والأمراء.
وفي الخامس عشر منه قبض على مرجان الخازندار وسلم لأرغون شاه الأستادار وكان حينئذ زماماً، فطلب منه مال كثير وضرب بعض أتباعه ضرباً شديداً ثم استقر مال مصادرته على ثلاثين ألف دينار، فعجل منها عشرين ألف دينار وضمنه بعض الأكابر بالعشرة وأطلق في آخر الشهر.
وفيه ادعى على شمس الدين محمد بن عبد المعطي الكوم الريشي الحنفي أنه قذف الشيخ شمس الدين محمد بن حسن الحنفي بالبغاء وأنه هو
стр. 2501
الفاعل به وأن ذلك كان بواسطة شهاب الدين الكوم الريشي أحد قراء الليث، وكانت الدعوى عليه عند قاضي القضاة الحنفي زين الدين التفهني وكان يكرهه لبذاء لسانه، فضربه القاضي بعد أن قامت عليه البينة، وكان الذي قام عليه بالدعوى شهاب الدين أحمد بن عبيد الله أحد نواب الحنفي، ويقال إن ممن شهد عليه الشيخ شرف الدين التباني والقاضي بدر الدين ابن التنيسي، فأرسل بعد ضربه إلى الحبس مكشوف الرأس، ثم أطلق بعد ثلاثة أيام بشفاعة نظام المملكة، واتفق حضور الذي ضربه عنده ومعه شهاب الدين الذي ادعى عليه فسأله عن القصة فتكلم ابن عبيد الله بشيء، فنهره كاتب السر فقال له الأمير: أنت الذي كان أخي فلان يتعشقك وغرم عليك مالاً كثيراً! وأمر بالتوكيل به وعزله من النيابة فاعتقل، ثم شفع به بعد أيام فأطلق وأعيد إلى عادته في النيابة وكان قد بالغ في أذى الكوم الريشي فعد ذلك عقوبة له، ورثوا للكوم الريشي مع بغضهم فيه لجنونه وتعترسه وكثرة مجونه، ولما أطق الكوم الريشي رافع بدر الدين محمود بن عبيد الله أخا الشهاب المذكور عند الأمير الكبير وأنه يفعل أشياء منكرة، فأحضره الأمير وضربه بحضرته وكتب عليه قسامة أن لا يحكم، ثم شفع فيه بعد مدة فأعيد.
стр. 2502
وفي خامس شهر ربيع الآخر قبض الوزير الأستادار أرغون شاه على كريم الدين ابن الوزير تاج الدين الذي ولي الوزارة والأستادارية ثم كتابة السر فيما بعد وكان يباشر ديوان الاستيفاء المفرد عن أبيه، ثم أطلق بعد أن صودر على مال.
وفي السادس منه قدم تاني بك ميق نائب الشام فخلع علبه باستمراره وعظمه برسباي جداً وتكلم الأمير الكبير معه في أمر السلطنة فوافقه على ذلك، فلما كان في الثامن من ربيع الآخر يوم الأربعاء قبل الظهر بقدر درجتين عقد له الملك وهو في المرقد بالأشرفية ثم ألبس الخلعة وجلس على التخت وفوض الخليفة وعقدت له البيعة ولقب الملك الأشرف، وخلع في صبيحة ذلك اليوم علي تنبغا
стр. 2503
المظفري واستقر أميراً كبيراً أتابك العساكر وتحول إلى البيت الذي فيه طرباي مقابل القلعة وانتقل إلى بيت ططر وغيرها من بيوت السلطنة واستقر فيها الأشرف، واستقر آقبغا التمرازي أمير مجلس عوضاً عن قجق بحكم انتقاله إلى وظيفة أمير سلاح عوضاً عن تنبغا واستقر تنبغا المظفري أتابك العساكر، وخلع الملك الصالح محمد فكانت مدة سلطنته أربعة أشهر، وخلع على نائب الشام خلعة السفر واستقر معه حسين بن السامري في نظر الجيش، وانفصل ابن الكشك عن نظر الجيش وبقي معه قضاء الحنفية وسافر، وعمل الأشرف موكباً حافلاً، وأحضرت رسل الفرنج الكسلان، ومنع السلطان من تقبيل الأرض له واقتصر على يده ودوره.
وفي ليلة الاثنين ثالث عشر ربيع الآخر أمطرت السماء بالقاهرة مطراً استمر الليل كله وقطعة من النهار وذلك في حادي عشر برموده وهو من المستغربات، وفي الشعر الذي استقر فيه الأشرف في السلطنة أمر بإبطال القدر الذي كان يأخذه من يسافر بالأمير المنفصل عن إمرته إذا حبس أو نفي، وكان المقرر لذلك ألفي دينار إلى ألف دينار إلى دونها بحسب مقاديرهم فأبطل ذلك وأمر أن ينقش في اللوح الرخام فوق النقش
стр. 2504
الذي جعله السالمي في دولة الناصر فرج بسبب المرتجع من الإقطاع عند انتقال الإمرة - وقد تقدمت الإشارة في الحوادث.
وفي جمادى الأولى جهز الأشرف إلى مكة مقبل القديدي بسبب عمارة ما وهي من المسجد الحرام وطلب من القاضي الشافعي ما كان القاضي جلال الدين البلقيني ذكر للمؤيد أنه تحصل عنده من ذلك وهو سبعة آلاف دينار فكشف القاضي الشافعي عن ذلك فوجد المختص بعمارة الحرمين قدر ألقي دينار أو يزيد قليلاً وباقي ذلك لعدة جهات من أوقاف وغيرها كانت مودعة تحت يد الجلال، فلم يقبل الأشرف ذلك وألزم المباشرين على الأوقاف المتعلقة بالحرمين بذلك، فلاذوا بالقاضي فأذن لهم في الاقتراض، ثم ضاق بهم الأمر فتعلق على ورثة جلال الدين فاستعيدت منهم ألف دينار كان والدهم أخذها من مال الحرمين على أنها من معلومه وكان أقام مدة طويلة لا يتناول من مال الحرمين معلوماً، فشهد عليه القاضي علاء الدين الحنبلي أنه كان تبرع بذلك، وكان نائب دمشق تاني بك ميق ونائب حلب تغري
стр. 2505
بردى ونائب حماه تاني بك البجاسي ونائب طرابلس أركماس الجلباني ثم صرف واستقر بعده ثم صرف تغري بردى من حلب إلى بهنسا وتحصن بقلعتها هو وكزل الذي كان هرب من المؤيد إلى ملطية، ونقل البجاسي إلى نيابة حلب وتولى نيابة حماه جارقطلي الصهيوني.
وفيه صرف شرف الدين بن تاج الدين عبد الوهاب ابن نصر الله من نظر الخزانة السلطانية وغيرها وأعيد ذلك لزين الدين عبد الباسط، فكانت ولاية شرف الدين لذلك نحو سبعة أشهر، وانصرف غير مشكور لبأو كان فيه ودعوى عريضة.
وفي الثامن من جمادى الأولى نودي أن لا يباشر نصراني في ديوان أحد من الأمراء، ثم انتقض ذلك بعد مدة، وكذا كان ضيق عليهم في الأيام المؤيدية ثم تراجعوا قليلاً قليلاً.
وفي التاسع منه جدد كاتب السر علم الدين ابن الكويز خطبة بالمدرسة البقرية مقابل باب منزله لتعاظمه أن لا يتوجه إلى الجامع الحاكمي ماشياً وإشفاقه من الإنكار عليه أن يتوجه راكباً مع قرب المسافة. وفي هذا الشهر أشار كاتب السر أيضاً بإبطال المارستان الذي
стр. 2506
أتخذه الملك المؤيد تحت القلعة مكان الأشرفية الشعبانية وأقام فيه خطيباً ظناً منه أنه يتقرب بذلك.
وفي هذه السنة كان فصل الربيع مختلف المزاج جداً ما بين حر شديد وسموم وما بين برد شديد وما بين ذلك.
وفي أواخر رمضان صرف أرغون شاه من الأستادارية وقرر فيها أيتمش الخضري.
وفي هذا الشهر حدثت كائنة غريبة وهو أن عبد الرحمن السمسار في الغلال كان اشترى دارا من ابن الرندي بشاطئ النيل فزخرفها وأتقنها وغرم عليها على ما يقال أكثر من خمسة آلاف دينار وقفها على جهات، وجعل صورة الوقف في خشب محفوراً فيه يقرأ كل أحد فلما مات شهد جماعة عند بعض نواب الحنفي بأنها وقف وذكروا شروطها بخلاف ما ظهر بعد ذلك محفوراً في الخشب. فاتفق أن المباشرين بديوان المفرد وجدوا على عبد الرحمن مسطوراً لجهة السلطان بمال جزيل فلم يوجد له ما يوفى منه فأمر ببيع داره، فقيل له إنها وقف فهدمها، فهدمت فكانت كائنة شنيعة، وبيع رخامها على حدة وخشبها
стр. 2507
على حدة، ثم باع ورثته أنقاضها، وبلطت الوقفية الأصلية الزور.
وفي جمادى الأولى ألزم الأشرف البزازين أن لا يبيعوا شيئاً من القماش بالنسيئة ولا يشتروه، فحصل لهم بذلك ضيق كبير، ثم أفرج عنهم وألزموا أن لا يخبروا الشراء مبهماً، بل إن كان نقداً فنقد وإن كان نسيئة فنسيئة.
وفي عاشر جمادى الآخرة قدم الهروي القاهرة فنزل بمدرسة ابن الغنام وهرع الناس السلام عليه إلا الديري وابن المغلي، ثم رام الهروي السعي في شيء من الوظائف، فعاجله كاتب السر ابن الكويز، فألزمه الأشرف بالرجوع إلى بيت المقدس، فتباطأ إلى نصف رجب يترجى الإقبال فلم يجب إلى ذلك وخلع عليه خلعة السفر فسافر.
وفي جمادى الآخرة اختطف تمساح في البحر - رجلاً من الصيادين كان نزل ليقبض على سمكة صادها فصاده التمساح وصار يصعد به إلى وجه الماء حتى يشاهده الناس ثم يغطس به إلى أن هلك.
وفيه شنق بعض العوام نفسه قهراً من زوجته كان طلقها وهو يحبها، فاتصلت بغيره، وركلته فيه فقتل نفسه، وفيه جب شخص عجمي مذاكيره بسبب أمرد كان يعشقه ولا يقدر عليه، فاتفق أنه أمكنه من نفسه فلم ينتشر ذكره فقطعه، فحمل إلى المارستان فمات. وفي أواخره
стр. 2508
قدم جار قطلي نائب حماة، فخلع عليه وأعيد ا.
وفي رجب أفرج عن الخليفة العباسي الذي ولي السلطنة وكان المؤيد سجنه بالإسكندرية فنقله إلى دمياط لكونها أبسط له، فلم يوافق واستأذن أن يقيم بالإسكندرية بغير سجن، فأجيب إلى ذلك.
وفي ثامن رجب حدث بالقاهرة زلزلة لطيفة، وفي أوائله عصى إينال نائب صفد وأطلق المسجونين بها وهم جلبان أمير آخور وإينال الجكمي رأس نوبة كان ثم نائب حلب ويشبك الأنالي الأستادار ووجد بصفد نحو مائة ألف دينار فتقوى بها وأرسل كتبه إلى الأمراء، فلم يوافقه من بالقدس فأرسلوا كتابه مصر فكوتب مقبل الذي كان دويدار وقرر - بعد قتل جقمق نائب الشام إمرة بدمشق بأن يتوجه إلى صفد نائباً بها، وكوتب نائب الشام فجمع العسكر وتوجه إلى صفد، فلما كان في العشر الأوسط من رجب أوقع إينال صفد - بالأعراب فكسروه، ففارقه الأمراء المسجونين الذين - كان أطلقهم فتوجهوا إلى دمشق طائعين، ثم أراد تغري بردى الكبكي الوثوب
стр. 2509
بنائب دمشق ففطن له فقتل. واتهم الأمراء الذين جاءوا طائعين بالخديعة في ذلك فقبض عليهم، ثم أطلق جلبان وسجن الآخران.
وفي هذه السنة كان المطر والبرد بالحجار شديداً، وأمطرت بنواحي صفد برداً بلغ وزن كل واحدة ثلاثين رطلاً بالمصري، ووجدت على باب بعض البيوت منها بردة لابدة مثل الثور.
وفي الثالث والعشرين من شهر رجب وصل قاصد النائب بالإسكندرية ومعه قاصد من صفد بكتاب يستدعيه فقبض على قاصد نائب صفد وخلع على قاصد نائب الإسكندرية، واستمر مقبل الذي استقر في نيابة صفد يحاصر نائبها المنفصل في القلعة إلى شوال، فنزل إينال بالأمان، فقبض عليه ودقت البشائر بالقاهرة، وأرسل بشمس الدين ابن العسال وكان قد ولي كتابة السر بها ونظر الجيش، فضرب بالمقارع بحضرة السلطان لكونه كاتب عن نائبها إلى نائب الإسكندرية وأمر بقطع يده فشفع به، وصادف زيادة النيل في ذلك اليوم يعني ثالث رجب عشرين إصبعا فسر الناس به وتباشروا
стр. 2510
بالرخاء والأمن، ثم نودي عليه في ثامن عشري رجب خمسين إصبعا، وفي اليوم الذي يليه ذراع، فأكمل أربعة عشر ذراعاً في خامس عشري أبيب وهو شيء لا عهد للناس به من دهر طويل، ثم أكمل ستة عشر ذراعاً في ثامن عشري أبيب، وكسر الخليج في تاسع عشريه وهو ثالث شعبان.
وفي السادس والعشرين من رجب خرج الركب الرجبي وكان لهم خمس وعشرون سنة لم يخرجوا، وحج خلق كثير منهم تاج الدين ولد القاضي جلال الدين البلقيني.
وفي ليلة الرابع عشر من شعبان خسف القمر حتى لم يبق من جرمه إلا اليسير، فاستمر من قبل نصف الليل إلى أن تكامل الجلاؤه طلوع الفجر.
وفي أول شعبان جلس السلطان للحكم بين الناس فطلب مدرسي القمحية وهم جمال الدين البساطي ومن يشركه فأهينوا وألزموا بالقيام - بمال لأجل عمارتها، وأرجف بأن أرضها الوقف أقطعت لبعض المماليك لكن لم يتم ذلك.
وفي حادي عشري شعبان صرف ابن العجمي عن الحسبة واستقر
стр. 2511
بدر الدين العيني، وجعل ما للمحتسب وهو في اليوم ديناران من الجوالي واحد للمحتسب وواحد لابن العجمي، وفيه حمل المظفر أحمد بن المؤيد من القلعة إلى الإسكندرية نهاراً فحبس بها في برج إلى أن مات بعد ذلك.
وفي الثاني والعشرين من شعبان أثبت أن أوله الاثنين شهد اثنان عند شمس الدين الأسيوطي المعروف بزوج الحرة النائب في الحكم فقبلهما، ولزم من ذلك أن يكون أول رمضان يوم الأربعاء، فلما كان ليلة الثلثاء خرجوا لترائي الهلال فما رأوا، ثم تراءوا ليلة الأربعاء فلما تكلم أحد برؤيته، ثم غاب ليلة الخميس مع مغيب الشفق وكثر كلام الناس في الشهادة الماضية.
وفي سادس عشر رمضان اشتهر نائب صفد الذي كان عصي فقبض ومعه نحو من ثلاثين نفراً ممن عصي معه، فقطعت أيديهم ونفوا من القاهرة مشاة فمات أكثرهم في الطريق.
وفي رمضان انتهى حصار قلعة بهنسا على يد نائب حماة فنزل تغرى بردى الأقبغاوي المعروف بابن قصروه بالأمان، ووقع في أثناء
стр. 2512
الحصار في كزل الصهيوني - نشابة فمات منها، وتدلى كمشبعا من القلعة ليهرب، ففطن به فقطع الحبل فوقع فتكسر.
وفي شهر رمضان أمر السلطان بإعادة الأذان بمئذنتي الناصر حسن بالرميلة، وكان الظاهر برقوق قد أمر بتعطيلها وعدم التوصل إلى صعودهما ثم أمر الناصر بهدم سلميهما، فأعيد ذلك بعد بضع وثلاثين سنة، وأعيد فتح الباب الكبير المجاور للقبور وكان الظاهر أمر بسده بالحجارة ففتح الآن وأزيلت الحجارة، وكان المؤيد قد نقل الباب إلى مدرسته فعمل للحسنية الآن باب جديد.
وفيها خرج العرب على أبي فارس صاحب تونس فسار في آثارهم نحواً من عشرة أيام حتى أوقع بهم وخضعوا له.
وفيها جهز أبو فارس عسكراً إلى الفرنج في البحر فنذروا بهم فبيتوهم فانهزموا، فغضب أبو فارس على قائد الجيش ونسبه إلى النهاون وضربه وأهانه وشرع في تجهيز جيش أخر، واتهم العامة أن صاحب فاس واطأ الفرنج على المسلمين فثاروا عليه فقتل بينهم مقتلة عظيمة.
стр. 2513
وفيها قوي صاحب تلمسان واستجد عسكراً.
وفيها كان الغلاء المفرط بحلب، ثم أعقبه الطاعون فمات بشر كثير. وفي أوائل هذا السنة آخذ الفرنج سبتة من أيدي المسلمين بعد أن كانت في أيديهم. . . . .
وفي رمضان استقر قطلوبغا حاجي التركماني ثم الحلبي في نظر الأوقاف وهو حمو الظاهر ططر وصار جد زوج السلطان الأشرف، فكان يقال له: أنو السلطان، فباشر بشدة وعنف.
وفيها أنهى بعض الخاصكية أن بلد التدريس بالجامع العمري المعروف بالخشابية ليس يستحق، لأن المدرسة الموقوف عليه لا يعرف، فأمر بإخراجها أقطاعاً، ثم شفع في مستحقيها فاستقرت بأيديهم واستهلكت.
وفي شوال أمر القاضي ولي الدين القاضي الشافعية بحبس ابن القوصية قاضي أسيوط، فشفع فيه المحتسب بدر الدين العينتابي فأخرج في الترسيم فشفع فيه كاتب السر، فامتنع القاضي من إطلاقه حتى يدفع ما في جهته
стр. 2514
من مال الحرمين، فتعصب له أيتمش الخضري فاستخلصه من أيدي الرسل، فبلغ القاضي فغضب ومنع نوابه من الحكم، فبلغ ذلك السلطان فأمر بإعادة ابن القوصية إلى الحبس واستدعى القاضي سراج الدين عمر ابن موسى - الحمصي الذي كان ينوب عن الشافعي، وجرى بسببه على صهره القاضي جلال الدين البلقيني ما جرى فقرره الشافعي في قضاء أسيوط عوضاً عن ابن القوصية فتوجه إليها واستمر مدة طويلة.
وفي ذي القعدة نزل السلطان إلى المطعم ورجع فاجتاز بالمدينة وقد زينت له فدخل العمارة التي استجدها بالركن المحلق.
وفي الثالث منه نفى عبد الله أخو أمير سعيد الكاشف بالوجه القبلي ودمرداش الكاشف بالوجه البحري إلى عينتاب، وأمر بنفي ابن القوصية، قاضي أسيوط معهما، ثم شفع فيه فتأخر وفي بابه وقع برد شديد عند نزول النيل وبادر الناس إلى للزرع، ثم وقع البرد في أوائل هاتور، ثم أعقبه حر شديد وسموم ففسد أكثر البرسيم، رعته الدود فأفسدت منه بالجيزة شيئاً كثيراً.
وفي أواخر ذي القعدة عز وجود اللحم الضأني وقل الجالب للأضحية، وبقي الناس بسبب ذلك. . . .
وفي ذي القعدة صرف إيتمش الخضري من الأستادارية وأعيد أرغون شاه، ثم أضيفت إلى أرغون شاه الوزارة في ثامن ذي الحجة
стр. 2515
منها وكان الوزير تاج الدين ابن كاتب المناخات قد استقر في الرابع من ذي الحجة، ثم قبض عليه في الثاني عشر منه وصودر على مال يقال ثمانية آلاف دينار، واستمر معزولاً.
وفي التاسع عشر من ذي الحجة وهو الموافق لثالث أيلول من القبطية ورد خبر الورد بالقاهرة، وهذا أسرع ما رأيت منه بها.
وفي السادس والعشرين منه وصل المبشر بسلامة الحاج، فقطع المسافة في خمسة عشرة يوماً، وهذا أسرع ما أدركناه من ذلك.
وفي رجب صرف القاضي بدر الدين ابن خطيب الدهشة عن قضاء حماة، واستقر زين الدين عمر بن أحمد بن مبارك ابن الخزري عوضاً عنه.
وفي شوال صرف القاضي نجم الدين ابن حجي عن قضاء دمشق بتاج الدين ابن الكركي نقلاً من قضاء حلب، واستقر علاء الدين ابن خطيب الناصرية في قضاء حلب، كعادته نقلاً من طرابلس، وأعيد ابن النويري إلى طرابلس.
وفي السادس من ذي الحجة صرف القاضي ولي الدين العراقي عن قضاء الشافعية، واستقر عوضه علم الدين صالح بن شيخنا - شيخ الإسلام سراج الدين وكان جلال الدين أخوه لما مات نظمت:
стр. 2516
مات جلال الدين قالوا ابنه … يخلفه أو فالأخ الكاشح
فقلت تاج الدين لا لائق … بمنصب الحكم ولا صالح
فكان كما قلت فإنه تولى فظهر منه التهور والإقدام على ما لا يليق وتناول المال من أي جهة كانت حلالاً أو حراماً ما لا كان يظن به ولا ألف الناس نظيره من أحد ممن ولي القضاء للشافعية بالقاهرة في الدولة التركية.
وكان فطر النصاري اليعاقبة في هذه السنة في اليوم الثاني من حلول الشمس برج الثور، وهو سابع عشر برموده، وهو التاسع عشر من ربيع الآخر.
وفي الثامن عشر من برموده أمر السلطان بلبس الأبيض فسبق العادة الأولى عشرين يوماً، وكان المؤيد قد أخر ذلك عن العادة قدر عشرين يوماً، فتباينا في ذلك جداً، واتفق أن البرد كان موجوداً أشد مما كان قبل ذلك إلا في وسط النهار.
وفي العشرين من ربيع الآخر استقر برهان الدين الشافعين قاضي
стр. 2517
صفد في كتابة السر بدمشق عوضاً عن الشريف، وأمر بإحضار الشريف إلى القاهرة وصودر على مال جزيل يقال عشرة آلاف دينار، وكان في نفس السلطان منه وهو أمير، ثم نقلت كتابة السر من البرهان لحسين ناظر الجيش، فجمع الوظيفتين بعناية صهره أزبك.
وفي شهر ربيع الآخر وقعت بدمياط كائنة بين العرب وفيه وقعت بالصعيد كائنة بين العرب في هوارة فقتل فيها أمير العرب سليمان ابن غريب بنواحي الأشمونين، وعاث العرب من أجلها في البلاد حتى قتل الذي توجه من القاهرة إلى الصعيد يبشر بسلطنة الملك - الأشرف فجهز السلطان م عسكراً، فلم يظفروا منهم بشيء لأنهم فروا، فرجع العسكر وقد أفسدوا في البلاد ببسط أيديهم إلى بعض الضعفاء فنهبوا بعضا وسبوا بعضاً وباعوا الأحرار على أنهم عبيد وإماء فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي الثامن عشر من شوال أدير المحمل، وخرج إلى الحج جمع كثير جداً بحيث انقسموا ثلاثة ركوب وأمير المحمل ياقوت الحبشي مقدام المماليك، وأمير الوسط جاني بك الخازندار، وأمير الأول اسندمر، وخرجوا في تجمل زائد وأبهة كثيرة، ووصل ركب المغاربة وقاضيهم
стр. 2518
صاحبنا زين الدين عبد الرحمن الرشكي، وانفرد عنهم ركب الينابعة فصاروا خمسة ركوب.
ذكر الحوادث الواقعة في هذه السنة
فيها أحضر إلى قرقماش الدويدار الثاني امرأة ادعى عليها بدين مطلت به فضربها، فأخرجت من يدها مكتوباً بإثبات إعسارها، فلم يلتفت وأعاد ضربها. ثم ضربها مرة ثالثة فماتت، فرفع الأمر للسلطان فأمر بدفنها وذهب دمها هدراً، وقد ولي قرقماش هذا بعد ذلك إمرة حاجب الحجاب مدة بالقاهرة ثم آل أمره إلى أن ركب على الملك الظاهر جقمق بعد أن كان هو القائم في سلطنته. فلم يتم له أمر وقبض عليه وسجن بالإسكندرية ثم قتل في سنة ٨٤٢.
وفيها كان الطاعون الشديد بحلب حتى يقال مات فيه سبعون ألفاً وخلا أكثر البلد من الناس.
وفيها اشتد السلطان في أمر الأوقاف التي على المدارس والجوامع
стр. 2519
والمساجد والزوايا وأحواض السبيل والأخذ على أيدي مباشرتها وإلزامهم بالقيام بها، وبالغ قطلوبغا ناظر الأوقاف في إهانتهم وباشر بصرامة وقوة وشهامة، ثم طال العهد فتناول الرشوة وسقطت مهابته.
ذكر من مات في سنة خمس وعشرين وثمانمائة من الأعيان.
إبراهيم بن أحمد، البيجوري الفقيه الشافعي برهان الدين، ولد في حدود الخمسين أو قبلها، وأخذ عن الأسنوي ولازم البلقيني، ورحل إلى الأذرعي بحلب سنة ٧٧٧ وبحث معه. وكان الأذرعي يعترف له بالاستحضار وشهد له الشيخ جمال الدين الحسباني عالم دمشق بأنه أعلم الشافعية بالفقه، في عصره، وذكر جمال الدين ابن الأذرعي أن البيجوري كان ينسخ القوت كل مجلد في شهرين وفي كل ليلة ينظر على مواضع فيصلح الأذرعي بعضها وينازعه في بعضها، وقال محيي الدين المصري: فارقته سنة خمس وثمانين وهو يسرد الروضة حفظاً، وكان ديناً خيراً متواضعاً لا يتردد لأحد سليم الباطن لا يكتب على الفتوى تورعاً، وولي بأخرة مشيخة الفخرية بين السورين، وأجاز لأولادي. وكثر تأسف الناس عليه فإنه كان ينفع الطلبة جداً حتى كانوا يصححون عليه تصانيف العراقي فيهذبها ويهديهم إلى الصواب مما يقع فيها من الخطأ نقلاً وفهماً، وكانوا يطالعون العراقي بذلك فلا يزال الصلح في تصانيفه ما ينقلونه له عنه، ولم يكن في
стр. 2520
عصره من يستحضر الفروع الفقيهة مثله، ولم يخلف بعده من يقارنه في ذلك، مات في يوم السبت ١٤ رجب، وكان على طريقة السلف.
إبراهيم بن محمد الشافعي برهان الدين ابن خطيب بيت عذراء، ولد سنة اثنتين وخمسين بعجلون، وقدم مع أبيه صغيراً، وكان أبوه خطيب عذراء فحفظ إبراهيم المنهاج واشتغل على شيوخ العصر، وأذن له ابن خطيب يبرود، ورحل إلى الأذرعي بحلب ورافق ابن عشائر وكان حينئذ يستحضر الروضة حتى كان يرد على الاذرعي في بعض ما بفتى به ويدل على المسألة في الروضة في غير مظنتها، وتصدى للقاضي شهاب الدين ابن أبي الرضى حتى أخذ عليه في ثلاثين فتياَ أخطأ فيها حتى نسبه في بعضها لمخالفة الإجماع مع شدة ذكاء ابن أبي الرضى إذ ذاك، وكان البلقيني يفرط في تقريظه والثناء عليه، ثم ولي قضاء صفد بعناية الشيخ محمد المغيربي، ثم عزل ثم أعيد، ثم أقام بدمشق من سنة ست وثمانمائة بطالاً وحصلت له فاقة، ثم حصل له تصدير بالجامع، وكان يحفظ كثيراً من شعر المتنبئ ويتعصب له ويحفظ أشياء من كلام السهيلي، وكان حسن الشكل سهل الانقياد سليم الباطن، وله شرح على المنهاج فيه غرائب، ولم يكن له يد في شيء من العلوم إلا الفقه خاصة، مات في سابع عشري المحرم بالفالج وقرر ابن منكلي بغا له في جامع ولده بحلب تدريساً وذلك في سنة ثلاث وتسعين فاتفق حضور الشيخ سراج الدين
стр. 2521
البلقيني صحبة الملك الظاهر فسأله أن يحضر إجلاسه، فلما حضر قال له: تدرس أنت أو أنوب عنك فقال: تكلم يا مولانا شيخ الإسلام! قال علاء الدين في تاريخه: كان يميل إلى القضاء كثيراً، ثم كرهه في آخر زمانه ونزل له نجم الدين ابن حجي عن نصف تدريسه الركنية، فدرس فيها قليلاً ومات.
أحمد بن إبراهيم بن المحلي، شهاب الدين الشاهد، سمع من أبي الفتح القلانسي وغيره، وأجاز لأولادي، وكان أحد الصوفية بالركنية بيبرس ويتكسب بالشهادة ببولاق جاوز الثمانين.
أحمد بهاء الدين بن الفخر عثمان بن التاج محمد بن إسحاق المناوي. كان قد استقر في وظائف أبيه شركة مع أخيه بدر الدين، ناب في الحكم، ودرس بالمجدية وغيرها، وكان حسن البشر والتودد محباً في أهل العلم، وقد عين للقضاء مرة وكانت نفسه تسمو إلى ذلك فلم يتفق له، ولما مات قررت وظائفه كلها بيد ولده علي وهو صغير جداً فاستنيب عنه خاله جلال الدين ابن الملقن، وكان موت بهاء الدين في رمضان وله نحو أربعين سنة.
أحمد بن محمد بن محمد بن أبي غانم بن الحبال، البسكري، مات
стр. 2522
يوم الجمعة سابع عشري شهر رجب من هذه السنة.
أحمد المعروف باليمني شهاب الدين أحد القراء بالجوق، تلمذ للشيخ شمس الدين ابن الطباخ وقرأ معه وحاكاه، وكان للناس في سماعه رغبة زائدة، ولم يخلف بعده من يقرأ على طريقته؛ مات في صفر.
أبو بكر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح، المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي الحنبلي صدر الدين بن تقي الدين. ولد سنة ثمانين وتفقه قليلاً، واستنابه أبوه وهو صغير واستنكر الناس ذلك، ثم ناب لابن عبادة وشرع في عمل المواعيد وشاع اسمه وراج بين العوام وكان على ذهنه كثير من التفسير والأحاديث والحكايات مع قصور شديد في الفقه، وولي القضاء استقلالا في شوال سنة سبع عشرة، فباشر خمسة أشهر ثم عزل، واستمر على عمل المواعيد؛ ومات في جمادى الآخرة.
حسن بن سودون، الفقيه، كان بارع الجمال في سلطنة المؤيد لكن أصيب في بصره فعشي إحدى عينيه، وتزوج ططر أخته قديماً فعظم في دولته، ثم تأمر تقدمة في ولاية ابن أخته الصالح محمد لكن لم يمتع بالإمرة فإنه لم يزل موعوكاً إلى أن مات في يوم الجمعة
стр. 2523
ثالث عشر صفر، وأسف أبوه عليه فصبر وتجلد، وكان موته سبب التغير والمنافرة بين الأميرين الكبيرين: طرباي وبرسباي.
سليمان بن إبراهيم بن عمر الفقيه نفيس الدين التعزي العلوي، نسبه إلى علي بن. . . سمع أباه وابن شداد وغيرهما، وعني بالحديث وأحب الرواية واستجيز له من جماعة من أهل مكة، وسمع مني وسمعت منه، وكان محباً في السماع، والرواية محثاً على ذلك مع عدم مهارة فيه فذكر لي أنه مر على صحيح البخاري مائة وخمسين مرة ما بين قراءة وسماع وإسماع ومقابلة، وحصل من شروحه كثيراً، وحدث بالكثير وكان محدث أهل بلده، وقرأ للكثير على شيخنا مجد الدين الشيرازي ونعم الرجل كان! لقيته بزبيد وبتعز في الرحلتين وحصل لي به أنس، وحدثني بجزء من حديثه يخرجه لنفسه زعم أنه مسلسل باليمنيين وليس بالأمر في غالبه كذلك: مات في ذي الحجة وقد جاوز الثمانين.
стр. 2524
صالح بن شهاب الدين أحمد بن صالح السفاح، ولد سنة خمس وتسعين وأحضر على ابن أيذغمش وأسمع علي ابن صديق وقرأ شيئاً في النحو، ثم لما ولي أبوه كتابة السر استقر في توقيع الدست وناب عن أبيه، وكان محتشماً متودداً إلى الناس وافر العقل، ومات بالطاعون في جمادى الآخرة، وهو سبط القاضي شرف الدين الأنصاري قاضي حلب.
صالح بن عيسى بن محمد بن عيسى بن داود بن سالم، الصمادي كان جده سالم من تلامذة الشيخ عبد القادر، وبنيت لسلفه زاوية بصماد قبلي بصرى ونشأ هذا بزاويته، وله أتباع وشهرة، وكان له مزدرعات ومواشي ويضيف الواردين كثيراً، وكلمته مسموعة عند أهل البر؛ ومات في رمضان عن نحو السبعين.
صدفة بن سلامة بن حسين بن بدران بن إبراهيم بن حملة الضرير الجيدوري، ثم الدمشقي، ولد سنة بضع وخمسين، وعني بالقراآت فقرأ الشاطبية على العسقلاني إمام جامع ابن طولون، وقرأ التيسير على أبي الحسن الغافقي وأقرأ القراآت بالجامع الأموي وأدب خلقاً، وانتفعوا
стр. 2525
به، وله تواليف في القراآت؛ مات في عاشر جمادى الأولى.
عبد الرحمن بن محمد بن طولو بغا. النتكزي أسد الدين مسند الشام، ولد سنة. . . وسمع من. . . وتفرد وحدث، وحج في سنة أربع وعشرين فحدث بمكة، ورجع فمات بدمشق في ١٢ ذي القعدة من هذه السنة.
عثمان بن سليمان الصنهاجي من أهل الجزائر الذين بين تلمسان وتونس، رأيته كهلاً قد جاوز الخمسين وقد شاب أكثر لحيته، وطوله إلى رأسه ذراع واحد بذراع الآدميين لا يزيد عليه شيئاً وهو كامل الأعضاء، وإذا قام قائماً يظن من رآه أنه صغير قاعد. وهو أقصر أدمي رأيته. وذكر لي أنه صحب أبا عبد الله بن الفخار وأبا عبد الله ابن عرفة وغيرهما، ولديه فضيلة ومحاضرة حسنة علي بن أحمد بن علي المارديني سمع من ابن قواليح صحيح مسلم بدمشق وحدث عنه؛ ومات بمكة في شوال.
علي الملك صير الدين بن الملك سعد الدين محمد، ملك المسلمين
следующие страницы →