← История

История · id 26001

إنباء الغمر بأبناء العمر - ط الهندية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 236 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ابن أخي القاضي كريم الدين ناظر الجيش، ولد سنة سبعين تقريبا، وباشر الديوان مدة إلى أن ولي عمه نظر الجيش فباشر قليلاً، ثم ترك ذلك وزهد ولبس الثوف، وسمع معنا على كثير من مشايخنا، وكان يحب أهل الخير وينفر غاية النفرة ممن يتزوكر، وأقام على قدم التصوف سبعاً وثلاثين سنة مع صحة العقيدة وجودة المعرفة والصبر على قلة ذات اليد ومات ليلة الجمعة ١٢ شعبان. محمد بن القاضي شهاب الدين أحمد، الدفري المالكي شمس الدين، ولد سنة بضع وستين، وتفقه على مذهب مالك، وأحب الحديث فسمعه وطاف على الشيوخ وسمع معنا كثيراً من الممايخ، وكان حسن المذاكرة جيد الاستحضار، درس بالناصرية الحسينية وغيرها، وكان قليل الحظ؛ مات في العشرين من جمادى الأولى. محمد بن إسماعيل بن محمد بن محمد بن هانئ اللخمي المالكي، القاضي ناصر الدين ابن القاضي سري الدين أبي الوليد قاضي حلب ثم طرابلس، ولد سنة نيف وأربعين واشتغل قليلاً وناب عن أبيه فعابوا على أبيه ذلك، ثم ولي قضاء حماة ثم حلب في سنة ست وسبعين، ثم ولي حماة وطرابلس وغيرها مراراً، ثم ولاه نوروز قضاء دمشق سنة ست

стр. 2627

عشرة فساءت سيرته جداً، ثم صرفه المؤيد إلى قضاء طرابلس سنة سبع عشرة فاستمر فيها عدة سنين؛ كتب عنه القاضي علاء الدين وذكره في تاريخ حلب فقال كتبت عنه بطرابلس لما وليت قضاءها وكان هو قاضي المالكية بها وكان ظريفاً كريماً مسناً جواداً حسن الاخلاق، مات في أوائل سنة ٨٢٨ بطرابلس.

стр. 2628

محمد بن أبي بكر بن عمر، المخزومي المالكي المعروف بابن الدماميني بدر الدين الإسكندراني، ولد سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وتفقه بالإسكندرية وتعاني الآداب ففاق في النظم والنثر والخط ومعرفة الشروط. واستنابه ابن التنسي في الحكم ودرس بعدة مدارس، ثم قدم معه القاهرة وناب في الحكم أيضاً وتقدم ومهر واشتهر ذكره، ثم تحول إلى الإسكندرية واستمر بها ينوب في الحكم ويشغل في العلم ويتكسب من التجارة، ثم حصلت له محنة فقدم القاهرة وعين للقضاء، وقام معه في ذلك ابن البارزي فلم يقدر فتوجه إلى الحج ثم دخل اليمن فلم يحصل له إقبال، فدخل الهند فحصل له إقبال كبير وأقبلوا عليه وأخذوا عنه وعظموه، وحصل له مال له صورة فاتفق أن بغتة الأجل فمات هناك في شعبان في هذه السنة عن نحو سبعين سنة، ومن نظمه: قلت له والدجى مول … ونحن بالأنس في التلاقي قد عطس الصبح يا حبيبي … فلا تشتمه بالفراقي محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن محمد، المقدسي الصالحي شمس الدين، ولد في شوال سنة ٧٥٥، وأحضره أبوه عند. . . وأسمعه على ابن قيم الضيائية، وأحمد بن الجوخي وعمر ابن أميلة وست العرب في آخرين، وحدث، وشرع في شرح البخاري وتركه بعده مسودة، وله نظم ضعيف، وكان يقرأ الصحيحين على العامة، وأجاز لأولادي غير مرة؛ ومات بطيبة المكرمة في هذه السنة، وكان يذكر عن نفسه أنه رأى مناماً من نحو عشرين سنة يدل على أنه يموت بالمدينة، وسمعوه منه قبل أن يخرج إلى هذه السفرة للحج، فاتفقت وفاته بالمدينة في رمضان من هذه السنة، وهو بقية البيت من آل المحب بالصالحية. محمد الحموي النحوي المعروف بابن العيار شمس الدين، كان في أول أمره حائكاً ثم تعاني الاشتغال فمهر في العربية، وأخذ عن ابن جابر وغيره، ثم سكن دمشق، ورتب له على الجامع تصدير بعناية البارزي، وكان حسن المحاضرة ولم يكن محموداً في تعاطي الشهادات؛ مات في ذي القعدة.

стр. 2629

سنة تسع وعشرين وثمانمائة في حادي عشر المحرم صرف بدر الدين العينتابي من الحسبة واستقر فيها اينال الششماني وكان أمير عشرة، وسعر القمح يومئذ مائتان وخمسون، والشعير والفول جميعاً كل إردب بثلاثمائة أزيد من سعر القمح، وعز اللحم حتى بيع البقرى بتسعة كل رطل، وبيع المطبوخ من الضأنى بعشرين، وكان سعر الذهب البندقي كل مشخص بمائتين وخمس وعشرين، ثم كثر اللحم بعد ولاية الششماني، ثم تزايد القمح إلى أربعمائة إلى أن دخل جمادى الأولى فانحل السعر إلى ثلاثمائة ومائتين في. . . وفي المحرم قدم حسن بن عجلان من مكة بوساطة ناظر الجيش، وقام معه إلى أن أعيد إلى إمرة مكة، وأمر بإعادة الجيش الذين أقيموا بمكة لحفظها من حسن، وصرف على بن عنان عن إمرة مكة، وبذل حسن مالاً كثيراً اقترضه من التجار بالقاهرة، وكتب تقليده وأرسله إلى مكة، وأقام هو لإحضار بقية ما وعد به. وفي مستهل صفر أمر السلطان القضاة أن يلزموا العوام بالصلاة،

стр. 2630

فاجتمعوا في ثانيه بالصالحية ومعهم المحتسب ونائب الوالي، وكتبوا ورقة لتقرأ على الناس، وتولى قراءتها بعض نواب الحكم من باب النصر إلى جامع طولون في الشارع الأعظم. وفي خامس عشر صفر عقد مجلس بالقضاة وبياض الناس من التجار، وشاور السلطان القضاة في إبطال المعاملة بالدنانير البندقية المشخصة، فاستحسنوا ذلك، وضربت الأفلورية أشرفية، ونودي بمنع المعاملة بالبندقية، فظن الناس أن المعاملة بالدراهم البندقية تبطل فنودي بإبقائها. وفي يوم الخميس السابع من ربيع الأول عمل المولد النبوي وابتدأوا به من بعد الخدمة، ومد السماط بعد صلاة العصر وفرغ بين العشاءين، وكانت العادة أن يبدأ بعد الظهر ويمد السماط المغرب ويفرغ عند ثلث الليل. وفي السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر صرف القاضي زين الدين التفهني عن قضاء الحنفية وقرر في مشيخة الشيخونية عوضاً عن الشيخ سراج الدين قارئ الهداية بحكم وفاته، وكان السراج لما مات سعى جماعة في المشيخة فأمر السلطان بجمعهم فاجتمعوا، وتعصب جماعة من أهل الشيخونية للتفهني فقرره السلطان فيها، ففرح بذلك ظناً منه أنه يضمها إليه مع القضاء، فلما لبس الخلعة بها أحضر العينتابي فألبس الخلعة

стр. 2631

بولاية القضاء، فسقط في يدي التفهني وندم حيث لا ينفعه الندم ونزل الشيخونية كئيباً، ورجع أكثر الناس مع العينتابي إلى الصالحية ثم إلى منزله. وفي رابع عشري ربيع الآخر صرف الشيخ علاء الدين الرومي عن مشيخة الأشرفية، وقرر عوضه الشيخ كمال الدين ابن الهمام، ولم يكن له في ذلك سعي، وإنما كان تقرر درسه بقبة الصالح فطلب إلى القلعة وألبس الخلعة، وكان سبب عزل علاء الدين أن شخصاً من الصوفية مات وخلف مالاً جزيلاً فاحتاط عليه نقل عنه أمور فاحشة، فغضب السلطان وأمر بإخراجه وعزل منها وتقرير كمال الدين. وفي ربيع الآخر كتبت الجارة الجودرية في التفتيش على جاني بك الصوفي، ولسبب فيه أن كتاب نائب الشام ورد وفيه أنه

стр. 2632

مختفي عند شخص جندي فلم يوجد، فأمر أهلها بإخلائها وحرقها، فرحلوا وتتبعت آثار جاني بك فلم يوقف له على أثر. وفي الثالث عشر من جمادى الآخرة صرف القاضي محب الدين أحمد بن نصر الله عن قضاء الحنابلة، واستقر عز الدين عبد العزيز ابن علي بن أبي العز المقدسي الذي كان ولي قضاء الشام ودرس بالمؤيدية، وكان قبل ذلك قديماً ولي قضاء بيت المقدس، ثم فر من الشام لكائنة وقعت له مع الباعوني فوصل إلى بغداد وولي القضاء بها؛ وكان ربما افتخر فقال: وليت قضاء الشام والعراق ومصر ولم يقع ذلك لأحد من أقراني. وفي أول يوم من رجب أدير المحمل، ولم تجر العادة بذلك بل كان يدار في النصف أو قبله أو بعده بقليل. ذكر غزوة قبرس الكبرى بلغ الأشرف أن جابوش - ويقال: جينوس - بن جاكم بن بيدو بن أنطون بن جينوس صاحب قبرس وكان قد ملكها من سنة ثمانمائة فراسل ملوك الفرنج يستنفزهم على المصريين ويشكو ما جرى على بلاده،

стр. 2633

فأرسل كل منهم له نجدة، وأرسل ملك الكتيلان ابن أخيه بمركب وفرسان، وجد جابوش في عمارة المراكب والقراقر وعزم على قصد الإسكندرية تأسياً بوالده، فإنه هو الذي كان طرقها في آخر سنة ست وستين ودخلها عنوة في آخر المحرم أوائل صفر سنة سبع وانتهبها - وأسر منها خلائق والقصة مشهورة؛ فأمر السلطان لما بلغه ذلك بعمارة الأغربة والحمالات، وجد في ذلك وبذل الأموال، فلما تكاملت العمارة انحدرت إلى قوة ويقال إنه بلغت عدة العمارة أغربة وحمالات وزوارق - مائى قطعة وزيادة؛ وندب السلطان ينال الجكمي وتغري بردى المحمودي وغيرهما من الأمراء الكبار والصغار للغزاة وأن يكون ينال على من في البحر والآخر على من في البر وأن لا يعارض أحدهما الآخر، وكان معهم من الأمراء مراد خجا الشعباني - وإياس ويشبك الشاد واينال الأجرود وسودون اللكاشي وجانم المحمدي وغيرهم؛

стр. 2634

وتلاقت المراكب من الإسكندرية مع المراكب المصرية بثغر رشيد في رجب، فاتفق أن الريح هاجب في بعض الليالي، فانكسرت أربع حمالات ومات فيها مائة فرس، وتسعة أنفس، وبلغ السلطان ذلك فتطير جماعة من الأمراء وثبت هو ولم يتطير، وقال له كاتب السر وهو يومئذ بدر الدين بن هرمز: يا مولانا السلطان! إن من كان أوله كسر يكون في آخره جبر؛ ولما بلغ قراقر الإسكندرية ما جرى على الحمالات رجع أميرهم فأقام بعا تحت العساكر، فلما كان مستهل شعبان هجم عليهم غراب وقرقوران مملوءة من المقاتلة جهزهم صاحب قبرس ليأخذوا من يجدونه بساحل الإسكندرية لعلمه بمسير القراقز الخمس إلى جهته بإعلام من بالبلد من الفرنج له، فدخلوا وهم يظنون أن الخمس قراقب في رشيد، فواجهوهم فأرشقوهم رمياً بالنشاب إلى أن هزموهم فاتفق أنهم خرجوا مقلعين فوافتهم أغربة أرسلها إليهم من برشيد من الجند، فلم يزل الجند مجتمعين والمراكب توافيهم من كل جهة إلى الرابع والعشرين من شعبان، فساروا مقلعين حتى وصلوا إلى اللمسون فوجدوا الحصن الذي كانوا أحرقوه قد عمر وشحن بالمقاتلة فأحاطوا به في السابع والعشرين، وصعد يشبك قرقش وهو من الفرسان المعدودين وقد ولي إمرة الموكب الأول في الحج بعد ذلك في سنة ٤٤، فصعد هو ومن معه على سلم من خشب وتبعهم خلق كثير، فهرب الفرنج الذين

стр. 2635

في الحصن بعد أن كانوا أوقدوا قدور الزفت تغلي ناراً ليصبوها على من يصعد إليهم من المسلمين، فهزمهم الله تعالى وملكوا البرج الأول؛ وأحاط بعض المسلمين بالأسكتية وهي قرية من قبرس خارجة عن حكم جابوش نظير الماغوصة وهي مع البنادقه، فطلبوا من المسلين الأمان فأمنوهم، فحملوا إليهم الهدايا والضيافات، فسألوهم عن جابوش فقالوا إنه مستعد في خمسة آلاف فارس وسبعة آلاف راجل، فراسلوه بأن يدخل تحت الطاعة ليؤمنوه على نفسه وجنده وبلده وإلا مشوا عليه وخربوا قصره وأسروه وقتلوه، فلما بلغته الرسالة أخذته حمية الجاهلية فقتل الرسول وأحرقه، فبلغ المسلمين الخبر في مستهل رمضان فانقسموا قسمين النصف مع المحمودي في البر والنصف مع الجكمي في البحر، فلم يزل أهل البر سائرين حتى وصلوا موضع الكنيسة فوجدوها خراباً والبئر الذي بها قد هدم، فحفروا حوله فظهر الماء فشربوا بعد أن كانوا عطشوا. ثم ساروا في جبال وتلال وهم صوام والحر شديد فنزلوا للقائلة في ظلال الشجر وإذا بصارخ صرخ: جاءكم العدو! فثاروا وركبوا وحصلت رجفة عظيمة، وكان جابوش لما قتل الرسول ركب في عساكره بعد عرضهم، وجهز قراقرة في البحر للإحاطة بمن في البحر من المسلمين، فلما تراءى الجمعان انحاز إلى بساتين هناك، وجعل بينه وبين المسلمين نهراً، وتقدم نحو الخمسمائة من المقاتلة فبرز لهم من المسلمين خمسة تغري بردى وقطلوبغا المؤيدي المصارع وعلان

стр. 2636

فبادروا الأبراج فلحق بهم ابن القاق مقدم العشير بالشام ومعه نحو الثلاثين فتنادوا: يا وجوه العرب ويال جركس! إن أبواب الجنان فتحت، إن متم كنتم شهداء، وإن عشتم عشتم سعداء بيضوا وجوهكم وأخلصوا الله العمل؛ فحملوا حملة واحدة، فنصرهم الله تعالى؛ وقاتل يومئذ قطلوبغا قتالاً عظيماً فعثر جواده فقام عنه وقاتل راجلاً إلى أن قتل، فلما رأى جابوش أمر عسكره في إدبار وقد استظهر عليهم أهل الإسلام ركن إلى الهرب ثم إن عسكره خالفوه وحملوا، فصبر لهم المسلمون واشتد الأمر، فاتفق أن جابوش وقع عن فرسه فنزل أصحابه فأركبوه، فوقع ثانياً فنزلوا وأركبوه، فكبا به الفرس ثالثاً فدهشوا وذهلوا عنه، وانكسر عسكره وولوا الأدبار، فرآه بعض الترك فأرشقوهم نبلاً، فلم يزالوا كذلك إلى أن غربت الشمس، وقيل إن جملة من قتل منهم في ذلك اليوم ستة آلاف؛ ثم رجع المسلمون فنزلوا على الماء وباتوا على أهبة، فلما أصبحوا توجه يشبك الشاد ومن معه إلى جبل الصليب فخربه وما حوله من الديارات، وأحضروا الصليب الذي كان به وكانوا يعظمونه

стр. 2637

حتى سموه صليب الصلبان، ثم سار المحمودي بالعسكر إلى جهة الملاحة، وتوجه بعض العسكر إلى من بالمراكب، فأعلموهم بما وقع من المسلمين، أن صاحب قبرس مقيد، وأن أخاه قتل، وأن ابن أخي صاحب الكتيلان الذي جاء نجدة له مقيد، ثم وصل العسكر وكان ثاني شهر رمضان. فلما كان يوم الخميس خامسه ساروا إلى الأفقيسة - وهي كرسي المملكة، فلما رأى الفرنج الذين في القراقر خلف البحر من الجند حطموا على اكب المسلين، فأمر الجكمي من بقي معه بمدافعتهم وأرسل إلى المحمودي يعلمه فأعاد عليه أكثر العسكر وتأخر معه طائفة، فلما رجعوا وجدوهم في وسط القتال فأعلنوا بالتكبير، فأجابهم من في البحر وبادروا إلى طلوع المراكب ومشوا على مراكب الفرنج، فاشتد القتال إلى أن دخل الليل فحجز بينهم، فلما طلع الفجر أبعدت مراكب الفرنج عن المسلمين، فلما هبوا تفطن الجكمي فلم يجد الريح تساعدهم، فتبعهم إياس الجلالي فقطع مركباً ووقع القتال بينهم، وكان بالمركب ثلاثمائة مقاتل غير الأتباع، فرمى عليهم بالسهام الحطابية حتى ما بقي أحد منهم يجسر يخرج رأسه فطلع المسلمون وملكوها وقتلوا أكثر من بها. واستمرت بقية المراكب هاربة في البحر حتى غابوا عن الأعين، وكفى الله المؤمنين القتال بهزيمة من في البحر من الفرنج! وكان سبب ثيابهم في القتال أنهم لم يعلموا ما اتفق لملكهم من الأسر ولعسكره

стр. 2638

من الهزيمة، واستمر المحمودي حتى أخذ المدينة هو ومن معه وذلك في يوم الجمعة خامس شهر رمضان، فخشى من مع المحمودي على أنفسهم لقلتهم فشجعهم المحمودي، ثم دخل القصر فوجد به من الأمتعة ما لا يحصى، فأقاموا بها صلاة الجمعة وأذنوا على صوامع الكنائس، ثم خرجوا يوم السبت ومعهم الغنائم الكثيرة والأسرى، فلما وصلوا إلى المراكب اجتمعوا وأحصوا عدد الأسرى فكان ثلاثة آلاف وسبعمائة نفس. واختلف رأيهم في الإقامة والمطالعة بما وقع من الفتح وانتظار وصول الرسول بالجواب أو التوجه بالأسرى والغنائم والعود إذا أراد السلطان مرة أخرى لاستئصال بقية الفرنج والاستيلاء على بقية الغنائم، فغلب الرأي الثاني، وصحبتهم الغنائم والأسرى ومن جملتهم عظيمهم وهو مقيد، فلما وصلوا إلى ساحل بولاق أركب صاحب قبرس وولده وابن أخي صاحب الكتيلان على بغال عرج وأعلامه منكسة أمامه وحملتالغنائم والأسرى على الجمال والبغال وشقوا المدينة، وكان ذلك يوم الاثنين ثامن شوال، ومعه الأمراء والجند، ولم يبق بمصر والقاهرة وضواحيها كبير أحد إلا حضر الفرجة حتى سدوا الأفق، وكان أول الحمالين باب المدرج وآخرهم بولاق، فلما وصلوا به إلى القلعة كشف رأسه وكب على وجهه حتى قبل الأرض عند الباب، ثم أحضر بين يدي السلطان فقبل الأرض مراراً وسقط مغشياً عليه، فلما أفاق ردوه إلى مكان أعد له وكانت صورة دخولهم أنهم ترتبوا من الميدان الكبير

стр. 2639

ثم أدخلوهم من باب القنطرة فشقوا القاهرة، واجتمع أهل البلد حتى لم يتخلف كبير أحد، فكان أمراً مهولاً من كثرة الخلق، وجاز الأمراء ثم الأسرى ثم الغنائم، ونصبوا تاج الملك وأعلامه منكسة وهو راكب على بغلة مقيد، فلما وصل إلى المدرج باس الأرض ومشى في قيده إلى أن وقف قدام السلطان بالمقعد، وحضر ذلك أمير مكة ورسل ابن عثمان ورسل ملك تونس ورسل أمير التركمان ورسل ابن نعير وكثير من قصاد أمراء الشام، فكان اتفاق حضورهم من المستغرب، فلما رأى السلطان عفر وجهه في التراب بعد أن كشفه، وخلع السلطان على الأمراء، ثم قرر عليه مائتا ألف دينار، يحمل منها هو بمصر النصف ويرسل النصف إذا رجع، وألزم بحمل عشرين ألف دينار كل سنة، ثم أفرج عنه بعدان حمل ما قرر عليه معجلاً، وتوجه فأرسل شيئاً بعد شيء إلى أن أكمل ما أرسله خمسة وسبعين ألف دينار؛ وقدرت وفاته عقب ذلك، ويقال إنه كان فهماً عاقلاً ينظم الشعر بلسانه ويعربه بالترجمان بالتركي فأملأ على بعض من معه هذه الأبيات: يا مالكاً ملك الورى بجسامه … انظر إلي برحمة وتعطف وارحم عزيزاً ذل وامنن بالذي … اعطاك هذا الملك والنصر الوفي إن لم تؤمني وترحم غربتي … فبمن ألوذ ومن سواكم لي يفي فلما قرئت على السلطان وعرف معناها رق له وقال: عفوت عنه، وتقرر الحال معه بعد ذلك أن يكون نائباً عن السلطان في قبرس وما معها

стр. 2640

وأن يقرر عليه لبيت المال في كل سنة ألفي ثوب صوف ملونة قيمتها قريب من عشرين ألف دينار وأن يعجل بسبعين ألف دينار خارجاً عن الذي يحتاج إليه للحاشية فألبس تشريفاً ومركوباً وعذبة، وتوجه المسفر صحبته إلى الإسكندرية، فطلب جميع التجار من الفرنج المقيمين بها فأقرضوه المبلغ جميعه، فعجل به قبل أن يصل إلى بلاده، وكان أمير الإسكندرية يومئذ آقبغا التمرازي فأمر بعرض جميع من بها من الجند فكانت عدتهم ألفين وخمسمائة ملبس، واجتمع من الرعية ما لا تحصى عدتهم فاصطفوا له سماطين على طريقه، فلما رأى كثرتهم قال: الله إن كل من في بلاد الفرنج ما يقاوم أهل الإسكندرية وحدهم! وقد تقدم أن أباه رمى بطرس هو الذي كان هجم على الإسكندرية في سلطنة الأشرف شعبان بن حسين فقدر الله تعالى أن ولده جابوش يدخلها في صورة الأسير في سلطنة الأشرف برسباي - ولله الحمد على جزيل هذه النعمة! وكان رتب له رواتب تقوم بكفايته وكفاية من يخدمه، وكان من أمره ما سأذكره إن شاء الله تعالى في السنة الآتية، وفرح المؤمنون بنصر الله تعالى وكان ذلك على غير القياس، فإن الجند الذين توجهوا إلى قبرس لم يكن لهم عادة بركوب البحر ولا بالقتال فيه فمن الله على المسلمين بلطفه ونصرهم، ولو كانت الأخرى لطمع الفرنج في بلاد المسلمين خصوصاً

стр. 2641

السواحل، وطار خبر هذه الغزاة إلى الآفاق وعظم بها قدر سلطان مصر ولله الحمد! وأنشد الأديب زين الدين عبد الرحمن بن محمد ابن الخراط موقع الدست بالقلعة قصيدة فائية أولها: بشراك يا ملك الملوك الأشرف … بفتح قبرس بالحسام المشرف فتح لشهر الصوم تم قتاله … من أشرف في أشرف في أشرف أحيا الجهاد وكان قبل على شفا … من تركه فشفيته حتى شفي قالت دمى تلك الديار وقد عفا … إنجيلهم أهلاً بأهل المصحف وفي طويلة يقول في آخرها: لم تخلف مثلك فاتكاً … ملكاً ومثلي شاعراً لم تخلف فيك التقى والعدل والإحسان في … كل الرعية والوفا والفضل في وبيع السبي والغنائم وحمل الثمن إلى الخزانة السلطانية وفرق في الذين جاهدوا منه بعضه بعد أن كان السلطان هم أن يقسم الغنيمة بالفريضة الشرعية ثم انثنى عزمه عن ذلك. وفي ثالث شعبان ابتدئ بقراءة الحديث بالقلعة وبدأ القارئ يقرأ في صحيح مسلم، وأمر السلطان بإحضار القضاة المنفصلين فجلسوا عن يسار السلطان، وجلس كاتبه عن يمينه وبجانبه العينتابي ثم المالكي ثم عبد العزيز الحنبلي، وجلس المشايخ يمنة ويسرة وهم يزيدون على العشرة، ووقعت فوائد ومباحث فظهرت مقادير انحطاطاً وارتفاعاً، فلما كان يوم الختم خلع على القضاة التشاريف على العادة لكنهم كانوا سبعة، وخلع

стр. 2642

على المشايخ بسعي العيني فراجى صوف بسنجاب وفرجية وهو بسمور وهي أول سنة خلع فيها على المشايخ وكانوا نحو عشرة. وفي النصف من ذي القعدة وصل نجم الدين ابن حجي الذي كان كاتب السر وبقي في السنة الماضية فلم يزل يسعى ويكاتب يبذل المال إلى أن أجيب وأذن له بالمجيء إلى القاهرة بعناية من كان السبب في صرفه وهو جانبك الدويدار، فلما استقر بالقاهرة سعى في قضاء الديار المصرية، فأجيب سؤاله واستدعى بديوان خطب فحفظ منه خطبة عيد النحر ظناً منه أنه ربما أفضت إليه الولاية عاجلاً فاحتاج إلى أن يخطب يوم العيد، وأمر بخياطة ملابس القضاة من فوقانية ونسج عذبة وغير ذلك، ففي غضون ذلك وصل الشريف شهاب الدين نقيب الأشراف الحسيني الذي كان ولى القضاء عوضا عنه لما أسفر في كتابة السر ومعه من الهدايا والتحف ما لا يوصف كثرة وذلك في أواخر ذي الحجة، فأهدى للسلطان وبقية الكبار هدايا خليلة حتى لم يدع من شاء الله من الرؤساء حتى أهدى له فقلب الله القلوب، وقرر ابن حجى في قضاء الشام وأمر بأن يرجع الشريف بطالا، فتوجها إلى الشام في السنة المقبلة. وفيها في ذي القعدة بلغ عجلان بن ثابت بن هبة الحسني أمير المدينة أن السلطان عزله وولى ابن عمه خشرم بن جماز بن هبة فقبض على

стр. 2643

الخدام والقضاة ونهب المدينة، فلما وصل خشرم مع أمير الحاج الشامي وجد عجلان أخلى المدينة فأقام خشرم وتوجه الركب الشامي إلى مكة، فعاد عجلان فأمسك خشرم وخرب بيوتاً كثيرة وأحرق بيوتاً وسلم منه بيوت الرافضة، وكان قد أقام من الرافضة قاضياً اسمه الصيقل وكان يرسل إليه غالب الأحكام. وجلى أهل المدينة إلا الرافضة وإلا القاضي الشافعي فإنه كان استنزل شخصاً من أقارب خشرم يقال له مانع فأجاره. وفيها استقر مقبل الرومي في نيابة صفد عوضاً عن اينال الخازندار بحكم مخامرته هو وأخوه وكان يومئذ نائب القلعة فاتفقا فتحيل مقبل عليهما حتى قبض عليهما فقتلا. وفيها خرجت العساكر إلى هابيل بن قرايلك بمدينة الرها فغلبوا عليها وانتهبوها، واسروا هابيل وأحضروه إلى القاهرة فسجن بالقلعة حتى مات في الطاعون، الكائن في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. وفيها جهز السلطان برسبغا إلى ينبع وقرقماس الشعباني إلى مكة، فغلب برسبغا على صاحب ينبع وجهزه في الحديد إلى السلطان، وأقام

стр. 2644

قرقماس بمكة فمهد البلاد وقطع أثر المفسدين. ذكر من مات في سنة تسع وعشرين وثمانمائة من الأعيان أحمد بن محمد بن مكنون، شهاب الدين المنافي القطوي، ولد بها سنة تسع وسبعين وأبوه إذ ذاك الحاكم بها، ونشأ نشأة حسنة وحفظ الحاوي، واشتغل في الفرائض، ولازم الشيخ شمس الدين الغراقي في ذلك، وكان يستحضر الحاوي وكثيراً من شرحه، واشتغل في الفقه قليلاً، ثم ولي قضاء قطية بعد أبيه، ثم ولي قضاء غزة بعناية القاضي ناصر الدين ابن البارزي في أول الدولة المؤيدية، ثم استقر في قضاء في دمياط مع بقاء قطية معه فاستناب فيها قريبه زين الدين عبد الرحمن واستمر في دمياط في غاية الإعزاز والإكرام، فلما انفصلت الدولة المؤيدية تسلط عليه أناس بالشكاوى والتظلم، وكان كثير الاحتمال حسن الأخلاق، وصاهر عندي على ابنتي رابعة ودخل بها بكرا ابنة خمس عشرة سنة فولدت منه بنتاً ثم مات عنها، فتزوجها الشيخ محب الدين ابن

стр. 2645

الأشقر فماتت عنده - عوضها الله الجنةَ! ومات ابن مكنون في شهر رمضان وكثر الأسف عليه. اينال النوروزي أمير سلاح مات في أول ربيع الآخر بالقاهرة. أبو بكر بن محمد بن عبد الله الشيخ تقي الدين الحصني ثم الدمشقي الفقيه الشافعي، ولد سنة ٧٥٢، وتفقه بالشريشي والزهري وابن الجابي والصرخدي والغزي وابن غنوم، وأخذ عن الصدر الياسوفي ثم انحرف عن طريقته، وحط على ابن تيمية وبالغ في ذلك، وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق، وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة، وكان يميل إلى التقشف، ويبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وللناس فيه اعتقاد زائد، ولخص المهمات في مجلد، وكتب على التنبيه، وكانت وفاته في ١٤١ جمادى الآخرة،

стр. 2646

قال القاضي تقي الدين الأسدي: كان خفيف الروح منبسطاً، له نوادر، ويخرج إلى التنزه ويحث الطلبة على ذلك، مع الدين المتين والتحري في أقواله وأفعاله، وتزوج عدة نساء ثم انقطع وتقشف وانجمع، وكل ذلك قبل القرن، ثم ازداد بعد الفتنة تقشفه وانجماعه وكثرت مع ذلك أتباعه حتى امتنع من مكالمة الناس، ويطلق لسانه في القضاة وأصحاب الولايات، وله في الزهد والتقلل من الدنيا حكايات تضاهي ما نقل عن الأقدمين، وكان يتعصب للأشاعرة، وأصيب في سمعه وبصره فضعف، وشرع في عمارة رباط داخل الباب الصغير فساعده الناس بأموالهم وأنفسهم، ثم شرع في عمارة خان للسبيل ففرغ في مدة قريبة، وكان قد كتب بخطه كثيراً قبل الفتنة، وجمع تواليف كثيرة في الفقه والزهد. حسن بن سويد، المصري المالكي القاضي بدر الدين، كان أصله من سوق شنودة وسلفه من القبط، ويقال إن أباه كان يبيع الفراريج، ذكر لي ذلك بعض ثقات المصريين عن شيخنا شمس الدين المراغي أنه شاهده، ورزق سويد هذا من الأولاد جماعة نبغوا وصاروا من أعيان الشهود بمصر منهم شمس الدين الأكبر وبدر الدين هذا، ولازم الاشتغال

стр. 2647

في مركز الشافعية بباب العبد والمتجر الكارمي، ومجلس القاضي فخر الدين القاياتي، ودروس الشيخ شمس الدين المراغي، ثم حصل مالاً واتجر به إلى اليمن في سنة ثمانمائة ثم عاود البلاد مراراً واتسعت حاله جداً، وتزوج بنت الهوريني التي من بنت القاياتي بعد موت زوجها والد الشيخ سيف الدين الحنفي فاستولى على تركة القاياتي بعد موته وأدخل معه فيها من شاء، وبنى مدرسة تقابل حمام جندر ومات قبل أن تكمل، وأوصى لها بأربعة آلاف دينار لتكميلها فصيرها أولاده بعد جامعاً وأبطلوا ما كان صيره هو من كونها مدرسة، ولم يدرس بها تدريساً، وحصل في ذلك خبط كثير؛ مات في أوائل صفر. حسن بن عجلان بن رميثة، الحسني أمير مكة السيد الشريف، وكان قدم صحبة قرقماس من الحجاز في المحرم، واجتمع بالسلطان، وقرره في إمرة مكة على عادته وألزم بثلاثين ألف دينار، أحضر منها خمسة آلاف وأقام ليتجهز فتأخر سفره إلى أن كان في سادس عشر جمادى الآخرة فمات، وكان أول ما ولي الأمرة بعد قتل أخيه علي بن عجلان في ذي القعدة سنة سبع وتسعين، فكانت مدة إمرته اثنتين وثلاثين سنة سوى ما تملكها من ولاية غيره، وكان في هذا الشهر قد تجهز وأخرج أثقاله ظاهر القاهرة، وقدم ولده بركات في رمضان من مكة فالتزم بما بقي على والده،

стр. 2648

والتزم كل سنة بأن يحمل عشرة آلاف دينار، والتزم أن يكون ما جرت به العادة من مكس جدة يكون له، وما تجدد من مراكب الهند يكون للسلطان خاصة. خليفة المغربي الأزهري الشيخ المعتقد، مات في ٢١ المحرم فجأة في الحمام، وكان قد انقطع للعبادة بالجامع الأزهر نيفاً وأربعين سنة، ووجد له شيء كثير. شمس بن عطاء الله، الهروي القاضي شمس الدين واسمه محمد بن عطاء الله بن محمد بن محمود بن محمود بن فضل الله بن الرازي الهروي الشافعي، مولده بهراة سنة ٧٦٧، كان إماماً بارعاً في فنون من العلوم ويقرئ في المذهبين الشافعي والحنفي والعربية والمعاني والبيان، ويذاكر بالأدب والتاريخ، ويستحضر كثيراً من الفنون، وله تصانيف تدل على غزر علمه واتساع نظره وتبحره في العلوم، وتقدمت أخباره مفصلة في سنة ثماني عشرى، وفي سنة إحدى وعشرين، وفي سنة سبع وعشرين، وكان قد حج في سنة ثمان وعشرين، ثم رجع إلى القدس فمات به وهو شيخ الصلاحية في ثامن عشر ذي الحجة، وكان شيخاً ضخماً طوالاً أبيض اللحية مليح الشكل إلا أن في لسانه مسكة.

стр. 2649

علي بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن علي بن إسحاق بن سلام ابن عبد الوهاب بن الحسن بن سلام الدمشقي علاء الدين أبو الحسن الشافعي، ولد سنة خمس أو ست وخمسين، وحفظ القرآن والتنبيه والألفية ومختصر ابن الحاجب، وتفقه على علاء الدين ابن حجي وابن قاضي شهبة وغيرهما كالشهابين الزهري والحسباني، وارتحل إلى القاهرة فقرأ بها الأصول على الضياء القرمي والمختصر على الركراكي المكي وكان يطريه حتى كان يقول: كان يعرفه أكثر من مصنفه، فاشتهر وتميز ومهر، فكان يبحث في حلقة ابن خطيب يبرود فينتشر البحث بين الطلبة بكثرة تفننه وإشكالاته، وأصيب في الفتنة الكبرى بما له

стр. 2650

وفي يده بالحرق، وأسروه فسار معهم إلى ماردين ثم انفلت منهم، وقرره نجم الدين ابن حجي في الظاهرية البرانية بعد وفاة أخيه، ونزل له التاج الزهري عن العذراوية بمساعدة ابن حجي، ودرس بالركنية بعد ابن خطيب عذراء، وكان يحفظ كثيراً من الرافعي وإشكالات عليه وأسئلة حسنة، ويقرئ في الفقه إقراء حسناً وكذا المختصر، وله يد في النظم والأدب والنثر، وكان بحثه أقوى من تقريره، وكان مقتصداً في ملبسه وغيره شريف النفس حسن المحاضرة، وكان ينسب إلى نصرة مقالة ابن عربي، فإذا حوقق في أمره تبرأ من تلك المقالات ويتحمل لها تأويلات والله أعلم بغيبه، وكان يطلق لسانه في جماعة من الكبار، واتفق أنه حج في هذه السنة فلما رد من الحج والزيارة مات في وادي بني سالم في أواخر ذي الحجة، وحمل إلى المدينة فدفن في البقيع وقد شاخ، لقيته قديماً بدمشق وسمعت من فوائده، وكان أخذ الفقه عن الحسباني وابن الزهري والأصول عن الضياء القرمي. عمر بن علي بن فارس، الشيخ سراج الدين الخياط الطواقي الحنفي المعروف بقارئ الهداية، وكان في أول أمره خياطاً بالحسينية وتنزل في طلبة البرقوقية وتمهر في الفقه وغيره، واستقر قارئ الشيخ علاء الدين

стр. 2651

السيرامي بها فلقب بقارئ الهداية تمييزاً له عن سراج الدين آخر كان يقرأ في غيره، وسمع الحديث من. . . وتقدم في الفقه إلى أن صار المشار إليه في مذهب الحنفية، وكثرت تلامذته والأخذ عنه، وولي مشيخة الشيخونية بأخرة بعد ابن التباني، فلما مات استقر فيها زين الدين التفهني بعد عزله عن القضاء بالعيني، واستقرت بقية وظائف سراج الدين بيد ولده، وناب عنه فيها صاحبنا عبد السلام البغدادي، مات في ربيع الآخر بعد أن أنتهت إليه الرئاسة في مذهبه، وصار المعول على فتياه مع جلالته في أصول الفقه والعربية والنحو وغيرها، وشارك في فنون كثيرة، وكان مقتصداً في ملبسه ومركبه، يتعاطى حوائجه من الأسواق بنفسه ولم يؤثر ذلك في جلالته وعظمته في النفوس ومهابة السلطان ممن دونه له هذا وهو غير ملتفت لأهل الدولة بالكلية، ولما ولى مشيخة الشيخونية أراد التوجه إليها ماشياً من مسكنه بالظاهرية، فأرسل إليه الأشرف فرساً وألزمه بركوبها، فلما ركبها أخذ بيده عصا يسوقها بها حتى وصل إلى الخانقاه، فنزل عنها كما ينزل عن الحمار برجليه من ناحية واحدة، هذا وهو على ما هو عليه من الوقار والأبهة التي لم يبلغها أصحاب الشكائم والعمائم.

стр. 2652

قجق الظاهري أتابك العساكر بالديار المصرية، مات في تاسع رمضان. محمد بن أحمد بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة، المخزومي المكي الشافعي، ابن عم الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهيرة، يلقب كمال الدين ويكنى أبا الفضل، ولد في شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين، وسمع من عز الدين ابن جماعة والشيخ خليل المالكي والموفق الحنبلي وابن عبد المعطي، وناب في الخطابة، وحدث، وأضر بأخرة؛ ومات في صفر. محمد بن محمد بن أبي القاسم، أبو عبد الله الرخاجي، أحد مشايخ الصوفية بزبيد، كان قد تقدم عند الأشرف إسماعيل ثم عند ولده الناصر، وكان يلازمه وينادمه ويحضر معه جميع ما يصنعه من خير وشر من غير تعرض لإنكار، وكان حسن الوساطة؛ مات في رابع عشر ذي القعدة وله ست وسبعون سنة. يوسف بن خالد بن أيوب، القاضي جمال الدين الحسفاوي الشافعي،

стр. 2653

نشأ بحلب وقرأ في الفقه على ابن أبي الرضى وقرأ عليه القراآت، ثم سافر إلى ماردين فأخذ عن زين الدين سربجا وولي قضاء ملطية مدة، ثم دخل القاهرة ولي قضاء حلب ثم قضاء طرابلس ثم كتابة السر بصفد، وكان حسن الشكل فائق الخط قوي النظم؛ مات بطرابلس في ثالث عشر المحرم. سنة ثلاثين وثمانمائة أولها السبت ففي الثامن منه خلع على نجم الدين بن حجي بقضاء الشام عالى قاعدته وصرف الشريف شهاب الدين فأقام قليلاً، ثم أمر السلطان بسفره إلى الشام بطالاً، فأول شيء صنعه ابن حجي أنه قرب أبا أسامة الذي كان أثبت عليه المال الجزيل فيما مضى ظلماً وعدواناً فأحسن إليه، ثم استدعى منه أن يثبت على الشريف نظير ما أثبت عليه، فأجابه إلى ذلك فبادر وفعل، وطولع السلطان بذلك فألزم الشريف بما ثبت عليه وعد ذلك من العجائب، واشتهر أبو أسامة بالأحكام الباطلة، واستعاذ كل مسلم من شره لجرأته على الأمور الفظيعة، فخشى عاقبة ذلك فتحزل إلى القاهرة فسكنها مدة، ثم أخرج منها بعد لا بارك الله فيه. وكان صرف الشريف من وظيفة القضاء مما يعد من الخوارق، فإنه لم يكن بقي أحد من أهل الدولة له مال إلا وتعصب له أن يستمر، فعاكس السلطان الجميع. وفي المحرم نودي على أهل الذمة أن يصغروا عمائمهم وأن لا يدخلوا

стр. 2654

الحمامات مع المسلمين ومن دخل منهم فليكن في عنقه جلجل أو طوق حديد إلى أشياء كثيرة اخترعها المحتسب تبعاً لغيره، فضجوا من ذلك ورفعوا أمرهم إلى السلطان، فأحضر القضاة في ثالث عشر المحرم وسألهم ما يجب عليهم! فتقر الحال أن لا يدخلوا الحمام إلا بخيط في رقبة ويكون فيه خاتم من حديد أو رصاص، وأن لا يتعرض لعمائمهم الملونة كبرت أو صغرت، وأن نساءهم يتميزن من النساء المسلمات بشيء يكون قدر الكف أو أصغر من لون عمائم رجالهن؛ فصنع ذلك وكتب على أكابرهم والتزموا به. وفيها صرف خشرم عن إمرة المدينة وأعيد عجلان. وفي ذي الحجة منع من البيع في داخل المسجد الحرام، ومن نصب الصواوين داخله، ومن نقل المنبر عند خطبة الجمعة من مكانه بجانب المقام إلى ظهر الكعبة. وفي أواخر شعبان تكلمت مع السلطان في أن لا يطفأ القناديل في رمضان إلا قبيل طلوع الفجر لما يحصل للناس من الإجحاف ممن ينام ثم يستيقظ عطشان فلا يجد القناديل تقد فيظن أن الأكل والشرب حرم وليس كذلك، فوافق السلطان على ذلك ثم عقد لذلك مجلس، فاتفق من حضر على أنه يترتب على ذلك أن يغلط من كان يعرف العادة المستمرة فيبطل صومه، فتوقف الأمر واستمرت العادة - ولله الأمر. وفي هذه السنة صرف أبو السعادات محمد بن أبي البركات محمد بن

стр. 2655

أبي السعود ابن ظهيرة عن قضاء مكة واستقر الجمال محمد بن علي الشيبي، ولما حج مع الناس استقر في مباشرة الحكم، وأمر بسد أبواب الحرم كلها إلا أربعة أبواب، فحصل للناس بذلك مشقة شديدة فكان ما سنذكره. وفيها وصلت من الهند من صاحب بنجالة هدايا جليلة لجماعة من الناس خصوصاً الشيخ علاء الدين محمد بن محمد بن محمد البخاري ثم الهندي نزيل القاهرة، ووصلت أيضاً هدايا من صاحب الهند. وفي العشر الأخير من شعبان انكشفت رأس بعض المماليك وهو يلعب بالرمح، فظهر أنه أقرع فضحكوا منه. فسأل السلطان أن يقرره

стр. 2656

شاد القرعان، فكتب له مرسوم بذلك، فكان يدور على الناس فمن ظن به أنه أقرع كشف رأسه فإن وجده أقرع أخذ منه ثلاثة دراهم فضة وثلثاً ثم اضمحل أمره بعد قليل. وفيها قدم سودون نائب الشام، ثم رجع إلى إمرته بعد عشرة أيام، وصرف أزدمر شايه عن إمرته بالقاهرة وقرر حاجباً بحلب. وفيها خرج عرب الشرق من الحجاز على أهل الركب العراقي فانتهبوهم، وكان من جملتهم ولدان لحسن بن عجلان كانا انتجعا المشرق، فأكرمهما الملوك اللنكية وغيرهم ورجعا بمال ونهب، وذهبت للتجار العراقيين أموال عظيمة كثيرة جداً. وفي أواخر السنة بلغ السلطان أن بعض التركمان نازل الملطية، فأمر بتجريده ثم بطلت، وجهز قانباي البهلوان أميراً عليها. وفي خامس عشري شهر ربيع الآخر مات كافور الزمام، وكان قد عمر وقارب التسعين، ودفن في تربة بناها بالصحراء. وفي عاشر جمادى الآخرة قبض على تغري بردى المحمودي، وهو يومئذ راس نوبة كبير، وكان حينئذ يلعب مع السلطان بالأكرة في الحوش، وذكر أن ذنبه ما نقل عنه أنه اختلس من الأموال من قبرس

стр. 2657

وشيع في الحال إلى الإسكندرية مقيداً. ومن عجائب ما اتفق له في تلك الحال أن شاهد ديوانه شمس الدين محمد بن الشامية لحقه قبل أن يصل إلى البحر فقال له وهو يبكي: يا خوندّ هل لك عندي مال؟ وقصد أن يقول: لا، فشفعه ذلك بعده عند السلطان وغيره، فكان جوابه له: أنا لا مال لي بل المال للسلطان، فلما سمعها ابن الشامية، دق صدره، واشتد حزنه وسقط ميتاً من غير ضعف ولا علة. وفي آخر يوم من ذي القعدة استقر بهاء الدين ابن نجم الدين ابن حجي في قضاء الشام مكان والده، وبذل في ذلك ثلاثين ألف دينار - وسيأتي ذكر قتل أبيه في ترجمته. ذكر من مات في سنة ثلاثين وثمانمائة من الأعيان أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عرب أبو العباس المعروف بابن عرب اليماني الزاهد بالشيخونية، انتقل أبوه من اليمن إلى بلاد

стр. 2658

الروم فسكنها وولد له بها أحمد هذا فنشأ بمدينة برصا، فكان يقال له: ابن عرب، على عادة الروم والترك في تسمية من لم يكن منهم عرب، ونشأ أحمد هذا نشأة حسنة، ثم قدم القاهرة وتنزل في القاعدة التي استجدها أكمل الدين صوفياً، وقرأ على خير الدين سليمان بن عبد الله، ونسخ بالأجرة واشتغل، ثم انقطع عن الناس فلم يكن يجتمع بأحد، واختار العزلة مع المواظبة على الجمعة والجماعة، واقتصر على ملبس خشن جداً وقنع بيسير من القوت، ومهما اطلع على أن أحداً من الباعة عرفه فحاباه لم يعد إليه، وكان يتنكر ويشتري قوت يومين أو ثلاثة بعد العشاء ويدخل الجامع من أول النهار يوم الجمعة، ولا يكلم أحداً في حال ذهابه ولا إيابه، فأقام على هذه الطريق أكثر من ثلاثين سنة ولم يكن في عصره من داناه في طريقته، وكان يدري القراآت، مات ليلة الأربعاء ثاني شهر ربيع الأول، ومن عجائب أمره أنه لما مات كان الجمع في جنازته موفوراً، وأكثر الناس كانوا لا يعلمون بحاله ولا بسيرته فلما تسامعوا بموته هرعوا إليه، ونزل السلطان من القلعة فصلى عليه بالرميلة، وأعيد إلى الخانقاه فدفن بها، وتنافس الناس في شراء ثياب بدنه فاشتروها باغلاء الأثمان، فاتفق أن جملة ما اجتمع من ثمنها حسب فكان قدر ما تناوله من المعلوم من أول ما نزل بها إلى أن مات لا يزيد ولا ينقص، فعد ذلك من كراماته ﵀.

стр. 2659

أحمد بن موسى، شهاب الدين المتبولي المالكي موقع الحكم، حدث عن البياني وغيره، أخذ عنه جماعة، ومات في يوم الأربعاء ٨ ربيع الأول عن خمس وثمانين سنة. أحمد بن يحيى بن عبد الله الحموي الرواقي الصوفي شهاب الدين أبو العباس، ولد سنة ٧٤٧. وذكر أنه سمع بمكة على العفيف عبد الله اليافعي في سنة ٥٥، وتلقن الذكر ولبس خرقة التصوف من الشيخ يوسف بن عبد الله بن عمر بن خضر الكوراني، واسندها له عن الشيخ نجم الدين الأصفهاني عن نور الدين عبد الصمد عن الشيخ شهاب الدين السهروردي، وتعاني طريق التصوف، وسكن في الأخير حماة، وتردد إلى طرابلس وغيرها، وزار القدس سنة سبع وعشرين؛ قال القاضي علاء الدين: كان صالحاً خيراً ديناً ناسكًا مسلكاً، يستحضر أشياء حسنة عن الصوفية، اجتمعت به بطرابلس فأنشدني وساق له عن أبي حيان قصيدة أولها: لا خير في لذة من دونها حذر … ولا صفا عيشة في ضمنها كدر

стр. 2660

فلا ترم رقعة بين الأنام فقد … حست منامك الأخبار والسير والرفع من بعده نصب وفاعله … عما قليل بحرف الجر ينكسر وهي نحو العشرين بيتاً، لا يشبه نظم أبي حيان ولا نفسه ولا يتصور لمن ولد سنة سبع وأربعين أن يسمع من أبي حيان الذي مات قبل ذلك بمدة، ولقد عجبت من خفاء ذلك على القاضي علاء الدين ثم خشيت أن يكون بين الرواقي وأبي حيان واسطة، وقد زعم أنه أنشدها له العلامة جمال الدين عبد الله بن يوسف بن هشام قال: أنشدنا أبو حيان، ولا يعرف أن ابن هشام أخذ عن أبي حيان شيئاً بل كان يجتنبه. قال: وكان الرواقي يقيم بحماة ويأتي طرابلس، ثم بلغني أنه توجه إلى القدس وأقام به ومات ما بين ثمان وتسع وعشرين. أحمد بن يوسف، الزعيفريني شهاب الدين الأديب البارع كان ينظم الشعر ويكتب المنسوب، ويتكلم في معرفة علم الحرف ويخبر عن المغيبات، ولذلك مال إليه جماعة من الأكابر وأثرى، وامتهن في سنة ثمانمائة واثنتي عشرة وقطع الناصر لسانه وعقدتين من أصابعه، ورفق به المشاعلي عند قطع لسانه فلم يمنعه من الكلام، وكان السبب في ذلك أنه نظم

стр. 2661

لجمال الدين ملحمة أوهمه أنها قديمة وأنه يملك، وصار بعد موت الناصر يكتب بشماله، وكتب مرة إلى الصدر ابن الأدمي: لقد عشت دهراً في الكتابة مفرداً … أصور منها أحرفاً تشبه الدرا وقد عاد خطي اليوم أضعف ما ترى … فهذا الذي قد يسر الله لليسرى فأجابه: لئن فقدت يمناك حسن كتابة … فلا تحتمل هماً ولا تعتقد عسرا وأبشر ببشر دائم ومسرة … فقد يسر الله العظيم لك اليسرى أحمد بن البدر بن محمد بن أويس، المغربي نزيل طرابلس، قرأ بالروايات على أبي زيد عبد الرحمن بن المعلم سليمان بن إبراهيم التونسي نزيل طرابلس في سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة فقرأه علي أبي عبد الله محمد بن محمد بن سلامة الأنصاري، ولبس خرقة التصوف من محمد بن أحمد بن محمد بن المهندس بحصن الأكراد في السنة المقبلة، وذكر انه لبسها من علي بن محمد بن محمد بن أبي الفتح عبد المحمود بمدينة بحصن الأكراد سنة ٥٤؛ ومات ابن البدر المذكور بطرابلس في ذي القعدة، وسمع من بهادر القرمي ومحمد بن هبة الله بن وهبة وأحمد بن علي بن محمد الأرموي ومحمد بن مظفر الحسيني وعلي بن اليونانية.

стр. 2662

أويس بن شاه ولد لابن شاه زاده ابن أويس صاحب بغداد، قتل في الحرب بينه وبين محمد شاه بن قرا يوسف، واستولى محمد شاه على بغداد مرة أخرى. بركوت بن عبد الله المكيني شهاب الدين عتيق سعيد بن عبد الله المكيني عتيق مكين الدين اليمني، كان حبشياً صافي اللون حسن الخلق كثير الإفضال محباً في أهل العلم وأهل الخير كثير البر لهم واللطف بهم، لقي حظاً عظيماً من الدنيا وتنقلت به الأحوال، وبنى بعدن أماكن عديدة، ثم تحول إلى مكة فسكنها وبنى بها داراً عظيمة، وصاهر إلى بيت المحلي التاجر فنكح بنته آمنة واستولدها، وكان كثير التزوج والأولاد، ومات له في حياته أكثر من خمسين ولداً، وما مات حتى تضعضع حاله، وذلك في ذي القعدة بعدن وله نحو الستين. عبد الله الملك المنصور بن الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل صاحب اليمن، مات في جمادى منها، واستقر بعده الأشرف إسماعيل بن الناصر أحمد.

стр. 2663

عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي بن أيوب بن محمود ابن ختلو، الحلبي فتح الدين ابن الشحنة أخو العلامة محب الدين أبي الوليد، كان أصغر سناً من أخيه، واشتغل كثيراً في الفقه حنفياً حتى ناب عن أخيه في الحكم ثم تحول بعد الفتنة العظمى مالكياً، وولي القضاء ثم عزل وخصل له نكد لاختلاف الدول، ثم عاد في سنة خمس

стр. 2664

عشرة من قبل نوروز ثم من قبل المالك المؤيد إلى أن مات، قال القاضي علاء الدين: رافقته في القضاء وكان صديقي وصاحبي، وعنده مروءة وحشمة، وأنشد له من نظمه وهذا عنوانه: لا تلوموا الغمام إن صب دمعا … وتوالت لأجله الأنواء فالليالي أكثرن فينا الرزايا … فبكت رحمة علينا السماء عمر بن حجي بن موسى بن أحمد بن سعد، السعدي الحسباني الأصل الدمشقي نجم الدين أبو الفتوح بن حجي الشافعي، ولد سنة ٧٦٧ بدمشق، وقرأ القرآن، ومات والده وهو صغير، وحفظ التنبيه في ثمانية أشهر، وحفظ كثيراً من المختصرات، وأسمعه أخوه الشيخ شهاب الدين من ابن أميلة وجماعة، واستجاز له من جماعة، وسمع هو بنفسه من جماعة كثيرة، وأخذ العلم عن أخيه وابن الشريشي والزهري وغيرهم، ودخل مصر سنة تسع وثمانين فأخذ عن ابن الملقن، ولازم الشرف والعز ابن جماعة وغيرهم، وأذن له ابن الملقن، والبدر الزركشي الأنطاكي مدة وتعلم العربية، وكان قليل الاستحضار إلا أنه جيد الذهن حسن التصرف، وأول ما حج سنة ست وثمانين، ثم ولي إفتاء دار العدل سنة اثنتين وتسعين، وجرت له كائنة مع الباعوني فضربه هو والعزي وغيرهما وطوف بهم وسجنوا بالقلعة، وذلك في رمضان سنة خمس

стр. 2665

وتسعين، ثم حج سنة تسع وتسعين وجاور، وولي قضاء حماة مرتين، ثم ولي قضاء الشام في ربيع الآخر سنة تسع وثمانمائة، ثم انفصل بعد شهرين، ثن أعيد في شوال سنة عشر، ثم صرف مراراً، وهكذا كانت مدة ولايته إحدى عشرة سنة وأشهر في مدة إحدى وعشرين سنة، وعدد ولاياته سبع مرات، وقدم مصر سنة اللنك بعد أن نجا منهم بحيلة غريبة، فناب في الحكم عن الجلال البلقيني، ثم عاد وولي قضاء طرابلس سنة اثنتي عشرة قدر شهرين، وحبسه نوروز في شوال سنة خمس عشرى وهم بقتله ثم نجا منه، وقبض عليه مرة أخرة قبل ذلك فهرب من الموكلين به بحيلة عجيبة، ثم قبض عليه في جمادى الأولى سنة ست عشرة، ثم تحيل وخلص وقدم القاهرة، ثم رجع مع المؤيد حتى قتل نوروز، واستقر في القضاء إلى أن قام عليه الحاجب فنودي عليه وحبس بالقلعة، ثم خلص وقدم مصر ورجع متولياً، ثم في سنة إحدى وعشرين سجن بالقلعة ثم أطلق، وحج سنة اثنتين وعشرين، فاستناب الشريف شهاب الدين بن عدنان مع ما كان بينهما من العداوة الشديدة، والسبب في ذلك أن النواب سطوا عليه واختلفوا فيمن يصلح منهم أن ينوب عنه في غيبته فعاقبهم بأن أقام عليهم الشريف، فكان ذلك أول طمع الشريف في الدخول في المنصب ثم قام مع جقمق نائب الشام بعد موت المؤيد وأشار على نائب القلعة بتسليمها إليه، فلما وصل ططر ومن معه
следующие страницы →