Полный текст (3 236 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
فيما مضى مثل ذلك إلا في سنة ست عشرة فإن الملك المؤيد صاحب حماة ذكر في تاريخه بنظير ذلك في هذا العصر أن النيل أوفى تاسع عشرى أبيب وقال إنه غريب.
وفي شعبان كانت الزلزلة، بغر ناطة وخسف بعدة أماكن وعدة مواضع وانهدم بعض القلعة، ودامت الأرض تهتز أياماً، وسقط من جدار الجامع الأعظم، وخاف أهل البلد كلهم فخرجوا إلى الصحراء.
وفيها غزاهم الفرنج فكادوا يقبضون عليهم قبض اليد، فأدركهم الله بالفرج، فخرج الشيخ يحيى بن عمر عثمان بن عبد الحق شيخ الغزاة في ألفين من الجند، وسار نصف الليل حتى بعد عن عسكر الفرنج، وقرر مع أهل البلد أن يخرجوا إلى الفرنج فإذا حملوا عليهم انهزموا أمامهم، ففعلوا وطمع الفرنج في أهل البلد - وإذا بالشيخ يحيى قد دهمهم بمن معه من خلفهم - فأطلق النيران في معسكرهم، فجاءهم الصريخ فرجعوا، فركب المسلمون أقفيتهم أسراً وقتلا، فقيل بلغ عدة القتلى زيادة على ثلاثين ألفاً والأسرى إثني عشر ألفاً.
стр. 2767
وفي الرابع والعشرين من المحرم عقد مجلس بين أمير آخور جقمق العلائي الذي ولي السلطنة بعد ذلك وبين القاضي زين الدين التفهني وكان يومئذ مدرس الخنفية بمدرسة قانباي، فقرئ محضر يتضمن أن قانباي فوض النظر للتفهني والزمام ثم عزلهما، وأحضر جقمق جماعة يشهدون بذلك، فأسر السلطان لناظر الجيش كلاماً فغاب والشهود معه ثم عاد فقال: اتفقت شهادتهم، ثم أمر السلطان بعقد مجلس بالصالحية وادعى وكيل جقمق على وكيل التفهني أن التفهني حكم في المدرسة المذكورة بغير طريق شرعي، فأجاب وكيل التفهني بأن جقمق ليس ناظراً إلى أن يثبت ذلك، فوصل كتاب الوقف بالشافعي فوجد فيه أن النظر بعده لم يكون أمير آخور يوم ذلك، فقال الوكيل: هذا يقتضي التقييد بذلك الوقت وليس فيه تعميم، فقال الشاهدان على الواقف: نحن نشهد على الواقف أنه جعل النظر بعده لمن يكون أمير آخور، فوقع البحث في ذلك، فادعى وكيل الحنفي أنه له دافعاً، فأمهل ثلاثة أيام، فحكم الحنبلي في غضون ذلك بمقتضى ما شهد به الشاهدان وأن ذلك مقبول ولا يقدح في شهادتهما وإنما هو تفسير لما أبهم؛ وانفصل الأمر على ذلك.
وفي سابع عشر المحرم وصل الأمراء الذين كانوا مجردين بحلب، وأمر السلطان بإخراج بعض العسكر إلى البلاد الحلبية لدفع قرايلك
стр. 2768
عن ملطية وكان نائبها قانباي البهلوان أرسل لطلب المدد، فلما تجهز الأمراء وصل الخبر بالإستغناء عن ذلك فأمر برجوعهم فرجعوا بعد أن رحلوا مرحلة واحدة، وقيل كان السبب أن نائب الشام أرسل يذكر للسلطان أنه لا حاجة إلى إرسال أحد من مماليك السلطان، فتخيل منه وأراد إختبار حاله فأرسل له كتاباً صحبة ساعي يستدعى حضوره إلى القاهرة، فوصله الكتاب وهو راكب فخرج في الحال إلى ظاهر دمشق واستدعى آلة السفر وتوجه فوصل في سادس جمادى الآخرة، فأكرمه السلطان وخلع عليه بالإستمرار، وعمل له السلطان ضيافة بخليج الزعفران، وسافر في ثالث عشر الشهر الذي جاء فيه.
وفي هذه السنة قرئ البخارى على العادة، فكثر من يحضر من آحاد الطلبة الذين يقصدون الظهور ومنعوا فشغبوا، وصار لغطهم يزيد وسوء أدبهم يفحش فهددوا فلم يرتدعوا، فأمر السلطان في المجلس الثاني أن تكون القراءة في القصر التحتاني، وصار إذا جاء يجلس في الشباك الذي يطل من القصر الفوقاني على القصر التحتاني، وحصل بذلك للقضاة ولأعيان المشايخ اتضاع منزلة، وعظم اللغط بالنسبة لما كان يحضره السلطان، وصار السلطان بعد ذلك يتشاغل بكتابة العلامة فيجتمع عنده من يتعلق بها ويصير بالتبعية له في أعلى منزلة بالنسبة لمن هو في الحقيقة فوقهم؛ ولما رأى ابن البلقيني أنه ما بقي يظهر له مقصود انقطع عن الحضور،
стр. 2769
واستمر إلى سنة أربعين، فسعى في العود كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وفيها توجه قرقماس الشعباني وهو يومئذ الحاجب الكبير إلى الصعيد، فلاقاه موسى بن عمر شيخ عرب هوارة وقدم له تقدمة، فلما رجع بلغ موسى أن ابن عمه عمران استقر مكانه وعزله، فخاف موسى ودخل البرية بمن أطاعه، وتوجه الوزير إلى قرقماس ليتعاونا على رجوع موسى فعجزا عنه. ثم لم يزل الوزير يراسل موسى ويتلطف به حتى عاد، وأحضره إلى السلطان فخلع عليه ثم أمسكه بعد أيام ثم حبسه، فبلغ ذلك عربه فأفسدوا في البلاد وأحرقوا الغلال، ووصل عبد الدائم شيخ الفقراء ومعه طائفة من الفقراء في شوال، فهرع الناس للسلام عليه والتبرك به، وكان قد أذن لموسى بن عمر في التوجه إلى السلطان وضمن له السلامة، فلما سمع بحبسه جاء للشفاعة فيه، فأرسل لهم السلطان القاضي بدر الدين العيني فأحضرهم عنده وتأدب معهم وكانوا ثلاثة: عبد الدائم، وشجاع، والعريان، وأتباعهم، وقبل السلطان شفاعتهم وأذن لهم في تسليم ابن عمر بعد أن يحلفه كاتب السر عند العيني، ففعل ذلك ورجعوا.
стр. 2770
وفي جمادى الأولى شاع عن أهل التقويم أنهم اتفقوا أن الشمس تكسف في ثامن عشري هذا الشهر بعد الزوال، فتأهب السلطان وغيره لذلك وترقبها إلى أن غربت، ولم يتغير منها شيء البتة.
وفي يوم الخميس ثاني عشر شهر رجب تزوج سيدي محمد ولد الأمير جقمق بنت أحمد بن أرغون شاه، وعمل له أبوه وليمة عظيمة وقدم له السلطان ومن دونه تقادم سنية.
وفي شوال أرسل السلطان ثلاثمائة مملوك إلى جزيرة قبرس بمطالبة صاحبها بما استقر عليه من المال في كل سنة، وأوصاهم أن يرسوا على بعض الجزائر ويراسلوه، فإن أجاب بالامتثال رجعوا وصحبتهم ما يوصله لهم، وإن امتنع اعتصموا ببعض الجزائر وراسلوا السلطان، فعادوا بعد بضعة وعشرين يوماً وصحبتهم أثواب صوف بقيمة ثلاثة آلاف دينار.
وفيها حجب خوند جلبان زوج السلطان، وكانت أمته فأعتقها وتزوجها وصيرها أكبر الخوندات، وجهزها في هذه السنة تجهيزاً عظيماً، وأرسل صحبتها جوهر اللالا وناظر الجيش ونصب في
стр. 2771
الودك المتعلق بها على شاطئ النيل وكان امراً مهولاً، وسافروا بالمحمل من أجلها في ٧ شوال ورحلوا به من البركة يوم الحادي والعشرين منه قبل العادة بثلاثة أيام.
وفي ١٢ ذي القعدة أوفى النيل ستة عشر ذراعاً، ونودي عليه بزيادة نصف ذراع بعد الستة عشر، وذلك في تاسع عشري أبيب، وقد تقدم في سنة خمس وعشرين انه أوفى في تاسع عشري أبيب أيضاً ولكن بزيادة اصبعين على الستة عشر فقط، وأوفى قبل ذلك في سنة ست عشرة آخر يوم من أبيب وهي من النوادر، وافسد تعجيل الزيادة من الزروع التي بالجزائر شيئاً كثيراً كالبطيخ والسمسم.
وفيها قدم الامير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك في ذي القعدة، فأخبر أن نائب الشام اقام أياماً محتجباً، فأنكر عليه وسباي الحاجب الكبير فأجابه بالشتم والضرب والإهانة وخرج النائب إلى ظاهر البلد فأقام هناك، فوقع الراي على رجوع ابن منجك بخلعة استمرار للنائب وأخرى للحاجب وأن يصلح بينهما، فبادر وصحبته سودون ميق وهو يومئذ أمير آخور ثاني فاصلحا بينهما واستمر الحال، واشتهر فيها وقوع زلزلة بالأندلس هدم بها من الأمكنة شيء كثير.
стр. 2772
وفيها نودي على الذهب بأن كل أشرفي بمائتين خمسة وثلاثين ومن خالف ذلك شنق في يده فاستمر على ذلك.
وفها قدم غادر بن نعير على السلطان مفارقاً لاخيه قرقماس، فأكرمه وأمره عوضاً عن أخيه، فلما رجع عصى وآذى بعض الناس، فأرسل السلطان إلى نائب حلب ونائب حماة أن يركبوا عليه، فبلغه ذلك فهرب وأحاطوا بما وجدوه من ماله.
وفيها أرسل شاه رخ قرايلك في طلب إسكندر بن قرا يوسف فواقعه، فانهزم اسكندر وفر إلى بلاد الكرج فنزل بقلعة سلماس، وبعث إليه شاه رخ عسكراً فقاتلوه إلى أن انهزم ونجا بنفسه جريحاً، فاتفق أنه وقع الغلاء ثم الوباء في عسكر شاه رخ فكر راجعاً إلى بلاده.
وفي العشرين من ذي الحجة مات فارس الذي كان رأس المماليك المقيمين بمكة لكف أذى وكان غيره قد توجه عوضه
стр. 2773
مع الحاج ورجع هو مبشراً فمات في الطريق، وتاخر قدوم المبشرين بسبب ذلك يومين عن العادة، فقدموا في ثامن عشري ذي الحجة وأخبروا بالرخاء لكن كان الماء قليلاً.
ذكر من مات في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة من الأعيان
إبراهيم بن علي بن إسماعيل بن إبراهيم برهان الدين البلقيني الأصل المعروف بابن الظريف بالظاء المعجمة وتشديد التحتانية، ولي نيابة الحكم بالحسنية في ولاية البلقيني، ثم أضيفت إليه نيابة الحكم بالقاهرة ومصر وباشر مباشرة حسنة، وكان حسن العشرة والمعاملة كثير الإسراف على نفسه - سامحه الله! مات في يوم السبت ثاني عشر - شوال بعد مرض طويل.
أحمد الدوادار نائب الإسكندرية المعروف بابن الأبتع، مات يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة بالقاهرة.
стр. 2774
إسماعيل بن أبي الحسن بن علي بن محمد، البرماوي الشافعي ولد في حدود الخمسين، ودخل القاهرة قديماً وأخذ عن المشايخ وسمع، ومهر في الفقه والفنون، وتصدى للتدريس، وخطب بالجامع العمري بمصر؛ مات في يوم الأحد الخامس عشر - نصف ربيع الآخر.
إسماعيل الرومي الطبيب الصوفي المقيم بالخانقاه البيبرسية، كان يقرئ العربية والتصوف والحكمة، وامتحن بمقالة ابن العربي ونهى مراراً عن إقرائها، ولم يكن محمود السيرة ولا العلاج، وكان من صوفية البيبرسية؛ مات في تاسع شوال.
حمزة بن يعقوب، الحريري الدمشقي؛ مات في صفر.
شاهين الرومي المزي عتيق تقي الدين أبي بكر المزي، وكان عارفاً بالتجارة، على طريقة سيده في محبة أهل الخير، ووصاه على أولاده فرباهم،
стр. 2775
ثم مات بالقولنج وهم صغار فأحيط بموجوده، فيسر الله تعالى القيام في أمرهم مع السلطان إلى أن أسعدته، فصار الذي لهم في ذمو شاهين، وظهر لشاهين أخ شقيق، فلما أثبت نسبه قبض ما بقي من تركة أخيه بعد مصالحة ناظر الخاص؛ وكان موته في ثالث عشري ذي القعدة.
عبد الله بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، المقدسي ثم الصالحي الشيخ شرف الدين ابن القاضي شمس الدين أخو القاضي تقي الدين، ولد في ربيع الأول سنة خمسين ومات أبوه وهو صغير، فحفظ المقنع ومختصر ابن الحاجب، وأخذ عن بعض مشايخ أخيه وسمع الحديث، وأجاز له عز الدين ابن جماعة وجمال الدين ابن هشام النحوي وغيرهما، وسمع
стр. 2776
من جده لأمه جمال الدين المرداوي وشرف الدين بن قاضي الجبل وغيرهما، وافتى ودرس واشتغل وناظر وناب في الفضاء دهراً طويلاً وصار كثير المحفوظ جداً، وأما استحضار فروع الفقه فكان فيه عجباً مع استحضار كثير من العلوم، وكان ينسب إلى المجازفة في النقل أحياناً وعليه مآخذ دينية، وانتهت إليه رئاسة الحنابلة في زمانه، وعين للقضاء غير مرة فلم يتفق ذلك، وولي ابن اخيه في حياته وقدم عليه؛ مات في ليلة الجمعة ثاني ذي القعدة، أرخه مؤرخ الشام وأرخه قاضي الحنابلة في خامس عشر شوال.
عبد الرحمن وجيه الدين بن الجمال، المصري، ولد بزبيد سنة وتفقه، وتزوج بنت عمه النجم المرجاني، وقطن مكة وأشغل الناس بها في الفقه واشتهر بمعرفته؛ ومات في ١٧ رجب.
стр. 2777
عبد الرزاق بن سعد الدين تاج الدين إبراهيم ابن الهيصم، كتب في الديوان المفرد ثم ولي الاستادارية بعد جمال الدين، ثم ولي الوزارة في الدولة المؤيدية ونكب مراراً؛ ومات في يوم الخميس العشرين من ذي الحجة.
عمر بن منصور، الشيخ سراج الدين البهادري الحنفي، ولد سنة بضع وستين، واشتغل بالفقه والعربية والطب والمعاني وغير ذلك حتى مهر واشتهر ودرس وناب في الحكم، وصار يشار إليه في فضلاء الحنفية وفي الأطباء ولم يكن محمود العلاج؛ مات في العشر الثاني من شوال.
محمد ناصر الدين ابن أرغون، المارداني القبيباتي، ولد سنة خمسين وسبعمائة، ونشأ في خدمة الأمراء من عهد آقتمر عبد الغني النائب وهلم جراً، وولي الجيزة والحجوبية والأستادراية عند غير واحد، وكان عارفاً بالأمور، وصحب الناس وعرف أخلاق أهل الدولة وعاشرهم ومازجهم، ثم أقبل على الاشتغال بالفقه حتى صار يستحضر كثيراً من
стр. 2778
المسائل الفقهية، ويقرأ عنده في الروضة وغيرها، ويكثر من مسايلة من يلقاه من العلماء، وسمعت منه فوائد ولطائف، وكان من جملة من ينتمي إلى أصهارنا بقرابة من النساء؛ مات في رمضان.
محمد بن الأشراف برسباي محمد بن الحسن بن محمد، الشيخ شمس الدين الحسني ابن أخي الشيخ تقي الدين الحصني، اشتغل على عمه ولازم طريقته في العبادة والتجرد، ودرس بالشامية وقام في عمارة البادرائية؛ ومات في شهر ربيع الأول، وكان شديد التعصب على الحنابلة.
محمد بن حمزة بن محمد بن محمد، الرومي العلامة شمس الدين الحنفي المعروف بابن الفنري - بفتح الفاء والنون مخففاً، ولد في سنة ٧٥١ في صفر، وأخذ ببلاده عن العلامة علاء الدين المعروف بالأسود شارح
стр. 2779
المغني وعن الكمال محمد بن محمد المعري والجمال محمد بن محمد بن محمد الأقصرائي وغيرهم ولازم الاشتغال، ورحل إلى الديار المصرية سنة ثمان وسبعين وله عشرون سنة، فأخذ عن الشيخ أكمل الدين وغيره، ثم رجع إلى الروم فولي قضاء برصا مدة؛ ثم تحول إلى قونية فأقام بها، فلما وقع الحرب بين ابن قرمان وابن عثمان وانكسر ابن قرمان أخذ ابن عثمان الشيخ شمس الدين المذكور إلى برها ففوض إليه قضاء مملكته وارتفع قدره عنده فوصل عنده المحل الأعلى وعذق به الأمور كلها وصار في معنى الوزير واشتهر ذكره وشاع فضله، وكان حسن السمت كثير الفضل والإفضال غير أنه يعاب بنحلة بن العربي وبأنه يقرئ الفصوص ويقرره، ولما قدم القاهرة لم يتظاهر بشيء من ذلك، وحج سنة اثنتين وعشرين، فلما رجع طلبه المؤيد فدخل القاهرة واجتمع بفضلائها، ولم يظهر عنه شيء مما كان رمي به من المقالة المذكورة، وكان بعض من اعتنى به أوصاه أن لا يتكلم في شيء من ذلك، فاجتمع به فضلاء العصر وذاكروه وباحثوه وشهدوا له بالفضيلة، ثم رجع إلى القدس فزاره، ثم رجع إلى بلاده وكان قد اثرى إلى الغاية حتى يقال إن عنده من النقد خاصة مائة وخمسين ألف دينار، وكان عارفاً بالقراآت والعربية والمعاني، كثير المشاركة في الفنون، ثم حج سنة ثلاث وثلاثين على طريق أنطاكية ورجع فمات ببلاده في شهر رجب وكان قد أصابه رمد وأشرف على العمى بل يقال إنه عمي ثم رد الله عليه بصره فحج هذه الحجة الأخيرة شكر الله على ذلك، وله تصنيف في أصول الفقه
стр. 2780
جمع فيه المنار والبزدوي وغيرهما، وأقام في عمله ثلاثين سنة، وأقرأ العضد نحو العشرين مرة، كتب لي بخطه بالإجازة لما قدم القاهرة.
محمد تقي الدين بن الشيخ نور الدين علي بن أحمد بن الأمين، المصري ولد سنة ستين، وتفقه قليلاً، وتكسب بالشهادة مدة طويلة، وكان يحفظ شيئاً كثيراً من الآداب والنوادر، واشتهر بمعرفة الملح والزوائد المصرية وثلب الأعراض خصوصاً الأكابر، فكان بعض الأكابر يقربه لذلك، ولم يكن متصوناً في نفسه ولا في دينه - والله يسامحه! مات في شوال.
محمد بن الناصر فرج - محمد بن محمد بن محمد بن محمد الحافظ - الإمام المقرئ شمس الدين ابن الجزري، ولد ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ٧٥١ بدمشق، وتفقه بها، ولهج بطلب الحديث والقراآت، وبرز في القراآت، وعمر مدرسة للقراء سماها دار القرآن وأقرأ الناس، وعين لقضاء الشام مرة، وكتب توقيعه عماد الدين بن كثير ثم عرض عارض فلم يتم ذلك.
стр. 2781
وقدم القاهرة مراراً، وكان مثرياً وشكلاً حسناً وفصيحاً بليغاً، وكان باشر عند قطلبك استادار ايتمشن فاتفق أنه نقم عليه شيئاً فتهدده، ففر منه فنزل البحر إلى بلاد الروم في سنة ثمان وتسعين، فاتصل بابي يزيد ابن عثمان فعظمه، وأخذ أهل البلاد عنه علم القراآت وأكثروا عنه، ثم كان فيمن حضر الوقعة مع ابن عثمان واللنكية، فلما أسر ابن عثمان اتصل ابن الجزري باللنك فعظمه وفوض له قضاء شيراز فباشره مدة طويلة، وكان كثير الإحسان لأهل الحجاز، وأخذ عنه أهل تلك البلاد في القراآت وسمعوا عليه الحديث، ثم اتفق أنه حج سنة اثنتين وعشرين فنهب ففاته الحج وأقام بينبع ثم بالمدينة ثم دخل مكة، فجاور إلى أن حج ورجع إلى العراق، وكان كاتب المؤيد يأذن له في دخول القاهرة، فمات المؤيد في تلك السنة فرجع، ثم عاد في سنة ست وعشرين وحج ودخل القاهرة سنة ١٢٧ فعظمه الملك الأشرف وأكرمه وحج في آخرها وأقام قليلاً، ودخل اليمن تاجراً فاسمع الحديث عند صاحبها ووصله ورجع ببضاعة كثيرة، فقدم القاهرة في سنة سبع وأقام بها مدة إلى أن سافر على طريق الشام ثم على طريق البصرة إلى أن وصل إلى شيراز، وقد انتهت إليه رئاسة علم القراآت في الممالك، وكان قديماً صنف الحصن الحصين في الأدعية ولهج به أهل اليمن واستكثروا منه، وسمعوه علي قبل أن يدخل هو إليهم ثم دخل إليهم فأسمعهم، وحدث بالقاهرة بمسند أحمد ومسند الشافعي وبغير ذلك، وسمع بدمشق وبمصر من ابن أميلة
стр. 2782
وابن الشيرجي ومحمود بن خليفة وعماد الدين بن كثير وابن أبي عمر وإبراهيم بن أحمد بن فلاح والكمال بن حبيب وعبد الرحمن بن أحمد البغدادي وغيرهم وبالإسكندرية من عبد الله الدماميني وابن موسى وببعلبك من أحمد بن عبد الكريم؛ وطلب بنفسه وكتب الطباق وعني بالنظم، وكانت عنايته بالقراآت أكثر، وذيل طبقات القراء للذهبي وأجاد فيه، ونظم قصيدة في قراءة الثلاثة، وجمع النشر في القراآت العشر جوده، وذكر أن ابن الخباز أجاز له واتهم في ذلك، وقرأت بخط القاضي علاء الدين بن خطيب الناصرية انه سمع الحافظ أبا إسحاق إبراهيم سبط ابن العجمي يقول: لما دخلت دمشق قال لي الحافظ صدر الدين الياسوفي: لا تسمع مع ابن الجزري شيئاً؛ قلت: وقد سمعت بعض العلماء يتهمه بالمجازفة في القول، وأما الحديث فما أظن ذلك به إلا إنه كان إذا رأى للعصريين شيئاً أغار عليه ونسبه لنفسه، وهذا أمر قد أكثر المتأخرون منه ولم ينفرد به؛ وكانت وفاته في أوائل سنة ثلاث وثلاثين، وكان يلقب في بلاده الإمام الأعظم، ولم يكن محمود السيرة في القضاء، واوقفني فتأملتها فوجدته خرجها بأسانيده من جزء الأنصاري وغيره وأخذ كلام شيخنا العراقي في أربعينه العشاريات بنصه، فكأنه استخرج عليها
стр. 2783
مستخرجاً بعضه بالسماع وأكثره بالإجازة، ومنه ما خرجه شيخنا من جزء ابن عرفة فإنه رواه عن ابن الخباز بالقراءة فأخرجه ابن الجزري عن ابن الخباز بالإجازة.
محمد جمال الدين ابن الشيخ بدر الدين يوسف بن الحسن بن محمود، الحلواني، قدم القاهرة سنة ٣٤ فأكرم. ثم طلبه صاحب الحصن بن الاشرف فجهزه إليه، فمات بمصر في هذه السنة، وكان فاضلاً في عدة علوم، وما اظنه أكمل أربعين سنة.
محمد بن الشيخ بدر الدين، الحمصي المعروف بابن العصياتي، اشتغل كثيراً، وكان في أول أمره جامد الذهن ثم اتفق أنه سقط من مكان فانشق رأسه نصفين ثم عولج فالتأم فصار حفظة ومهر في العلوم العقلية وغيرها، وكان يرجع إلى دين وينكر المنكر ويوصف بحدة ونقص عقل؛ مات في صفر -.
محمد بن ناصر الدين الشيخي، تولى الوزارة للناصر، ثم عزل في سنة أربع وثمانمائة، وصودر بسبب انه ظهر عنده من يعمل الزغل ويخرجه على الناس، فقبض عليه وعوقب إلى أن مات في ذي القعدة. واستقر بعده في الوزارة سعد الله بن عطايا.
стр. 2784
محمود بن أحمد بن محمد، الفيومي الأصل نور الدين الحموي ابن خطيب الدهشة، ولد سنة خمسين وسبعمائة، وسمع من جماعة وتفقه ببلده على علمائها في ذلك العصر ودخل الشام ومصر طالب علم، ثم ولي قضاء حماة في أول دولة المماليك المؤيد وباشر مباشرة حسنة بعفة ونزاهة وصرف بزين الدين ابن الخزري في أوائل سنة ست وعشرين، واختصر القوت للأذرعي وسماه لباب القوت، وله تكملة شرح المنهاج للسبكي، وشرح الكافية الشافية في العربية، وله منظومة في الخط وشرحها، وهذب المطالع لابن قرقور في قدر ضعفه وانتهت إليه رئاسة المذهب بحماة مع الدين والتواضع المفرط والعفة، والانكباب على المطالعة والاشتغال والتصنيف، وكان مشاركاً في الأدب وغيره وحسن الخط؛ مات في يوم الخميس تاسع عشر شوال بحماة، وكانت جنازته مشهودة، ومن نظمه:
وصل حبيبي خبر … لانه قد رفعه
ينصب قلبي غرضاً … إذ صار مفعولاً معه
وبينه وبين الشيخ بدر الدين ابن قاضي أذرعات مكاتبات منظومة
стр. 2785
سنة خمس وثلاثين وثمانمائة
وفي تاسع عشر المحرم وصل الأمير طرباي نائب طرابلس فسلم على السلطان وخلع عليه، فأقام خمسة أيام ورجع إلى بلده.
وفي شهر رمضان منها استقر دولات خجا الظاهري في ولاية القاهرة عوضاً عن التاج، واستقر التاج في بقية - وظائفه، وكان هذا ظالماً غاشماً، ولي كشف الوجه القبلي فتعدى الحد في العقوبة حتى كان يأمر بأن ينفخ في دبر من يريد عقوبته حتى تندر عيناه وينفلق دماغه، ثم ولي كشف الوجه البحري، ثم استقر في الولاية فجمع كل من في سجن الوالي من أولى الجرائم فأطلقهم، وحلف جهد يمينه أنه متى ظفر بأحد منهم وسطه وفعل ذلك ببعضهم فكفوا، وركب في الليل وطاف وأكثر من ذلك، وألزم الباعة بكنس الشوارع ورشها ووقيد القناديل في حوانيتهم كل ليلة، ومنع النساء من الخروج إلى الترب أيام الجمع، فاستمر على ذلك قدر شهرين ثم أعيد التاج.
وفي الخامس من صفر انتشر بمصر جراد كثير في الآفاق ولكن لم يحدث منه شر، ووردت الأخبار بأنه وقع فيما بين بغداد وتبريز فلم يدع خضراء وكثر فساده، وعم الغلاء حتى حدث منه الشدائد وأعقبه
стр. 2786
الوباء المفرط، وفيه أعيد آقبغا الجمالي لكشف الوجه القبلي، وفي ربيع الآخر نزل بعض المماليك من الطباق لنهب بيت الوزير وكان استعد لهم فلم يظفروا به ولا بشيء منه، فلما أصبح استعفى من الأستادارية، فقرر السلطان فيها الصاحب بدر الدين بن نصر الله في ثالث عشري ربيع الآخر، فباشرها شهرين ثم انفصل وأعيد آقبغا الجمالي في جمادى الآخرة، وسبب ذلك أنه كان حصل من الصعيد بالظلم والعسف مالاً كثيراً فرافعه بعض الناس فسعى في الحضور فأجيب، فسعى في الأستادارية على أن يزن عشرة آلاف دينار ويلتزم بالتكفية فأجيب، ثم حوقق على جهات احتاط عليها فزيد على الذي وعد به خمسة آلاف دينار فالتزم بها.
وفيها أجريت العيون حتى دخلت مكة فامتلأت برك باب المعلي ومرت على سوق الليل إلى الصفا فعم النفع بها، وكان القائم على ذلك سراج الدين ابن شمس الدين بن المراق كبير التجار بدمشق، وصرف على ذلك من مال نفسه شيئاً كثيراً، وفي السابع والعشرين من جمادى الآخرة صرف القاضي زين الدين التفهني من قضاء الحنفية وأعيد العيني، وكانت علة التفهني طالت لأنها ابتدأت به من ذي الحجة، فأقام مدة وعوفي ثم انتكس واستمر، وتداولته الأمراض إلى أن أشيع موته، واستقر في قضاء الحنفية بدر الدين العينتابي، وبلغ التفهني ذلك فشق عليه وركب في اليوم الثاني إلى القرافة حتى شاهده الناس ليتحقق أن العينتابي يقول عليه أنه بلغ الموت لكن لم يفد ذلك فلما دخل شوال مات، وكان مولده سنة بضع وستين. فإن القاضي شمس الدين البساطي
стр. 2787
ذكر أنه يعرفه من سنة ثمانين وهو بالغ، وكان في غضون مرضه نزل لولده شمس الدين محمد - عن تدريس الصرغتمشية، فشق ذلك على العينتابي وقام فيه وقعد، فصده ناظر الجيش عنه، وأمضى السلطان النزول، فلما مات التفهني صودر ولده على خمسمائة دينار، وكان التفهني سمع الحديث من النجم ابن الكشك وغيره واشتغل على جماعة من المشايخ، وأول من نوه به كاتب السر الكلستاني، وكان أصله من تفهنة إحدى القرى الغربية وأبوه طحان، ومات وهو صغير فرباه أخوه شمس الدين محمد، فلما ترعرع دخل القاهرة ونزل في كتاب السبيل بالصرغتمشية، ثم صار عريفاً بالمكتب، ثم نزل في الطلبة ثم نزل في طلبة الشيخونية، فلما نوه به الكلستاني ناب في القضاء وحمدت سيرته، ولازم الاشتغال وحسن خطه، وكتب على الفتاوى فأجاد، وكان حسن الأخلاق كثير الاحتمال شديد السطوة، إذا غضب لا يطاق وإذا رضي لا يكاد يوجد له نظير - رحمه الله تعالى.
وفي شعبان صرف القاضي شهاب الدين بن المحمرة عن قضاء الشام
стр. 2788
واستقر كمال الدين البارزي وخلع عليه يوم الجمعة ثاني شعبان مع استمراره في كتابة سر الشام، فلما بلغ الشام توجه إلى بيت المقدس فصام شهر رمضان هناك وقدم بعد شوال إلى القاهرة، وكان لما سار إلى الشام استناب بدر الدين ابن الأمانة في تدريس الشيخونية وجمال الدين ابن المجبر في مشيخة الصلاحية، فلما تمادت إقامته هناك استنجز مرسوم السلطان بالاستقلال، فلما عاد إلى القاهرة استعاد الوظيفتين منهما بإذن السلطان ولم يلتفت إلى شرط الواقف أن من غاب عن وظيفته أزيد من مدة مجاورة الحاج أخرج منها، وهذا بخلاف شرط سعيد السعداء فإن شرط واقفها أن من غاب عن وظيفته يعود إليها إذا عاد ولو طالت غيبته، فحجة ابن الأمانة قائمة وحجة ابن المجبر داحضة.
وفيها وصل من زنوك الصين عدة ومعهم من التحف ما لا يوصف فبيع بمكة، وفيها أسر حمزة بن قرايلك صاحب آمد، ساره ناصر الدين أمير ماردين وسجنه، لأن أباه كان يغير على معاملة مادرين ويكثر الفساد، فسار قرايلك حتى نازل ماردين وحاصرها مدة إلى أن ملكه، وهرب ناصر الدين أميرها وخلص حمزة بن قرا يلك، واستمرت
стр. 2789
ماردين في يد قرايلك.
وفي رجب قدم نائب الشام أيضاً مطلوباً فوصل في حادي عشري رجب وخلع عليه في ثاني عشري رجب، واستقر أتابك العساكر عوضاً عن جار قطلي وخلع على جار قطلي بنيابة الشام عوضه، وتوجه في أول شعبان منها.
وفيها صمم السلطان على السفر إلى البلاد الشمالية بسبب قرا يلك وتجهز غالب الناس ولم يبق إلا السفر، فقدم قاصد قرا يلك وصحبته مفاتيح قلعة ماردين وكان قد غلب عليها وقتل صاحبها، ففتر العزم في هذه السنة.
وفيها أراد السلطان عمل دار العدل كما كانت في أيام الظاهر برقوق، فبادروا إلى ترميمها وإصلاح ما تشعث منها، وجلس يوماً ثم ترك. وفيها حج ركب المغاربة وركب التكرور ومعهم بعض ملوكهم. وفيها اشتد تحجير السلطان على التجار وألزمهم بعدم بيع بضائعهم إلا بإذنه، ثم جمعهم في رمضان وسألهم أن يبيعوا عليه جميع ما عندهم من الفلفل بسعر خمسين الحمل، فشق عليهم ولم يجدوا بداً من المطاوعة وكانوا قد باعوه عليهم من قبل السلطان قبل ذلك بسعر ثمانين، فذكر له بعضهم ذلك فلم يلتفت إليه، ثم كتب مراسيم وأرسلت الشام والحجاز والإسكندرية أن لا يبيع أحد البهار ولا يشتريه إلا السلطان، وفي
стр. 2790
ذي القعدة عقد مجلس حضره القضاة الأربعة وقرقماس الحاجب الكبير بإذن السلطان بسبب ما حكم به نائب الحنفي من هدم دار ابن النقاش. وكان السبب في ذلك أن علم الدين البلقيني كان سأل ناظر الجيش أن يتنزع له من كاتبه نظر جامع طولون ونظر الناصرية ليسكت عن طلب العود للقضاء والسعي فيه، فرضي كاتبه بذلك وفوض له ذلك وأخذ به توقيعاً سلطانياً، فمن حمقه أنه هنأ السلطان بعيد الفطر فسأله عن أمر النظرين فشكر السلطان فقال له: ينبغي أن يشكر القاضي الذي أعطاك، فقال: أنا ما أعطاني إلا السلطان، وهذا غاية في الحمق والجهل، فإن الواقف شرط النظر للقاضي الشافعي فلو ولاه السلطان لغيره لم تصح ولايته، فلما بلغني ذلك صرحت بعزله، فما بالي بذلك واستمر يتحدث فيهما افتياتاً من غير مبالاة، فلا استمر على التحدث في جامع طولون استخرج من أوراق أخيه محضراً كان كتبه على ابن النقاش يتضمن أن أمين الدين الطرابلسي حيث كان قاضي الحنفية حكم عليه بسد السراب الذي فتحه في جدار الجامع ليستطرق منه إلى الدخول وان البيت الذي بناه من جملة حريم الجامع فيكون له حكم المسجد، وسأل القاضي بدر الدين العينتابي أن يأذن لأحذ نوابه أن يحكم بذلك، فأسند ذلك للقاضي ناصر الدين الشنشي، فحكم وعرض ذلك على السلطان، فاستعظم الناس هدم البيت المذكور بعد مضي أربعين سنة أو أكثر، وشاهد ذلك أكابر العلماء والأئمة، فأمر السلطان بعقد مجلس، فلما اجتمعوا ادعى مدعي على ولد ابن النقاش بأن البيت في أيديهم يجب هدمه، لأنه عمر في حريم الجامع
стр. 2791
فله حكم المسجد، وأنه يجب عليهم أجرة المثل عن المدة الماضية في تركة أبيهم إلى أن مات ثم في المدة التي منذ مات يجب من ريعه، فأجاب بأن أباه استأذن القاضي جلال الدين البلقيني في استئجار المذكورة فأذن لنائبه القاضي ولي الدين العراقي في النظر في ذلك فاستوفى الشروط وأذن لبعض العدول في إجارته فأجره بأجرة معينة - مدة معينة ليبني في ذلك الزمان ما أراد واتصل ذلك بالعراقي وحكم به، وذلك مصير منهم إلى أن الأرض المذكورة ليست مسجداً؛ فاتصل ثبوت ذلك بالقاضي المالكي في المجلس لكونها شهادة على الخط ثم اتصل بالشافعي، فحكم بابقاء البناء المذكور وعدم التعرض لهدمه، وكان ابن النقاش قد سد الإستطراق المذكور فحاول العلم أن يهدم ما سده ثم يبني، فلم يوافقه أحد، وانفصل المجلس على ذلك وقصر حكم نائب الحكم بأن الساحة المذكورة الدائرة حول الجامع من حريم الجامع وأن لها حكم الجامع على ما بناه فيه مما لم يتقدم به حكم أحد من الحكام، وحصل للعلم والحنفي من ذلك حنق زائد، فأما العلم فبذل جهده في السعي ليعود إلى القضاء فتعذر عليه ذلك، وأما الحنفي فصار يمتنع من حضور المجالس مع
стр. 2792
الشافعي ولله الحمد.
وأدير المحمل في هذه السنة في ثالث رجب، وفي هذه السنة منع الناس من السفر في وسط السنة إلى الحجاز صحبة ابن المرأة خشية عليهم من نهب العرب، وكان كسر الخليج في الخامس من مسرى، وانتهت الزيادة في هذه السنة إلى أحد وعشرين إصبعاً من ثمانية عشر ذراعاً في آخر مسرى، ووصل المبشر يوم الجمعة خامس عشرى ذي الحجة، فقطع المسافة في أربعة عشر يوماً، وهذا أسرع ما سمع في ذلك.
وفي سابع عشر شعبان وهو الثالث والعشرون من برموده أرعدت السماء وأمطرت مطراً غزيراً، في هذه السنة تقطع غالب الجسور التي عملت للنيل، فشرق بسبب ذلك كثير من الأراضي، وفي أول رمضان تراءى الناس الهلال فخفى عليهم، فشهد به إثنان بعد العشاء فثبت، فلما أصبح السلطان استغرب ذلك لكونه تراءى هو ومن معه ومكانهم بالقلعة مرتفع جداً وكانت السماء صاحية، فاستدعى بالشهود فحضروا عنده، فامتحنهم بأن فرق بينهم وبأن ألزمهم أن يشيروا إلى الجهة التي رأوا الهلال فيها في أول ليلة، ففعلوا فلم يخطئوا فمضى الأمر، واتفق في هذه السنة أنهم لم يروا الهلال ليلة الترائي، ثم ثبت في اليوم الثاني من ذي الحجة، فتوافق العيدان في المعنى المذكور، وفيه أكثر السلطان من الركوب إلى الصيد والتنزه حتى ركب في يوم واحد إلى بيت ناظر الجيش
стр. 2793
ثم إلى بيت ناظر الخاص فحملا له تقادم جليلة، وفيه استقر الوزير كريم الدين ابن كاتب المناخات في كتابة السر مضافاً للوزارة في ثالث شوال عوضاً عن ابن السفاح، وكان السلطان أرسل إلى شهاب الدين ابن الكشك قاضي الحنفية بدمشق بأن يحضر ويستقر في كتابة السر، فأرسل بالإعتذار وبذل مالاً على الكف عنه، فأجيب واستقر كريم الدين، فباشر قليلاً ثم صرف بعد قليل لما حضر ابن البارزي، وفي ذي القعدة استقر القاضي عز الدين عبد العزيز بن علي البغدادي في قضاء الحنابلة بدمشق وفي أواخر جمادى الأولى صرف العينابي من الحسبة، واستقر صلاح الدين بن بدر الدين بن نصر الله.
وفي شوال قتل نصراني وقع في حق داود ﵇ فحبس مدة ليسلم فأصر فقتل.
وفي هذه السنة ثارت فتنة عظيمة بين الحنابلة والأشاعرة بدمشق، وتعصب الشيخ علاء الدين البخارى نزيل دمشق على الحنابلة وبالغ في الحط على ابن تيمية وصرح بتفكيره، فتعصب جماعة من الدماشقة لابن
стр. 2794
تيمية، وصنف صاحبنا الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين جزءاً في فضل ابن تيمية وسرد أسماء من أثنى عليه من أهل عصره فمن بعدهم على حروف المعجم مبيناً لكلامهم وأرسله إلى القاهرة، فكتب له عليه غالب المصريين بالتصويت، وخالفوا علاء الدين البخارى في إطلاقه القول بتفكيره وتفكير من أطلق عليه أنه شيخ الإسلام، وخرج مرسوم السلطان على أن كل أحد لا يعترض على مذهب غيره ومن أظهر شيئاً مجمعا عليه سمع منه، وسكن الأمر؛ واستقر جارقطلي في نيابة الشام في ثامن عشرى رجب، وفيه ألزم أهل سوق الخيل أن لا يبيعوا لمعم فرساً ولا لجندي من أولاد الناس، ثم بطل ذلك عن قرب، وفيه وقع الفناء في الخيول، فأخذت الناس من الربيع ثم شفع فيهم فأعيد أكثرها، وتوجه عدة من الأمراء إلى بلاد الريف لأخذ الخيول من أيدي الفلاحين.
وفي ثالث ربيع الآخر أمر السلطان بإخراج من في السجون على الديون والمصالحة عنهم، وفي أولها اهتم السلطان بأمر الأسعار وأمر بإخراج البذر من حواصله للأراضي البائرة، فكثر الزرع وفرح الناس بذلك وتراجع السعر. وفيها مات جينوس بن ثاني الفرنجي
стр. 2795
متولي قبرس الذي كان أسر، ووصل الخبر بذلك في ذي القعدة، واستقر ولده مكانه فبذل الطاعة لصاحب مصر والتزم بما كان أبوه التزم به وأرسل مع رسل السلطان إليه بذلك أربعة وعشرين ألف دينار وكان السلطان الأشرف جهز إلى جوان ابن جينوس الفرنجي متولي قبرص رسولاً، فقابله بالإكرام وقبل الأرض قائماً أمام الكتاب وأجاب بالطاعة وأنه نائب عن السلطان، وجهز المال الذي كان تأخر على والده وجهز سبعمائة ثوب صوف ملونة، وسألوا السلطان أن يكون عندهم نائب من جهته، فأرسل إليهم أميراً ومعه أربعون مملوكاً.
وفيها اشتهر خراب الشرق من بغداد إلى تبريز، وكثر الغلاء حتى بيع الرطل اللحم بنصف دينار، وأكلوا الكلاب والميتات، ثم فشا الوباء في العراق والجزيرة وديار بكر. وفيها أمر القضاة بإحضار جميع نوابهم إلى السلطان ليعرفهم، ففعلوا ذلك في أول ذي القعدة، ثم أمروا بتأخير النواب، فسألهم السلطان عن النواب فوقع الكلام إلى أن قال السلطان: يستقر للشافعي خمسة عشر وللحنفي عشرة وللمالكي سبعة وللحنبلي خمسة، فامتثلوا ذلك ثم قال: لا يستنب أحد من غير مذهبه بالقاهرة وأما الضواحي فيستنيب الشافعي عز الدين الحنبلي في قضاء الشام عوضاً عن نظام الدين ابن مفلح.
стр. 2796
ذكر من مات في سنة خمس وثلاثين وثمانمائة من الأعيان.
أحمد بن إسماعيل، الأشيطي الشيخ شهاب الدين، تفقه قليلاً، ولزم قريبه الشيخ صدر الدين الأبشيطي، وأدب جماعة من أولاد الأكابر، ولهج بالسيرة النبوية فكتب منها كثيراً إلى أن شرع في جمع كتاب حافل في ذلك، وكتب منه نحواً من ثلاثين سفراً يحتوي على سيرة ابن إسحاق وما وضع عليهما من كلام السهيلي وغيره وعلى ما احتوت عليه المغازي للواقدي، وضم إلى ذلك ما في السيرة للعماد بن كثير وغير ذلك، وعنى بضبط الألفاظ الواقعة فيها؛ ومات في سلخ شوال وقد جاوز السبعين.
أحمد بن صالح بن محمد بن محمد بن أبي السفاح، شهاب الدين ابن السفاح كاتب السر بحلب ثم بالديار المصرية، ولد سنة ٧٢، وسمع من الكمال ابن حبيب وجماعة من الحلبيين، وحفظ القرآن. وتعانى الكتابة في التوقيع إلى أن مهر فيه، وولي نظر الجيش بحلب، فباشر التوقيع عند يشبك بعد أخيه ناصر الدين، ثم ولي كتابة السر بصفد ثم بحلب مرتين،
стр. 2797
ثم قدم القاهرة واستقر في توقيع السلطان قبل سلطنته، فلما تسلطن استقر به كاتب السر ابن الكوين في كتابة السر ببلده بحلب إرادة للراحة منه، فتوجه إليها بعد أن كان يباشر توقيع الدست مدة، فلما كان من وفاة الشريف شهاب الدين كاتب السر ما كان وتبعه أخوه أو بكر شغرت وظيفة كاتب السر وذكر لها جماعة، فاقتضى رأي السلطان تقرير هذا فأرسل إليه، فقدم في شهر رمضان سنة ثلاث من حلب، واستقر في أواخره، واستمر فيها إلى أن وعك في شهر رمضان هذه السنة فلم يلبث سوى خمسة أيام ومات. وكان قليل الشر غير مهاب ضعيف التصرف قليل العلم جداً، وكان السلطان يمقته في طول ولايته مع استمرار خدمته له ببدنه وماله، ويقول إنه أزعجه بشئ هدده به فضعف قلبه من الرعب ومات منها؛ قال القاضي علاء الدين: هو أخي من الرضاعة وكان صديقي وفيه حشمة ومروءة وعصبية وقيام في حاجة من يقصده؛ ومات في ليلة الأربعاء ١٤ رمضان عن ثلاث وستين، وعينت بعده للقاضي شهاب الدين ابن الكشك قاضي الحنفية بدمشق فعاد جوابه بالإستعفاء فعيب عليه، والتزم بمال يحمله بسبب الإعفاء، وعين القاضي كمال الدين البارزي، فإلى أن يحضر استقر الوزير كريم الدين مضافاً إلى الوزارة، واستقر في الأستادارية آقبغا الجمالي إلى أن قدم جمال الدين.
стр. 2798
أحمد بن تقي الدين عبد الرحمن بن العلامة جمال الدين بن هشام، المصري النحوي شهاب الدين، اشتغل كثيراً بمصر، وأخذ عن الشيخ عز الدين ابن جماعة وغيره. وفاق في العربية وغيرها، وكان يجيد لعب الشطرنج، وانصلح بأخرة، وسكن دمشق فمات بها في رابع جمادى الآخرة.
أحمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله، الحنفي ابن الكلواتاني الشيخ شهاب الدين، ولد في شهر رمضان سنة ست وستين وسبعمائة، وأجاز له قديماً القاضي عز الدين ابن جماعة، وأحب الحديث بعناية صديق أبيه شمس الدين ابن الوفاء فسمع وهو مترعرع منه الكثير، ثم طاف على الشيوخ في سنة تسع وتسعين وسبعمائة وهلم جرا إلى أن مات، ما فتر ولا ونى ولكنه لم ينجب ولم ينتقل عن الحد الذي ابتدأ فيه في الفهم والمعرفة والحفظ والقراءة درجة بل كان شديد الحرص على الاشتغال في الحديث والفقه والعربية والقراآت، وأعلى من عنده بالسماع
стр. 2799
ناصر الدين محمد بن علي الحراوي صاحب الدمياطي، وسمع من أصحاب ابن الصواف وابن القيم ثم من أصحاب أصحاب النجيب ثم من أصحاب أصحاب الفخر ثم من أصحاب ست الوزراء وابن الشحنة والواني والدبوسي والحنفي ثم من بعدهم حتى قرأ على أقرانه ومن سمع بعده، وخرج لنفسه شيئاً لم يكمله، وشرع في اختصار تهذيب الكمال فكتب منه شيئاً وتركه، ونسخ بخطه من تصانيف شيوخنا ثم من تصانيف أقرانه كالقاضي ولي الدين وكاتبه وغيرهما شيئاً كثيراً، وخطه ردئ وفهمه بطئ ولحنه فاشي لكنه كان ديناً خيراً كثير العبادة، على وجهه وضاءة الحديث، وكان في أكثر عمره متقللاً من الدنيا حتى كان يتكسب بالشهادة، ثم قرر في قراءة الحديث في القلعة بأخرة بعد الشيخ سراج الدين قارئ الهداية، ومات في ١٤ جمادى الآخرة.
جينوس بن جاكم بن بيدو بن أنطون بن جينوس متملك قبرس وصاحب الواقعة مع المسلمين، هلك واستقر ابنه في قبرس بعده.
حسين بن علاء الدولة بن أحمد بن أويس، آخر ملوك العراق من ذرية أويس، وكان اللنك أسره وأخاه حسناً، وحملهما إلى سمرقند ثم أطلقا، فساحا في الأرض فقيرين مجردين، فأما حسن فاتصل بالناصر فرج وصار في خدمته ومات عنده قديماً. وأما حسين فتنقل في البلاد إلى أن
стр. 2800
دخل العراق فوجد شاه محمد بن شاه ولد بن أحمد بن أويس وكان أبوه صاحب البصرة فمات فملك ولده شاه محمد، فصادفه حسين قد حضره الموت فعهد إليه بالمملكة فاستولى على البصرة وواسط وغيرهما ثم حاربه أصبهان شاه بن قرا يوسف، فانتمى حسين إلى شاه رخ بن اللنك، فتقوى بالانتماء إليه وملك الموصل واربل وتكريت وكانت مع قرا يوسف، فقوي اصبهان شاه واستنقذ البلاد وكان يخرب كل بلد ويحرقه - إلى أن حاصر حسيناً بالحلة منذ سبعة أشهر، ثم ظفر به بعد أن أعطاه الامان فقتله خنقاً في ثالث صفر هذه السنة.
خالد بن قاسم بن محمد، العاجلي ثم الحلبي زين الدين، ولد في رمضان سنة ٧٥٣، ولازم القاضي شرف الدين بن فياض وولده أحمد، واخذ عن شمس الدين ابن اليانونية، وأحب مقالة ابن تيمية، وكان من رؤوس القائمين مع أحمد بن البرهان على الظاهر، وهو آخر من مات منهم، وتنزل بالآثار النبوية، وكان قد غلب عليه حب المطالب فمات فلم يظفر
стр. 2801
بطائل، ونزله المؤيد بمدرسته في الحنابلة؛ ومات في ثالث ذي الحجة.
عبد الله بن نور الدين محمد بن قطب الدين عبد الله بن حسن بن يوسف بن عبد الحميد بن أبي الغيث، البهنسي قطب الدين، ويقال له أيضاً جمال الدين، ولد في رجب سنة ٧٥٥، واشتغل وسمع الحديث وقال الشعر وكان موسراً لكنه كان كثير التقتير على نفسه جداً وأصيب في عقله بأخرة وأكمل الثمانين؛ مات في شهر رمضان. قرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي: أنشدني جمال الدين البهنسي لنفسه:
إذا الخل قد فاجاك بالهجر فاسطبر … وسامح له واغفر بنصح وداره
فإن عاد فاقتله ولا تذكر اسمه … فحول طريق القصد عن باب داره
عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن هاشم، التفهني القاضي زين الدين الحنفي، ولد سنة بضع وستين، وسأل اخاه شمس الدين أحد من ينوب في الحكم عن النائب بها عن مولده فذكر أنه ولد سنة ٤٣ وأنه أسن من القاضي زين الدين بعشرين سنة، ولست أرتاب في مجازفته
стр. 2802
في كل ذلك، ومات أبوه وهو صغير فانتقل إلى القاهرة وهو شاب، وتنزل في مكتب اليتامى بمدرسة صرغتمش، ثم ترقى إلى أن صار عريفاً وتنزل في الطلبة هناك، ولازم الاشتغال ودار على الشيوخ فمهر في الفقه والعربية وجاد خطه وشهر اسمه وخالط الأتراك وصحب بدر الدين محمود الكلستاني كاتب السر فاشتهر ذكره، وناب في الحكم عن الطرابلسي ثم عن ابن العديم كمال الدين ونوه به كمال الدين عند الأكابر، وكان قد تقرر في طلب الشيخونية كمال الدين مشيختها فصار من أفاضلهم، وولي تدريس الصرغتمشية بعناية ابن العديم بعد أن تنازع فيها هو والشيخ شرف الدين التباني، وحصرها التباني ثم انتزعها منه، وتزوج فاطمة بنت شهاب الدين المحلي كبير التجار بمصر ثم انتزعها منه، وسعى في قضاء الحنفية بعد موت ناصر الدين ابن العديم، وراج أمره ثم لم يتم ذلك وولي شمس الدين بن الديري، ثم لما قرر المؤيد الديري في مشيخة المؤيدية فوض إليه قضاء الحنفية في ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين فباشره مباشرة حسنة، وكان حسن العشرة، كثير العصبية لأصحابه، عارفاً بأمور الدنيا عارفاً بمخالطتهم، على أنه يقع منه في بعض الأمور لجاج شديد يعاب به ولا يستطيع أن يتركه، وصرف عن القضاء في سنة تسع وعشرين وبالعيني، ثم أعيد في سنة ثلاث وثلاثين، ثم صرف قبل موته في جمادى الآخرة؛ ومات تاسع شوال، وقد انتهت إليه رياسة أهل مذهبه، ويقال إن أم ولده دست عليه سماً، لأن زوجته لما ماتت ظنت أم ولده أنها تنفرد به، فتزوج امرأة وأخرج الأمة فحصلت
стр. 2803
لها غيرة، والعلم عند الله تعالى - والله يسامحه.
عمر بن أبي بكر بن عيسى بن عبد الحميد، المغربي الأصل البصروي زين الدين، قدم دمشق فاشتغل بالفقه والعربية والقراآت وفاق في النحو، وشغل الناس وهو بزي أهل البر، وكان قانعاً باليسير حسن العقيدة، موصوفاً بالخير والدين، سليم الباطن، فارغاً من الرياسة؛ مات في ٤ جمادى الآخرة.
عيسى بن محمد بن عيسى، الأقفهسي شرف الدين أحد نواب الحكم، تفقه وعرف كثيراً من الفروع وكان يستحضرها، وناب في الحكم مدة طويلة؛ ومات في جمادى الآخرة، ولم يكن مشكوراً، وأظنه جاوز الثمانين وكان يذكر أنه حضر درس الشيخ جمال الدين الأسنوي ثم لازم شيخنا البلقيني وقرأ عليه في تاج الأصول، ورأيت خطه له بذلك، وفيه أنه أذن له في التدريس، وفيه إلحاق الفتوى بخط شرف الدين نفسه الذي لا يخفي فوق قشط، وكانت إجازة الشيخ له في سنة ٧٥، فعاش بعدها ستين سنة، وكان يذكر أنه ناب في الحكم في بعض البلاد عن البرهان ابن جماعة - سامحه الله تعالى.
محمد بن سعد الدين، جمال الدين، ملك الحبشة المسلمين، قتل في جمادى الآخرة، وكانت ولايته بعد فقد أخيه منصور في سنة ثمان وعشرين، وكان شجاعاً بطلاً مديماً لجهاد وكان عنده أمير يقال له حرب جوس، كان نصرانياً فأسلم فحسن إسلامه، وكان لا يطاق في القتال، فهزم الحبشة الكفار مراراً وأنكأ فيهم، وغزاهم جمال الدين مرة ومعه حرب جوس
стр. 2804
فغنم غنائم عظيمة حتى بيع الرأس الرقيق بربطة ورق، وانهزم منهم مرة الحطي صاحب الحبشة، ولم يزل جمال الدين على طريقته في الجهاد حتى ثار عليه بنو عمه فقتلوه في هذه السنة، وكان من خير الملوك ديناً ومعرفةً وقوةً وديانةً، وكان يصحب الفقهاء والصلحاء، وينشر العدل في أعماله حتى في ولده وأهله، ومن جملة سعده هلالك الحطي إسحاق بن داود بن سيف أرغد في أيامه في سنة ثلاث وثلاثين، وأقيم بعده اندراس، واسلم على يد جمال الدين خلائق من الحبشة، واستقر بعده في مملكة المسلمين أخوه شهاب الدين أحمد ويلقب بدلاي، فأول ما صنع جد حتى وجد قاتل أخيه فاقتص منه.
محمد أبو عبد الله بن صاحب المغرب أبي فارس عبد العزيز، مات وكان ولي عهد أبيه، وأسف عليه أبوه أسفاً كثيراً، وكان موصوفاً بالشهامة ومكارم الأخلاق، لا يعرف له صبوة إلا في الصيد، وكان أبوه قد تخلى له عن الملك غير مرة فيمتنع ويبالغ في الامتناع، فقدرت وفاته بطرابلس المغرب بزاويته التي أنشأها هناك، وكثر الأسف عليه، ويقال إنه كان مغرماً بالجواري، وكان أبوه يعرف ذلك فكان يقول له: إياك والنساء ويكرر ذلك في المجلس حتى يخجله ولا يرتدع، وكان حدث له ورم في ركيتيه، فكان أبوه يخشى عليه من كثرة الجماع. فقدر أن وفاته كانت بسبب ذلك فيما يقال.
محمد بن ناصر الدين محمد بن محمد، الحافظ تاج الدين الكركي ابن
стр. 2805
الغرابيلي سبط العماد الكركي، ولد سنة ست وتسعين بالقاهرة حيث كان جده لامه ونقله أبوه إلى الكرك حيث عمل إمرتها، ثم تحول به إلى القدس سنة سبع عشرة، فاشتغل وحفظ عدة مختصرات كالكافية لابن الحاجب والمختصر الأصلي والإلمام والألفية في الحديث، ولازم الشيخ عمر البلخي فبحث عليه في العضد والمعاني والمنطق، وتخرج أيضاً بنظام الدين قاضي العسكر وبابن الديري الكبير، ومهر في الفنون إلا الشعر، ثم أقبل على الحديث بكليته فسمع الكثير وعرف العالي والنازل، وقيد الوفيات وغيرها من الفنون، وشرع في شرح على الإلمام، وذكر لي بعض اصحابه أنه أقبل على الحديث من سنة خمس وعشرين، فأقبل لي النظر في التواريخ والعلل، وسمع الكثير ببلده، ورحل إلى دمشق ورحل إلى القاهرة فلازمني إلى أن حرر نسخته من المشتبه غاية التحرير، واغتبط به الطلبة لدماثة خلقه وحسن وجهه وفعله، وقدرت وفاته في جمادى الآخرة بعد أن هم بالحج صحبة ابن المرأة فلم يتهيأ له ذلك، ووعك إلى إن مات وكان من الكملة فصاحة لسان وجرأة ومعرفة وقياماً مع أصحابه ومروءة وتودداً وشرف نفس وقناعة باليسير
следующие страницы →