← История

История · id 26001

إنباء الغمر بأبناء العمر - ط الهندية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 236 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

بطائل، ونزله المؤيد بمدرسته في الحنابلة؛ ومات في ثالث ذي الحجة. عبد الله بن نور الدين محمد بن قطب الدين عبد الله بن حسن بن يوسف بن عبد الحميد بن أبي الغيث، البهنسي قطب الدين، ويقال له أيضاً جمال الدين، ولد في رجب سنة ٧٥٥، واشتغل وسمع الحديث وقال الشعر وكان موسراً لكنه كان كثير التقتير على نفسه جداً وأصيب في عقله بأخرة وأكمل الثمانين؛ مات في شهر رمضان. قرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي: أنشدني جمال الدين البهنسي لنفسه: إذا الخل قد فاجاك بالهجر فاسطبر … وسامح له واغفر بنصح وداره فإن عاد فاقتله ولا تذكر اسمه … فحول طريق القصد عن باب داره عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن هاشم، التفهني القاضي زين الدين الحنفي، ولد سنة بضع وستين، وسأل اخاه شمس الدين أحد من ينوب في الحكم عن النائب بها عن مولده فذكر أنه ولد سنة ٤٣ وأنه أسن من القاضي زين الدين بعشرين سنة، ولست أرتاب في مجازفته

стр. 2802

في كل ذلك، ومات أبوه وهو صغير فانتقل إلى القاهرة وهو شاب، وتنزل في مكتب اليتامى بمدرسة صرغتمش، ثم ترقى إلى أن صار عريفاً وتنزل في الطلبة هناك، ولازم الاشتغال ودار على الشيوخ فمهر في الفقه والعربية وجاد خطه وشهر اسمه وخالط الأتراك وصحب بدر الدين محمود الكلستاني كاتب السر فاشتهر ذكره، وناب في الحكم عن الطرابلسي ثم عن ابن العديم كمال الدين ونوه به كمال الدين عند الأكابر، وكان قد تقرر في طلب الشيخونية كمال الدين مشيختها فصار من أفاضلهم، وولي تدريس الصرغتمشية بعناية ابن العديم بعد أن تنازع فيها هو والشيخ شرف الدين التباني، وحصرها التباني ثم انتزعها منه، وتزوج فاطمة بنت شهاب الدين المحلي كبير التجار بمصر ثم انتزعها منه، وسعى في قضاء الحنفية بعد موت ناصر الدين ابن العديم، وراج أمره ثم لم يتم ذلك وولي شمس الدين بن الديري، ثم لما قرر المؤيد الديري في مشيخة المؤيدية فوض إليه قضاء الحنفية في ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين فباشره مباشرة حسنة، وكان حسن العشرة، كثير العصبية لأصحابه، عارفاً بأمور الدنيا عارفاً بمخالطتهم، على أنه يقع منه في بعض الأمور لجاج شديد يعاب به ولا يستطيع أن يتركه، وصرف عن القضاء في سنة تسع وعشرين وبالعيني، ثم أعيد في سنة ثلاث وثلاثين، ثم صرف قبل موته في جمادى الآخرة؛ ومات تاسع شوال، وقد انتهت إليه رياسة أهل مذهبه، ويقال إن أم ولده دست عليه سماً، لأن زوجته لما ماتت ظنت أم ولده أنها تنفرد به، فتزوج امرأة وأخرج الأمة فحصلت

стр. 2803

لها غيرة، والعلم عند الله تعالى - والله يسامحه. عمر بن أبي بكر بن عيسى بن عبد الحميد، المغربي الأصل البصروي زين الدين، قدم دمشق فاشتغل بالفقه والعربية والقراآت وفاق في النحو، وشغل الناس وهو بزي أهل البر، وكان قانعاً باليسير حسن العقيدة، موصوفاً بالخير والدين، سليم الباطن، فارغاً من الرياسة؛ مات في ٤ جمادى الآخرة. عيسى بن محمد بن عيسى، الأقفهسي شرف الدين أحد نواب الحكم، تفقه وعرف كثيراً من الفروع وكان يستحضرها، وناب في الحكم مدة طويلة؛ ومات في جمادى الآخرة، ولم يكن مشكوراً، وأظنه جاوز الثمانين وكان يذكر أنه حضر درس الشيخ جمال الدين الأسنوي ثم لازم شيخنا البلقيني وقرأ عليه في تاج الأصول، ورأيت خطه له بذلك، وفيه أنه أذن له في التدريس، وفيه إلحاق الفتوى بخط شرف الدين نفسه الذي لا يخفي فوق قشط، وكانت إجازة الشيخ له في سنة ٧٥، فعاش بعدها ستين سنة، وكان يذكر أنه ناب في الحكم في بعض البلاد عن البرهان ابن جماعة - سامحه الله تعالى. محمد بن سعد الدين، جمال الدين، ملك الحبشة المسلمين، قتل في جمادى الآخرة، وكانت ولايته بعد فقد أخيه منصور في سنة ثمان وعشرين، وكان شجاعاً بطلاً مديماً لجهاد وكان عنده أمير يقال له حرب جوس، كان نصرانياً فأسلم فحسن إسلامه، وكان لا يطاق في القتال، فهزم الحبشة الكفار مراراً وأنكأ فيهم، وغزاهم جمال الدين مرة ومعه حرب جوس

стр. 2804

فغنم غنائم عظيمة حتى بيع الرأس الرقيق بربطة ورق، وانهزم منهم مرة الحطي صاحب الحبشة، ولم يزل جمال الدين على طريقته في الجهاد حتى ثار عليه بنو عمه فقتلوه في هذه السنة، وكان من خير الملوك ديناً ومعرفةً وقوةً وديانةً، وكان يصحب الفقهاء والصلحاء، وينشر العدل في أعماله حتى في ولده وأهله، ومن جملة سعده هلالك الحطي إسحاق بن داود بن سيف أرغد في أيامه في سنة ثلاث وثلاثين، وأقيم بعده اندراس، واسلم على يد جمال الدين خلائق من الحبشة، واستقر بعده في مملكة المسلمين أخوه شهاب الدين أحمد ويلقب بدلاي، فأول ما صنع جد حتى وجد قاتل أخيه فاقتص منه. محمد أبو عبد الله بن صاحب المغرب أبي فارس عبد العزيز، مات وكان ولي عهد أبيه، وأسف عليه أبوه أسفاً كثيراً، وكان موصوفاً بالشهامة ومكارم الأخلاق، لا يعرف له صبوة إلا في الصيد، وكان أبوه قد تخلى له عن الملك غير مرة فيمتنع ويبالغ في الامتناع، فقدرت وفاته بطرابلس المغرب بزاويته التي أنشأها هناك، وكثر الأسف عليه، ويقال إنه كان مغرماً بالجواري، وكان أبوه يعرف ذلك فكان يقول له: إياك والنساء ويكرر ذلك في المجلس حتى يخجله ولا يرتدع، وكان حدث له ورم في ركيتيه، فكان أبوه يخشى عليه من كثرة الجماع. فقدر أن وفاته كانت بسبب ذلك فيما يقال. محمد بن ناصر الدين محمد بن محمد، الحافظ تاج الدين الكركي ابن

стр. 2805

الغرابيلي سبط العماد الكركي، ولد سنة ست وتسعين بالقاهرة حيث كان جده لامه ونقله أبوه إلى الكرك حيث عمل إمرتها، ثم تحول به إلى القدس سنة سبع عشرة، فاشتغل وحفظ عدة مختصرات كالكافية لابن الحاجب والمختصر الأصلي والإلمام والألفية في الحديث، ولازم الشيخ عمر البلخي فبحث عليه في العضد والمعاني والمنطق، وتخرج أيضاً بنظام الدين قاضي العسكر وبابن الديري الكبير، ومهر في الفنون إلا الشعر، ثم أقبل على الحديث بكليته فسمع الكثير وعرف العالي والنازل، وقيد الوفيات وغيرها من الفنون، وشرع في شرح على الإلمام، وذكر لي بعض اصحابه أنه أقبل على الحديث من سنة خمس وعشرين، فأقبل لي النظر في التواريخ والعلل، وسمع الكثير ببلده، ورحل إلى دمشق ورحل إلى القاهرة فلازمني إلى أن حرر نسخته من المشتبه غاية التحرير، واغتبط به الطلبة لدماثة خلقه وحسن وجهه وفعله، وقدرت وفاته في جمادى الآخرة بعد أن هم بالحج صحبة ابن المرأة فلم يتهيأ له ذلك، ووعك إلى إن مات وكان من الكملة فصاحة لسان وجرأة ومعرفة وقياماً مع أصحابه ومروءة وتودداً وشرف نفس وقناعة باليسير

стр. 2806

وإظهاراً للغني مع قلة الشيء، وقد عرض عليه كثير من الوظائف الجليلة فامتنع واكتفى بما كان يحصل له من شيء كان لأبيه، وكان الأكابر يتمنون رؤيته والاجتماع به لما يبلغهم من جميل أوصافه، فيمتنع إلا أن يكون الكبير من أهل العلم - رحمه الله تعالى. يحيى بن عبد الله، القبطي علم الدين أبوكم، باشر نظر الأسواق ثم ولي الوزارة في دولة الناصر فرج، ثم خمل وحج وجاور بمكة مرة - إلى أن مات في ٢٢ رمضان بالقاهرة وقد جاوز السبعين، وكان إسلامه حسناً. سنة ست وثلاثين وثمانمائة في المحرم حولت السنة الخراجية على العادة، وكان أول السنة الخراجية ثاني يوم المحرم، وكان أوله يوم الجمعة فأول السنة الخراجية يوم السبت، وكان الذهب الأشرفي حينئذ بمائتين وسبعين، وانتهت زيادة النيل إلى خمسة أصابع بعد العشري، وفي السادس والعشرين منه غضب السلطان على آقبغا الجمالي الأستادار وضربه بحضرته عدة مقارع ونحو ثلاثمائة عصا على ما قيل، وأنزل على حمار إلى بيت والي الشرطة وأعيدت الاستادراية إلى الوزير، وانفصل من ولاية كتابة السر، وكوتب جمال الدين محمد بن ناصر الدين محمد البازري وكان قد استقر قاضي

стр. 2807

الشافعية ليلى كتابة السر، فوصل في أول الجمعة تاسع عشر ربيع الأول، ولم يلبث حتى حمل المال الذي قرر عليه بسبب ذلك، وخلع عليه في يوم السبت العشرين منه، وقرئ تقليده في يوم الخميس ثامن جمادى الأولى، فلم يقم إلا قليلاً حتى تحرك السلطان للسفر إلى الشام فخرج معه، واستقر في قضاء دمشق صهره بهاء الدين ابن حجي، وعرضت كتابة السر على شهاب الدين ابن الكشك، فاعتذر بضعف بصره، فقرر فيها تاج الدين عبد الوهاب بن أفتكين وكان أحد الموقعين بها ويتوكل عن كاتب سر مصر ابن مزهر، وكان الشتاء في هذه السنة معتدلاً بحيث لم يقع به برد شديد سوى أسبوع، وبقيته يشبه مزاجه فصل الربيع في الاعتدال، وفي هذا الشهر أظهر السلطان الجد في التوجه إلى بلاد الشمال، وأعلم الناس بذلك فتجهزوا، وفي حادي عشر جمادى الآخرة أنفق على العسكر ثم أنفق في - المماليك السلطانية والأمراء في سلخ جمادى الآخرة - وهم ألف وسبعمائة. وفي ربيع الأول استقر محيي الدين يحيى بن حسن بن عبد الواسع الحيحاني المالكي في قضاء دمشق عوضاً عن الشهاب الأموي بحكم

стр. 2808

وفاته، وفي ثاني عشر شهر رجب أدير المحمل المكي بغير زينة ولا سوق الرماحة ولا رمي النفط ولم يصل المحمل إلى مصر على العادة بل رجعوا به من الصليبية. وفيها حج صاحب التكرور في جمع كثير، فلما رجع من الحج سار إلى الطور ليركب البحر، فمات ودفن بالطور. وفي رجب كائنة القاضي سراج الدين الحمصي بطرابلس مع الشيخ شمس الدين ابن زهرة شيخ الشافعية بطرابلس، وذلك أنه بلغه ما وقع بين علاء الدين البخاري والحنابلة في أمر الشيخ تقي الدين ابن تيمية وأن البخاري أفتى بأن ابن تيمية كافر وأن من سماه شيخ الإسلام يكفر، فاستفتى عليه بعض من يميل لابن تيمية من المصريين فاتفقوا على تخطئته في ذلك وكتبوا خطوطهم، فبلغ ذلك الحمصي فنظم قصيدة تزيد على مائة بيت بوفاق المصريين، وفيها أن من كفر ابن تيمية هو الذي يكفر، فبلغ ذلك ابن زهرة فقام عليه فقال: كفر القاضي، فقام أهل طرابلس على القاضي وأكثرهم يحب ابن زهرة ويتعصب له، ففر الحمصي إلى بعلبك وكاتب أهل الدولة، فأرسلوه له مرسوماً بالكف عنه واستمراره على حاله، فسكن الأمر. وفي صفر استقر في نيابة البحيرة حسن بك بن سالم الدكري أحد أمراء التركمان، وخلع عليه وأمر له بمائة قرقل ومائة قوس ومائة تركاش وثلاثين فرساً، وفي أواخره ضربت رقبة نصراني كان أسلم خوفاً

стр. 2809

من الوالي لأنه ظفر به مع امرأة مسلمة ثم بدا له بعد ثلاثة أيام فارتد، فقتل فأحرقت جثته، وفي سابع عشر جمادى الآخرة أعيد دولات خجا إلى ولاية القاهرة. ذكر السفرة الشمالية في يوم الجمعة تاسع عشر شهر رجب وهو أول يوم نزلت فيه الشمس الحمل رحل السلطان من الريدانية قبل صلاة الجمعة بقدر نصف ساعة، فصلينا الجمعة بالقاهرة وسرنا فبتنا مع العسكر بالعكرشة، ورحل سحراً فوصل بلبيس قبل الظهر، ورحل طلوع الفجر فنزل الحطارة بعد الظهر، ورحل نصف الليل فوصل الصالحية بعد طلوع الشمس يوم الاثنين، ثم رحل منها في ثالثة الثلاثاء إلى الغرابي فنزلها بعد العشاء بكثير فقطع أربعة برد: بتر الوالي ثم العقولة ثم بتر حبوة ثم الغرابي، ورحل يوم الأربعاء وقت الزوال فوصل قطيا بعد العصر والأثقال بعد المغرب، وأقام إلى أن رحل منها بكرة الجمعة فوصل السوادة بعد العشاء، وهي ثلاث برد -: معن ثم المطيلب ثم السوادة، ثم رحل قبل طلوع الشمس فوصل إلى العريش بعد العشاء وهي ثلاثة برد الورادة ثم برد ويل فبات بالعريش ليلة الأحد ورحل

стр. 2810

في الثالثة إلى الحروبة ثم الزعقة قبل المغرب، ثم رحل بعد نصف الليل أول يوم من شعبان فاجتاز على رفخ ثم خان يونس ثم نزل خارج غزة، ثم دخلها وقت العصر سلخ رجب فدخلها - في موكب عظيم فبات خارجها إلى جهة الشام، وسلمنا على السلطان يوم الثلاثاء وهنأناه بالسلامة وبالشهر، وكان ثبت عندهم يوم الاثنين، وحصل من الجند في زرع الناس فساد كبير، وأقام بها ليلة الخميس فرحل فوصل إلى المجدل بعد طلوع الشمس، ونزل بموضع يقال له السكرية، ووقع في تلك الليلة برد شديد عند السحر أشد من الشتاء المعتاد بعد إن كان في النهار شديداً إلى الغاية، ورحل بعد المغرب على طريق العوجاء ولم يدخل الرملة واجتاز بسازور، ورحل قبل طلوع الشمس يوم السبت إلى قاقون وهي منزلة نزهة لكثرة الخضرة والنضارة فنزل بعد العصر، ورحل إلى اللجون ونزل - قبل الفجر، وهي منزلة وعرة إلى الغاية فنزل

стр. 2811

بعد الظهر، ورحل يوم الاثنين أول النهار فنزل ببيسان وهي طريق وعرة بعد المغرب، ورحل قبل الفجر إلى جسر أم جامع - وحصل لهم فيه وحلة عظيمة عند القنطرتين وهناك النهر من بحيرة طبرية، فوصل إلى الكرك آخر النهار ليلة العاشر، وطلع العقبة وهي كثيرة الوعر مع الخضرة في أرضها فنزل بالخربة الظهر، وبات ليلة الحادي عشر فوصل نائب الشام والقضاة أول النهار وسلموا، وسار ليلة الجمعة سحراً إلى العدوانية فنزل الظهر، وفي الطريق قنطرة حصل عندها ازدحام شديد، ورحل ليلة السبت إلى شقحب بعد الظهر والطريق إليها شديد الوعر جداً، وفيه مخاضات وهي أرض فيحاء خضرة، ووصل ليلة الرابع عشر قبل الفجر إلى قبة يلبغا ورم على خان ذي النون والكسوة فبات ليلة النصف واصبح فعمل الموكب ودخل دمشق من أول النهار إلى أن وصل الخيام ببرزة، وهبت في آخر النهار ريح شديدة، وفي صبيحة يوم الثلاثاء سادس عشرة هنينا السلطان بالسلامة، وعقدت مجلس الإملاء بدمشق فاستملي القاضي نور الدين بن سالم، وحضر الحافظ شمس الدين ابن

стр. 2812

ناصر الدين والقاضي شهاب الدين ابن الكشك وجمع وافر. وفي السابع عشر عقد مجلس بسبب وقف حكم فيه نائب الحنفي، فاعترضه الشيخ علاء الدين البخاري وأفتى بنقض حكمه، فاتفق الجماعة على استمرار الحكم ونفذوه بحضرة الدويدار الكبير، وامتنع ابن حجي من التنفيذ حتى يأذن له الشيخ علاء الدين، فلم يلتفتوا إليه، وصلينا الجمعة بالقابون، ورحل طلوع الفجر العشرين منه فنزل بمرج عذراء، ورحل بعد صالة الفجر وفي الطريق مخاضات ووعر ونزل القطيفة ووصل النبك في صبيحة الثاني والعشرين، ورحل وقت الظهر إلى مكان عيون القصب، واجتاز في هذه الرحلة بقارا وحسيان وكانت شديدة المشقة، ووصل هناك نائب طرابلس ونائب حماة، ورحل قبل الفجر رابع عشري شعبان إلى حمص فنزل بظاهرها يوم الخميس، ورحل منها صبح الجمعة وزار خالد بن الوليد وأمر لمن فيه بمائة دينار وكان الزحام على جسر الرستن شديداً ونزل الرستن في أرض وعرة ورحل سحرا ودخل حماة بعد طلوع الشمس يوم السبت، ورحل بعد صلاة الفجر يوم الاثنين فنزل العيون نصف الليل ورحل قبل الزوال فنزل تل السلطان وأمطرت السماء على الناس مطراً شديداً ولاقوا شدة حتى نزلوا نصف الليل تل السلطان فبات ليلة الخميس، وهنئ السلطان بالشهر ووصل قضاة حلب فسلموا وذكروا أنهم لم يروا هلال رمضان ليلة الثلاثاء ثم تبين

стр. 2813

أنه ثبت عندهم ورحل يوم الخميس ثم نزل قنسرين ليلة الجمعة، ثم رحل فنزل عين مباركة بعد الظهر يوم الجمعة، ثم دخل صبيحة السبت خامس شهر رمضان في موكب هائل إلى حلب، فنزل الشافعي عند القاضي الشافعي، والحنفي في منزل وحده، والمالكي والحنبلي جميعاً في مدرسة، وكانت الإقامة بحلب خمسة عشر يوماً وفي أثنائها استقر محي الدين ابن الشحنة في قضاء الحنفية بحلب، وكانت الوظيفة شاغرة منذ تحول بأكثر إلى القاهرة، وحضر إلى السلطان أكابر أمراء التركمان مثل ابن رمضان وابن قراجا وابن دلغار ومن أمراء العرب، وفي الثامن من شهر رمضان أغار. .

стр. 2814

وفي السادس عشر من شهر رمضان تقدم إلى جهة الفرات نائب طرابلس ونائب صفد ونائب حماة ونائب غزة، وجاء الخبر بان الجسر عمر وأتقن وأن قرقماس البدوي العاصي أرسل جماعة ليحرقوه فأمسك منهم أكثر من عشرين نفساً وسافر بعدهم نائب حلب في تاسع عشر شهر رمضان، ورحل السلطان وجميع العسكر في ليلة الحادي والعشرين من رمضان، وأذن للقاضيين المالكي والحنبلي في الإقامة بحلب، وسافر صحبته الشافعي، وكان الحنفي استأذنه أن يزور أهله بعينتاب فأذن له، فلما رحل السلطان من حلب أرسل إليه مرسوماً أن يلاقيه بالبيرة، وفي رابع عشري رمضان أغار قرقماس البدوي على ابن الأقرع البدوي فقتله واستاق من ماله نحو مائتي بعير، وخرج نائب الغيبة بحلب في طلبه فلم يظفر به، وفي يوم الجمعة اجتاز السلطان الجسر المعد على الفرات واجتاز العسكر بعده أولاً فأولاً فلم يتكاملوا إلى بقية يوم الأحد لكثرتهم، فلما كان يوم الأحد وقت الظهر أذن السلطان للقاضيين الشافعي والحنفي في الرجوع، فلما سلم عليه الشافعي خيره بين الإقامة وبالبيرة أو بحلب، فاختار التوجه صحبة الحنفي إلى عينتاب ليأكل ضيافته ببلده، ثم توجه إلى حلب، فأذن في ذلك واصحبه أميرا صحبته خمسة من الرماة، وتوجها صحبة الأمير فدخلا عينتاب قبل العيد بثلاثة ايام ثم صلينا العيد، وتوجهت إلى جهة حلب، وتخلف العيني ببلده أياماً ثم وصل إلى حلب في حادي عشر شوال،

стр. 2815

وفي الثامن والعشرين من شوال كسفت الشمس بعد العصر واستمرت إلى وقت الغروب فانجلت بعد أن صليت بالجماعة بالجامع الكبير صلاة الكسوف على الصورة المشروعة في السنة النبيوية فما سلمت إلا وقد انجلت، وغربت الشمس فصلينا المغرب بالجامع وانصرفنا بغير خطبة، وكنت بعد السلام من الصلاة أرسلت بعض الشهود ليصعد المنارة ليشاهد الشمس هل تم انجلاءها! فصعد وعاد بأنها انجلت انجلاء تاماً، وذكر أنه صادف في طلوعه رجلاً يفجر بشاب في سلم المنارة، وتعجبت من جرأته في مثل تلك الحالة؛ أما العسكر فاستمر السلطان حتى وصل الرها فعبروها فوجدها خالية، واستمر إلى آمد فنازلها أول يوم وقتل من الفريقين جماعة وتبين أن بها ولد قرايلك وجماعة من العسكر وهي في غاية الحصانة، فلم يقدر عليها فنصب عليها منجنيقاً أقام في عمله مدة، وتبين أن قرا يلك مقيم بجبل بالقرب من آمد، فتوجه إليه بعض العسكر وأوقع به ساقة العسكر فانهزم مكبدة، ثم عطف عليهم لما عرف بعدهم من الجريدة فأوقع بهم فانهزموا وراموا من أمير الجريدة أن يتبعه فخشوا من كيده فتركوه، وبلغ السلطان ذلك فغضب منه، ويقال إن نائب الشام كان غضب من تقدم اينال الجكمي عليه فقصر في طلب

стр. 2816

قرا يلك مع قدرته عليه لشهامته وفروسيته، وكل شيء له أجل محدود لا يتعداه، وصاروا في شدة في زمن حصار آمد من كثرة الحر والذباب ووخم الأرض من الجيف المقتولة، وعزت الأقوات فوضعوا أيديهم في الزروع التي في ضواحي البلد فأفسدوها، ونقلوا ما بها من الشؤن فتوسعوا به، واتخذوا أرحية ليطحن لهم غلمانهم فيقتاتوا بذلك، ودام الأمر خمسة وثلاثين يوماً إلى أن ملوا ولم يظفروا بشيء فتراسلوا في الصلح، فاستقر الأمر على أن يخطب للسلطان ببلاده، وأن لا يتعرض لأحد من جهة السلطان ولا من معاملات بلاده، ولا يمكن أحداً من جهته يقطع طريق التجار ولا القوافل وأن يسلم أكثرها فأجاب إلى ذلك وانتظم الأمر، وتوجه القاضي شرف الدين سبط ابن العجمي كبير موقعي الدست لتحليفه فحلفه ورجع، وتوجه السلطان بالعساكر إلى الرها فدخلها في تاسع عشر ذي القعدة، وقرر بها نائباً اينال الأجرود الذي كان نائباً بغزة، وجعل عنده مائتي مملوك ليحفظها، وأعطاه تقدمة قانباي البهلوان بحلب، وأعطى قانباي تقدمة تغرى بردى المحمودي بدمشق وقدم إلى حلب، فتلقيناه بالباب وبزاعة في اليوم الأحد رابع عشري ذي القعدة، ودخل حلب في ليلة الاثنين بغير موكب، وأقام بالمخيم أيضاً، واستهل به شهر ذي الحجة، ثم خرج منها يوم السبت السابع منه، فدخل دمشق يوم الخميس التاسع عشر منه ونزل بقلعتها، ونزل الجند ينهبون الناس وحصل الضرر بهم ولكن لم يفحش، ثم رحل منها يوم السبت الثاني والعشرين منه،

стр. 2817

وفي مستهل ذي الحجة أرسل قرقماس بن نعير ولده إلى السلطان بهدية سنية، ومن جملتها فرس كان اشتراه بألف دينار، ورد على السلطان فرساً سرقه منه تركمانيان فظفر به معهما فجهزهما مع الفرس، فأعجب السلطان ذلك وخلع على ولده وأمر بشنق التركمانيين؛ وذكر الشيخ شهاب الدين أبو بكر بن محمد بن شادي الحصني أين يعقوب بن قرايلك أمير خرت برت على معتقد النسيمي المقتول بحلب، وأنه يرى تحريم معاملة خادم الحرمين وأرسل ينكر على أبيه، وكذا أنكر عليه أخوه علي بك أمير كماخي، وأن قرا يلك راسل اينال الأجرود يتهدده، فأراد قتل رسوله ثم شفع فيه وضربه ورده رداً عنيفاً؛ فبلغ ذلك قرا يلك فندب عسكره إلى القتال فامتنعوا، وأنه بلغه أن السلطان أراد العود إلى آمد فأمر بإحراق جميع المراعي التي حولها وكان قرايلك خرج من آمد إلى أرمس وترك بآمد ولده، فلما زحف العسكر على آمد قتل مراد بك بن قرا يلك بسهم، ونزل محمود بن قرا يلك في عسكر على جبل مشرف على العسكر فصار يتحدى من خرج، فندب السلطان سرية فأحضروا عشرين رجلاً منهم فوسطوا تجاه القلعة. وفيها حاصر إسكندر بن قرا يوسف قلعة ساهي وكان صاحبها من نوابه، فلما رجع إسكندر من محاربته مع شاه رخ أرسل إليه النائب ولده ليهنئه بالسلامة، وكان شاباً جميلاً فحبسه عنده يرتكب منه الفاحشة فيما قيل، ثم أرسله لأبيه، فلما أخبر أباه بما جرى له عصى على إسكندر فتوجه إليه وحاصره فلم يظفر منه بشيء، وكان للإسكندر في تلك القلعة

стр. 2818

عدة من النساء فخشي عليهن من أيدي أعاديه لحصانتها، فنفذ الأمير إلى النسوة المذكورات فقسمهن بينه بين ولده الذي أفحش فيه الإسكندر وبين ابن عمه وجعلوهن بمنزلة السراري لهم، فبلغ ذلك الإسكندر فزاد في حنقه. وفي ذي الحجة توقف النيل عن العادة ونقص منه عدة أصابع قبل الوفاء واستمر ذلك ستة أيام، فضج الناس وغلا السعر قليلاً، ثم وقعت الزيادة وأوفى وكان ما سنذكره في السنة المقبلة إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة قبض ايدكي بن أبي يزيد بن عثمان صاحب الروم على أخيه أرصر بك فأكحله وسجنه مدة طويلة، فاتفق أنه مات في هذه السنة وكان له مملوك يخدمه في السجن اسمه طوغان فدس له جارية في صورة مملوك فأقامت عنده للوطئ حتى اشتملت منه على حمل فولدت منه ذكراً سماه سليمان وبنتاً فلما مات أخذهما طوغان وأمهما وهرب بهم من السجن إلى حلب فلاقى السلطان لما عاد من آمد وشكا له حاله، فأكرمه وجهز الأخوين إلى القاهرة ورتب له راتباً وأسكنهما القلعة إلى أن جرى لهما ما سيأتي ذكره في سنة أربعين. ذكر الحوادث في غيبة السلطان الأشرف بالقاهرة قرأت بخط الشريف صلاح الدين الاسيوطي في أوائل شعبان:

стр. 2819

دخل سائل إلى السوق الحاجب يسال فقال له تاجر: يفتح الله! فتناول من يد التاجر أوراق حساب خطفاً وخرج هارباً، فاتبعه التاجر ليأخذ منه الحساب - فخطف من جزار سكينة وضرب بها التاجر فمات في الحال وأظهر الفقير التجانن فحمل إلى المارستان، وذهب دم التاجر هدراً. وفي رمضان تخاصم أقيماوي ولحام على نصف فضة فخنق أحدهما الآخر فوقع مغشياً عليه فمات بعد يومين، وتخاصم اثنان من المسحرين فضرب أحدهما الآخر فسقط ميتاً، وطلق عجمي زوجته ثم ندم فتبعها في زقاق فضربها بسكين فماتت، وتزوج بعض مشاهير البزازين بنت أمير فعشقت عليه عبداً أسود فأدخلته في زي امرأة وقالت لزوجها إنها بنت أمير كبير، فعمل لها ضيافة وجلست يومها مع ذلك العبد والزوج لا يجسر على دخول البيت إكراماً لها، فلما دخل الليل سألته أن يبيت في طبقة وحده وتبيت هي مع حوند إكراماً لها، فقبل ذلك ونامت هي مع محبوبها فسكرا فسولت لها نفسها أن اتفقت معه أن يقتل زوجها فهجم عليه بسكين فضربه فخابت الضربة، فاستغاث فأمسك العبد وضرب فأقر فأمضى فيه الحكم. وأما الزوجة فحلفت لزوجها أنها هي وبنت الأمير باتتا تلك الليلة وما علمتا بقصة ذلك العبد أصلاً، فصدقها واستمر معها. وفها احترق بيت البرهان المحلي التاجر الذي على شاطئ النيل بمصر، وكان أعجوبة الدهر في إتقان اليناء وكثرة الرخام والزخرفة والمنافع الكثيرة من القاعات والأروقة، فاحترق جميعه وسلمت المدرسة التي بجواره وهي من إنشاء المحلي أيضاً، وكان يقال إن مصروف بيت المحلي

стр. 2820

المذكور خمسون ألف مثقال ذهباً، وذلك في شعبان، ووقع الجريق في مصر والقاهرة في عدة أماكن لكنها لا يقارب هذا، وكان سعر القمح بكل دينار أشرفي إردب ونصف مصري يكون ثمنها من الفضة بالوزن ستة دراهم الإردب، ومن الفضة الكاملة دون العشرة وهذا في نهاية الرخص، وحج بالناس أينال الششماني والحاج قليل جداً فساروا ركباً واحداً، وفي غيبة السلطان وقع في عدة أماكن الحريق، منها بيت المحلي كما تقدم، واحترقت غلال كثيرة في الجرون بناحية شيبين القصر. وفي رابع عشر ذي القعدة خسف القمر، في ليلة الثالث عشر من جمادى الأولى خسف القمر كله قدر ثلاث ساعات، وفي الثامن عشر جمادى الآخرة أسفر اسنبغا الطياري إلى جدة لتحصيل المكوس الهندية، وأرسل معه سعد الدين ابن المرأة كاتباً على عادته واسنبغا شاداً عليه، وسافر معه جماعة لقصد المجاورة من تجار وغيرهم. وفيها قدم مقبل الرومي نائب صفد وقدم هدية هائلة وخلع عليه خلعة استمرار، وتوجه إلى بلاده في جمادى الأولى، وكانت له إلى الآن في نيابة صفد نحو عشر سنين. وفي شهر رمضان منها ذكر لي رفيقنا الفاضل إبراهيم بن حسن ابن عمر البقاعي أنه رأى ي النوم قبل إن ندخل إلى حلب أن السلطان مات وأنه صار يتعجب من كونه مات على فراشه واستيقظ ثم لم يظهر لنا تعبير ذلك المنام والعلم عند الله تعالى. وفيها انتزع أصبهان

стр. 2821

ابن قرا يوسف بغداد من مراد بن محمد فبعث أربعين رجلاً في زي القلندرية وقرر معهم أن يقتلوا البوابين ويفتحوا له الباب في يوم معين ففعلوا ففر محمد، ثم استولى أصبهان على بغداد فسار فيها أفحش سيرة - ولله الأمر. ذكر من مات في سنة ست وثلاثين وثمانمائة من الأعيان إبراهيم بن حجاج، الأبناسي برهان الدين، اشتغل كثيراً وسكن

стр. 2822

زاوية سميه الشيخ برهان الدين الأبناسي، وانتفع الطلبة له؛ ومات بعد ضعف طويل في سابع عشري ربيع الآخر. أحمد الملك الأشرف بن العادل سليمان ابن المجاهد غازي بن الكمال محمد بن العادل أبي بكر بن الأوحد عبد الله بن المعظم توران شاه بن الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر ابن الكامل محمد صاحب مصر ابن العادل أبي بكر صاحب مصر ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان - الأيوبي صاحب حصن كيفا وكان خرج في عسكره لملاقاة السلطان على حصار آمد فاتفق انه نزل لصلاة الصبح فوقع به فريق من التركمان فأوقعوا به على غرة فقتل، ووصل بقية أصحابه وولده إلى السلطان، فقرر ولده في مملكة أبيه، وكان فاضلاً ديناً، له شعر حسن، وقفت على ديوانه وهو يشتمل على نوائح في أبيه وغزل وزهديات، وغير ذلك، وكان جواداً محباً في العلماء - رحمه الله تعالى! واستقر في مملكته ولده الملك الصالح خليل وهو على طريقة والده في محبة العلماء خصوصاً الشافعية، وله نظم أيضاً، وقدم أخوه شرف الدين يحيى بتقدمة أخيه على السلطان بآمد، فخلع عليه وكتب عهد أخيه ولقب بالملك الكامل، وسار في بلاده سيرة حسنة ونشر العدل، واستوزر القاضي زين الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن المجير وهو قاضي شافعي عالم حسن السيرة، ووقع من قرا يلك تعرض للإفساد ببعض بلاده فأرسل إليه يهدده، فخضع له وصالحه على

стр. 2823

أن كلاً منهما لا يتعرض لبلاد الآخر - واستمر الصلح بينهما. أحمد بن عبد الله بن محمد بن محمد، الأموي القاضي شهاب الدين المالكي، نشأ بدمشق وتعاطى الشهادة وكتب جيداً وخدم البرهان التادلي ثم ولي قضاء طرابلس، ثم ولي قضاء دمشق سنة خمس وثمانمائة نحو ثلاثة اشهر، ثم أعيد سنة ست وثمانمائة فامتنع النائب من إمضاء ولايته، ثم ولي من قبل شيخ سنة اثنتي عشرة وانفصل بعد أربعة اشهر وهرب مع شيخ إلى بلاد الروم وقاسى شدة، ثم لما تسلطن شيخ ولاه القضاء بالديار المصرية وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة، فباشر دون السنة بأيام، وكان شيخ يكرهه ويسميه الساحر ولكن كان بعض أهل الدولة يراعيه، ثم استقر في قضاء الشام سنة إحدى وعشرين ونحو أربعة أشهر ثم أعيد في جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين واستمر إلى أن مات بسبب أن الأشرف كان يعتقده، لأنه بشره وهو في السجن بأنه سيلي السلطنة فلما تسلطن اتفق أنه كان حينئذ قاضياً فاستمر به ولم يسمع فيه كلام أحد مع شهرته بسوء سيرته والجهل الزائد، وكان متجاهراً بأخذ الرشوة، وحصل مالاً طائلاً تمزق بعده؛ مات ليلة الثلاثاء حادي عشر صفر. أحمد بن غلام الله بن أحمد بن محمد، الميقاتي شهاب الدين الكوم الريشي اشتغل في فن النجوم وعرف كثيراً من الأحكام وصار يحل الزيج ويكتب التقاويم واشتهر بذلك؛ مات في صفر وقد أناف على الخمسين.

стр. 2824

أبو بكر زين الدين الأنبابي الشافعي، أحد نواب الحكم، وكان كثير الاشتغال، أخذ عن الشيخ علاء الدين الأقفهسي وابن العماد والبلقيني وغيرهم وكان خيراً؛ مات في شعبان. تاني بك الناصري أحد أمراء العشرات، رأس نوبة، ويعرف بالبهلوان؛ مات في شوال. جاني بك الحمزاوي، ولي نيابة غزة، قتل بها في ذي الحجة -. تغرى بردى المحمودي، تنقل في الخدم إلى أن ولي تقدمة ألف وقرر راس نوبة كبيراً، ثم صرف وحبس بعد أن كان رأس الذين غزوا الفرنج بقبرس، ثم أفرج عنه وقرر أميراً بدمشق؛ ومات في قتال قرا يلك في ذي القعدة. سودون ميق الظاهري، أحد أمراء الألوف بمصر؛ مات في آخر شوال. حسن بن شرف الدين أبي بكر بن أحمد، الشيخ بدر الدين القدسي الحنفي وهو يومئذ شيخ الشيخونية، قرر فيها لما أعيد التفهني في رجب سنة ٣٣ إلى القضاء وكان أولاً ينوب عنه، واشتغل قديماً من سنة ثمانين وهلم جراً بالقدس ثم بدمشق ثم بالقاهرة، وكان فاضلاً في العربية وغيرها؛ مات ثالث ربيع الآخر وكان ذلك يوم الخميس - وقد قارب

стр. 2825

السبعين، واستقر بعده في تدريس جامع المارداني الشيخ سعد الدين ابن الديري فلبس بعض الناس على السلطان أنه نزل له، وكان السلطان أمر بترك النزولات وعدم إمضائها، فغضب وأمر بتقرير محب الدين بن الشيخ زاده فيها، فتالم الناس لسعد الدين، واعتذر محب الدين بأنه لم يكن له في ذلك سعي ولا يقدر على مخالفة السلطان خشية على نفسه، واستقر في مشيخة الشيخونية عوضاً عن القدسي الشيخ باكير الملطي نقلاً من قضاء حلب، وتأخر حضوره إلى رجب، وباشر، وهو أبو بكر بن إسحاق الحنفي وأصله من ملطية وسكن حلب مدة، وهو كثير السكوت، قليل البضاعة، حسن الهيئة. عبد الرحمن بن محمد، القزويني المعروف بالحلالي - بمهملة ولام وثقيلة - الشيخ زين الدين من أهل جزيرة ابن عمر، وهو ابن أخت العالم نظام الدين عالم بغداد، ولد سنة بضع وسبعين، وأخذ عن أبيه وغيره، وبرع في الفقه والقراآت والتفسير، وحج، وقدم حلب لطلب زيارة القدس فزار، ثم رجع إلى حلب وهو في سن الكهولة وظهرت فضائله، ودخل القاهرة في سنة ٣٤ وأخذوا عنه ثم رجع؛ فلما وصل إلى بلده مات بعد أربعة اشهر، وذلك في سنة ست وثلاثين ظناً - قاله القاضي علاء الدين قال: واجتمعت به فرأيته عالماً بالفقه والمعاني والبيان والعربية، وله صيت كبير في بلاده

стр. 2826

وكان عالمها، قرأت بخط عبد الرحمن بن محمد الحلالي الشافعي القزويني أنه يروى البخاري عن قاضي المدينة عن الحجار ولم يسمه، وأنا أظنه شيخنا زين الدين ابن حسين، فإنه كان يروي عن الحجار بالإجازة وهو آخر من حدث عنه بها فيما أعلم وأنه يرويه عن المحدث شمس الدين ابن كثير بسماعه له على الحجار، وكتب خطه في أواخر سنة ٨٣١. عبد الوهاب بن أفتكين الذي ولي كتابة السر في العام الماضي بدمشق، مات في آخر السنة، وقرر السلطان عوضه في كتابه السر بدمشق نجم الدين ابن المدني نقلاً من نظر الجيش بالشام إليها، وأرسل توقيعه بذلك في أواخر ذي الحجة، فوصل في آخر المحرم وباشر ونعم الرجل هو. عثمان الأمير فخر الدين بن الأمير ناصر الدين محمد الطحان الحاجب بحلب، كان مات في خامس عشر المحرم خارج حلب - وأحضر إليها في سابع عشرة ودفن فيه. علي بن عمر الكثيري انتزع ظفار من عبد الله بن محمد بن عمر

стр. 2827

ابن أبي بكر بن عبد الوهاب بن علي بن نزار انطفاري، واستمر فيها إلى هذه الغاية. علي بن محمد بن نور الدين بن جلال الدين، الطنبذي، انتهت إليه رياسة التجار بالديار المصرية، وكان كثير الحج، كثير الإسراف على نفس، حسن المعاملة، وشاهدته يقرض المحتاج بغير ربح مراراً، وكان له بر الجماعة ومروءة في الجملة على ما فيه؛ مات في ليلة الجمعة ١٤ صفر وقد جاوز السبعين. علي بن يوسف بن عمر بن أنور، صاحب مقدشوه في عصرنا، ويلقب المؤيد بن المظفر بن المنصور. محمد بن جوهر، المدير في الجيش؛ مات بحلب في رمضان. محمد بن عبد الرحيم بن أحمد، المنهاجي المعروف بسبط ابن - اللبان الشيخ شمس الدين الشافعي، ولد بعد السبعين، واشتغل قديماً، وأخذ عن مشايخ العصر كالعز بن جماعة وشمس الدين بن القطان، وقرأ على ابن القطان صحيح البخاري بحضوري، وقرأ على ترجمة البخاري يوم الختم، وتعاني نظم الشعر فتمهر فيه، وله عدة قصائد ومقاطيع، ومهر في الفقه والأصول، وعمل المواعيد وشغل الناس، ولزم بأخرة جامع عمرو بن العاص يقرأ فيه الحديث والمواعيد ويشغل الناس، وكان حسن

стр. 2828

الإدراك واسع المعرفة بالفنون، حج هذه السنة من البحر فسلم، ودخل مكة في شهر رجب فجاور إلى زمن إقامة الحج فحج وقضى نسكه ورمى جمرة العقبة ثم رجع فمات بمنى قبل أن يطوف طواف الإفاضة، سمعت من نظمه، وطارحني مراراً، وكتب عني كثيراً. محمد بن عبد الحق بن إسماعيل، السبتي أبو عبد الله، ولد سنة ٧٨٣، وأخذ عن الحاج أبي القاسم بن أبي حجة ببلده، ووصل إلى غرناطة فقرأ بالأدب، وقدم القاهرة سنة ٣٢ فحج، وحضر عندي في الإملاء فزار وأوقفني على شرح البردة له، وله آداب وفضائل؛ مات في صفر. محمد بن علي بن موسى، الشيخ شمس الدين الدمشقي المعروف بابن قديدار. ولد سنة ١٥٢ تقريباً، لأنه قال: كتب في فتنة تنبغا روس رضيعاً،

стр. 2829

وقرأ القرآن في صغره، وحفظ المنهاج والعمدة والألفية، وتلا بالسبع على جماعة منهم ابن اللبان، وصحب الشيخ أبا بكر الموصلي والشيخ قطب الدين، وأقبل على العبادة، واشتهر من بعد سنة تسعين حتى أن اللنك لما طرق الشام أرسل من حماه وحمى من معه، وكان شيخ المؤيد يعظمه، وأرسله في سنة ثمان وثمانمائة رسولاً عنه إلى الناصر، فاجتمعنا به بالقاهرة ومصر وسمعنا من فوائده، وكان سهل العريكة، لين الجانب، متواضعاً جداً، محباً في العلماء والمحدثين، وكان قدم رفيقاً له في ذلك الشيخ شهاب الدين بن حجى فنزلا بمدرسة البلقيني ثم بمدرسة المحلى على شاطئ النيل ثم رجعا، وبنى شيخ له زاوية، وكان يتردد إلى بيروت للمرابطة، وله بها زاوية فيها سلاح كثير، وكلمته نافذة عند الفرنج، ويكتب إليهم بسبب المسلمين فيقبلون ما يكتب به، وحصل له في آخر عمره ضعف في بدنه وثقل سمعه؛ ومات ليلة عيد الفطر ودفن صبيحتها، وكانت جنازته مشهودة، وصلينا عليه بحلب صلاة الغائب. منكلى بغا الحاجب وهو من مماليك الظاهر، اشتغل كثيراً، وكتب الخط الحسن، وولي حسبة القاهرة في دولة المؤيد، وأرسله الناصر فرج

стр. 2830

إلى اللنك، وكان يذاكر بشئ من الفقه؛ مات - في ليلة الخميس - في حادى عشر ربيع الأول. يوسف جمال الدين بن صاروجا بن عبد الله، المعروف بالحجازي، تنقلت به الأحوال في الخدم، وعمل أستادارا، وتقدم في أواخر دولة الناصر عند الدويدار طوغان، وكان زوج ابنته ويدعوه: أبي، وكثر ذلك حتى صار يقال له: أبو طوغان، وكان عارفاً بالأمور. خوند والدة عبد العزيز بن برقوق. سنة سبع وثلاثين وثمانمائة أولها الثلاثاء بلا نزاع، فإن الهلال غاب ليلة الثلاثاء قبل العشاء بنحو نصف ساعة، وفي الحساب أولها الإثنين، وفي أول يوم منها أوفى النيل، ثم كسر الخليج في يوم الأربعاء الثاني منه، واستمرت الزيادة إلى يوم وصول العسكر، واستهلت ونحن بالطريق إلى غزة، ورحل السلطان منها يوم الخميس يوم عاشوراء، وساق على الطريق التي توجه فيها، وأرسل إلى القدس خمسة آلاف دينار صدقة، وكان الوصول إلى بلبيس يوم الجمعة ثامن عشرة، ومات ما بين غزة وبلبيس من الجمال والبغال والحمير والخيول مالا يحصى كثرة بحيث صارت الأرض منتنة الرائحة مع شدة الحر، ووصل إلى خانقاه سرياقوس ليلة السبت، فأصبح فدخل القاهرة في موكب عظيم

стр. 2831

جداً، وشق القاهرة وأمامه الخليفة والقضاة والأمراء. وزينت له المدينة. وبعد يومين وصل الحاج وأخبروا بالرخاء والأمن وأنه مات منهم في طريق المدينة خلق كثير من شدة الحر، وأمطرت السماء مطراً غزيراً، فنقص النيل نقصاً فاحشاً وكان انتهى إلى سبع عشر إصبعاً من ثمانية عشر ذراعاً، فبادروا إلى كسر سد الأميرية فظهر النقص فيه، وانكشف كثير من الأراضي، واستشعر الناس الغلاء فبادروا إلى خزن الغلال - والله المستعان. ثم تراجعت الزيادة إلى أن نودي بإصبع من ثمانية عشر، ثم عاد النقص وأظنه لكسر الصليبي، فنودي في يوم الأحد عاشر صفر الموافق لثالث عشر توت بإصبع لتكملة ستة عشر إصبعاً من سبعة عشر ذراعاً، وبلغ سعر القمح مائة وثمانين بعد أن كان بتسعين، والفول بمائة وعشرة، والشعير كذلك، وامتدت الأيدي إلى تحصيل الغلال إما للمؤنة وإما للتجارة فاشتد الخطب - ولله الأمر! ومع ذلك فلطف الله بأهل مصر لطفاً عظيماً كما سيأتي بيانه بحيث أن جميع من خزن القمح ندم على ذلك لعدم إرتفاع سعره في طول المدة، وفيها أرسل يوسف بن محمد بن يوسف ابن محمد بن يوسف بن محمد بن الأحمر إلى أبي عبد الله محمد بن نصر بن أبي عبد الله بن الأحمر المعروف بالأيسر عسكراً حاصره وهو بالمرية، وكان من شأنه أنه ثار على محمد بن الموال ففر إلى مالقة فجمع عسكراً ونازل ابن الموال فغلب عليه فقتله، ثم ثار عليه محمد بن يوسف والد

стр. 2832

يوسف المذكور فغلب على غرناطة، ففر الأيسر إلى تونس فأقام في كنف أبي فارس حتى جهز معه عسكراً إلى غرناطة، فملكها ثالث مرة وقتل محمد بن يوسف، فثار عليه يوسف ولده فقتله وكان صحبة أبي فارس منذ قتل أبوه، فلما مات أبو فارس توجه إلى صاحب فنشالة الفرنجي فأمده بعسكر، وكتب إلى أهل رندة ومالقة وغيرها أن يعينوه، وإلى أهل غرناطة أن يطيعوه، وتهددهم إن خالفوه، فسار يوسف فملك رندة ودخل غرناطة وفر منه الأيسر واستقر فيها، فلما كان في هذه السنة جهز إلى الأيسر عسكراً وهو بالمرية. وفي شعبان طلب من البلاد بالوجه البحري خيول، فوظف على كل بلد فرس واحد، وعلى البلد الكبير إثنان أو ثلاثة، وإن لم يوجد فيه خيل أخذ عوض الفرس خمسة آلاف، فكانت مظلمة حادثة، - وفيه - في التاسع والعشرين منه كان ختان يوسف ابن السلطان الذي ولي السلطنة بعد أبيه ولقب العزيز وعمره يومئذ نحو تسع سنين، أو هو ابن عشر ودخل في الحادية عشرة، وختن معه عدة من أولاد الأمراء وغيرهم، وكان مهماً حافلاً؛ ورأيت في كتاب بعض من يذكر

стр. 2833

الحوادث أن امرأة طلقت وهي حامل فكتمت حملها وتزوجت، ثم طلقها الزوج فتزوجت بثالث ثم بعد ذلك أخذها الطلق ووضعت ولداً صورته صورة الضفدع في قدر الطفل، فسترها الله بأن أماته - قرأت ذلك بخط الشيخ تقي الدين المقريزي، وأعيد التاج إلى ولاية القاهرة عند قدوم السلطان إلى القلعة وعزل دولات خجا، ثم أعطى ولاية القليوبية والمنوفية في ربيع الآخر، وانتهت زيادة النيل إلى سبعة عشر ذراعاً وسبعة عشر إصبعاً، ثم نقص بعد النيروز دفعة واحدة قدر ذراع ثم عادت الزيادة إلى أن كاد يكمل السابع عشر، فنقص أيضاً قدر خمسة عشر إصبعاً، ثم عادت الزيادة في العشرين من توت فتناهت إلى قدر عشرين إصبعاً من السابع عشر، ثم عاد النقص واستمر وشرقت غالب البلاد العالية من الصعيد الأعلى فما دونه، وشرق بعض بلاد الجيزة وما والاها، ومع ذلك لطف الله تعالى بالمسلمين في هذه السنة المباركة لطفاً عظيماً بحيث أن سعر القمح مع ارتفاعه قليلاً لم ينقطع الواصل منه، واستمر ذلك إلى أن جاء المغل الجديد وتناقص السعر، وفي صفر أعيد آقبغا الجمالي إلى كشف الوجه القبلي، وفي ليلة السبت تاسع ربيع الأول هبت ريح شديدة قلعت كثيراً من الأشجار بدمياط من أصولها، فتساقطت نخيل كثيرة وفسدت أشجار الموز، وفسد كثير من الأقصاب، وأسف كثير من الناس على ما تلف من ماله، وشاع أن في أوائله وقع سراق الفرنج على سبعة مراكب

стр. 2834

للمغاربة المسلمين، فأسروا من فيها، ونهبوا الأموال والبضائع، وأحرقوا ثلاثة منها وساروا بأربعة، وفي ثامن عشر ربيع الأول أخرج إقطاع الأمير - الكبير - سودون بن عبد الرحمن وكان نائب الشام وأمر بلزوم بيته، فأرسل سودون في صبيحة ذلك اليوم جميع ما عنده من الخيل والجمال والبغال للسلطان، ولم يقرر في المارستان أحداً ولا في الأتابكبية، وأضيف الإقطاع إلى الديوان المفرد، ثم أمر بنفيه إلى دمياط في جمادى الآخرة، فاستمر بها إلى أن مات، والعجب أنه ولد له في ذا الشهر مولود من جارية ولم يكن له ولد ذكر، وقيل إنهم تكلموا مع السلطان في إحضاره إلى القاهرة ثم لم يتم ذلك وفي يوم الخميس ثاني عشر شهر ربيع الآخر نزل السلطان في عدد يسير فدخل المرستان وقرر أمره ونادى بأنه الناظر عليهم، ومن كانت له حاجة أو ظلامة فليحضر إلى باب السلطان! وفيه استقر إينال الششماني في نيابة صفد بحكم وفاة مقبل. - وفيه - في ثالث عشرى شوال استقر خليل بن شاهين الصفوي في نظر الإسكندرية، وكان أبوه يسكن القدس ونشأ ابنه هناك، ثم قدم القاهرة وتزوج أخت خوند جلبان زوج السلطان فعظمت حرمته، وسعى

стр. 2835

في حجوبية الإسكندرية ثم في نيابتها. وفي صفر ألزم الوزير بحمل ما يوفر من العليق في ديوان الدولة وفي ديوان المفرد، فكان جملته سبعين ألف إردب، وفي ربيع الأول عملت مكحلة لرمي المنجنيق من نحاس وزنها مائة وعشرون قنطاراً بالمصري، ونصبت خارج باب القرافة، ورموا بها إلى جهة الجبل بأحجار زنة بعضها قدر ستمائة رطل. وفيه وصل كتب من دمياط بأنه هبت بها رياح عاصفة - فتقصفت نخيل كثيرة، وتلفت أشجار الموز وقصب السكر من الصقيع -، وانهدمت عدة دور، - وفزع الناس من شدة الريح حتى خرجوا إلى ظاهر البلد - وسقطت صاعقة فأحرقت شيئاً كثيراً، ثم نزل المطر فدام طويلاً. وفيها وقع بمكة سيل عظيم طبق ما بين الجبلين، وانهدمت بمكة دور كثيرة، ووصل الماء إلى قرب باب الكعبة، وطاف بعض الناس سبحاً، وأقام الماء يوماً بالحرم إلى أن صرف، وفاضت زمزم إلى أن شرع الماء بها هدراً قرأت في كتاب علي بن إبراهيم الأبي الزبيدي نزيل مكة

стр. 2836

لما كان في ليلة الحادي والعشرين من جمادى الأولى وقع بمكة مطر غزير سالت منه الأودية وكانت ليلة الجمعة، فأصبحوا وقد صار في المسجد ارتفاع أربعة أذرع - ماء -، فأزيلت عتبة باب إبراهيم فخرج الماء من المسفلة، فبقى من الطين في المسجد نحو نصف ذراع، وتهدمت في تلك الليلة دور كثيرة، ومات تحت الردم جماعة، وقرأت في كتاب صاحبنا شهاب الدين الجرهي أنه تلف له كتب كثيرة من السيل، وعقب هذا السيل وباء. وفي يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة وعك السلطان فاستمر بالقولنج خمسة أيام ثم تماثل وعدته فوجدته كما به، ثم عدته في أول يوم من شهر رجب فوجدته تماثل، ثم صلى الجمعة ثاني شهر رجب وكانوا أرجفوا بموته وتحزبوا أحزاباً، ووجل الناس من إثارة الفتنة، وفي أوائل شعبان قرئ البخاري في القلعة على العادة، وحضر شخص عجمي يقال له شمس الدين - محمد - الهروي ويقال له ابن الحلاج كهل

стр. 2837

من أبناء الأربعين ادعى أنه يعرف مائة وعشرين علماً، فأظهر بأواً عظيماً وشرع يسأل أسئلة مشكلة، وظهرت منه أمور تدل على إعجاب زائد فآل أمره إلى أن وقعت منه أمور أنكرت من جهة المعتقد، فزجر فخذل بعد ذلك وصار كآحاد الطلبة، واعتذر بعد ذلك أن بعض الناس أغراه بذلك ظناً منه أن ينقص من قدر كاتبه، فأبى الله ذلك وحاق المكر السيئ بأهله - ولله الحمد! وفيه في الجملة ذكاء وعلى ذهنه فوائد كثيرة وعنده استعداد ويعرف الطب، وعدت عليه سقطات، وبحث مع سعد الدين بن الديري فلم يحبه، وقرر من جملة المشايخ ورتب له ما يكفيه. وفيه استعفى الوزير كريم الدين من الوزارة وشكا من كثرة المصروف وقلة المتحصل، فاسترضى بزيادة بلد أضيفت له فاستمر، ثم تغيب في يوم السبت ثالث عشرى رجب بعد أن طلع القلعة، واستقر في الوزارة أمين الدين إبراهيم الذي كان ولي نظر الدولة، وهو ولد مجد الدين

стр. 2838

عبد الغني ابن الهيصم الذي كان ولي نظر الخاص في دولة الناصر فرج، ولبس الخلعة في هذا اليوم المذكور، وهرع الناس للسلام عليه بمنزله ظاهر باب القنطرة بالقرب من الميس، فلما كان يوم الثلاثاء استقر ولده وهو صغير السن في نظر الدولة، وألبس خلعة لذلك وشغرت الأستادارية، وتكلموا مع السلطان في استقرار جانبك مملوك ناظر الجيوش عبد الباسط فيها فأجاب لذلك، ثم بطل ذلك وسعى ناظر الجيش في إعفائه، - وتغيظ السلطان على المباشرين، وألزم ناظر الخاص فيما قيل بالمباشرة فيها، واستعفى - فأمر أن ينادي بأمان الأستادار، فبلغه ذلك فظهر، وذلك في السابع والعشرين منه، وطلع إلى السلطان، فخلع عليه قباء كان عليه، ونزل إلى داره وفرح الناس - به - وكان يوماً مشهوداً - تم في. . . . -، ومن حوادث سنة ٣٧ أنه أحصى من في الإسكندرية من الحاكة فوجد فيها ثمانمائة نول، وكان ذلك وقع في سنة ٧٩٧، فبلغوا أربعة عشر ألف نول بمباشرة جمال الدين محمود الأستادار، ونحو هذا أن كتاب الجيش أحصوا قرى مصر قبلها وتحررها، فبلغت عدتها ألفين ومائة وسبعين قرية؛ وقد ذكر بعض القدماء في أوائل دولة الفاطميين أن عدتها عشرة آلاف.

стр. 2839

وفيها أعيد جلال الدين أبو السعادات على القضاة في جمادى الآخرة عوضاً عن الجمال محمد بن علي الشيبي، وفي رجب سافر الناس صحبة أرنيغا إلى مكة. وفي ذي القعدة استقر الشيخ شمس الدين محمد - بن أحمد - المالكي الفرياني المغربي في قضاء نابلس شافعياً وسافر إليها، وهو كثير الإستحضار للتواريخ، وكان يتعانى عمل المواعيد بقرى مصر وبدمياط وبلاد السواحل، وصحب الناس، وهو حسن العشرة نزهاً عفيفاً، وقد حدث بحلب عن أبي المجالس البطرني وما أظنه سمع منه فإنه ذكر لنا أن مولده سنة ثمانين ببلده وكان البطرني بتونس ومات بعد سنة تسعين، ورأيت له عند أصحابنا بحلب إسناداً للمسلسل بالأولية مختلفاً إلى السلفي وآخر أشد اختلافا منه إلى نصر الوائلي، وسئلت عنهما فبينت لهم فسادهما، ثم وقفت مع جمال الدين ابن السابق الحموي على كراسة كتبها عنه بأسانيده في الكتب الستة أكثرها مختلق وجلها مركب، وأوقفني الشيخ تقي الدين المقريزي له على تراجم كتبها له بخطه كلها مختلفة إلا الشئ اليسير - والله المستعان! ثم وقفت على ذلك بخط الفرياني المذكور وهو بضم الفاء وتشديد الراء بعدها ياء آخر الحروف وبعد الألف نون.

стр. 2840

وفي رمضان ألزم السلطان القاضي بدر الدين ابن الأمانة بالحج لأنه ترجم له بأنه من المياسير وأنه قارب الثمانين ولم يحج فسأله فقال؛ حججت وأنا صغير، فقال: لا بد أن تحج حجة الإسلام هذه السنة، فأجاب وحج ورجع سالماً، وجرى نظيره للعراقي فمات كما تقدم، ومن العجب أن ابن الأمانة لما ألزم تكره ذلك كثيرا؛ وفي يوم السبت عاشر ذي الحجة يوم عيد الأضحى ولد لمحمد ولدي ابنة سماها بيرم، ثم ماتت عن قرب بعد أن استهلت السنة، وفي يوم السبت خامس عشرى ذي الحجة وافق سابع مسرى كسر الخليج على العادة، وحصل للناس السرور بالوفاء، وكانت الوقفة بمكة يوم الجمعة، وكان الحج كثيراً، وحج جقمق وهو يومئذ أمير سلاح في أواخر ذي القعدة على الرواحل وصحبته خلق كثير، فحج ورجع أيضاً في العاشر من المحرم. وفي هذه السنة كثر فساد الفرنج الكتيلان، فأخذوا عدة مراكب للتجار وأسروا من فيها، وباعوهم أسرى، وكاتب صاحبهم السلطان ينكر
следующие страницы →