Полный текст (3 236 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
من العقار - وأخر كثيراً مما وقفه وباع بعضه أنقاضا فلم يكمل المائتين، فاخذ في الإستدانة وسؤال المعارف ومن سبقت له إليه يد، فكان جهد ذلك أن كمل المائتين في العاشر من ربيع الأول - ثم كان ما سنذكره.
وفي يوم الاثنين خامس عشره رسم السلطان أن يرسل الملك العزيز يوسف ابن الأشرف إلى الإسكندرية على طريق البر وصحبته اسنبغا الطيارى أحد الأمراء المقدمين ليودعه السجن بها وأمر بتحويل الأمراء المسجونين هناك إلى قلعة صفد وغيرها، ثم بطل العزم عن سجن العزيز واستمر تحويل الأمراء، وأقام قانباي البهلوان الذي تقرر في إمره صفد بسرياقوس إلى أن يحضروا ويتوجه بهم صحبته إلى أن يسجنهم بقلعة صفد وبغيرها كقلعة المرقب والصبيبة، ثم وصلوا وسلموا وتوجه كل إلى مقصده، وذلك في أول ربيع الأول.
وفي يوم الخميس ثامن عشر صفر كسر الخليج الحاكمي على العادة، ونودي على النيل بالوفاء ستة عشر ذراعاً وزيادة إصبعين، ثم نودي عليه في صبيحة الجمعة بعشرة، فصار على ستة عشر ذراعاً ونصف ذراع، وكان في مثل هذا اليوم من العام الماضي على ثلاثة عشر ذراعاً
стр. 3082
وربع -، وانحل سعر الغلال بعد أن كان ارتفع - ولله الحمد، وزاد الماء في ثلاثة أيام متوالية بعد يوم الوفاء اثنين وثلاثين إصبعا، وهو شيء لم يعهد قبل هذه السنة، ثم زاد سبعة في اليوم الثالث من يوم الوفاء وستة في اليوم الرابع - فبلغت زيادته عن العام الماضي أربعة أذرع وتسعة أصابع، وما سمع قط أن النيل في العاشر من مسري تكمل ثمانية عشر ذراعاً ينقص إصبعاً واحداً، واستمرت المناداة بالزيادة إلى يوم الخميس الثاني من شهر ربيع الآخر فزاد أصابع من العشرين، فاستراب أكثر الناس بذلك، لأن الذين اعتادوا معرفة ذلك ممن له دار تطل على النيل لم يصل الماء عنده - إلى علامة العشرين، فتوجه جماعته فشاهدوا المقياس فظهر لهم كذب القياس، ثم اقتضى الرأي عدم التوسع في ذلك لئلا يضطرب العامة إذا تبين أن الزيادة دون ما ذكر فلا يؤمن أن يحدث من ذلك غلاء في السعر، واستشعر القياس بذلك فصار ينادي كل يوم بإصبع مع أن الزيادة مستمرة بأكثر من ذلك، وكان آخر يوم من مسري يوم الأحد ثاني عشر ربيع الأول انتهى إلى تسعة عشر ذراعاً وستة عشر إصبعا.
وفي ليلة السبت حادي عشر ربيع الأول حول الملك العزيز من القلعة إلى ساحل بولاق فأنزل في الحراقة الصغرى، ومعه من يتوكل به إلى الإسكندرية، فسجن بها على عادة من تقدمه كولد الملك الناصر فرج
стр. 3083
ثم ولد الملك المؤيد، وعمل المولد السلطاني في يوم الأحد الثاني عشر منه وكان حافلاً، وفرع وقت العشاء سواء، وخرج الناس والاسواق مفتحة والليلة مقمرة جداً - ولله الحمد. ونودي بالسفر إلى مكة في الرجبية. وعين عدة من المماليك للإقامة بمكة والمدينة، أما مكة فلحفظ البضائع الواردة من الهند من عبيد مكة وسفهائها، وأما المدينة فلقمع الرافضة الذين تسلطوا على أهل السنة بها.
وفي هذا الشهر قبض على سراج الدين عمر بن موسى - الحمصي الذي كان قاضي طرابلس ثم دمشق، وكان قد تسحب من دمشق بكلام بلغه عن السلطان من جهة انتمائه إلى أينال الجكمي فأقام بقرية من طرابلس، فبلغ ذلك النائب فمسكه وأرسل وقيده بقيد ثقيل وسجنه وكاتب فيه، فشفع فيه بعض الأمراء بالقاهرة فأذن في إطلاقه، وتوجه القاصد بذلك، وكان سفر الرجبية من القاهرة في. . وأميرهم وممن سافر معهم. .، وكان أول توت أول السنة الشمسية يوم السبت ثامن عشر شهر ربيع الأول، ابتدأ السلطان في الحكم بين الناس بالإسطبل على العادة ونودي بذلك، فكان أول شيء أمر به أن ينفي عز الدين البساطي المالكي وناصر الدين الشنشي الحنفي وولده إلى قوصن ثم بلغني أنه شفع فيه ولم يتم ذلك للبساطي واستمر الشنش. وأمر السلطان القضاة الأربعة - أن لا يحبس أحد من نوابهم أحداً إلا بعد مراجعة
стр. 3084
مستنيبه، وكسر سد الأميرية وغيرها في هذا اليوم، فنقص البحر نحو نصف ذراع بعد أن، كان نودي عليه يوم الجمعة بإكمال العشرين ذراعاً، ثم زاد إلى سلخ تسعة أصابع، وانتهت الزيادة يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الآخر إلى أحد عشر إصبعا من أحد وعشرين ذراعاً، والحق أنه لم يكمل العشرين وأن الافتراء من أمين البحر.
وفيه وقع بين المطوعة في البحر من أهل دمياط وبين الفرنج وقعة بساحل صيدا، قتل فيها كبيرهم المجاهد عبد الرحمن، وأسر المسلمون بعد أن قتل منهم جماعة، وأخذت لهم ثلاثة مراكب، وأسف المسلمون على ذلك أسفاً شديداً.
وفي أواخر شهر ربيع الأول وردت مطالعة نائب الشام يشكو فيها من القاضيين الشافعي والحنفي، فأمر السلطان بعزلهما معاً، فعزل القاضي بهاء الدين - ابن حجي من كتاب السر بدمشق ومن قضاء الشافعية، واستقر في قضاء الشافعية شمس الدين الوناي، وقرر في يوم الخميس سابع شهر ربيع الآخر، وفي كتابة السر شهاب الدين العجلوني الذي كان
стр. 3085
يوقع عند الأمير الدويدار الكبير، وكان عين لها زين الدين بن السفاح بل قيل له البس الوظيفتين معاً، ثم استقر في نظر الجيش فقط، وصرف جمال الدين الكركي. وأمر السلطان بنقل بهاء الدين من دمشق إلى القدس فسكنها بطالاً، ثم تكلم له في تدريس الصلاحية فرسم له بها، وصرف الشيخ عز الدين القدسي وتوجه القاصد بذلك إلى دمشق، ثم بطل ذلك وكتب إلى ابن حجي بالقدوم إلى القاهرة واستمر القدسي في وظيفته فقدم ابن حجي في رجب ثم خلع عليه بنظر الجيش وسافر في أول رمضان، وصرف زين الدين بن السفاح وأعيد إلى نظر الجيش بحلب، واستقر في قضاء الحنفية بدمشق بعض المصريين، وصرف القاضي شمس الدين محمد بن علي الصفدي ثم تأخر ذلك واستمر الصفدي، واستقر في قضاء الحنفية بحلب عز الدين عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن العديم، ثم بطل وأخر لبس الخلعة واستمر ابن الشحنة.
شهر ربيع الآخر - أوله الجمعة بالرؤية موافق لثالث عشر توت، وأرخ في بعض البلاد كدمياط بيوم الخميس، وفي يوم الاثنين رابع شهر ربيع الآخر وصل القاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية الحلبي من حلب إلى القاهرة من أجل السعي في العود إلى وظيفة القضاء، فأقام إلى شعبان ثم خلع عليه وسافر في أثنائه إلى بلاده على وظيفته فوصل في أواخر رمضان،
стр. 3086
ثم لم يلبث أن مات.
وفي يوم الاثنين حادي عشره أفرج عن زين الدين عبد الباسط، وخلع عليه خلعة رضا - وهي جبة سمور، وأذن له في السفر إلى مكة، فرجع بخلعته إلى تربته بالصحراء بالقرب من تربة قجماس ليقيم بها إلى إن يرحل بعد أيام، ثم تحول إلى طرف المرج من جهة بركة الجب ليتجهز منها إلى مكة بأهله وعياله، وانضم إليه جمع كثير من الناس، وتوجهوا إلى مكة في ليلة الاثنين الثامن عشر من هذا الشهر.
وفي يوم السبت تاسعه أذن للشنشي وولده بالعود إلى القاهرة وتوجه إليهما القاصد بذلك.
وفي يوم الأربعاء سادس شهر ربيع الآخر ادعى جماعة من المجاهدين ومن انضم إليهم على شخص نصراني أن هو الذي كان السبب في قتل المجاهدين وأنه كاتب الفرنج بقضيتهم حتى استعدوا لهم ودل على عوراتهم، وأقيم بذلك البينة عند بعض نواب الحكم بدمياط مالكي المذهب، وثبت ذلك عليه فحكم بقتله وأمر بسجنه ليراجع السلطان، فاجتمع عليه جمع لا يحصون كثرة فنزعوه من أيدي أعوان الحكم وحملوه إلى ظاهر البلد فقتلوه بين الكنائس وحرقوه، ومدوا أيديهم إلى الكنائس
стр. 3087
فهدوموها ونهبوا ما فيها، وكان النائب بالثغر ركب بمن حضر من القضاة وغيرهم لينزعوا النصارني منهم، فوجدوا الأمر قد اشتد فكاتب السلطان بذلك، فأمر بإحضار القضاة والنائب فسألهم فأخبروه بجلية الحال، وأخرج بعض الناس محضراً بأن النصراني المذكور أسلم قبل قتله، فتغيظ على قاتليه وأمر بحبس كبارهم، ثم أذن في إطلاقهم في اليوم الثاني وأمر بعزل النائب والقضاة، فاستقر في النيابة محمد الصغير معلم النشاب - الذي كان وليها في العام الماضي، واستمر القاضي - على حاله، وأمر في الاقتصار في النواب على ثلاثة فقط.
وفي يوم الاثنين حادي عشره أمر السلطان أن يستقر للقاضي الشافعي من النواب أربعة وللحنفي اثنان وللمالكي كذلك وللحنبلي كذلك، وعقد في هذا اليوم مجلس بحضرته بسبب الحوانيت التي نازع فيها بسعي تاني بك البجاسي، وحضره قاضي حلب المنفصل علاء الدين ابن خطيب الناصرية وذكر الصورة مفصلة، ومع ذلك أمر السلطان القاضي الشافعي أن ينشئ الدعوة في ذلك ويحرر الأمر فيها، ثم أذن السلطان أن يستقر للشافعي ست أنفس ولكل من رفقته ثلاثة، فكتب الشافعي أسماء جميع النواب في رقاع وأحضرها لحضرة السلطان، فتناول
стр. 3088
السلطان منها ستة فاستقر بهم ومنع غيرهم، ثم أذن بعد سبعة أيام في زيادة اثنين، ثم أمر باستبدال ثلاثة من الستة بثلاثة أمير منهم لطعن بعض جلسائه في الثلاثة الأولين، فانتهى أمره في يوم الثلاثاء سادس عشري شهر ربيع الآخر إلى ثمانية وللحنفي أربعة، واستقر المالكي على ثلاثة والحنبلي كذلك.
وفي هذا الشهر مات آقبغا التمرازي نائب الشام، ووصل الخبر في يوم الأحد رابع عشر الشهر المذكور، فقرر في نيابة دمشق جلبان نائب حلب، وقرر نائب طرابلس في نيابة حلب، وقرر الحاجب الكبير برسباي الذي كان وقع بينه وبين النائب ما وقع في نيابة طرابلس، وقرر في الحجوبية نائب غزة، توجه دولات باي الدويدار الثاني في تقليد نائب حلب في يوم الثلاثاء.
شهر - جمادى الأولى - أوله السبت، في أول يوم منه نودي بالسفر في رجب لمن أراد التوجه إلى الحجاز صحبة المماليك المجهزة إلى مكة، وكان ما حذا للمناداة الأولى، فتحرك جماعة لذلك منهم - وتوجه قبل ذلك الأمير محمد بن علي ابن إينال أمير شكار -،
стр. 3089
وصحبته عسكر من الترك والعرب لدفع قبيلة بلي المفسدين في طريق الحجاز، فظفروا بطائفة منهم بسطح العقبة رجعوا بعد أن امتاروا، فقبضوا عليهم واستمروا إلى أن دخلوا بلاد بلي.
وفي يوم الثلاثاء الرابع منه الموافق لخامس عشر بابه والعاشر من تشرين الأول أمطرت السماء في أول الليل قليلاً ثم في أول النهار، ثم أرعدت ولم يكثر المطر إلا من بعد الظهر فاستمر إلى بعد العصر وتزلقت الأرض، وأخذ النيل في الانهباط، ثم لم يظهر اثر ذلك بل ثبت غلى أن انقضت بابه، واستمر البحر إلى أن نزلت الشمس برج الجوزاء، ولم يتغير مزاج الحر - ثم كان ما سنذكره.
وفي يوم الجمعة ثاني عشري جمادى الأولى لبس السلطان الصوف ووافق التاسع من هاتور وهو الخامس من تشرين الثاني، وتأخرت عن
стр. 3090
عادة الاشرف نحواً من عشرين يوما، وأظن سبب ذلك استمرار الحر.
واستهل جمادى الآخرة والأمر على ذلك، وفي هذا اليوم أمر السلطان بجمع اليهود من مراكزهم، فاجتمعوا عنده في الحوش فشرط عليهم مشافهة أن لا يؤخروا عندهم صداق امرأة ولا طلاقها بل يدفع لها في الحال، وأن لا يشهدوا على يهودي ولا نصراني في مرض مخوف بوقف ولا وصية إلا بإذن من القاضي والناظر على المواريث. واستمر الحر إلى أن نقلت الشمس إلى برج القوس فتأخر البرد عن العادة، وانهبط النيل فكان في نصف هاتور في خمسة عشر ذراعاً وافرة؛ ووصل رسول شاه رخ ابن اللنك إلى القاهرة ومعه جماعة، فأقام أكثرهم بالشام ووصل هو ببعض جماعته - إلى مصر، ومضمون رسالته التهنئة بالسلطنة. .
شهر رجب الأصم - أوله الثلاثاء، في أول يوم منه خرج أمير المحمل فضرب خيامه مقابل خليج الزعفران، ثم خرج الحاج وهم كثير ورحلوا من ثم في يوم الاثنين فنزلوا مقابل المرج ورحلوا ليلة السبت خامسه -؛ ووصل الخبر بعدهم بقليل بأن العسكر الذين توجهوا إلى العرب بأنهم غلبوا عليهم.
стр. 3091
وفي اليوم الرابع عشر منه أدير المحمل وكان حافلاً.
وفي يوم الاثنين سابع شهر رجب دخل فصل الشتاء، واشتد البرد على العادة بعد أن كان الحر تمادى إلى يوم الخميس ثالثه - وتأخر المطر بعد نزول المطرة الأولى المنبه عليها، ثم امطرت مطراً يسيراً مرة بعد مرة، وتسلطت الدودة على البرسيم فأكلت منه الأكثر، فغلا بسبب ذلك حتى كانت قيمته قدر العام الماضي مرة ونصف أو أزيد، ثم توالت الأمطار وحصل النفع بها.
وفي يوم الاثنين حادي عشر منه دخل أحمد بن إينال وصحبته جماعة من عرب بلي، قبض عليهم فأمر بتسميرهم وتوسيطهم، وهم الذين كانوا في آخر سنة ٤١ قطعوا الطريق على الحاج ونهبوا منه أموالاً عظيمة، وهلك بسبب ذلك خلائق من النساء والأطفال والرجال بالجوع والعطشن وحصل للناس بذلك سرور كثير، لكن قيل إن كثيراً منهم لم يكن منهم وإنما أخذوهم بغتة ولم يحصل طائل - والعلم عند الله تعالى.
شعبان المكرم - أوله الخميس.
شهر رمضان المعظم قدره وحرمته - أوله الجمعة، في الثاني والعشرين منه وصلت الجمال الذين حملت الحجاج الرجبية، وذكروا أنهم
стр. 3092
فارقوهم وهم بخير وقد انحط السعر قليلاً وكان الحمل الدقيق بلغ ثلاثة عشر ديناراً فنقص دينار، وكان شاع بالقاهرة أنه بلغ العشرين أو زاد، فظهر كذب تلك الإشاعة.
وفي التاسع منه ثار العامة بدمشق على النائب بها، فهجموا عليه دار السعادة ففتحوا الطبلخلناة فضربوها، فتجمعوا، وكان السبب في ذلك إن شخصاً يقال له عبد الرزاق خدم برددارا عند النائب فاحتكر اللحم وصار هو الذي يتولى الذبيحة، فغلا اللحم وصار يشتري الغنم بالسعر البخس ويبيع بالربح المفرط، فقل الجالب بسبب ذلك فاشتد الخطب حتى كان اللحم يباع بدرهمين ونصف فبلغ ثمانية، فنادى النائب بالجند فأمسكوا منهم جماعة وسجنوهم، فهجم الباقون السجن وكسورا بابه وأطلقوا أصحابهم، وكان النائب قبل ذلك لما شكوا إليه عزل البرددار ونادى بإسقاط المكس عن الغنم، فانحط السعر إلى أربعة وخمسة فلم يقنعهم ذلك، فكاتب في ذلك فوصل الخبر بذلك في الثالث والعشرين من رمضان، فأمر السلطان بجمع الأمراء والقضاة يوم الأحد صبيحة الرابع والعشرين فاشتوروا فقيل للمالكي إن عندهم قولاً بقتل الثلث لاستصلاح الثلث فأنكر المالكي ذلك وقال: هذا لا يعرف في المذهب العشر قال: فما السبب في تجرئ هؤلاء؟ قال: كثرة الحلم عنهم - هذا ملخص ما حكاه هو لي، فإنني ركبت فما وصلت حتى انقض المجلس، وكذلك الحنبلي ما أدرك المجلس، وسألت
стр. 3093
الحنفي فقال ما أجبت بشيء لأجل غيبتكم، ففهمت أن المعول كان على المالكي، وذكر لي الحنفي أن بعض الأمراء قال: هؤلاء بغاة، قال: فقلت له: لا، ما هؤلاء بغاة وإنما أساءوا الأدب، وينبغي أن نعرف البادي منهم بذلك فنعاقبه بما يرتدع به غيره؛ فلما كان يوم الاثنين كتب مرسوم قرئ على المنبر بتهديد العامة والإنكار عليهم فيما فعلوا، وكتب توقيع القاضي تقي الدين بن قاضي شهبة بعوده إلى القضاء وبعزل القاضي شمس الدين الونائي، لان النائب بعث يشكو منه ويقول: إنما تسلط العامة علينا به - ونحو ذلك، وعين للسفر بذلك الشريف الحموي الموقع بعناية كاتب السر فوصل قبل سفر الحاج بيومين، وكان الونائي قد تجهز إلى الحج فاسترم، واستقر ابن قاضي شهبة، وهي الولاية الثانية.
شهر - شوال المبارك أوله السبت بالرؤية الصحيحة، وصادف تاسع برمهات ورابع آذار، وقع في أول يوم منه ريح باردة، وأثارت غباراً شديداً بحيث كان يتصاعد إلى أعلى القلعة واشتدت الظلمة منه وقت العصر إلى أن أمطرت شيئاً يسيراً، فسكن واستمر البرد الشديد بحيث أنه كان يضاهي ما كان في أول الشتاء أو أشد منه، واستمر إلى فرغ برمهات وعاد مزاج فصل الربيع على العادة، وفي الثاني منه نقلت الشمس إلى برج الحمل.
стр. 3094
وفي يوم الأحد الثالث والعشرين منه الموافق لأول يوم من برمودة من أشهر القبط - كان عيد النصارى - أخزاهم الله.
وفي النصف منه تنازلت أسعار الغلال وانحطت إلى قدر النصف بحيث بيع ما كان بلغ ثلاثمائة بمائة وخمسين واقل من ذلك.
وفيه - رحل إلى القاهرة طالب حديث الفاضل البارع قطب الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن خيضر بن سليمان بن داود بن فلاح بن ضميدة البلقاوي ويعرف الآن بالخيضري نسبة لجد أبيه، فسمع الكثير وكتب كتباً كثيرة وأجزاء، وجد وحصل في مدة لطيفة شيئاً كثيراً، وتوجه صحبة الحاج المصري لقضاء الفرض، وكتب عني في مدة يسيرة المجلد الأول من الإصابة بتمييز الصحابة وقرأه وعارض به معي وأتقنه، ونسخ أيضاً تعجيل المنفعة في رجال الأربعة وقرأه كله وأتقنه، وسمع عدة أجزاء، وكتب عدة مجالس من الامالي؛ وخطه مليح وفهمه جيد، ومحاضراته تدل على كثرة استحضاره.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشر شوال وصل ناصر الدين بك بن خليل بن قراجا بن دلغادر، وجلس له السلطان في إيوان القصر الكبير
стр. 3095
جلوساً عاماً، وأمر الأمراء الكبراء بتلقيه فتلقوه ظاهر القاهرة ودخلوا به من البلد إلى أن أطلعوه القلعة فدخل ومعه أولاده، فخدم وخلع عليه وأنزل في بيت نوروز، وهو شيخ كبير يقال بلغ الثمانين، وتغلب على لونه السمرة الشديدة، وتقدم خبره في حوادث سنة ٧٢٧، وكان دخل القاهرة في دولة الملك الظاهر مرة قبلها، ثم صاهره السلطان وتزوج ابنته، وسافر بعده إلى بلاده بعد أن، بولغ في إكرامه والإنعامات عليه.
وورد الخبر بأن أبا الفضل ابن شيخنا زين الدين ابن حسين اغتيل فوجد لعبه، قتله شريف من الرافضة، وقيل: إن سبب ذلك أن الحسني كان له دين على القاتل فلما مات أوصى أبا الفضل، فطالب أبو الفضل بمال محاجيزه، فمطله فألح عليه فاغتاله، وصار أهل المدينة في خوف شديد، ولم يبق أحد يجسر أن يخرج من بيته سحراً، وكان سليمان أمير المدينة غائباً
стр. 3096
وله نائب اسمه حيدر بن عزيز فخرج في جماعة لتحصيل القاتل، وكان تسحب هو وجماعة من عشيرته، فما ظفروا بأحد منهم - وكان ما سنذكره في السنة المقبلة.
وفي أواخر شوال مر صاحبنا القاضي محب الدين بن أبي الحسن البكري المصري نائب الحكم وكان قد سار مع الرجبية إلى مكة، فرأى وهو يطوف بالبيت بعض الصناع من المرخمين يحاول قلع لوح رخام من الحجر وهو في غاية الثبات ليلصقه على كيفية أخرى فأنكر عليه، فتوجه المذكور إلى شاد العمارة سودون المحمدي فذكر له ذلك، فسال عنه فقيل له إنه نائب الحكم عن الشافعي، فقال: لعل هذا هو الذي كاتب فينا، فأمر بإحضاره فأهانه وضربه تحت رجليه عصيات، ثم أراد أن يركبه حماراً ويطوف به فقيل له: إنه بريء مما اتهمته به وإنه كان حين ورود الكتاب مقيماً بالقاهرة، فندم على ذلك ولقيه في الطواف فاستحله؛ وكان المحب المذكور قد امتلأ غيظاً بما أصابه بغير جرم وكظم، فما لبث إن حم واستمر موعوكاً إلى أن قدم الحج فتوجه مع الركب المصري فمات باليبنع بعد أن رجع من زيارة المدينة النبوية - وقد ذكرت ذلك في ترجمته فيما سيأتي، وختم له بخير ولعله مات شهيداً؛ ورأت امرأة من أهل الصدق ليلة دفنه وهي مستيقظة على سطح كأن عمود نور أقبل من نحو المدينة إلى أن غاب في قبر المذكور، فأيقظت زوجها وأخرى من أقاربها، فشاهدوا ما شاهدت وأخبروا به، وفيه ورد الخبر بأنه خرج على الحاج بعد أن انفصلوا من المدينة ريح حارة وأعقبها سموم أضعفت
стр. 3097
الأبدان وأهلكت الجمال ومات منها من بني آدم عدد كثير، منهم القاضي محب الدين محمد بن أبي الحسن البكري نائب الحكم، وكان عارفاً بالأحكام متثبتاً في القضايا، وقوراً عاقلاً، كثير الاحتمال، مشاركاً في الفقه ولم يشتغل في غيره وقد درس في المدرسة الخروبية بشاطئ النيل نحواً من عشر سنين، وكان قد توجه إلى الحجاز في الرجبية فجاور ثم رجع، وذكر لي من أثق به من أنه كان كثير الطواف وأنه واظب على خمسين أسبوعاً في كل يوم، وهو من قدماء معارفنا وأهل الاختصاص بنا - فالله يعظم أجرنا فيه ويبدلنا به خير منه وقد غبطته بما اتفق له من حسن الخاتمة بالحج والمجاورة وزيارة الحضرة الشريفة النبوية والموت عقب ذلك في الغربة، وكانت وفاته بالينبع وصلى عليه هناك ودفن به، وقد جاوز السبعين بسنتين.
شهر ذي الحجة الحرام اختتام السنة أوله الثلاثاء بالرؤية - يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة بالرؤية، فيه استقر نور الدين علي بن أحمد ابن آقبرس في نظر الأوقاف عوضاً عن تقي الدين بن عبد الرحمن - ابن تاج الدين عد الوهاب ابن ناصر الدين - بن نصر الله ابن أخي الصاحب بدر الدين - وكان تقي الدين استقر فيها بعد صلاح الدين ابن عمه، وكان عمه الصاحب بدر الدين إذ ذاك موعوكاً فبلغه ذلك فشق عليه وشغله الضعف، ثم توجه للعافية واستمر نور الدين في الوظيفة.
وفي الثامن من ذي الحجة ورد الخبر بموت أقبغا التركماني في
стр. 3098
محبسه بسجن الكرك، وكان أحد الأمراء الكبار في الدولة الأشرفية، وولي النظر على الخانقاه الناصرية بسرياقوس؛ فذكر بعض الكبراء إن السلطان أمر كاتب السر أن يكتب إلى نائب الكرك بأن يطلقه، ويشترط عليه أنه لا يعود إلى شرب المسكر وأنه متى عاد نفي إلى قبرس؛ فشرع كاتب السر في كتابة السر بذلك، فوصل الخبر بموته قبل أن يفرغ الكتاب.
وفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين منه وصل المبشر بسلامة الحاج ومعه من الأخبار أن الوقفة كانت بمكة يوم الأربعاء، وأن السعر في الأقوات كان ارتفع فكان الحمل من الدقيق بخمسة عشر شخصاً والإردب من الشعير بتسعة، وكان الجمع كثيراً جداً، ولم يدخل مكة من واصل الهدايا إلا القليل، وكان الأرز والشاشات في غاية - رخص بخلاف ما عدا ذلك من اللبان ونحوه، وأن الركب الأول وصل مكة - في السابع والعرين من ذي القعدة.
وفي هذه السنة ثار توران شاه بهمس بن توران شاه على أخيه سيف الدين صاحب هرمز وما معها فانتزع منه المملكة، ففر سيف الدين إلى شاه رخ ابن اللنك - ملك الشرق مستغيثاً به فأمده بعسكر فسار
стр. 3099
إلى فرغان فنازلها، فسار إليه أخوه فتحاربا إلى إن تصالحا على أن يكون ملك القلعة لسيف الدين هي وما حولها وافترقا.
ذكر من مات في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة من الأعيان
أحمد الدميري أحد نواب الحكم شهاب الدين كان فاضلاً يستحضر كثيراً من المسائل الفقهية، وناب في الحكم في بعض النواحي وبالقاهرة، ومرض مدة طويلة بوجع الظهر ثم بالإسهال، ومات في الحادي والعشرين من صفر، وأظنه جاوز الستين.
أحمد النفيائي - بكسر النون وسكون الفاء بعدها تحتانية مثناة - نسبة إلى بلدة بالوجه البحري ويعرف بال لثاني - الشيخ شهاب الدين،
стр. 3100
كان من مشاهير الطلبة عند قدماء المشايخ، ثم نزل في فقاهة المؤيدية وتكسب بالشهادة مدة إلى أن مات.
آقبغا التمرازي، نائب الشام - تقدم في الحوادث.
آقبغا التركماني، كذلك وأنه مات في محبسه بالكرك -.
أبو بكر الحلبي، نزيل بيت المقدس الشيخ أبو بكر، تلمذ للشيخ عبد الله البسطامي، وكان له اشتغال بالفقه والحديث، ثم أقبل على العبادة وجاور بيت المقدس، وكف بصره بأخرة.
سودون دويدار اركماس الظاهري - الدويدار الكبير، كان غشوماً عارفاً بأفانين الظلم، صرف عن وظيفته قبل موت الأشرف، وأصيب برمد أفسد عينه، ولما قبض على أستاذه خدم في المماليك السلطانية، وكان بصدد أن تقدم ففجئه الموت، وأحاط ناظر الخاص على موجوده وهو شيء كثير، مات في ذي القعدة.
عبد اللطيف بن محمد بن الأمانة تقي الدين بن القاضي بدر الدين، درس في الحديث بالمنصورية، وفي الفقه بالمدرسة الكهارية مكان أبيه أياماً، ومات وهو شاب في يوم الأحد ثامن عشري ذي القعدة وكان مشكور السيرة على صغر سنه.
علي بن محمد الطائي خطيب الناصرية القاضي علاء الدين، كان مولده
стр. 3101
في سنة ٧٤٤، وسمع من أحمد بن عبد العزيز بن المرحل وهو أقدم شيخ له ومن عمر بن ايدغمش خاتمة أصحاب إبراهيم بن خليل. . ومات في الحادي عشر من شوال.
قطج الأمير، مات في العشر الأوسط من رمضان، وكان قد ولي إمرة بعض البلاد الشامية، وحضر إلى القاهرة مصروفاً فأقام دون الشهر.
محمد بن أحمد تاج الدين الأنصاري التفهيني سبط القاضي مجد الدين
стр. 3102
الحنفي البلبيسي، أحد نواب الحكم الشافعي، مات يوم الأحد تاسع عشري المحرم بعد أن مرض مرضاً طويلاً، ولم يجاوز الستين.
محمد بن أبي الحسن القاضي محب الدين البكري - تقدم ذكره في الحوادث.
محمد بن عبد الله الشيخ جمال الدين الكازروني، المدني جاء الخبر بوفاته وقد انتهت إليه رياسة العلم بالمدينة النبوية ولم يبق هناك من يقاربه، وكان ولي قضاء المدينة والخطابة من مدة ثم صرف، ودخل القاهرة مراراً ومولده في سنة. . نقلته من خطه.
محمد بن يحيى بن علي بن محمد بن أبي زكريا المقرئ الشيخ شمس الدين الصالحي صالحية مصر بالشرقية - هكذا كنت أظن، ثم ذكر لي أخوه شهاب الدين أحمد أنهم ينسبون إلى قرية يقال لها منية أم صالح بناحية مليح من الغربية وإلى حارة الصالحية بالبرقية داخل القاهرة، ولد قبل الستين، عني بالقراآت فأتقن السبع - على جماعة، وذكر لي أنه
стр. 3103
رحل إلى دمشق وقرأ على ابن اللبان، وطعن في ذلك بأن سنه تصغر عن ذلك، كما تقدم في تقييد وفاة ابن اللبان، واشتغل بالفقه وتولى تدريس الفقه بالظاهرية البرقوقية عوضاً عن الشيخ أوحد الدين - بحكم نزوله له عند بمبلغ كثير من الذهب، وكان اتصل بالأمير قطلوبغا الكركي فقرره إماماً بالقصر، واشتهر في ذلك مدة وناب بجاهه في الحكم أحياناً وأم قطلوبغا المذكور، ثم ولي شيخ القراآت بالمدرسة المؤيدية لما فتحت، وما علمته تزوج وكان مولعاً بالمطالب، ينفق ما يتحصل له فيها مع التقتير على نفسه، وكف بصره في أواخر عمره واختل ذهنه - عفا الله عنه واستقر في تدريس الظاهرية شهاب الدين أحمد الكوراني بعناية كاتب السر، وعمل له إجلاساً حضرناه، وخلع عليه جنده مستحسنة، وكان المستنزل لأخيه شهاب الدين عن وظائفه وأمضى ذلك النظار، وباشرها في حياته ثم نوزع في المؤيدية، وعقد له مجلس بسبب أن شرط الواقف إذا وقع نزول أن لا يقرر النازل ولا المنزول له.
محمد الدجوي ناصر الدين الموقع، ناب في الحكم قليلاً ووقع عند بعض الأمراء؛ ومات في شهر رجب وأظنه بلغ الخمسين.
стр. 3104
سنة أربع وأربعين وثمانمائة
استهلت يوم الخميس موافقاً للثامن من بونة من شهور القبط.
وفي يوم السبت الثالث منه قبض على الأستادار ناصر الدين محمد ابن أبي الفرج وحبس بالبرج، ثم تسلمه الوزير بعد أيام على مال صودر عليه، واستقر في وظيفته مملوك يقال له طوغان، وخلع عليه وباشر.
وفي يوم الاثنين الثاني عشر منه ووافق التاسع عشر من بونة وهو أول يوم من فصل الصيف، وكان الهواء بارداً وقت السحر واستمر إلى إن تعالى النهار بحيث وجد من البرد كأيام أوائل الربيع، فلما قرب الظهر اشتد الحر جداً كما في كل يوم.
وخلع على القاضي سراج الدين عمر بن موسى الحمصي، واستقر في قضاء الشام على عادته بعد أن سعى السعي الحثيث وأجيب بالمنع مراراً، فلم يزل يتلطف لي أن أجيب، وتوجه في اليوم العشرين من المحرم.
وكذا أعيد قاضي صفد علاء الدين بن حامد وصرف الزهري وتوجه في هذا الشهر، وفيه - قبض على ابن القف ناظر الجيش
стр. 3105
بصفد لشكوى نائب صفد منه، وأخبر قائس النيل في اليوم الخامس والعشرين من بونة وهو الثامن عشر من المحرم إن النيل بلغ في القياس إلى ستة أذرع وأربعة أصابع، ونودي عليه في العشرين منه بثلاثة اصابع، واستمرت الزيادة.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشري المحرم رفع إلى السلطان أن رجلاً مات وأوصى إلى رجل فضم القاضي الشافعي إليه آخر وأن التركة وقع فيها تفريط، فطلبهما وطلب نائب الحكم الذي اثبت أهلية الآخر وحبسهما بالقلعة، ثم سأل الوصي فذكر في القصة أموراً تغير السلطان منها لظنه صدق الوصي والواقع أنه مشهور بالكذب والبهتان، وقد امتلأ غيظاً فضم الآخر معه حتى أنه لم يتمكن مما كان يروم أن يفعله فنسب إلى المذكور أموراً معضلة، فظن السلطان أن ذلك بعلم القاضي فتغيظ على القاضي وأرسل إليه أن لا يخطب به يوم الجمعة، وعين شخصاً من نواب الحكم يقال له برهان الدين ابن الميلق، فخطب به يوم الجمعة أول صفر، وطلب من يفوض إليه الحكم فذكر له جماعة، فاختار القاضي شمس الدين الونائي الذي كان ولي قضاء الشام وانفصل منه في شوال وحج وعاد إلى القاهرة فدخلها في يوم الجمعة ثالث عشري المحرم - ثم كان ما سنذكره.
شهر صفر الأغر - أوله الجمعة، ذكرنا أن ابن الميلق خطب وذكروه فيمن تولى القضاء وبلغ ذلك صالح - ابن البلقيني فضاق صدره وعيل صبره واشتد سعيه، فلم يجب لشيء وتعين
стр. 3106
الونائي وفصلت خلعته يوم السبت، ثم في أثناء يوم السبت طلب السلطان شهود التركة وفوض لنائب القلعة أن يباشر المحاسبة بين الوصي ورفيقه بحضرة الشهود وبحضرة شخص يقال له جمال الدين عبد الله الحلبي التاجر، وكان هو الذي وصل الوصي حتى ذكر للسلطان ما ذكر، وكررت المحاسبة ووقعت المحاققة والمشاححة إلى أن ظهر لنائب الغيبة دغل الوصي وتزيده في القول وافتراءه ما كان افترى، فدخل بالمحاسبة إلى السلطان وظهرت براءة القاضي والذي أقامه، وذلك وقت أذان المغرب؛ فلما كان صبيحة الأحد أمر بإطلاق نائب الحكم والذي أقامه القاضي، واتفق أن كلمه ولده الأمير ناصر الدين محمد فيما يتعلق بالقاضي وجبر خاطره فيما وقع فيه من الافتراء، فأذن له فبطل أمر - الونائي، وفصلت للقاضي جبة سمور ولبسها صبيحة الاثنين وكان يوماً مشهوداً.
وفي أوائله وصل عبد الباسط إلى القدس سالماً، وكان أرجف بأنه اصيب جميع من معه ولم يسلم غيره، ثم ظهر أنه لم يكن لذلك صحة، ووصلت هديته إلى السلطان بعد أيام فيها مائة - شاش وأشياء كثيرة من تحف الهند واليمن والحبشة -، فقبلها وخلع على قاصده.
وفي يوم الأربعاء السابع والعشرين منه وهو الموافق - للرابع من مسري أوفى النيل ستة عشر ذراعاً وإصبعين، وكسر الخليج في صبيحة يوم الخميس، وباشر ذلك الأمير ناصر الدين محمد ولد السلطان،
стр. 3107
وصحبته حاجب الحجاب وجمع يسير، وكان يوماً مشهوداً، وكانت الزيادة في هذه السنة من العجائب، فإنه ابتدئ في العشرين من المحرم فكان يزيد قليلاً قليلاً إلى يوم السبت السادس عشر من صفر، فزاد ثمانية ثم زاد اثني عشر إصبعاً، ثم زاد في خمسة أيام ثمانين إصبعاً، في يوم ثلاثين، وفي يوم عشرين، وفي ثلاثة أيام كل يوم عشرة، وفي يوم سبعة عشر أيضاً، فنودي خمسة يوم الوفاء خمسة عشر تعليق الستة عشر وإصبعين فوقها.
وفيها كائنة إبراهيم ابن خطيب القدس وقاضيه جمال الدين بن جماعة، رفع فيه إلى السلطان أنه زور عليه مرسوماً بمرتب، فأحضر إلى القدس وصرف أبوه عن القضاء وحوقق على ذلك -، وجرى لصهره قاضي الحنفية ابن الديري من البؤس وتغير الخاطر ما لا يعبر عنه، وبالغ السلطان في الإنكار على كاتب السر بسبب ذلك.
وفي الأربعاء تاسعه عقد مجلس بالصالحية بسبب شخص قرمي
стр. 3108
اسمه علي ابن أخي قطلو خجا، حضره القضاة الثلاثة وغاب الحنبلي لضعفه، وكان المذكور رفع أمره إلى السلطان أنه وقع في حق نبينا ﷺ بكلام فاحش، وأن بعض العوام أنكر عليه فكثر اللغط، فخلصه منهم شهاب الدين ابن عبيد الله الحنفي نائب الحكم، فأنكر السلطان عليه ذلك في يوم الأحد أول يوم ن الشهر عند التهنئة، فاعتذر بأنه خشي عليه من العوام أن يقتلوه، فأكد السلطان عليه في تحصيله، ثم اتفق أن بعض الحجاب قبض عليه وهو ذاهب إلى جهة الشام، فرده من الخانقاه السرياقوسية فأحضر عند السلطان فأمر بعقد مجلس بالقضاة الأربعة، فشهد ثلاثة عند ابن عبيد الله المذكور عليه بما يقتضي الاستهتار بالدين والتنقيص للرسول، وشهد أحدهم أنه قال عند كثرة صلاة المصلين على النبي ﷺ أول النهار: فلان معرض، وشهد آخر أنه سمعه يقول لمن صلى. . بأمنا - يقول: تصلوا ومحمدكم نبيكم - كذا وكذا، وذكر لفظة بالتركي فاحشة، وشهد آخر أنه سمعه يخاطب جماعة من المسلمين بما نصه: يا خنازير كل دينكم باطل، ثم حضر القضاة عند السلطان بسببها، عادوا له ما جرى، فأمر الحنفي أن يتعاطى الحكم في ذلك بنفسه بعد أن أحضر جلساء السلطان النقل من عدة كتب للحنفية أن توبة الزنديق لا تقبل، فطلب القاضي تكثير الشهود، وكان
стр. 3109
القاضي - قد بلغه أن الذين يشهدون عليه بنحو ذلك كثير، فتوجه إلى منزله وأحضر المذكور فادعى عليه أن له مدة طويلة يمر بالشوارع ويصرح بسب النبي ﷺ وبالسب في الصحابة وينظر إلى السماء ويتكلم بكلمات تؤدي إلى الزندقة، فأنكر فشهد عليه شاهدان أنه قال لفظاً بالتركي يقتضي سب البارئ سبحانه السب الفاحش، وزاد أحدهما أنه سب أبا بكر، وشهد آخر أنه قيل له: ترض عن أبي بكر، فقال: أبو بكر سكم ومحمدكم، وشهد آخر أنه سمعه مراراً يصرح بسب أبي بكر ويقول عنه: كلب، وشهد آخر أنه طلب منه شيئاً فقال: ما معي إلا أربعة أفلس، فقال: هاتهم فهم عندي خير ن أربعين نبياً أو أربعين ألف نبي - شك الشاهد، وشهد آخر أنه سمعه يشير إلى الماسء ويقول بلفظ غير عربي ما يقتضي السب الصريح، ثم أعيدت شهادة الذين شهدوا أمس، فاعذر إلى المدعي عليه فقال: لا اعرف أحداً منهم ولابيني وبين أحد منهم عداوة، ثم حضر شاهد آخر فشهد عليه أنه سمع منه لفظاً فاحشاً بغير العربي مدلوله سب البارئ بما هو أشنع وأبشع مما تقدم؛ فعند ذلك أمر به إلى السجن فسمعه شاهدان من الناس يتلو قوله تعالى: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن، نطق بها بالتاء المثناة المفتوحة بدل النون، وحضر شاهد آخر في صبيحة يوم
стр. 3110
الأربعاء حادي عشره فشهد أنه مسعه يسب البارئ وغالب المسلمين سباً فاحشاً بغير اللسان العربي، وانه يعرف اللغة التي نطق بها، ومدلول الألفاظ السب الفاحش؛ فسئل حينئذ القاضي الحكم فيه فتأمل جميع ما قامت به البينة فرأى أنها لا تصدر من صحيح الإيمان بل من غير متمسك بملة من الملل وأنه بذلك يستحق إراقة دمه وعد قبول توبته، فأمر بإراقة دمه هدراً عالماً بالخلاف، فلما تكامل ذلك أركبه جملاً وأمر أن يطوف به الشوارع التي كان يعلن فيها بما تقدم ذكر، فلما وصل الرميلة أمر السلطان بضرب عنقه هناك فضربت.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشري شهر ربيع الآخر تأخر القاضي كمال الدين كاتب السر عن الخدمة بسبب تغيظ السلطان عليه في يوم الاثنين من أجل امرأة تظلمت من وقف عليها بدمشق استبدل في غيبتها، ثم حضرت إلى دمشق بعد مدة طويلة فرفعت الأمر لأحد نواب الحكم فحكم لها باسترجاعه، فأمر السلطان كاتب السر أن يكتب لها بتسليم الوقف، فتأمل ما بيدها فوجده لا نيفذ تسليهما ذلك فتباطأ في كتابة المرسوم، فلما سأله عن سبب البطوء قال: ليس معها حق، فغضب
стр. 3111
عليه وانزعج عليه، فنزل داره - وراسل يستعفي، ثم في يوم الأربعاء خلع عليه جبة وركب معه جماعة واستمر، وكان ذلك يوم الأربعاء رابع عشري شهر ربيع الأول سنة ٨٤٤، فاجتمع فيه خمس أربعا آت والثمانمائة يشتمل على أربع مائتين وهي آخر أربعاء في الشهر؛ وإنما ذكرت ذلك لما فيه من الرد على من يتعانى التشاؤم.
شهر ربيع الآخر - أوله الثلاثاء، في يوم الاثنين السابع منه أعيد القاضي بدر الدين العينتابي إلى وظيفيته الحسبة عوضاً عن الأمير تنم وركب في جمع كثير، فأظهر العوام الفرح به، ونودي من جهته بإبطال ما أحدث على الباعة من الجمع وغيرها، فكثر الدعاء له.
وفي يوم السبت سادس عشرين وصل رسول ملك الشرق شاه رخ ابن اللنك، وكان الخبر بوصوله وصل قبل ذلك، وأنزل في بيت جمال الدين الأستادار بين القصرين، وزينب البلد لذلك زينة عامة في جميع الحارات، وبالغوا في ذلك أعظم من زينة المحمل، ثم أحضر الرسول يوم الاثنين وقرئ الكتاب الواصل صحبته بالقصر الكبير بمحضر من الامراء والقضاة والمباشرين، ومحصله الجواب عن الكتاب الواصل إليه والسرور به وقبول الهدية وتجهيز هدية صحبة الرسول المذكور، وعرضت في القصر على رؤوس أربعين من الحمالين في الأقفاص، ثم أمرهم السلطان
стр. 3112
بعد ذلك برفع الزينة بعد أن كان أشيع أنها تقيم شهراً وأكثر، والسبب في رفعها ما اشتهر من المفاسد التي تقع في الحوانيت وغيرها في الليل.
وفي هذا الشهر نازل إينال الحسني الذي كان أمير المدينة ومعه جمع كثير من العربان المدينة، فخرج إليه أميرها سليمان ومعه جمع قليل، فحصل النصر للفئة القليلة، وقيل: كان قصد إينال نهب المدينة فخذل وانهزم ورجع سليمان منصوراً.
شهر جمادى الأولى - أوله الثلاثاء بالرؤية، ووافق الشهر القبطي بابة.
وفي الثامن منه مات ولد الرسول الذي مات أبوه - بغزة وكانت له جنازة حافلة حضرها كبار الأمراء والمباشرين.
وفي ليلة الجمعة قرئت عند قبره ختمة واحتفل السلطان بسبب ذلك، ثم حضر الرسول الذي بقي، وعمل له ضيافة حافلة وخلع عليه خلعة هائلة، وذلك في الثاني عشر، وأمر الأمراء أن يضيفوه كل يوم واحداً بعد واحد، فبدأ الأمير الكبير ثم ولد السلطان.
وفي يوم الثلاثاء الثاني والعشرين منه قدم المجاهدون من بحر الفرنج وكانوا أرسلوا على رودس وراسلوا صاحبها بكتاب من السلطان، فجاءهم من أنذرهم أن الفرنج أرادوا أن يبيتوهم، فخرجوا من الساحل فأحاطوا بهم فقاتلوهم إلى الليل، فهبت ريح شديدة ومطر فأفرجت لهم، فساروا
стр. 3113
كما هم إلى أن مروا على بعض سواحل البلد فرأوا في طرفها معصرة قصب سكر، فنزلوا عليها، فنهبوا ما فيها وأسروا من وجدوه من المزارعين وغيرهم، ورضوا بهذه الغنيمة التافهة، ونجوا بأنفسهم بعد أن قتل منهم نحو الأربعين وجرح جماعة، ولم يظفروا بما خرجوا بسببه - ولله الإرادة يفعل ما يشاء وينصر من يشاء.
وفي هذا الشهر بطوله كان الحر مستمراً، ووافق شهر بابة من أشهر القبط، ولم يعهد ذلك حتى كان الحر فيه اشد مما كان في الذي قبله وهو - توت، وثبت النيل ثباتاً عظيماً، فلم ينقص في طول هذا الشهر سوى نحو الذراع ثم اخذ في النقص، واستمر الحر في هاتور، فلم يكن فيه من أوله إلى آخره البرد المعهود إلا اليسير. وأواخره دخل كيهك يوم الأحد ثاني رجب والأمر على حاله إلا أنه في صبيحته وقع برد وليس بالشديد وظهر الزرع، ثم وقع البرد في أول يوم من فصل البرد وهو عند نزول الشمس القوس واستمر، ثم تزايد هبوب الريح المريسية واشتد التأذي بها حتى وقع في أوائل طوبة الذي يسمى الصقيع، فأفسد كثيراً من الزروع كالقصب والفول والبرسيم. فلما كان في الرابع عشر من شعبان وهو الثالث عشر من طوبة وقع مطر رقيق من طلوع الفجر إلى آخر النهار فوقع الزلق والوحل.
جمادى الآخرة - أوله الجمعة، في أوله شرع النيل في النقص، وشرع الناس في الزرع.
стр. 3114
وفي الثاني منه أحضر شهاب الدين أحمد بن يوسف الكوراني مجلس السلطان بحضرة القاضي الحنفي والمحتسب، فعزز بالضرب تحت رجليه بعد أن كان السلطان أمر أن يضرب عرياناً فشفع فيه الحنفي فضرب خمسة وسبعين عصاً، وأمر بنفيه فأخرج في الحال إلى التربة، وكان السبب في ذلك أن شخصاً يقال له حميد الدين ابن تاج الدين الفرغناني قدم من دمشق يطلب وظيفة بدمشق، فكتب له السلطان بها فتوجه إلى دمشق، فوقف في طريقه القاضي الحنفي وهو شمس الدين الصفدي فرجع ساخطاً، فذكر للسلطان أن الحنفي وقع في حق أمهات المؤمنين وقص قصة شنيعة فبدر الكوراني بالإنكار عليه، وهذا الكوراني كان قدم علينا من نحو
стр. 3115
عشر سنين طالب علم وهو في غاية القلة، فقرأ علي البخاري ودار على بعض الشيوخ، وتردد إلى كاتب السر البارزي فاتفق حضور كتاب من بلاد العجم فاستقرأه إياه، فأجاد في تعريبه فقربه إلى السلطان فقرر له راتباً، وترقى بعد ذلك إلى أن صار في هذه الدولة عيناً لكاتب السر عند السلطان، فصار يجالس السلطان في كل يوم - من أول النهار إلى قرب الظهر لا ينقطع، وعظم قدره في أعين الناس على العادة بالوهم وثقل في نفس الأمر على السلطان وهو مطبوع على الاحتمال.
فلما أنكر على حميد الدين اتفق حضورهما عند كاتب السر فتقاولا في ذلك فقال له حميد الدين: أنت حمار ما تفهم فأجابه بان الحمار أنت وأبوك وأجدادك وأسلافك وكان في المجلس جماعة، منهم بدر الدين محمود بن عبيد الله، وكان قد سعى في قضاء دمشق عقب إينال الجكمي، وغضب السلطان على القضاة الذين وافقوه على الخلاف، ومنهم الصفدي فعزل الشافعي لذلك وولي بهاء الدين ابن حجي، فطمع ابن عبيد الله أن يعزل الصفدي فسعى في ذلك فتوقفوا في قضيته، وبالغ فيها الكوراني المذكور، فبادر حميد الدين بالشكوى إلى السلطان واستشهد بابن عبيد الله، فشهد له - بأن الكوراني قال له، ولم يذكر ما بدا به حميد الدين.
وكان تاج الدين والد هذا يدعى أنه من ذرية الإمام أبي حنيفة
стр. 3116
وأملى لنفسه نسباً إلى يوسف بن أبي حنيفة، يعرف من له أدنى ممارسة بالأخبار تلفقه، فكتبه عنه الشيخ تقي الدين المقريزي، فطلب السلطان شاهداً آخر فأحضروا آخر فلم يشهد بشيء فسكنت القضية، وصعد الكوراني على عادته فبالغ في التنصل، فدار حميد الدين على أعيان الحنفية فقال لهم: هذا الرجل قد سب أبا حنيفة لأنه من أسلافي وهو يعرف أنني من ذريته، وكان مرة استأذن له على السلطان فقال له: إن ابن أبي حنيفة بالباب - إلى غير ذلك، فتعصبوا له ودار معه ابن عبيد الله، فدبروا أمرهم إلى أن ظهر لهم أن يكيدوه بقاصد ملك الشرق فاجتمعوا به، فوجدوا فقهيه في غاية الحنق من الكوراني، لأنه كان اجتمع به أول ما قدموا فحصلت له منه إساءة ثم لما أضافهم السلطان عنده بدت من الكوراني في حقه إساءة أخرى، فانتصف هو منه بحضرة السلطان إدلالاً عليه لكونه في ضيافته، وما استطاع الكوراني بنتصف فانضاف حقد هذا الفقيه على الكوراني إلى ما عنده من شدة العصبية للحنفية، فطلع إلى السلطان فشنع على الكوراني، وكان فيما قال إن الخبر إذا وصل إلى ملك الشرق مع شدة اعتقاده في أبي حنيفة يتغير خاطره وينسبكم إلى التعصب على الإمام، فحرك عنده ساكناً كامناً فأمر بطلبه في الحال وأمر بسجنه في البرج، وأرسل إلى القضاة أن يعقدوا له مجلساً، فاجتمعوا في صبيحة الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الاولى، فآل الأمر
стр. 3117
إلى أن وقعت الدعوى عليه عند القاضي الحنفي، فأمر بنزوله معه إلى منزله فانزل ماشياً، فشهد عليه ابن عبيد الله وانضاف إليه بدر الدين محمد ابن حسن التنسي وهو من الشهود بالقاهرة، وهو ابن أخت القاضي - بدر الدين بن الأمانة، وهو مشهور بالتجوز في شهادة الزور، ولكن كان كاتب السر قربه وأدناه وسافر به معه إلى دمشق، فحصل به مقاصد كثيرة وتمول هو بجاه كاتب السر وعاد -، فكانت له في بابه حركات كثيرة، والناس منه في حنق شديد القضاة ومن دونهم، فاتفق أنه كان عنده من الكوراني كمين فذهب وشهد عليه، فأرسل كاتب السر يعلم الحنفي أن القضاة لا تقبل التنسي، فاتفق حضور بعض الأطباء وهو ابن أخت شمس الدين ابن عفيف الذي قتله الاشرف في أواخر عمره فذكر أنه كان دخل لكاتب السر في ضرورة فسمع الكائنة فشهد بها، فاجتمعوا يوم السبت المذكور وكان ما كان.
وفيه قدم نائب الشام جلبان وقدم تقدمة كبيرة مع ثمانين جمالاً.
وخلع عليه مراراً، وأعيد إلى بلده على وظيفته، فسار قبله بأيام قاضي الشام الحنفي مطلوباً بسبب ما نقل عنه حميد الدين المذكور في كائنة الكوراني، فإنه نقل عنه أنه سئل عن الحكمة في طواف النبي ﷺ على النساء في ليلة واحدة، فأجاب بأنه فعل ذلك ليعفهن عن الزنا،
стр. 3118
فاستبشع هذا اللفظ وغضب السلطان وأمر بإحضاره، فوصل إليه البريدي فأغرمه مائتي دينار وتكلف شيئاً آخر حتى وصل وشفع له نائب الشام وجماعة أن يسلم على السلطان وكان أمر أن يكتب إلى الشام بكتابة الواقعة وأن كل من سمعها يكتب خطه بما سمع، فامتنع السلطان من الإذن له وصمم على أنه لا يأذن له إلا إذا عاد الجواب وظهرت براءة ساحته.
رجب الفرد الحرام - أوله السبت، في التاسع عشر منه عقد مجلس بحضرة السلطان وادعى حميد الدين النعماني على القاضي شمس الدين الصفدي محمد بن علي بن عمر قاضي الحنفية بدمشق أنه قال في مجلس من المجالس أنا ما اتقيد بمذهب أبي حنيفة بل أحكم تارة بمذهب الشافعي وتارة بمذهب مالك وتارة بمذهب أحمد، وأن علماء مذهبه أفتوا بأن هذا تلاعب وأن الحكم بذلك لا يصح، فأجاب بأنني ما أردت إلا أنني أتبع مقالة أبي يوسف تارة ومقالة محمد تارة وغيرهما من علماء المذهب؛ فقال المدعي: هذا الجواب لا يطابق الدعوى وانتصرت للصفدي وقلت له -: بل يطابق إذا أراد أن الرواية التي عن أبي يوسف توافق
стр. 3119
مذهب الشافعي مثلاً والرواية عن محمد توافق مذهب مالك مثلاً، فلا يلزم من ذلك أنه يخرج عن مذهب الحنفية، والقاضي الذي يوليه السلطان في هذه الأزمان على قاعدة ن تقدمه ومن تقدم كانوا منهم العالم المتأهل للترجيح وهذه طريقته وغيره المقلد الصرف، والصفدي المذكور من أهل العلم فلا ينكر عليه أن يعمل بما رجح عنده، وكثر اللغط إلى أن قال السلطان على طريق التنزل: لو ثبت عليه شيء ما كان يجب عليه أكثر من التعزير وقد عزز بإحضاره من دمشق إلى هنا؛ وانفصل المجلس على ذلك.
وفي العشر الوسط صرح السلطان بعزل الحمصي عن قضاء دمشق وعين الونائي، فتوقف وذكر أنه شرع في تدريس كتاب وسأل المهلة إلى أن يختمه في آخر رمضان فاجيب، ثم طلب إعادة ما خرج من
стр. 3120
وظائف القاضي الشافعي فأجيب، ثم استشعر بان ذلك لا يتم فاستعفى وأقام، وأدير المحمل في الثالث عشر من الشهر وكان حافلاً. وأبطل النفط الذي كان يعمل بالرميلة.
شهر - رمضان المعظم قدره وحرمته - أوله الثلاثاء يرؤية عدد قليل ثم كثر من يقول إنه رآه.
شوال المبارك - أوله الخميس، في الرابع عشر منه توجه القاضي الشافعي ونائب القلعة وهو تغري برمش الفقيه إلى الدير الذي نبه عليه في حوادث شعبان في ترجمة جوهر وهو بساتين الوزير لما رفعت إلى السلطان قصة بأنه أحدث فيه أبنية مشيدة فأمرهما بكشفه وعمل ما يقتضيه حكم الشرع، فتوجها في طائفة من الناس فإذا فيه جماعة من الجيوش، ووجدوا النصارى قد بالغوا في تحصينه، وجددوا أمام الباب حوشاً كبيراً دوره بذراع العمل من ثلاث جوانب نحو الستين ذراعاً بالحجر الأبيض، واعتلوا بأن اللصوص قد تهجم عليه، فظهرت معذرتهم في التشييد لا في المحدث، فأمروا بإزالته وإبقاء الترميم؛ وذكر بعض - من جاورهم أن جاههم انخفض بموت الخازندار وأن قريبه بعد وفاته تسحب، فلما كان يوم الثلاثاء سابع عشر الشهر المذكور توجه
следующие страницы →