← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 26006

الاختلاط بين الرجال والنساء

شحاتة صقر

Полный текст (664 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يُقتل به مسلم، على جواز بيعه في فتنة بين المسلمين يقتل بعضهم بعضها! ولا يخفى على عاقل متجرّد من الهوى، أن الاختلاط ـ من القسم الثاني ـ مُفْضٍ إلى فساد عريض، وها هي المجتمعات التي ينتشر فيها هذا الاختلاط، تعاني ما تعانيه من الآثار المدمّرة لانتشار الزنى، والعلاقات المحرمة بين الجنسين. هذا، مع أنه من الناس من يكون في حال الضرورة، فيباح له، أوْ لها، الدراسة أو العمل في أماكن مختلطة، على قدر الضرورة، وهذه الإباحة الطارئة، لاتدلّ على جواز إنشاء الاختلاط المفضي إلى الفتنة ابتداءً، كما أن القاعدة الفقهية التي تنص على أن حكم التبع، يختلف عن حكم الاستقلال، وحكم الدوام يختلف عن حكم الابتداء، يجري العمل بها هنا أيضا، والله أعلم (١).

стр. 107

القاعدة الخامسة: من قواعد الشريعة: أن الوسائل لها أحكام المقاصد. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «الوسائل لها أحكام المقاصد؛ فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها» (١). ويوضح هذه القاعدة الإمام ابن القيم ﵀ حيث يقول: «لَمَّا كَانَتْ الْمَقَاصِدُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِأَسْبَابٍ وَطُرُقٍ تُفْضِي إلَيْهَا كَانَتْ طُرُقُهَا وَأَسْبَابُهَا تَابِعَةً لَهَا مُعْتَبَرَةً بِهَا، فَوَسَائِلُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَعَاصِي فِي كَرَاهَتِهَا وَالْمَنْعِ مِنْهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَاتِهَا وَارْتِبَاطَاتِهَا بِهَا، وَوَسَائِلُ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ فِي مَحَبَّتِهَا وَالْإِذْنِ فِيهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَتِهَا؛ فَوَسِيلَةُ الْمَقْصُودِ تَابِعَةٌ لِلْمَقْصُودِ، وَكِلَاهُمَا مَقْصُودٌ، لَكِنَّهُ مَقْصُودٌ قَصْدَ الْغَايَاتِ، وَهِيَ مَقْصُودَةٌ قَصْدَ الْوَسَائِلِ؛ فَإِذَا حَرَّمَ الرَّبُّ تَعَالَى شَيْئًا وَلَهُ طُرُقٌ وَوَسَائِلُ تُفْضِي إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُهَا وَيَمْنَعُ مِنْهَا، تَحْقِيقًا لِتَحْرِيمِهِ، وَتَثْبِيتًا لَهُ، وَمَنْعًا أَنْ يُقْرَبَ حِمَاهُ، وَلَوْ أَبَاحَ الْوَسَائِلَ وَالذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّحْرِيمِ، وَإِغْرَاءً لِلنُّفُوسِ بِهِ، وَحِكْمَتُهُ تَعَالَى وَعِلْمُهُ يَأْبَى ذَلِكَ كُلَّ الْإِبَاءِ، بَلْ سِيَاسَةُ مُلُوكِ الدُّنْيَا تَأْبَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ إذَا مَنَعَ جُنْدَهُ أَوْ رَعِيَّتَهُ أَوْ أَهْلَ بَيْتِهِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَبَاحَ لَهُمْ الطُّرُقَ وَالْأَسْبَابَ وَالذَّرَائِعَ الْمُوَصِّلَةَ إلَيْهِ لَعُدَّ مُتَنَاقِضًا، وَلَحَصَلَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَجُنْدِهِ ضِدُّ مَقْصُودِهِ. وَكَذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ إذَا أَرَادُوا حَسْمَ الدَّاءِ مَنَعُوا صَاحِبَهُ مِنْ الطُّرُقِ وَالذَّرَائِعِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَسَدَ عَلَيْهِمْ مَا يَرُومُونَ إصْلَاحَهُ. فَمَا الظَّنُّ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ الَّتِي هِيَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْكَمَالِ؟ وَمَنْ تَأَمَّلَ مَصَادِرَهَا وَمَوَارِدَهَا عَلِمَ أَنَّ اللهَ ـ تَعَالَى ـ

стр. 108

وَرَسُولَهُ سَدَّ الذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَى الْمَحَارِمِ بِأَنْ حَرَّمَهَا وَنَهَى عَنْهَا» (١). فكل ما يُفْضِي إلى المحارم فهو محرم، ولهذا حرَّم الله سب آلهة المشركين مع ما فيه من المصلحة. ومعلوم ما يترتب على الاختلاط، وما يُفْضِي إليه من المفاسد الكبيرة وهي واضحة في تلك المجتمعات التي وقعت في الاختلاط، ولا ينكرها إلا مكابر، فالمنصف من نفسه المتجرد للحق يجد التذمر والتحسر على انفلات المرأة وتفكك الأسر والمجتمع، والسعيد مَنْ وُعِظَ بغيره (٢).

стр. 109

أقوال أهل العلم والدعاة في الاختلاط بين الجنسين لقد تتابع أهل العلم والدعاة في التحذير من الاختلاط عامة ومن الاختلاط في التعليم خاصة، وذكروا النصوص الشرعية المانعة منه ومن آثاره الخطيرة على الجوانب الدينية والتعليمية لدى الطالب والطالبة. الإجماع: قال الشيخ عبد العزيز الطريفي: «لا يُعلَمُ عالمٌ على مَرِّ قرون الإسلام الخمسة عشر قال بجواز الاختلاط في المجالس والتعليم والعمل، ... وتَحَصَّلَ لي أكثر من مائة عالم وفقيه عبر تلك القرون يقطعون بعدم الترخيص فيه، بل رأيت منهم من يُسقِطُ عدالةَ فاعلهِ، بل وقوامته على الأعراض. قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله العامري ـ وهو من علماء القرن السادس ـ في كتابه (أحكام النظر)» (١).: «اتفق علماء الأمة أن من اعتقد هذه المحظورات، وإباحة امتزاج النسوان بالرجال الأجانب، فقد كفر واستحق القتل بردته، وإن اعتقَدَ تحريمَه، وفَعَلَه وأقر عليه ورضي به، فقد فسق، لايُسمعُ له قول، ولا تُقبلُ له شهادة» (٢). أقوال بعض علماء المذاهب الأربعة: أولًا: من علماء الحنفية: ١ - قال السرخسي: «وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُقَدِّمَ النِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ وَالرِّجَالَ عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَزْدَحِمُونَ فِي مَجْلِسِهِ , وَفِي اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ عِنْدَ الزَّحْمَةِ مِنْ الْفِتْنَةِ

стр. 110

وَالْقُبْحِ مَا لَا يَخْفَى، وَلَكِنْ هَذَا فِي خُصُومَةٍ يَكُونُ بَيْنَ النِّسَاءِ. فَأَمَّا الْخُصُومَةُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُقَدِّمَهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ» (١). ٢ - قال الحموي الحنفي: «وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الزِّفَافَ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ , كَمَا فِي الْفَتْح ِ. قُلْت: وَهُوَ حَرَامٌ فِي زَمَانِنَا فَضْلًا عَنْ الْكَرَاهَةِ لِأُمُورٍ لَا تَخْفَى عَلَيْك مِنْهَا اخْتِلَاطُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (٢). ٣ - وعلل ابن عابدين رد شهادة من خرج للفُرْجَة على قدوم أمير بقوله: «لِمَا تشتمل عليه من منكرات، ومن اختلاط الرجال بالنساء» (٣). ٤ - قال الخادمي في الآفَةِ السِّتّينَ من آفَاتِ اللِّسَانِ: «الْإِذْنُ وَالْإِجَازَةُ فِيمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ كَإِذْنِ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى غَيْرِ مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ بِالْجَوَازِ ـ ثم عدها سبعًا ـ وقال: «وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ ـ مِنْ زِيَارَةِ الْأَجَانِبِ وَعِيَادَتِهِمْ وَالْوَلِيمَةِ ـ لَا يَأْذَنُ لَهَا، وَلَا تَخْرُجُ، وَلَوْ أَذِنَ وَخَرَجَتْ كَانَا عَاصِيَيْنِ» (٤). ثانيًا: من علماء المالكية: ٥ - قال القاضي عياض ﵀: «فَقَدْ أَمَرَنَا بِالْمُبَاعَدَةِ مِنْ أَنْفَاس الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَكَانَتْ عَادَته ﵌ مُبَاعَدَتهنَّ لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّته» (٥).

стр. 111

٦ - وقد نقل أئمة المالكية؛ كابن فرحون، وابن زيد البرناسي، وأحمد القرافي، أنه لا يُخْتَلَفُ في المذهب في عدم قبول شهادة من يحضرون الأعراس التي يمتزج فيها الرجال بالنساء؛ لأن بحضورهم في هذه المواضع تسقط عدالتهم (١). ٧ - قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي في رسالته المشهورة: «وَلْتُجِبْ إذَا دُعِيت إلَى وَلِيمَةِ الْمُعْرِسِ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَهْوٌ مَشْهُورٌ وَلَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ». قال النفراوي في شرحه (الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني): «(وَلَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ) أَيْ مَشْهُورٌ ظَاهِرٌ , كَاخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ» (٢). ٨ - قال أبو محمد الأندلسي القحطاني المالكي (٣): إنَّ الرجالَ الناظرينَ إلى النِّسَا ... مِثْلُ السباعِ تطوفُ باللحمان إنْ لم تَصُنْ تلكَ اللحومَ أسُودُها ... أُكِلَتْ بِلا عِوَضٍ ولا أثمانِ (٤) ثالثًا: من علماء الشافعية: ٩ - قال الإمام البيهقي: «فدخل في جملة ذلك (٥) أن يحمي الرجل امرأته وبنته من مخالطة الرجال ومحادثتهم والخلوة بهم» (٦). ١٠ - قال الإمام الماوَرْدِيّ ﵀ يُعَرِّف الدَيُّوث: «هو الذي يجمع بين الرجال

стр. 112

والنساء، سمي بذلك لأنه يَدُثُّ بينهم» (١). ١١ - قال أبو إسحاق الشيرازي: «وَلَا تَجِبُ (أي الجمعة) عَلَى الْمَرْأَةِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إلَّا عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مَرِيضٍ» (٢)، وَلِأَنَّهَا تَخْتَلِطُ بِالرَّجُلِ , وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ» (٣). ١٢ - قال ابن حجر الهيتمي بعد نقل كلام الشيرازي: «فتأمَّلْه تجِدْه صريحًا في حرمة الاختلاط؛ وهو كذلك لأنه مظنة الفتنة» (٤). ونقل أيضًا: «أَمَّا سَمَاعُ أَهْلِ الْوَقْتِ فَحَرَامٌ بِلَا شَكٍّ فَفِيهِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ كَاخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ» (٥). ١٣ - ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه لحديث البخاري عن عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ

стр. 113

أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ»، نقل قَوْلَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: «هَذَا الْحَدِيث عَامّ فِي النِّسَاء، إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاء خَصُّوهُ بِشُرُوطٍ: مِنْهَا أَنْ لَا تَتَطَيَّب، وَيَلْحَق بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ سَبَب الْمَنْع مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيك دَاعِيَة الشَّهْوَة كَحُسْنِ الْمَلْبَس وَالْحُلِيّ الَّذِي يَظْهَر وَالزِّينَة الْفَاخِرَة وَكَذَا الِاخْتِلَاط بِالرِّجَالِ» (١). وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري في (بَاب حَمْل الرِّجَال الْجِنَازَة دُون النِّسَاء): « ... وَقَدْ وَرَدَ مَا هُوَ أَصْرَح مِنْ هَذَا فِي مَنْعهنَّ، وَلَكِنَّهُ عَلَى غَيْر شَرْط الْمُصَنِّف، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﵌ فِي جِنَازَة، فَرَأَى نِسْوَة فَقَالَ: «أَتَحْمِلْنَهُ؟»، قُلْنَ: «لَا».قَالَ: «أَتَدْفِنَّهُ؟»، قُلْنَ: «لَا». قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَات غَيْر مَأْجُورَات». وَنَقَلَ النَّوَوِيّ فِي (شَرْح الْمُهَذَّب) أَنَّهُ لَا خِلَاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة بَيْن الْعُلَمَاء، وَالسَّبَب فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ الْجِنَازَة لَا بُدّ أَنْ يُشَيِّعهَا الرِّجَال فَلَوْ حَمَلَهَا النِّسَاء لَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَة إِلَى اِخْتِلَاطهنَّ بِالرِّجَالِ فَيُفْضِي إِلَى الْفِتْنَة» (٢). ١٤ - قال البجريمي: «اجْتِمَاعُ النَّاسِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِلدُّعَاءِ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ عَرَفَةَ , قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ ; وَكَرِهَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ ... وَقَالَ الشَّيْخُ الطُّوخِيُّ بِحُرْمَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ الْآنَ» (٣).

стр. 114

رابعًا: من علماء الحنابلة: ١٥ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد كان من سنة النبي ﵌ وسنة خلفائه التمييز بين الرجال والنساء ... ؛ لأن اختلاط أحد الصنفين بالآخر سبب الفتنة؛ فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة اختلاط النار والحطب» (١). ١٦ - قال الإمام ابن القيم ﵀: «وَلِيَّ الْأَمْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ اخْتِلَاطَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ فِي الْأَسْوَاقِ , وَالْفُرَجِ , وَمَجَامِعِ الرِّجَالِ ... وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ مُتَزَيِّنَاتٍ مُتَجَمِّلَاتٍ , وَمَنْعُهُنَّ مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي يَكُنَّ بِهَا كَاسِيَاتٍ عَارِيَّاتٍ , كَالثِّيَابِ الْوَاسِعَةِ وَالرِّقَاقِ , وَمَنْعُهُنَّ مِنْ حَدِيثِ الرِّجَالِ , فِي الطُّرُقَاتِ , وَمَنْعُ الرِّجَالِ مِنْ ذَلِكَ. وَإِنْ رَأَى وَلِيُّ الْأَمْرِ أَنْ يُفْسِدَ عَلَى الْمَرْأَةِ ـ إذَا تَجَمَّلَتْ وَتَزَيَّنَتْ وَخَرَجَتْ ـ ثِيَابَهَا بِحِبْرٍ وَنَحْوِهِ , فَقَدْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَأَصَابَ , وَهَذَا مِنْ أَدْنَى عُقُوبَتِهِنَّ الْمَالِيَّةِ. وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَرْأَةَ إذَا أَكْثَرَتْ الْخُرُوجَ مِنْ مَنْزِلِهَا , وَلَا سِيَّمَا إذَا خَرَجَتْ مُتَجَمِّلَةً , بَلْ إقْرَارُ النِّسَاءِ عَلَى ذَلِكَ إعَانَةٌ لَهُنَّ عَلَى الْإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ , وَاللهُ سَائِلٌ وَلِيَّ الْأَمْرِ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ مَنَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ النِّسَاءَ مِنْ الْمَشْيِ فِي طَرِيقِ الرِّجَالِ , وَالِاخْتِلَاطِ بِهِمْ فِي الطَّرِيقِ؛ فَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي ذَلِكَ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ تَمْكِينَ النِّسَاءِ مِنْ اخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ: أَصْلُ كُلِّ بَلِيَّةٍ وَشَرٍّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نُزُولِ الْعُقُوبَاتِ الْعَامَّةِ، كَمَا أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ فَسَادِ أُمُورِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ. وَاخْتِلَاطُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْفَوَاحِشِ وَالزِّنَا وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ الْعَامِّ , وَالطَّوَاعِينِ الْمُتَّصِلَةِ. فَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ الْعَامِّ: كَثْرَةُ الزِّنَا , بِسَبَبِ تَمْكِينِ النِّسَاءِ مِنْ اخْتِلَاطِهِنَّ

стр. 115

بِالرِّجَالِ، وَالْمَشْيِ بَيْنَهُمْ مُتَبَرِّجَاتٍ مُتَجَمِّلَاتٍ , وَلَوْ عَلِمَ أَوْلِيَاءُ الْأَمْرِ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الدُّنْيَا وَالرَّعِيَّةِ ـ قَبْلَ الدِّينِ ـ لَكَانُوا أَشَدَّ شَيْءٍ مَنْعًا لِذَلِكَ» (١). ١٧ - قال ابن الجوزي: «فأما ما أحدث القصاص من جمع النساء والرجال فإنه من البدع التي تجري فيها العجائب من اختلاط النساء بالرجال، ورفع النساء أصواتهن بالصياح والنواح إلى غير ذلك» (٢). ١٨ - وقال ابن رجب: «وإنما المشروع تميز النساء عَن الرجال جملة؛ فإن اختلاطهن بالرجال يخشى منهُ وقوع المفاسد» (٣). أقوال بعض العلماء المعاصرين: ١٩ - قال الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق ﵀: « ... وتحريم الدين لاختلاط الجنسين على النحو الذي يقع في الجامعة معروف لدى عامة المسلمين، كما عرفه الخاصة من علمائهم، وأدلة المنع واردة في الكتاب والسنّة وسيرة السلف الذين عرفوا لُبَابَ الدين، وكانوا على بصيرة من حكمته السامية ... والأحاديث الصحيحة الواردة في النهي عن اختلاط المرأة بغير محرم لها تدل بكثرتها على أن مقتَ الشريعة الغرَّاء لهذا الاختلاط شديد» (٤). ٢٠ - قال الشيخ عبد المجيد سليم، شيخ الأزهر الأسبق ﵀: «وقد ذكر العلامة ابن

стр. 116

القيم فى كتابه (الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية) فصلًا بَيَّنَ فيه أنه يجب على ولى الأمر أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء فى الأسواق ومجامع الرجال، وذكر فيه أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، ومن أعظم أسباب نزول العقوبة العامة، كما أنه من أسباب فساد الأمور العامة والخاصة وسبب لكثرة الفواحش والزنا» (١). ٢١ - وقال الشيخ عبد الرحمن الجزيري ﵀ ـ عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ـ وصاحب كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة): «جريمة الزنا من أخطر أمور الحياة كلها بل أشدها تعلقًا بنظامها ودوام سعادتها وهنائها، وتمسكها وترابطها ولذلك اهتم الشارع الحكيم بهذا الحد أكبر اهتمام صونًا للحياة المنزلية من الانهيار وحفظًا للروابط الأسرية مما يتهددها من بلاء وأطار فذَكَرَ عقابَ من لا يحفظ فرجه وبينه أعظم بيان وجعله من أشد العقوبات وأفظعها وأوجب أن لا تأخذنا شفقة ولا رحمة، وأن يشهد إقامة الحد جماعة من المؤمنين ... ثم بين ما يجب علينا أن نراعيه في حفظ الفروج وما تحتاج إليه لصيانتها من الضياع وما يجب للأبضاع من الحرمة والصون والاحتياط والمحافظة. فأمَرَنَا بغض النظر إلى الأجنبيات لأن النظر بريد الزنا، وأمرنا بصون أجساد النساء من التبذل والظهور أمام الأجانب، وحث المرأة على حفظ جسدها بالاحتشام والتستر والبعد عن مواطن الريبة وبؤر الفساد، وعن الاختلاط بالرجل الأجنبي حتى لا تقع في محرم ولا يجرها الاختلاط والتبذل إلى الوقوع في الذنب وتستوجب إقامة الحد عليها.

стр. 117

قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣). فقد خاطب الله تعالى أمهات المؤمنين ونساء النبي ﵌ ـ وهن الصالحات القانتات اللائي ترَبَّيْنَ في مدرسة النبوة، ونشَأْنَ في أعظم جامعة إسلامية، وتأدبن بأداب النبوة وتخَلَّقْنَ بأخلاق الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وقد كُنَّ لا يخْرُجْنَ مِن بيوتهن إلا لعذر شرعي كحج أو عمرة أو زيارة أبوين أو صلة أرحام أو عيادة مريض أو نحو ذلك، وإذا خرجن لا يُبدين زينتهن ولا يُظهِرْنَ شيئًا من محاسنهن ولا يلبسن ثيابًا براقة، فإذا كان الله تعالى قد أمرهن هذا الأمر وهُنَّ على هذا الحال فغيرُهُن من سائر النساء أولى أن يخشى عليهن لو خرجن ومشين في الطرقات على أعين الناس، وفيهم مَن في قلبه مرض من العصاة الفجرة والمجرمين الفسقة الذين لا يخشون الله ولا يخافونه ... واتفقت كلمة الفقهاء على أن خروج المرأة من بيتها قد يكون كبيرة. إذا تحققت منه المفسدة كخروجها متعطرة متزينة، سافرة عارية، مبدية محاسنها للرجال الأجانب كما هو حاصل في هذا الزمان مما يوجب الفتنة، ويكون الخروج من المنزل حرامًا وليس كبيرة إذا ظنت وقوع الفتنة» (١). ٢٢ - وقال الشيخ محمد متولي الشعراوي ﵀ في تفسير قول الله : ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا﴾ (القصص: ٢٣ - ٢٤). «معنا في هذه القصة أحكام ثلاثة ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أعطَتْ حكمًا،

стр. 118

و ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أعطتْ حُكْمًا، و ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أعطت حكمًا ثالثًا. وهذه الأحكام الثلاثة تُنظّم للمجتمع المسلم مسألة عمل المرأة، وما يجب علينا حينما تُضطر المرأة للعمل، فمن الحكم الأول نعلم أن سَقْي الأنعام من عمل الرجال، ومن الحكم الثاني نعلم أن المرأة لا تخرج للعمل إلا للضرورة (١)، ولا تؤدي مهمة الرجال إلا إذا عجز الرجل عن أداء هذه المهمة ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. أما الحكم الثالث فيعلم المجتمع المسلم أو حتى الإنساني إذا رأى المرأة قد خرجت للعمل فلابد أنه ليس لها رجل يقوم بهذه المهمة، فعليه أن يساعدها وأنْ يُيسِّر لها مهمتها. وأذكر أنني حينما سافرت إلى السعودية سنة ١٩٥٠ ركبتُ مع أحد الزملاء سيارته، وفي الطريق رأيتُه نزل من سيارته، وذهب إلى أحد المنازل، وكان أمامه طاولة من الخشب مُغطَّاة بقطعة من القماش، فأخذها ووضعها في السيارة، ثم سِرْنا فسألتُه عما يفعل، فقال: «من عاداتنا إذا رأيتُ مثل هذه الطاولة على باب البيت، فهي تعني أن صاحب البيت غير موجود، وأن ربة البيت قد أعدَّتْ العجين، وتريد مَنْ يخبزه فإذا مَرَّ أحدنا أخذه فخبزه، ثم أعاد الطاولة إلى مكانها». وفي قوله تعالى: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ إشارة إلى أن المرأة إذا اضْطُرَّتْ للخروج للعمل، وتوفرَتْ لها هذه الضرورة عليها أنْ تأخذَ الضرورة بقدرها، فلا تختلط بالرجال، وأنْ تعزل نفسها عن مزاحمتهم والاحتكاك بهم، وليس معنى أن الضرورة أخرجتْ المرأة لتقوم بعمل الرجال أنها أصبحتْ مثلهم، فتبيح لنفسها الاختلاط بهم». ٢٣ - قال الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الأسبق ﵀ في تفسير قول الله

стр. 119

- : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ (الأحزاب:٥٣): « ... ذكر ـ سبحانه ـ بعض الآداب التى يجب عليهم أن يلتزموها مع نساء نبيهم ﵌؛ فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:٥٣). أى: وإذا طلبتم ـ أيها المؤمنون ـ من أزواج النبى ﵌ شيئًا يتمتع به سواء أكان هذا الشئ حسيًّا كالطعام أم معنويًّا كمعرفة بعض الأحكام الشرعية. إذا سألتموهن شيئًا من ذلك فليكن سؤالكم لهن من وراء حجاب ساتر بينكم وبينهن؛ لأن سؤالكم إياهن بهذه الطريقة، أطهر لقلوبكم وقلوبهن، وأبعد عن الوقوع فى الهواجس الشيطانية التى قد تتولد عن مشاهدتكم لهن، ومشاهدتهن لكم. وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة التى تسمى بآية الحجاب، جملة من الأحكام والآداب منها: ١ - وجوب الاستئذان عند دخول البيوت لتناول طعام، ووجوب الخروج بعد تناوله إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو للبقاء، كما أن من الواجب الحضور إلى الطعام فى الوقت المناسب له، وليس قبله انتظارا لنضجه وتقديمه. ٢ - حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء سواء أكان ذلك فى الطعام أم فى غيره، فقد

стр. 120

أمر ـ سبحانه ـ المؤمنين، إذا سألوا أزواج النبى ﵌ شيئًا أن يسألوهن من وراء حجاب، وعلل ذلك بأن سؤالهن بهذه الطريقة، يؤدى إلى طهارة القلوب، وعفة النفوس، والبعد عن الريبة وخواطر السوء. وحكم نساء المؤمنين فى ذلك كحكم أمهات المؤمنين، لأن قوله ـ سبحانه ـ ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ علة عامة تدل على تعميم الحكم، إذ جميع الرجال والنساء فى كل زمان ومكان فى حاجة إلى ما هو أطهر للقلوب، وأعف للنفوس. قال بعض العلماء ما ملخصه: وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من العقلاء، إن غير ازواج النبى ﵌ لا حاجة بهن إلى أطهرية قلوبهن، وقلوب الرجال من الريبة منهن. فالجملة الكريمة فيها الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام فى جميع النساء. لا خاص بأمهات المؤمنين، وإن كان أصل اللفظ خاصًّا بهن، لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه. ٣ - كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أنه لا يجوز للرجل الأجنبى أن يصافح امرأة أجنبية عنه، ولا يجوز له أن يمس شئٌ مِن بدنه شيئًا مِن بدنها. والدليل على ذلك أن النبى ﵌ ثبت عنه أنه قال: «إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ» (١). والله ـ تعالى ـ يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب:٢١)، فيلزمنا أن لا نصافح النساء الأجنبيات اقتداء به ﵌» (٢).

стр. 121

٢٤ - قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية: «اختلاط الطلاب بالطالبات، والمدرسين بالمدرسات في دور التعليم محرم لما يفضي إليه من الفتنة وإثارة الشهوة والوقوع في الفاحشة، ويتضاعف الإثم، وتعظم الجريمة، إذا كشفت المدرسات أو التلميذات شيئًا من عوراتهن، أو لبسْنَ ملابس شفافة تشفُّ عما وراءها، أو لبسْنَ ملابس ضيقة تحدد أعضاءهن، أو داعَبْن الطلاب أو الأساتذة ومَزَحْنَ معهم أو نحو ذلك مما يُفضي إلى انتهاك الحرمات والفوضى في الأعراض» (١). ٢٥ - وي قول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ـ مفتي السعودية سابقًا ـ ﵀: «إن الدعوة إلى نزول المرأة للعمل في ميدان الرجل المؤدي إلى الاختلاط سواء كان ذلك على جهة التصريح أو التلويح بحجة أن ذلك من مقتضيات العصر ومتطلبات الحضارة أمر خطير جدًا له تبعاته الخطيرة وثمراته المرة وعواقبه الوخيمة، رغم مصادمته للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه. والأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية وتحريم النظر إليها وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله أدلة كثيرة، قاضية بتحريم الاختلاط لأنه يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. فكيف يحصل غض البصر وحفظ الفرج، وعدم إبداء الزينة عند نزول المرأة ميدان الرجال واختلاطها معهم في الأعمال والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير. وكيف يحصل للمرأة المسلمة أن تغض بصرها وهي تسير مع الرجل الأجنبي جنبًا

стр. 122

إلى جنب بحجة أنها تشاركه في الأعمال أو تساويه في جميع ما يقوم به». (١) ٢٦ - قال الشيخ أبو الحسن الندوي ـ رئيس ندوة العلماء في الهند وعضو المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي سابقًا ـ ﵀ في كتابه (الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية): «إن اتباع أساليب الحضارة الغربية في الحياة الاجتماعية والإيمانية بمبادئ حياتها ومنهج اجتماعها يحمل نتائج بعيدة المدى، إن أوربا اليوم مصابة بالجذام الخلقي، ولا يزال جسمها يتقطع ويتعفن حتى أصبح الجو كله موبوءًا، وسبب هذا الجذام هو الإباحية الجنسية الخلقية التي تسود أوروبا اليوم، وتتخطى حدود الحيوانية والبهيمية والسبب الحقيقي لذلك هو حيرة المرأة المطلة، والتبرج المطلق، والاختلاط الذي لا حد له ولا نهاية، وإدمان الخمر. فأي بلد إسلامي سار على هذا الدرب وطرح الحشمة، وسمح بالاختلاط بجميع أنواعه، وشجع التعليم المختلط كانت نتيجته ذلك التفسخ الخلقي، والجنسي، والثورة على سائر الحدود الخلقية والدينية وفي عبارة وجيزة الجذام الخلقي الذي أشرنا إليه آنفًا، والذي أصيب به الغرب، أننا نرى معالم هذه الجذام واضحة في البلاد الإسلامية التي تحمست في تقليد الحضارة الأوروبية ورفع الحجاب، وشاع فيها الاختلاط» (٢). ٢٧ - قال الشيخ نجم الدين الواعظ ـ مفتي الديار العراقية سابقًا ﵀: «اختلاط الإناث بالذكور لا يجوِّزُه دين الإسلام ـ دين الغيرة والشهامة والمروءة

стр. 123

والإنصاف ـ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣)، وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣). فأين القرار في البيوت مع وجود هذه الكليات والجامعات التي وضع الأجنبي فيها السُمَّ في العسل، ومع هذا الاستهتار الفظيع، نعم لا يمنع الشرع تعليمها وتهذيبها بأن تؤسس لهن مدرسة لتعليم الدين والأخلاق وتعليم إدارة البيت والمنزل بلا اجتماع ولا اختلاط ولا مسامرة الحب الذي يدعيه بعض السفهاء الحب البريء. أينَ الحياءُ وأينَ الدينُ وآأسفي ... ضاع الحياء وضاعت حكمة الأُوَل فالموتُ خيرٌ لزوجٍ لمْ يَصُنْ شرفًا ... ولمْ يكُ مِثلَ الظيغَمِ البطل فإن قيل هذا الحكم خاص بأزواج النبي الطاهرات فالجواب ما قاله العلماء والمفسرون إن ما وهب لنبيِّنا ﵌ من العطايا فهو يعم مسلمي البرايا، وإن هذه الأمهات مثال الحشمة والفضيلة لهؤلاء العربيات البنات المسلمات. وإني لأعجب من العربي الأبِيّ المسلم المملوء غَيْرةً وشهامةً أن يتساهل في أمر الاختلاط بين الجنسين، وماذا يحدث عند تقارب النار مع البنزين؟ وهذا لا ينكره منصف ولو بلغ من العمر الثمانين سنة ولقد جائتنا هذه العدوى من الأجنبي: لا تربُطِ الجرباءَ حولَ صحيحةٍ ... خوفي على تلكَ الصحيحةِ تجربُ (١).

стр. 124

٢٨ - قال فضيلة الشيخ عبد القادر الخطيب رئيس جمعية رابطة العلماء في العراق سابقًا: «إن مما ابتلي به المسلمون وفشا بين الخاصة والعامة في هذا الزمان تقليد الأجانب في كثير من عاداتهم دون تمييز بين النافع منها والضار وكان النبي ﵌ يكره موافقتهم في كل أحوالهم، وكان يقول: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١)، وقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا» (٢). وهذا يفيد حرمة تقليد الأجانب فيما هو من خصائصهم. وإن اختلاط الرجال بالنساء من خصائصهم فالإثم كل الإثم على كل من يساعد على إباحة الاختلاط سواء كان في الجامعات وسائر المدارس والكليات أو في المتاجر والدوائر والمجتمعات. فالحذر الحذر أيها المسئولون مخافة أن تقعوا بمثل ما وقعنا فيه من إشاعة الرذيلة ووخامة العاقبة ولما في الاختلاط من هدم لكيان الأسر والعوائل وقد لمسنا بأيدينا ضرره وشاهدنا بأعيننا مفاسده وما وقعت فيه البلاد التي أباحت التبرج والاختلاط من محنة الانزلاق أدى إلى افتتان النساء بالرجال والرجال بالنساء مما جر إلى الزنا والأذى وانتشار الأمراض واختلاط الأنساب، وإشاعة الفاحشة بين أفراد المجتمع وكثيرًا ما أزهقت بسببه أرواح وسالت دماء تركت في قلوب المتساهلين حسرات وآلاما وندامة حيث لا ينفع الندم. فلا يصح لمسلم يغار على دينه وعرضه أن يستصغر هذه المعصية الكبرى التي بث سمومها أعداء الإسلام؛ فالحذر من جرثومة الاختلاط أيها المسئولون عن شؤون

стр. 125

الرعية لئلا يصيبكم ما أصاب من قبلكم من التدهور في الأخلاق والوقوع في الهوة السحيقة التي وقع فيها المتساهلون في أمر الأمة، إنها لفتنة عظيمة تجلب غضب الرب بقول النبي ﵌: «إِنَّ اللهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِىَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللهُ» (١). فإذا استهان العبد بأوامر الله وأتى ما نهى عنه أذاقه الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ (٢٥)﴾ (الأنفال:٢٥). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ (النور:١٩) (٢). ٢٩ - قال فضيلة الشيخ عبد الله القلقيلي مفتي المملكة الأردنية سابقًا: «إن اختلاط الطلاب والطالبات في الدراسة الجامعية ـ ذلك الاختلاط الذي يكون بجلوس الطالب إلى جانب الطالبة في المقاعد التي يستمع فيها الطلاب الدروس، وفي الساحات ـ والذي يتمكن فيه الطلاب من خلوة بعضهم ببعض. هذا الاختلاط مما لا يبيحه الشرع الإسلامي بل يحظره، وينكره، وذلك لما يؤدي إليه من الفساد وذهاب الفضائل وهتك الحرمات وانمحاء الآداب ومس الكرامات كما أنه يؤدي إلى امتناع الطلاب عن الدرس والجد في سبيل كسب العلوم والمعارف والانقياد إلى هوى النفس، وذلك مما لا نزاع فيه ولا ينكره إلا كل مكابر للباطل منقاد ومناصر، وإن ما كان كذلك فإن الشرع الإسلامي يمنعه ويحاربه ويمقته. كما أنه من المعلوم من الإسلام أن من قواعده سد الذرائع إلى الشرور والمفاسد،

стр. 126

ولهذا نرى أن الشريعة الحكيمة منعت الاختلاط بين النساء والرجال حتى في المساجد في حضور الجماعات فحظرت أن تقف النساء في الصلاة إلى جانب الرجال مختلطًا بعضهم ببعض. وكان الترتيب الشرعي هكذا أن الرجال يكونون خلف الإمام مباشرة ثم الصبيان ثم النساء (١). وإن الاختلاط بين الطلاب والطالبات على ما وصفنا فيه ما هو من أعظم الزلات وأكثر الآثام والمنكرات وهو ما يؤدي إلى مقارفة الفاحشات. كما أن في الاختلاط من الذرائع التي تؤدي إلى الفاحشة تكرار النظر وهو مما لا ينازع في خطره ولهذا عده النبي ﵌ من الزنى كما في الحديث: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ» (٢). وبهذا يتبين جليًّا بما أوردنا من أدلة عديدة تعطي حكمًا أن الاختلاط بين الطلاب والطالبات في الجامعات والمدارس الأخرى التي يكون الطلاب فيها في حدود المراهقين والمراهقات على ما هو معروف به وعلى غير حد، هذا الاختلاط يحظره الشرع الإسلامي وفي هذه النصوص ما يشمل كل ضروبه في الحظر والمنع كمثل النظر والملاصقة والخلوة» (٣).

стр. 127

٣٠ - قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ـ صاحب تفسير (أضواء البيان) والمدرس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سابقًا ـ ﵀: «من الغريب أن يوجد في أمة مسلمة عربية اختلاط الجنسين في الجامعات والمدارس مع أن دين الإسلام الذي شرعه خالق السموات والأرض على لسان سيد الخلق ﵌ يمنع ذلك منعًا باتًّا والشهامة العربية والغيرة الطبيعية العربية المملوءة بالأنَفَة تقتضي التباعد عن ذلك وتجنبه بتاتًا وتجنب جميع الوسائل المفضية إليه. ولا يصح لعاقل أن يشك في أن اختلاط الجنسين في غاية الشباب ونضارته وحسنه أنه أكبر وسيلة وأنجح طريق إلى انتشار الفاحشة وفشو الرذيلة بين الجنسين، ولا شك أنهما بحكم كونه زميلها وهي زميلته في الدراسة أنهما يخلوان كما يخلو الزميل بزميله في منتزهات ومواضع السباحة في الماء ومواضع مراجعة الدروس وخلوته بها طريقة إلى ارتكاب ما لا ينبغي لا ينكرها إلا مكابر والسبيل الموصلة إلى ذلك سبيل سيئة كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (الإسراء: ٣٢)؛ فصرح بأنه فاحشة وأن سبيله سيئة والفاحشة هي الخصلة التي بلغت غاية القبح والسوء. وتأملوا لِمَ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ ولم يَقُلْ، (ولا تزنوا)؛ لأن النهي عن القرب منه يستلزم التباعد من جميع الوسائل التي توصل إليه ولأن من قرب من الشيء كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ثم إذا علمتم أيها العرب المسلمون أن اختلاط إناثكم وذكوركم محرم في شرعكم بنصوص الكتاب والسنة ولا سيما في هذا الزمان الذي انعدم فيه الخوف من الله إلا ممن شاء الله وانتشرت فيه الإباحية وتقليد كفرة الإفرنج في كل انحطاط خلقي وارتكاب كل جريمة يعرف لها الجبين لأنها من موبقات العار.

стр. 128

فاعلموا أن سد الذريعة الموصلة إلى فاحشة الزنا واجب بإجماع المسلمين وقد دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة. ومعلوم أن اختلاط الجنسين في الجامعات على الحالات المعهودة في جامعات أوروبا ونحوها أنه فتح للباب على مصراعيه لذريعة الزنا كما هو مشاهد مشاهدة لا يمكن معها الجدال إلا من مكابر ولا يخفى أن مَن جعل ابنته في هذا المحيط المشار إليه وأوصاها بالصيانة والعفاف أن لسان الحال يقول له: ألقاهُ في اليَّمِّ مَكْتُوفًا وقالَ لهُ ... إيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تبْتَلَّ بالماء وأما نتاج الاختلاط من كثرة ارتكاب الجرائم وكثرة الأولاد غير الشرعيين فهو أمر لا حاجة إلى إبدائه لأنه معلوم ويكفي ما يصدر في جرائد ومجلات البلاد المتقدمة من كثرة الأولاد غير الشرعيين رغم كثرة استعمال الحبوب المضاد للحمل (١). ٣١ - وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ـ عضو هيئة كبار العلماء في السعودية وعضو المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي سابقًا ـ ﵀: «حُرِّم الاختلاط، سواء في التعليم، أم العمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة والخاصة، وغيرها؛ لما يترتب عليه من هتك الأعراض ومرض القلوب، وخطرات النفس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء، وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغيرة» (٢).

стр. 129

٣٢ - قال الشيخ محمد تقي الدين الهلالي المدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سابقًا: «يجب أن تكون مدارس الإناث مفصولة عن مدارس الذكور من روضة الأطفال إلى شهادة الدكتوراه» (١). ٣٣ - وقال الأستاذ حسن البنا ـ مؤسس جماعة (الإخوان المسلمين) ـ ﵀: * « ... قد وقف الإسلام من هذه المسألة مواقف محددة؛ فحرّم إبداء الزينة، والإسراف فيها، والخلوة والاختلاط» (٢). * «يرى الإسلام في الاختلاط بين المرأة والرجل خطرًا محققًا فهو يباعد بينهما إلا بالزواج، ولهذا فإن المجتمع الإسلامي مجتمع انفرادي لا مجتمع مشترك». * «يقول دعاة الاختلاط أن في ذلك حرمانًا للجنسين من لذة الاجتماع وحلاوة الأنس التي يجدها كل منهما في سكونه للآخر، والتي توجِد شعورًا يستتبع كثيرًا من الآداب الاجتماعية، من الرقة وحسن المعاشرة ولطف الحديث ودماثة الطبع ... ونحن نقول لهؤلاء: مع أننا لا نسلّم بما ذكرتم ... نقول لكم: إن ما يعقب لذة الاجتماع وحلاوة الأنس من ضياع الأعراض وخبث الطوايا وفساد النفوس، وتهدم البيوت، وشقاء الأسر، وبلاء الجريمة، وما يستلزم هذا من طراوة الأخلاق ولين في الرجولة لا يقف عند حد الرقة، بل هو يتجاوز ذلك إلى حد الخنوثة والرخاوة، وكل ذلك ملموس لا يماري فيه إلا مكابر.

стр. 130

كل هذه الآثار السيئة التي تترتب على الاختلاط تربو ألف مرة على ما ينتظر منه من فوائد، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة فدرء المفسدة أولى، ولا سيما إذا كانت المصلحة لا تُعَدُّ شيئًا بجانب هذا الفساد». * «يزيد الاختلاط قوة الميل، وقديمًا قيل: إن الطعام يقوى شهوة النهم ... والمرأة التي تخالط الرجال تتفنن في إبداء ضروب زينتها، ولا يرضيها إلا أن تثير في نفوسهم الإعجاب بها». * « ... ولهذا نحن نصرح بأن المجتمع الإسلامى مجتمع فردي لا زوجي، وأن للرجال مجتمعاتهم وللنساء مجتمعاتهن، ولقد أباح الإسلام للمرأة شهود العيد وحضور الجماعة، والخروج في القتال عند الضرورة الماسة، ولكنه وقف عند هذا الحد، واشترط لها شروطًا شديدة: من البعد عن كل مظاهر الزينة، ومن ستر الجسم، ومن إحاطة الثياب به، فلا تصف ولا تشف، ومن عدم الخلوة بأجنبي مهما تكن الظروف وهكذا». * «عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لأن يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ» (رواه الطبراني والبيهقي ورجال الطبراني ثقات من رجال الصحيح، كذا قال الحافظ المنذري» (١). * «ما نحن عليه ليس من الإسلام في شيء، فهذا الاختلاط بيننا في المدارس والمعاهد والمجامع والمحافل العامة، وهذا الخروج إلى الملاهي والمطاعم والحدائق، وهذا التبذل والتبرج الذي وصل إلى حد التهتك والخلاعة، كل هذه بضاعة أجنبية لا تمُتّ إلى الإسلام بأدنى صلة، ولقد كان لها في حياتنا الاجتماعية أسوأ الآثار».

стр. 131

* «يقول كثير من الناس: إن الإسلام لم يحرّم على المرأة مزاولة الأعمال العامة وليس هناك من النصوص ما يفيد هذا، فأْتوني بنصٍ يحرّم ذلك. ومثلُ هؤلاء من يقول: إن ضرب الوالدين جائز؛ لأن المنهي عنه في الآية أن يقال لهما: «أُفّ» ولا نص على الضرب. إن الإسلام يحرّم على المرأة أن تكشف عن بدنها، وأن تخلو بغيرها وأن تخالط سواها، ويحبب إليها الصلاة في بيتها، أفيقال بعد هذا: إن الإسلام لا ينص على حرمة مزاولة المرأة للأعمال العامة؟ إن الإسلام يرى أن للمرأة مهمة طبيعية أساسية هي المنزل والطفل، فهي كفتاة يجب أن تتهيأ لمستقبلها الأسرى، وهي كزوجة يجب أن تخلص لبيتها وزوجها، وهي كأم يجب أن تكون لهذا الزوج ولهؤلاء الأبناء، وأن تتفرغ لهذا البيت، فهي ربته ومدبرته وملكته، ومتى فرغت المرأة من شئون بيتها لتقوم على سواه ... ؟ وإذا كان من الضرورات الاجتماعية ما يُلْجِئُ المرأة إلى مزاولة عمل آخر غير هذه المهمة الطبيعية لها، فإن من واجبها حينئذ أن تراعي هذه الشرائط التي وضعها الإسلام لإبعاد فتنة المرأة عن الرجل وفتنة الرجل عن المرأة، ومن واجبها أن يكون عملها بقدر ضرورتها، لا أن يكون هذا نظامًا عامًا، من حق كل امرأة أن تعمل على أساسه» (١). ولقد ذكر الأستاذ حسن البنا ﵀ في رسالتَي (نحو النور والمؤتمر السادس) الذي عُقد في ٢٠ من ذي الحجة ١٣٥٩هـ قوله: «لا بد من ... منع الاختلاط بين الطلبة والطالبات». وفي مذكِّرة الإخوان للحكومة عام ١٩٣٨م طالبوا بالفصل التام بين الجنسين في دور

стр. 132

التعليم، وخصوصًا في الجامعة المصرية؛ لما ينتج عن ذلك من فسادٍ أخلاقي كبير (١). ٣٤ - وقال الشيخ سيد سابق ﵀ ـ وهو من علماء الأزهر، وكان عضوًا في جماعة (الإخوان المسلمين) منذ كان طالبًا: «يستحسن شرعًا إعلان الزواج، ليخرج بذلك عن نكاح السر المنهي عنه، وإظهارًا للفرح بما أحل الله من الطيبات. وإن ذلك عمل حقيق بأن يشتهر، ليعلمه الخاص والعام، والقريب والبعيد، وليكون دعاية تشجع الذين يؤثرون العزوبة على الزواج، فتروج سوق الزواج. والإعلان يكون بما جرت به العادة، ودرج عليه عرف كل جماعة، بشرط ألا يصحبه محظور نهى الشارع عنه كشرب الخمر، أو اختلاط الرجال بالنساء، ونحو ذلك» (٢). ٣٥ - وقال الدكتور مصطفى السباعي ـ عميد كلية الشريعة بدمشق والمراقب العام لجمعية الاخوان المسلمين بسوريا سابقًا ﵀ ـ: «لا يجيز الإسلام أن تختلط المرأة بالرجال في الحفلات العامَّة أو المنتديات ولو كانت محتشمة ... ولهذا كله يتشدد الإسلام في منع اختلاط النساء بالرجال؛ وقد قامت حضارته الزاهرة التي فاقت كل الحضارات في إنسانيتها ونبلها على الفصل بين الجنسين ولم يؤَثِّرْ هذا الفصل على تقدّم الأمة المسلمة وقيامها بدورها الحضاري الخالد في التاريخ» (٣). ٣٦ - وي قول الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم: «إن جعبة الباحثين والدارسين لظاهرة الاختلاط حافلة بالمآسي المخزية، والفضائح

стр. 133

المشينة، التي تمثل صفعة قوية في وجه كل من يجادل في الحق بعدما تبين. وإن الإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي فيها الاختلاط ناطقة بل صارخة بخطر الاختلاط على الدنيا والدين، لخصها العلامة أحمد وفيق باشا العثماني، الذي كان سريع الخاطر، حاضر الجواب عندما سأله بعض عُشَرائه من رجال السياسة في أوربا، في مجلس بإحدى تلك العواصم قائلًا: «لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن، من غير أن يخالِطْنَ الرجال، ويغْشَيْنَ مجامِعَهُم؟»، فأجابه في الحال قائلًا: «لأنهن لا يرغَبْنَ أنْ يَلِدْنَ من غيرِ أزواجهن».وكان هذا الجواب كصَبِّ ماء بارد على رأس هذا السائل، فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر» (١). ونستطيع ـ بكل قوة ـ أن نجزم بحقيقة لا مراء فيها، وهي أنك إذا وقفت على جريمة فيها نُهِش العرضُ، وذُبِح العفافُ، وأهدِرَ الشرف، ثم فتشت عن الخيوط الأولى التي نسجت الجريمة، وسهَّلت سبيلها، فإنك حتمًا ستجد أن هناك ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة التي وضعتها الشريعة الإسلامية بين الرجال والنساء. ومن خلال هذه الثغرة ... دخل الشيطان! وصدق الله العظيم: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (النساء: ٢٧ - ٢٨) (٢). ٢٦ - قال فضيلة الشيخ أحمد نصار، رئيس البعثة الأزهرية في الكويت سابقًا: «قد رأينا وسمعنا وقرأنا الكثير عن أثر الاختلاط في الجامعات الشرقية والغربية

стр. 134

على السواء، وفي المجتمعات المسلمة وغير المسلمة، وأثره في القيم الخلقية والروحية، وما بذره من بذور التمرد على المبادئ السلمية، والتحلل من كل فضيلة، وما تركه من أسمى وحسرة في نفوس كثير من الأفراد والأسر. وإذا كان الإسلام يحرم ذهاب المرأة إلى المسجد للصلاة إذا خيفت الفتنة، رغم ثيابها المسدلة، وتمسكها بالحشمة والوقار، والعزلة في المسجد عند الصلاة، فكيف ينادي في وقتنا هذا باختلاط المراهقين والشباب من الجنسين، في مرحلة التعليم الجامعي ونحوه، بحجة الحرية، والاقتصاد في النفقات، والتآلف بين الفتى والفتاة، والبعد عن التزمت والتخلف؟! فلنحذر الأفكار المستوردة التي لا تتمشى مع ديننا وأخلاقنا، ولنحكم ديننا وعقلنا في مثل تلك الأمور الخطيرة التي تُقَوِّضُ ما بقي لنا من قيم، ولنتق الله في أنفسنا، ولا ننخدع بمثل تلك الصيحات، حفاظًا على تماسك الأسرة المسلمة وشرفها، وتقدم بلادنا ونهضتنا، ورفعة الإسلام وعزته» (١).

стр. 135

أسباب انتشار التبرج والاختلاط في المجتمعات المسلمة (١) إن المتأمل في حال المجتمعات المسلمة قبل فترة معينة ما كان ليرى ذلك التبرج والسفور فقد كانت المجتمعات المسلمة مجتمعات محافظة، فكيف انتشرت فيها النساء المتبرجات وكيف انتشر الاختلاط بين الجنسين فيها؟ الجواب أن وراء ذلك أسبابًا عدة منها: أولًا: التخطيط من الأعداء: ولا يخفى على ذي لبٍّ أن العدو مهما ظهر بمسوح الديمقراطية والعدالة المزعومة، ومهما تنازل إلا أنه يعمل ويتنازل لهدف يصبو إليه؛ قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠). فالصهيونية العالمية , والماسونية , والتنصير، والإلحاد سعوا جميعًا لإفساد أمة الإسلام، وعلموا أن أسرع وأقصر طريق لذلك هو إفساد المرأة المسلمة. ثانيا: كيد العملاء: إن حرب الإسلام من أبنائه وبني جلدته ليس كحربه من اعدائه المعروفين ولذلك فقد حرص أعداء هذه الأمة على أن يحارب الإسلام ممن ينتسبون إليه.

стр. 136

وهم العلمانيون ـ دعاة تحرير المرأة وعشَّاق التغريب ـ الذين تخرجوا على أيدي أعداء هذه الأمة فصاروا يتسنَّمون مراكز التوجيه والتعليم، ويسعون خفية أو جهارًا للدعوة إلى التبرج والإختلاط. فبعض الذين تربوا في المدارس الأجنبية لم يتفهموا الإسلام، وفقدوا الغيرة الإسلامية، مما جعلهم يتمكنون، ويتجرَّؤُون على نشر الكثير من المحرمات، وإباحة الكثير من المفاسد، والتشجيع على تقليد الأجانب واتباعهم في جميع العادات والتقاليد، والانخلاع، والانسلاخ من عادات الإسلام وتقاليده وأخلاقه. ثالثًا: انتشار وسائل الإفساد في المجتمعات المسلمة حتى وصلت إلى كل بيت وفئة، وكل مدينة وقرية، من كتب ومجلات وصحف وإذاعات , وتلفاز وفيديو ومراقص ومسارح ودور اللهو والغناء وغيرها وما تشجع عليه من الاختلاط، وتحاول إقناع الناس مكرًا وادعاء بأن هذه المفاسد مصالح، وأن هذه المضار منافع، وأن هذه المحرمات مباحات، حتى شغلت الكثير من الفتيان والفتيات عن طريق الخير والرشاد. رابعًا: سوء التربية والتوجيه والتعليم: سواء من جهة الآباء لجهلهم أو غفلتهم وتفريطهم، أو من جهة المدرسة التي لا تضم الموجهين الأكفاء؛ دينًا، وعلمًا، وسلوكًا. وبسبب غفلة الآباء والأزواج والأمهات عن التوجيه والبيان، تركوا زوجاتهم وبناتهم يتخيَّرون من الأزياء الغربية والشرقية ما شاؤوا، بل وتركوا التوجيه والبيان لكل من سولت له نفسه الإفساد في هذه الأمة.

стр. 137

خامسًا: المرأة المسلمة التي جعلت دينها كالخرقة الشوهاء والثياب المرقعة فالغفلة التي تعيشها المرأة المسلمة عن دينها وواجبها جعل كل هؤلاء يطمعون فيها ليؤثروا فيها. لأنها لا تملك ما ترد به عليهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. سادسًا: تقصير كثير من أهل العلم في القيام بما أوجبه الله عليهم من الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المطلوب والمشروع إما غفلة أو تكاسلًا، حتى تُركت الواجبات والأوامر، وارتُكبَت المنهيات والنواهي. سابعًا: تَفلُّت الكثير من المسلمين من مفاهيم الإسلام وتبعاته. ثامنًا: نظرة كثير من الناس من أمتنا النظرة السطحية إلى الغرب، وأنهم المثل الأعلى.

стр. 138

من ثمار الاختلاط المرة مفاسد الاختلاط بين الرجال والنساء في العمل وغيره: إن الاختلاط بين الرجال والنساء في العمل وغيره، له آثاره السيئة، ومفاسده الواضحة، على كلٍّ من الرجل والمرأة، ومن ذلك: ١ - تعسير غضّ البصر , وتيسير زنا العين بحصول النظر المحرم، وقد أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بغض البصر. ٢ - قد يحصل فيه اللمس المحرم، ومنه المصافحة باليد، لقول رَسُولُ اللهِ ﵌: «لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ رَجُلٍ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ». (رواه الطبراني، وصححه الألباني، والْمِخْيَطُ: الإبرة). ٣ - الاختلاط قد يوقع في خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه، وهذا محرم. إن أنواع الزنا الأصغر تتحقق عند اختلاط الرجال بالنساء، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ؛ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». (رواه البخاري ومسلم، والفظ لمسلم). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «فدل ذلك على الحذر من التعلق بالنساء، لا بأصواتهن ولا بالرؤية إليهن، ولا بمسهن ولا بالسعي إليهن، ولا بهواية القلب لهن، كل ذلك من أنواع الزنى والعياذ بالله؛ فليحذر الإنسان العاقل العفيف من أن يكون في هذه الأعضاء شيء يتعلق بالنساء» (١).

стр. 139

والمختلطون بالنساء لا يكاد أحد منهم يسلم من الوقوع في هذة الأنواع أو بعضها (١). ٤ - ومن مفاسده التسبب في بلاء العشق الذي يتلف الدنيا والدين، حيث تعلق قلب الرجل بالمرأة وافتتانه بها، أو العكس، وذلك من جراء الخلطة، وطول المعاشرة. ٥ - دمار الأسر وخراب البيوت، فكم من رجل أهمل بيته، وضيع أسرته، لانشغال قلبه بزميلته في الدراسة أو العمل، وكم من امرأة ضيعت زوجها وأهملت بيتها، لنفس السبب، بل: كم من حالة طلاق وقعت بسبب العلاقة المحرمة التي أقامها الزوج أو الزوجة، وكان الاختلاط في العمل رائدها وقائدها؟ (٢). إن من الآثار المدمرة الخطيرة للاختلاط أن يفقد الزواج الطاهر قيمته في نفوس من استحوذ عليهم مرض الاختلاط، حيث يجد كلا الجنسين سبيله إلى متعة مغرية تجعله لا يفكّر بالزواج، بل تُفقِد المتزوج اهتمامه برابط الزوجية مع زوجته، فيفارقها أو تفارقه إلى اتخاذ الأخدان من الأخلاّء والخليلات، أو الطلاق والفرقة لأتفه الأسباب. قالت السيدة مفيدة عبد الرحمن ـ وهي أشهر محامية طلاق في مصر ـ: «الاختلاط أنا ضده تمامًا؛ الاختلاط مفسدة، يحدث أن تذهب الزوجة إلى عملها في حالة اكتئاب فتجد زميلها يلاطفها ويصغي إليها ويريحها، وتتكرر هذه الجلسات: مرة في الصباح مع فنجان القهوة، ومرة أثناء غداء في المكتب، ومرة ثالثة وهو يدعوها لتوصيلها بسيارته، وفي كل مرة يحدث التقارب النفسي، فالتعارف الشخصي المباشر، وتعود الزوجة تطلب الطلاق وتتزوج الآخر، وقد تجد هناءها المنشود، وقد تكتشف أنها مجرد (نزوة)، ونفس الموقف يحدث للزوج؛ إن هذا الاختلاط بهذه الصورة حيث لا

стр. 140

ضوابط جعل الطلاق أمرًا هينًا وسهلًا بعد أن كان من المستحيلات» (١). ٦ - من آثار الاختلاط ذلك التبرّج والتفنّن بإبداء الزينة والجمال، يصل الأمر إلى الخلاعة والعري من أجل إطفاء شهوة الجنس المحرمة بنص الكتاب والسنة. ٧ - ومن آثاره المدمرة انعدام الغيرة , واضمحلال الحياء , وفساد الأخلاق , قال الشيخ بكر أبوزيد: «وإذا أردت أن تعرف فضل الحجاب وستر النساء وجوههن عن الأجانب فانظر إلى حال المتحجبات، ماذا يحيط بهن من الحياء، والبعد عن مزاحمة الرجال في الأسواق، والتصون التام عن الوقوع في الرذائل، أو أن تمتد إليهن نظرات فاجر؟ وإلى حال أوليائهن: ماذا لديهم من شرف النفس والحراسة لهذه الفضائل في المحارم؟ وقارن هذا بحال المتبرجة السافرة عن وجهها التي تُقَلِّب وجهها في وجوه الرجال، وقد تساقطت منها هذه الفضائل بقدر ما لديها من سفور وتهتك، وقد ترى السافرة الفاجرة تحادث أجنبيًا فاجرًا تظن من حالهما أنهما زوجان بعقد أُشْهِد عليه أبو هريرة ﵁، ولو رآها الديوث زوجها وهي على هذه الحال، لما تحركت منه شعرة، لموات غيرته، نعوذ بالله من موت الغيرة ومن سوء المنقلب (٢). ٨ - ومن آثار الاختلاط المدمّرة اضمحلال القوى الجسدية والفكرية في شباب الأمة حين تغتالهم الشهوات المحرمة البهيمية وتسيطر عليهم الاستثارة الجنسية، ويصبح جُلّ تفكيرهم وهدفهم واهتمامهم بصور الإغراء والأدب المكشوف الهابط والموسيقى الراقصة والأغاني الماجنة في الإذاعة والفيديو والسينما والتلفزيون.

стр. 141

فيتحوّل المجتمع إلى لهو وعبث ومجون وخلاعة، وهذا بالطبع يؤدي إلى أن يورد المجتمع موارد الهلاك والدمار والعطب والفناء وفشوّ الفاحشة. ٩ - الاختلاط سبب في انتشار ما يسمى بالزواج العرفي (١): في إحصائية أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة عام ١٤٢٦ هـ ٢٠٠٦ م تم رصد عشرة آلاف حالة زواج عرفي بين مديري الشركات والسكرتيرات (٢). وكشفت دراسة حكومية مصرية أن أكثر من (١٤) ألف طفل مصري على الأقل بلا اسم ولا هوية أو نسب، ولا وجود قانوني أو رسمي، بعدما رفض آباؤهم!!! الاعتراف بهم، وأن أغلب هؤلاء الأطفال جاؤوا نتاج زواج عرفي أو غير رسمي ينكره الأب دائمًا» (٣).

стр. 142

جزء من دراسة قام بها بعض الباحثين الاجتماعيين المسلمين عن الاختلاط (١): من المواقف المحرجة التي ذكرها المشاركون في التحقيق المواقف التالية: - كنتُ في أحد أيام العمل، دخلتُ إلى القسم وكانت إحدى زميلاتي المتحجبات قد خلعت حجابها بين زميلاتها فتفاجأت بدخولي وقد انحرجتُ على إثر ذلك كثيرًا. - كان من المفروض أن أقوم بتجربة في المختبر في الجامعة وقد تغيبتُ يومها وكان عليّ أن أذهب للمختبر في اليوم التالي، لأجد نفسي الذكر الوحيد بين مجموعة من الطالبات إضافة إلى مدرّسة ومشرفة المختبر. لقد انحرجت كثيرًا وتقيّدت حركتي وأنا أحس بتلك العيون الأنثوية المستنكِرة والمحرجة تلاحقني وتتبعني. - كنتُ أحاول إخراج فوطة نسائية من أحد الأدراج؟ وتفاجأت بزميل يقف خلفي لأخذ حاجيات من درجه الخاص، لاحظ زميلي ارتباكي، فانصرف بسرعة من الغرفة متجنبًا إحراجي. - حدث لي أن اصطدمَتْ بي إحدى فتيات الجامعة عند المنعطف لأحد الممرات المزدحمة، كانت هذه الزميلة تسير بسرعة ذاهبة لإحدى المحاضرات، وعلى أثر هذا الاصطدام اختل توازنها وتلقفتها بذراعيّ وكأني أحضنها، ولكم أن تتخيلوا ما مقدار الإحراج لي ولهذه الفتاة أمام شلّة من الشباب المستهتر. - سقطت زميلة لي على سلّم المدرج في الجامعة، وتكشفت ملابسها بطريقة محرجة جدًا، وضعها المقلوب لم يسعفها بمساعدة نفسها، فما كان من أحد الشباب

стр. 143

القريبين منها إلا أن سترها وساعدها على النهوض. - أعمل في شركة، دخلتُ على مسئولي لأعطيه بعض الأوراق، وأثناء خروجي من الغرفة، ناداني المسؤول مرّة أخرى، التفَتُّ إليه فوجدته مُنَكّسًا رأسه انتظرت أن يطلب مني ملفًا ما أو المزيد من الأوراق، استغربت من تردّده، التفت إلى يسار مكتبه متظاهرًا بالانشغال، وهو يحدثني في نفس الوقت، تخيّلت أن يقول أي شيء عدا أن ينبهني هذا المسؤول بأن ملابسي متسخة بدم الحيض، هل تنشق الأرض وتبلع إنسانًا فعلًا في لحظة دعاء صادقة، لقد دعوت أن تنشق الأرض وتبلعني. ضحايا الاختلاط ... قصص واقعية (١): الأمل المفقود؟ امرأة تجاوزت الأربعين تحكي حكايتها: «عشتُ مع زوجي حياة مستورة وإن لم يكن هناك ذاك التقارب والانسجام، لم يكن زوجي تلك الشخصية القوية التي ترضي غروري كامرأة، إلا أن طيبته جعلتني أتغاضى عن كوني أتحمل الشق الأكبر من مسؤولية القرارات التي تخص عائلتي. كان زوجي كثيرًا ما يردد اسم صاحبه وشريكه في العمل على مسمعي وكثيرًا ما اجتمع به في مكتبه الخاص بالعمل الذي هو بالأصل جزء من شقتنا وذلك لسنوات عدة. إلى أن زارنا هذا الشخص هو وعائلته. وبدأتْ الزيارات العائلية تتكرر وبحكم صداقته الشديدة لزوجي لم نلاحظ كم ازداد عدد الزيارات ولا عدد ساعات الزيارة الواحدة. حتى أنه كثيرًا ما كان يأتي منفردًا ليجلس معنا أنا وزوجي الساعات الطوال. ثقة زوجي به كانت بلا حدود، ومع الأيام عرفتُ هذا الشخص عن كثب، فكم هو رائع ومحترم

стр. 144

وأخذت أشعر بميل شديد نحوه، وفي نفس الوقت شعرتُ أنه يبادلني الشعور ذاته. وأخذت الأمور تسير بعدها بطريقة عجيبة، حيث أني اكتشفت أن ذلك الشخص هو الذي أريد وهو الذي حلمت به يومًا ما ... لماذا يأتي الآن وبعد كل هذه السنين .. ؟. كان في كل مرّة يرتفع هذا الشخص في عيني درجة، ينزل زوجي من العين الأخرى درجات. وكأني كنت محتاجة أن أرى جمال شخصيته لأكتشف قبح شخصية زوجي. لم يتَعَدّ الأمر بيني وبين ذلك الشخص المحترم عن هذه الهواجس التي شغلتني ليل نهار. فلا أنا ولا هو صرّحنا بما ... في قلوبنا .. وليومي هذا ... ومع ذلك فإن حياتي انتهت. زوجي لم يعد يمثل لي سوى ذلك الإنسان الضعيف المهزوز السلبي، كرهتُه، ولا أدري كيف طفح كل ذلك البغض له، وتساءلت كيف تحملته كل هذه السنين ثقلًا على ظهري، وحدي فقط أجابِه معتركات الحياة، ساءت الأمور لدرجة أني طلبت الطلاق، نعم طلقني بناء على رغبتي، أصبح بعدها حطام رجل. الأمرّ من هذا كله أنه بعد خراب بيتي وتحطم أولادي وزوجي بطلاقي، ساءت أوضاع ذلك الرجل العائلية لأنه بفطرة الأنثى التقطت زوجته ما يدور في خفايا القلوب، وحولَتْ حياته إلى جحيم. فلقد استبدت بها الغيرة لدرجة أنها في إحدى الليالي تركتْ بيتها في الثانية صباحًا بعد منتصف الليل لتتهجم على بيتي، تصرخ وتبكي وتكيل لي الاتهامات. لقد كان بيتُه أيضًا في طريقه للانهيار. أعترف أن الجلسات الجميلة التي كنّا نعيشها معًا أتاحت لنا الفرصة لنعرف بعضنا في وقتٍ غير مناسب من هذا العمر.

стр. 145

عائلتُه تهدمت وكذلك عائلتي، خسرتُ كل شيء وأنا أعلم الآن أن ظروفي وظروفه لا تسمح باتخاذ أي خطوة إيجابية للارتباط ببعضنا، أنا الآن تعيسة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى وأبحث عن سعادة وهمية وأملٍ مفقود». واحدة بواحدة: تقول: «كان لزوجي مجموعة من الأصدقاء المتزوجين، تعودنا بحكم علاقتنا القوية بهم أن نجتمع معهم أسبوعيًا في أحد بيوتنا، للسهر والمرح. كنت بيني وبين نفسي غير مرتاحة من ذلك الجو، حيث يصاحب العشاء، والحلويات، والمكسرات، والعصائر موجات صاخبة من الضحك، بسبب النكات والطرائف التي تجاوزت حدود الأدب في كثير من الأحيان. باسم الصداقة رُفعت الكلفة لتسمع بين آونة وأخرى قهقهات مكتومة، سرية بين فلانة وزوج فلانة، كان المزاح الثقيل الذي يتطرق ـ ودون أي خجل ـ لمواضيع حساسة كالجنس وأشياء خاصة بالنساء ـ كان شيئًا عاديًا بل مستساغًا وجذابًا. برغم انخراطي معهم في مثل هذه الأمور إلا إن ضميري كان يؤنّبني إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أفصح عن قبح وحقارة تلك الأجواء. رنّ الهاتف، وإذا بي أسمع صوت أحد أصدقاء الشلّة، رحبت به واعتذرت لأن زوجي غير موجود، إلا أنه أجاب بأنه يعلم ذلك وأنه لم يتصل إلا من أجلي أنا (!) ثارت ثائرتي بعد أن عرض عليّ أن يقيم علاقة معي، أغلظت عليه بالقول وقبحته، فما كان منه إلا أن ضحك قائلًا: «بدل هذه الشهامة معي، كوني شهمة مع زوجك وراقبي ماذا يفعل».
следующие страницы →