← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 26006

الاختلاط بين الرجال والنساء

شحاتة صقر

Полный текст (664 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فيتحوّل المجتمع إلى لهو وعبث ومجون وخلاعة، وهذا بالطبع يؤدي إلى أن يورد المجتمع موارد الهلاك والدمار والعطب والفناء وفشوّ الفاحشة. ٩ - الاختلاط سبب في انتشار ما يسمى بالزواج العرفي (١): في إحصائية أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة عام ١٤٢٦ هـ ٢٠٠٦ م تم رصد عشرة آلاف حالة زواج عرفي بين مديري الشركات والسكرتيرات (٢). وكشفت دراسة حكومية مصرية أن أكثر من (١٤) ألف طفل مصري على الأقل بلا اسم ولا هوية أو نسب، ولا وجود قانوني أو رسمي، بعدما رفض آباؤهم!!! الاعتراف بهم، وأن أغلب هؤلاء الأطفال جاؤوا نتاج زواج عرفي أو غير رسمي ينكره الأب دائمًا» (٣).

стр. 142

جزء من دراسة قام بها بعض الباحثين الاجتماعيين المسلمين عن الاختلاط (١): من المواقف المحرجة التي ذكرها المشاركون في التحقيق المواقف التالية: - كنتُ في أحد أيام العمل، دخلتُ إلى القسم وكانت إحدى زميلاتي المتحجبات قد خلعت حجابها بين زميلاتها فتفاجأت بدخولي وقد انحرجتُ على إثر ذلك كثيرًا. - كان من المفروض أن أقوم بتجربة في المختبر في الجامعة وقد تغيبتُ يومها وكان عليّ أن أذهب للمختبر في اليوم التالي، لأجد نفسي الذكر الوحيد بين مجموعة من الطالبات إضافة إلى مدرّسة ومشرفة المختبر. لقد انحرجت كثيرًا وتقيّدت حركتي وأنا أحس بتلك العيون الأنثوية المستنكِرة والمحرجة تلاحقني وتتبعني. - كنتُ أحاول إخراج فوطة نسائية من أحد الأدراج؟ وتفاجأت بزميل يقف خلفي لأخذ حاجيات من درجه الخاص، لاحظ زميلي ارتباكي، فانصرف بسرعة من الغرفة متجنبًا إحراجي. - حدث لي أن اصطدمَتْ بي إحدى فتيات الجامعة عند المنعطف لأحد الممرات المزدحمة، كانت هذه الزميلة تسير بسرعة ذاهبة لإحدى المحاضرات، وعلى أثر هذا الاصطدام اختل توازنها وتلقفتها بذراعيّ وكأني أحضنها، ولكم أن تتخيلوا ما مقدار الإحراج لي ولهذه الفتاة أمام شلّة من الشباب المستهتر. - سقطت زميلة لي على سلّم المدرج في الجامعة، وتكشفت ملابسها بطريقة محرجة جدًا، وضعها المقلوب لم يسعفها بمساعدة نفسها، فما كان من أحد الشباب

стр. 143

القريبين منها إلا أن سترها وساعدها على النهوض. - أعمل في شركة، دخلتُ على مسئولي لأعطيه بعض الأوراق، وأثناء خروجي من الغرفة، ناداني المسؤول مرّة أخرى، التفَتُّ إليه فوجدته مُنَكّسًا رأسه انتظرت أن يطلب مني ملفًا ما أو المزيد من الأوراق، استغربت من تردّده، التفت إلى يسار مكتبه متظاهرًا بالانشغال، وهو يحدثني في نفس الوقت، تخيّلت أن يقول أي شيء عدا أن ينبهني هذا المسؤول بأن ملابسي متسخة بدم الحيض، هل تنشق الأرض وتبلع إنسانًا فعلًا في لحظة دعاء صادقة، لقد دعوت أن تنشق الأرض وتبلعني. ضحايا الاختلاط ... قصص واقعية (١): الأمل المفقود؟ امرأة تجاوزت الأربعين تحكي حكايتها: «عشتُ مع زوجي حياة مستورة وإن لم يكن هناك ذاك التقارب والانسجام، لم يكن زوجي تلك الشخصية القوية التي ترضي غروري كامرأة، إلا أن طيبته جعلتني أتغاضى عن كوني أتحمل الشق الأكبر من مسؤولية القرارات التي تخص عائلتي. كان زوجي كثيرًا ما يردد اسم صاحبه وشريكه في العمل على مسمعي وكثيرًا ما اجتمع به في مكتبه الخاص بالعمل الذي هو بالأصل جزء من شقتنا وذلك لسنوات عدة. إلى أن زارنا هذا الشخص هو وعائلته. وبدأتْ الزيارات العائلية تتكرر وبحكم صداقته الشديدة لزوجي لم نلاحظ كم ازداد عدد الزيارات ولا عدد ساعات الزيارة الواحدة. حتى أنه كثيرًا ما كان يأتي منفردًا ليجلس معنا أنا وزوجي الساعات الطوال. ثقة زوجي به كانت بلا حدود، ومع الأيام عرفتُ هذا الشخص عن كثب، فكم هو رائع ومحترم

стр. 144

وأخذت أشعر بميل شديد نحوه، وفي نفس الوقت شعرتُ أنه يبادلني الشعور ذاته. وأخذت الأمور تسير بعدها بطريقة عجيبة، حيث أني اكتشفت أن ذلك الشخص هو الذي أريد وهو الذي حلمت به يومًا ما ... لماذا يأتي الآن وبعد كل هذه السنين .. ؟. كان في كل مرّة يرتفع هذا الشخص في عيني درجة، ينزل زوجي من العين الأخرى درجات. وكأني كنت محتاجة أن أرى جمال شخصيته لأكتشف قبح شخصية زوجي. لم يتَعَدّ الأمر بيني وبين ذلك الشخص المحترم عن هذه الهواجس التي شغلتني ليل نهار. فلا أنا ولا هو صرّحنا بما ... في قلوبنا .. وليومي هذا ... ومع ذلك فإن حياتي انتهت. زوجي لم يعد يمثل لي سوى ذلك الإنسان الضعيف المهزوز السلبي، كرهتُه، ولا أدري كيف طفح كل ذلك البغض له، وتساءلت كيف تحملته كل هذه السنين ثقلًا على ظهري، وحدي فقط أجابِه معتركات الحياة، ساءت الأمور لدرجة أني طلبت الطلاق، نعم طلقني بناء على رغبتي، أصبح بعدها حطام رجل. الأمرّ من هذا كله أنه بعد خراب بيتي وتحطم أولادي وزوجي بطلاقي، ساءت أوضاع ذلك الرجل العائلية لأنه بفطرة الأنثى التقطت زوجته ما يدور في خفايا القلوب، وحولَتْ حياته إلى جحيم. فلقد استبدت بها الغيرة لدرجة أنها في إحدى الليالي تركتْ بيتها في الثانية صباحًا بعد منتصف الليل لتتهجم على بيتي، تصرخ وتبكي وتكيل لي الاتهامات. لقد كان بيتُه أيضًا في طريقه للانهيار. أعترف أن الجلسات الجميلة التي كنّا نعيشها معًا أتاحت لنا الفرصة لنعرف بعضنا في وقتٍ غير مناسب من هذا العمر.

стр. 145

عائلتُه تهدمت وكذلك عائلتي، خسرتُ كل شيء وأنا أعلم الآن أن ظروفي وظروفه لا تسمح باتخاذ أي خطوة إيجابية للارتباط ببعضنا، أنا الآن تعيسة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى وأبحث عن سعادة وهمية وأملٍ مفقود». واحدة بواحدة: تقول: «كان لزوجي مجموعة من الأصدقاء المتزوجين، تعودنا بحكم علاقتنا القوية بهم أن نجتمع معهم أسبوعيًا في أحد بيوتنا، للسهر والمرح. كنت بيني وبين نفسي غير مرتاحة من ذلك الجو، حيث يصاحب العشاء، والحلويات، والمكسرات، والعصائر موجات صاخبة من الضحك، بسبب النكات والطرائف التي تجاوزت حدود الأدب في كثير من الأحيان. باسم الصداقة رُفعت الكلفة لتسمع بين آونة وأخرى قهقهات مكتومة، سرية بين فلانة وزوج فلانة، كان المزاح الثقيل الذي يتطرق ـ ودون أي خجل ـ لمواضيع حساسة كالجنس وأشياء خاصة بالنساء ـ كان شيئًا عاديًا بل مستساغًا وجذابًا. برغم انخراطي معهم في مثل هذه الأمور إلا إن ضميري كان يؤنّبني إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أفصح عن قبح وحقارة تلك الأجواء. رنّ الهاتف، وإذا بي أسمع صوت أحد أصدقاء الشلّة، رحبت به واعتذرت لأن زوجي غير موجود، إلا أنه أجاب بأنه يعلم ذلك وأنه لم يتصل إلا من أجلي أنا (!) ثارت ثائرتي بعد أن عرض عليّ أن يقيم علاقة معي، أغلظت عليه بالقول وقبحته، فما كان منه إلا أن ضحك قائلًا: «بدل هذه الشهامة معي، كوني شهمة مع زوجك وراقبي ماذا يفعل».

стр. 146

حطمني هذا الكلام، لكني تماسكت وقلت في نفسي أن هذا الشخص يريد تدمير بيتي، لكنه نجح في زرع الشكوك تجاه زوجي. وخلال مدّة قصيرة كانت الطامة الكبرى، اكتشفت أن زوجي يخونني مع امرأة أخرى، كانت قضية حياة أو موت بالنسبة لي ... كاشفت زوجي وواجهته قائلة: «لست وحدك الذي تستطيع إقامة علاقات، فأنا عُرض عليّ مشروع مماثل، وقصصت عليه قصة صاحبه، فذهل لدرجة الصّدمة. إن كنت تريدني أن أتقبل علاقتك مع تلك المرأة، فهذه بتلك. صفْعَتُه زلزلت كياني وقتها، هو يعلم أني لم أكن أعني ذلك فعلًا، لكنه شعر بالمصيبة التي حلّت بحياتنا وبالجو الفاسد الذي نعيش، عانيت كثيرًا حتى ترك زوجي تلك الساقطة التي كان متعلقًا بها كما اعترف لي. نعم لقد تركها وعاد إلى بيته وأولاده ولكن من يُرجع لي زوجي في نفسي كما كان؟؟ من يعيد هيبته واحترامه وتقديره في أعماقي؟؟ وبقى هذا الجرح الكبير في قلبي الذي ينزّ ندمًا وحرقة من تلك الأجواء النتنة، بقى شاهدًا على ما يسمونه السهرات البريئة وهي في مضمونها غير بريئة، بقي يطلب الرحمة من رب العزة». الذكاء فتنة أيضًا: يقول: «أعمل كرئيس قسم في إحدى الشركات الكبيرة، منذ فترة طويلة أعجبتُ بإحدى الزميلات، ليس لجمالها، إنما لجديتها في العمل وذكائها وتفوقها، إضافة إلى أنها إنسانة محترمة جدًا، محتشمة، لا تلتفت إلا للعمل. تحوّل الإعجاب إلى تعلق، وأنا الرجل المتزوج الذي يخاف الله ولا يقطع فرضًا. صارحتُها بعاطفتي فلم ألقَ غير الصّد،

стр. 147

فهي متزوجة ولديها أبناء أيضًا، وهي لا ترى أي مبرر لإقامة أي علاقة معها وتحت أي مسمى، صداقة، زمالة، إعجاب ... الخ. يجيئني هاجس خبيث أحيانًا، ففي قرارة نفسي أتمنى أن يطلقها زوجها، لأحظى بها. صرتُ أضغط عليها في العمل وأشوه مستواها أمام مدرائي وكان ذلك ربما نوعًا من الانتقام منها، كانت تقابل ذلك برحابة صدر دون أي تذمر أو تعليق أو استنكار، كانت تعمل وتعمل، عملها فقط يتحدث عن مستواها وهي تعلم ذلك جيدًا، كان يزداد تعلقي بها في الوقت الذي يتنامى صدها لي بنفس الدرجة. أنا الذي لا افتتن بالنساء بسهولة، لأني أخاف الله فلا أتجاوز حدودي معهن خارج ما يتطلبه العمل، لكن هذه فتنتني ... ما الحل .. لست أدري ... ». قبل أن يقع الفأس في الرأس: تقول: «لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن تضطرني ظروف عملي إلى الاحتكاك بالجنس الآخر (الرجال) ولكن هذا ما حدث فعلًا. وقد كنت في بداية الأمر أحتجب عن الرجال باستخدام النقاب ولكن أشارت إليّ بعض الأخوات بأن هذا اللباس يجذب الانتباه إلى وجودي أكثر، فمن الأفضل أن أترك النقاب وخصوصًا أن عينيَّ مميزتان قليلًا، وبالفعل قمت بنزع الغطاء عن وجهي ظنًا مني أن ذلك أفضل. ولكن مع إدمان الاختلاط مع الزملاء وجدت أنني شاذة من بين الجميع من حيث جمودي والتزامي بعدم المشاركة في الحديث وتبادل (الظرافة)، وقد كان الجميع يحْذَر هذه المرأة المتوحشة (في نظرهم طبعًا)، وهذا ما بَيَّنَه أحد الأشخاص الذي أكد على أنه لا يرغب في التعامل مع شخصية متعالية ومغرورة، علمًا بأنني عكس هذا الكلام في الحقيقة.

стр. 148

فقررتُ أن لا أظلم نفسي ولا أضعها في إطار مكروه مع الزملاء فأصبحتُ أشاركهم (تبادل الظُرف)، واكتشف الجميع بأنني أمتلك قدرة كلامية عالية وقادرة على الإقناع والتأثير، كما أنني أتكلم بطريقة حازمة ولكن جذّابة في نفس الوقت لبعض الزملاء. ولم يلبث الوقت يسيرًا حتى وجدت بعض التأثر على وجه الشخص المسؤول المباشر وبعض الارتباك والاصفرار والتمتع بطريقة حديثي وحركاتي وقد كان يتعمد إثارة الموضوعات لأدخل في مناقشتها لأرى في عينيه نظرات بغيضة صفراء ولا أنكر أنني قد دخل نفسي بعض التفكير بهذا الرجل، وإن كان يعلو تفكيري الدهشة والاستغراب من سهولة وقوع الرجل في حبائل المرأة الملتزمة، فما باله إذا كانت المرأة متبرجة وتدعوه للفجور؟ حقًا لم أكن أفكر فيه بطريقة غير مشروعة ولكنه أولًا وأخيرًا قد شغل مساحة من تفكيري ولوقت غير قصير، ولكن ما لبث اعتزازي بنفسي ورفضي أن أكون شيئًا لمتعة هذا الرجل الغريب من أي نوع كانت، حتى وإن كانت لمجرد الاستمتاع المعنوي، فقد قمتُ بقطع الطريق على أي عملٍ يضطرني للجلوس معه في خلوة، وفي نهاية المطاف خرجت بحصيلة من الفوائد وهي: ١ - إن الانجذاب بين الجنسين وارد في أي وضع من الأوضاع ومهما حاول الرجل والمرأة إنكار ذلك ـ والانجذاب قد يبدأ مشروعًا وينتهي بشيء غير مشروع. ٢ - حتى وإن حصّن الإنسان نفسه، فإنه لا يأمن حبائل الشيطان. ٣ - إذا ضمن الإنسان نفسه وتعامل مع الجنس الآخر بالحدود المرسومة والمعقول فإنه لا يضمن مشاعر وأحاسيس الطرف الآخر. ٤ - وأخيرًا، إن الاختلاط لا خير فيه أبدًا وهو لا يأتي بالثمرات التي يزعمونها بل أنه يعطل التفكير السليم.

стр. 149

كانت تجلس معه ومع زوجته فاختار أن يتزوجها ويطلق زوجته: مشكلتي هي أني مقبلة على الزواج من زوج صديقة أختي، كنت أذهب إلى بيتها وأجلس معها وزوجها، وكنا نتحدث دائمًا مع بعض ولما كانت تنصحها أختي: «هذا حرام» ـ أي الاختلاط ـ استهزأتْ من أختي، وقالت لها: «أنتم متخلفون» , إلى أن تقدم زوجُها وخطبني وهو يقول إنه معجب بي من أول نظرة. ماذا لو علم زوجها ؟!!! أثناء الجماع تتخيل زميلها في العمل مكان زوجها: حدث بينها وبين زوجها بعض المشكلات البسيطة ـ كما يحدث في معظم البيوت ـ فوجدتْ المعاملة الحسنة من زميلها في العمل، فتعلقتْ به، فبدأت علاقتها مع زوجها تسوء أكثر وأكثر، لدرجة أنها تمنَّت الطلاق من زوجها، ولم تطالبه بذلك حفاظًا على أولادها، وكرهت إعطاءه حقه في الجماع، وإن حدث فإنها تتخيل أن زميلها في العمل هو الذي يجامعها، كل هذا وزميلها في العمل لا يعلم شيئًا عن تعلقها به. وأخرى: تحكي بالتفصيل لزملائها الرجال!!! ما يحدث بينها وبين زوجها أثناء الجماع . وأخرى: تنصح زميلها في العمل ـ المقبل على الزواج ـ بما ينبغي أن يفعله مع عروسه عند الدخول بها ، كل هذا بالتفصيل طبعًا، مع أنه لم يطلب منها النصيحة، وكان ـ مع أنه رجل ـ في موقفٍ سبب له إحراجًا بالغًا. من الاختلاط ما قتل: - أطلق الطالب الأمريكي (جوفوتس) والبالغ من العمر (١٩) عامًا النار على أستاذه (جيمس بونجي) داخل إحدى قاعات التدريس في مدرسة (سانتامونيكا) في كليفورنيا، فأرداه قتيلًا على الفور، وذكرت الصحيفة أن سبب ذلك: خلافًا قديمًا كان

стр. 150

قد نشب بين الطالب وأستاذه بسبب التنافس على حُبّ إحدى الطالبات!! (١). - اتُّهِم طالب في كلية الحقوق جامعة الزقازيق بمصر بمحاولة قتل زميلته لرفضها الاستجابه لحبه!!! والابتعاد عنه؛ طعنها عدة طعنات بسكين حاد في داخل الكلية؛ فأصابها إصابات خطيرة، ونقلت إلى المستشفى وتم إلقاء القبض على الطالب (٢). - تقدم والد فتاة عمرها ١٨ سنة ببلاغ إلى النيابة العامة يتهم طبيبًا بإجهاض ابنته ووفاتها بعد نقلها في حالة خطرة إلى مستشفى القصر العيني، وأمام المحكمة شهدت شقيقة المجني عليها أن شقيقتها كانت تعمل عاملة سوِتْش بعيادة أحد الأطباء المشهورين، ووطد علاقته معها منذ ستة شهور، وحملتْ برغم أنها بكر، وعندما أصبحت في الشهر الرابع توسلت إلى طبيب آخر لإجهاضها وليمنع عنها الفضيحة، فأخذ منها ثمانية جنيهات وأجرى العملية، ولكن الفتاة شعرت بآلام حادة، وعرضت حالتها على طبيب آخر، فحوَّلها للقصر العيني حيث أخرج من بطنها بقية أجزاء الجنين، وبعد ١٥ يومًا ماتت الفتاة .... » (٣). عَبْرة فيها عِبَر (٤)، واقعة تكشف واقع الاختلاط: قال الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي ﵀: «ذَهَب فُلَان إِلَى أُورُوبَّا وَمَا نُنْكِر مِنْ أَمْره شَيْئًا فَلَبِثَ فِيهَا بِضْع سِنِينَ ثُمَّ عَادَ وَمَا

стр. 151

بَقِيَ مِمَّا كُنَّا نَعْرِفهُ مِنْهُ شَيْء. ذَهَبَ بِوَجْه كَوَجْه الْعَذْرَاء لَيْلَة عُرْسهَا وَعَاد بِوَجْه كَوَجْه الصَّخْرَة الْمَلْسَاء تَحْت اللَّيْلَة الماطرة، وَذَهَبَ بِقَلْب نَقِيّ طَاهِر يَأْنَس بِالْعَفْوِ وَيَسْتَرِيح إِلَى الْعُذْر وَعَادَ بِقَلْب مدخول لَا يُفَارِقهُ السّخط عَلَى الْأَرْض وَسَاكِنهَا وَالنِّقْمَة عَلَى السَّمَاء وَخَالِقهَا، وَذَهَبَ بِنَفْس غَضَّة خَاشِعَة تَرَى كُلّ نَفْس فَوْقهَا وَعَادَ بِنَفْس ذَهَّابة نَزَّاعَة لَا تَرَى شَيْئًا فَوْقهَا وَلَا تُلْقِي نَظْرَة وَاحِدَة عَلَى مَا تَحْتهَا، وَذَهَبَ بِرَأْس مَمْلُوءَة حَكَمَا وَرَأَيَا وَعَاد بِرَأْس كَرَأْس التِّمْثَال الْمُثَقَّب لَا يَمْلَؤُهَا إِلَّا الهَوَاء الْمُتَرَدِّد، وَذَهَبَ وَمَا عَلَيَّ وَجْه الْأَرْض أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ دِينه وَعَاد وَمَا عَلَى وَجْههَا أَصْغُر فِي عَيْنه مِنْهُ. وَكُنْت أَرَى أَنَّ هَذِهِ الصُّورَة الْغَرِيبَة الَّتِي يَتَرَاءَى فِيهَا هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاء مِنْ الْفِتْيَان الْعَائِدِينَ مِنْ تِلْكَ الدِّيَار إِلَى أَوْطَانهمْ إِنَّمَا هِيَ أَصْبَاغ مُفْرَغَة عَلَى أَجْسَامهمْ إِفْرَاغًا لَا تَلْبَث أَنْ تَطلعَ عَلَيْهَا الشَّمْس الْمَشْرِقة حَتَّى تَنْصَلَ (١) وَتَتَطَايَر ذَرَّاتهَا فِي أَجْوَاء السَّمَاء وَأَنَّ مَكَان الْمَدَنِيَّة الْغَرْبِيَّة مِنْ نُفُوسهمْ مَكَان الْوَجْه مِنْ الْمِرْآة إِذَا اِنْحَرَفَ عَنْهَا زَالَ خَيَاله مِنْهَا؛ فَلَمْ أَشَأْ أَنْ أُفَارِق ذَلِكَ الصَّدِيق وَلَبِستُهُ عَلَى عِلَّاته وَفَاء بِعَهْدِهِ السَّابِق وَرَجَاء لِغَدِهِ الْمُنْتَظَر مُحْتَمَلًا فِي سَبِيل ذَلِكَ مِنْ حُمْقه وَوَسْوَاسه وَفُسَّاد تَصَوُّرَاته وَغَرَابَة أَطْوَاره مَا لَا طَاقَة لِمَثَلِي بِاحْتِمَال مِثْله، حَتَّى جَاءَنِي ذَات لَيْلَة بِدَاهِيَة الدَّوَاهِي وَمُصِيبَة الْمَصَائِب فَكَانَتْ آخِر عَهْدِي بِهِ. دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَرَأَيْته وَاجِمًا مُكْتَئِبًا فحَيَّيتُه فَأَوْمَأَ إِلَى بِالتَّحِيَّةِ إِيمَاءً فَسَأَلَتْهُ مَا بَاله، فَقَالَ: «مَا زِلْت مُنْذُ اللَّيْلَة مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَة فِي عَنَاء لَا أَعْرِف السَّبِيل إِلَى الْخَلَاص مِنْهُ وَلَا أَدْرِي مَصِير أَمْرِي فِيهِ»، قُلْت: «وَأَيّ اِمْرَأَة تُرِيد؟». قَالَ: «تِلْكَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النَّاس زَوْجَتِي، وَأُسَمِّيهَا الصَّخْرَة الْعَاتِيَة فِي طَرِيق مَطَالِبِي وَآمَالِي».

стр. 152

قَلَّت: «إِنَّك كَثِير الْآمَال يَا سَيِّدِي، فَعَنْ أَيّ آمَالك تَتحدَّث؟». قَالَ: «لَيْسَ لِي فِي الْحَيَاة إِلَّا أَمَل وَاحِد هُوَ أَنْ أُغْمِض عَيْن ثُمَّ أَفْتَحهَا فَلَا أَرَى بُرْقُعًا عَلَى وَجْه اِمْرَأَة فِي هَذَا الْبَلَد». قُلْت: «ذَلِكَ مَا لَا تَمْلِكهُ وَلَا رَأْىَ لَك فِيهِ». قَالَ: «إِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاس يَرَونَ فِي الْحِجَاب رَأْيِي وَيَتَمَنَّوْنَ فِي أَمَرّه مَا اتَمَنِّي وَلَا يَحُول بَيْنهمْ وَبَيْن نَزْعه عَنْ وُجُوه نِسَائِهِمْ وإبرازِهِنَّ إِلَى الرِّجَال يجالِسْنَهم كَمَا يَجْلِس بَعْضهنَّ إِلَى بَعْض إِلَّا الْعَجْز وَالضَّعْف وَالْهَيْبَة الَّتِي لَا تَزَال تُلِمّ بِنَفْس الشَّرْقِيّ كُلَّمَا حَاوَلَ الْإِقْدَام عَلَى أَمْر جَدِيد؛ فَرَأَيْت أَنْ أَكُون أَوَّل هَادِم لِهَذَا الْبِنَاء الْعَادِيّ الْقَدِيم الَّذِي وَقَفَ سَدًّا دُون سَعَادَة الْأُمَّة وَارْتِقَائِهَا دَهْرًا طَوِيلًا، وَأَنْ يَتِمّ عَلَى يَدِي مَا لَمْ يَتِمّ عَلَى يَد أَحَد غَيْرِي مِنْ دُعَاة الْحُرِّيَّة وَأَشْيَاعهَا. فَعَرَضْتُ الْأَمْر عَلَى زَوْجَتِي فَأَكْبَرَتْهُ وَأَعْظَمَتْهُ وَخُيِّل إِلَيْهَا أَنَّنِي جئتُهَا بِإِحْدَى النَّكَبَات الْعِظَام والرزايا الْجِسَام وَزَعَمَتْ أَنَّهَا إِنْ بَرَزَتْ إِلَى الرِّجَال فَإِنَّهَا لَا تَسْتَطِيع أَنْ تَبْرُز إِلَى النِّسَاء بَعْد ذَلِكَ حَيَاءً مِنْهُنَّ وَخَجَلًا، وَلَا خَجَل هُنَاكَ وَلَا حَيَاء وَلَكِنَّهُ الْمَوْت وَالْجُمُود وَالذُّلّ الَّذِي ضَرَبَهُ اللهُ عَلَى هَؤُلَاءِ النِّسَاء فِي هَذَا الْبَلَد أَنْ يَعِشْنَ فِي قُبُور مُظْلِمَة مِنْ خُدُورهنَّ وَخُمُرهنَّ حَتَّى يَأْتِيَهُنَ الْمَوْت فَيَنْتَقِلْنَ مِنْ مَقْبَرَة الدُّنْيَا إِلَى مَقْبَرَة الْآخِرَة؛ فَلَا بُدّ لِي أَنَّ أَبْلَغ أَمْنِيَّتِي وَأَنْ أُعَالِج هَذَا الرَّأْس الْقَاسِي الْمُتَحَجِّر عِلَاجًا يَنْتَهِي بِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِمَّا بِكَسْرِهِ أَوْ بِشِفَائِهِ». فَوَرَدَ عَلَيَّ مَنْ حَدِيثه مَا مَلَأَ نَفْسِي هَمًّا وَحُزْنًا وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ نَظْرَة الرَّاحِم الرَّاثِي وَقُلْت: «أعالم أَنْتَ أَيُّهَا الصَّدِيق مَا تَقُول؟».

стр. 153

قَالَ: «نَعَمْ أَقُول الحَقِيقَة التِي أَعْتَقِدهَا». قُلْت: «هَلْ تَأْذَن لِي أَنْ أَقُول لَك إِنَّك عِشْت فَتْرَة طَوِيلَة فِي دِيَار قَوْم لَا حِجَاب بَيْن رِجَالهمْ وَنِسَائِهِمْ فَهَلْ تَذْكُر أَنَّ نَفْسك حَدَّثَتْك يَوْمًا مِنْ الأَيَّام وَأَنْتَ فِيهِمْ بِالطَّمَعِ فِي شَيْء مِمَّا لَا تَمْلِك يَمِينك مِنْ أَعْرَاض نِسَائِهِمْ فَنِلْت مَا تَطْمَع فِيهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُر مَالِكه؟». قَالَ: «رُبَّمَا وَقَعَ لِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ، فَمَاذَا تُرِيد؟». قُلْت: «أُرِيد أَنْ أَقُول لَك إِنِّي أَخَاف عَلَى عرْضِك أَنْ يُلِمّ بِهِ مِنْ النَّاس مَا أُلِمّ بِأَعْرَاض النَّاس مِنْك». قَالَ: «إِنَّ المَرْأَة الشَّرِيفَة تَسْتَطِيع أَنْ تَعِيش بَيْن الرِّجَال مِنْ شَرَفهَا وَعِفَّتهَا فِي حِصْن حَصِين لَا تَمْتَدّ إِلَيْهِ المَطَامِع». فَقُلْتُ لَهُ: «تِلْكَ هِيَ الخُدْعَة التِي يخْدَعُكم بِهَا الشَّيْطَان أَيُّهَا الضُّعَفَاء؛ فَالشَّرَف كَلِمَة لَا وُجُود لَهَا فِي قَوَامِيس اللُّغَة وَمَعَاجِمهَا، فَإِنْ أَرَدْنَا أَنْ نُفَتِّش عَنْهَا فِي قُلُوب النَّاس وَأَفْئِدَتهمْ قَلَمًا نَجِدهَا وَالنَّفْس الإِنْسَانِيَّة كَالْغَدِيرِ الرَّاكِد لَا يَزَال صَافِيًا رَائِقًا حَتَّى يَسْقُط فِيهِ حَجَر فَإِذَا هُوَ مُسْتَنْقَع كَدِر، وَالْعِفَّة لَوْن مِنْ أَلْوَان النَّفْس لَا جَوْهَر مِنْ جَوَاهِرهَا وَقَلَّمَا تَثْبُت الأَلْوَان عَلَى أَشِعَّة الشَّمْس المُتَسَاقِطَة». قَالَ: «أَتُنْكِرُ وُجُود العِفَّة بَيْن النَّاس؟» قُلْت: «لَا أُنْكِرهَا لِأَنِّي أَعْلَم أَنَّهَا مَوْجُودَة بَيْن البُلْه الضُّعَفَاء وَالْمُتَكَلِّفِينَ وَلَكِنِّي أَنْكَرَ وَجَوَّدَهَا عِنْد الرَّجُل الْقَادِر الْمُخْتَلِب (١) وَالْمَرْأَة الحَاذِقَة المُتَرَفِّقَة إِذَا سَقَطَ

стр. 154

بَيْنهمَا الحِجَاب وَخَلَا وَجْه كُلّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ. فِي أَيّ جَوّ مِنْ أَجْوَاء هَذَا البَلَد تُرِيدُونَ أَنْ تَبْرُز نِسَاؤُكُمْ لِرِجَالِكُمْ؟ أَفِي جَوّ المُتَعَلِّمِينَ وَفِيهِمْ مَنْ سُئِلَ مَرَّة لِمَ لَمْ يَتَزَوَّج فَأَجَابَ: «نِسَاء البَلَد جَمِيعًا نِسَائِي». أَمْ فِي جَوّ الطَّلَبَة وَفِيهِمْ مَنْ يَتَوَارَى عَنْ أَعْيُن خلَّانه وأترابه خَجَلًا إنْ خَلَتْ مَحْفَظَته يَوْمًا مِنْ الأَيَّام مَنْ صُوَر عَشِيقَاته وَخَلِيلَاته أَوْ أُقفِرَتْ مِنْ رَسَائِل الحُبّ وَالْغَرَام؟ أَمْ فِي جَوّ الرّعَاع وَالْغَوْغَاء، وَكَثِير مِنْهُمْ يَدْخُل البَيْت خَادِمًا ذَلِيلًا وَيَخْرُج مِنْهُ صِهْرًا كَرِيمًا؟ وَبَعْدُ فَمَا هَذَا الوَلَع بِقِصَّة المَرْأَة والتمطُّق بِحَدِيثِهَا وَالْقِيَام وَالْقُعُود بِأَمْرِهَا وَأَمْر حِجَابهَا وَسُفُورهَا وَحُرِّيَّتهَا وَأَسْرَارهَا كَأَنَّمَا قَدْ قُمْتُمْ بِكُلّ وَاجِب لِلْأُمَّةِ عَلَيْكُمْ فِي أَنْفُسكُمْ فَلَمْ يَبْقَ الا أَنْ تُفِيضُوا مِنْ تِلْكَ النِّعَم عَلَى غَيْركُمْ. أَبْوَاب الفَخْر أَمَامكُمْ كَثِيرَة فَاطْرُقُوا أَيُّهَا شئم وَدَعُوا هَذَا البَاب موصودا فَإِنَّكُمْ إِنْ فَتَحْتُمُوهُ فَتَحْتُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ وَيْلًا عَظِيمًا وَشَقَاء طَوِيلًا. أَرُوْنِي رَجُلًا وَاحِدًا مِنْكُمْ يَسْتَطِيع أَنْ يَزْعُم فِي نَفْسه أَنَّهُ يَمْتَلِك هَوَاهُ بَيْن يَدَيْ اِمْرَأَة يَرْضَاهَا، فَأُصَدِّق أَنَّ اِمْرَأَة تَسْتَطِيع أَنْ تَمْلِك هَوَاهَا بَيْن يَدَيْ رَجُل تَرْضَاهُ. إِنَّكُمْ تُكَلِّفُونَ المَرْأَة مَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ تَعْجِزُونَ عَنْهُ وَتَطْلُبُونَ عِنْدهَا مَا لا تَعْرِفُونَهُ عِنْد أَنْفُسكُمْ. مَا شَكَتْ المَرْأَة إِلَيْكُمْ ظُلْمًا وَلَا تَقَدَّمَتْ إِلَيْكُمْ فِي أَنْ تَحِلُّوا قَيْدهَا وَتُطْلِقُوهَا مَنْ أسْرِها فَمَا دُخُولكُمْ بَيْنهَا وَبَيْن نَفْسهَا؟ وَمَا تَمَضُّغُكُم لَيْلكُمْ وَنَهَاركُمْ بِقِصَصِهَا وَأَحَادِيثهَا؟ إِنَّكُمْ لَا تَرْثُونَ لَهَا بَلْ تَرْثُونَ لِأَنْفُسِكُمْ وَلَا تَبْكُونَ عَلَيْهَا بَلْ عَلَى أَيَّام قَضَيْتُمُوهَا فِي دِيَار يَسِيل جَوّهَا تَبَرُّجًا وَسُفُورًا وَيَتَدَفَّق خَلَاعَة وَاسْتِهْتَارًا وَتَوَدُّونَ لَوْ ظَفِرْتُمْ هُنَا

стр. 155

بِذَلِكَ العَيْش الذِي خَلفْتُمُوهُ هُنَاكَ. لَقَدْ كُنَّا وَكَانَتْ العِفَّة فِي سِقَاء مِنْ الحِجَاب موكوء فَمَا زِلْتُمْ بِهِ تَثْقُبُونَ فِي جَوَانِبه كُلّ يَوْم ثَقْبًا وَالْعِفَّة تَسَلُّل مِنْهُ قَطْرَة قَطْرَة حَتَّى تَقَبَّض وتكَرَّشَ (١) ثُمَّ لَمْ يُكَلِّفكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى جِئْتُمْ اليَوْم تُرِيدُونَ أَنْ تَحِلُّوا وكاءه حَتَّى لَا تَبْقِي فِيهِ قَطْرَة وَاحِدَة. عَاشَتْ المَرْأَة المِصْرِيَّة حِقْبَة مِنْ دَهْرهَا هَادِئَة مُطَمْئِنَة فِي بَيْتهَا رَاضِيَة عَنْ نَفْسهَا وَعَنْ عِيشَتهَا، تَرَى السَّعَادَة كُلّ السَّعَادَة فِي وَاجِب تُؤَدِّيه لِنَفْسِهَا أَوْ وَقْفَة تَقِفُهَا بَيْن يَدَيْ رَبّهَا أَوْ عطفة تَعَطِفهَا عَلَى وَلَدهَا أَوْ جلْسَة تَجْلِسهَا إِلَى جَارَتهَا تَبُثّهَا ذَات نَفْسهَا وتستبثها سَرِيرَة قَلْبهَا، وَتَرَى الشَّرَف كُلّ الشَّرَف فِي خُضُوعهَا لِأَبِيهَا وائتمارها بِأَمْر زَوْجهَا وَنُزُولهَا عِنْد رِضَاهُمَا، وَكَانَتْ تَفْهَم مَعْنَى الحُبّ وَتَجْهَل مَعْنَى الغَرَام فَتُحِبّ زَوْجهَا لِأَنَّهُ زَوَّجَهَا كَمَا تُحِبّ وَلَدهَا لِأَنَّهُ وَلَدهَا فَإِنْ رَأَى غَيْرهَا مِنْ النِّسَاء أَنَّ الحُبّ أَسَاس الزَّوَاج رَأَتْ هِيَ أَنَّ الزَّوَاج أَسَاس الحُبّ. فَقُلْتُمْ لَهَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الذِينَ يَسْتَبِدُّونَ بِأَمْرِك مَنْ أَهْلك لَيْسُوا بِأَوْفَر مِنْك عَقْلًا وَلَا أَفْضَل رَأْيًا وَلَا أَقْدَر عَلَى النَّظَر لَك مِنْ نَظَرك لِنَفْسِك فَلَا حَقّ لَهُمْ فِي هَذَا السُّلْطَان الذِي يَزْعُمُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ فازْدَرَتْ أَبَاهَا وَتَمَرَّدَتْ عَلَى زَوْجهَا وَأَصْبَحَ البَيْت الذِي كَانَ بِالْأَمْسِ عُرْسًا مِنْ الأَعْرَاس الضَّاحِكَة مَنَاحَة قَائِمَة لَا تَهْدَأ نَارهَا وَلَا يَخْبُو أُوَارِهَا (٢). وَقُلْتُمْ لَهَا لَا بُدّ لَك أَنْ تَخْتَارِي زَوْجك بِنَفْسِك حَتَّى لَا يَخْدَعك أَهْلك عَنْ سَعَادَة مُسْتَقْبَلك فَاخْتَارَتْ لِنَفْسِهَا أَسْوَأ مِمَّا اِخْتَارَ لَهَا أَهْلهَا فَلَمْ يَزِدْ عُمْر سَعَادَتهَا عَلَى يَوْم وَلَيْلَة ثُمَّ الشَّقَاء الطَّوِيل بَعْد ذَلِكَ العَذَاب الأَلِيم.

стр. 156

وَقُلْتُمْ لَهَا إِنَّ الحُبّ أَسَاس الزَّوَاج فَمَا زَالَتْ تَقْلِب عَيْنهَا فِي وُجُوه الرِّجَال مُصَعِّدَة مُصَوِّبَة حَتَّى شَغَلَهَا الحُبّ عَنْ الزَّوَاج. وَقُلْتُمْ لَهَا إِنَّ سَعَادَة المَرْأَة فِي حَيَاتهَا أَنْ يَكُون زَوْجهَا عَشِيقهَا وَمَا كَانَتْ تَعْرِف إِلَّا أَنَّ الزَّوْج غَيْر العَشِيق فَأَصْبَحَتْ تَطْلُب فِي كُلّ يَوْم زَوْجًا جَدِيدًا يُحيْيَ مِنْ لَوْعَة الحُبّ مَا أَمَاتَ الزَّوْج القَدِيم فَلَا قَدِيمًا اِسْتَبْقَتْ وَلَا جَدِيدًا أَفَادَتْ. وَقُلْتُمْ لَهَا لَا بُدّ أَنْ تَتَعَلَّمِي لِتُحْسِنِي تَرْبِيَة وَلَدك وَالْقِيَام عَلَى شُؤُون بَيْتك فَتَعَلَّمَتْ كُلّ شَيْء إِلَّا تَرْبِيَة وَلَدهَا وَالْقِيَام عَلَى شُؤُون بَيْتهَا. وَقُلْتُمْ لَهَا نَحْنُ لَا نَتَزَوَّج مِنْ النِّسَاء إِلَّا مِنْ نُحِبّهَا وَنَرْضَاهَا ويُلائمُ ذَوْقُهَا ذَوْقنَا وَشُعُورُها شُعُورَنَا؛ فَرَأَتْ أَنّه لَابُدَّ لَهَا أَنَّ تَعرِف مَوَاقِع أهوائكم وَمَبَاهِج أَنْظَاركُمْ لِتَتَجَمَّل لَكُمْ بِمَا تُحِبُّونَ، فَرَاجَعَتْ فِهْرِس حَيَاتكُمْ صَفْحَة صَفْحَة فَلَمْ تَرَ فِيهِ غَيْر أَسْمَاء الخليعات المُسْتَهْتِرَات وَالضَّاحِكَات اللَّاعِبَات وَالْإِعْجَاب بِهِنَّ وَالثَّنَاء عَلَى ذَكَائِهِنَّ وَفِطْنَتهنَّ. فتخلَّعَتْ وَاسْتَهْتَرَتْ لِتَبْلُغ رِضَاكُمْ وَتنْزِل عِنْد مَحَبَّتكُمْ، ثُمَّ مَشَتْ إِلَيْكُمْ بِهَذَا الثَّوْب الرَّقِيق الشَّفَّاف تَعْرِض نَفْسهَا عَلَيْكُمْ عَرْضًا كَمَا تَعْرِض الأُمَّة نَفْسهَا فِي سُوق الرَّقِيق، فَأَعْرَضْتُمْ عَنْهَا وَقُلْتُمْ لَهَا: «إِنَّا لَا نَتَزَوَّج النِّسَاء العَاهِرَات»، كَأَنَّكُمْ لَا تُبَالُونَ أَنْ يَكُون نِسَاء الأُمَّة جَمِيعًا سَاقِطَات إِذَا سَلَّمَتْ لَكُمْ نِسَاؤُكُمْ فَرَجَعَتْ أَدْرَاجهَا خَائِبَة مُنْكَسِرَة وَقَدْ أَبَاهَا الخَلِيع وَتَرَفُّع عَنْهَا المُحْتَشِم فَلَمْ تَجِد بَيْن يَدَيْهَا غَيْر بَاب السُّقُوط فَسَقَطَتْ. ذَلِكَ بُكَاؤُكُمْ عَلَى المَرْأَة أَيُّهَا الرَّاحِمُونَ وَهَذَا رِثَاءَكُمْ لَهَا وَعَطْفكُمْ عَلَيْهَا! نَحْنُ نَعْلَم كَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ المَرْأَة فِي حَاجَة إِلَى العِلْم فَلْيُهَذِّبْهَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا فَالتَّهْذِيب أَنْفَع لَهَا مِنْ العِلْم، وَإِلَى اِخْتِيَار الزَّوْج العَادِل الرَّحِيم فَلْيُحْسِنْ الآبَاء اِخْتِيَار الأَزْوَاج لِبَنَاتِهِمْ وَلِيجْمل الأَزْوَاج عِشْرَة نِسَائِهِمْ، وَإِلَى النُّور وَالْهَوَاء تَبْرُز إِلَيْهِمَا وَتَتَمَتَّع فِيهِمَا بِنِعْمَة الحَيَاة فَلْيَأْذَنْ لَهَا أَوْلِيَاؤُهَا بِذَلِكَ وَلِيُرَافِقهَا رَفِيق مِنْهُمْ فِي غدواتها وروحاتها

стр. 157

كَمَا يُرَافِق الشَّاة رَاعِيهَا خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ الذِّئَاب فَإِنَّ عَجْزنَا عَنْ أَنْ نَأْخُذ الآبَاء وَالْإِخْوَة وَالْأَزْوَاج بِذَلِكَ فَلْنَنْفُضْ أَيْدِينَا مِنْ الأُمَّة جَمِيعهَا نِسائِها ورجالها، فليسَتْ المرأة بأقدر على إصلاح نفسِها مِن الرجُل عَلَى إِصْلَاحهَا. إِنَّا نَضْرَع إِلَيْكُمْ أَنْ تَتْرُكُوا تِلْكَ البَقِيَّة البَاقِيَة مِنْ نِسَاء الأُمَّة مُطْمَئِنَات فِي بُيُوتهنَّ وَلَا تزعجوهن بِأَحْلَامِكُمْ وَآمَالكُمْ كَمَا أَزْعَجْتُمْ مَنْ قَبْلَهُنَّ فَكُلّ جُرْح مِنْ جُرُوح الأُمَّة لَهُ دَوَاء إِلَّا جُرْح الشَّرَف فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا فَانْتَظِرُوا بِأَنْفُسِكُمْ قَلِيلًا رَيْثَمَا تَنْتَزِع الأَيَّام مِنْ صُدُوركُمْ هَذِهِ الغَيْرَة التِي وَرِثْتُمُوهَا عَنْ آبَائِكُمْ وَأَجْدَادكُمْ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعِيشُوا فيّ حَيَاتكُمْ الجَدِيدَة سُعَدَاء آمِنِينَ». فَمَا زَادَ الفَتِيّ عَلَى أَنْ اِبْتَسَمَ فِي وَجْهَيْ اِبْتِسَامَة الهزء وَالسُّخْرِيَة وَقَال: «تِلْكَ حَمَاقَات مَا جِئْنَا إِلَّا لِمُعَالَجَتِهَا فلنصطبر عَلَيْهَا حَتَّى يَقْضِي اللهُ بَيْننَا وَبَيْنهَا». فَقُلْت لَهُ: «لَك أَمْرك فِي نَفْسك وَفِي أَهْلك فَاصْنَعْ بِهِمَا مَا تَشَاء، وَأْذَنَ لِي أَنْ أَقُول لَك إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَخْتَلِف إِلَى بَيْتك بَعْد اليَوْم إِبْقَاء عَلَيْك وَعَلَى نَفْسي؛ لِأَنِّي أَعْلَم أَنَّ السَّاعَة التِي يَنْفَرِج لِي فِيهَا جَانِب سِتْر مِنْ أَسْتَار بَيْتك عَنْ وَجْه اِمْرَأَة مِنْ أَهْلك تَقْتُلنِي حياء وَخَجَلًا»، ثُمَّ أنصرفْتُ وَكَانَ هَذَا فِرَاق مَا بَيْنِي وَبَيْنه. وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى سَمِعْتُ النَّاس يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ فُلَانًا هَتَكَ السِّتْر فِي مَنْزِله بَيْن نِسَائِهِ وَرِجَاله وَأَنَّ بَيْته أَصْبَحَ مَغْشِيًّا لا تَزَال النِّعَال خَافِقَة بِبَابِهِ، فَذَرَفَتْ عَيْنَيَّ دَمْعَة لَا أَعْلَم هَلْ هِيَ دَمْعَة الغَيْرَة عَلَى العَرْض المذال (١) أَوْ الحُزْن عَلَى الصَّدِيق المَفْقُود. مَرَّتْ عَلَى تِلْكَ الحَادِثَة ثَلَاثَة أَعْوَام لَا أَزُورهُ فِيهَا وَلَا يَزُورنِي وَلَا أَلْقَاهُ فِي طَرِيقه إِلَّا قَلِيلًا

стр. 158

فَأُحَيِّيه تَحِيَّة الغَرِيب لِلْغَرِيبِ مِنْ حَيْثُ لَا يَجْرِي لِمَا كَانَ بَيْننَا ذِكْرٌ ثُمَّ أَنْطَلِق فِي سَبِيلِي. فَإِنِّي لِعَائِد إِلَى مَنْزِلَيْ لَيْلَة أَمْس وَقَدْ مَضَى الشَّطْر الأَوَّل مِنْ اللَّيْل إِذْ رَأَيْتُه خَارِجًا مِنْ مَنْزِلَة يَمْشِي مِشْيَة الذاهل الحَائِر وَبِجَانِبِهِ جُنْدِيّ مِنْ جُنُود الشُّرْطَة كَأَنَّمَا هُوَ يَحْرُسهُ أَوْ يَقْتَادهُ؛ فَأَهَمَّنِي أَمْرُه وَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَأَلَتْهُ عَنْ شَأْنه فَقَالَ: «لَا عِلَمْ لِي بِشَيْء سِوَى أَنْ هَذَا الجُنْدِيّ قَدْ طَرَقَ السَّاعَة بَابِي يَدْعُونِي إِلَى مَخْفَر الشُّرْطَة وَلَا أَعْلَم لِمِثْل هَذِهِ الدَّعْوَة فِي مِثْل هَذِهِ السَّاعَة سَبَبًا وَمَا أَنَا بِالرَّجُلِ المُذْنِب وَلَا المُرِيب فَهَل أستطيع أَنْ أَرْجُوك يَا صَدِيقِي بَعْد الذِي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنك أَنْ تَصْحَبنِي اللَّيْلَة فِي وَجْهِي هَذَا عَلَّنِي أحْتاج إِلَى بَعْض المَعُونَة فِيمَا قَدْ يَعْرِض لِي هُنَاكَ مِنْ الشُّؤُون؟». قُلْت: «لَا أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ»، وَمَشَيْت مَعَهُ صَامِتًا لَا أُحَدِّثهُ وَلَا يَقُول لِي شَيْئًا ثُمَّ شَعَرَتْ كَأَنَّهُ يُزَوِّر فِي نَفْسه كَلَامًا (١) يُرِيد أَنْ يُفْضِي بِهِ إِلَيَّ فَيَمْنَعهُ الخَجَل وَالْحَيَاء فَفَاتَحْتُه الحَدِيث وَقُلْت لَه: «أَلَّا تَسْتَطِيع أَنْ تَتَذَكَّر لِهَذِهِ الدَّعْوَة سَبَبًا؟»؛ فَنَظَرَ إِلَى نَظْرَة حَائِرَة وَقَالَ: «إِنْ أُخَوِّف مَا أَخَافَهُ أَنْ يَكُون قَدْ حَدَثَ لِزَوْجَتَيْ اللَّيْلَة حَادِث فَقَدْ رَابَنِي مِنْ أَمْرهَا أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ إِلَى المَنْزِل حَتَّى السَّاعَة، وَمَا كَانَ ذَلِكَ شَأْنهَا مِنْ قَبْل». قُلْت: «أَمَا كَانَ يَصْحَبهَا أَحَد؟». قَالَ: «لَا». قُلْت: «أَلَّا تَعْلِّم المَكَان الذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ؟». قَالَ: «لَا». قُلْت: «ومِمَّ تَخَافُ عَلَيْهَا؟».

стр. 159

قَالَ: «لَا أَخَاف شَيْئًا سِوَى أَنِّي أَعْلَم أَنَّهَا اِمْرَأَة غَيُور حَمْقَاء فَلَعَلَّ بَعْض النَّاس حَاوَلَ العَبَث بِهَا فِي طَرِيقهَا فشرسَتْ عَلَيْهِ فَوَقَعَتْ بَيْنهمَا وَاقِعَة انْتَهِي أَمْرهَا إِلَى مَخْفَر الشُّرْطَة». وَكُنَّا قَدْ وَصَلْنَا إِلَى المَخْفَر فَاقْتَادَنَا الجُنْدِيّ إِلَى قَاعَة المَأْمُور فَوَقَفْنَا بَيْن يَدَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَى جُنْدِيّ أَمَامه إِشَارَة لَمْ نَفْهَمْهَا ثُمَّ استَدْنَي الفَتَى إِلَيْهِ وَقَالَ له: «يَسُوءنِي أَنْ أَقُول لَك ـ سَيِّدِي ـ إِنَّ رِجَال الشُّرْطَة قَدْ عَثَرُوا اللَّيْلَة فِي مَكَان مِنْ أَمْكِنَة الرِّيبَة برَجُل وَاِمْرَأَة فِي حال غَيْر صَالِحَة، فَاقْتَادُوهُمَا إِلَى المَخْفَر فَزَعَمَتْ الْمَرْأَة أَنَّ لَهَا بِك صِلَة؛ فَدَعَوْنَاك لِتَكشف لَنَا الحَقِيقَة فِي أَمْرهَا فَإِنْ كَانَتْ صَادِقَة أذِنَّا لَهَا بِالِانْصِرَافِ مَعَك إِكْرَامًا لَكَ وَإِبْقَاءً عَلَى شَرَفك، وَإِلَّا فَهِيَ امْرَأَة عَاهِرَة لَا نَجَاة لَهَا مِنْ عِقَاب الفَاجِرَات وَهَا هُمَا وَرَاءَك فانظرهما». وَكَانَ الجُنْدِيّ قَدْ جَاءَ بِهِمَا مِنْ غُرْفَة أُخْرَى فَالْتَفَتَ وَرَاءَهُ فَإِذَا المَرْأَة زَوْجَته وَإِذَا الرَّجُلُ أَحَدَ أَصْدِقَائِهِ؛ فَصَرَخَ صَرْخَة رَجَفَتْ لَهَا جَوَانِب المَخْفَر وَمَلَأَتْ نَوَافِذه وَأَبْوَابه عُيُونًا وَآذَانًا ثُمَّ سَقَطَ فِي مَكَانه مَغْشِيًّا عَلَيْهِ؛ فَأَشَرْتُ عَلَى المَأْمُور أَنْ يُرْسِل المَرْأَة إِلَى مَنْزِل أَبِيهَا فَفَعَلَ، وَأَطْلَقَ سَبِيل صَاحِبهَا، ثُمَّ حَمَلْنَا الفَتِيّ فِي مَرْكَبَة إلى منزلِه، وَدَعَوْنَا لَهُ الطَّبِيب فَقَرَّرَ أَنَّهُ مُصَاب بحمَّى دِمَاغِيَّة شَدِيدَة وَلَبِثَ سَاهِرًا بِجَانِبِهِ بَقِيَّة اللَّيْل يُعَالِجهُ حَتَّى دِنَّا الصُّبْح فَانْصَرَفَ عَلَى أَنْ يَعُود مَتَى دَعَوْنَاهُ. وَعَهِد إِلَيَّ بِأَمْرِهِ فَلَبِثَتُ بِجَانِبِهِ أَرْثِي لِحَالِهِ وَأنْتَظَرَ قَضَاء الله ِفِيهِ حَتَّى رَأَيْتُه يَتَحَرَّك فِي مَضْجَعه ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَرَآنِي فَلَبِثَ شَاخِصًا إِلَيَّ هُنَيْهَة كَأَنَّمَا يُحَاوِل أَنْ يَقُول لِي شَيْئًا فَلَا يَسْتَطِيعهُ فَدَنَوْت مِنْهُ وَقُلْت لَهُ: «هَلْ مِنْ حَاجَة يَا سَيِّدِي؟». فَأَجَابَ بِصَوْت ضَعِيف خَافِت: «حَاجَتِي أَنْ لَا يَدْخُل عَلَيَّ مِنْ النَّاس أَحَد».

стр. 160

قُلْت: «لَنْ يَدْخُل عَلَيْك إِلَّا مَنْ تُرِيد». فَأَطْرَقَ هُنَيْهَة ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَإِذَا عَيْنَاهُ مخضَّلَتانِ بِالدُّمُوعِ، فَقُلْت: «مَا بُكَاؤُك يَا سَيِّدِي؟». قَالَ: «أَتَعَلَّم أَيْنَ زَوْجَتِي الآن». قُلْت: «وَمَاذَا تُرِيد مِنْهَا؟». قَالَ: «لَا شَيْء سِوَى أَنْ أَقُول لَهَا إِنِّي قَدْ عَفَوْت عَنْهَا». قُلْت: «إِنَّهَا فِي بَيْت أَبِيهَا». قَالَ: «وارحمتاه لَهَا وَلِأَبِيهَا وَلِجَمِيع قَوْمهَا، فَقَدْ كَانُوا قَبْل أَنْ يَتَّصِلُوا بِي شُرَفَاء أَمْجَادًا فَأَلْبَسْتْهُمْ مُذْ (١) عرفوني ثَوْبًا مِنْ الْعَار لَا تَبْلُوهُ الأَيَّام. مَنْ لِي بِمَنْ يَبْلُغهُمْ عَنِّي جَمِيعًا أَنَّنِي مَرِيض مُشْرِف (٢) وَأَنَّنِي أَخْشَى لِقَاء اللهِ إِنْ لَقِيتُهُ بِدِمَائِهِمْ وَأَنَّنِي أُضْرع إِلَيْهِمْ أَنْ يَصْفَحُوا عَنِّي وَيَغْفِرُوا زَلَّتِي قَبْل أَنْ يَسْبِق إِلَيَّ أَجْلِي؟ لَقَدْ كُنْت أَقْسَمْتُ لِأَبِيهَا يَوْم اهتديتُها أَنْ أَصُونَ عِرْضهَا صِيَانَتِي لِحَيَاتِي وَأَنْ أَمْنَعهَا مِمَّا أَمْنَع مِنْهُ نَفْسِيّ فَحَنِثْتُ فِي يَمِينِي فَهَلْ يَغْفِر لِي ذَنْبِي فَيَغْفِر لِي اللهُ بِغُفْرَانِهِ؟ نَعَمْ إِنَّهَا قَتَلَتْنِي وَلَكِنَّنِي أَنَا الذِي وَضَعْتُ فِي يَدهَا الخِنْجَر الذِي أَغْمَدْته فِي صَدْرِي فَلَا يَسْأَلهَا أَحَد عَنْ ذَنْبِي. البَيْت بَيْتِي، وَالزَّوْجَة زَوْجَتِي، وَالصَّدِيق صَدِيقِي، وَأَنَا الذِي فَتَحْتُ بَاب بَيْتِي لِصَدِيقِي إِلَى زَوْجَتِي فَلَمْ يُذْنِب إِلَى أَحَد سِوَايَ». ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْ الكَلَام هُنَيْهَة فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا سَحَابَة سَوْدَاء تُنْشَر فَوْق جَبِينه شَيْئًا

стр. 161

فَشَيْئًا حَتَّى لَبسَتْ وَجْهه، فزفر زَفْرَة خِلْتُ (١) أَنَّهَا خَرَقَتْ حِجَاب قَلْبه ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُول: «آه مَا أشد الظَّلَام أَمَام عَيْنَيَّ وَمَا أَضْيَق الدُّنْيَا فِي وَجْهِي، فِي هَذِهِ الغُرْفَة، عَلَى هَذَا المقْعَد، تَحْت هَذَا السَّقْف، كُنْت أَرَاهُمَا جَالِسَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ فَتُمْلَأ نَفْسِي غِبْطَةً وَسُرُورًا وَأَحْمَد اللهَ عَلَى أَنْ رَزَقَنِي بِصَدِيق وَفِيٍّ يُؤنِسُ زَوْجَتِي فِي وَحْدَتهَا، وَزَوْجَة سَمْحَة كَرِيمَة تُكْرِم صَدِيقِي فِي غَيْبَتِي. فَقُولُوا لِلنَّاسِ جَمِيعًا أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُل الذِي كَانَ يَفْخَر بِالْأَمْسِ بِذَكَائِهِ وَفِطْنَته وَيَزْعُم أَنَّهُ أكْيَسُ النَّاس وَأُحْزَمهُمْ قَدْ أَصْبَحَ يَعْتَرِف اليَوْم أَنَّهُ أَبْلَه إِلَى الغَايَة مِنْ البَلَاهَة وَغَبِيّ إِلَى الغَايَة التِي لَا غَايَة وَرَاءَهَا. والَهْفَا (٢) عَلَى أُمّ لَمْ تَلِدنِي وَأَبٍ عَاقِر لَا نَصِيب لَهُ فِي البَنِينَ. لَعَلَّ النَّاس كَانُوا يَعْلَمُونَ مِنْ أَمْرِي مَا كُنْت أَجْهَل وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا إِذَا مَرَرْتُ بِهِمْ يَتَنَاظَرُونَ وَيَتَغَامَزُونَ وَيَبْتَسِم بَعْضهمْ إِلَى بَعْض أَوْ يَحْدِقُونَ (٣) إِلَيَّ وَيُطِيلُونَ النَّظَر فِي وَجْهِي لِيَرَوْا كَيْفَ تَتَمَثَّل البَلَاهَة فِي وُجُوه البُلْه وَالْغَبَاوَة فِي وُجُوه الأَغْبِيَاء. وَلَعَلَّ الذِينَ كَانُوا يَتَوَدَّدُونَ إِلَيَّ وَيَتَمَسَّحُونَ بِي مِنْ أَصْدِقَائِي إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلهَا لَا مِنْ أَجْلِي، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَنِي فِيمَا بَيْنهمْ قَوَّادًا وَيُسَمُّونَ زَوْجَتِي مومِسًا وَبَيْتِي ماخورًا، وَأَنَا عِنْد نَفْسَيْ أَشْرَف النَّاس وَأَنْبَلهمْ! فوارحمتاه إِنْ بَقِيتُ عَلَى ظَهْر الأَرْض بَعْد اليَوْم سَاعَة وَاحِدَة ووالهْفَا عَلَى زَاوِيَة

стр. 162

مُنْفَرِدَة فِي قَبْر مُوحِش يطويني وَيَطْوِي عَارِي مَعِي». ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَعَاد إِلَى ذُهُوله وَاسْتِغْرَاقه. وَهُنَا دَخَلَتْ الحُجْرَة مُرْضِع وَلَده تَحْمِلهُ عَلَى يَدهَا حَتَّى وَضَعَتْهُ بِجَانِب فِرَاشه ثُمَّ تَرَكَتْه وَانْصَرَفَتْ، فَمَا زَالَ الطِّفْل يَدبّ عَلَى أَطْرَافه حَتَّى عَلَا صَدْر أَبِيهِ، فَأَحَسَّ بِهِ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ فَرَآهُ فَابْتَسَمَ لِمَرْآهُ وَضَمّه إِلَى صَدْره ضَمَّة الرِّفْق وَالْحَنَان وَأَدْنَى فَمه مِنْ وَجْهه لِيُقَبِّلهُ ثُمَّ اِنْتَفَضَ فَجْأَة وَدَفَعَه عَنْهُ بِيَدِهِ دَفْعَة شَدِيدَة، وَأَخْذ يَصِيح: «أَبْعَدُوهُ عَنِّي؛ لَا أَعْرِفهُ، لَيْسَ لِي أَوْلَاد وَلَا نِسَاء؛ سَلُوا أُمّه عَنْ أَبِيهِ مَنْ هُوَ وَاذْهَبُوا بِهِ إِلَيْه، لَا أَلْبَس العَار فِي حَيَاتِي وَأَتْرُكهُ أَثَرًا خَالِدًا وَرَائِي بَعْد مَمَاتِي». وَكَانَتْ المُرْضِع قَدْ سَمِعَتْ صِيَاح الطِّفْل فَعَادَتْ إِلَيْهِ وَحَمَلَتْهُ وَذَهَبَتْ بِهِ، فَسَمْع صَوْته وَهُوَ يَبْتَعِد عَنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَأَنْصَتَ إِلَيْهِ واستعبر بَاكِيًا وَصَاحَ: «أرْجِعُوهُ إِلَيَّ»، فَعَادَتْ بِهِ المُرْضِع فَتَنَاوَلَهُ مِنْ يَدهَا وَأَنْشَأَ يُقَلِّبُ نَظَره فِي وَجْهه وَيَقُول: «فِي سَبِيل اللهِ يَا بُنَيَّ مَا خَلَّفَ لَك أَبُوك مِنْ اليُتْم وَمَا خَلَّفَتْ لَك أُمّك مِنْ العَار فَاغْفِرْ لَهُمَا ذَنْبهمَا إِلَيْك فَلَقَدْ كَانَتْ أُمّك اِمْرَأَة ضَعِيفَة فَعَجَزَتْ عَنْ اِحْتِمَال صَدْمَة القَضَاء فَسَقَطَتْ، وَأَبُوك ـ فِي جَرِيمَته التِي اجترمها ـ أَسَاءَ مِنْ حَيْثُ أَرَادَ الإِحْسَان. سَوَاء كُنْتَ وَلَدِي يَا بُنَيَّ أَمْ وَلَد الجَرِيمَة فَإِنِّي قَدْ سَعِدْتُ بِك حِقْبَة مِنْ الدَّهْر فَلَا أَنْسَى يَدك عِنْدِي حَيًّا أَوْ مَيِّتًا»، ثُمَّ اِحْتَضَنَهُ إِلَيْهِ وَقَبِلَهُ فِي جَبِينه قُبْلَة لَا أَعْلَم هَلْ هِيَ قُبْلَة الأَب الرَّحِيم أَوْ المُحْسِن الكَرِيم. وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنْهُ الجهْد فَعَاوَدَتْهُ الحُمَّى وَغَلَتْ نَارهَا فِي رَأْسه وَمَازَالَ يَثْقُل شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى خِفْتُ عَلَيْهِ التَّلَف فَأَرْسَلْتُ وَرَاء الطَّبِيب فَجَاءَ وَأَلْقَى عَلَيْهِ نَظْرَة طَوِيلَة ثُمَّ

стр. 163

اِسْتَرَدَّهَا مَمْلُوءَة يَأْسًا وَحُزْنًا. ثُمَّ بَدَأَ يَنْزِع نَزْعًا شَدِيدًا وَيَئِنّ أَنِينًا مُؤْلِمًا فَلَمْ تَبْقَ عَيْن مِنْ العُيُون المُحِيطَة بِهِ إِلَّا ارفَضَّتْ عَنْ كُلّ مَا تَسْتَطِيع أَنْ تَجُود بِهِ مِنْ مَدَامِعهَا. فَإِنَّا لِجُلُوس حَوْله وَفْد بَدَأَ المَوْت يُسْبِل أَسْتَاره عَلَى سَرِيره وَإِذَا اِمْرَأَة مؤتزرة بِإِزَار أَسْوَد قَدْ دَخَلَتْ الحُجْرَة وَتَقَدَّمَتْ نَحْوه بِبُطْء حَتَّى رَكَعَتْ بِجَانِبِهِ ثُمَّ أَكَبَتْ (١) عَلَى يَده المَوْضُوعَة فَوْق صَدْره فَقَبَّلَتْهَا وَأَخَذَتْ تَقُول لَهُ: «لَا تُخْرِج مِنْ الدُّنْيَا وَأَنْتِ مُرْتَاب فِي وَلَدك فَإِنَّ أُمّه تَعْتَرِف بَيْن يَدَيْك وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى رَبّك أَنَّهَا ـ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ دَنَتْ مِنْ الجَرِيمَة ـ وَلَكِنَّهَا لَمْ تَرْتَكِبهَا فَاعْفُ عَنِّي يَا وَالِد وَلَدِي». ثُمَّ اِنْفَجَرَتْ بَاكِيَة فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَأَلْقَي عَلَى وَجْههَا نَظْرَة بَاسِمَة كَانَتْ هِيَ آخِر عَهْده بِالْحَيَاةِ وَقَضَى (٢). الآن عُدْت مِنْ المَقْبَرَة بَعْد مَا دَفَنَتْ صَدِيقِي بِيَدِي وَأَوْدَعَتْ حُفْرَة القبْر ذَلِكَ الشَّبَاب النَّاضِر والروض الزَّاهِر وَجَلَسْتُ لِكِتَابَة هَذِهِ السُّطُور وَأَنَا لَا أَكَاد أَمَلك مَدَامِعِي وَزَفَرَاتِي، فَلَا يُهَوِّن وَجْدِي عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّ الأُمَّة كَانَتْ عَلَى بَاب خَطِر عَظِيم مِنْ أخطارها فَتَقَدِّم هُوَ أَمَامهَا إِلَى ذَلِكَ الخَطَر وَحْده فَاقْتَحَمَهُ فَمَاتَ» (٣). اعتراف لابد منه: آن لنا أن نعترف أنه مهما جمّلنا الاختلاط واستهَنَّا به فإن مساوئه تلاحقنا، وأضراره تفتك بعائلاتنا، وأن الفطرة السليمة تأنف التسليم بأن الاختلاط هو جو صحي في العلاقات

стр. 164

الاجتماعية، تلك الفطرة التي دفعت معظم من شملهم التحقيق (٧٦%) أن يفضلوا العمل في مجال غير مختلط. ونفس النسبة أيضًا (٧٦%) قالوا أن الاختلاط لا يجوز شرعًا. أما الملفت للنظر هو ليس هذه النسب المشرفة التي تدل على نظافة مجتمعنا الإسلامي في نفوس أصحابه بل الذي استوقفنا هو تلك النسبة القليلة التي أقرت بجواز الاختلاط وهم (١٢%). هذه المجموعة من الأشخاص قالوا ودون استثناء أن الاختلاط يجوز ولكن بضوابط الدين، والعرف، والعادات، والأخلاق والضمير، والحشمة، والستر ... إلى آخر هذه السلسلة من القيم الجميلة والتي برأيهم تحفظ للاختلاط حدوده. ونسألهم، هل الاختلاط الذي نراه اليوم في جامعاتنا وأسواقنا ومواقع العمل، وتجمعاتنا الأسرية، والاجتماعية، تنطبق عليه هذه المزايا السالفة الذكر؟ أم أن هذه الأماكن تعُجّ بالتجاوزات في الملبس والحديث والتصرفات، فنرى التبرج والسفور والفتن والعلاقات المشبوهة، لا أخلاق ولا ضمير، ولا ستر، وكأن لسان الحال يقول: إن الاختلاط بصورته الحالية لا يرضى عنه حتى من يؤيدون الاختلاط في أجواء نظيفة. آن لنا أن نعترف بأن الاختلاط هو ذاك الشيء الدافئ، اللزج الرطب، الذي يمثل أرضًا خصبة للفطريات الاجتماعية السامة أن تنمو في زواياه وجدرانه وسقفه، تنمو وتتكاثر وتتشابك دون أن يشعر أحد أن الاختلاط هو السبب، ليكون الاختلاط بحق هو رأس الفتنة الصامت، وفي ظله تزل القلوب والشهوات وتُفجَّر الخيانات وتُحطّم البيوت والأفئدة. نسأل الله السّلامة والعافية وصلاح الحال (١).

стр. 165

الاختلاط في العمل قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في رسالته المشهورة (خطر مشاركة المرأة للرجل في ميدان عمله): «إن الدعوة إلى نزول المرأة للعمل في ميدان الرجل المؤدي إلى الاختلاط سواء كان ذلك على جهة التصريح أو التلويح بحجة أن ذلك من مقتضيات العصر ومتطلبات الحضارة أمر خطير جدًا له تبعاته الخطيرة وثمراته المرة وعواقبه الوخيمة، رغم مصادمته للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه. ومَن أراد أن يعرف عن كثب ما جناه الاختلاط من المفاسد التي لا تحصى فلينظر إلى تلك المجتمعات التي وقعت في هذا البلاء العظيم اختيارًا أو اضطرارًا بإنصاف من نفسه وتجرد للحق عما عداه يجد التذمر ـ على المستوى الفردي والجماعي ـ والتحسر على انفلات المرأة من بيتها وتفكك الأسر، ونجد ذلك واضحًا على لسان الكثير من الكتاب، بل في جميع وسائل الإعلام، وما ذلك إلا لأن هذا هدم للمجتمع وتقويض لبنائه. والأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية وتحريم النظر إليها وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله أدلة كثيرة، قاضية بتحريم الاختلاط لأنه يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. وإخراج المرأة من بيتها الذي هو مملكتها ومنطلقها الحيوي في هذه الحياة، إخراج لها عما تقتضيه فطرتها وطبيعتها التي جبلها الله عليها. فالدعوة إلى نزول المرأة في الميادين التي تخص الرجال أمر خطير على المجتمع الإسلامي، ومن أعظم آثاره الاختلاط الذي يعتبر من أعظم وسائل الزنا الذي يفتك بالمجتمع ويهدم قيمه وأخلاقه.

стр. 166

ومعلوم أن الله ﵎ جعل للمرأة تركيبًا خاصًا يختلف تمامًا عن تركيب الرجل، هيأها به للقيام بالأعمال التي في داخل بيتها والأعمال التي بين بنات جنسها. ومعنى هذا: أن إقحام المرأة لميدان الرجال الخاص بهم يعتبر إخراجًا لها عن تركيبها وطبيعتها، وفي هذا جناية كبيرة على المرأة وقضاء على معنويتها وتحطيم، ويتعدى ذلك إلى أولاد الجيل من ذكور وإناث إذ إنهم يفقدون التربية والحنان والعطف، فالذي يقوم بهذا الدور ـ وهو الأم ـ قد فُصلتْ منه وعُزلتْ تمامًا عن مملكتها التي لا يمكن أن تجد الراحة والاستقرار والطمأنينة إلا فيها؛ وواقع المجتمعات التي تورطت في هذا أصدق شاهد على ما نقول. والإسلام جعل لكل من الزوجين واجبات خاصة على كل واحد منهما أن يقوم بدوره ليكتمل بذلك بناء المجتمع في داخل البيت وفي خارجه. فالرجل يقوم بالنفقة والاكتساب، والمرأة تقوم بتربية الأولاد والعطف والحنان والرضاعة والحضانة والأعمال التي تناسبها لتعليم البنات وإدارة مدارسهن والتطبيب والتمريض لهن ونحو ذلك من الأعمال المختصة بالنساء. وأمْرُ الله سبحانه للمرأة بقرارها في بيتها ونهيها عن التبرج معناه النهي عن الاختلاط وهو: اجتماع الرجال بالنساء الأجنبيات في مكان واحد بحكم العمل أو البيع أو الشراء أو النزهة أو السفر أو نحو ذلك؛ لأن اقتحام المرأة في هذا الميدان يؤدي بها إلى الوقوع في المنهي عنه وفي ذلك مخالفة لأمر الله وتضييع لحقوق الله المطلوب شرعًا من المسلمة أن تقوم بها. والكتاب والسنة دلا على تحريم الاختلاط وتحريم جميع الوسائل المؤدية إليه.

стр. 167

قال الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ (الأحزاب: ٣٣ - ٣٤). فأمر الله أمهات المؤمنين ـ وجميع المسلمات والمؤمنات داخلات في ذلك ـ بالقرار في البيوت لما في ذلك من صيانتهن وإبعادهن عن وسائل الفساد، لأن الخروج لغير حاجة قد يُفْضِي إلى التبرج، كما قد يُفْضِي إلى شرور أخرى، ثم أمرهن بالأعمال الصالحة التي تنهاهن عن الفحشاء والمنكر وذلك بإقامتهن الصلاة وإيتائهن الزكاة وطاعتهن لله ولرسوله ﵌، ثم وجَّهَهُنَّ إلى ما يعود عليهن بالنفع في الدنيا والآخرة وذلك بأن يَكُنَّ على اتصال دائم بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية المطهرة اللذين فيهما ما يجلو صدأ القلوب ويطهرها من الأرجاس والأنجاس ويرشد إلى الحق والصواب. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ (الأحزاب: ٥٩). فأمر الله نبيه ﵊ وهو المبلغ عن ربه أن يقول لأزواجه وبناته وعامة نساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن وذلك يتضمن ستر باقي أجسامهن بالجلابيب، وذلك إذا أردن الخروج لحاجة لئلا تحصل لهن الأذية من مرضى القلوب. فإذا كان الأمر بهذه المثابة فما بالك بنزولها إلى ميدان الرجال واختلاطها معهم، وإبداء حاجتها إليهم بحكم الوظيفة، والتنازل عن كثير من أنوثتها لتنزل في مستواهم، وذهاب كثير من حيائها ليحصل بذلك الانسجام بين الجنسين المختلفين معنىً وصورة.

стр. 168

قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: ٣٠ - ٣١). يأمر الله نبيه ﵊ أن يبلغ المؤمنين والمؤمنات أن يلتزموا بغض البصر وحفظ الفرج عن الزنا، ثم أوضح ـ سبحانه ـ أن هذا الأمر أزكى لهم. ومعلوم أن حفظ الفرج من الفاحشة إنما يكون باجتناب وسائلها، ولا شك أن إطلاق البصر واختلاط النساء بالرجال والرجال بالنساء في ميادين العمل وغيرها من أعظم وسائل وقوع الفاحشة، وهذان الأمران المطلوبان من المؤمن يستحيل تحققهما منه وهو يعمل مع المرأة الأجنبية كزميلة أو مشاركة له في العمل. فاقتحامها هذا الميدان معه أو اقتحامه الميدان معها لا شك أنه من الأمور التي يستحيل معها غض البصر وإحصان الفرج والحصول على زكاة النفس وطهارتها. وهكذا أمر الله المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها، وأمرهن الله بإسدال الخمار على الجيوب المتضمن ستر رأسها ووجهها، لأن الجيب محل الرأس والوجه. فكيف يحصل غض البصر وحفظ الفرج، وعدم إبداء الزينة عند نزول المرأة ميدان الرجال واختلاطها معهم في الأعمال والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير. وكيف يحصل للمرأة المسلمة أن تغض بصرها وهي تسير مع الرجل الأجنبي جنبًا إلى جنب بحجة أنها تشاركه في الأعمال أو تساويه في جميع ما يقوم به. والإسلام حرّم جميع الوسائل والذرائع الموصلة إلى الأمور المحرمة؛ ولذلك حرم

стр. 169

الإسلام على النساء خضوعهن بالقول للرجال لكونه يفضي إلى الطمع فيهن كما في قوله : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (الأحزاب: ٣٢) يعني مرض الشهوة فكيف يمكن التحفظ من ذلك مع الاختلاط. ومن البديهي أنها إذا نزلت إلى ميدان الرجال لا بد أن تكلمهم وأن يكلموها ولا بد أن ترقق لهم الكلام وأن يرققوا لها الكلام، والشيطان من وراء ذلك يزين ويحَسِّن ويدعو إلى الفاحشة حتى يقعوا فريسة له، والله حكيم عليم حيث أمر المرأة بالحجاب، وما ذاك إلا لأن الناس فيهم البر والفاجر والطاهر والعاهر، فالحجاب يمنع بإذن الله من الفتنة ويحجز دواعيها وتحصل به طهارة قلوب الرجال والنساء، والبعد عن مظان التهمة قال الله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣). وخير حجاب للمرأة بعد حجاب وجهها وجسمها باللباس هو بيتها. وحرم عليها الإسلام مخالطة الرجال الأجانب لئلا تعرض نفسها للفتنة بطريق مباشر أو غير مباشر. وأمرها بالقرار في البيت وعدم الخروج منه إلا لحاجة مباحة مع لزوم الأدب الشرعي، وقد سمى الله مكث المرأة في بيتها قرارا، وهذا المعنى من أسمى المعاني الرفيعة ففيه استقرار لنفسها وراحة لقلبها وانشراح لصدرها. فخروجها عن هذا القرار يُفْضِي إلى اضطراب نفسها، وقلق قلبها، وضيق صدرها، وتعريضها لما لا تحمد عقباه. ونهى الإسلام عن الخلوة بالمرأة الأجنبية على الإطلاق إلا مع ذي محرم، وعن

стр. 170

السفر إلا مع ذي محرم سدًّا لذريعة الفساد وإغلاقًا لباب الإثم وحسمًا لأسباب الشر وحماية للنوعين من مكايد الشيطان. فالإسلام حريص جدًا على جلب المصالح ودرء المفاسد وغلق الأبواب المؤدية إليها، ولاختلاط المرأة مع الرجل في ميدان العمل تأثير كبير في انحطاط الأمة وفساد مجتمعها كما سبق؛ لأن المعروف تاريخيًا عن الحضارات القديمة الرومانية واليونانية ونحوهما أن من أعظم أسباب الانحطاط والانهيار الواقع بها هو خروج المرأة من ميدانها الخاص إلى ميدان الرجال ومزاحمتهم، مما أدى إلى فساد أخلاق الرجال وتركهم لما يدفع بأمتهم إلى الرقي المادي والمعنوي، وانشغال المرأة خارج البيت يؤدي إلى بطالة الرجل وخسران الأمة بانحلال الأسرة وانهيار صرحها وفساد أخلاق الأولاد، ويؤدي إلى الوقوع في مخالفة ما أخبر الله به في كتابه من قوامة الرجل على المرأة. وقد حرص الإسلام أن يبعد المرأة عن جميع ما يخالف طبيعتها، فمنعها من تولي الولاية العامة كرئاسة الدولة والقضاء وجميع ما فيه مسئوليات عامة لقوله ﵌: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً». (رواه البخاري في صحيحه). ففَتْحُ الباب لها بأن تنزل إلى ميدان الرجال يعتبر مخالفًا لما يريده الإسلام من سعادتها واستقرارها؛ فالإسلام يمنع تجنيد المرأة في غير ميدانها الأصيل. وقد ثبت من التجارب المختلفة وخاصة في المجتمع المختلط أن الرجل والمرأة لا يتساويان فطريًا ولا طبيعيًا فضلًا عما ورد في الكتاب والسنة واضحًا جليًّا في اختلاف الطبيعتين والواجبين، والذين ينادون بمساواة الجنس اللطيف ـ المُنَشّأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ـ بالرجال يجهلون أو يتجاهلون الفوارق الأساسية بينهما.

стр. 171

لقد ذكرنا من الأدلة الشرعية والواقع الملموس ما يدل على تحريم الاختلاط واشتراك المرأة في أعمال الرجال مما فيه كفاية ومقنع لطالب الحق، ولكن نظرًا إلى أن بعض الناس قد يستفيدون من كلمات رجال الغرب والشرق أكثر مما يستفيدون من كلام الله وكلام رسوله ﵌ وكلام علماء المسلمين رأينا أن ننقل لهم ما يتضمن اعتراف رجال الغرب والشرق بمضار الاختلاط ومفاسده لعلهم يقتنعون بذلك، ويعلمون أن ما جاء به دينهم العظيم من منع الاختلاط هو عين الكرامة والصيانة للنساء وحمايتهن من وسائل الإضرار بهن والانتهاك لأعراضهن. قالت الكاتبة الإنجليزية الليدي كوك: «إن الاختلاط يألفه الرجال؛ ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا، وهاهنا البلاء العظيم على المرأة ... ـ إلى أن قالت ـ: علِّموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد». وقال شوبِنْهَوَر الألماني: «قل هو الخلل العظيم في ترتيب أحوالنا الذي دعا المرأة لمشاركة الرجل في علو مجده، وباذخ رفعته وسهل عليها التعالي في مطامعها الدنيئة حتى أفسدت المدنية الحديثة بقوى سلطانها ودنيء آرائها». وقال اللورد بَيْرُون: «لو تفكرتَ أيها المطالع فيما كانت عليه المرأة في عهد قدماء اليونان لوجدتَّها في حالة مصطنعة مخالفة للطبيعة ولرأيت معي وجوب إشغال المرأة بالأعمال المنزلية مع تحسين غذائها وملبسها فيه، وضرورة حجبها عن الاختلاط بالغير». اهـ. وقال سامويل سمايلس الإنجليزي: «إن النظام الذي يقضي بتشغيل المرأة في المعامل مهما نشأ عنه من الثروة للبلاد، فإن نتيجته كانت هادمة لبناء الحياة المنزلية؛ لأنه هاجم هيكل المنزل وقوَّض أركان الأسرة ومزّق الروابط الاجتماعية، فإنه يسلب

стр. 172

الزوجة من زوجها والأولاد من أقاربهم صار بنوع خاص لا نتيجة له إلا تسفيل أخلاق المرأة، إن وظيفة المرأة الحقيقية هي القيام بالواجبات، مثل ترتيب مسكنها، وتربية أولادها والاقتصاد في وسائل معيشتها، مع القيام بالاحتياجات البيتية ولكن المعامل تسلخها من كل هذه الواجبات، بحيث أصبحت المنازل غير منازل، وأصبحت الأولاد تشب على عدم التربية وتلقى في زوايا الإهمال، وانطفأت المحبة الزوجية، وخرجت المرأة عن كونها الزوجة الظريفة، والقرينة المحبة للرجل وصارت زميلته في العمل والمشاق، وباتت معرضة للتأثيرات التي تمحو غالبا التواضع الفكري والأخلاقي الذي عليه مدار حفظ الفضيلة». وقالت الدكتورة إيدايلين: «إن سبب الأزمات العائلية في أمريكا وسر كثرة الجرائم في المجتمع هو أن الزوجة تركت بيتها لتضاعف دخل الأسرة فزاد الدخل وانخفض مستوى الأخلاق»، ثم قالت: «إن التجارب أثبتت أن عودة المرأة إلى الحريم (١) هو الطريق الوحيد لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الذي يسير فيه». وقال أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي: «إن المرأة تستطيع أن تخدم الدولة حقًّا إذا بقيَتْ في البيت الذي هو كيان الأسرة». وقال عضو آخر: «إن الله عندما منح المرأة ميزة إنجاب الأولاد لم يطلب منها أن تتركهم لتعمل في الخارج بل جعل مهمتها البقاء في المنزل لرعاية هؤلاء الأطفال». وقال شوبِنْهَوَر الألماني أيضا: «اتركوا للمرأة حريتها المطلقة كاملة بدون رقيب ثم

стр. 173

قابلوني بعد عام لتَرَوا النتيجة ولا تنسوا أنكم سترثون معي الفضيلة والعفة والأدب. وإذا مِتُّ فقولوا: أخطأ أو أصاب كبد الحقيقة» (١). ولو أردنا أن نستقصي ما قاله منصفو الغرب في مضار الاختلاط الذي هو نتيجة نزول المرأة إلى ميدان أعمال الرجال لطال بنا المقال ولكن الإشارة المفيدة تكفي عن طول العبارة. والخلاصة: أن استقرار المرأة في بيتها والقيام بما يجب عليها من تدبيره بعد القيام بأمور دينها هو الأمر الذي يناسب طبيعتها وفطرتها وكيانها، وفيه صلاحها وصلاح المجتمع وصلاح الناشئة فإن كان عندها فضل ففي الإمكان تشغيلها في الميادين النسائية كالتعليم للنساء، والتطبيب والتمريض لهن ونحو ذلك مما يكون من الأعمال النسائية في ميادين النساء كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وفيها شغل لهن شاغل، وتعاون مع الرجال في أعمال المجتمع وأسباب رقيه كل في جهة اختصاصه. ولا ننسى هنا دور أمهات المؤمنين ﵃ ومن سار في سبيلهن وما قُمْنَ به من تعليم للأمة وتوجيه وإرشاد وتبليغ عن الله سبحانه، وعن رسوله ﵌ فجزاهن الله عن ذلك خيرًا وأكثَرَ في المسلمين اليوم أمثالَهُن مع الحجاب والصيانة والبعد عن مخالطة الرجال في ميدان أعمالهم». (٢)

стр. 174

٢.٥مليون توقيع: نشرت جريدة الأخبار المصرية ما يلي: «مللنا المساواة مع الرجال ... مللنا حالة التوتر الدائم ليل نهار ... مللنا الاستيقاظ عند الفجر؛ للجري وراء المترو ... مللنا الحياة الزوجية التي لا يرى فيها الزوج زوجته إلا عند النوم ... مللنا الحياة العائلية التي لا ترى الحرية والمساواة ... وأهلًا بعصر الحريم. والتوقيع ٢.٥ مليون نسمة فرنسية بمجلة «ماري كليير الباريسية» (١).

стр. 175

فتاوى متعلقة بالاختلاط في العمل حكم عمل المرأة في مكان مختلط: س: فتاة أو امرأة مسلمة متحجبة ومحافظة، تعمل بجانب رجال بإدارة أو مؤسسة أو معمل، مع العلم أن الإدارة لا تخلو من كاسيات وعاريات فاسخات ورجال ما حكم وجود هذه المسلمة بين نارين؟ ج: لا يجوز للمرأة أن تشتغل مع رجال ليسوا محارم لها؛ لما يترتب على وجودها معهم من المفاسد، وعليها أن تطلب الرزق من طرق لا محذور فيها، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا، وقد صدر من اللجنة فتوى في ذلك، هذا نصها: «أما حكم اختلاط النساء بالرجال في المصانع أو في المكاتب بالدول غير الإسلامية ـ فهو غير جائز، ولكن عندهم ما هو أبلغ منه، وهو الكفر بالله جل وعلا، فلا يستغرب أن يقع بينهم مثل هذا المنكر، وأما اختلاط النساء بالرجال في البلاد الإسلامية وهم مسلمون فحرام، واجب على مسئولي الجهة التي يوجد فيها هذا الاختلاط أن يعملوا على جعل النساء على حدة والرجال على حدة؛ لما في الاختلاط من المفاسد الأخلاقية التي لا تخفى على من له أدنى بصيرة (١). س: ما حكم المرأة التي تعمل وهي متزوجة ؟ ج: لا يجوز للمرأة العمل مع الاختلاط بالرجال، سواء المتزوجة وغيرها؛ لأن الله ـ سبحانه ـ جَبَلَ الرجالَ على الميل إلى النساء، والنساء جبلَهُنَّ على الميل إلى الرجال، مع وجود ضعف فيهن، فإذا حصل الاختلاط وقعت الفتنة، وصار سببًا في وقوع الفساد؛ لأن

стр. 176

النفس أمارة بالسوء، لكن يجوز العمل في محيط ليس فيه اختلاط بالرجال بإذن زوجها (١). عمل المرأة سكرتيرة في مكتب للرجال: س: أعمل سكرتيرة في شركة ومكتبي فيه رجال واختلاط بين الجنسين فما حكم عملي؟ ج: الاختلاط بين الرجال والنساء محرم، وفي السؤال رقم (١٢٠٠) من هذا الموقع تجدين الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، بل وبعض الدراسات المعاصرة تثبت خطورة الاختلاط وآثاره السيئة، حتى على الشريفات العفيفات، والقصص والشواهد الواقعية في القديم والحديث، كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، ومهما وثق الشخص في نفسه ـ ولا ينبغي له أن يثق ـ فإنه لا يثق في الشيطان. وكم من حوادث الزنا والتحرش الجنسي قد وقعت في أماكن العمل المختلط حتى أدرك الكفار هذا وعملوا الدراسات والإجراءات لمعالجته بلا فائدة واضحة، لأن الأصل فاسد وهو السماح بالاختلاط بين الجنسين وقد اضطرت شركات قطارات الأنفاق إلى تخصيص عربات خاصة للنساء خصوصًا في الأوقات المتأخرة من الليل. وحوداث طلاق المدراء والرجال من زوجاتهم لأجل علاقاتهم بسكرتيراتهم مشهورة جدًا، وحوداث الزنا داخل المكاتب مشهورة في أماكن الاختلاط، بل إن السكرتيرة تُتخذ في بعض الشركات وسيلة ترفية للمدير والمسئول ونحوهما، نسأل الله العافية (٢). هل يجوز للأب إجبار ابنته على العمل في مكان مختلط ؟ س: هل يمكن للوالد إجبار ابنته على العمل في وسط مختلط؟ ج: العمل في الأماكن المختلطة لا يَسْلَمْ من الوقوع في الحرام، نظرًا أو خلوةً أو ميلًا

стр. 177

قلبيًا، ولهذا أفتى العلماء بتحريمه مراعاة لغالب الحال، جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (١٢/ ١٥٦): «الاختلاط بين الرجال والنساء في المدارس أو غيرها من المنكرات العظيمة، والمفاسد الكبيرة في الدين والدنيا، فلا يجوز للمرأة أن تدرس أو تعمل في مكان مختلط بالرجال والنساء، ولا يجوز لوليها أن يأذن لها بذلك». وبناء على ذلك فليس للأب أن يجبر ابنته على العمل المختلط، وإذا أجبرها على ذلك لم تجب طاعته؛ لقول النبي ﵌: «لاَ طَاعَةَ فِى مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِى الْمَعْرُوفِ» (رواه البخاري ومسلم). وعلى البنت أن تبين لأبيها مخاطر العمل المختلط وحرمته، وأن تُذَكِّره بواجبه في حفظ أهله ووقايتهم من النار، وذلك بالأسلوب الحكيم والموعظة الحسنة» (١). عمل المرأة مع الرجال بغرض دعوة النساء: س: أنا شاب ملتزم ولله الحمد والمنة، بل ومن طلبة العلم، ونسأل الله الصدق في المقصد والعمل، وكذا زوجتي ولله المنة ملتزمة، ونحن من مصر، ونقيم في الأحساء، وتنتهي الإقامة هذه السنة، عملي في التدريس وكذا الزوجة، وحينما اقتربت العودة إلى مصر بدأت هذه المشكلة، وهي عمل الزوجة. وسماحتكم تعرف أن بلادنا تقر الاختلاط، ومفاسده لا تخفى على أحد، غير أن هناك مدارس خاصة بالبنات، وأخرى للبنين، ولكن القائمين بالتدريس فيها رجال ونساء، ولا يخصصون النساء للتدريس للبنات، وهذه هي المشكلة والعلة. ولكن يا سماحة الوالد الدعوة تسير سيرًا حثيثًا، وخاصة في مجال البنات، وبفضل

стр. 178

الله الملتزمات في زيادة مضطردة وهن في حاجة إلى التوجيه، وأنا هنا أقف حائرًا: - بين السماح للزوجة بالعمل في مدارس البنات ودعوتهن بالحكمة والموعظة الحسنة، مع تحجبها الشرعي الكامل عن زملائها من الرجال، وعدم مخاطبتهم، وهذا ممكن خاصة في التدريس، فيمكنها عدم التعامل معهم نهائيًّا، وذلك بالدخول إلى حجرة المدرسات في غير وقت الحصص الدراسية. - وبين مكوثها بالبيت مع ما في ذلك من ترك المجال لنساء أخريات، نحن أكثر علمًا بهن، وبفساد أخلاقهن، والظهور أمام البنات بمظهر سيئ، غالبًا ما تظن الفتاة الصغيرة أن ذلك هو القدوة، مع مخالفة ذلك لشرع الله ﵎. ولذلك أرفع إليكم مشكلتي لتفتوني فيها؛ هل أبقيها في البيت، أم أتركها للعمل والدعوة معًا؟ ومجال البنات كبير فهي شريحة لا يُستهان بها في مجتمع مثل مصر. ج: إذا كان الحال ما ذكر من وجود اختلاط رجال ونساء في المدرسة، فلا يجوز للمرأة التدريس في هذه المدرسة التي يؤدي العمل فيها إلى الاختلاط لما هو معلوم في الشرع المطهر من تحريم الاختلاط والخلوة، وما يترتب على ذلك من المفاسد، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا (١). جلوس المرأة مع المدرسين في المدرسة: س: هل جلوس المرأة مع المدرسين في المدرسة لا يجوز شرعًا؟ وإن كان الهدف ساميًا، والنية صادقة لا وسوسة فيها؟ ج: كان النساء في زمن النبي ﵌ إذا خرجْنَ إلى الصلاة في المساجد أو إلى مصلى الأعياد، يجلسن خلف الرجال، ويصففن في الصلاة خلف الرجال، حتى أن النبي ﵌

стр. 179

كان إذا ظن في الأعياد أنه لم يسمع النساء ذهب إليهن بعد تذكير الرجال، فوعظهن وذكَّرهن، وأمرهن بما أراد، وذلك مع صلاحهن وقوة إيمانهن وصلاح المجتمع وسلامته من الفساد؛ فالواجب على النساء مدرسات وغير مدرسات انفراد جماعتهن عن جماعة الرجال في جانب المدرسة وغيرها؛ اقتداء بالصحابيات الطاهرات، ودرءًا للفتنة، وسدًا لذريعة الفساد، وإن كانت النية صادقة والهدف ساميًا (١). عمل الرجل في مكان مختلط: س: رجل يعمل في مكاتب حكومية، وفي نفس المكان توجد نساء كاسيات عاريات، فهل مرتبه حلال أو حرام؟ وهل استمراره في العمل نفسه جائز شرعًا أم غير جائز؟ العمل شركة كهرباء القاهرة، الوظيفة محاسب، وهل إذا انتقل إلى مكتب آخر ليس به نساء يصبح ذلك جائزًا أم غير جائز؟ علما بأن الشركة مليئة بالنساء الكاسيات العاريات. ج: إذا كان الواقع كما ذكر من الاختلاط على الوجه المذكور في العمل، فعليه أن يتجنب ذلك العمل؛ محافظة على دينه وبعدا عن مثار الفتنة، أما مرتبه ومكافأته على عمله فهما حلال له إذا كان نفس العمل الذي يقوم به حلالًا؛ كالخياطة والنسيج والتجارة المباحة ونحوها، وإذا انتقل إلى مكان لا اختلاط فيه بالنساء فهو المتعين إذا كان نفس العمل مباحًا (٢). س: عندنا في العمل الحكومي يوجد الاختلاط بصورة مشينة، فجميع المكاتب بالدائرة التي نعمل بها يوجد بها النساء أكثر من الرجال، وطبعا معظم النساء متبرجات بصورة مزرية، ويقع بصرنا رغمًا عنّا على هذه المناظر، فما نصيحتكم لمثلنا في هذا الأمر؟

стр. 180

أأمكث في هذا العمل، أم نبحث عن غيره؟ ج: إذا كان الواقع كما ذكرت، ولم تستطع تغيير المنكر، فاجتهد مع المسئولين في نقلك إلى عمل آخر لا اختلاط فيه، فإذا لم يتم ذلك فاترك هذا العمل واكتسب من عمل لا منكر فيه، ولو غير حكومي؛ محافظةً على دينك، وبعدا عن مثار الفتنة، وطرق الكسب المشروعة كثيرة. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ (الطلاق: ٢ - ٣).وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ (الطلاق: ٤) (١). ضوابط عمل الرجل في مكان مختلط: س: أنا شاب ملتزم، ولله الحمد، ولكن مشكلتي أني أعمل في أحد المستشفيات الحكومية ـ ومعروف الاختلاط فيها ـ وأعمل في قسم العمليات الجراحية، فأنا الآن أفكر في ترك الوظيفة علما بأني أتحمل بعض الديون فهل أترك الوظيفة؟ ج: إذا كنت محتاجًا إلى هذا العمل ولم تجد عملًا غيره يسلم من الاختلاط، وتقيدت بالضوابط الشرعية من عدم الخلوة وعدم المصافحة وعدم إطلاق النظر إلى النساء ونحو ذلك، جاز لك العمل ولا يجب عليك ترك الوظيفة. وإذا كان عملك يلزم منه الوقوع في هذه المحرمات فلا يجوز لك البقاء فيه إلا للضرورة التي لا يمكن دفعها إلا بالعمل في هذا المكان (٢).
следующие страницы →