ويدخل في اللهو والعبث كالاختلاط الذي يحدث في الأعراس.
- أن يخلو من مس أحد الجنسين الآخر.
- أن يخلو من تلاصق الأجسام عند الاجتماع.
- أن لا تظهر المرأة على حالة تثير الرجال من تعطر واستعمال لأدوات الزينة.
- أن يخلو من تبرج المرأة وكشف ما لا يجوز لها كشفه فتكون المرأة مستترة بالحجاب الشرعي الساتر لجميع جسدها، ومنه الوجه والكفان (١).
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: «ونقول لكل مؤمن ومؤمنة: فيما هو معلوم من الشرع المطهر، وعليه المحققون، أنه ليس لدعاة السفور دليل صحيح صريح، ولا عمل مستمر من عصر النبي ﵌ إلى أن حدث في المسلمين حادث السفور في بدايات القرن الرابع عشر، وأن جميع ما يستدل به دعاة السفور عن الوجه والكفين لا يخلو من حال من ثلاث حالات:
١ - دليل صحيح صريح، لكنه منسوخ بآيات فرض الحجاب كما يعلمه مَن حقق تواريخ الأحداث، أي قبل عام خمس من الهجرة، أو في حق القواعد من النساء، أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء.
٢ - دليل صحيح لكنه غير صريح، لا تثبت دلالته أمام الأدلة القطعية الدلالة من الكتاب والسنة على حجب الوجه والكفين كسائر البدن والزينة، ومعلوم أن رد المتشابه إلى المحكم هو طريق الراسخين في العلم.
стр. 72
٣ - دليل صريح لكنه غير صحيح، لا يُحتج به، ولا يجوز أن تعارض به النصوص الصحيحة الصريحة، والهدي المستمر من حجب النساء لأبدانهن وزينتهن، ومنها الوجه والكفان.
هذا مع أنه لم يقل أحد في الإسلام بجواز كشف الوجه واليدين عند وجود الفتنة ورقة الدين، وفساد الزمان، بل هم مجمعون على سترهما، كما نقله غير واحد من العلماء.
وهذه الظواهر الإفسادية قائمة في زماننا، فهي موجبة لسترهما، لو لم يكن أدلة أخرى.
وإن من الخيانة في النقل نسبةَ هذا القول إلى قائل به مطلقًا غير مقيد، لتقوية الدعوة إلى سفور النساء عن وجوههن في هذا العصر، مع ما هو مشاهد من رقة الدين والفساد الذي غَشِيَ بلاد المسلمين.
والواجب أصلًا هو ستر المرأة بدنها وما عليه من زينة مكتسبة، لا يجوز لها تعمد إخراج شيء من ذلك لأجنبي عنها، استجابةً لأمر الله سبحانه وأمر رسوله ﵌، وهدي الصحابة مع نسائهم، وعمل المسلمين عليه في قرون الإسلام المتطاولة. والحمد لله رب العالمين» (١).
ومن أوضح الأدلة التي ذكرها الشيخ بكر أبو زيد ﵀ على وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها وكفيها عند الرجال الأجانب:
الرخصة للقواعد من النساء بوضع الحجاب، وأن يستعففن خير لهن؛ قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ (النور: ٦٠).
стр. 73
قال ﵀: «رخَّص الله سبحانه للقواعد من النساء، أي: العجائز، اللائي تقدم بهن السنّ، فقعدن عن الحيض والحمل ويئِسْنَ من الولد أن يضعن ثيابهن الظاهرة من الجلباب والخمار، التي ذكرها الله سبحانه في آيات ضرب الحجاب على نساء المؤمنين، فيكشفن عن الوجه والكفين، ورفع تعالى الإثم والجناح عنهن في ذلك بشرطين:
الشرط الأول: أن يَكُنَّ من اللاتي لم يبق فيهن زينة ولا هن محل للشهوة، وهن اللائي لا يرجون نكاحًا، فلا يَطْمَعْنَ فيه، ولا يُطْمَع فيهن أن يُنكحن؛ لأنهن عجائز لا يَشتَهين ولا يُشتَهَيْن، أما من بقيت فيها بقية من جمال ومحل للشهوة، فلا يجوز لها ذلك.
الشرط الثاني: أن يكن غير متبرجات بزينة، وهذا يتكون من أمرين:
أحدهما: أن يَكُنَّ غير قاصدات بوضع الثياب التبرج، ولكن التخفيف إذا احتجن إليه.
وثانيهما: أن يكن غير متبرجات بزينة من حلي وكحل وأصباغ وتجمل بثياب ظاهرة، إلى غير ذلك من الزينة التي يفتن بها.
فلتحذر المؤمنة التعسف في استعمال هذه الرخصة، بأن تدعي بأنها من القواعد، وليست كذلك، أو تبرز متزينة بأيٍّ من أنواع الزينة.
ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، وهذا تحريض للقواعد على الاستعفاف وأنه خير لهن وأفضل، وإن لم يحصل تبرج منهن بزينة.
فدلَّت هذه الآية على فرض الحجاب على نساء المؤمنين لوجوههن وسائر أبدانهن وزينتهن؛ لأن هذه الرخصة للقواعد، اللاتي رُفع الإثم والجناح عنهن، إذ التهمة في حقهن مرتفعة، وقد بلغن هذا المبلغ من السن والإياس، والرخصة لا تكون إلا من عزيمة، والعزيمة فرض الحجاب في الآيات السابقة.
стр. 74
وبدلالة أن استعفاف القواعد خير لهن من الترخص بوضع الثياب عن الوجه والكفين، فوجب ذلك في حق من لم تبلغ سن القواعد من نساء المؤمنين، وهو أولى في حقهن، وأبعد لهن عن أسباب الفتنة والوقوع في الفاحشة، وإن فعلن فالإثم والحرج والجناح.
ولذا فإن هذه الآية من أقوى الأدلة على فرض الحجاب للوجه والكفين وسائر البدن، والزينة بالجلباب والخمار (١).
ومن أقوى الأدلة كذلك قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٩)، والقائلون بكشف وجه المرأة متفقون بأن الواجب على نساء النبي ﵌ أن يستُرْن وجوههن للأدلة الكثيرة على هذا، ولكنهم يرونه خاصًا بهن!، فكيف يكون ذلك والخطاب في هذه الآية للجميع؟!، ولماذا أدخلهن الله في هذه الآية وهي حسب زعمهم لا تدل على وجوب ستر الوجه؟؟!! أليس هذا من التناقض الذي ينزه عنه كتاب الله؟!
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: «في الآية قرينة نصية دالة على هذا المعنى للجلباب، وعلى هذا العمل الذي بادر إليه نساء الأنصار والمهاجرين ـ رضي الله عن الجميع ـ بستر وجوههن بإدناء الجلابيب عليها، وهي أن في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وجوب حجب أزواجه ﵌ وستر وجوههن، لا نزاع فيه بين أحد من المسلمين، وفي هذه الآية ذكر أزواجه ﵌ مع بناته ونساء المؤمنين، وهو ظاهر الدلالة على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب على جميع المؤمنات» (٢).
стр. 75
هل يقاس اختلاط التعليم والعمل على الاختلاط العابر (١):
يقيس دعاة الاختلاط اختلاط التعليم والعمل على الاختلاط العابر في المطاف والطريق، وإباحة النظر اليسير إلى المخطوبة والجلوس معها زمنًا يسيرًا بلا خلوة.
ومن المعلوم أن الشارع أباح النظر اليسير إلى المخطوبة والجلوس معها زمنًا يسيرًا بلا خلوة، وبناء على قياس دعاة الاختلاط فإنه ما دام الجلوس معها زمنًا يسيرًا جائزًا، فلا مانع من أن يجلس معها أيامًا وليالي، وينامان في غرفة واحدة بلا خلوة قياسًا على ما سبق؛ لأنه لا فرق ـ عند دعاة الاختلاط ـ بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام.
فمن قاس اختلاط المكث على الاختلاط العارض؛ فهو كمن قاس النوم مع المخطوبة بلا خلوة على الجلوس اليسير مع المخطوبة بلا خلوة!
وفي كل أبواب فقه الشريعة تجد الشارع إذا رخص في الزمن اليسير لم يسامح في الزمن الكثير، ولم يَجُز قياسُه عليه، فمثلًا، الله تعالى أجاز للجنب اللبث زمنًا يسيرًا في المسجد كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (النساء:٤٣)، فأجازه على وجه عبور السبيل لأنه زمن يسير، فبناءً على قياس دعاة الاختلاط فإنه ما دام لُبْث الجنب زمنًا يسيرًا في المسجد يجوز، فكذلك يجوز أن يعتكف هذا الجنب ليلةً في المسجد ـ أيضًا ـ قياسًا على ما أجازته الآية من اللبث زمنًا يسيرًا، فهل هذا قياس مقبول؟!
إن من قاس اختلاط المكث على الاختلاط العارض؛ فهو كمن قاس اعتكاف الجنب على لُبْث الجنب في المسجد، فكلاهما مهدِرٌ اعتبار تفريق الشارع بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام.
стр. 76
والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن الانحراف الأصولي في كلام دعاة الاختلاط أنهم قاسوا (الزمن الكثير) على (الزمن اليسير)، فصار مؤدى كلامهم أن طول الزمن وقصره لا أثر له على الأحكام، فلم يفهموا اعتبار الزمن في فقه الفروع، وتوهموا أن الحكم الشرعي إذا ثبت للزمن اليسير ثبت للزمن الطويل، ولذلك جاؤوا بهذا القياس الفاسد الاعتبار، وصار مقتضى قياسهم الفاسد أن كل ما عفت الشريعة فيه عن اليسير يعفى فيه عن الكثير!
والخلل في قياس دعاة الاختلاط أنهم لما رأو النبي ﵌ تَرَك الناس في الطواف والطريق يختلطون ـ لأنه زمان يسير عابر ـ ظنوا أنه يجوز أن يجلسوا مختلطين في مكتب واحد أو مقاعد دراسية واحدة طوال النهار ولمدة سنوات مع شدة الإفضاء إلى الفتنة! فهل يقول هذا رجل شم بأنفه كتب فقه الشريعة أو جالس أهل العلم الربانيين؟!
فثبوت الرخصة في شئ يسير لا يُجَوِّز أن يقاس عليه الشئ الكثير.
و (الزمن) طولًا وقصرًا ليس هو العلة التامة في الاختلاط، بل هو قرينة من القرائن والأوصاف المؤثرة، وإنما المناط التام في الاختلاط ـ وهو المناط الذي لاينخرم ـ هو (قوة الإفضاء إلى الفتنة) وليس الزمن إلا وصف أغْلبيٍّ من الأوصاف المؤثرة في قوة الإفضاء إلى الفتنة، فكلما اشتد إفضاء الاختلاط إلى الفتنة حَرُمَ، وكلما ضعف إفضاء الاختلاط إلى الفتنة شُرِعَ.
ومن تدبر فتاوى العلماء الربانيين من السلف ومن بعدهم رأى أنها كلها تدور حول شدة الإفضاء إلى الفتنة، ومن ذلك فتوى عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﵌ قَالَتْ: «لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ». (رواه البخاري ومسلم).
فعائشة ﵂ تتحدث عن أمر كان مشروعًا، لكنها لما رأت أن الفتنة اشتدت، أشارت إلى أن ذلك يؤول إلى التحريم، وأن هذا هو الذي فقهَتْه من رسول الله ﵌.
стр. 77
هل فرَّقَ النبي ﵌ بين الاختلاط العارض واختلاط المكث ؟ (١)
حين نتدبر صور الاختلاط في عهد النبوة التي من جنس واحد يتبين لنا فعلًا كيف ميّز النبي ﵌ في أحكامها طبقًا لعامل الزمن، أو بشكل أدق طبقًا لقوة الإفضاء إلى الفتنة، قارن مثلًا بين (الصلاة والطواف) ففي الطواف لأنه يأخذ زمنًا يسيرًا عابرًا رخص لهم النبي ﵌ في الطواف في وقت واحد مع كون النساء حَجْرَة، أو من وراء الرجال، أو متنكرات في الليل فإذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن وأخرج الرجال.
ففي صحيح البخاري أن ابن جريج قال لعطاء: «كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟»، قال: «لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: «انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ».قَالَتْ «انْطَلِقِي عَنْكِ»، وَأَبَتْ» (٢).
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ أَنِّي أَشْتَكِي (٣)، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﵌ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ (الطور: ١ - ٢). (رواه البخاري ومسلم).
ولكن في (الصلاة) ـ لأنها تأخذ زمنًا دوريًا متكررًا، وليست أمرًا عابرًا ـ فإن النبي ﵌ لم يرخص لهم في الاختلاط، بل وضع للرجال مصلى، وللنساء مصلى مستقل عنهم، وكان ينتظر هو وأصحابه حتى ينصرف النساء؛ فعن الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي
стр. 78
تَسْلِيمَهُ وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «فَأُرَى وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ الْقَوْمِ» (رواه البخاري).
ولم يكتف بذلك، بل جعل رسول الله ﵌ «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (رواه مسلم).
«وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا»؛ لأنها أقرب إلى الرجال، برغم أن المصليات مستقلة!
فمن تأمل تصرف النبي ﵌ في التفريق والتمييز بين (اختلاط المطاف واختلاط المصلى) وكيف تسامح في أحدهما وتحفظ في الآخر، علم علمًا قطعيًا أن النبي ﵌ قاصد إلى التمييز بين هذه الصور، وعدم وضعها موضعًا واحدًا، وبالتالي فالاختلاط الذي يأخذ زمنًا دوريًا متكررًا لايجوز أن يقاس على الاختلاط العابر الذي يأخذ زمنًا يسيرًا عارضًا.
ومن صور الاختلاط التي ميز النبي ﵌ بينها (الفتيا ومجلس العلم)، ففي الفتيا ـ لأنها مسألة واحدة في زمن يسير عابر ـ كانت المرأة تأتي وتسأل النبي ﵌ حتى لو كان حوله رجال، لأنه اختلاط عارض في زمن يسير عابر، ومن ذلك أن تميمة بنت وهب امرأة رفاعة القرظي جاءت تستفتي النبي ﵌ في أمر طلاقها وفي المجلس أصحاب النبي ﵌ كأبي بكر وخالد بن سعيد بن العاص، والقصة بتفصيلها رواها البخاري ومسلم.
ولكن في مجلس العلم ـ بسبب أنه اختلاط مُكْث ومجالسة ويأخذ زمنًا يحصل به رفع الكلفة وإلف كل من الطرفين للآخر ـ فإن النبي ﵌ لم يأذن للنساء أن يختلطن بالرجال، بل فصل بينهم، ووضع لكل منهم مجلسًا مستقلًا، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «قَالَتْ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﵌: «غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ؛ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ»، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ» (رواه البخاري).
стр. 79
فقول النساء للنبي ﵌: «غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ؛ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ»، دليل ظاهر في كون النبي ﵌ لم يرخص للنساء أن يأتين ويختلطن بالرجال في مجالس العلم التي يعقدها النبي ﵌ لأصحابه، وقول أبي سعيد الخدري: «فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ»، دليل آخر على تخصيص النبي ﵌ لهن مجلسَ علمٍ مستقلًا عن الرجال.
فإذا تأمل الباحث الصادق تفريق النبي ﵌ بين (اختلاط الفتيا، واختلاط مجلس العلم) وكيف تسامح في أحدهما ولم يتسامح في الآخر، عَلِمَ علمًا قطعيًا أن النبي ﵌ لم يجعل الاختلاط العارض كاختلاط المكث والمجالسة.
والمراد أن (الطواف والصلاة) شريعتان من جنس واحد، فقد قال ﵌ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلاَمِ» (رواه النسائي وصححه الألباني)، ومع ذلك فإن النبي ﵌ فرق في حكم الاختلاط بينهما.
و (الفتيا ومجلس العلم) شريعتان من جنس واحد، فما مجلس العلم إلا مجموع فتاوى، ومع ذلك فرق النبي في أحكام الاختلاط بينهما.
فمَن تأمَّلَ تمييز النبي في الاختلاط في هذه الصور استبان له مراد الشارع، وعدم وضع هذه الصور موضعًا واحدًا، وبالتالي بطلان قياس دعاة الاختلاط في قياسهم اختلاط المكث على الاختلاط العارض، وإهدارهم مراعاة الزمن وقوة الإفضاء إلى الفتنة.
ما ضابط التفريق بين اليسير والكثير ؟ (١)
بعض دعاة الاختلاط صار يعترض على تمييز أهل العلم بين الاختلاط العارض العابر الذي يكون في زمن يسير، وبين اختلاط المكث الذي يكون في زمن كثير أو دوري يتكرر،
стр. 80
وصار يقول: لاضابط في التفريق بين اليسير والكثير إلا التحكم والنسبية الشديدة!
وهذا الاعتراض لا يقوله غالبًا إلا من يريد التشغيب على مسألة واحدة وهو يهدم أصلًا كاملًا! فالتفريق بين اليسير والكثير تحيله الشريعة غالبًا إلى عرف الناس، كما قال الإمام ابن قدامة: «والمرجع في اليسير والكثير إلى العرف» (١).
ولو أبطلنا التفريق بين اليسير والكثير لعدم تعيين الشارع مقدارًا فارقًا لأبطلنا أحكامًا شرعية كثيرة بناها الشارع على ذلك، كما أجاز الشارع لبث الجنب زمنًا يسيرًا في المسجد فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (النساء:٤٣) فهل نَرُدّ هذه الآية ونبطل دلالتها لأنه لا ضابط حاسم في (عبور السبيل)؛ إذ الناس يختلفون في زمن عبور السبيل؟!
فمن يُسْقِط التمييز بين الاختلاط العارض واختلاط المكث بحجة عدم وجود حد حاسم بين اليسير والكثير فقد يظن أنه سيلغي مسألة الاختلاط لكنه في الحقيقة هدم أصلًا شرعيًا عظيمًا.
والمراد أن هذا (القياس الفاسد) إذا تأمله المرء فلابد أن يتذكر الأقيسة الفاسدة التي أشار إليها القرآن، وكيف تسببت في ضلال كثير من الناس، فمن ذلك قياس الربويين حين قاسو الربا على البيع، وأنه لا فرق بينهما كما حكى الله استنباطهم فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥)؛ فالبيع والربا كلاهما مبادلة رضائية بين طرفين، وكما ينتفع أحدهما بالمال فإن الآخر ينتفع بالفائدة، فقد يتوهم
стр. 81
بعض الناس أن هذا من العدل، وأن حرمان المقرِض من الفائدة لقاء تنازله عن المال للمقترض زمنًا معينًا ظلمًا، ومع ذلك فلم يقل الله هذا قياس اجتهادي له وجه فلا بأس به، بل أكذبهم الله سبحانه بنفسه وحذرهم بلغة مخيفة فقال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ (البقرة: ٢٧٥).
بل إن توهم العدل في الربا أظهر من توهم قياس اختلاط المكث ـ الذي يؤدي غالبًا إلى نظر محرم وكلام محرم ـ على الاختلاط العابر الذي يكون في الطرقات والمطاف، بل كيف يكون قياس الربا الذي فيه معاوضة بين التنازل عن المال لقاء فائدة يسيرة، أشنع من قياس اختلاط المجالسة الذي يؤدي إلى الفجور والفواحش على اختلاط عابر عارض؟! فانظر كيف توعد الله الربويين في قياسهم، واعتبر هذا بقياس دعاة الاختلاط.
فتأمل كم نفع فقهَ الشريعةِ القياسُ الصحيح المزكى بنور الوحي، وكم ضلت أمم بسبب القياس الفاسد.
الضرورة إذا اقتضت اختلاطًا (١):
تقرر أن الاختلاط محرم، ولا يدخل في ذلك ما تدعو إليه الضرورة وتشتد الحاجة إليه ويكون في مواضع العبادة كما يقع في الحرم المكي والحرم المدني، جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «لا يدخل في الاختلاط: ما تدعو إليه الضرورة وتشتد الحاجة إليه ويكون في مواضع العبادة، كما يقع في الحرم المكي والحرم المدني» (٢).
стр. 82
ومن حالات الاضطرار إسعاف غريق ونحوه، أو مداواة مريض عند فقدان المماثل في الجنس، أو إن احتاج القاضي اللقاء بالنساء.
ومن المقرر أن الضرورات تبيح المحظورات، بَيْدَ أن الضرورة تقدر بقدرها، فيتقي المرءُ ربَّه ويتحرز عما نهاه عنه ما استطاع.
فإذا اقتضت الضرورة اختلاطًا، كما في الحج ـ على سبيل المثال ـ فإن الحج ركن من أركان الإسلام وهو فعل مأمور مقدم على ترك المحظور، فإن اشتد الزحام ولم يمكن تجنبه كالحال في هذه الأزمنة، فتؤدي المرأة فرضها، متقيدة بضوابط الشرع.
ومثل الحج سائر الضرورات التي تبيح المحظورات، فينبغي أن تقدر بقدرها، ولايتعدى قدر الاضطرار فيها، وهذا يقدره ويقرره أهل العلم والشأن فهم أعلم بضابط الضروريات وأجدر بعرض الوقائع على الأحاديث والآيات، فإن وجدت ضرورة لا تكون إلاّ مع الاختلاط فكشأن سائر المحظورات تباح بقدر الحاجة، وبعد انتهائها يعود كل حكم إلى أصله.
ويشترط في حالات الاضطرار ألا يبغى فيها ولا يعتدى كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ (البقرة:١٧٣).
قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: «﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾، وهي: ما مات بغير تذكية شرعية، لأن الميتة خبيثة مضرة، لرداءتها في نفسها، ولأن الأغلب، أن تكون عن مرض، فيكون زيادة ضرر واستثنى الشارع من هذا العموم، ميتة الجراد، وسمك البحر، فإنه حلال طيب.
стр. 83
﴿وَالدَّمَ﴾ أي: المسفوح كما قيد في الآية الأخرى.
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: ذبح لغير الله، كالذي يذبح للأصنام والأوثان من الأحجار، والقبور ونحوها.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: ألجئ إلى المحرم، بجوع وعدم، أو إكراه، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: غير طالب للمحرم، مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له، اضطرارًا، فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال، وأكلَ بقدر الضرورة فلا يزيد عليها، ﴿فَلَا إِثْمَ﴾ أي: جناح ﴿عَلَيْهِ﴾، وإذا ارتفع الإثم رجع الأمر إلى ما كان عليه، والإنسان بهذه الحالة، مأمور بالأكل، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة، وأن يقتل نفسه.
فيجب إذًا عليه الأكل، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات، فيكون قاتلًا لنفسه.
وهذه الإباحة والتوسعة، من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ولما كان الحِلّ مشروطًا بهذين الشرطين، وكان الإنسان في هذه الحالة، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها ـ أخبر تعالى أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصًا وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة.
وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: «الضرورات تبيح المحظورات» فكل محظور، اضطر إليه الإنسان، فقد أباحه له الملك الرحمن» (١).
стр. 84
افتعال الضرورة !! (١)
الضرورة حالة ملجئة لفعل، والإلجاء لا يُعْتبر باختيار الشخص وفعله بغير إكراه، فلايجوز بحال أن تفتعل نازلة أوتصنع بيئة لاختلاط الرجال بالنساء أو لا تراعي الفصل بينهم، ثم يُقال بجواز الاختلاط فيها للضرورة، فمثل ذلك افتئات على الشرع لا يُقَرّ فاعلوه وإن عذر بعض من واقعه باضطراره، والذي ينبغي هو أن يقوم أساس البنيان وفق ضوابط الشريعة.
فإذا وقع محظور لضرورة بعد التحرز ساغ الاعتذار بالضرورة، إن كان الضرر المترتب على تركه أعلى، على أن تقدر الضرورة بقدرها، وإلاّ لكان المفْتَعِل للضرورة المعتذِر بها كمن قطع يدي مسلم ورجليه ثم أذهب سمعه وبصره وقال هذا تحل له الزكاة! إذ ليس له عائل.
أو كالذي صبر إنسانًا عن الطعام والشراب فلما أشرف على الهلكة قدم له لحم خنزير أو ميتة وقال: كله اضطرارًا!
أما إذا اضطُر مُضطرٌّ لحاجة عند مَن لم يُراعِ ضوابط الشرع فيما أنشأ، فالمضطر معذور والمفرط موزور، وإلى الله ترجع الأمور والله عليم بذات الصدور.
стр. 85
الأدلة
على تحريم اختلاط
المرأة بالرجال الأجانب
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀:
«اختلاط الرجال بالنساء له ثلاث حالات:
الأولى: اختلاط النساء بمحارمهن من الرجال وهذا لا إشكال في جوازه.
الثانية: اختلاط النساء بالأجانب لغرض الفساد، وهذا لا إشكال في تحريمه.
الثالثة: اختلاط النساء بالأجانب في دور العلم، والحوانيت، والمكاتب، والمستشفيات، والحفلات، ونحو ذلك، فهذا في الحقيقة قد يظن السائل في باديء الأمر أنه لا يؤدي إلى افتتان كل واحد من النوعين بالأخر، ولكشف حقيقة هذا القسم فإنا نجيب عنه من طريق مجمل ومفصل:
أما المجمل: فهو أن الله ـ تعالى ـ جبل الرجال على القوة والميل إلى النساء، وجبل النساء على الميل إلى الرجال مع وجود ضعف ولين، فإذا حصل الاختلاط نشأ عنه آثار تؤدي إلى حصول الغرض السيء؛ لأن النفوس أمارة بالسوء، والهوى يعمى ويُصِمّ، والشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر.
وأما المفصل: فالشريعة مبنية على المقاصد ووسائلها، ووسائل المقصود الموصلة إليه لها حكمه، فالنساء مواضع قضاء وطر الرجال.
وقد سَدَّ الشارع الأبواب المُفضية إلى تعلق كل فرد من أفراد النوعين بالآخر ... » ثم ذكر الأدلة على تحريم هذا النوع من الاختلاط (١).
стр. 86
تنبيه:
أحيانًا يصاحب اختلاط النساء الجائز بمحارمهن من الرجال تهاونهن في لباسهن الشرعي أمام المحارم ـ غير الزوج ـ كلبس الملابس الخفيفة التي تصف البشرة أو القصيرة التي تظهر العورة.
وقد ذُكِر أن من أسباب زنا المحارم إظهار المرأة لعورتها أمام المحارم فبعض الأمهات يقصرن في لباس أولادهن ذكورًا وإناثًا؛ فتجد البعض يلبس القصير جدًا بحيث قد يظهر الفخذ أو يلبس الشفاف أو المفتوح والضيق مما قد يغري بعض ضعاف النفوس بالاعتداء عليهم.
وبعض الفتيات يخطئن في لبس البنطال أو ما يشف ويصف العورة ظنًّا منها أن يجوز لبسه في البيت أمام المحارم مما يؤدي ذلك إلى تحريك الشهوة الذي بدوره يؤدي إلى المفسدة الأعظم (١).
وهذا الأمر غفل عنه كثير من الناس فالكثير يظن أنه ليس هناك حدود لعورة المرأة أمام محارمها؛ جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢٤/ ٣٥)، الفتوى رقم (١٧٠٠٧):س: هل يجوز لبس الثوب الضيق الذي يبرز الظهر للمرأة والثديين والخصر، والذي يبرز محاسن المرأة، والذي يكشف الذراعين والرقبة وبعض من الصدر أمام النساء والمحارم، وهل يجوز لبس الثوب الضيق أمام النساء فقط من المحارم أو غيرهن من النساء الأجنبيات المسلمات؟
ج: هذا السؤال له شقان:
الأول: في لباس المرأة للضيق الذي يصف أعضاءها، فيعلم من نصوص الشريعة
стр. 87
وقواعدها أنه يشترط في لباس المرأة المسلمة أن يكون واسعًا فضفاضًا لا ضيقًا، وهذا هو الذي يوافق الغرض من اللباس، وهو: الستر، وحجب بدن المرأة عن نظر الأجانب منعا للفتنة والفساد، واللباس الضيق ينافي هذه المقاصد الشرعية؛ لما فيه من إبراز حجم البدن وأعضائه، فلا يتحقق الغرض المراد من الستر، بل قد يكون أدعى للفتنة والافتتان.
وعليه فيحرم على المرأة المسلمة أن تلبس اللباس الضيق أمام محارمها سوى زوجها، ويحرم عليها أمام نسائها إذا كان من السرة إلى الركبة كالبنطلون، أو كان لسائر بدنها لكن يحصل به فتنة النساء والإثارة.
الشق الثاني من السؤال: فيما يحل لها إظهاره من زينتها أمام محارمها غير زوجها، فهو: وجهها، وكفاها، وخلخالها، وقرطها، وأساورها، وقلادتها، ورأسها، وقدماها.
وجاء أيضًا في فتاوى اللجنة (١٧/ ٢٩٧)، الفتوى رقم (٢٠٥٧٦):
س: أنا امرأة متزوجة، أقوم أحيانا في منزلي بلبس الملابس الخفيفة التي تصف البشرة أو القصيرة التي تُظهِر ـ إذا جلست ـ ما فوق الركبة، وذلك لتسهيل الحركة عند تأدية أعمال المنزل، ولتخفيف شدة الحر، وكذلك لأتزين أمام زوجي، غير أن زوجي نصحني بعدم لبس تلك الملابس بسبب وجود أطفالنا الذين تتراوح أعمارهم من ٣ إلى ٩ سنوات، وخشية ألا تزول المشاهد التي يرونها الآن عن ذاكرتهم إذا كبروا، لكنني لم أقبل نصيحته على أساس أن أطفالنا ما زالوا صغارًا، وكذلك لا يخشى عليهم الفتنة، وحيث إن هذا الأمر قد شغل تفكيري ورغبة في أن أرضي ربي ولا أسخطه ـ كتبت إليكم راجيةً تبيين الحكم الشرعي في ذلك، والتوجيه بما ترون.
ج: يجب عليك طاعة زوجك بالمعروف، ومن ذلك ما أمرك به من التستر والاحتشام عند أولادك، حتى لا يعتادوا رؤية العورات ومفاتن النساء، والذي يجوز كشفه للأولاد هو: ما جرت العادة بكشفه؛ كالوجه والكفين والذراعين والقدمين ونحو ذلك.
стр. 88
بعض الأدلة على تحريم اختلاط المرأة بالرجال الأجانب:
الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣).
قال الأستاذ سيد قطب ﵀: «فلا يقل أحد غير ما قال الله، لا يقل أحد إن الاختلاط، وإزالة الحجب، والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب، وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك ... إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف والمهازيل الجهال المحجوبين، لا يقل أحد شيئًا من هذا ... يقول الله هذا عن نساء النبي الطاهرات، أمهات المؤمنين، وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله ﵌ ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق» (١).
قال الدكتور عبد الله ناصح علوان (٢): «وإذا كانت هذه الآية نزلت في أمهات المؤمنين فالعبرة ـ كما يقول الأصوليون ـ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا كانت أمهات المؤمنين المقطوع بعفتهن وطهارتهن مأمورات بالحجاب، وعدم الظهور أمام الأجانب فالنساء المسلمات بشكل عام مأمورات بالستر وعدم الظهور من باب أولى» (٣).
إن النساء مأمورات بالاستتار عن أعين الرجال؛ فالحجاب من الحجب وهو المنع
стр. 89
والحجز، وذلك بستر البدن وتقاسيمه وتفاصيله، فيشترط فيه جلباب:
- سابغ لستر البشرة.
- وواسع لستر تقاسيم البدن.
فكيف يمكن الامتثال لهذا الحكم في بيئة مختلطة؟.
إن ذلك لمُحَال؛ لأن الحجاب مجرد خرقة وقماش ينسدل على بدن المرأة، يتحرك بحركتها، فانكشاف شيء من بشَرتها، أو بدُوّ تفاصيل وتقاسيم بدنها وارد بل حاصل، إنها لا تأمن ذلك وهي تمر في الطريق والسوق مرور الكرام، فإذا صارت في اختلاط منظم، فمن المحال أن تحترز، وهي المضطرة للقيام والقعود، والدخول والخروج، والانحناء والالتفات على الدوام؛ لطول المكث وللحاجة إلى ذلك.
وهذه سمة في الاختلاط المنظم: طول المكث لساعات قرب الرجال.
فالتستر في الاختلاط تكليف بما لا يطاق، والله إذا حرم شيئًا حرم وسائله؛ حرم الخمر فحرم بيعه وشراءه. وحرم الربا فحرم كتابته والشهادة عليه، كذلك حرم على المرأة إبداء زينتها، وحرم كل وسيلة وذريعة محققة إلى ذلك، كالاختلاط الطويل.
فتحقيق الحكمة من الحجاب (ستر البشرة وتقاسيم البدن) في اختلاط منظم متعذر غاية التعذر، وما كان الشارع ليأمرها بالاستتار، ثم يبيح لها الاختلاط، إن هذا عين التناقض، ولا تناقض في الشريعة؛ قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (النساء:٨٢) (١).
стр. 90
الدليل الثاني:
الأمر بغض البصر دليل على المنع من الاختلاط:
أمر الله الرجال بغض البصر، وأمر النساء بذلك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ... (النور: ٣٠ - ٣١).
فلو كان الاختلاط سائغًا في الشرع لكان في هذه الأوامر الربانية تكليف بما لا يطاق؛ إذ كيف تختلط المرأة بالرجل، وتجلس بجواره في العمل أو الدراسة، ولا ينظر كل واحد منهما للآخر وهما يتبادلان الأعمال والأوراق والدروس؟!
قال الدكتور عبد الله ناصح علوان (١): «كيف نتصور غض البصر لكل من الرجل والمرأة وهما مجتمعان في مكان واحد؛ فالآية إذن في مدلولها تنهى عن الاختلاط وتحرمه» (٢).
إن غض البصر من الرجال عن محاسن المرأة؛ سواء البشرة إذا انكشفت، أو تقاسيم البدن إذا بدت من وراء الحجاب: مأمور به.
وسواء قيل بوجوب تغطية الوجه والكفين أم لا، فإن غض البصر واجب عن سائر البدن.
وغض البصر متعذر بل ممتنع في الاختلاط المنظم؛ لطول المكث في مجلس واحد، فصَرْفُ البصر من كليهما غير ممكن، وتحوط المرأة في حجابها شاق؛ إذ طول المقام يلجؤها إلى تغيير أوضاعها، مما سيبدي حتما ما يجب ستره.
стр. 91
فما كان الشارع ليأمر بغض البصر من كليهما، ثم يبيح اختلاطهما على هذه الصورة، فإن في الإباحة تحريضًا وتيسيرًا للنظر، وإتباعه بنظرة أخرى، وقد قال النبي ﵌ لعليِّ ﵁: «يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ». (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
فالمختلط إذا قدر على الغض في الأولى، فهل سيصمد في الثانية، أو الثالثة إلى المائة، وهي كذلك، هما كل يوم في لقاءات مستمرة لساعات طويلة، قد تبلغ الثمان والعشر؟ (١).
قال ﵌: «الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا» (رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «وإنما كان زنًا لأنه تمتع بالنظر إلى محاسن المرأة ومُؤَدٍّ إلى دخولها في قلب ناظرها، فتعلق في قلبه، فيسعى إلى إيقاع الفاحشة بها. فإذا نهى الشارع عن النظر إليهن لما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط يُنهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه» اهـ.
وقد ذكر النبي ﵌ أن من حق الطريق: «غَضّ البَصَر» (رواه البخاري ومسلم).
فإذا كان غض البصر واجبًا على الرجال إذا مرت بمجلسهم في الطريق امرأة مرورًا عابرًا، فكيف يسوغ لبعض الناس أن يزعموا أن شريعة الله تعالى لا تُمانع من اختلاط الرجال بالنساء يوميًا في مكان مغلق الساعات الطوال؟!
وإذا كان استراق النظر خيانة كما في قول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: ١٩)؛ فكيف تكون المخالطة؟
стр. 92
وإذا نهى الشارع عن النظر إلى النساء بسبب ما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط ينهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه، وواقع الناس اليوم يبين أن الاختلاط يفضي لزامًا لوقع البصر عما أمر الله بحفظه عنه، وإذا كان الذي يُفضِي إلى الوقوع في المحظور يلزم منه وقوع المحظور، ففعله حرام عند من قال بسد الذرائع وعند من لم يقل (١)، فهو بمثابة ما لا يتم الامتثال إلا به، وعلى أقل الأحوال هو بمثابة (الذرائع) التي تُفضِي إلى المحظور غالبًا، وقد ذكر أهل العلم أن الحكم إذا علق بمظنة استوى وجودها وعدمه.
عَمَّ يُغَضُّ البصرُ!
وهنا لعله يَرِدُ سؤالٌ: مادَامَ أن الحجاب مفروض والقرار مأمور به، فعَمَّ يُغض البصر؟ وجوابه أن غض البصر يكون عن المحارم كلها، فقد تخرج امرأة لحاجة، وربما خرجت نساء مترخصات بغير حاجة، وربما كان المجتمع ـ كشأن سائر المجتمعات ـ خليطًا لا يخلو من كتابيات ونحوهن، وغض البصر مطلوب عن كل سافرة سواء كانت مائلة مميلة، أو أمة، أو كتابية.
والشريعة الإسلامية بحمد الله واقعية تتعامل مع طبائع الناس على اختلاف أصنافهم، فتشرع الأحكام لكافة الأحوال، فهي صالحة لكل زمان ومكان وحال، ما فرط ربنا في الكتاب من شيء، وهذه الواقعية سمة ظاهرة في التشريع (٢).
стр. 93
الدليل الثالث:
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟»، قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (رواه البخاري ومسلم).
وجه الاستدلال: أنه حذّر من الدخول على النساء باسم فعل الأمر (إيَّاك)، والمعنى احفظوا أنفسكم واتقوا الدخول على النساء، فهو أمرٌ باتِّقَاء الدخول على النساء والأمر يفيد الوجوب، ونهي عن الدخول عليهن؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، والنهي يفيد التحريم.
وقوله: (إِيَّاكُمْ) يعُم المخاطبين بضمير الجمع، وقوله: (الدُّخُولَ) يفيد العموم فيشمل دخول الخلوة وغيرها، والقاعدة الاستدلالية: أن الألف واللام إذا دخلت على اسم مفرد أفادت العموم فلا يصح حمله على صورة الخلوة دون غيرها إلا بدليل يقوى على تخصيص العموم، فلا يصح حمل ضمير الجمع الدال على عموم المخاطبين، ولفظ (الدُّخُول) الدال على منع شتى صور الدخول، ولفظ (النِّسَاء) الدال على عموم جميع النساء؛ على صورة واحدة نادرة من أفراد هذا العموم وهي: دخول رجل واحد على امرأة واحدة، وإلغاء جميع الصور الأخرى كدخول رجل واحد على (النِّسَاء).
وفيه تأكيدٌ للعموم بالتنصيص على عدم استثناء أقارب الزوج من هذا العموم» (١).
قال الشيخ الشنقيطي ﵀: «فسمى ﵌ دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير
стр. 94
مَحْرَم لها باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير، وهذا دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣) عام في جميع النساء؛ إذ لو كان حكمه خاصًا بأزواجه ﵌ لَمَا حذر الرجالَ هذا التحذير البالغ العام من الدخول على النساء.
وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا شديدًا بانفراده كما قدّمنا أن مسلمًا ﵀ أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، فدلّ على أن كليهما حرام» (١).
وقال أيضًا: «فتأملوا قوله ﵌ في دخول قريب الزوج على زوجته «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»؛ لتدركوا أن اختلاط الرجال الأجانب بالنساء الأجنبيات أنه هو الموت» (٢).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه لهذا الحديث من (صحيح البخاري): « ... وَتَقْدِير الْكَلَام اِتَّقُوا أَنْفُسكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاء وَالنِّسَاء أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكُمْ ... ، وَتَضَمَّنَ مَنْعَ الدُّخُول مَنْع الْخَلْوَة بِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى» (٣).
وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ: «الْمُرَاد فِي الْحَدِيث أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، لِأَنَّهُمْ مَحَارِم لِلزَّوْجَةِ يَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ».قَالَ: «وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْأَخ وَابْن الْأَخ وَالْعَمّ وَابْن الْعَمّ وَابْن الْأُخْت وَنَحْوهمْ مِمَّا يَحِلّ لَهَا تَزْوِيجه لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَة، وَجَرَتْ الْعَادَة بِالتَّسَاهُلِ فِيهِ فَيَخْلُو الْأَخ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ فَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَوْلَى
قال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتى الديار السعودية سابقًا: «ووجه الدلالة: أن رسول الله ﵌ إذا منع الاختلاط في الطريق لأنه يؤدى إلى الافتتان، فكيف يقال بجواز الاختلاط في غير ذلك؟!».
الدليل الخامس:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ». (رواه مسلم).
قال الشيخ محمد إبراهيم: «ووجه الدلالة أن النبي ﵌ أمر باتقاء النساء، وهو يقتضي الوجوب، فكيف يحصل الامتثال مع الاختلاط؟ هذا لا يجوز».
الدليل السادس:
قول رسول الله ﵌: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» (رواه البخاري ومسلم).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «ووجه الدلالة: أنه وصَفَهُنَّ بأنهن فتنة فكيف يُجمع بين الفاتن والمفتون؟ هذا لا يجوز».
الدليل السابع: قول رسول الله ﵌: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
قال صاحب تحفة الأحوذي في شرح هذا الحديث: «(فَإِذَا خَرَجَتْ اِسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ) أَيْ زَيَّنَهَا فِي نَظَرِ الرِّجَالِ، وَقِيلَ أَيْ نَظَرَ إِلَيْهَا لِيُغْوِيَهَا وَيُغْوِيَ بِهَا. وَالْأَصْلُ
стр. 97
فِي الِاسْتِشْرَافِ رَفْعُ الْبَصَرِ لِلنَّظَرِ إِلَى الشَّيْءِ وَبَسْطُ الْكَفِّ فَوْقَ الْحَاجِبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يُسْتَقْبَحُ بُرُوزُهَا وَظُهُورُهَا فَإِذَا خَرَجَتْ أَمْعَنَ النَّظَرَ إِلَيْهَا لِيُغْوِيَهَا بِغَيْرِهَا، وَيُغْوِيَ غَيْرَهَا بِهَا لِيُوقِعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا فِي الْفِتْنَةِ. أَوْ يُرِيدَ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ مِنْ أَهْلِ الْفِسْقِ سَمَّاهُ بِهِ عَلَى التَّشْبِيهِ» (١).
والاختلاط وسيلة إلى تسهيل هذا التزيين والإغواء.
الدليل الثامن: قول رسول الله ﵌ «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (رواه مسلم).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «ووجه الدلالة أن الرسول ﵌ شرع للنساء إذا أتَيْن إلى المسجد فإنهن ينفصلن عن الجماعة على حدة، ثم وصف أول صفوفهن بالشر، والمؤخر منهن بالخير، وما ذلك إلا لبُعد المتأخرات عن الرجال عن مخالطتهم ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم، وذمّ أول صفوفهن لحصول عكس ذلك، ووصف آخر صفوف الرجال بالشر إذا كان معهم نساء في المسجد؛ لفوات التقدم والقُرْب من الإمام وقربه من النساء اللاتى يشغلن البال، وربما أفسدن به العبادة وشوشن النية والخشوع.
فإذا كان الشارع توقع حصول ذلك في مواطن العبادة مع أنه لم يحصل اختلاط فحصول ذلك إذا وقع اختلاط من باب أولى فيمنع الاختلاط من باب أولى» (٢).
стр. 98
وقد أفرد النبي ﵌ في المسجد بابًا خاصًّا للنساء يدخلن , ويخَرجن منه , لا يُخالطهن , ولا يُشاركهن فيه الرجال.
فعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ»، قَالَ نَافِعٌ: «فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
قَالَ صَاحِبُ (عَوْنِ الْمَعْبُودِ) في شرحه لهذا الحديث: «(لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَاب): أَيْ بَاب الْمَسْجِد الَّذِي أَشَارَ النَّبِيّ ﵌، (لِلنِّسَاءِ): لَكَانَ خَيْرًا وَأَحْسَن لِئَلَّا تَخْتَلِط النِّسَاء بِالرِّجَالِ فِي الدُّخُول وَالْخُرُوج مِنْ الْمَسْجِد.
وَالْحَدِيث فِيهِ دَلِيل أَنَّ النِّسَاء لَا يَخْتَلِطْنَ فِي الْمَسَاجِد مَعَ الرِّجَال بَلْ يَعْتَزِلْنَ فِي جَانِب الْمَسْجِد وَيُصَلِّينَ هُنَاكَ بِالِاقْتِدَاءِ مَعَ الْإِمَام، فَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَشَدّ اِتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، فَلَمْ يَدْخُل مِنْ الْبَاب الَّذِي جُعِلَ لِلنِّسَاءِ حَتَّى مَاتَ» (١).
وشرع النبي ﵌ للرجال إمامًا ومؤتمين ألاَّ يخرُجوا فور التسليم من الصلاة , إذا كان بالصفوف الأخيرة بالمسجد نساء , حتى يخرجن , وينصرفن إلى دورهن قبل الرجال , لكي لا يحصل الاختلاط بين الجنسين ـ ولو بدون قصد ـ إذا خرجوا جميعًا.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا سَلَّمَ مَكَثَ قَلِيلًا، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ كَيْمَا يَنْفُذُ النِّسَاءُ قَبْلَ الرِّجَالِ». (رواه أبو داود، بَاب انْصِرَافِ النِّسَاءِ قَبْلَ الرِّجَالِ مِنْ الصَّلَاةِ، وصححه الألباني).
قَالَ صَاحِبُ (عَوْنِ الْمَعْبُودِ) في شرحه لهذا الحديث: «(إِذَا سَلَّمَ): أَيْ مِنْ الصَّلَاة (كَيْمَا يَنْفُذ): أَيْ يَمْضِينَ وَيَتَخَلَّصْنَ مِنْ مُزَاحَمَة الرِّجَال.
وهذا كله في حال العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه , فكيف بما عداها؟!.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «شَهِدْتُ الصَّلاَةَ يَوْمَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ، فَنَزَلَ نَبِىُّ اللهِ ﵌ فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ مَعَ بِلاَلٍ» (رواه البخاري ومسلم). يجلّس الرجال لكي لا يختلطوا بالنساء.
الدليل التاسع:
روى البخاري ومسلم أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﵌ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﵌ تَزُورُهُ فِى اعْتِكَافِهِ فِى الْمَسْجِدِ، فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِىُّ ﵌ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِىُّ ﵌: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ». فَقَالاَ: «سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ». وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﵌: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَيْئًا».
والشاهد أن النبي ﵌ قرر أن خلطة الرجل بالمرأة موطن ريبة، ومحل تهمة، مع أن هذه الخلطة كانت:
- عند المسجد.
- وفي محل عام مطروق.
- وزمانها ليلة من ليال العشر الأواخر من رمضان.
- مع امرأة مضروب عليها الحجاب الكامل بغير خلاف لكونها من أزواجه ص.
стр. 101
- أضف إلى ذلك الأصول المقررة؛ كعصمة النبي ص، ورسوخ إيمان صحابته ي.
كل ذلك لم يبرر ترك بيان أن الاختلاط بالنساء موضع تهمة، ومحل شبهة.
الدليل العاشر:
قول النبي ﵌: «لَا تُبَاشِرْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» (رواه البخاري)؛ فالمرأة المسلمة منهية عن وصف المرأة الأجنبية لزوجها كأنه ينظر إليها، ونقل الحافظ ابن حجر أن الْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي خَشْيَة أَنْ يُعْجِب الزَّوْج الْوَصْف الْمَذْكُور فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى تَطْلِيق الْوَاصِفَة أَوْ الِافْتِتَان بِالْمَوْصُوفَةِ (١).
فكيف يُعقل أن ينهى الإسلام المرأةَ المسلمة أن تصف امرأةً أجنبية لزوجها لئَلّا يتعلق قلبُه بها، ثم يبيح لهذا الزوج أن يجالس هذه المرأة الأجنبية ويخالطها في العمل أو الدراسة مخالطةً مستديمة؟!!!
الدليل الحادي عشر:
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ، جَاءَ يَسْتَأَذِنُ عَلَيْهَا، وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، قَالَتْ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله، أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عليّ» (رواه البخاري ومسلم).
قال العيني: «وفيه أنه لا يجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمَحْرَم لها في الدخول عليها، ويجب عليها الاحتجاب منه، وهو كذلك إجماعًا بعد أن نزلت آية الحجاب، وما ورد من بروز النساء فإنما كان قبل نزول الحجاب، وكانت قصة أفلح مع عائشة بعد نزول الحجاب» (٢).
стр. 102
الدليل الثاني عشر:
القواعد الشرعية الآتية:
قال الشيخ حامد العلي: «هذه المسألة ترجع إلى أربع قواعد شرعيَّة:
- كل مالم يرد فيه نص، فهو من قبيل المباح، ما لم يُفْضِ إلى محرم فيأخذ حكمه.
- إذا تعذّر توفير الضوابط التي تمنع اقتران الحرام الذي مفسدته أعظم، بالمباح، فإنه يُمنع سدًّا للذريعة.
- الأمور تتبيّن بعواقبها، فالخير في موضعه عواقبه الرشد أبدًا، والشر عواقبه الغيّ.
- كلّ ما كان الأمر أشدّ ضررًا على المجتمع، كان الاحتراز منه أوجب، ومحاربته ينبغي أن تكون أشدّ.
أما القاعدة الأولى، فكما نص الفقهاء على تحريم بيع العنب لمن يتخذه خمرًا.
وأما الثانية، فكما ذكر الفقهاء تحريم بيع السلاح وقت الفتنة، لأنه حتى لو زُجر الناس عن قتل المسلم، فلا يمكن ضبط ذلك والناس في حال الفتنة، فيُفتى بتحريمه مطلقًا.
أما الثالثة، فدلت عليها نصوص كثيرة جدًا، فالله تعالى جعل عاقبة طاعته خيرًا، قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ (الكهف:٤٤)، وجعل عاقبة معصيته الخسران المبين قال ... تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ (الروم:٩ - ١٠).
стр. 103
فإذا تبين أن عاقبة الأمر السوء، فهو معصية لله، والضد بالضد.
أما الرابعة فكما نرى نصوص القرآن السنة شددت في التحذير من مداخل الشرك، والقتل، والزنا، وهي أعظم ثلاث جرائم.
فحرمت الشريعة كل ذرائع الشرك: كالصلاة في المقابر، وتعليق التمائم وغيرها حتى تلك التي في الألفاظ كقول القائل ماشاء الله وشئت، والحلف بغير الله ... إلخ.
كما حرمت الشريعة في صيانة دم المسلم، كلّ الطرق المفضية إلى الاستهانة به، فحرمت حتى سباب المسلم، وترويعه، سدًّا لكل طرق العدوان التي قد تُفْضِي إلى القتل، أو الإستهانة بدم المسلم.
وفي الذرائع المفضية إلى الزنا، حرمت على المرأة الخلوة مع الرجل، والتعطّر أمام الرجال، والسفر بغير محرم، وأمرتها بالحجاب، وأمرت بغض الأبصار، ونهَتْ المرأة عن الخضوع بالقول عند مخاطبة الرجل الأجنبي، حتى لقد حرَّم عليها ضربها بخلخالها لتُعلَم زينتُها.
ولا نجد مِثْل هذا الذرائع كثرةً وتأكيدًا في غير تلك الجرائم الثلاث.
ثم إذا نظرنا إلى الاختلاط يبن الرجال والنساء من هذا المنظار الشرعي، وجدناه ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: اختلاط عابر، في موضع لايخشى منه الفتنة، في الغالب، كاشتغال الجمع بعبادة مثلا، كصلاة النساء في المسجد خلف الرجال في عهده ﵌ والطواف في الحج .. إلخ
ومثل الأماكن العامة التي يشق تخصيصها لأحد الجنسين.
стр. 104
والقسم الثاني: اختلاط يفضي إلى الفتنة غالبًا، ولايمكن توفير ضوابط الاحتراز منها، وعاقبته شرور واضحة، وضرره على المجتمع بالغ السوء بشهادة الواقع المحسوس، وذلك مثل الاختلاط في الدراسة، وفي أماكن العمل، حيث تمكث الفتاة، أوالمرأة فترة طويلة بين الرجال، في أجواء داعية إلى التعارف وتكوين العلاقات، بما تقتضيه الجبِلّة الإنسانية، من الانجذاب الفطري بين الذكر والأنثى.
فلو قيل للشاب الذي يخالط الشابات في فصل دراسي طيلة أعوام الدراسة: لا تنظر إلى ما تشتهي نفسُك النظر إليه من مفاتن المرأة، ولا تشتهي ما يشتهيه الرجل من المرأة، ولا تحاول أن تتعرّف على من تعجبك منهنّ، ولا تبني علاقة معها، ولا تجعل نفسك تهمّ بمحرم، ويقول للفتاة مثل ذلك، لكان من يقول مثل هذا للشباب، مع توفير أسباب الفتنة لهم، كمن يسعى في إفساد الناس وهو يأمرهم بالصلاح، والعفّة!!
وهذا التناقض القبيح في العقل والمنطق لايمكن أن تأتي به الشريعة الكاملة.
حتى إن بعض الجهّال، أفتى بجواز الاختلاط في الأعراس، استدلالًا بأن النساء كنّ يصلين، خلف صفوف الرجال في عهد النبوة!!
مع أن النبي ﵌ جعل صفوفهن بعيدًا، خلف الصبيان (١)،
كما جعل مصلى النساء
стр. 105
في العيد، معزولًا عن مصلى الرجال، وجعل خير صفوفهن آخرها، وشرّها أوّلها، وكل ذلك لتخفيف الفتنة قدر المستطاع، مع أنه في موضع العبادة، فكيف بغيره؟!!
وعلى أية حال فكل عاقل يعلم أن ثمة فرقا كبيرا بين القسم الأوّل، والثاني، وأنّ الاستدلال بجواز الأول، على جواز الثاني، من قبيل التلبيس، والخلط، وسوء الفهم.
وذلك كمثل من يستدل على جواز بيع السلاح في الأحوال العادية، مع إمكان أن
стр. 106
يُقتل به مسلم، على جواز بيعه في فتنة بين المسلمين يقتل بعضهم بعضها!
ولا يخفى على عاقل متجرّد من الهوى، أن الاختلاط ـ من القسم الثاني ـ مُفْضٍ إلى فساد عريض، وها هي المجتمعات التي ينتشر فيها هذا الاختلاط، تعاني ما تعانيه من الآثار المدمّرة لانتشار الزنى، والعلاقات المحرمة بين الجنسين.
هذا، مع أنه من الناس من يكون في حال الضرورة، فيباح له، أوْ لها، الدراسة أو العمل في أماكن مختلطة، على قدر الضرورة، وهذه الإباحة الطارئة، لاتدلّ على جواز إنشاء الاختلاط المفضي إلى الفتنة ابتداءً، كما أن القاعدة الفقهية التي تنص على أن حكم التبع، يختلف عن حكم الاستقلال، وحكم الدوام يختلف عن حكم الابتداء، يجري العمل بها هنا أيضا، والله أعلم (١).
وَرَسُولَهُ سَدَّ الذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَى الْمَحَارِمِ بِأَنْ حَرَّمَهَا وَنَهَى عَنْهَا» (١).
فكل ما يُفْضِي إلى المحارم فهو محرم، ولهذا حرَّم الله سب آلهة المشركين مع ما فيه من المصلحة. ومعلوم ما يترتب على الاختلاط، وما يُفْضِي إليه من المفاسد الكبيرة وهي واضحة في تلك المجتمعات التي وقعت في الاختلاط، ولا ينكرها إلا مكابر، فالمنصف من نفسه المتجرد للحق يجد التذمر والتحسر على انفلات المرأة وتفكك الأسر والمجتمع، والسعيد مَنْ وُعِظَ بغيره (٢).
стр. 109
أقوال أهل العلم والدعاة في الاختلاط بين الجنسين
لقد تتابع أهل العلم والدعاة في التحذير من الاختلاط عامة ومن الاختلاط في التعليم خاصة، وذكروا النصوص الشرعية المانعة منه ومن آثاره الخطيرة على الجوانب الدينية والتعليمية لدى الطالب والطالبة.
الإجماع:
قال الشيخ عبد العزيز الطريفي: «لا يُعلَمُ عالمٌ على مَرِّ قرون الإسلام الخمسة عشر قال بجواز الاختلاط في المجالس والتعليم والعمل، ... وتَحَصَّلَ لي أكثر من مائة عالم وفقيه عبر تلك القرون يقطعون بعدم الترخيص فيه، بل رأيت منهم من يُسقِطُ عدالةَ فاعلهِ، بل وقوامته على الأعراض.
قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله العامري ـ وهو من علماء القرن السادس ـ في كتابه (أحكام النظر)» (١).: «اتفق علماء الأمة أن من اعتقد هذه المحظورات، وإباحة امتزاج النسوان بالرجال الأجانب، فقد كفر واستحق القتل بردته، وإن اعتقَدَ تحريمَه، وفَعَلَه وأقر عليه ورضي به، فقد فسق، لايُسمعُ له قول، ولا تُقبلُ له شهادة» (٢).
أقوال بعض علماء المذاهب الأربعة:
أولًا: من علماء الحنفية:
١ - قال السرخسي: «وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُقَدِّمَ النِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ وَالرِّجَالَ عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَزْدَحِمُونَ فِي مَجْلِسِهِ , وَفِي اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ عِنْدَ الزَّحْمَةِ مِنْ الْفِتْنَةِ
стр. 110
وَالْقُبْحِ مَا لَا يَخْفَى، وَلَكِنْ هَذَا فِي خُصُومَةٍ يَكُونُ بَيْنَ النِّسَاءِ.
فَأَمَّا الْخُصُومَةُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُقَدِّمَهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ» (١).
٢ - قال الحموي الحنفي: «وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الزِّفَافَ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ , كَمَا فِي الْفَتْح ِ. قُلْت: وَهُوَ حَرَامٌ فِي زَمَانِنَا فَضْلًا عَنْ الْكَرَاهَةِ لِأُمُورٍ لَا تَخْفَى عَلَيْك مِنْهَا اخْتِلَاطُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (٢).
٣ - وعلل ابن عابدين رد شهادة من خرج للفُرْجَة على قدوم أمير بقوله: «لِمَا تشتمل عليه من منكرات، ومن اختلاط الرجال بالنساء» (٣).
٤ - قال الخادمي في الآفَةِ السِّتّينَ من آفَاتِ اللِّسَانِ: «الْإِذْنُ وَالْإِجَازَةُ فِيمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ كَإِذْنِ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى غَيْرِ مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ بِالْجَوَازِ ـ ثم عدها سبعًا ـ وقال: «وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ ـ مِنْ زِيَارَةِ الْأَجَانِبِ وَعِيَادَتِهِمْ وَالْوَلِيمَةِ ـ لَا يَأْذَنُ لَهَا، وَلَا تَخْرُجُ، وَلَوْ أَذِنَ وَخَرَجَتْ كَانَا عَاصِيَيْنِ» (٤).
ثانيًا: من علماء المالكية:
٥ - قال القاضي عياض ﵀: «فَقَدْ أَمَرَنَا بِالْمُبَاعَدَةِ مِنْ أَنْفَاس الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَكَانَتْ عَادَته ﵌ مُبَاعَدَتهنَّ لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّته» (٥).