الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال» (١).
وقال الإمام الشاطبي ﵀: «وقد علم العلماء أنَّ كلَّ دليل فيه اشتباهٌ وإشكالٌ ليس بدليل في الحقيقة؛ حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه، ويشترط في ذلك أن لا يعارضه أصلٌ قطعيٌّ؛ فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك، أو عارضه قطعيٌّ؛ كظهور تشبيه؛ فليس بدليل؛ لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرًا في نفسه، ودالًا على غيره؛ وإلا احتيج إلى دليل عليه؛ فإن دلَّ الدليل على عدم صحته؛ فأحرى أن لا يكون دليلًا» (٢).
والأدلة المحتملة لها حالتان:
الحالة الأولى: انفراد الدلالة دون معارض، كأن تكون عندنا مسألة منفردة حيث يأتي نص يحتمل الاستدلال لتلك المسألة، فيمكن الاستدلال به ولكن بشرط أن تكون تلك الفائدة لا معارض لها من الشريعة، على سبيل المثال حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَال: «إِنْ كَانَ النَّبِىُّ ﵌ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِى صَغِيرٍ «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» (رواه البخاري ومسلم، والنُّغَيْر تَصْغِير النُّغَر، وَهُوَ طَائِر صَغِير).
فهَذَا الْحَدِيث فِيه فَوَائِد كَثِيرَة جَدًّا ـ ذكرها النووي وابن حجر في شرحهما لهذا الحديث من صحيحي البخاري ومسلم ـ مِنْهَا جَوَاز تَكْنِيَة الطِّفْل، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَذِبًا، وليس هناك دليل يعارض تكنية الصغير، فعندئذ نأخذ بتلك الدلالة علميًّا وعمليًّا.
وَهَذَا الْحَدِيث فِيه أَنَّ مُمَازَحَة الصَّبِيّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّز جَائِزَة، وَفِيهِ جَوَاز تَكْنِيَة مَنْ لَمْ يُولَد لَهُ، وَجَوَاز لَعِبِ الصَّغِير بِالطَّيْرِ، وَجَوَاز تَرْك الْأَبَوَيْنِ وَلَدهمَا الصَّغِير يَلْعَب بِمَا
стр. 317
أُبِيحَ اللَّعِب بِهِ، وَجَوَاز إِنْفَاق الْمَال فِيمَا يَتَلَهَّى بِهِ الصَّغِير مِنْ الْمُبَاحَات، وَجَوَاز إِمْسَاك الطَّيْر فِي الْقَفَص وَنَحْوِهِ.
وكل هذه الاستنباطات من الحديث يؤخذ بها لأنه لا توجد أدلة أخرى تعارضها.
الحالة الثانية: اقتران الدلالة بوجود معارض في دليل آخر؛ فيقترن فيها دليلان ظاهرهما التعارض، فأحدهما ينص على المسألة نصا جازمًا) المحكم (، والآخر من المتشابهات مما يجعل الاحتمال يتطرق إليه فوجب إسقاط الاستدلال بذلك الدليل الثاني ليبقى العمل بالمحكم الأول فقط.
ومن ذلك الشبهات التي يتعلق بها دعاة الاختلاط.
فلو ساغ أن يُسْتَدَلَّ بفعل مجمل على ظاهره دون الرجوع إلى المحكم لاسْتَحَلَّ الناس الحرام القطعي بالظنون، ففي بعض النصوص قد تجد ذِكْرَ رجل مع امرأة، فهل يُسْتَدل بذلك على جواز الخلوة والاختلاط والعلاقات المحرمة لأنه لم يَرِدْ في النَصِّ ذكر الرحم بينهما؟!!!
إن الأصل في الشرع أن الرجل إذا وُجد مع امرأة تُحْمَل على أنه من محارمه إلا لظِنَّة أو شبهة، هذا الأصل في المسلمين فكيف بالصحابة والتابعين (١).
«إن ترك الدليل الواضح، والاستدلال بلفظ متشابه، هو طريق أهل الزيغ، كالرافضة، والخوارج، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧)؛ والواجبُ عَلَى المسلم: اتباع المحكم، فإنْ عَرَفَ معنى المتشابه، وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين
стр. 318
في العلم في قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران:٧).
ووفق اللهُ أهلَ العلم والإيمان للفهم السليم الذي به تأتلف نصوص الكتاب والسنة وتتسق، على منهجٍ علمي منضبط، مبني على التسليمِ لله ولرسوله ﵌، مستفيدين من فهوم العلماء الربانيين من سلفنا الصالح» (١).
التنبيه الرابع:
قَالَ الإمام الشاطبي: «من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية ولا ينظر بعضها ببعض، فيوشك أن يَزِلّ، وليس هذا من شأن الراسخين وإنما هو من شأن من استعجل طلبا للمخرج في دعواه» (٢).
وَقَالَ أيضًا: «ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد: وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامّها المرتب على خاصّها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بِبَيّنها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها، ... ـ إلى أن قَالَ ـ فشأن الراسخين: تصور الشريعة صورة واحدة، يخدم بعضها بعضًا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، وشأنُ متبعي المتشابهات أخذ دليلٍ مَا أيّ دليل كان عفوًا وأخذًا أوليًا وإنْ كان ثم ما يعارضه من كلى أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكمًا حقيقيًّا، فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ،
стр. 319
ما شهد الله به ومن أصدق من الله قيلا» (١).
وقال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية: «إذَا مَيَّزَ الْعَالِمُ بَيْنَ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ ﵌ وَمَا لَمْ يَقُلْهُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَفْهَمَ مُرَادَهُ وَيَفْقَهَ مَا قَالَهُ وَيَجْمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَيَضُمَّ كُلَّ شَكْلٍ إلَى شَكْلِهِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ.
فَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَجِبُ تَلَقِّيهِ وَقَبُولُهُ وَبِهِ سَادَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ» (٢).
أما اختطاف الحكم مِنْ حَدِيثٍ عَابر، وقراءةٍ عَجلى مِنْ غير مراعاة لما وَرَدَ في الموضوع مِنْ آثار أخرى، ومن دون تصفية وتنقية فليسَ من عمل العلماء الصادقين.
فكثيرٌ ممن يتكلم على هذه المسائل لا يراعي هذه المقدمة مما يوقعهُ في أخطاء علمية، وعيوب منهجية، منها أن يتجاهل الباحث الأدلة المخالِفة لرأيه سواءً أكان ذلك بسبب إهماله أم تحيزه أم لأي سبب آخر.
وهذا العيب يلاحظُ في كتابات عدد ممن تطرق لبحث المسائل المتعلقة بالمرأة، فتجد أنَّ هناك حجبًا أو تجاهلًا للنصوص التي تخالف تَوَجُّه الكاتب كالنصوص التي تحرم الخلوة، أو تحرم مس المرأة الأجنبية، أو تحرم الاختلاط وتأمر المرأة بالمباعدة عن الرجال والقرار في البيوت ـ إلاّ ما لا بدَّ منه ـ، أو النصوص التي تأمر بلزوم الحجاب وغير ذلك (٣).
قال الشيخ ابن باز ﵀: «وقد يتعلق بعض دعاة الاختلاط ببعض ظواهر النصوص
стр. 320
الشرعية التي لا يدرك مغزاها ومرماها إلا من نوّر الله قلبه، وتفقه في دين الله وضم الأدلة الشرعية بعضها إلى بعض، وكانت في تصوره وحدة لا يتجزأ بعضها عن بعض» (١).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «يجب على المسلم إذا بحث عن حكم مسألة إسلامية أن ينظر فيما يتصل بهذه المسألة من نصوص الكتاب والسنة، وما يتبع ذلك من الأدلة الشرعية، فهذا أقوم سبيلًا، وأهدى إلى إصابة الحق، ولا يقتصر في بحثها على جانب من أدلتها دون آخر، وإلا كان نظره ناقصًا، وكان شبيهًا بأهل الزيغ والهوى، الذين يتبعون ما تشابه من النصوص ابتغاء الفتنة، ورغبة في تأويلها على مقتضى الهوى.
ففي مثل هذا الموضوع يجب أن ينظر إلى نصوص الكتاب والسنة، في وجوب ستر المرأة عورتها، وفي تحريم النظرة الخائنة، وفي مقصد الشريعة من وجوب المحافظة على الأعراض والأنساب، وتحريم انتهاكها، والاعتداء عليها، وتحريم الوسائل المفضية إلى ذلك من خلوة امرأة بغير زوجها ومحارمها، وكشف عورتها وسفرها بلا محرم، واختلاط مريب، وإفضاء الرجل إلى الرجل والمرأة إلى المرأة في ثوب واحد، وإلى أمثال ذلك مما قد ينتهي إلى ارتكاب جريمة الفاحشة» (٢).
التنبيه الخامس:
ما يستدل به دعاة الاختلاط إنما هو لقاء عارض وعابر ومحدود لغرض الحاجة أو السؤال، وينتهي مباشرة بعد انقضائها، وتلتزم فيه المرأة المسلمة بالحجاب الشرعي والحياء ولا تخضع بالقول؛ فكيف نستدل بهذا اللقاء العارض على جواز الاختلاط في العمل والتعليم حيث تمكث النساء مع الرجال الساعات الطوال ودوام شبه يومي؟؟!
стр. 321
«إن من يحتج بالاجتماعات العارضة ـ كالأسواق ـ على جواز الاختلاط في العمل والتعليم كمن يحتج بعصير العنب على الخمر، فالأول تغيَّر بطول المكث فخمَّر القلب، والثاني تغيَّر بطول المكث فخمر العقل، وطول التقاء أجزاء الخمر حوله من عصير ملتَذٍ إلى أم الخبائث، وطول التقاء الجنسين حوله من حاجة إلى مجلبة للمفاسد، والمكث حَوَّلَ الاثنين من الجواز إلى المنع» (١).
وليت أن الأمر يقف عند حد الاختلاط فقط وإنما التبرج والسفور، والخضوع بالقول مظاهر لا تكاد تخفى على أروقة الأماكن المختلطة.
التنبيه السادس:
بعض الأحاديث التي يستدل بها دعاة الاختلاط إنما حصلت مع كبيرات في السن ومعلوم أن الفتنة مأمونة مع العجائز، وكيف لنا أن نستدل بحادثة حصلت مع كبيرة في السن على جواز الاختلاط مع الشواب والفتيات؟؟!
التنبيه السابع:
عند النظر في هذه الأحاديث الصحيحة المُشْكلة التي قد يستدل به دعاة الاختلاط لابدَّ من ملاحظة أمرين:
الأوَّل: التصور السليم للحياة في عهد النَّبِيّ ﵌ كما هي من الطهر والعفاف والصدق والمحبة والإيثار والتضحية، والمبادرة إلى طاعة الله ورسوله ﵌ فما إنْ يَرِد الأمر والنهي إلاّ ويبادروا إليه دون تلكأ وتأخير رجالًا ونساء، ومن ثمّ يعوّدون صبيانهم على هذه الكمالات والفضائل، فلم تمرّ على الأمة الإسلامية أيام وسنين كتلك
стр. 322
التي مرت في عهد النَّبِيّ ﵌.
الثاني: التنبه لمدلول الألفاظ وما وقع فيها من تغاير بين زمان النَّبِيّ ﵌ والأزمنة المتأخرة فربما يقع اشتراك في لفظ معين بين هذا الزمان وزمان النَّبِيّ ﵌، ولكن الكيفية والصفة والطريقة تختلف اختلافًا كبيرًا، يؤدي بالتالي إلى اختلاف الحكم؛ قَالَ ابنُ القيم: «فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، والعوائد والاحوال، وذلك كلُّه مِنْ دينِ الله» (١).
ومن ذلك تصور الناس اليوم لمعنى الدخول حيث يتصورون جلوس الرجال مع النساء في مكان واحد أمام بعضهم البعض والنساء كاشفات عن وجوههن وبعض أجسامهن ينظر بعضهم إلى بعض كما هو الحال اليوم؟
إن هذا مخالف لما كان عليه الصحابة والتابعين إذا احتاجوا إلى مخاطبة النساء الأجنبيات، قال الحافظ ابن حجر في معنى الدخول: «لَا يَلْزَم مِنْ الدُّخُول رَفْع الْحِجَاب فَقَدْ يَدْخُلَ مِنْ الْبَاب وَتُخَاطِبهُ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب» (٢).
عن مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: «سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ... ». (رواه البخاري ومسلم). وحديث يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: « ... فَقَالَتْ عَائِشَةُ ـ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ـ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي» (رواه البخاري)، وقال الإمام البخاري في ترجمة عبد الله أبي الصهباء الباهلي: «ورأى سِتْرَ عائشة ﵂ في المسجد الجامع، تُكَلِّم الناس من وراء السِّتر، وتُسأل من ورائه» (٣).
ومما يوضح الفرق بين المحارم وغيرهم في معنى الدخول حديث سَعْدٍ بْنِ أَبِى
стр. 323
وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌، وَرَسُولُ اللهِ ﵌ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ».
قَالَ: «عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ اللاَّتِى كُنَّ عِنْدِى، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ».
قَالَ عُمَرُ: «فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ». ثُمَّ قَالَ: «أَىْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِى وَلاَ تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ ﵌؟»، قُلْنَ: «نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌».
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ». (رواه البخاري ومسلم).
فعمر ﵁ استأذن في الدخول ثم دخل ولم يجلس معهن بل خاطبهن من وراء حجاب بحضرة النبي ﵌.
وفي الحديث دلالة على وجوب الاحتجاب وتحريم الاختلاط، فبمجرد سماعهن لصوت عمر ﵁ وهو يستأذن قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، وهذا يدل على وجوب الاحتجاب من الرجل الأجنبي عند دخوله بيت صاحبه، وعدم مشروعية الاختلاط.
وفيه دلالة على التفريق بين مطلق الدخول ودخول الحجاب.
وأيضًا مما يوضح الفرق بين المحارم وغيرهم في معنى الدخول حديث الزُّهْرِىِّ قَالَ: حَدَّثَنِى عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ ـ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ وَهْوَ ابْنُ أَخِى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﵌ لأُمِّهَا أَنَّ عَائِشَةَ حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِى بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ: «وَاللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا».
فَقَالَتْ: «أَهُوَ قَالَ هَذَا؟»، قَالُوا: «نَعَمْ».
стр. 324
قَالَتْ: «هُوَ لِلهِ عَلَىَّ نَذْرٌ، أَنْ لاَ أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا». فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا، حِينَ طَالَتِ الْهِجْرَةُ فَقَالَتْ: «لاَ وَاللهِ لاَ أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا، وَلاَ أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِى».
فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَهُمَا مِنْ بَنِى زُهْرَةَ، وَقَالَ لَهُمَا: «أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ لَمَّا أَدْخَلْتُمَانِى عَلَى عَائِشَةَ، فَإِنَّهَا لاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِى».
فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالاَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟»، قَالَتْ عَائِشَةُ: «ادْخُلُوا».
قَالُوا: «كُلُّنَا؟». قَالَتْ: «نَعَمِ، ادْخُلُوا كُلُّكُمْ» ـ وَلاَ تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ ـ فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِى، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلاَّ مَا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولاَنِ إِنَّ النَّبِىَّ ﵌ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ.
فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا نَذْرَهَا وَتَبْكِى وَتَقُولُ: «إِنِّى نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ». فَلَمْ يَزَالاَ بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِى نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً. وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِى، حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا». (رواه البخاري).
فالمسور وعبد الرحمن دخلوا بيت عائشة ولم يدخلوا الحجاب، والذي دخل هو عبد الله بن الزبير لأنه عائشة ﵂ خالته.
فهناك فرق بين قولهم: «دخلنا على عائشة»، وقولهم: «دخلنا الحجاب» فمطلق الدخول لا يعني دخول الحجاب أو الجلوس وجهًا لوجه (١).
ومخاطبة الرجال الأجانب من وراء حجاب لم يكن مختصًا بأمهات المؤمنين بل
стр. 325
كانت النساء إذا تعلّمن أو عَلّمن يكون ذلك من وراء حجاب، ففي مسند الإمام أحمد: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: جَاءَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَاسْتَأْذَنُوا عَلَى أَبِي الْأَشْهَبِ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَالُوا: «حَدِّثْنَا»، قَالَ: «سَلُوا»، فَقَالُوا: «مَا مَعَنَا شَيْءٌ نَسْأَلُكَ عَنْهُ»، فَقَالَتْ ابْنَتُهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: «سَلُوهُ عَنْ حَدِيثِ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ».
والشواهد كثيرة على أن مجالس سلف هذه الأمة وخيارها لم تكن مفتوحة على بعض بل كان بينها السّتور، كما أن نساء هذه الأمة لم يَكنّ يُعلّمن أو يَتعلّمن إلا من وراء حجاب وسِتر.
ومِنْ الألفاظ التي وقع فيها من تغاير بين زمان النَّبِيّ ﵌ والأزمنة المتأخرة (الغناء، والدّف) فقد تغيرتْ الكيفية والصفة في هذه الأزمنة وقبلها عن الغناء والدّف الذي كان على عهد رسولِ الله ﵌، وقد بين ذلك الإمام ابنُ رَجَب بكلامٍ نفيسٍ قَالَ فيه ـ تعليقًا على حديث عَائِشَةَ ﵁ في الصحيحين، قَالَتْ: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﵌، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا».
قال الحافظ ابن رجب ﵀:
«ولا ريب أنّ العرب كانَ لهم غناء يتغنون به، وكان لهم دفوف يضربون بها، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل، ليس فيها جلاجل، ... فلما فتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما
стр. 326
كان أهل فارس والروم قد اعتادوه من الغناء الملحن بالإيقاعات الموزونة، على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها المحرمات من الخمور والصور الجميلة المثيرة للهوى الكامن في النفوس، المجبول محبته فيها، بآلات اللهو المطربة، المخرج سماعها عن الاعتدال، فحينئذ أنكر الصحابة الغناء واستماعه، ونهوا عنه وغلظوا فيه حتى قَالَ ابنُ مسعود: «الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل».
وهذا يدل على أنهم فهموا أنَّ الغناءَ الذي رَخص فيه النَّبِيّ ﵌ لأصحابه لم يكن هذا الغناء، ولا آلاته هي هذه الآلات، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده، مما يتعارفه العرب بآلاتهم.
فأما غناء الأعاجم بآلاتهم فلم تتناوله الرخصة، وإن سمي غناءً، وسميت آلاته دفوفا، لكن بينهما من التباين ما لا يخفى على عاقل، فإن غناء الأعاجم بآلاتها يثير الهوى، ويغير الطباع، ويدعو إلى المعاصي، فهو رقية الزنا.
وغناء الأعراب المرخص به، ليس فيه شيء من هذه المفاسد بالكلية البتة، فلا يدخل غناء الأعاجم في الرخصة لفظًا ولا معنىً، فإنه ليس هنالك نص عن الشارع بإباحة ما يسمى غناء ولا دفًّا، وإنما هي قضايا أعيان، وقع الإقرار عليها، وليس لها من عموم.
وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة، لأنَّ غنائهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب» (١).
وَقَالَ ابن القيم: «وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ
стр. 327
- ﵌ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﵌ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﵇ فَقَالَ: «دَعْهُمَا»، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا».
فلم ينكر رسول الله ﵌ على أبي بكر تسمية الغناء مزمار الشيطان، وأقرهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب، وكان اليوم يوم عيد.
فتوسع حزب الشيطان في ذلك إلى صوتِ امرأةٍ جميلة أجنبيةٍ، أو صبي أمرد صوته فتنة، وصورته فتنة، يغَنّي بما يدعو إلى الزنى والفجور وشرب الخمور مع آلات اللهو التي حرمها رسول الله ﵌ في عدة أحاديث، مع التصفيق والرقص وتلك الهيئة المنكرة التي لا يستحلها أحد من أهل الأديان فضلًا عن أهل العلم والإيمان.
ويحتجون بغناء جويريتين غير مكلفتين، بنشيد الأعراب ونحوه، في الشجاعة ونحوها، في يوم عيد، بغير شبابة ولا دف ولا رقص ولا تصفيق، ويَدَعون المُحْكَم الصريح لهذا المتشابه، وهذا شأن كل مُبْطِل، نعم نحن لا نحرم ولا نكره مثل ما كان في بيت رسول الله ﵌ على ذلك الوجه، وإنما نحرم ـ نحن وسائر أهل العلم والإيمان ـ السماع المخالف لذلك، وبالله التوفيق» (١).
رَحِمَ الله ابنَ القيّم كيفَ لو رأى ما حَدَثَ في هذه الأزمان المتأخرة من التجارة في أجساد النساء!!، والتفنن في ذلك، بأساليب عجيبة وطرائق مختلفة، عن طريق وسائل الأعلام المتنوعة التي يشاهدها ملايين البشر، والمفاسد العظيمة العامة التي ترتبت
стр. 328
عليها، فالمسألة الآن أكبر من حكم الغناء والدف، فليتفطن لذلك من يتكلم على هذه المسائل، والله المستعان (١).
التنبيه الثامن:
الأصل في أفعال الرسول ﵌ وأقواله وأحكامه عدم الخصوصية حتى تثبت بدليل؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (الأحزاب: ٢١)، فدل على أنه ﵌ قدوة الأمة في كل شيء، ولأنّ الصحابة كانوا يرجعون فيما أشكل عليهم إلى أفعاله فيقتدون به فيها.
قال ابنُ القيّم: «إِذَا رَأَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي أَمْرٍ قَدْ صَحّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ أَنّهُ فَعَلَهُ وَأَمَرَ بِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ خَاصّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بَاقٍ إلَى الْأَبَدِ فَقَوْلُ مَنْ ادّعَى نَسْخَهُ أَوْ اخْتِصَاصَهُ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ فَلَا يُقْبَلُ إلّا بِبُرْهَانٍ» (٢).
واتفق العلماء على أنَّ النَّبِيّ ﵌ قد خُصَّ في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد في باب الفرض والتحريم والتحليل مزيةً على الأمة، وهيبة له، ومرتبة خص بها ففرضت عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرمت عليه أشياء وأفعال لم تحرم عليهم، وحُللت له أشياء لم تحلل لهم، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه، وهذه الخصائص منها ما ثبت بالقرآن، ومنها ما ثبت بالسنة، ومنها ما يفهم من منطوق النصوص، ومنها ما يفهم من خلال الجمع والموازنة بين النصوص.
стр. 329
وَقَدْ أَلَّفَ النَّاسُ فِي الْخَصَائِصِ كُتُبًا مُتَعَدِّدَةً وممن ألف في الخصائص القاضي عياض، وابن الملقن، والسيوطي وغيرهم.
وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْخَصَائِصِ لِئَلا يُعْتَقَدَ فِيمَا يُخَصُّ بِه ﵌ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنَا.
فمن المجمع عليه: جواز نكاحه ﵌ أكثر من أربع نسوة. والتَّزَوُّجُ بِلا مَهْرٍ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأحزاب:٥٠).وتحريم نكاح أزوجه من بعده لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ (الأحزاب:٥٣)، وغير ذلك مما يطول ذكره مما ليس هذا محل بيانه وبسطه.
والسبب في ذكر هذه القاعدة التنبيه على أنَّ ما ورد عن النبي ﵌ ـ مما قد يُفهم منه جواز الاختلاط أو الخلوة ـ قد قال بعض العلماء أنه كَانَ من خصائصه ﵌، مع ما ثبت له ﵌ من العصمة (١).
ومما استدلوا به على الخصوصية قوله تعالى عن لوط وهو يعرض نساء قومه: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (هود:٧٨)، وبقول مجاهد في تفسيرها: «لم تكُنَّ بناتَه ولكن كنّ مِن أمَّتِه، وكل نبيّ أبو أمته» (٢).
واستدلوا بقوله تعالى عن نبينا محمد ﵌: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (الأحزاب: ٦).
والاختلاط حُرِّمَ درءًا للمفسدة وهي منتفية منه ﵌.
التنبيه التاسع:
قد يستدل دعاة الاختلاط بآثار عن الصحابة يظنون بفهمهم السقيم أنها تؤيد دعوتهم للاختلاط، ولكن هيهات، فبعض تلك الآثار لا تصح أصلًا، وبعضها ليس
стр. 330
فيه ما يؤيد دعواهم، وإن صح استدلالهم به فليس لهم فيه حجة لأن قول الصحابي لا اعتبار له إذا خالف الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء: ٥٩).
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﵌ فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ، أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﵌، وَيَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. (رواه الإمام أحمد وصححه الشيخ أحمد شاكر).
قال الحافظ ابن حجر: «يَا عُرَيَّة: وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ، وَأَصْله عُرَيْوَة فَاجْتَمَعَ حَرْفَا عِلَّة فَأُبْدِلَتْ الْوَاو يَاء ثُمَّ أُدْغِمَتْ فِي الْأُخْرَى» (١).
علق الخطيب البغدادي على كلام عروة بن الزبير: «قلت: قد كان أبو بكر وعمر على ما وصفهما به عروة، إلا أنه لا ينبغي أن يُقَلَّدَ أحدٌ في ترك ما ثبتت به سنة رسول الله ﵌» (٢).
وقال الذهبي في إيجاد العذر لعروة بن الزبير: «قُلْتُ: مَا قصد عُرْوَة مُعَارَضَةَ النَّبِيِّ ﵌ بِهِمَا، بَلْ رَأَى أَنَّهُمَا مَا نهيَا عَنِ الْمُتْعَة إِلاَّ وَقَدِ اطّلَعَا عَلَى نَاسِخ» (٣).
إن بعض الناس قد يستدل للحكم على مسألة معينة بقول صحابي أو فعله أو فتواه، ويكون في السنّة دليل أشمل وأقوى وأوضح من فعل الصحابي، وقول الصحابي يجوز خلافه إذا وُجِدَ دليل يُخالفه من الكتاب والسُنَّة أو خالفه صحابي آخر، أو عُرف أنه مُجرد اجتهاد بدون دليل أو أنه مأخوذ من الإسرائيليات، مع أن كثيرًا من العلماء لا
стр. 331
يقبلونه مُطلقًا لأنه اجتهاد فردي.
ولكن الراجح هو العمل بأقوال الصحابة التي لم يُخالفهم فيها من هو مثلهم؛ لأنهم شاهدوا التنزيل وصلوا وصاموا خلف النبي ﵌ وتعلموا منه الكثير، فلأجل ذلك ذهب كثير من الأئمة إلى الاحتجاج بأقوالهم إذا لم يُخالفها أقوى منها.
التنبيه العاشر:
الردود على هذه الشبهات وأمثالها إنّما ينتفع بها طالب الحق المنصف الذي يطلب الحق بدليله، لا من يتبع زلات العلماء، ويستدل بها على ما يوافق هواه.
قال الشيخ سلمان العودة: «ما من عالم إلا وله زلة، أبى الله أن تكون العصمة لغير نبيه ﵌، ومن الخطير الولوع بالغرائب والزلات والتعلق بها، باعتبارها رأي فلان أو فلان ممن يشار إليهم بالبنان، وما فتيء العلماء يحذّرون من مسقطة يجريها الشيطان على لسان فاضل عليم، فعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟» قال: قلت: «لا»، قال: «يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين» (١).
ولو أن إنسانًا أخذ بكل شواذ الأقوال وغرائبها لربما خرج من الدين وهو لم يخرج بعدُ من أقوال العلماء! ولذلك قيل:
وَلَيْسَ كلُّ خِلافٍ جاءَ مُعتَبَرًا ... إِلا خِلافٌ لَه حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «دين الإسلام يوجب اتباع الحق مطلقًا، روايةً وفقهًا،
стр. 332
من غير تعيين شخص أو طائفة، غير الرسول ﵌» (١).وقال أيضًا: «عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء، أو العبّاد، أو أكثرهم، ونحو ذلك ليس مما يصلح أن يكون معارضًا لكلام الرسول ﵌ حتى يعارض به» (٢).
وقال الإمام الشاطبي ﵀: «الإنسان لا ينبغي له أن يعتمد على عمل أحد البتة، حتى يتثبت ويسأل عن حكمه؛ إذ لعل المعتمَدُ على عمله يعمل على خلاف السُنّة، ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سَلْه يصْدُقْك، وقالوا: ضعف الرويَّة أن يكون رأى فلانًا يعمل فيعمل مثله، ولعله فعله ساهيًا» (٣).
стр. 333
الرد على الشبهات
يمكن تقسيم ما يستدل به دعاة الاختلاط إلى:
١ - آيات من كتاب الله يضعونها في غير موضعها.
٢ - أحاديث صحيحة عن النبي ﵌ ليس فيها ما يدل على جواز الاختلاط.
٣ - أحاديث ضعيفة لم تثبت أصلًا فلا يُحتَج بها.
٤ - آثار صحيحة عن الصحابة ﵃ عند التأمل لا يُفْهَمُ منها إقرارهم هذا الأمر، فليس فيها دليل على جواز الاختلاط، وعلى فرض أن فيها دليلًا فلا يحتج بأقوال الصحابة ولا أفعالهم إن خالفت أمر النبي ﵌ ونهيه.
٥ - آثار لا تثبت عن الصحابة ﵃.
٦ - دعاوى شرعية وعقلية وواقعية يكذبها الشرع والعقل والواقع.
٧ - شبهات متعلقة بجواز ولاية المرأة على الرجال وذلك يقتضي ـ بزعمهم ـ اختلاطها بالرجال.
وبالجملة فإن من يجادلون في اختلاط المرأة بالرجال يتمسكون بشُبهات ضعيفة ليست فيها حجة أو دلالة، ولو أنهم عرضوها على بعض ما كتبه أهل العلم في حكم الاختلاط لتبدد ظلام تلك الشبهات، فإن ما يذكرونه لا يقوى على دفع الأدلة المتظاهرة على تحريم الاختلاط والتي سبق ذكر بعضها.
قال الدكتور عبد الله ناصح علوان ﵀ (بعد أن ذكر بعض الأدلة من الكتاب والسنة على حرمة الاختلاط): «فهذه النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية تحرم اختلاط الرجال بالنساء بشكل قاطع جازم لا يحتمل الشك ولا الجدل!! فالذين يبيحون الاختلاط ويبررونه بتعويدات اجتماعية ومعالجات نفسية، وحجج شرعية، فإنهم في الواقع يفترون على الشرع ويتجاهلون الفطرة الغريزية ويتجاهلون الواقع المرير الذي آلت إليه المجتمعات الإنسانية قاطبة» (١).
стр. 334
أولًا:
آيات من كتاب الله يضعونها في غير موضعها
الشبهة الأولى:
التكلف من غير دليل في تخصيص آية الحجاب بأمهات المؤمنين .
الجواب:
أولًا: قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣).
إن القرآن عام للناس جميعًا؛ قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩)، ومن المعلوم من قواعد الشريعة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية عامة لكل من تتوجه إليه من النساء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وَالْآيَاتُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﵌ فِيهَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. إذْ كَانَتْ رِسَالَتُهُ عَامَّةً لِلثَّقَلَيْنِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ نُزُولِ الْآيَاتِ مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْعَرَبِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْآيَاتِ مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا: هَلْ يَخْتَصُّ بِنَوْعِ السَّبَبِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ؟ وَأَمَّا بِعَيْنِ السَّبَبِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ آيَاتِ الطَّلَاقِ أَوْ الظِّهَارِ أَوْ اللِّعَانِ أَوْ حَدَّ السَّرِقَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ» (١).
وقال الإمام القرطبي ﵀: «فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَذِنَ فِي مَسْأَلَتهنَّ مِنْ وَرَاء حِجَاب فِي حَاجَة تَعْرِض , أَوْ مَسْأَلَة يُسْتَفْتَيْنَ فِيهَا , وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ جَمِيع النِّسَاء بِالْمَعْنَى , وَبِمَا تَضَمَّنَتْهُ أُصُول الشَّرِيعَة مِنْ أَنَّ الْمَرْأَة كُلّهَا عَوْرَة , بَدَنهَا
стр. 335
وَصَوْتهَا , كَمَا تَقَدَّمَ , فَلَا يَجُوز كَشْف ذَلِكَ إِلَّا لِحَاجَةٍ كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا , أَوْ دَاء يَكُون بِبَدَنِهَا , أَوْ سُؤَالهَا عَمَّا يَعْرِض وَتَعَيَّنَ عِنْدهَا» (١).
فالله سبحانه لما أمر بسؤالهن من وراء حجاب أشارت علة الحكم بمسلك الإيماء والتنبيه إلى عموم الحكم، فقال: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ إذ طهارة القلوب مطلوبة من عموم المسلمين لا من الصحابة وآمهات المؤمنين فحسب، فاتضح من عموم علة الحكم عموم الحكم لجميع النساء، ولو قلنا بتخصيصها بأمهات المؤمنين لعطلنا كثيرًا من أحكام الشريعة، إذ غالب آيات القرآن ذوات أسباب في نزولها.
قال الشخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «أما القرآن العظيم فمن أدلته العظيمة التي لا ينبغي عنها بحال من الأحوال أن الله أنزل فيه أدبًا سماويًا أدَّب به خير نساء الدنيا ـ وهن نساء سيد الخلق محمد ﵌ ـ فأمر فيه جميع الرجال أن لا يسألوهن متاعًا إلا من وراء حجاب، ثم بين أن الحكمة في ذلك أن تكون قلوب كل من الجنسين في غاية الطهارة من أدناس الريبة بين الجنسين.
وقد تقرر في علم الأصول أن العلة تعمم معلولها وتخصصه والعلة في هذه الآية المتضمنة هذا الأدب السماوي الكريم الكفيل بالصيانة والعفاف وحفظ الكرامة والشرف معممة لحكم الآية الكريمة في جميع نساء المسلمين إلى يوم القيامة، وإن كان لفظها خاص بأزواج النبي ﵌، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، ثم بين حكمة هذا الأدب السماوي وعلته ونتيجته بقوله جل وعلا: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.
فدل ذلك بمسلك الإيماء والتنبيه من مسالك العلة أن علة السؤال من رواء
стр. 336
الحجاب هي المحافظة على طهارة قلوب كل من الجنسين غاية الطهارة حيث عبر تعالى بصيغة التفضيل في قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.
ودل هذا التعليل بأطهرية قلوب الجنسين، على أن حكم الآية عام للنساء المسلمات إلى يوم القيامة لأن أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن مطلوبة إجماعًا فلا يصلح لقائل أن يقول المطلوب طهارة قلوب أزواج النبي ﵌ فقط وطهارة قلوب الرجال من الريبة معهن فقط، بل ذلك مطلوب في جميع النساء إلى يوم القيامة كما لا يخفى.
فدل ذلك على أن العلة المشار إليها بقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ مقتضية تعميم ها الحكم السماوي النازل بهذا الأدب الكريم المقتضي كمال الصيانة والعفاف والمحافظة على الأخلاق الكريمة والتباعد من التدنس بالريبة، فسبحان من أنزله، ما أعلمه بمصالح خلقه وتعليمهم ومكارم الأخلاق.
ويؤيد ما ذكرنا من تعميم الحكم أن الخطاب لواحد يشمل حكمه جميع الأمة إلا بدليل خاص وهو على المقرر في أصول المذهب الحنبلي يكون خطاب الواحد بنفسه صيغة عموم مقتضية عموم الحكم في جميع المكلفين.
وغير الحنابلة يقول خطاب الواحد يقتضي عموم الحكم لكن بواسطة لا بنفسه.
وتلك الواسطة نوعان:
أحدهما: قياس باقي المكلفين على ذلك الشخص الواحد المخاطب لأن الأصل استواء جميع الناس في أحكام التكاليف الشرعية إلا ما أخرجه دليل خاص.
النوع الثاني: هو قوله ﵌: «إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ»، وهو صحيح أخرجه الترمذي وغيره بسند صحيح، وهو دليل على أن ما خوطبت امرأة واحدة من الأمة يعم حكمه جميع النساء.
ولو سلمنا تسليمًا جدليًا أن آية: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾
стр. 337
خاصة بأزواج النبي ﵌ كما يقوله بعض أهل العلم وجميع دعاة السفور، فإن أزواج النبي ﵌ خير أسوة وأفضل من يقتدي بهن نساء المسلمين ولا سيما في أدب سماوي تصان به الكرامة والشرف والعفاف.
فالاقتداء بهن في ذلك أولى من الاقتداء بإناث الإفرنج في الإباحية البهيمية القاضية على الأخلاق والشرف قضاء لا يترك للفضيلة والحفاظ أثرًا، ولا يصح لعاقل منصف أن ينازع في أن الاقتداء بأزواج النبي ﵌ في تعليم بوحي سماوي يحقق الحفاظ على الشرف والصيانة والكرم والعفاف والنزاهة والبعد من تقزز القلوب بأدناس الريبة ـ خير وأولى من تقليد إناث الإفرنج الكافرات في كل ما يدنس العرض ويقضي على الكرامة والفضيلة.
فمن حاول منع بنات المسلمين من الاقتداء بأزواج النبي ﵌ في ذلك الأدب السماوي الكريم فهو مريض القلب غاش لأمته أشد الغش ومن غشنا فليس منا.
ويُفهم من مفهوم المخالفة المعروف في الأصول بدليل الخطاب في الآية أن الاختلاط وعدم الاحتجاب أبخس وأقذر لقلوبكم وقلوبهن لأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يدل بمفهوم مخالفته أنكم إن سألتموهن متاعًا مباشرة لا من وراء حجاب أن ذلكم ليس أطهر لقلوبكم وقلوبهن بل هو أبخس لقلوبكم وقلوبهن» (١).
ثانيًا: إن الحكم يعم جميع النساء، ولو كان الأمر بمنع الاختلاط خاصًّا بأمهات المؤمنين فمن المقصود بقوله ﵌: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ
стр. 338
صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (١) ومن المقصود بحديث أَبِى أُسَيْدٍ الأَنْصَارِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ ـ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِى الطَّرِيقِ ـ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِلنِّسَاءِ: «اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ». فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. (رواه أبو داود وحسنه الألباني).
ثالثًا: يلزم عن قولهم هذا، أن كل خطاب توجه إلى أحد بعينه، فحكمه خاص به، وحينئذ فالشريعة كلها خاصة بالصحابة ﵃؛ لأن الأمر الإلهي نزل يخاطبهم حين نزل، فمَن بَعدهم لم يأت بعد.
وما هكذا سبيل العلماء، سبيلهم أن الحكم يخص المخاطب بشرط هو: إذا ورد دليل آخر يدل على الخصوصية. وقد قال تعالى مخاطبًا أزواج النبي ﵌: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣) فهل سيدّعون أن النهي عن التبرج أيضًا خاص بالأزواج؛ لأن الخطاب توجه إليهن؟.
رابعًا: قيل لهم: «لِمَ خُصَّ أزواج النبي ﵌ بالقرار؟» فقالوا: «لحرمتهن ومنزلتهن».
فيقال لهم: «هذه الحرمة والمنزلة تشمل فاطمة بنت رسول الله ﵌ ولا شك؛ فيجب عليها القرار أم لا؟».
فإن قالوا: «يجب عليها القرار».فهاهم أدخلوا من لم يتوجه الخطاب إليه، فبطل قولهم بالتخصيص.
وإن قالوا: لا يجب عليها القرار؛ لأنها لم تخاطب، بطل تعليلهم، وما بُنِيَ عليه من التخصيص.
فكيفما قدرت، فقولهم باطل (٢).
стр. 339
الشبهة الثانية:
ركوب أهل السفينة مع نوح ﵇ -:
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ (هود: ٤٠ - ٤١).
زعم دعاة الاختلاط أن حَمْلَ نوح ﵇ من كلٍّ زوجين اثنين دليلٌ على إباحة الاختلاط.
الجواب:
١ - ليس هناك دليل على جنس راكبي السفينة؛ فغاية ما تدل عليه الآية أنهم مؤمنون فقط دون تفصيل؛ فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ لا يدل على جنس هؤلاء المؤمنين أذكور هم أم إناث أم أخلاط، أما قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ فلا يدل على كون الأهل هنا زوج نوح ﵇ لأن زوجته كانت كافرة، فربما كان بعض أبناء نوح الذكور لقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ (هود:٤٥)، ولو فُرض أنهم ذكور وإناث فهم بصحبة مَحْرَمِهم نوح ﵇.
٢ - ما المانع أن يكون الرجال في السفينة على حدة والنساء على حدة؛ إذ لا دليل على مخالطة الرجال النساء في السفينة، ومن زعم غير ذلك فعليه الدليل (١).
٣ - لو سلمنا جدلًا بصحة استدلالهم بالقصة فهذا شرع من قبلنا، فلا يستدل به لأنه قد جاء في شرعنا ما ينسخه، فـ «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» كما قال نبينا ﵌ (٢).
стр. 340
الشبهة الثالثة:
هل اختلطت أم إسماعيل بقوم جرهم ؟
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ (إبراهيم: ٣٧).
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄:قَالَ النَّبِىُّ ﵌ «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ ـ أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ ـ لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا، وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقَالُوا: «أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟»، قَالَتْ: «نَعَمْ، وَلاَ حَقَّ لَكُمْ فِى الْمَاءِ». قَالُوا: «نَعَمْ» (رواه البخاري).
الجواب:
١ - إن إبراهيم ﵇ وضع زوجته وابنه إسماعيل في مكة خاليين ليس عندهما أحد، وإنما قدم قوم جرهم عقب ذلك ونزلوا في ناحية الوادي بعيدين عن هاجر وابنها، وكما هو العادة في عمارة المدن والقرى، فأين الاختلاط في هذا؟
٢ - إن طلب قوم جرهم من هاجر النزول مجاورين لها في الوادي ليس فيه أكثر من كلام ولقاء عابر ثم انصرافهم إلى ناحية الوادي بعد إذنها لرغبتها في زوال الوحشة (١).
٣ - لو سلمنا جدلًا بصحة استدلالهم بالقصة فهذا شرع من قبلنا، فلا يستدل به لأنه قد جاء في شرعنا ما ينسخه، فـ «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» كما قال نبينا ﵌ (٢).
стр. 341
الشبهة الرابعة:
الاستدلال بقصة يوسف ﵇ -:
من شبهات دعاة الاختلاط، ما يستدل به بعضهم، من دخول نبي الله يوسف ﵇ على النسوة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ (يوسف: ٣٠ - ٣٤).
الجواب:
١ - مَن تأملَ هذه الآيات جزم بأنه لايصح الاستدلال بها على جواز الاختلاط، بل الآيات حجة عند النظر والتأمل لمن منع من الدخول على النساء ومخالطتهن: فيوسف ﵇ اشتراه عزيز مصر، وكان في بيته وكان خروجه بأمر ربة البيت فكان الخروج في حقه لضرورة أو حاجة، خاصة وأنه لا يعلم لماذا دُعي، فغاية ما في القصة الاستدلال بفعل النسوة أو امرأة العزيز، وهذا استدلال بفعل مَن كان على الشرك.
ومع ذلك فإن الآيات في سياق القصة وما تبعها من فتنة حصلت للنساء ـ بل ولامرأة العزيز من قبلُ ـ دليل على حرمة الاختلاط، فمَن حلَّل الاختلاط بقصة يوسف لم يفقه ما استدل به عليه من سورة يوسف، ولو فقهه لحرم الاختلاط به، فانظر
стр. 342
إلى الفتنة التي حصلت إثر الدخول على النساء ولئن عصم الله يوسف ﵇ فأراه برهان ربه لكونه من المخلصين، فمن الذي يضمن هداية من تقحم الفتن وعرض نفسه لها؟
٢ - لو سلمنا جدلًا بصحة استدلالهم بالقصة فهذا شرع من قبلنا، فلا يستدل به لأنه قد جاء في شرعنا ما ينسخه، فـ «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» كما قال نبينا ﵌ (١).
стр. 343
الشبهة الخامسة:
قصة أم موسى ﵇ وأخته مع قوم فرعون: قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ (القصص: ١١ - ١٣).
الجواب:
١ - لم تدل القصة لا تصريحًا ولا تلميحًا على جواز الاختلاط؛ بل هو من اللقاء العابر، فقصارى ما في القصة أن أخت موسى ﵇ قد عرضت على قوم فرعون إرضاع موسى ﵇ بدلالتهم على أمه الحقيقية وهم لا يشعرون.
فأخت موسى ﵇ لم تجالسهم ولم تؤاكلهم ولم تشاربهم ولم تعمل معهم جنبًا إلى جنب ولكنها حدَّثتهم حديثًا لا فتنة فيه، وكَلَّمَتْهم كلامًا جادًّا خاليًا من الريبة والإثارة؛ فأدَّت المقصود والتزمت الحدود وحملت أخاها الرضيع وانطلقت به إلى أمه؛ فأي دليلٍ في هذا على جواز الاختلاط؟!! (١)
٢ - لو سلمنا جدلًا بصحة استدلالهم بالقصة فهذا شرع من قبلنا، فلا يستدل به لأنه قد جاء في شرعنا ما ينسخه، فـ «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» كما قال نبينا ﵌ (٢).
стр. 344
الشبهة السادسة:
نبأ موسى ﵇ مع المرأتين:
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ (القصص: ٢٣ - ٢٦).
من عجيب ما يتمسك به دعاة الاختلاط نبأ موسى ﵇ مع بنتي صاحب مدين، وليس فيه حجة على جواز الاختلاط بل هو دليل آخر على المنع، فموسى لما رأى أُمّة من الناس يسقُون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما عن السقيا مع القوم، منعزلتين لا تسقيان مع الناس، لم يَرْضَهُ موقفهما واستغربه؛ ولهذا سألهما بعبارة مختصرة: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾، فكان الجواب بأوجز عبارة وبقدر الحاجة: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.
والأسئلة التي ينبغي أن تطرح هنا لماذا هذا الاقتضاب؟ مع أنه عند أبيهما قص القصص!
ولماذا لم تسقيا؟
ولماذا ذادتا غنمهما؟
وعن ماذا ذادتا الغنم؟
أليس عن الاختلاط بغنم القوم؟
ثم أليس الأوْلى لهما أن تعجلا؟
стр. 345
جواب ذلك في القول باستقرار المنع من الاختلاط عندهما ولهذا ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾.
وقد ذكر بعض المشايخ المعاصرين أربعة عشر وجهًا في القصة انتزع منها الدلالة على منع الاختلاط، وآخر ذكر تسعة عشر مظهرًا من مظاهر العفة في القصة (١).
ومن الآيات السابقة: يتضح لنا أن المرأتين خرجتا للعمل في السقيا، ولكن خروجهما كان للضرورة لهذا قالتا: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.
ونلاحظ أيضًا في القصة قول الله : ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾؛ لأنها تربَّتْ على الحياء لم تتكشف ولم تتبرج.
قال الحافظ ابن كثير: «قال الله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ أي: مشي الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه قال: «كانت مستتَرة بكم درْعها».
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمر بن ميمون قال: قال عمر ﵀: «جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خَرَّاجة ولاجة». (هذا إسناد صحيح).
قال الجوهري: «السلفع من الرجال: الجسور، ومن النساء: الجريئة السليطة» (٢).
وفي الآية أيضًا من الأدب والعفة والحياء، ما بلغ ابنة الشيخ مبلغًا عجيبًا في التحفظ والتحرز، إذ قالت: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، فجعلت
стр. 346
الدعوة على لسان الأب، ابتعادًا عن الرَّيب والرِّيبة.
قالت له بحزم: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ هكذا مباشرةً قالت له المطلوب، وبدون كثرة كلام.
وقارنوا هذا بالذي يحدث من بعض النساء في عصرنا الحاضر مِن حُب الكلام الكثير مع الرجال: مع ما يصاحب هذا الكلام من تكسر وميوعة سواءً مع الأقارب أو مع الأصدقاء، وسواءً بشكل مباشر أو عن طريق الهاتف، رغم أنهن يعرفن قول الله : ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (الأحزاب: ٣٢).
وكم من رجل وقع ضحية كلمة مائعة أو ضحكة فاجرة سمعها من أمثال هؤلاء النساء، إذن على المرأة عندما تخاطب الرجال أن تخاطبهم بجدية لا تصل إلى التشبه بالرجال ولا بميوعة وتكسر قد يفهم البعض منها أنها تقصد شيئًا ما.
وعليها أن تتكلم بقدر الحاجة بدون زيادة أو نقصان.
стр. 347
الشبهة السابعة:
قصة ملكة سبأ مع سليمان ﵇ وما حصل من حوار معها:
قال تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ (النمل: ٤١ - ٤٤).
الجواب:
١ - ليس في القصة ما يدل على جواز الاختلاط إنما هو لقاء عابر ينقضي بزوال الحاجة أو الضرورة (١).
٢ - لو سلمنا جدلًا بصحة استدلالهم بالقصة فهذا شرع من قبلنا، فلا يستدل به لأنه قد جاء في شرعنا ما ينسخه، فـ «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» كما قال نبينا ﵌ (٢).
стр. 348
الشبهة الثامنة:
دخول زكريا ﵇ على مريم ﵍ المحراب:
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ (آل عمران: ٣٥ - ٣٧).
الجواب:
١ - كفل زكريا مريم وهي رضيعة وربما أرضعتها زوجته فتكون ابنته من الرضاعة.
٢ - مريم كانت تقطن المسجد بعدما كبرت فقد نذرتها أمها لذلك، ودخول زكريا عليها كان في المحراب، والمسجد موضع عبادة ويجوز فيه دخول الرجال والنساء مع التصون والحجاب (١).
٣ - لو سلمنا جدلًا بصحة استدلالهم بالقصة فهذا شرع من قبلنا، فلا يستدل به لأنه قد جاء في شرعنا ما ينسخه، فـ «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» كما قال نبينا ﵌ (٢).
стр. 349
الشبهة التاسعة:
قصة مريم ﵍ مع قومها: قال تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ (مريم: ٢٧ - ٣٤).
الجواب:
١ - لقاء مريم ﵍ مع قومها كان لقاءً عابرًا لغرض البيان ورفع اللَّبْس لكي لا تضع نفسها موضع التهمة وسوء الظن، وليتمكن عيسى ﵇ من إبلاغهم الرسالة، ولم يكن لقاؤها إياهم متكررًا ومقصودًا ومباشرًا كل يوم كما يحسبه دعاة الاختلاط.
٢ - مريم ﵍ حين أجاءها المخاض انتبذت به مكانًا قصِيًّا بعيدًا عن الأنظار؛ فلماذا أغفل دعاة الاختلاط هذا؟!! (١)
٣ - لو سلمنا جدلًا بصحة استدلالهم بالقصة فهذا شرع من قبلنا، فلا يستدل به لأنه قد جاء في شرعنا ما ينسخه، فـ «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» كما قال نبينا ﵌ (٢).
стр. 350
الشبهة العاشرة:
استدلالهم بآية (المباهلة):
قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ (آل عمران: ٦١).
هذه الآية اعتبرها بعضهم من أكثر الأدلة صراحة على إباحة الاختلاط، والتي نزلت عقب فرض الحجاب، حيث إن الآية أشارت إلى أن النبي ﵌، كان سيجلب معه نساءه وأولاده للمباهلة مع وفد أساقفة نجران.
الجواب:
١ - مَعْنَى الآية كما جاء في تفسير السعدي: «﴿فَمَنْ﴾ جادلك و ﴿حَاجَّكَ﴾ في عيسى ﵇ وزعم أنه فوق منزلة العبودية، بل رفعه فوق منزلته ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ بأنه عبد الله ورسوله، وبيَّنْتَ لمن جادلك ما عندك من الأدلة الدالة على أنه عبد أنعم الله عليه، دل على عناد من لم يتبعك في هذا العلم اليقيني، فلم يبق في مجادلته فائدة تستفيدها ولا يستفيدها هو، لأن الحق قد تبين، فجداله فيه جدال معاند مشاق لله ورسوله، قصده اتباع هواه، لا اتباع ما أنزل الله، فهذا ليس فيه حيلة.
فأمر الله نبيه أن ينتقل إلى مباهلته وملاعنته، فيدعون الله ويبتهلون إليه أن يجعل لعنته وعقوبته على الكاذب من الفريقين، هو وأحب الناس إليه من الأولاد والأبناء والنساء، فدعاهم النبي ﵌ إلى ذلك فتولوا وأعرضوا ونكلوا، وعلموا أنهم إن لاعنوه رجعوا إلى أهليهم وأولادهم فلم يجدوا أهلًا ولا مالًا وعوجلوا بالعقوبة، فرضوا بدينهم مع جزمهم ببطلانه، وهذا غاية الفساد والعناد».
стр. 351
٢ - كيف نبني حكمًا كاملًا على أمرٍ لم يقع , وإن وقع فهو ضرورة بين الحق والباطل والحياة والموت فهي (ملاعنة) , والأعجب إن حصل فلا نعرف كيف ستكون ماهيته , هل سيختلطون أم لا؛ فيكون النساء في مكان والرجال في مكان آخر مثلًا؟!
وكأن دعاة الاختلاط قد كُشفت لهم الحُجب فرأوا أنه وقع الاختلاط ليحكموا أنه من أصرح الأدلة؟!!
٢ - معلوم مَن المقصود بالآيات (بالأبناء) الحسن والحسين و (النساء) فاطمة و (أنفسنا) عنى نفسه الرسول وعليًا , كما في تفاسير البغوي والألوسي وغيرهما , وأحاديث مسلم والترمذي , ومن هذا يتبين أن حتى مَن سيذهب (لو حصل ذلك) زوج وزوجته وأبناءهم مع جدهم , فأين الاختلاط هنا أو هناك إذا سافروا وفاطمة مع محارمها؟! سواء في الطريق أو هناك (١).
وأين هذا الشيء العارض ـ مع وجود المحارم ـ من الاختلاط الذي قد يدوم لساعات بدون محارم (٢).
تنبيه:
قال صاحب كتاب (إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان): «وأنبه أن لفظة (النوم في الحجر) لم أجدها في أي رواية من روايات الحديث» (١).
الجواب:
استشكل حَدِيث أُمّ حَرَام هذا مِنْ وجهين:
الأوَّل: أنّ ظاهر الحَدِيث يوهم خلوة الرسول ﵌ بأُمّ حَرَام، ومعلوم أنّ خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية لا تجوز باتفاق العلماء.
والثاني: أنّ في الحَدِيث: «ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ» فهل يجوز للمرأة مس جسد الرجل الأجنبي؟.
وهذا الإشكال فرح به صنفان من أهل الأهواء:
فالصنف الأوَّل: اتخذ هذا الحَدِيث حجة للطعن في أصح كتابين بعد كتاب الله (صحيح البخاري، وصحيح مسلم)، لفهمه السقيم أنّ في ذلك طعنًا في جناب المصطفى ﵌.
والصنف الثاني: وهم أهل الشهوات الذين قَالَ الله فيهم: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ (النساء:٢٧)، فأخذوا ما يوافق شهواتهم وأعرضوا عن ما يخالفها من صريح الكتاب والسنة.
وهذان الصنفان ليس نظرهم في الدليل نظر المستبصر حتى يكونَ هواه تحت حكمه، بل نظر مَنْ حَكَمَ بالهوى ثم أتى بالدليلِ كالشاهدٍ له، وهذا شأنُ كلّ مبطل ممن يترك المحكم للمتشابه.
стр. 354
وعند التحقيق وتطبيق المنهج العلمي السليم في دراسة المسألة جمعًا ودراسةً يتبين أنه لا حجة للصنفين في الحَدِيث.
قال صاحب كتاب (إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان):
«والجواب عن حديث أم حرام وتفليتها النبي ﵌ لا يخرج عن أحد ثلاثة:
١ - الخصوصية للنبي ﵌.
٢ - أو الخصوصية لأم حرام وأختها أم سليم.
٣ - أو أنّ هناك علاقة محرمية بين الرسول ﵌ وأم حرام وأختها أم سليم.
ولم أذكر جوابًا رابعًا ـ وهو ما يدور حوله أهل الشهوات ـ وهو أنه يجوز للأجنبي الخلوة بالأجنبية ومسها لأمرين:
١ - أنَّ النصوص من القرآن والسنة دالة دلالة قطعية على تحريم الخلوة بالأجنبية ومسها.
٢ - أنّ أحدًا من أهل العلم ممن تقدم أو تأخر لم يذكر هذا الجواب للسبب المتقدم.
فلمّا بحثت الحديث بحثًا موسعًا شاملًا للرواية والدراية ظهرت لي أمور مجتمعة تُعدّ من قبيل تضافر الدلائل التي لا تخطئ، والدلالات التي تورث اليقين بأنَّ هناك محرمية بين النبي ﵌ وأمّ حرام، وبينت أنه بأقل من القرائن المذكورة يستدل على مثل هذه القضايا، فكيف بهذه القرائن مجتمعة» (١).
وقال أيضًا: «لم أقفْ إلى الآن عَلَى حَدِيثٍ صحيحٍ صريحٍ في خلوة النَّبِيّ ﵌ وحدَه بامرأةٍ أجنبيةٍ ... والأحاديثُ التي ذَكَرَ بعضُ العلماء أنّ فيها خلوةً، أو استدل بها عَلَى أنّ مِنْ خصائص الرسول ﵌ الخلوة بالمرأة الأجنبية والنظر إليها ليست صريحة» (٢).
стр. 355
أجوبةُ أهلِ العلم والإيمان عن هذين الإشكالين:
أمَّا الإشكالُ الأوَّل:
وهو أنّ ظاهر الحَدِيث يوهم الخلوة، فالإجابة عنه أنّ الحَدِيثَ ليسَ فيه التصريح بالخلوة أو عدم الخلوة فإذا كان كذلك رجع إلى الأصل وهو تحريمه ﵌ القطعيّ للخلوة بالمرأة الأجنبية، وقد أشار إلى هذا المعنى اِبْن عَبْد الْبَرِّ فَقَالَ بعد أن ذكر المحرمية:: «والدليل على ذلك ... ـ ثم ساق حَدِيث جابر، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر في النهي عن الخلوة ـ وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك، ومحال أنْ يأتي رسولُ الله ﵌ ما ينهى عنه» (١).
وَقَالَ الدِّمْيَاطِيّ: «لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى الْخَلْوَة بها؛ فلعل ذاك كَانَ مَعَ وَلَد أَوْ خَادِم أَوْ زَوْج أَوْ تَابِع، والعادةُ تقتضي المخالطة بين الْمَخْدُوم وَأَهْل خَادِمه، سيّما إذا كنَّ مسنَّات مع ما ثبت له ﵌ من العصمة» (٢).
قَالَ ابنُ حَجَر: «قُلْتُ: وَهُوَ اِحْتِمَال قَوِيّ» (٣).
وكثيرًا ما يقع في الكتابِ والسنةِ ترك بيان بعض الأمور في موضع لائق به اعتمادًا على وضوحها وظهورها، أو اعتمادا على بيانها في موضع آخر، وليس هذا بأكثر من مجيء عموم أو إطلاق في القرآن ومجيء تخصيصه أو تقييده في السنة.
ولو ثبتت الخلوة صراحة في الحَدِيث لم تضر لأنّ أُمّ حَرَام خالة للنبي ﵌ من الرَّضَاعَ أو أنَّ ذلك من خصائصه ﵌.