٢ - كيف نبني حكمًا كاملًا على أمرٍ لم يقع , وإن وقع فهو ضرورة بين الحق والباطل والحياة والموت فهي (ملاعنة) , والأعجب إن حصل فلا نعرف كيف ستكون ماهيته , هل سيختلطون أم لا؛ فيكون النساء في مكان والرجال في مكان آخر مثلًا؟!
وكأن دعاة الاختلاط قد كُشفت لهم الحُجب فرأوا أنه وقع الاختلاط ليحكموا أنه من أصرح الأدلة؟!!
٢ - معلوم مَن المقصود بالآيات (بالأبناء) الحسن والحسين و (النساء) فاطمة و (أنفسنا) عنى نفسه الرسول وعليًا , كما في تفاسير البغوي والألوسي وغيرهما , وأحاديث مسلم والترمذي , ومن هذا يتبين أن حتى مَن سيذهب (لو حصل ذلك) زوج وزوجته وأبناءهم مع جدهم , فأين الاختلاط هنا أو هناك إذا سافروا وفاطمة مع محارمها؟! سواء في الطريق أو هناك (١).
وأين هذا الشيء العارض ـ مع وجود المحارم ـ من الاختلاط الذي قد يدوم لساعات بدون محارم (٢).
تنبيه:
قال صاحب كتاب (إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان): «وأنبه أن لفظة (النوم في الحجر) لم أجدها في أي رواية من روايات الحديث» (١).
الجواب:
استشكل حَدِيث أُمّ حَرَام هذا مِنْ وجهين:
الأوَّل: أنّ ظاهر الحَدِيث يوهم خلوة الرسول ﵌ بأُمّ حَرَام، ومعلوم أنّ خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية لا تجوز باتفاق العلماء.
والثاني: أنّ في الحَدِيث: «ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ» فهل يجوز للمرأة مس جسد الرجل الأجنبي؟.
وهذا الإشكال فرح به صنفان من أهل الأهواء:
فالصنف الأوَّل: اتخذ هذا الحَدِيث حجة للطعن في أصح كتابين بعد كتاب الله (صحيح البخاري، وصحيح مسلم)، لفهمه السقيم أنّ في ذلك طعنًا في جناب المصطفى ﵌.
والصنف الثاني: وهم أهل الشهوات الذين قَالَ الله فيهم: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ (النساء:٢٧)، فأخذوا ما يوافق شهواتهم وأعرضوا عن ما يخالفها من صريح الكتاب والسنة.
وهذان الصنفان ليس نظرهم في الدليل نظر المستبصر حتى يكونَ هواه تحت حكمه، بل نظر مَنْ حَكَمَ بالهوى ثم أتى بالدليلِ كالشاهدٍ له، وهذا شأنُ كلّ مبطل ممن يترك المحكم للمتشابه.
стр. 354
وعند التحقيق وتطبيق المنهج العلمي السليم في دراسة المسألة جمعًا ودراسةً يتبين أنه لا حجة للصنفين في الحَدِيث.
قال صاحب كتاب (إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان):
«والجواب عن حديث أم حرام وتفليتها النبي ﵌ لا يخرج عن أحد ثلاثة:
١ - الخصوصية للنبي ﵌.
٢ - أو الخصوصية لأم حرام وأختها أم سليم.
٣ - أو أنّ هناك علاقة محرمية بين الرسول ﵌ وأم حرام وأختها أم سليم.
ولم أذكر جوابًا رابعًا ـ وهو ما يدور حوله أهل الشهوات ـ وهو أنه يجوز للأجنبي الخلوة بالأجنبية ومسها لأمرين:
١ - أنَّ النصوص من القرآن والسنة دالة دلالة قطعية على تحريم الخلوة بالأجنبية ومسها.
٢ - أنّ أحدًا من أهل العلم ممن تقدم أو تأخر لم يذكر هذا الجواب للسبب المتقدم.
فلمّا بحثت الحديث بحثًا موسعًا شاملًا للرواية والدراية ظهرت لي أمور مجتمعة تُعدّ من قبيل تضافر الدلائل التي لا تخطئ، والدلالات التي تورث اليقين بأنَّ هناك محرمية بين النبي ﵌ وأمّ حرام، وبينت أنه بأقل من القرائن المذكورة يستدل على مثل هذه القضايا، فكيف بهذه القرائن مجتمعة» (١).
وقال أيضًا: «لم أقفْ إلى الآن عَلَى حَدِيثٍ صحيحٍ صريحٍ في خلوة النَّبِيّ ﵌ وحدَه بامرأةٍ أجنبيةٍ ... والأحاديثُ التي ذَكَرَ بعضُ العلماء أنّ فيها خلوةً، أو استدل بها عَلَى أنّ مِنْ خصائص الرسول ﵌ الخلوة بالمرأة الأجنبية والنظر إليها ليست صريحة» (٢).
стр. 355
أجوبةُ أهلِ العلم والإيمان عن هذين الإشكالين:
أمَّا الإشكالُ الأوَّل:
وهو أنّ ظاهر الحَدِيث يوهم الخلوة، فالإجابة عنه أنّ الحَدِيثَ ليسَ فيه التصريح بالخلوة أو عدم الخلوة فإذا كان كذلك رجع إلى الأصل وهو تحريمه ﵌ القطعيّ للخلوة بالمرأة الأجنبية، وقد أشار إلى هذا المعنى اِبْن عَبْد الْبَرِّ فَقَالَ بعد أن ذكر المحرمية:: «والدليل على ذلك ... ـ ثم ساق حَدِيث جابر، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر في النهي عن الخلوة ـ وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك، ومحال أنْ يأتي رسولُ الله ﵌ ما ينهى عنه» (١).
وَقَالَ الدِّمْيَاطِيّ: «لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى الْخَلْوَة بها؛ فلعل ذاك كَانَ مَعَ وَلَد أَوْ خَادِم أَوْ زَوْج أَوْ تَابِع، والعادةُ تقتضي المخالطة بين الْمَخْدُوم وَأَهْل خَادِمه، سيّما إذا كنَّ مسنَّات مع ما ثبت له ﵌ من العصمة» (٢).
قَالَ ابنُ حَجَر: «قُلْتُ: وَهُوَ اِحْتِمَال قَوِيّ» (٣).
وكثيرًا ما يقع في الكتابِ والسنةِ ترك بيان بعض الأمور في موضع لائق به اعتمادًا على وضوحها وظهورها، أو اعتمادا على بيانها في موضع آخر، وليس هذا بأكثر من مجيء عموم أو إطلاق في القرآن ومجيء تخصيصه أو تقييده في السنة.
ولو ثبتت الخلوة صراحة في الحَدِيث لم تضر لأنّ أُمّ حَرَام خالة للنبي ﵌ من الرَّضَاعَ أو أنَّ ذلك من خصائصه ﵌.
стр. 356
أمَّا الإشكال الثاني:
وهو فَلْيُ أُمّ حَرَام لرأس النَّبِيّ ﵌، فقد تعددت آراء العلماء في ذلك على أقوال:
القولُ الأَّولُ: أنّ من خصائص النَّبِيّ ﵌ إباحة النَّظَرِ لِلأَجْنَبِيَّاتِ وَالْخَلْوَةِ بِهِنَّ وَإِرْدَافِهِنّ، ويدخل في ذلك تفلية الرأس وغيره.
ولكن يضَعّف هذا القول امتناع النَّبِيّ ﵌ عن مصافحة النساء في البيعة والاكتفاء بالكلام، فهذا الامتناع في هذا الوقت الذي يقتضيه ـ وهو وقتُ المبايعة ـ دليلٌ على عدم الخصوصية، وإلاَّ فبماذا يُفسر هذا الامتناع في هذا المقام الذي يقتضي عدم الامتناع؟!.
وكذلك حَدِيث صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﵌ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلانِ مِنْ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﵌: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» فَقَالا: «سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ»، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا» (رواه البخاري ومسلم).
فلو كان مستقرًا عند الصحابة هذا المعنى لما احتاج النَّبِيّ ﵌ أن يقول للصحابيين ما قَالَ.
القولُ الثاني: أنّ هذا خاصٌ بأُمّ حَرَام وأختها أُمّ سُلَيْم.
ويرد على هذا القول الاعتراضات السابقة نفسها، ويزاد: لماذا خُصَّتْ أُمّ سُلَيْم وأختها بهذه الخصوصية.
القولُ الثالث: أنّ النَّبِيّ ﵌ مَحْرَم لأُمّ حَرَام؛ فبينهما إمَّا قرابة نسب أو رضاع.
стр. 357
قَالَ الإمام النَّوَوِيّ: «اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ ﵌ , وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّة ذَلِكَ فَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره: كَانَتْ إِحْدَى خَالَاته مِنْ الرَّضَاعَة , وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ خَالَة لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ؛ لِأَنَّ عَبْد الْمُطَّلِب كَانَتْ أُمّه مِنْ بَنِي النَّجَّار» (١).
وَقَالَ أيضًا: «وكانت أُمّ سُلَيْم هذه هي وأختها خالتين لرسولِ الله ﵌» (٢).
وقَالَ الحافظ ابنُ حَجَر: «وَجَزَمَ أَبُو الْقَاسِم بْن الْجَوْهَرِيّ والدَاوُدِيُّ وَالْمُهَلَّب فِيمَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْهُ بِمَا قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ: وَقَالَ غَيْره إِنَّمَا كَانَتْ خَالَة لأَبِيهِ أَوْ جَدّه عَبْد الْمُطَّلِبِ , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ سَمِعْت بَعْض الْحُفَّاظ يَقُول: كَانَتْ أُمّ سُلَيْمٍ أُخْت آمِنَة بِنْت وَهْب أُمّ رَسُول اللَّه ﵌ مِنْ الرَّضَاعَة» (٣).
والقول بالمحرمية بالنسب فيه نظر، لأنّ خفاء قرابة النسب يبعد بخلاف الرَّضَاعَ؛ فإنّ الرَّضَاعَة من الأجنبية كانت منتشرة في ذلك الوقت، وربما خفي أمْرُها على أقرب الناس.
ومما وَرَدَ في خفاء الرضاع من الحَدِيث:
١ - عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﵌، وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ: فَقَالَ: «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» (رواه البخاري ومسلم).
فانظرْ كيفَ خفي أمر رضاعة من هي من أقرب الناس إليه ﵌ وهي زوجته.
стр. 358
٢ - وعن عَبْدُ اللهِ بنُ أبي مُلَيْكَة عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِث ِ أنَّهُ تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إِهابِ بنِ عَزِيزِ فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: «ما أعْلَمُ أنَّكِ أرْضَعْتِنِي وَلا أخْبَرْتِنِي».فَرَكِبَ إِلى رسول الله ﵌ بالمَدِينَة فَسَأَلَهُ فَقَالَ رسولُ الله ﵌: «كَيْفَ وقَدْ قِيلَ!»، فَفارَقَها عُقْبَةُ ونَكَحَتْ زَوْجًا غَيَرَهُ (رواه البخاري).
٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّحِمِ» (رواه البخاري ومسلم).
٤ - وعَنْ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﵌: «إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لَوْ لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي؛ إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ» (رواه البخاري ومسلم).
الراجح في الإجابة عن مس أُمّ حَرَام للنبي ﵌:
إنّ مَنْ استقرأ النصوص الواردة في تعامل النبي ﵌ مع أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام رأى أنّ لأُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام دون بقية النساء ـ غير أزوجه ـ خصوصية لا يمكن أن تقع إلا للمحرم مع محرمه، فمن ذلك:
١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا فَأُتِيَتْ فَقِيلَ لَهَا: «هَذَا النَّبِيُّ ﵌ نَامَ فِي بَيْتِكِ عَلَى فِرَاشِكِ».
قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ عَلَى الْفِرَاشِ فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا فَفَزِعَ النَّبِيُّ ﵌ فَقَالَ: «مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ
стр. 359
سُلَيْمٍ؟» فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا»، قَالَ: «أَصَبْتِ» (رواه مسلم) (١).
وتأمل قولَ أَنَسِ ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ»؛ فهل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق ـ زمن النبوة ـ مثل هذا الموقف دون استغلاله في الطعن في النَّبِيّ ﵌ وفي نبوته؟ وهم الذين طعنوا في أم المؤمنين عائشة ﵂ بمجرد شبهة باطلة!!
وما فتأوا (٢) يحيكون الدسائس والمؤامرات والشائعات!!
وكذلك لِمَ لمْ يتكلموا في أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام كما تكلموا في عائشة ﵂؟!!
٢ - حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: «إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي» (رواه البخاري ومسلم).
قَالَ ابن حَجَر: «قَوْله: (لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بِالْمَدِينَةِ بَيْتًا غَيْر بَيْتٍ أَمْ سَلِيم) قَالَ الحُمَيْدِيّ: لَعَلَّهُ أَرَادَ عَلَى الدَّوَامِ وَإِلَّا فَقَدَ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَام.
وَقَالَ اِبْن التِّينِ: يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الدُّخُولُ عَلَى أُمِّ سَلِيم وَإِلَّا فَقَدَ دَخَلَ عَلَى أُخْتِهَا أُمِّ حَرَام، وَلَعَلَّهَا ـ أَيْ أَمُّ سَلِيم ـ كَانْت شَقِيقَة المَقْتُولِ أَوْ وَجَدَتْ عَلَيْهِ أَكْثَر مِنْ أُمّ حَرَام.
قُلْت (أي الحافظ ابن حجر): «لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَإِنَّ بَيْت أُمّ حَرَام وَأُمّ سَلِيم وَاحِد وَلَا مَانِع أَنْ تَكُونَ الأُخْتَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ كَبِيرٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ مَعْزِل فَنُسِبَ
стр. 360
تَارَةً إِلَى هَذِهِ وَتَارَةً إِلَى هَذِهِ» (١).
وما أجاب به الحُمَيْدِيّ واِبْن التِّينِ يتضمن تفسيرًا لقوله: «فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ» فإنَّه سؤالٌ عن سبب كثرة دخوله عليها، ولا يجوز أنْ يكون سؤالًا عن سبب دخوله عليها لكونها أجنبيةً منه، فإنَّ ذلك لا يناسبه ما أجاب به ﵌ من قوله: «إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي» فتعين أن يكون السؤال عن غير هذا.
قَالَ النَّوَوِيّ: «قَدْ قَدَّمْنَا فِي كِتَاب الْجِهَاد عِنْد ذِكْر أُمّ حَرَام أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ أَنَّهُمَا كَانَتَا خَالَتَيْنِ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ مَحْرَمَيْنِ إِمَّا مِنْ الرَّضَاع , وَإِمَّا مِنْ النَّسَب , فَتَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَة بِهِمَا , وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا خَاصَّةً , لَا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرهمَا مِنْ النِّسَاء إِلَّا أَزْوَاجه. قَالَ الْعُلَمَاء: فَفِيهِ جَوَاز دُخُول الْمَحْرَم عَلَى مَحْرَمه , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مَنْع دُخُول الرَّجُل إِلَى الْأَجْنَبِيَّة. وَإِنْ كَانَ صَالِحًا , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة فِي تَحْرِيم الْخَلْوَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ.
قَالَ الْعُلَمَاء: أَرَادَ اِمْتِنَاع الْأُمَّة مِنْ الدُّخُول عَلَى الْأَجْنَبِيَّات» (٢).
قَالَ العينيُّ: «قَالَ الكرمانيّ: «كيف صار قتل الأخ سببًا للدخول على الأجنبية؟» قلتُ: «لم تكن أجنبية كانت خالة لرسول الله ﵌ من الرَّضَاعَ، وقيل: من النسب فالمحرمية كانت سببًا لجواز الدخول» (٣).
٣ - وعَنْ سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﵌ عَلَيْنَا وَمَا هُوَ إِلا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي فَقَالَ: «قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ»، فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَصَلَّى بِنَا فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: «أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ
خَلْفَهُ وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا» (رواه البخاري).
٧ - وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ (١) أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا» (رواه البخاري).
٨ - وعن أنس ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ» (رواه البخاري).
ومما يضاف إلى ذلك أنّ أنس بن مالك ـ وهو ابن أُمّ سُلَيْم ـ خدم النَّبِيّ ﵌ إلى وفاته ففي الحَدِيث: عَنْ إِسْحَاق بن أبي طلحة قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ ـ وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ ـ فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ فَادْعُ اللهَ لَهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ»، قَالَ أَنَسٌ: «فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ» (رواه مسلم).
فإذا تأمل الباحث المُنصف هذه الأحاديث رأى أنّ تعامل النَّبِيّ ﵌ مع أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام تعامل المحارم بعضهم مع بعض، وأنّ هناك خصوصية ما لأُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام.
стр. 363
فإن قَالَ قائل إنّ دعوى محرمية الرَّضَاعَ هذه تحتاج إلى نصٍ صريح، ولا يوجد؟
الجواب:
الأمور المتقدمة:
- تعامل النَّبِيّ ص مع أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام تعامل المحارم بعضهم مع بعض.
- عدم وجود نص واحد ـ قولي أو فعلي ـ يدل على خصوصية النَّبِيّ ص بالخلوة أو النظر أو المس.
- امتناع النَّبِيّ ص عن مصافحة النساء في البيعة والاكتفاء بالكلام.
- وكذلك قوله للصحابيين: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ».
- ثم إنّ الرَّضَاعَ من النساء الأجنبيات من الأمور المنتشرة في ذلك الوقت، وربما خفي أمره على أقرب الناس وتقدم ذكر عدد من الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك.
فهذه الأمور مجتمعة تُعدّ من قبيل تظافر الدلائل التي لا تخطىء، والدلالات التي تورث اليقين بأنَّ هناك محرمية بين النبي ﵌ وأمّ حرام، وبأقل من هذه القرائن يستدل على مثل هذه القضايا، فكيف بهذه القرائن مجتمعة والله أعلم.
كلام جميل للدكتور طه حبيشي ردّ فيه على تهويشات أحمد صبحي منصور ـ ومن قَالَ بقوله ـ حول حَدِيث أُمّ حَرَام:
«الروايات مجمعة تقريبًا على أن النَّبِيّ كان يكثر من التردد، والأكل والشرب، عند أُمّ سُلَيْم، وأُمّ حَرَام. والباحث الحصيف يسأل هل هناك شئ من العلاقة بين هاتين المرأتين الجليلتين؟ والروايات تجيب أن أُمّ سُلَيْم، وأُمّ حَرَام أختان، وأُمّ سُلَيْم هي أم أنس بن مالك ﵁ وأُمّ حَرَام خالته، وأنس بن مالك كان في صباه يخدم النَّبِيّ عشر سنين وكان النَّبِيّ ﵌ يعامله معاملة تناسب أخلاق النبوة.
стр. 364
هؤلاء ثلاثة ليسوا من المجاهيل في الصحابة والصحابيات، وما الذي جعل علاقة النَّبِيّ بهم على هذا المستوى من الاهتمام، وكثرة السؤال عنهم.
إن هذا لا يكون إلا في حالة واحدة، وهي أن تكون هناك درجة من القرابة تجعل المرأتين من محارم النَّبِيّ ﵌، سواء أكان ذلك من جهة النسب كما قَالَ بعض المؤرخين، أو كان من جهة الرَّضَاعَة كما قَالَ البعض الآخر.
فهل يمكن عقلًا للنبي ﵌، أن يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه؟
وهل يجيز المنطق أو العادة أن يسمح النَّبِيّ ﵌ لغير قريبه من الصبيان أن يخدمه في بيته عشر سنوات كاملات؟.
وهل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق ـ زمن النبوة ـ مثل هذا الموقف دون استغلاله في الطعن في النَّبِيّ ﵌ وفي نبوته؟
أمور كلها تعد من قبيل الشواهد التي لا تخطيء والدلالات التي تورث اليقين بأن النَّبِيّ ﵌ كان قريبا قرابة محرمة لأُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام.
وخصوصًا وأنّ بعض الروايات تقول كان النَّبِيّ ﵌ يدخل بيت أُمّ سُلَيْم فينام على فراشها وليست فيه، ورواية عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُخْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ الرُّمَيْصَاءِ قَالَتْ نَامَ النَّبِىُّ ﵌ فَاسْتَيْقَظَ، وَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَتَضْحَكُ مِنْ رَأْسِى؟» قَالَ «لاَ». (رواه أبو داود وصححه الألباني).
قد يقول قائل: قريبات النَّبِيّ ﵌ معروفات، وليس منهن أُمّ سُلَيْم ولا أُمّ حَرَام.
والجواب: إننا نتحدث عن مجتمع لم يكن يمسك سجلات للقرابات وخاصة إذا كانت القرابة في النساء، فهناك قريبات كثيرات أغفلهن التاريخ في هذا المجتمع وأهملهن الرواة» (١).
стр. 365
الشبهة الثانية عشرة:
أخذ الإماء بيد رسول الله ﵌ -:
حديث أنس بن مَالِك ﵁ قَالَ: «كانَتِ الأمَةُ مِنْ إماءِ أهْلِ المَدِينَةِ لِتَأْخُذُ بِيَدِ رسول الله ﵌ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ» (رواه البخاري).
الجواب: مِنْ وجهين:
الأوّل: لماذا نتعلق بالمتشابه وعندنا القول المحكم لرَسُولِ اللهِ ﵌: «لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ» (رواه البيهقي والطبراني في (المعجم الكبير)، وقال المنذري: «رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح». وقال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح».وصححه الألباني. (١)
الثاني: أن دلالة «لِتَأْخُذُ بِيَدِ رسول الله ﵌» على المس غير واضحة؛ إذ ربما يراد بذلك الإشارة إلى غاية التصرف واللين، قَالَ الحافظ ابن حَجَر: «وَالْمَقْصُود مِنْ الْأَخْذ بِالْيَدِ لَازِمُهُ وَهُوَ الرِّفْق وَالِانْقِيَاد. وَقَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى أَنْوَاع مِنْ الْمُبَالَغَة فِي التَّوَاضُع لِذِكْرِهِ الْمَرْأَة دُون الرَّجُل، وَالْأَمَة دُون الْحُرَّة، وَحَيْثُ عَمَّمَ بِلَفْظِ الْإِمَاء أَيّ أَمَة كَانَتْ، وَبِقَوْلِهِ «حَيْثُ شَاءَتْ» أَيْ مِنْ الْأَمْكِنَة.
وَالتَّعْبِير بِالْأَخْذِ بِالْيَدِ إِشَارَة إِلَى غَايَة التَّصَرُّف حَتَّى لَوْ كَانَتْ حَاجَتهَا خَارِج الْمَدِينَة وَالْتَمَسَتْ مِنْهُ مُسَاعَدَتهَا فِي تِلْكَ الْحَاجَة عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا دَالّ عَلَى مَزِيد تَوَاضُعه وَبَرَاءَته مِنْ جَمِيع أَنْوَاع الْكِبْر ﵌» (٢).
تنبيه:
روى الإمام أحمد في المسند، وابن ماجه في سننه، وابن أبي الدنيا في التواضع
стр. 366
والخمول، وأبو يعلى في مسنده، وأبو الشيخ في أخلاق النَّبِيّ ﵌، وأبو نُعَيم في الحلية جميعهم من طرق عن شعبة بن الحجاج عن علي بن زيد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ فَمَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا حَتَّى تَذْهَبَ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ مِنْ الْمَدِينَةِ فِي حَاجَتِهَا».
هذه الزيادة التي فوق الخط «فَمَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا» لا تصح؛ قَالَ البوصيريُّ في (مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجة): «هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان» (١).
وضعّف إسناده الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على هذا الحديث من مسند الإمام أحمد بن حنبل.
стр. 367
الشبهة الثالثة عشرة:
عرض النبي ﵌ على أسماء بنت أبي بكر ﵂ أن تركب خلفه:
حَدِيث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالَتْ: «تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَالَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ ولاَ مَمْلُوكٍ ولا شيْءٍ غَيْرَ ناضِجٍ وغيْرَ فَرَسِهِ، فَكنْت أعْلِفُ فَرَسَهُ وأسْتَقِي المَاءَ وأخْرِزُ غَرْبَهُ وأعْجِنُ، ولَمْ أكُنْ أُحْسِنُ أخْبِزُ، وكانَ يخْبِزُ جارَاتٌ لِي مِنَ الأنْصَارِ، وكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وكُنْتُ أنْقُلُ النَّوَى مِنْ أرْضِ الزُّبَيْرِ الّتِّي أقْطَعَهُ رسولُ الله ﵌ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، فَجِئْتُ يَوْمًا والنَّوَى عَلَى رَأسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ ومَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأنْصَارِ فَدَعانِي، ثُمَّ قَالَ: «إخْ إخْ» لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسِيرَ مَعَ الرِّجالِ، وذَكَرْتُ الزُّبَيْر وغَيْرَتَهُ ـ وكانَ أغْيَرَ النَّاسِ ـ فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى فَجِئْتُ الزبَيْرَ، فَقْلُتُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﵌ وعلَى رأسِي النَّوَى ومَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أصْحابِهِ فأناحَ لِأَرْكَبَ فاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: «وَاللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كانَ أشَدَّ عَليَّ مِنْ ركُوبِكِ مَعَهُ»، قالَتْ: حتَّى أرسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ يَكْفِينِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أعْتَقَنِي» (رواه البخاري ومسلم) (١).
والشاهد من الحَدِيث قولها: «فَدَعانِي ثُمَّ قَالَ: «إخْ إخْ» لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ».
ربما يقول قائل: كيف يحملها خلفه، هي ليست محرمًا له، وربما يحصل نوع مسيس؟.
الجواب:
١ - أنّ في دلالة مفهوم الحَدِيث احتمالًا؛ قَالَ الحافظ ابن حَجَر:
«قَوْله (لِيَحْمِلنِي خَلْفه) كَأَنَّهَا فَهِمَتْ ذَلِكَ مِنْ قَرِينَة الْحَال، وَإِلَّا فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون
стр. 368
- ﵌ أَرَادَ أَنْ يُرْكِبهَا وَمَا مَعَهَا وَيَرْكَب هُوَ شَيْئًا آخَر غَيْر ذَلِكَ» (١).
وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال.
٢ - قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من (صحيح البخاري): «وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْقِصَّة كَانَتْ قَبْل نُزُول الْحِجَاب وَمَشْرُوعِيَّته» (٢).
ويؤيد ذلك رواية البخاري عن هِشَام بن عروة عن أَبِىه عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِى بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِى أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى رَأْسِى، وَهْىَ مِنِّى عَلَى ثُلُثَىْ فَرْسَخٍ». وَقَالَ أَبُو ضَمْرَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﵌ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ أَرْضًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِى النَّضِيرِ».
قال الحافظ ابن حجر: «تَقَدَّمَ فِي كِتَاب فَرْض الْخُمُس بَيَان حَال الْأَرْض الْمَذْكُورَة وَأَنَّهَا كَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُوله مِنْ أَمْوَال بَنِي النَّضِير، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَائِل قُدُومه الْمَدِينَة كَمَا تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ هُنَاكَ» (٣).
وقد أجلى النبي ﵌ بني النضير قبل نزول آيات الحجاب؛ فيكون أمر هذه القصة كله قبل نزول أحكام الحجاب (٤).
٣ - الإرداف أحيانًا لا يستلزم المماسة كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ في الرد على الشبهة ... الرابعة والسبعين (٥).
فالحَدِيثُ ليس فيه خلوة، ولا نظر، ودلالة المماسة محتملة كما تقدم (٦).
стр. 369
الشبهة الرابعة عشرة:
حديث خلوة النبى ﵌ بامرأة من الأنصار:
عن أَنَسٍ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَكَلَّمَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ» مَرَّتَيْنِ».وفي رواية عنه: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِىِّ ﵌، فَخَلاَ بِهَا فَقَالَ: «وَاللهِ إِنَّكُنَّ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ». (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
أولًا: ليس في هذا الحديث دليل على جواز الخلوة المحرمة بالأجنبية كما يظن أهل الأهواء، وليس فيها دليل على الاختلاط المحرم، فغاية ما في الأمر أن تلك المرأة التى خلى بها النبي ﵌، ربما كانت لها مسألة أرادت أن تستفتى فيها النبى ﵌ وتلك المسألة مما تستحيي من ذكره النساء بحضرة الناس، وكانت إجابة النبى ﵌ لها تقتضي أن يحدثها في جانب بعض الطرق حتى يسمع حاجتها، ويقضيها لها، وهذه الطرق من الأماكن العامة التى لا تخلو من مرور الناس غالبًا.
فهذه حاجة طارئة، وليست كالاختلاط لساعات في العمل، أو الدراسة (١).
ثانيًا: ما اسم عنوان الباب الذى ذكر تحته الإمام البخارى هذا الحديث؟
الإجابة: «باب مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ عِنْدَ النَّاسِ».
قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذ العنوان من (صحيح البخاري): «أَيْ لَا يَخْلُو بِهَا بِحَيْثُ تَحْتَجِب أَشْخَاصهمَا عَنْهُمْ، بَلْ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامهمَا إِذَا كَانَ بِمَا يُخَافِت بِهِ كَالشَّيْءِ الَّذِي تَسْتَحْيِ الْمَرْأَة مِنْ ذِكْرِهِ بَيْن النَّاس.
فِي بَعْض الطُّرُق) أَيْ وَقَفَ مَعَهَا فِي طَرِيق مَسْلُوك لِيَقْضِيَ حَاجَتهَا وَيُفْتِيهَا فِي الْخَلْوَة، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ الْخَلْوَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ، فَإِنَّ هَذَا كَانَ فِي مَمَرّ النَّاس وَمُشَاهَدَتهمْ إِيَّاهُ وَإِيَّاهَا، لَكِنْ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهَا، لِأَنَّ مَسْأَلَتَهَا مِمَّا لَا يُظْهِرُهُ» (١).
تنبيه: ليس فى قوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ» مَرَّتَيْنِ ـ ما يطعن فى عصمته ﵌ فى سلوكه وهديه، لأن هذه الكلمة قالها النبى ﵌ جهارًا على ملأ من الناس لنساء وصبيان من الأنصار كانوا مقبلين من عرس.
يدل على ذلك ما أخرجه البخارى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «أَبْصَرَ النَّبِيُّ ﵌ نِسَاءً وَصِبْيَانًا مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ فَقَامَ مُمْتَنًّا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ».
وهو على طريق الإجمال، أى: مجموعكم أحب إلى من مجموع غيركم؛ فالكلمة إذن لم يَقُلها رسول الله ﵌ مغازلًا للمرأة الأنصارية التى اختلى بها ليقضى حاجتها؛ كما يحاول أن يزعم ويستنتج أعداء الإسلام! وإنما قالها ﵌، خطابًا لمجموع الأنصار.
وتأمل قوله ﵌: «إنَّكُمْ» ولم يقل «إنَّكِ».
ومما يدل على ذلك أن الراوى للحديث أنس بن مالك ﵁، سمع هذه الجملة: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ».وسمع كم مرة كررها رسول الله ﵌ فإذا كانت الكلمة مقصودًا بها المغازلة؛ فلِمَ جهر بها ﵌ حتى سمعها أنس؟!
ولِمَ لَمْ يُسِرّ بها حتى لا يسمعها أنس إن كان مقصودًا بها ما يزعمه أعداء عصمته ﵌.
إن هذه الجملة: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ»، قالها المعصوم ﵌ منقبة للأنصار، حيث جعل حبهم من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق:
الشبهة الخامسة عشرة:
وضوء الرجال مع النساء:
قال دعاة الاختلاط: ثبت في البخاري عن ابن عمر ﵄ أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون في زمان رسول الله ﵌ جميعًا».
وقالوا: ظل الأمر حتى أتى زمن عمر بن الخطاب فجعل حياضًا للرجال وحياضًا للنساء أمام المسجد، واستدلوا على ذلك بأثر رواه الإمام عبد الرزاق، وجعلوه دليلًا على اختلاط الرجال بالنساء.
وقالوا: ذلك من عمر ﵁ دفعًا للتزاحم ومفسدته وليس لوجود النساء مع الرجال».فإذا كان هذا في الوضوء فما بالك بغيره؟
الجواب:
أولًا: حديث ابن عمر ﵄ رواه البخاري في كتاب الوضوء، (بَاب وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ)، وعلى فرض أن المقصود من الحديث اجتماع الرجال والنساء الأجانب فليس هذا دليلًا على اختلاط الرجال بالنساء؛ لأن هذا كان قبل نزول آية الحجاب.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﵌ جَمِيعًا» (رواه البخاري).
قال الحافظ ابين حجر في شرح هذا الحديث:
«قَوْله: (كَانَ الرِّجَال وَالنِّسَاء) ... وَزَادَ اِبْن مَاجَهْ ... فِي هَذَا الْحَدِيث: «مِنْ إِنَاء وَاحِد» (١)، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ ... : «نُدْلِي فِيهِ أَيْدِينَا» (٢).
وجارية الزوجة لا تحتجب من زوجها (١).
٢ - قال السندي في حاشيته على ابن ماجه: «(اِخْتَلَفَتْ يَدِي) يَدُلّ عَلَى وُضُوئِهِمَا مَعًا، وَلَعَلَّهُ كَانَ قَبْل الْحِجَاب، أوْ أَنْ يَكُون أَحَدُهُمَا وَرَاء الْحِجَاب مَعَ وُضُوء لِأَيْدِيهِمَا فِي إِنَاء بَيْنهمَا».
٣ - وقال الشيخ عبد المحسن العباد في شرحه لهذا الحديث من سنن أبي داود: «(اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللهِ ﵌) يعني: أنهما كانا يغترفان من الإناء، هو يغترف وهي تغترف، هو يتوضأ وهي تتوضأ.
وقد ذكر صاحب (عون المعبود) أن في بعض النسخ: عن أم صبية عن عائشة؛ وعلى هذا فتكون عائشة هي التي حصل منها هذا الذي جاء في هذا الحديث من جهة الاغتراف والوضوء من إناء واحد مع رسول الله ﵌.
وأما على أن التي فعلت ذلك مع رسول الله ﵌ هي هذه المرأة الأجنبية، فقال العلماء: إن هذا يحمل على أنه كان قبل أن يفرض الحجاب، وإما على أنها عائشة وهذه تروي عن عائشة فإن الأمر لا إشكال فيه».
مما سبق يتبين أن قصة وضوء الرجال والنساء جميعًا، وبقصة أم صبية في وضوئها مع النبي ﵌ في إناء واحد، محمولتان على ما قبل وجوب الحجاب، ولا يسوغ حملهما على ما بعد فرض الحجاب؛ لأنه ضرب للأدلة بعضها ببعض، ولاسيما أن أدلة تحريم الاختلاط تضافرت بعد الهجرة النبوية وهي متواترة (٢).
стр. 376
هل يُعقل؟!!!
كان ﵌ يقول: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (١)؛ حذرًا من افتتان آخر صفوف الرجال بأول صفوف النساء وكان الرجال في عهده ﵌ يؤمرون بالتَرَيُّث في الانصراف؛ حتى يمضي النساء ويخرجن من المسجد لئلا يختلط بهن الرجال في أبواب المساجد.
فكيف يمنعهم ﵌ من الاختلاط في الصلاة ويسمح لهم بالاختلاط في الوضوء؟
كيف يجمعهم قبل الصلاة يتوضؤون جميعًا ثم يفرقهم في الصلاة؟!!!
لا شك أن من فهم ذلك قد أساء للنبي ﵌، وضرب الأدلة بعضها ببعض.
ثالثًا: روى الإمام عبد الرزاق عن إسرائيل بن يونس عن سماك بن حرب عن أبي سلامة الحبيبي قال: «رأيت عمر بن الخطاب أتى حياضًا، عليها الرجال والنساء يتوضؤون جميعًا، فضربهم بالدِّرّة، ثم قال لصاحب الحوض: «اجعل للرجال حياضًا، وللنساء حياضًا»، ثم لقِيَ عليًّا، فقال: «ما ترى؟»، فقال: «أرى إنما أنت راع، فإن كنت تضربهم على غير ذلك فقد هلكتَ وأهلكتَ» (٢).
الجواب:
١ - هذا الأثر في إسناده إسرائيل بن يونس، وسماك بن حرب، مختلف فيهما (٣).
أما أبو سلامة الحبيبي فقد قال الدكتور محمد عبد العزيز المسند: «لم نجد من تكلم عنه، إلا أن الذهبي أشار إلى أنه سمع من عمر ﵁ في كتابه (المقتنى في سرد الكنى)، وقال عبد الله بن منده في كتابه (المقتنى في سرد الكنى): «أبو سلامة: سمع عمر بن الخطاب ﵁، كوفي. روى عنه: سماك بن حرب ... ».
ولم نجد أحدًا تكلم فيه بتوثيق أو تضعيف» (١).
وقال الحافظ ابن حجر: «أبو سلامة السلمي: ويقال الحبيبي اسمه خداش».
وقال في موضع آخر: «قال البخاري: لم يثبت سماعه من النبي ﵌» (٢).
٢ - إن صح هذا الأثر ـ وقد تبين ما فيه ـ فإن ما حدث من هؤلاء الرجال والنساء مخالف لهدي النبي ﵌؛ فعن أَبِى أُسَيْدٍ الأَنْصَارِىِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ ـ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِى الطَّرِيقِ ـ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِلنِّسَاءِ «اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ». فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. (رواه أبو داود وحسنه الألباني).
فإذا كان هذا في الطريق ـ مع الستر التام ـ فكيف بالوضوء مع الرجال.
ولا يعقل أن يحجب الصحابة ﵃ وجوه نسائهم عن الرجال الأجانب، ثم يتركونهن يكشفن عن أعضاء الوضوء أمامهم؟!!
٣ - إن صح هذا الأثر فليس فيه أن هؤلاء من الصحابة، حتى يستدل به على إباحة
стр. 379
الاختلاط وإقرار الصحابة ﵃ له.
٤ - إن صح هذا الأثر، فإن هؤلاء الرجال والنساء قد طَالَتْهُم دِرَّةُ عمر ﵁، وإن ما فعله عمر ﵁ إنما هو إنكار لمنكر قد فعله بعض رعيته، وقد وافقه علي ﵁ في هذا الإنكار واعتبر ضربه إياهم من حقه كولي أمر للمسلمين، فعندما سأله عمر ﵁: «ما ترى؟»، قال علي ﵁: «أرى إنما أنت راع، فإن كنت تضربهم على غير ذلك فقد هلكتَ وأهلكتَ»، فهذا موقف اثنين من الخلفاء الراشدين من هذا المنكر؛ فأين إقرار الاختلاط.
٥ - أما قول دعاة الاختلاط: ذلك من عمر ﵁ دفعًا للتزاحم ومفسدته وليس لوجود النساء مع الرجال»، فهذا لا وجود له إلا في مخيلتهم المريضة التي تتبع المتشابه وتترك المحكم؛ فأين في هذا الأثر ـ إن صح ـ ما يدل على ذلك؟
قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
٦ - يقال لهؤلاء: إن جعلتم هذا الأثر دليلًا على جواز اختلاط الرجال بالنساء ـ مع أنه ليس فيه دليل ـ فهل يرضى أحدهم إن كان مسلمًا حريصًا على دينه وعرضه أن تتوضأ ابنته أو زوجته أمام الرجال الأجانب؟
-
كيف تغسل قدميها وذراعيها وجزءًا من ساقيها وتمسح شعرها؟
- أين ستر العورة حتى عند القائلين بجواز كشف الوجه والكفين؟
لقد قلتم شيئًا لم يقُله عالم من علماء المسلمين ولا جاهل من جهالهم؛ فإن ستر المرأة شعرها وذراعيها وساقيها عن الرجال الأجانب من المعلوم من الدين بالضرورة.
ولقد قلتم ما لم يجرؤ قاسم أمين أن يقوله.
وما هذا كله إلا ثمرة من ثمار اتباع المتشابه وترك المحكم، واتباع الضعيف وترك الصحيح، فالواجب علينا أن نتقي الله في نساء المسلمين.
стр. 380
الشبهة السادسة عشرة:
صلاة النساء مع الرجال في الصلوات الخمس والعيدين:
الجواب:
صلاة العيد مناسبة يفوت وقتها وتذهب مصلحتها بتأخيرها، ومن نظر إلى مقاصد العيد علم حكمة الشارع في عدم تكرار شعائره لأجل فصل الرجال والنساء فيه، فإن في ذلك عنَتًا لايتناسب مع تيسير الشريعة، ومشقة لاتتناسب وتلك الأيام التي جعلها الشارع للتوسعة والترخص المنضبط وصلة الأرحام، ولذلك ناسب أن يحض الرجال والنساء على أداء صلاتها جميعًا مع وضع الضوابط التي تكفل عدم امتزاج الرجال بالنساء.
ومن ذلك بُعدهن من الرجال فإن النبي ﵌ لما فرغ من خطبته وصلاته، جاء إليهن فوعظهن وذكرهن، فلو كن قريبًا لسمعن الخطبة.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: «أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِىِّ ﵌؟»، قَالَ: «نَعَمْ، وَلَوْلاَ مَكَانِى مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ، حَتَّى أَتَى الْعَلَمَ الَّذِى عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِى ثَوْبِ بِلاَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلاَلٌ إِلَى بَيْتِهِ» (رواه البخاري).
قال الحافظ ابن حجر في تعليقه على خطبة النبي ﵌ النساء يوم العيد: «قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ) يُشْعِرُ بِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ عَلَى حِدَةٍ مِنْ الرِّجَالِ غَيْرَ مُخْتَلِطَاتٍ بِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ بِلَالٌ) فِيهِ أَنَّ الْأَدَبَ فِي مُخَاطَبَةِ النِّسَاءِ فِي الْمَوْعِظَةِ أَوْ الْحِكَمِ أَنْ لَا يَحْضُرَ مِنْ الرِّجَالِ إِلَّا مَنْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ شَاهِدٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ خَادِمَ
стр. 381
النَّبِيِّ ﵌ وَمُتَوَلِّيَ قَبْض الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَدْ اُغْتُفِرَ لَهُ ذَلِكَ بِسَبَبِ صِغَرِهِ» (١).
وقال أيضًا: «وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اِسْتِحْبَابُ وَعْظِ النِّسَاءِ وَتَعْلِيمِهِنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَتَذْكِيرِهِنَّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ، وَيُسْتَحَبُّ حَثُّهُنَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَتَخْصِيصُهُنَّ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ مُنْفَرِدٍ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ إِذَا أُمِنَ الْفِتْنَةُ وَالْمَفْسَدَةُ» (٢).
ثم إن جواز شهودهن الجمع والجماعات بالضوابط التي وضعها الشارع لصلاة المرأة في المسجد، دليل واضح يفيد مراعاة الشريعة لأصل الفصل بين الرجال والنساء:
- فقد جعل الشارع صلاة المرأة في قعر دارها خير لها.
- وبعد ذلك إذا خرجت المرأة أمرها الشارع أن تخرج تفلة غير متطيبة ولا متزينة، فإن خالفت ذلك عصت الله بخروجها ولو إلى مسجد.
- ثم إذا جاءت المسجد تدخل من باب خاص لايدخل منه الرجال.
- فإذا دخلت المرأة المسجد كان خير صفوفها أبعدها عن الرجال، وكان شرها أقربها منهم.
- فإذا خرجت من المسجد فعليها أن تستأخر وتلتزم حافة الطريق كما أمرها النبي ص (٣).
فالرسول ﵌ حرص على قطع كل سبب للاختلاط وإن كان غرض الخروج أداء الفرض فكيف يسوغ في غيره، وإذا منعهن من الاختلاط العابر في الطريق إلى المسجد والمؤقت
стр. 382
في داخل المسجد لأنه يؤدي إلى الافتنان، فكيف يقال بجواز الاختلاط في غيره؟ (١).
قال الإمام النووي في شرح قَوْله ﵌: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِد اللهِ»:
«هَذَا وَشَبَهه مِنْ أَحَادِيث الْبَاب ظَاهِر فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَع الْمَسْجِد لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاء مَأْخُوذَة مِنْ الْأَحَادِيث، وَهُوَ أَلَّا تَكُون مُتَطَيِّبَة، وَلَا مُتَزَيِّنَة، وَلَا ذَات خَلَاخِل يُسْمَع صَوْتهَا، وَلَا ثِيَاب فَاخِرَة، وَلَا مُخْتَلِطَة بِالرِّجَالِ، وَلَا شَابَّة وَنَحْوهَا مِمَّنْ يُفْتَتَن بِهَا، وَأَنْ لَا يَكُون فِي الطَّرِيق مَا يَخَاف بِهِ مَفْسَدَة وَنَحْوهَا» (٢).
وقد نُسب إلى مدير جامعة صنعاء عبد العزيز المقالح , زعمه أن المطالبة بعزل الطالبات عن الطلاب مخالفة للشريعة.
وقد استدل على جواز الاختلاط بأن المسلمين من عهد الرسول ﵌ كانوا يؤدون الصلاة في مسجد واحد ـ الرجل والمرأة ـ، وقال: «ولذلك فإن التعليم لا بد أن يكون في مكان واحد»، فقال الشيخ ابن باز ﵀ ردًّا عليه:
«وقد استغربت صدور هذا الكلام من مدير لجامعة إسلامية في بلد إسلامي يُطلَب منه أن يوجه شعبه من الرجال والنساء إلى ما فيه السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولا شك أن هذا الكلام فيه جناية عظيمة على الشريعة الإسلامية؛ لأن الشريعة لم تَدْعُ إلى الاختلاط حتى تكون المطالبة بمنعه مخالفة لها، بل هي تمنعه وتشدد في ذلك».
стр. 383
ثم ذكر الشيخ ﵀ بعض الأدلة من القرآن والسنة، والتي سبق ذكرها (١) ....
ثم قال الشيخ ابن باز ﵀: «وقد بين الله سبحانه أن الحجاب أطهر لقلوب الجميع فدل ذلك على أن زواله أقرب إلى نجاسة قلوب الجميع وانحرافهم عن طريق الحق، ومعلوم أن جلوس الطالبة مع الطالب في كرسي الدراسة من أعظم أسباب الفتنة، ومن أسباب ترك الحجاب الذي شرعه الله للمؤمنات ونهاهن عن أن يبدين زينتهن لغير من بينهم الله سبحانه في الآية السابقة من سورة النور.
ومن زعم أن الأمر بالحجاب خاص بأمهات المؤمنين فقد أبعد النجعة وخالف الأدلة الكثيرة الدالة على التعميم وخالف قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣)؛ فإنه لا يجوز أن يقال، إن الحجاب أطهر لقلوب أمهات المؤمنين ورجال الصحابة دون من بعدهم.
ولا شك أن من بعدهم أحوجُ إلى الحجاب من أمهات المؤمنين ورجال الصحابة ﵃ لما بينهم من الفرق العظيم في قوة الإيمان والبصيرة بالحق فإن الصحابة ﵃ رجالًا ونساء ـ ومنهن أمهات المؤمنين ـ هم خير الناس بعد الأنبياء وأفضل القرون بنص الرسول ﵌ المخّرَّج في الصحيحين.
فإذا كان الحجاب أطهر لقلوبهم فمن بعدهم أحوج إلى هذه الطهارة وأشد افتقارًا إليها ممن قبلهم، ولأن النصوص الواردة في الكتاب والسنة لا يجوز أن يخص بها أحد من الأمة إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص فهي عامة لجميع الأمة في عهده ﵌ وبعده إلى يوم القيامة لأنه سبحانه بعث رسوله ﵌ إلى الثقلين في عصره وبعده إلى
стр. 384
يوم القيامة كما قال : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: ٢٨).
وهكذا القرآن الكريم لم ينزل لأهل عصر النبي ﵌ وإنما أنزل لهم ولمن بعدهم ممن يبلغه كتاب الله كما قال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ (إبراهيم: ٥٢).
وقال : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩).
وكان النساء في عهد النبي ﵌ لا يختلطن بالرجال لا في المساجد ولا في الأسواق الاختلاط الذي ينهى عنه المصلحون اليوم ويرشد القرآن والسنة وعلماء الأمة إلى التحذير منه حذرًا من فتنته بل كان النساء في مسجده ﵌ يصلين خلف الرجال في صفوف متأخرة عن الرجال.
وكان يقول ﵌: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (١)؛ حذرًا من افتتان آخر صفوف الرجال بأول صفوف النساء وكان الرجال في عهده ﵌ يؤمرون بالتَرَيُّث في الانصراف؛ حتى يمضي النساء ويخرجن من المسجد لئلا يختلط بهن الرجال في أبواب المساجد مع ما هم عليه جميعًا رجالًا ونساءً من الإيمان والتقوى فكيف بحال من بعدهم؟
وكانت النساء يُنْهَيْن أن يحْقُقْن الطريق ويؤمرن بلزوم حافات الطريق حذرًا من الاحتكاك بالرجال والفتنة بمماسة بعضهم بعضًا عند السير في الطريق.
стр. 385
وأمر الله سبحانه نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن حتى يغطين بها زينتهن حذرا من الفتنة بهن، ونهاهن سبحانه عن إبداء زينتهن لغير من سمى الله سبحانه في كتابه العظيم حسمًا لأسباب الفتنة وترغيبًا في أسباب العفة والبعد عن مظاهر الفساد والاختلاط.
فكيف يسوغ لمدير جامعة صنعاء ـ هداه الله وألهمه رشده ـ بعد هذا كله، أن يدعو إلى الاختلاط ويزعم أن الإسلام دعا إليه وأن الحرم الجامعي كالمسجد، وأن ساعات الدراسة كساعات الصلاة، ومعلوم أن الفرق عظيم، والبَوْن شاسع، لمن عقل عن الله أمره ونهيه، وعرف حكمته سبحانه في تشريعه لعباده، وما بين في كتابه العظيم من الأحكام في شأن الرجال والنساء.
وكيف يجوز لمؤمن أن يقول إن جلوس الطالبة بحذاء الطالب في كرسي الدراسة مثل جلوسها مع أخواتها في صفوفهن خلف الرجال، هذا لا يقوله من له أدنى مسكة من إيمان وبصيرة يعقل ما يقول، هذا لو سلمنا وجود الحجاب الشرعي، فكيف إذا كان جلوسها مع الطالب في كرسي الدراسة، مع التبرج وإظهار المحاسن والنظرات الفاتنة والأحاديث التي تجر إلى فتنة.
وأما قوله: «والواقع أن المسلمين منذ عهد الرسول كانوا يؤدون الصلاة في مسجد واحد الرجل والمرأة ولذلك فإن التعليم لا بد أن يكون في مكان واحد».
فالجواب عن ذلك أن يقال: هذا صحيح، لكن كان النساء في مؤخرة المساجد مع الحجاب والعناية والتحفظ مما يسبب الفتنة، والرجال في مقدَّم المسجد، فيسمعن المواعظ والخطب ويشاركن في الصلاة ويتعلمن أحكام دينهن مما يسمعن ويشاهدن،
стр. 386
وكان النبي ﵌ في يوم العيد يذهب إليهن بعد ما يعظ الرجال فيعظهن ويذكرهن لبعدهن عن سماع خطبته.
وهذا كله لا إشكال فيه ولا حرج فيه، وإنما الإشكال في قول مدير جامعة صنعاء ـ هداه الله وأصلح قلبه وفَقَّهَهُ في دينه ـ: «ولذلك فإن التعليم لا بد أن يكون في مكان واحد» فكيف يجوز له أن يشبه التعليم في عصرنا بصلاة النساء خلف الرجال في مسجد واحد، مع أن الفرق شاسع بين واقع التعليم المعروف اليوم وبين واقع صلاة النساء خلف الرجال في عهده ﵌.
ولهذا دعا المصلحون إلى إفراد النساء عن الرجال في دور التعليم، وأن يكُنَّ على حدة والشباب على حدة، حتى يتمكنَّ من تلقي العلم من المدرسات بكل راحة من غير حجاب ولا مشقة؛ لأن زمن التعليم يطول بخلاف زمن الصلاة؛ ولأن تلقي العلوم من المدرسات في محل خاص أصون للجميع وأبعد لهن من أسباب الفتنة، وأسلم للشباب من الفتنة بهن، ولأن انفراد الشباب في دور التعليم عن الفتيات مع كونه أسلم لهم من الفتنة فهو أقرب إلى عنايتهم بدروسهم وشغلهم بها وحسن الاستماع إلى الأساتذة وتلقي العلم عنهم بعيدين عن ملاحظة الفتيات والانشغال بهن، وتبادل النظرات المسمومة والكلمات الداعية إلى الفجور (١).
سؤال متعلق بهذه الشبهة:
لماذا تُفصل مصليات الرجال والنساء الآن بجدار بينما لم يكن هناك فاصل في مسجد رسول الله ﵌؟!!!
стр. 387
الجواب:
أولًا: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُوَيْدٍ الأَنْصَارِىِّ عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ ﵄ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِىِّ ﵌ فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى أُحِبُّ الصَّلاَةَ مَعَكَ».
قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلاَةَ مَعِى وَصَلاَتُكِ فِى بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِى حُجْرَتِكِ، وَصَلاَتُكِ فِى حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِى دَارِكِ، وَصَلاَتُكِ فِى دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِى مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاَتُكِ فِى مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِى مَسْجِدِى».
قَالَ: فَأَمَرَتْ فَبُنِىَ لَهَا مَسْجِدٌ فِى أَقْصَى شَىْءٍ مِنْ بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ فَكَانَتْ تُصَلِّى فِيهِ حَتَّى لَقِيَتِ اللهَ ». (رواه الإمام أحمد وحسنه الحافظ ابن حجر والألباني والأرنؤوط).
وكان النبي ﵌ إذا سلم من الصلاة يبقى في مكانه قليلًا لا ينصرف، من أجل أن تنصرف النساء كي لا يختلط بهن الرجال.
ومنع رسول الله ﵌ الاختلاط في الطريق وعند باب المسجد خوفًا من الفتنة!
وقال رسول الله ﵌: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (رواه مسلم).
فشرع رسول الله ﵌ فصْل الرجال عن النساء في الصلاة وحث على الابتعاد قدر الاستطاعة خوفًا من الفتنة.
ثانيًا: لا يمكن أن يقارن حال الصحابة والصحابيات بأحوالنا الآن حيث انتشرت أسباب الفتن وضعف الوازع الديني؛ لقد كان للصحابة ﵃ من الإيمان والخوف من الله ما يمنعهم من النظر إلى النساء، ومن كان معهم من المنافقين لا يجرؤ على منكر؛ لأنه
стр. 388
إن لم يخف من الله خاف من رسول ﵌ وصحبه.
وكانت النساء في زمن النبوة يخرجن محتشمات غير متبرجات ولا متطيبات، أما النساء في عصرنا هذا ففيهن مَن تجهل أحكام الشريعة وفيهن من بلغت الرابعة عشرة من العمر ولم تتحجب بزعم أنها ما زالت طفلة!!
وفي النساء المتزينات والمتعطرات والمتبرجات، وفي هذا فتنة للرجال وشاغل يشغلهم عن الخشوع في الصلاة.
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﵌ قَالَتْ: «لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ». (رواه البخاري ومسلم).
وهذا في أول وخير القرون فكيف بزماننا!!
ثالثًا: للفاصل فوائد أخرى؛ ففيه راحة وحرية للنساء، فتكشف المرأة عن وجهها وتصلي مطمئنة، ولا يقتصر حضور النساء للمساجد على الصلاة، بل أيضا استماع الدروس والكلمات وربما لوقت طويل فوجود الفاصل فيه راحة وتيسير على النساء.
رابعًا: لم ينه النبي ﵌ عن وضع هذا الفاصل حتى يقال: إن وضع الفاصل فيه مخالفة.
خامسًا: أليس يطلب من المرأة أن تقبل على صلاتها وتخشع لربها كما يطلب من الرجل؟ الجواب: بلى.
وهنا نسأل ثانية من واقع حال أغلب شباب اليوم هل سيتسنى للمرأة الخشوع إذا كان هؤلاء الشباب سيطلقون أبصارهم نحو هؤلاء النسوة وسيسعون إلى المرور بقرب الموضع الذي يصلين فيه.
الجواب ثانيةً: بالطبع لا.
стр. 389
فإن قلت: ولكن هناك منافقون كثر والمنافق أخطر من الفاسق.
قلت لك: صدقت!!! ولكن فاسق اليوم أخطر من منافق السابق فإن قلت لماذا؟؟؟
قلت لك: منافق السابق لايجرؤ على مايجرؤ عليه شباب اليوم وذلك من عدة وجوه:
١ ــ المنافق حريص على عدم معرفة خبثه فلا يجرؤ إلى التفات إلى امرأة أو إلقاء كلمة خبيثة إليها.
أما فاسق هذا الزمن فلا يهمه معرفته فهو مظهر للفسق لا يخاف غالبًا من حسيب ولا رقيب.
٢ ــ الناس في المدينة يعرف بعضهم بعضًا؛ فلو تجرأ أحد من المنافقين واختلس ولو مجرد اختلاس التفاتة أو زل بكلمة فإنه سيمر بثلاث مراحل ما أجملها بالنسبة لنا ما أقبحها بالنسبة له وهي:
- المرأة ستخبر زوجها باسم الرجل.
- الرجل سيخبر النبي ص.
- النبي ص سيعاقبه.
فهذا سبب خوف المنافق أما فاسق هذا الزمن فممن يخاف ... ؟
أيخاف من الرسول ﵌ أم ... يخاف من أن يُجْلَد أو يحبَس.
إذنْ .... ما المحذور من وضع هذا الفاصل الذي يعزل المرأة في مصلاها؛ فتكشف عن وجهها، وتباشر به السجود على الأرض، وتقرأ المصحف دون وجود غطاء وجهها، وتستطيع التنقل داخل مصلاها إن أرادت شرب ماء مثلًا، أو متابعة أطفالها
стр. 390
الذين قد تحضرهم معها (١).
فتوى للشيخ ابن عثيمين:
س: يوجد في أحد المساجد ستارة بين الرجال والنساء فحصل خلاف في أهمية هذه الستارة؛ فرأى بعضهم أنه لا حاجة لها وأنه في عهد الرسول ﵌ لم يكن هناك ستارة، وأصر الآخرون على وجودها فحصل خلاف نتيجة ذلك ربما يؤدي بالذين يرون بعدم وجودها إلى ترك الصلاة في المسجد، علمًا أنه يحدث هناك شيء من الاختلاط أو النظر عند الانصراف لطبيعة دين الموجودين من الرجال؛ فهل نُصِرّ على إبقاء الستارة ولو ترك الصلاة من ترك أو نزيل الستارة ولو حصل ما حصل من النظر؟
ج: أجاب فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين على هذا السؤال بقوله:
«الستارة تبقى وكونها لم توجد على عهد النبي ﵌ إما لعدم السبب المقتضي لها وإما لوجود المانع.
أما الأول فلأن الصحابة ﵃ عندهم من الإيمان بالله ما يمنعهم من النظر إلى النساء.
وأما المانع فلأن حال الصحابة كما نعلم لا سيما قبل الفتوح حال عسر لا يستطيعون أن يضعوا ستارة تحول بينهم وبين النساء.
وإذا خلصنا إلى هذا رأينا أيهما أبعد عن الفتنة أن توجد الستارة أو لا توجد؟
كلٌ يقول الأبعد عن الفتنة وجود الستارة، وإذا كان كذلك فكلما كان أبعد عن الفتنة فهو أولى وإذا قلت: لو أصررنا على هذا لتخلّف الذين يقولون بإزالتها،