← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 26006

الاختلاط بين الرجال والنساء

شحاتة صقر

Полный текст (664 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وكان النبي ﵌ في يوم العيد يذهب إليهن بعد ما يعظ الرجال فيعظهن ويذكرهن لبعدهن عن سماع خطبته. وهذا كله لا إشكال فيه ولا حرج فيه، وإنما الإشكال في قول مدير جامعة صنعاء ـ هداه الله وأصلح قلبه وفَقَّهَهُ في دينه ـ: «ولذلك فإن التعليم لا بد أن يكون في مكان واحد» فكيف يجوز له أن يشبه التعليم في عصرنا بصلاة النساء خلف الرجال في مسجد واحد، مع أن الفرق شاسع بين واقع التعليم المعروف اليوم وبين واقع صلاة النساء خلف الرجال في عهده ﵌. ولهذا دعا المصلحون إلى إفراد النساء عن الرجال في دور التعليم، وأن يكُنَّ على حدة والشباب على حدة، حتى يتمكنَّ من تلقي العلم من المدرسات بكل راحة من غير حجاب ولا مشقة؛ لأن زمن التعليم يطول بخلاف زمن الصلاة؛ ولأن تلقي العلوم من المدرسات في محل خاص أصون للجميع وأبعد لهن من أسباب الفتنة، وأسلم للشباب من الفتنة بهن، ولأن انفراد الشباب في دور التعليم عن الفتيات مع كونه أسلم لهم من الفتنة فهو أقرب إلى عنايتهم بدروسهم وشغلهم بها وحسن الاستماع إلى الأساتذة وتلقي العلم عنهم بعيدين عن ملاحظة الفتيات والانشغال بهن، وتبادل النظرات المسمومة والكلمات الداعية إلى الفجور (١). سؤال متعلق بهذه الشبهة: لماذا تُفصل مصليات الرجال والنساء الآن بجدار بينما لم يكن هناك فاصل في مسجد رسول الله ﵌؟!!!

стр. 387

الجواب: أولًا: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُوَيْدٍ الأَنْصَارِىِّ عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ ﵄ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِىِّ ﵌ فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى أُحِبُّ الصَّلاَةَ مَعَكَ». قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلاَةَ مَعِى وَصَلاَتُكِ فِى بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِى حُجْرَتِكِ، وَصَلاَتُكِ فِى حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِى دَارِكِ، وَصَلاَتُكِ فِى دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِى مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاَتُكِ فِى مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِى مَسْجِدِى». قَالَ: فَأَمَرَتْ فَبُنِىَ لَهَا مَسْجِدٌ فِى أَقْصَى شَىْءٍ مِنْ بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ فَكَانَتْ تُصَلِّى فِيهِ حَتَّى لَقِيَتِ اللهَ ». (رواه الإمام أحمد وحسنه الحافظ ابن حجر والألباني والأرنؤوط). وكان النبي ﵌ إذا سلم من الصلاة يبقى في مكانه قليلًا لا ينصرف، من أجل أن تنصرف النساء كي لا يختلط بهن الرجال. ومنع رسول الله ﵌ الاختلاط في الطريق وعند باب المسجد خوفًا من الفتنة! وقال رسول الله ﵌: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (رواه مسلم). فشرع رسول الله ﵌ فصْل الرجال عن النساء في الصلاة وحث على الابتعاد قدر الاستطاعة خوفًا من الفتنة. ثانيًا: لا يمكن أن يقارن حال الصحابة والصحابيات بأحوالنا الآن حيث انتشرت أسباب الفتن وضعف الوازع الديني؛ لقد كان للصحابة ﵃ من الإيمان والخوف من الله ما يمنعهم من النظر إلى النساء، ومن كان معهم من المنافقين لا يجرؤ على منكر؛ لأنه

стр. 388

إن لم يخف من الله خاف من رسول ﵌ وصحبه. وكانت النساء في زمن النبوة يخرجن محتشمات غير متبرجات ولا متطيبات، أما النساء في عصرنا هذا ففيهن مَن تجهل أحكام الشريعة وفيهن من بلغت الرابعة عشرة من العمر ولم تتحجب بزعم أنها ما زالت طفلة!! وفي النساء المتزينات والمتعطرات والمتبرجات، وفي هذا فتنة للرجال وشاغل يشغلهم عن الخشوع في الصلاة. عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﵌ قَالَتْ: «لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ». (رواه البخاري ومسلم). وهذا في أول وخير القرون فكيف بزماننا!! ثالثًا: للفاصل فوائد أخرى؛ ففيه راحة وحرية للنساء، فتكشف المرأة عن وجهها وتصلي مطمئنة، ولا يقتصر حضور النساء للمساجد على الصلاة، بل أيضا استماع الدروس والكلمات وربما لوقت طويل فوجود الفاصل فيه راحة وتيسير على النساء. رابعًا: لم ينه النبي ﵌ عن وضع هذا الفاصل حتى يقال: إن وضع الفاصل فيه مخالفة. خامسًا: أليس يطلب من المرأة أن تقبل على صلاتها وتخشع لربها كما يطلب من الرجل؟ الجواب: بلى. وهنا نسأل ثانية من واقع حال أغلب شباب اليوم هل سيتسنى للمرأة الخشوع إذا كان هؤلاء الشباب سيطلقون أبصارهم نحو هؤلاء النسوة وسيسعون إلى المرور بقرب الموضع الذي يصلين فيه. الجواب ثانيةً: بالطبع لا.

стр. 389

فإن قلت: ولكن هناك منافقون كثر والمنافق أخطر من الفاسق. قلت لك: صدقت!!! ولكن فاسق اليوم أخطر من منافق السابق فإن قلت لماذا؟؟؟ قلت لك: منافق السابق لايجرؤ على مايجرؤ عليه شباب اليوم وذلك من عدة وجوه: ١ ــ المنافق حريص على عدم معرفة خبثه فلا يجرؤ إلى التفات إلى امرأة أو إلقاء كلمة خبيثة إليها. أما فاسق هذا الزمن فلا يهمه معرفته فهو مظهر للفسق لا يخاف غالبًا من حسيب ولا رقيب. ٢ ــ الناس في المدينة يعرف بعضهم بعضًا؛ فلو تجرأ أحد من المنافقين واختلس ولو مجرد اختلاس التفاتة أو زل بكلمة فإنه سيمر بثلاث مراحل ما أجملها بالنسبة لنا ما أقبحها بالنسبة له وهي: - المرأة ستخبر زوجها باسم الرجل. - الرجل سيخبر النبي ص. - النبي ص سيعاقبه. فهذا سبب خوف المنافق أما فاسق هذا الزمن فممن يخاف ... ؟ أيخاف من الرسول ﵌ أم ... يخاف من أن يُجْلَد أو يحبَس. إذنْ .... ما المحذور من وضع هذا الفاصل الذي يعزل المرأة في مصلاها؛ فتكشف عن وجهها، وتباشر به السجود على الأرض، وتقرأ المصحف دون وجود غطاء وجهها، وتستطيع التنقل داخل مصلاها إن أرادت شرب ماء مثلًا، أو متابعة أطفالها

стр. 390

الذين قد تحضرهم معها (١). فتوى للشيخ ابن عثيمين: س: يوجد في أحد المساجد ستارة بين الرجال والنساء فحصل خلاف في أهمية هذه الستارة؛ فرأى بعضهم أنه لا حاجة لها وأنه في عهد الرسول ﵌ لم يكن هناك ستارة، وأصر الآخرون على وجودها فحصل خلاف نتيجة ذلك ربما يؤدي بالذين يرون بعدم وجودها إلى ترك الصلاة في المسجد، علمًا أنه يحدث هناك شيء من الاختلاط أو النظر عند الانصراف لطبيعة دين الموجودين من الرجال؛ فهل نُصِرّ على إبقاء الستارة ولو ترك الصلاة من ترك أو نزيل الستارة ولو حصل ما حصل من النظر؟ ج: أجاب فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين على هذا السؤال بقوله: «الستارة تبقى وكونها لم توجد على عهد النبي ﵌ إما لعدم السبب المقتضي لها وإما لوجود المانع. أما الأول فلأن الصحابة ﵃ عندهم من الإيمان بالله ما يمنعهم من النظر إلى النساء. وأما المانع فلأن حال الصحابة كما نعلم لا سيما قبل الفتوح حال عسر لا يستطيعون أن يضعوا ستارة تحول بينهم وبين النساء. وإذا خلصنا إلى هذا رأينا أيهما أبعد عن الفتنة أن توجد الستارة أو لا توجد؟ كلٌ يقول الأبعد عن الفتنة وجود الستارة، وإذا كان كذلك فكلما كان أبعد عن الفتنة فهو أولى وإذا قلت: لو أصررنا على هذا لتخلّف الذين يقولون بإزالتها،

стр. 391

فالجواب أنهم إذا تخلفوا فهم الذين جنوا على أنفسهم لأنهم لا يعذرون بترك الجماعة لوجود هذه الستارة إذ أن وجودها ليس معصية حتى يقولوا أننا لن نحضر لنشاهد المعصية فيكونون إذا تخلفوا آثمين بتركهم الجماعة». انتهى (١). تنبيه: قال الإمام أحمد في مسنده: حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ النُّكْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ تُصَلِّى خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ فَكَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَسْتَقْدِمُ فِى الصَّفِّ الأَوَّلِ؛ لِئَلاَّ يَرَاهَا، وَيَسْتَأْخِرُ بَعْضُهُمْ؛ حَتَّى يَكُونَ فِى الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ، فَإِذَا رَكَعَ نَظَرَ مِنْ تَحْتِ إِبْطَيْهِ فَأَنْزَلَ اللهُ فِى شَأْنِهَا: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ (الحجر: ٢٤). ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن خزيمة، وأبو داود الطيالسي في (مسنده)، والبيهقي في (سننه). قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: «إسناده ضعيف ومتنه منكر. عمرو بن مالك النكري لا يُؤْثَر توثيقه عن غير ابن حبان ذكره في (الثقات)، وقال: «يخطئ ويُغْرِب».وقال الحافظ في التقريب: «صدوق له أوهام». وأخطأ الذهبي في الميزان والضعفاء فوثقه مع أنه ذكره في الكاشف ولم يوثقه، وإنما اقتصر على قوله: «وُثِّقَ»، وهو يطلق هذه اللفظة على من انفرد ابن حبان بتوثيقه ... وذكره ابن كثير في (تفسيره ٤/ ٤٥٠) من تفسير الطبري بإسناده، ثم نسبه لأحمد وابن أبي حاتم والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما وابن ماجه، وقال: «حديث

стр. 392

غريب جدًا، وفيه نكارة شديدة»، ثم رجح أن يكون من كلام أبي الجوزاء. تنبيه: قد سبق لنا (أي الشيخ شعيب) أن حسَّنَّا إسناد هذا الحديث في تعليقنا على (صحيح ابن حبان)، وقد تبين لنا هنا أنه ضعيف لا يستحق التحسين، فاقتضى التنبيه، والله وليّ التوفيق» (١). اهـ كلام الشيخ شعيب. وقد أعَلّ الترمذي الحديث بالإرسال، وتابعه ابن كثير. ولكن صححه الشيخ الألباني وقال: «هذا الإعلال ليس بشيء عندي وذلك من وجوه ... » فذكرها، ثم قال: «وأما النكارة الشديدة التي زعمها ابن كثير ﵀، فالظاهر أنه يعني أنه من غير المعقول أن يتأخر أحد من المصلين إلى الصف الآخر لينظر إلى امرأة! وجوابنا عليه أنهم قد قالوا: «إذا ورد الأثر بطل النظر»، فبعد ثبوت الحديث لا مجال لاستنكار ما تضمنه من الواقع. ولو أننا فتحنا باب الاستنكار لمجرد الاستبعاد العقلي للزم إنكار كثير من الأحاديث الصحيحة، وهذا ليس من شأن أهل السنة والحديث، بل هو من دأب المعتزلة وأهل الأهواء. ثم ما المانع أن يكون أولئك الناس المستأخرون من المنافقين الذين يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر؟ بل وما المانع أن يكونوا من الذين دخلوا في الإسلام حديثًا، ولما يتهذبوا بتهذيب الإسلام، ولا تأدبوا بأدبه؟» (٢).انتهى كلام الشيخ الألباني ﵀. ومن الملاحظ أن مدار الحديث على عمرو بن مالك النكري والشيخ الألباني ﵀ قال في تخريجه لهذا الحديث في السلسلة الصحيحة: «وهو ثقة»، رغم أنه ضعفه في

стр. 393

مواضع أخرى من كتبه، حيث قال عنه في (السلسلة الصحيحة رقم ١١٤٠): «عمرو بن مالك صدوق له أوهام».وقال في نفس السلسلة (رقم ١٣٣٨): «عمرو بن مالك النكري المتكَلَّمُ فيه». وقال عنه في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (رقم ٢٤٢٩) عند تخريجه لحديث: «إن الله قال: أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدرت على يده الخير، وويل لمن قدرت على يده الشر». «ضعيف جدًّا، رواه الطبراني عن أحمد بن سلم العميري: نا مالك بن يحيى بن عمرو النكري عن أبيه عن جده عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس مرفوعًا. قلت (أي الألباني): «وهذا إسناد ضعيف جدا مسلسل بالضعفاء: أولا: عمرو بن مالك، قال الحافظ: «صدوق له أوهام» .... ». وقال عنه في نفس السلسلة (رقم ٩٤): «فإن عمرًا هذا لم يوثقه غير ابن حبان (٧/ ٢٢٨، ٨/ ٤٨٧)، وهو متساهل في التوثيق حتى أنه ليوثق المجهولين عند الأئمة النقاد كما سبق التنبيه على ذلك مرارًا، فالقلب لا يطمئن لما تفرد بتوثيقه، ولا سيما أنه قد قال هو نفسه في مالك هذا: «يعتبر حديثه من غير رواية ابنه يحيى عنه، يخطيء ويُغْرِب»، فإذا كان من شأنه أن يخطيء ويأتي بالغرائب، فالأحرى به أن لا يُحْتَجّ بحديثه إلا إذا توبع عليه لكي نأمن خطأه، فأما إذا تفرد بالحديث كما هنا ـ فاللائق به الضعف».انتهى كلام الشيخ الألباني ﵀. وعمرو هذا تفرد بالحديث الذي نحن بصدده ـ حديث المرأة الحسناء ـ فكان الأوْلى بالشيخ الألباني ﵀ أن يضعِّفه بناءً على قواعده ﵀.

стр. 394

وإن صح هذا الحديث فليس فيه دليل لدعاة الاختلاط لما سبق بيانه من الفرق الشاسع بين واقع الاختلاط المعروف اليوم، وبين واقع صلاة النساء خلف الرجال في عهده ﵌. وأما كونها حسناء ـ على فرض صحة الحديث وقد تبين ما فيه ـ فقد يكون ذلك قبل فرض الحجاب.

стр. 395

الشبهة السابعة عشرة: اختلاط الرجال بالنساء في الطواف في الحج والعمرة . قالوا: لو كان الاختلاط محرَّمًا لما كان الحج والطواف مختلطًا. الجواب: أولًا: «مما فرضه الله على المرأة والرجل، الركن الخامس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، ولما كانت أعمال الحج والعمرة يتحد محلها للرجال والنساء، ولامصلحة من تغيير وقته أو فصل محله فإن في ذلك عنتًا لايخفى على المتأمل، لهذا اقتصر التشريع على وضع ضوابط لمن قصد هذا الركن من النساء، تكفل صيانة أعراضهن، وتمنع من اختلاطهن بالرجال قدر الإمكان، ومن ذلك أن الشارع لم يوجب على المرأة حجًا أو عمرة ـ إذا لزمها السفر ـ إلاّ إذا كان معها محرم، ثم جعل الشارع رخصًا لمن كانت معه نساء أوضعفة ليست لغيره، كالدفع من مزدلفة بليل. ومن مراعاة المرأة قول طائفة من الفقهاء بجواز تأخير الرمي إلى بعد الغروب، بل إن الفقهاء ـ مراعاةً لأصل المنع من الاختلاط في الشريعة ـ استحبوا للمرأة ما لم يستحبوا للرجل من نحو طوافها بعيدة عن البيت، ورخصوا لها في تأخير طواف القدوم إلى الليل خشية الزحام. ومن مراعاة بعض أمهات المؤمنين للأمر بلزوم البيوت ونبذهن الاختلاط، اكتفاؤهن بحجة الفريضة، وترك التطوع، وهذا مأثور عن زينب وسودة ﵄. ومن مراعاة أهل العلم للمنع من الاختلاط قول ابن جماعة في (منسكه الكبير): «ومن أكبر المنكرات ما يفعله جهلة العوام في الطواف من مزاحمة الرجال بأزواجهم

стр. 396

سافرات عن وجههن، وربما كان ذلك في الليل، وبأيديهم الشموع متقدة ... » إلى أن قال: «نسأل الله أن يلهم ولي الأمر إزالة المنكرات»، قال الهيتمي بعد أن نقله: «فتأمَّلْه تجِدْهُ صريحًا في وجوب المنع حتى من الطواف عند ارتكابهن دواعي الفتنة» (١). ومن مراعاتهم للمنع من الاختلاط في النسك قولهم: لايستحب لها أن تزاحم الرجال لاستلام الحجر الأسود. وقولهم: لاتقف المرأة على الصفا للدعاء إلاّ إذا خلا المكان عن مزاحمة الرجال، ويكون سنة في حقها إذا خلا المكان. ومما سبق نخلص إلى أن الشارع حف الحج والعمرة بأحكام تكفل منع الخلطة المحرمة ومن ذلك اشتراط المحرم للمسافرة، ومع ذلك ندب المرأة إلى ترك مزاحمة الرجال، واستحب لها الفقهاء لأجل ذلك ما لم يستحبوه للرجال» (٢). ثانيًا: إن الإسلام لم يُبِح الاختلاط بين الرجال والنساء إذا خشيت معه الفتنة لا في الطواف ولا في غيره لما يترتب عليه من المفاسد المحققة، كالنظر المحرم وما يتبعه من منكرات، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ أَنِّي أَشْتَكِي (٣)، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﵌ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ (الطور: ١ - ٢). (رواه البخاري ومسلم). قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «إِنَّمَا أَمَرَهَا ﵌

стр. 397

بِالطَّوَافِ مِنْ وَرَاء النَّاس لِشَيْئَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنَّ سُنَّة النِّسَاء التَّبَاعُد عَنْ الرِّجَال فِي الطَّوَاف. وَالثَّانِي: أَنَّ قُرْبهَا يُخَاف مِنْهُ تَأَذِّي النَّاس بِدَابَّتِهَا، وَكَذَا إِذَا طَافَ الرَّجُل رَاكِبًا، وَإِنَّمَا طَافَتْ فِي حَال صَلَاة النَّبِيّ ﵌ لِيَكُونَ أَسْتَر لَهَا وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاة صَلَاة الصُّبْح» (١). وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري: «وَإِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَطُوف مِنْ وَرَاء النَّاس لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا وَلَا تَقْطَع صُفُوفهمْ أَيْضًا وَلَا يَتَأَذَّوْنَ بِدَابَّتِهَا» (٢). وقال الباجي في شرحه لهذا الحديث من (الموطأ): «وَأَمَّا طَوَافُ النِّسَاءِ مِنْ وَرَاءِ الرِّجَالِ فَهُوَ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ»، وَلَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْبَعِيرِ فَقَدْ طَافَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى بَعِيرِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ (٣)، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اتِّصَالِهِ بِالْبَيْتِ لَكِنْ مَنْ طَافَ غَيْرُهُ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى بَعِيرٍ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِنْ خَافَ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا أَنْ يَبْعُدَ قَلِيلًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلَ الْبَيْتِ زِحَامٌ وَأَمِنَ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا فَلْيَقْرُبْ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﵌. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِهَا أَنْ تَطُوفَ وَرَاءَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ فَكَانَ مِنْ سُنَّةِ النِّسَاءِ أَنْ يَكُنَّ وَرَاءَ الرِّجَالِ كَالصَّلَاةِ».اهـ. وفي صحيح البخاري أن ابن جريج قال لعطاء: «كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟»، قال: «لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ:

стр. 398

«انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ».قَالَتْ «انْطَلِقِي عَنْكِ»، وَأَبَتْ». (حَجْرَة) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم بَعْدهَا رَاءٍ، أَيْ نَاحِيَة، قَالَ الْقَزَّاز: هُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ: نَزَلَ فُلَان حَجْرَة مِنْ النَّاس أَيْ مُعْتَزِلًا. (اِنْطَلِقِي عَنْك) أَيْ عَنْ جِهَةِ نَفْسك (١). وبهذا يتبين ما أمر به الإسلام، وما شرعه رب الأنام. ثالثًا: ما يحصل الآن حول الكعبة ـ شرفها الله ـ من اختلاط بصورة مذمومة، مخالفة لما أمر به الشرع ليس دليلًا على الجواز، لأننا نأخذ ديننا من الوحيين لا من واقع الناس، وإذا اضطر الطائف للطواف مختلطًا بالنساء فعليه أن يتجنب ملامسة النساء، والنظر إليهن. وما نراه الآن من اختلاط الرجال بالنساء في الطواف مخالف للشرع، والعلماء ينكرونه وكذلك رجال الحسبة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في الحرم حيث يحثون النساء على الطواف خلف الرجال ولكنهم يواجهون صعوبة كبيرة بسبب جهل بعض الناس وعدم تجاوبهم وبسبب اختلاف لغاتهم، وسبب آخر وهو الخوف من الضياع فتظل المرأة مع محرمها خشية الافتراق والضياع. أما في حال الزحام الشديد في الحج وغيره ففصل النساء عن الرجال مستحيل! والأصل هو طواف النساء خلف الرجال كما بينت الأدلة. ومما سبق يتبين أن قياس الاختلاط في العمل وغيره على الطواف بالبيت الحرام فهو قياس مع الفارق، فإن النساء كُنّ يَطُفْنَ في عهد النبي ﵌ من وراء الرجال متسترات، لا يداخِلْنَهُم ولا يختلِطْنَ بهم، وكذا حالهن مع الرجال في مصلى العيد، فإنهن كن يخرجن متسترات، ويجلسن خلف الرجال في المصلى، وقد كان النبي ﵌ إذا خطب

стр. 399

الرجال خطبة العيد انصرف إلى النساء، فذكّرَهن ووعظَهُن، فلم يكن اختلاط بين الرجال والنساء، وكذا الحال في حضورهن الصلوات في المساجد، كُنَّ يخرجْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بمُروطِهِنَّ، ويصلِّينَ خلف الرجال، لا تخالط صفوفُهن صفوفَ الرجال (١). رابعًا: إن الطواف بوضعه الحالي ورغم مخالفته للشرع إلا أنه لا يقارن بما يدعو إليه دعاة الاختلاط في العمل والتعليم، فهناك فرق كبير بين اختلاط عابر للحظات، وفي أماكن مفتوحة، وأمام الناس ولا يعرف فيه الرجال النساء، ولا يتجرؤون على الحديث معهن، وبين اختلاط دائم بين نفس الأشخاص لساعات طوال يوميًّا (٢) وفي أماكن مغلقة حيث يجالس فيها الرجل زميلته ويقابلها أكثر من مقابلته لزوجته، بالإضافة إلى احتمال حدوث الخلوة والاستغلال الجنسي من أجل العلاوات والترقيات والبقاء في الوظيفة! إن تشبيه هذا الاختلاط بالاختلاط في الحج أو الأسواق لعجيب حقًّا ولا يبرره إلا فقدان قائله للقدرة على التمييز أو أنه أراد تضليل الناس بأي طريقة فلم يجد سوى هذا القول الواهي! إن الاختلاط الذي نهى الله عنه ليس هو أن يوجد رجال ونساء في بلد واحد أو في موضع واحد فإن هذا أمر لايقول به عالم ولا عاقل. فالحج يجتمع فيه الرجال والنساء، والطرقات يسلكها رجال ونساء، وإنما المنهي عنه اختلاط مخصوص تقع به الفتنة أو يخشى من وقوعها وهو الذي يسعى إليه دعاة الاختلاط، والذي لاقى المسلمون من آثاره أعظم الويلات في أزمنتهم الأخيرة.

стр. 400

الشبهة الثامنة عشرة: مشاركة الصحابيات للمسلمين في الجهاد: قالوا: لا مانع من مشاركة المرأة الرجل أو الرجال في أعمالهم الوظيفية، وفي مجالس العلم والذكر ما دامت متحجبة، ويحتجون لذلك بمشاركة الصحابيات للمسلمين في الجهاد». الجواب: أولًا: قد صح ما يُستَدَلُّ به على أن مشاركة المرأة في الجهاد منسوخة: فعن سَعِيدُ بن عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ، أَنَّ أُمَّ كَبْشَةَ ـ امْرَأَةً مِنْ عُذْرَةَ قُضَاعَةَ ـ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا»، قَالَ: «لَا». قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ أُرِيدُ أَنْ أُقَاتِلَ، إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ الْجَرْحَى، وَالْمَرْضَى، أَوْ أَسْقِي الْمَرْضَى». قَالَ: «لَوْلا أَنْ تَكُونَ سُنَّةً، وَأَنْ يُقَالَ: فُلانَةُ خَرَجَتْ، لأَذِنْتُ لَكِ، وَلَكِنِ اجْلِسِي» (١). وممن قال بالنسخ الحافظ ابن حجر حيث قال في ترجمة أم كبشة القضاعية من (الإصابة) عقب ذكره لهذا الحديث: «وأخرجه ابن سعدٍ عن ابن أبي شيبة وفي آخره: «اجْلِسِي، لَا يَتَحَدَّث النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَغْزُو بِامْرَأَةٍ». ويمكن الجمع بين هذا وبين ما تقدم في ترجمة أم سنان الأسلمي أن هذا ناسخ لذاك لأن ذلك كان بخيبر، وقد وقع قبله بأحد كما في الصحيح من حديث البراء بن عازب، وكان هذا بعد الفتح» (٢).

стр. 401

ثانيًا: من لم يقل بالنسخ حمل هذه الأحاديث على حالة الضرورة. قال الشيخ الألباني بعد نقله لكلام الحافظ ابن حجر السابق: «ولكن لا ضرورة ـ عندي ـ لادعاء نسخ هذه الأحاديث ونحوها، وإنما تُحْمَل على الضرورة أو الحاجة لقلة الرجال، وانشغالهم بمباشرة القتال، وأما تدريبهن على أساليب القتال وإنزالهن إلى المعركة يقاتلن مع الرجال كما تفعل بعض الدول الإسلامية اليوم، فهو بدعة عصرية، وقرمطة شيوعية، ومخالفة صريحة لما كان عليه سلفنا الصالح، وتكليف للنساء بما لم يُخْلَقْنَ له، وتعريضٌ لهن لما لا يليق بهن إذا ما وقعن في الأسر بيد العدو. والله المستعان» (١). ثالثًا: ذِكْرُ حديثين من الأحاديث التي دلت على خروج النساء في الغزو وشرح العلماء لهما باختصار: ١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ ﵌»، قَالَ: «وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ» (رواه البخاري ومسلم). قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «قَوْله: (أَرَى خَدَم سُوقهَا)، الْوَاحِدَة خِدْمَة، وَهِيَ الْخَلْخَال، وَأَمَّا السُّوق: فَجَمْع سَاق، وَهَذِهِ الرِّوَايَة لِلْخَدَمِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَهْي؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ يَوْم أُحُد قَبْل أَمْر النِّسَاء بِالْحِجَابِ، وَتَحْرِيم النَّظَر إِلَيْهِنَّ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر هُنَا أَنَّهُ تَعَمَّدَ النَّظَر إِلَى نَفْس السَّاق، فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ النَّظْرَة

стр. 402

فَجْأَة بِغَيْرِ قَصْد وَلَمْ يَسْتَدِمْهَا. قَوْله: (عَلَى مُتُونهمَا) أَيْ: عَلَى ظُهُورهمَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِخْتِلَاط النِّسَاء فِي الْغَزْو بِرِجَالِهِنَّ فِي حَال الْقِتَال لِسَقْيِ الْمَاء وَنَحْوه» (١). وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري: «وَهَذِهِ كَانَتْ قَبْلَ الحِجَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلنَّظَرِ» (٢). ٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى» (رواه مسلم). قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «فِيهِ خُرُوج النِّسَاء فِي الْغَزْوَة وَالِانْتِفَاع بِهِنَّ فِي السَّقْي وَالْمُدَاوَاة وَنَحْوهمَا، وَهَذِهِ الْمُدَاوَاة لِمَحَارِمِهِنَّ وَأَزْوَاجهنَّ، وَمَا كَانَ مِنْهَا لِغَيْرِهِمْ لَا يَكُون فِيهِ مَسّ بَشَرَة إِلَّا فِي مَوْضِع الْحَاجَة» (٣). قال الإمام القرطبي: «(يَسْقِينَ الْمَاءَ) أي: تحملنه على ظهورهن فيضعنه بقرب الرجال، فيتناوله الرجال بأيديهم فيشربوه. (وَيُدَاوِينَ) أي يهيئن الأدوبة للجراح ويصلحنها، ولا يلمسن من الرجال ما لا يحل. ثم أولئك النساء إمَّا متجالاّت، فيجوز لهن كشف وجوههن، وإمَّا شوابُّ، فيحتجبن» (٤). والمتَجَالّة هي المرأة التي قد تَجالَّتْ، أَي أَسَنَّت وكَبِرَتْ وعجزت (٥). رابعًا: إن خروج النساء في الصدر الأول للغزو تطوعًا بل واستشهاد بعضهن حق

стр. 403

لا مرية فيه، غير أن الشارع لم يوجب عليهن الجهاد، وخروج النساء في العصر الأول للجهاد كان منضبطًا بضوابط الشريعة، والتي منها: ١ - مراعاة المنع من الاختلاط، وأسباب الفتنة، فمن أجازوا خروج النساء للغزو اختلفوا في خروج الشابة إلى أرض العدو بينما رخصوا للعجوز، وقالوا بالكراهة لخروجها في سرية لا يؤمن عليها، وعلق بعضهم الإباحة بكون العسكر كثيرًا تؤمن عليه الغلبة، وهذا هو الأقرب، فإن غلب على الظن الهزيمة فلا يجوز تعريض نساء المسلمين للسبي، قال الإمام ابن عبد البر: «وخروجهن مع الرجال في الغزوات وغير الغزوات مباح إذا كان العسكر كبيرا يؤمن عليه الغلبة» (١). ٢ - ومن الضوابط الشرعية لجواز خروج النساء للجهاد: وجود المَحْرَم لقول رسول الله ﵌: «لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِى مَحْرَمٍ» (رواه البخاري ومسلم)، ولعدم وجود ما يخصص موطن الجهاد. وهذا هو الذي ورد عن الصحابة فقد كانوا يخرجون للجهاد وربما صحبوا بعض المحارم من نحو زوجة وأم، ولا يُظن أن منصفًا لبيبًا يتصور خروج نساء ذلك الجيل للجهاد وبقاء أزواجهنّ أو أبنائهن أو أخوالهن أو أعمامهن أو سائر محارمهن في قعر البيوتات! ومن ظن ذلك فقد أساء الظنّ بمن أثنى الله عليهم وأوجب حسن الظن بهم. ٣ - ومن ضوابط الشرع التي يقتضي حسن الظن بهن التزامهن بها؛ الحجاب والتستر، فالأمر به عام ولم يأت ما يخرج محل الجهاد عن ذلك العموم، والأصل التزامهن بأمر الشارع.

стр. 404

ثم كيف يظن بمن خرجت لنفل إهمالها لواجبٍ يتنزل الأمر به، ومُبَلّغُه قائم تراه بأم عينها. ٤ - ومن تأمل خروج النساء في الجهاد وجده لحاجة الخدمة والرجوع بالموتى، أو لضرورة مداواة المرضى والجرحى، أما إذا لم تكن ثمة ضرورة فلا تباشر علاج أجنبي. هذا هو الأصل في خروجهن للجهاد، وتلك هي وظيفتهن يدل على ذلك حديث الرُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ﵂ قَالَتْ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ نَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ وَنَرُدُّ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى الْمَدِينَةِ» (رواه البخاري). قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري: «وَفِيهِ جَوَازُ مُعَالَجَة الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة الرَّجُل الْأَجْنَبِيّ لِلضَّرُورَةِ قَالَ اِبْن بَطَّال: وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِذَوَات الْمَحَارِمِ ثُمَّ بِالْمُتَجَالَّاتِ مِنْهُنَّ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْجُرْحِ لَا يُلْتَذُّ بِلَمْسِهِ بَلْ يَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجِلْدُ، فَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَة لِغَيْرِ الْمُتَجَالَّاتِ فَلْيَكُنْ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَلَا مَسٍّ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اِتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَاتَتْ وَلَمْ تُوجَدْ اِمْرَأَة تُغَسِّلُهَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُبَاشِرُ غُسْلَهَا بِالْمَسِّ بَلْ يُغَسِّلُهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ ـ كَالزُّهْرِيِّ ـ، وَفِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ تُيَمَّمُ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: «تُدْفَنُ كَمَا هِيَ». قَالَ اِبْن الْمُنير: «الْفَرْقُ بَيْنَ حَال الْمُدَاوَاة وَتَغْسِيل الْمَيِّتِ أَنَّ الْغُسْلَ عِبَادَةٌ وَالْمُدَاَوةُ ضَرُورَة وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ» (١). قال الإمام الشوكاني ﵀: «وَهَكَذَا يَكُونُ حَالُ الْمَرْأَةِ فِي رَدِّ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى فَلَا تُبَاشِرُ بِالْمَسِّ مَعَ إمْكَانِ مَا هُوَ دُونَهُ» (٢).

стр. 405

يقول الشيخ ابن باز ﵀: «خروجهن كان مع محارمهن لمصالح كثيرة لا يترتب عليه ما يخشى عليهن من الفساد لإيمانهن وتقواهن، وإشراف محارمهن عليهن وعنايتهم بالحجاب بعد نزول آيته، بخلاف حال الكثير من نساء العصر، ومعلوم أن خروج المرأة من بيتها إلى العمل يختلف تمامًا عن الحالة التي خرجن بها مع الرسول ﵌ في الغزو فقياس هذه على تلك يعتبر قياسا مع الفارق. وأيضا فما الذي فهمه السلف الصالح حول هذا؟ وهم لا شك أدرى بمعاني النصوص من غيرهم وأقرب إلى التطبيق العملي لكتاب الله وسنة رسوله ﵌ فما هو الذي نُقِل عنهم على مدار الزمن؟ هل وسعوا الدائرة كما ينادي دعاة الاختلاط؛ فنقلوا ما ورد في ذلك إلى أن تعمل المرأة في كل ميدان من ميادين الحياة مع الرجال تزاحمهم ويزاحمونها وتختلط معهم ويختلطون معها، أم أنهم فهموا أن تلك قضايا معينة لا تتعداها إلى غيرها؟ وإذا استعرضنا الفتوحات الإسلامية والغزوات على مدار التاريخ لم نجد هذه الظاهرة، أما ما يُدَّعَى في هذا العصر من إدخالها كجندي يحمل السلاح ويقاتل كالرجل فهو لا يتعدى أن يكون وسيلة لإفساد وتذويب أخلاق الجيوش باسم الترفيه عن الجنود؛ لأن طبيعة الرجل إذا التقت مع طبيعة المرأة كان منهما عند الخلوة ما يكون بين كل رجل وامرأة من الميل والأنس والاستراحة إلى الحديث والكلام وبعض الشيء يجر إلى بعض وإغلاق باب الفتنة أحكم وأحزم وأبعد من الندامة في المستقبل» (١). فانظر إلى فهمِ العلماء وقيودِهم، وهل نحنُ إلى هذه الدرجةِ من السذاجةِ حتى

стр. 406

نستدلَّ بِمُداواةِ الجرحى للضرورة، على جواز الاختلاط في الاجتماعات والندوات، والسكرتارية، وفي كل ميادين التطبيب والتمريض بلا ضرورة أو حاجة ملحة. حكم شهود النساء القتال والتحامهن بالرجال: ليس للمرأة أن تشهد القتال وتلتحم بالرجال وقد تقرر أن الضرورة تبيح المحظور، فإن اضطرت النساء لمباشرة القتال إذا انهزم المسلمون أو عَمَّ النفير واختلطت الأمور، فلا حرج في مشاركتهن ودفاعهن عن أنفسهن. كما أن لهن أن يجاهِدْنَ بغير إذن إذا دهم المسلمين عدو في قعر الدور، ففي مثل هذه الأحوال ليس لهن إلاّ أن يدافعن عن دينهن وأعراضهن وأنفسهن. والخلاصة أنه ليس في جهاد النساء المأثور إباحة امتزاج الرجال بالنساء أو اجتماعهم متداخلين في ميدان واحد، بل لا يُتصور وجود النساء أو غيرهن من أجل المداواة والإسعاف وسط ميدان المعركة الذي يختلط فيه الحابل بالنابل وتتطاير فيه الرؤوس، وقد عُلم أنَّ لِمَنْ يشتغل بالإسعاف والمداوة أماكن خاصة منعزلة يخلى إليها الجرحى أو المرضى. ومعلوم أن ما أباحتة الضرورة يقدر بقدره ومن ذلك مباشرة المرأة علاج الجريح المثخن والمريض المقعد وفقًا لشرطه، ومنه أيضًا التحامها بالرجال للذَّوْد عن عرضها وحماية نفسها. هذا مع أن الحال في موطن الجهاد بعيدة عن الظِنَّةِ، فأنى لمن طُنَّت قدمه أو فُتَّ عضده أن يلتفت يمنة أو يسرة، وهل يُظن بمَنْ تُعايِن أمثال هؤلاء، ومن يشارفون على الهَلَكَة كل حين، بل لاتدري إلى أيِّ شيء يصير أمرها إذا انجلى غبار المعركة، هل يُظن أنّ هذه كغيرها؟ فكيف إذا كُنَّ نساء الصحابة ورجالاتها؟ فكيف يقال بجواز الاختلاط بعد ذلك في مواطن الرِيَبِ وأسباب الفتن. بل كيف يقال بجواز مشاركتهن

стр. 407

في الجيش أو الشرطة مع معطيات واقع الناس اليوم. أيحق لمنصف قرأ الشريعة، وعلم مقاصدها، ونظر في دَأَبِها على حماية النساء بسياج يحول دونهن ودن الخلطة والابتذال، أيحق له أن يستدل بما وقع عرضًا أو اضطرارًا على جواز الاختلاط في المنتديات والقاعات، ولنُسلِّم ـ جدلًا ـ بأن الاختلاط حق مكفول في الحج والجهاد وبعض التشريعات فهل يقبل في موازين العقول قياس أماكن اللهو والفساد على مواطن الإيمان والجهاد؟ أيستوي مكتب ضيق أو محل لا تؤمن فيه ريبة، مع موطن يزداد فيه الإيمان، ويتنزل فيه الرضا على العباد من الرحمن؟ إنه قياس مع الفارق، ومثله قياس خروج بعض النساء مع ضوابط الأمس في الغزو، بدخول بعضهن الشرطة أو الجيش في واقع الناس اليوم (١). قال الأستاذ الدكتور عبد العظيم المطعني الأستاذ في جامعة الأزهر سابقًا ﵀: «أما عن مشاركة النساء في شئون القتال في صدر الإسلام المبكر جدًا فقد كانت نادرة، كما حدث من نسيبة الأنصارية في غزوة أحد في دفاعها عن الرسول ﵌ حين انفض المقاتلون عنه كما هو معروف (٢)، وبعض مشاركات أخرى للنساء والفتيات كانت لا تَعْدُو ضمد الجراح وسحب المصابين من موقع القتال، وسُقيا الجنود بالماء، وكانت هذه المشاركات قبل نزول آيات الحجاب في العام الخامس الهجري، ولم يتعدَّ دور المرأة هذه الأعمال الجانبية الخفيفة» (٣).

стр. 408

تنبيه: التعليق على ما ورد من أن أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا فَكَانَ مَعَهَا فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ». فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟».قَالَتْ: «اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ» (١). فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَضْحَكُ. (رواه مسلم). الجواب: ليس في الحديث أنها كانت مختلطة بالرجال في قتال أو غيره، ولهذا لم يستنبط شراح الحديث منه جواز الاختلاط، بل استدلوا به على قتال المسلمة دفاعًا عن نفسها. تنبيه: رُوِيَتْ آثار عن بعض النساء وأخبار بعضها ليس فيها حجة وكثير منها لايثبت، وهو في كتب المغازي والسير كثير ومن ذلك: عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ بِمُرُوطٍ فَكَانَ فِيهَا مِرْطٌ وَاسِعٌ جَيّدٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنّ هَذَا الْمِرْطَ لَثَمَنُ كَذَا وَكَذَا، فَلَوْ أَرْسَلْت بِهِ إلَى زَوْجَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ صَفِيّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ـ وَذَلِك حِدْثَانَ مَا دَخَلَتْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ـ، فَقَالَ أَبْعَثُ بِهِ إلَى مَنْ هُوَ أَحَقّ مِنْهَا، أُمّ عُمَارَةَ ـ نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْب ٍـ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَوْمَ أُحُدٍ يَقُولُ: «مَا الْتَفَتّ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إلّا وَأَنَا أَرَاهَا تُقَاتِلُ دُونِي». وهذا الحديث لا يصح فقد رواه محمد بن عمر الواقدي الكذاب في المغازي (١/ ٢٦٩)، ومن طريقه ابن سعد في (الطبقات الكبرى ٨/ ٤١٥)، والواقدي كذاب. وإن صح فلا حجة فيه؛ فقد كانت غزوة أحد قبل نزول آيات الحجاب. وغاية ما فيه جواز أن تقاتل المسلمة عند الضرورة.

стр. 409

الشبهة التاسعة عشرة: نساء النبي ﵌ هل كُنَّ يجالسن الصحابة بوجود الرسول ﵌: قالوا: قد وردت كثير من الأحاديث برواية عائشة وغيرها من زوجات النبي ﵌، وبعضها دارت أحداثها في بيت النبوة وبوجود الرسول ﵌ فهل يعني ذلك أن السيدة عائشة ﵂ كانت تجالس الصحابة بوجود الرسول ﵌؟ الجواب: لا يخفى أن زوجات النبي ﵌ كنَّ يتحدثن إلى الرجال الأجانب في بيت النبي ﵌ بلا فاصل، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:٥٣)، احتجبن فلم يحدثن أحدًا من غير محارمهن إلا من وراء حجاب (١). ويدل على ذلك ما رواه البخارى ومسلم عن أَبِى مُوسَى الأشعري ﵁ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِىِّ ﵌ وَهْوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَأَتَى النَّبِىَّ ﵌ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ: «أَلاَ تُنْجِزُ لِى مَا وَعَدْتَنِى». فَقَالَ لَهُ «أَبْشِرْ». فَقَالَ: «قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَىَّ مِنْ أَبْشِرْ». فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِى مُوسَى وَبِلاَلٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ: «رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلاَ أَنْتُمَا». قَالاَ: «قَبِلْنَا». ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ «اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا». فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلاَ، فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلاَ لأُمِّكُمَا؛ فَأَفْضَلاَ لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً، فالشاهد أن أم سلمة ﵂ كانت تُكلِّم الناس من وراء حجاب.

стр. 410

الشبهة العشرون: مَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي (١): ماجاء عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵌ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ ... قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا (٢)، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي». (رواه البخاري ومسلم). استدل دعاة الاختلاط بهذا القول على جواز الاختلاط، وجواز دخول الرجل على المرأة إذا كان زوجها معها. الجواب: ١ - أن دخوله مع النبي ﵌ كان قبل فرض الحجاب كما قالت عائشة ﵂ في نفس الحديث: «فَعَرَفَنِى حِينَ رَآنِى وَقَدْ كَانَ يَرَانِى قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَىَّ» (رواه مسلم). ٢ - هذا من الجهل العريض وعدم المعرفة بلسان العرب وبحال الحجرات النبوية، فالحجرات غرف معها باحات صغيرة مكشوفة للضيفان، والداخل إلى الباحة موصوف بالدخول، وتسمى حجرة تبعًا، وهذا بإجماع العارفين بالسنة والتاريخ والسير (٣)، فعَنْ هِشَام ِبْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا». (رواه البخاري). قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري: «وَالْمُرَادُ

стр. 411

بِالْحُجْرَةِ الْبَيْتُ، وَالْمُرَادُ بِالشَّمْسِ ضَوْؤُهَا» (١). فالغرفة مسقوفة وتكون فيها المرأة عند دخول الرجال، ولا تَصِلُهَا الشمس، أما الباحة فهي مكشوفة السقف، وهي التي تدخلها الشمس. ٢ - قال الحافظ ابن حجر في معنى الدخول: «لَا يَلْزَم مِنْ الدُّخُول رَفْع الْحِجَاب فَقَدْ يَدْخُلَ مِنْ الْبَاب وَتُخَاطِبهُ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب» (٢).

стр. 412

الشبهة الحادية والعشرون: حديث الفارسي: استدلّ بعض دعاة الاختلاط بين الرجال والنساء بحديث أَنَسٍ ﵁ أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ اللهِ ﵌ فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ: «وَهَذِهِ» ـ لِعَائِشَةَ ـ فَقَالَ: «لَا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا»، فَعَادَ يَدْعُوهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «وَهَذِهِ»، قَالَ: «لَا»، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا» ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «وَهَذِهِ»، قَالَ: «نَعَمْ» فِي الثَّالِثَةِ، فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ. (رواه مسلم). قالوا: ففي هذا الحديث تسويغٌ للمسلم أن يصحب زوجته إلى المآدب يقيمها جار أو صديق. الجواب: ١ - هذا الحديث لا يدل على أكثر من شيء واحد وهو أن رسول الله ﵌ اصطحب عائشة ﵂ معه إلى بيت الرجل الفارسي. وهو كما دلت أحاديث كثيرة أخرى على اصطحاب الصحابة نساءهم إلى المساجد، وكما دلت أحاديث أخرى على زيارة كثير من الصحابة لأمهات المؤمنين عامة وعائشة ﵂ خاصة، من أجل رواية الحديث أو أخذ الفتاوى أو السؤال عن بعض أحوال النبي ﵌. فأي تعارض بين هذه الدلالة التي لا إشكال فيها ولا نزاع وبين الحكم الإلهي القاضي باحتجاب المرأة عن الرجال والأمر لهم إذا جاؤوا يسألونهن حاجة أن يسألوهن من وراء حجاب؟! ٢ - أما أن يرفض رسول الله ﵌ الاستجابة لدعوة الفارسي إلا أن تصحبه عائشة ﵂ فشيء ثابت لا إشكال فيه ولا منقصة، بل إن فيه الصورة البارزة الحية لجميل

стр. 413

خلقه ﵌ مع أهله وعظيم رحمته وعاطفته تجاهها، فقد كانت تمر الأيام الطويلة ولا يوقد في بيت رسول الله ﵌ نار لطعام، وإنما طعامه وطعام أهله الأسودان: التمر والماء، أفيترك رسول الله ﵌ أهله ـ وهي إنما ترضى بالشظف أسوة به ـ ليجلس من ورائها إلى مائدة شهية عامرة عند جاره الفارسي؟! ما كان خلق رسول الله ﵌ ليرضى بذلك. وأما أن يكون في ذلك ما يدل على أن عائشة ﵂ ذهبت مع رسول الله ﵌ متبرجة وجلست أمام الفارسي سافرة واختلطت العائلات على نحو ما يتم اليوم فهو شيء لا دلالة عليه، وحمل الحديث على هذا المعنى كحمل الشرق على أن يولد من داخله الغرب.

стр. 414

الشبهة الثانية والعشرون: سلمان مع أبي الدرداء، وإقرار النبي ﵌ -: قالوا: هذا سلمان يرى زوجة أبي الدرداء مُتَبَذِّلَةً بثوب المهنة وتحدث معها بلا حجاب في غياب زوجها. عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﵌ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ: «لَهَا مَا شَأْنُكِ؟». قَالَتْ: «أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا». فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ: «كُلْ»، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ»، قَالَ: «مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ»، قَالَ: فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ: «نَمْ»، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: «نَمْ»، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: «قُمْ الْآنَ»، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»، فَأَتَى النَّبِيَّ ﵌ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «صَدَقَ سَلْمَانُ» (رواه البخاري) (١). الجواب: هذا قبل نزول آية الحجاب (٢).

стр. 415

قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري: «ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْن الصَّحَابَة وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى قَبْلَ الْهِجْرَة بَيْن الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى الْمُوَاسَاة وَالْمُنَاصَرَة، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أُخُوَّةُ زَيْد بْن حَارِثَةَ وَحَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب. ثُمَّ آخَى النَّبِيُّ ﵌ بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار بَعْد أَنْ هَاجَرَ وَذَلِكَ بَعْد قُدُومه الْمَدِينَة، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّل كِتَاب الْبَيْع (١) حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف «لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَة آخَى النَّبِيّ ﵌ بَيْنِي وَبَيْن سَعْد بْن الرَّبِيع» (٢). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «آخى بين سلمان وأبي الدرداء ﵄: أي عقد بينهما عقد أخوة، وذلك أن المهاجرين حين قدموا المدينة آخى النبي ﵌ بينهم وبين الأنصار، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، فكان المهاجرون في هذا العقد للأنصار بمنزلة الأخوة، حتى إنهم كانوا يتوارثون بهذا العقد، حتى أنزل الله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (الأنفال:٧٥) (٣). مما سبق يتضح أن ما حدث بين سلمان وأم الدرداء ﵄ كان حين قدوم المهاجرين المدينة، وقبل نزول آية الحجاب؛ فنسخت آية الحجاب وأحاديث النبي ﵌ المحكمة مثل هذا الاختلاط، كما نُسخ التوارث بين من آخي بينهم النبي ﵌ بآيات المواريث. فالعجب كل العجب ممن يترك المحكم ويتمسك بالمتشابه.

стр. 416

الشبهة الثالثة والعشرون: فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ: قالوا: يجوز أن تأكل المرأة مع زوجها والضيف، واستدلوا بما رواه البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ ﵌ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: «مَا مَعَنَا إِلاَّ الْمَاءُ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ «مَنْ يَضُمُّ، أَوْ يُضِيفُ هَذَا». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: «أَنَا»، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: «أَكْرِمِى ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ ﵌». فَقَالَتْ: «مَا عِنْدَنَا إِلاَّ قُوتُ صِبْيَانِى». فَقَالَ: «هَيِّئِى طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِى سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِى صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً». فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، فَقَالَ «ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ ـ أَوْ عَجِبَ ـ مِنْ فَعَالِكُمَا»؛ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (الحشر: ٩) (١). الجواب: كان هذا قبل نزول آيات الحجاب، قال الشيخ ابن عثيمين:

стр. 417

«الحديث ليس فيه اختلاط، وإنما الرجل مع زوجته في جانب بيته، والضيف في مكان الضيافة، على أن مسألة الحجاب كما هو معلوم لم تكن من المسائل المتقدمة بالنسبة للتشريع، فالحجاب إنما شُرِعَ بعد هجرة النبي ﵌ بنحو خمس سنين أو ست سنين، وما ورد من الأحاديث مما ظاهره عدم الحجاب، فإنه يحمل على أن ذلك كان قبل نزول آيات الحجاب» (١). وبيان ذلك أن هذه القصة كانت سببًا في نزول قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩)، وهي آية من سورة الحشر وقد نزلت سورة الحشر كلها في إثر إجلاء بني النضير، ولذلك كان يسميها عبد الله بن عباس سورة بني النضير، كما أخرج ذلك البخاري في صحيحه عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: «سُورَةُ التَّوْبَةِ؟»، قَالَ: «التَّوْبَةُ هِىَ الْفَاضِحَةُ، مَا زَالَتْ تَنْزِلُ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَمْ تُبْقِ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلاَّ ذُكِرَ فِيهَا». قُلْتُ: «سُورَةُ الأَنْفَالِ؟». قَالَ: «نَزَلَتْ فِى بَدْرٍ». قُلْتُ: «سُورَةُ الْحَشْرِ؟». قَالَ: «نَزَلَتْ فِى بَنِى النَّضِيرِ». وقد أجلى النبي ﵌ بني النضير على أكثر الأقوال في سنة أربع، وباتفاق أهل العلم أن الأحزاب كانت بعد إجلاء بني النضير؛ فهذا يعني أن الآية الكريمة نزلت قبل الحجاب بالإجماع، وأن القصة التي نزلت الآية بشأنها، وجاءت متقدمة على نزول الآية كانت قبل سورة الأحزاب المتضمنة لآيات الحجاب؛ فيكون أمر هذه القصة كله قبل نزول أحكام الحجاب (٢).

стр. 418

الشبهة الرابعة والعشرون: كَانَتْ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ: قالوا: لا مانع من دخول المرأة على ضيوف زوجها، مع وجوده، وتقديم الشاي وغيره للضيوف، والجلوس معهم، ويحتجون لذلك بحديث رواه البخاري ومسلم عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا عَرَّسَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ دَعَا النَّبِيَّ ﵌ وَأَصْحَابَهُ فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَلَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ إِلَّا امْرَأَتُهُ ـ أُمُّ أُسَيْدٍ ـ بَلَّتْ تَمَرَاتٍ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﵌ مِنْ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ لَهُ فَسَقَتْهُ تُتْحِفُهُ بِذَلِكَ». (هذا لفظ البخاري). ولفظ مسلم: «دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللهِ ﵌ فِي عُرْسِهِ فَكَانَتْ امْرَأَتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ»، قَالَ سَهْلٌ: «تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللهِ ﵌؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنْ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ فَسَقَتْهُ تَخُصُّهُ بِذَلِكَ» (١). الجواب: ١ - كان ذلك قبل نزول الحجاب؛ قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من (صحيح مسلم): «هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْل الْحِجَاب، وَيَبْعُد حَمْله عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَسْتُورَة الْبَشَرَة» (٢). وقال بدر الدين العيني في (عمدة القاري) في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري: «كان ذلك قبل نزول الحجاب» (٣).

стр. 419

٢ - على فرض أنه كان بعد الحجاب فيحمل ما جاء في حديث سهل في إعداد امرأة أبي أسيد الطعام والشراب لضيوفه، وتقديمه لهم على أنها كانت متسترة، وأن الفتنة مأمونة، ولم تحصل خلوة ولا اختلاط، إنما كان منها مجرد إعداد وتهيئة شراب، وتقديمه لضيوف زوجها دون جلوسها معهم، إذ ليس في الحديث ما يدل على جلوسها معهم (١). ٣ - بيَّن الحديث وجود محرم للمرأة ـ وهو أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ـ ولذلك اشترط الفقهاء لضيافة المرأة للرجال وجود المحرم، واشترطوا أيضًا أمْن الفتنة فإذا لم تؤمن الفتنة حرم ذلك. قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من (صحيح البخاري): «وَفِي الْحَدِيث جَوَاز خِدْمَة الْمَرْأَة زَوْجهَا وَمَنْ يَدْعُوهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ عِنْد أَمْن الْفِتْنَة وَمُرَاعَاة مَا يَجِب عَلَيْهَا مِنْ السِّتْر» (٢). فهل الاختلاط في العمل والتعليم وغير ذلك يكون بوجود المحرم؟! وهل الفتنة مأمونة حتى يقاس هذا على ذاك. قال الشيخ الألباني بعد أن نقل كلام الحافظ ابن حجر: «ولكن يجب أن لا ننسى الشروط التي ذكرناها في صدر البحث التي مِن التمسكِ بها جَعْلُ هذه الإباحة نظرية غير عملية في كثير من المدن اليوم لخروج أكثر نسائها عن آداب الشريعة في ألبستهن وحشمتهن» (٣). ٤ - يجب ملاحظة أن ما حصل هو لقاء عارض ومحدود، فأين هذا من الساعات الطوال

стр. 420

التي تقضيها المرأة مع زميلها في العمل، أو الطالب مع زميلته في قاعة الدراسة (١). ٥ - لم يرِدْ في هذا الحديث أن زوجة أبي أسيد برزت أمام الرجال سافرة بادية الجسم والزينة، وهذا ما لا يمكن أن يعثر عليه، وما لا دليل عليه في الحديث. وإن قول القائل: «قامت العروس بنفسها تقدم الشراب إلى رسول الله، إذًا فللمرأة أن تعرض زينتها ومفاتنها أمام الرجال» ليس إلا كقول الآخر: «لقد شرع الله التجارة بالمال والسعي في الأرض من أجل الرزق، إذًا فلا بأس أن يخدع ويغش» (٢).

стр. 421

الشبهة الخامسة والعشرون: أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: قال دعاة الاختلاط: لا مانع من استقبال الزوجة ضيوف زوجها من الرجال، حتى في عدم وجوده، ويحتجون لذلك بما رواه مسلم عن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ فَرَآهُمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌، وَقَالَ: «لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ»، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ (١) إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ». الجواب: «هذا الحديث محمول على ما إذا وُجِدَتْ الدواعي إلى الدخول عليها عند غيبة زوجها ومحارمها، وأُمِنَتْ الفتنة، وبَعُدَ التواطؤ منهم على الفاحشة، لا على الإطلاق، وليس هذا من التأويل بالرأي، بل هو مبني على المقصد الشرعي المفهوم من مجموع النصوص الواردة في حفظ الفروج والأنساب، وتحريم انتهاك الأعراض، ومنع الوسائل المفضية إلى ذلك، ومنها الحديث المذكور في هذه الفقرة، حيث اشترط في جواز الدخول وجود ما يزيل الخلوة؛ إبعادًا للريبة، وتحقيقًا للأمن من الفتنة» (٢). قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من (صحيح مسلم): «إِنَّ ظَاهِر هَذَا

стр. 422

الْحَدِيث جَوَاز خَلْوَة الرَّجُلَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَالْمَشْهُور عِنْد أَصْحَابنَا (١) تَحْرِيمه، فَيَتَأَوَّل الْحَدِيث عَلَى جَمَاعَة يَبْعُد وُقُوع الْمُوَاطَأَة مِنْهُمْ عَلَى الْفَاحِشَة لِصَلَاحِهِمْ، أَوْ مُرُوءَتهمْ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ الْقَاضِي إِلَى نَحْو هَذَا التَّأْوِيل» (٢). قال الإمام القرطبيُّ: «كان هذا الدخول في غيبة أبي بكر ﵁ لكنه كان في الحضر لا في السفر، وكان على وجه ما يعرف من أهل الخير والصلاح، مع ما كانوا عليه قبل الإسلام مما تقتضيه مكارم الأخلاق من نفي التهمة والرّيب، غير أنَّ أبا بكر ﵁ أنكر ذلك بمقتضى الغَيْرة الجِبِلّيّة، والدّينية ... ولمّا ذكر ذلك للنبي ﵌ قال ما يعلمه من حال الداخلين والمدخول لها، وَقَالَ: «لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا»، يعني: على الفريقين، فإنه علم أعيان الجميع؛ لأنهم كانوا من مسلمي بني هاشم، ثمّ خصّ أسماء بالشهادة لها فقال: «إِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ» أي: مما وقع في نفس أبي بكر، فكان ذلك فضيلةً عظيمةً من أعظم فضائلها ... ومع ذلك فلم يكتف بذلك رسول الله ﵌ حتى جمع الناسَ، وصعد المنبر، فنهاهم عن ذلك، وعلمهم ما يجوز منه فقال: «لا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ عَلَى مُغِيبَةٍ إِلا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ»، سدًا لذريعة الخلوة، ودفعًا لما يؤدي إلى التهمة، وإنما اقتصر على ذكر الرجل والرجلين لصلاحية أولئك القوم؛ لأنَّ التهمة كانت ترتفع بذلك القدر، فأمّا اليوم فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد، وخبث المقاصد، ورحم الله مالكًا لقد بالغ في هذا الباب ... » (٣). وتأمل قول الإمامِ القرطبيِّ ـ أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم، الذي وُلد سنة

стр. 423

٥٧٨هـ ومات سنة ٦٥٦ هـ: «فأمّا اليوم فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد، وخبث المقاصد»، يقول هذا عن زمانه!، فماذا تُرانا نقول ونحن نعيش في القرن الخامس عشر!، والذي أصبح للعريّ فيه ثقافة!، وأصبحت أجساد النساء سلعًا لتجار الشهوات يتفنون في تسويقها عن طريق وسائل الأعلام المتنوعة التي يشاهدها ملايين البشر، رُحماكَ ربِّ» (١). قال الشيخ المُحدّث عبد الله السعد: «لعل السبب في دخولهم عليها ـ والعلم عند الله ـ أنها كانت زوجًا لجعفر بن أبي طالب حتى استشهد، فلعل هؤلاء النفر من بني هاشم أقارب لجعفر أرادوا صلة أولاد جعفر من أجل قرابتهم لجعفر، وعلاقة أسماء بنت عميس ببني هاشم وثيقة فقد كانت أخت ميمونة بنت الحارث ـ زوج النبي ﵌ لأمها، وأخت لبابة أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب لأمها أيضًا، وقد جاء في خبر مرسل أنَّ النبي ﵌ زوّج أبا بكر ﵁ أسماء بنت عميس يوم حنين، وقد تزوجها علي ﵁ بعد أبي بكر، وهذا كله يدل على علاقة أسماء بنت عميس ببني هاشم، ومع هذه العلاقة الوثيقة أنكر أبو بكر ﵁ دخولهم وأخبر الرسول ﵌ فخطب الناس» (٢). تنبيه: قال الحافظ ابن حجر في معنى الدخول: «لَا يَلْزَم مِنْ الدُّخُول رَفْع الْحِجَاب فَقَدْ يَدْخُلَ مِنْ الْبَاب وَتُخَاطِبهُ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب» (٣).

стр. 424

الشبهة السادسة والعشرون: أَيْنَ فُلَانٌ ؟: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟»، قَالَا: «الْجُوعُ، يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا؛ قُومُوا»، فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ. فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: «مَرْحَبًا وَأَهْلًا»، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَيْنَ فُلَانٌ؟»، قَالَتْ: «ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنْ الْمَاءِ»، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَصَاحِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي». قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ فَقَالَ كُلُوا مِنْ هَذِهِ وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ». فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» (رواه مسلم) (١).

стр. 425

قالوا: والشاهد فيه: دخول النبي ﵌ وصاحباه بيت الأنصاري ﵃، وفي غيابه واستقبال المرأة ﵂ لهم بالترحاب في غيبة زوجها، وفرح الأنصاري بذلك كله عند قدومه. الجواب: ١ - نفس جواب الشبهة السابقة؛ فقد وُجِدَتْ الدواعي إلى دخول النبي ﵌ وصاحبيه على تلك المرأة عند غيبة زوجها ومحارمها، وأُمِنَتْ الفتنة، فالرسول ﵌ معصوم، وهو أتقى الناس وأخشاهم لله ، وصاحباه الصديق والفاروق ﵄ أفضل الناس بعد الأنبياء. قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «وَفِيهِ جَوَاز سَمَاع كَلَام الْأَجْنَبِيَّة وَمُرَاجَعَتهَا الْكَلَام لِلْحَاجَةِ، وَجَوَاز إِذْن الْمَرْأَة فِي دُخُول مَنْزِل زَوْجهَا لِمَنْ عَلِمَتْ مُحَقَّقًا أَنَّهُ لَا يَكْرَههُ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو بِهَا الْخَلْوَة الْمُحَرَّمَة» (١). وقد سبق في جواب الشبهة السابقة اشتراطه أن يكون الداخلون «جَمَاعَة يَبْعُد وُقُوع
следующие страницы →