الشبهة الخامسة والعشرون:
أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ:
قال دعاة الاختلاط: لا مانع من استقبال الزوجة ضيوف زوجها من الرجال، حتى في عدم وجوده، ويحتجون لذلك بما رواه مسلم عن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ فَرَآهُمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌، وَقَالَ: «لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ»، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ (١) إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ».
الجواب:
«هذا الحديث محمول على ما إذا وُجِدَتْ الدواعي إلى الدخول عليها عند غيبة زوجها ومحارمها، وأُمِنَتْ الفتنة، وبَعُدَ التواطؤ منهم على الفاحشة، لا على الإطلاق، وليس هذا من التأويل بالرأي، بل هو مبني على المقصد الشرعي المفهوم من مجموع النصوص الواردة في حفظ الفروج والأنساب، وتحريم انتهاك الأعراض، ومنع الوسائل المفضية إلى ذلك، ومنها الحديث المذكور في هذه الفقرة، حيث اشترط في جواز الدخول وجود ما يزيل الخلوة؛ إبعادًا للريبة، وتحقيقًا للأمن من الفتنة» (٢).
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من (صحيح مسلم): «إِنَّ ظَاهِر هَذَا
стр. 422
الْحَدِيث جَوَاز خَلْوَة الرَّجُلَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَالْمَشْهُور عِنْد أَصْحَابنَا (١) تَحْرِيمه، فَيَتَأَوَّل الْحَدِيث عَلَى جَمَاعَة يَبْعُد وُقُوع الْمُوَاطَأَة مِنْهُمْ عَلَى الْفَاحِشَة لِصَلَاحِهِمْ، أَوْ مُرُوءَتهمْ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ الْقَاضِي إِلَى نَحْو هَذَا التَّأْوِيل» (٢).
قال الإمام القرطبيُّ: «كان هذا الدخول في غيبة أبي بكر ﵁ لكنه كان في الحضر لا في السفر، وكان على وجه ما يعرف من أهل الخير والصلاح، مع ما كانوا عليه قبل الإسلام مما تقتضيه مكارم الأخلاق من نفي التهمة والرّيب، غير أنَّ أبا بكر ﵁ أنكر ذلك بمقتضى الغَيْرة الجِبِلّيّة، والدّينية ...
ولمّا ذكر ذلك للنبي ﵌ قال ما يعلمه من حال الداخلين والمدخول لها، وَقَالَ: «لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا»، يعني: على الفريقين، فإنه علم أعيان الجميع؛ لأنهم كانوا من مسلمي بني هاشم، ثمّ خصّ أسماء بالشهادة لها فقال: «إِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ» أي: مما وقع في نفس أبي بكر، فكان ذلك فضيلةً عظيمةً من أعظم فضائلها ...
ومع ذلك فلم يكتف بذلك رسول الله ﵌ حتى جمع الناسَ، وصعد المنبر، فنهاهم عن ذلك، وعلمهم ما يجوز منه فقال: «لا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ عَلَى مُغِيبَةٍ إِلا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ»، سدًا لذريعة الخلوة، ودفعًا لما يؤدي إلى التهمة، وإنما اقتصر على ذكر الرجل والرجلين لصلاحية أولئك القوم؛ لأنَّ التهمة كانت ترتفع بذلك القدر، فأمّا اليوم فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد، وخبث المقاصد، ورحم الله مالكًا لقد بالغ في هذا الباب ... » (٣).
وتأمل قول الإمامِ القرطبيِّ ـ أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم، الذي وُلد سنة
стр. 423
٥٧٨هـ ومات سنة ٦٥٦ هـ: «فأمّا اليوم فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد، وخبث المقاصد»، يقول هذا عن زمانه!، فماذا تُرانا نقول ونحن نعيش في القرن الخامس عشر!، والذي أصبح للعريّ فيه ثقافة!، وأصبحت أجساد النساء سلعًا لتجار الشهوات يتفنون في تسويقها عن طريق وسائل الأعلام المتنوعة التي يشاهدها ملايين البشر، رُحماكَ ربِّ» (١).
قال الشيخ المُحدّث عبد الله السعد: «لعل السبب في دخولهم عليها ـ والعلم عند الله ـ أنها كانت زوجًا لجعفر بن أبي طالب حتى استشهد، فلعل هؤلاء النفر من بني هاشم أقارب لجعفر أرادوا صلة أولاد جعفر من أجل قرابتهم لجعفر، وعلاقة أسماء بنت عميس ببني هاشم وثيقة فقد كانت أخت ميمونة بنت الحارث ـ زوج النبي ﵌ لأمها، وأخت لبابة أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب لأمها أيضًا، وقد جاء في خبر مرسل أنَّ النبي ﵌ زوّج أبا بكر ﵁ أسماء بنت عميس يوم حنين، وقد تزوجها علي ﵁ بعد أبي بكر، وهذا كله يدل على علاقة أسماء بنت عميس ببني هاشم، ومع هذه العلاقة الوثيقة أنكر أبو بكر ﵁ دخولهم وأخبر الرسول ﵌ فخطب الناس» (٢).
تنبيه:
قال الحافظ ابن حجر في معنى الدخول: «لَا يَلْزَم مِنْ الدُّخُول رَفْع الْحِجَاب فَقَدْ يَدْخُلَ مِنْ الْبَاب وَتُخَاطِبهُ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب» (٣).
قالوا: والشاهد فيه: دخول النبي ﵌ وصاحباه بيت الأنصاري ﵃، وفي غيابه واستقبال المرأة ﵂ لهم بالترحاب في غيبة زوجها، وفرح الأنصاري بذلك كله عند قدومه.
الجواب:
١ - نفس جواب الشبهة السابقة؛ فقد وُجِدَتْ الدواعي إلى دخول النبي ﵌ وصاحبيه على تلك المرأة عند غيبة زوجها ومحارمها، وأُمِنَتْ الفتنة، فالرسول ﵌ معصوم، وهو أتقى الناس وأخشاهم لله ، وصاحباه الصديق والفاروق ﵄ أفضل الناس بعد الأنبياء.
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «وَفِيهِ جَوَاز سَمَاع كَلَام الْأَجْنَبِيَّة وَمُرَاجَعَتهَا الْكَلَام لِلْحَاجَةِ، وَجَوَاز إِذْن الْمَرْأَة فِي دُخُول مَنْزِل زَوْجهَا لِمَنْ عَلِمَتْ مُحَقَّقًا أَنَّهُ لَا يَكْرَههُ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو بِهَا الْخَلْوَة الْمُحَرَّمَة» (١).
وقد سبق في جواب الشبهة السابقة اشتراطه أن يكون الداخلون «جَمَاعَة يَبْعُد وُقُوع
стр. 426
الْمُوَاطَأَة مِنْهُمْ عَلَى الْفَاحِشَة لِصَلَاحِهِمْ، أَوْ مُرُوءَتهمْ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ».
٢ - لم أفهم من هذا الحديث أن النبي ﵌ وصاحباه دخلا على المرأة حيث إن زوجها قد جاء أثناء كلامها مع النبي ﵌، قال الملا على القاري: «(قَالَتْ: «ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ») أي يطلب العذب وهو الحلو (لَنَا مِنْ الْمَاءِ) فإن أكثر مياه المدينة كان مالحًا (إِذْ جَاءَ) أي هم في ذلك إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ» (١).
стр. 427
الشبهة السابعة والعشرون:
فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي:
حَدِيثُ خَالِد بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﵌ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ، يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: لا تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ (رواه البخاري).
الجواب:
ذكر العلامة بدر الدين العيني في شرحه لهذا الحديث أن من العلماء من يقول: «كان هذا وأمثاله في ابتداء الإسلام» (١).
وهذا الذي يقتضيه الجمع بين النصوص وعدم ضرب بعضها ببعض.
ومن العلماء من جعل ذلك من خصائص النبي ﵌؛ قَالَ الحافظ ابن حَجَر: «(قَوْله (كَمَجْلِسِك) ـ بِكَسْرِ اللام ـ أَيْ مَكَانك , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ وَرَاء حِجَاب , أَوْ كَانَ قَبْل نُزُول آيَة الْحِجَاب , أَوْ جَازَ النَّظَر لِلْحَاجَةِ أَوْ عِنْد الْأَمْن مِنْ الْفِتْنَة» اهـ.
وَالْأَخِير هُوَ الْمُعْتَمَد , وَالَّذِي وَضَحَ لَنَا بِالأَدِلَّةِ الْقَوِيَّة أَنَّ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ ﵌ جَوَاز الْخَلْوَة بِالأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَر إِلَيْهَا» (٢).
واعترض القاري في (المرقاة) على كلام الحافظ هذا فَقَالَ: «هذا غريبٌ فإنَّ
стр. 428
الحَدِيثَ لا دلالة فيه على كشف وجهها، ولا على الخلوة بها، بل ينافيها مقام الزفاف، وكذا قولها: فجعلت جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفّ» (١).
وَما قاله القاريء بينٌ واضحٌ، فأين التنصيص على الخلوة؟ وكذلك أين كشف الوجه؟.
وقولها (فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي) لا يلزم منه أنّه جلس على فراشها معها، وليس فيه بيان لمجلسها من حيث القرب والبعد، بل قولها لخالد (كَمَجْلِسِكَ مِنِّي) يُشعر بالبعد لأنَّ خَالِد بْن ذَكْوَانَ ليس محرمًا لها، فلا بدَّ أنْ يكون مجلسه منها بعيدًا، والله أعلم (٢).
стр. 429
الشبهة الثامنة والعشرون:
النَّبِيَّ ﵌ مَرَّ بِنِسَاءٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي عُرْسٍ لَهُنَّ:
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي المعجم الصغير والْأَوْسَط ـ بِإِسْنَادٍ حَسَّنه الحافظ ابن حجر ـ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنّ النَّبِيَّ ﵌ مَرَّ بِنِسَاءٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي عُرْسٍ لَهُنَّ، وَهُنَّ يُغَنِّينَ:
وَأَهْدَى لَهَا أَكْبُشًا ... تَبَحْبَحُ فِي الْمِرْبَدِ (١)
وَزَوْجُكِ فِي النَّادِي (٢) ... وَيَعْلَمُ مَا فِي غَد
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «لا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللهُ ».
الجواب:
ليس في هذا الحديث ما يدل على الاختلاط؛ لأنه ليست فيه دلالة صريحة على جلوس النبي ﵌ مع النساء فغاية ما فيه أن يكون النبي ﵌ قد سمع ذلك أثناء مروره، ويدل على ذلك قول عائشة ﵂ أَنّ النَّبِيَّ ﵌ مَرَّ بِنِسَاءٍ مِنَ الأَنْصَارِ.
ويؤيد هذا الاستدلال رواية البيهقي في (السنن الكبرى) ورواية الحاكم في (المستدرك على الصحيحين) عن عائشة ﵂ قالت: «سمع النبي ﵌ ناسًا يتغنون في عرس لهم: «وَأَهْدَى لَهَا أَكْبُشًا ... ».
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وقال الذهبي قي التلخيص: «على شرط مسلم».
قَالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
١ - لعل ذلك الوقت، الذي جاءت فيه المرأة لتهب نفسها للنبي ﵌ كان قبل فرض الحجاب مما جعل النبي ﵌ لم يأمرها بالتستر عن الحاضرين، وهذا ما يراه كثير من العلماء، منهم الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، في دروسه على بلوغ المرام، حيث قال: «كان هذا ـ والله أعلم ـ قبل الأمر بالحجاب، ويجب حمله على هذا» (١).
٢ - هذه المرأة جاءت إلى النبي ﵌ لتهب نفسها له، فلما لم يكن له بها حاجة زوَّجَها لأحد أصحابه، وحدث هذا في مكان عام، والفتنة مأمونة، فأين هذا من الاختلاط الذي يَدْعُون إليه؟
стр. 432
الشبهة الثلاثون:
استفتاء نساء الصحابة النبي ﵌ وفي مجلسه بعض الرجال:
قالوا: هناك بعض الأحاديث التي ذكر فيها أن نساء الصحابة كن يأتين لرسول الله ﵌ يسألْنَه عن بعض أمورهن ويكون موجودًا في مجلس الرسول بعض الرجال.
الجواب:
أولًا: طلب العلم واجب على كل مسلمة، كشأن الرجال فالكل محتاج إليه، ومع ذلك لم يكنَّ يُزاحمن الرجال لأجل تحصيله، ولكن طلبن أن يَجْعَل لهنّ النبي ﵌ مجلسًا خاصًا لايكون للرجال فيه نصيب، وقد بوب البخاري ﵀ في كتاب العلم من الصحيح: «بَاب هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِي الْعِلْمِ»، وذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: «قَالَتْ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﵌: «غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ؛ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ»، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّارِ»، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: «وَاثْنَتَيْنِ؟»، فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ».
وقد نص الفقهاء على المنع من اختلاط رجال بنساء في المسجد، لما يترتب عليه من مفاسد، ويشمل ذلك الاختلاط بغية طلب العلم.
ولو كان الاختلاط جائزًا لقال لهن احضرن مع الرجال مجالس العلم والذكر، فهو أولى من تبديد الطاقات والنبي ﵌ أحرص على حفظ الأوقات (١).
ثانيًا: ما ذُكِرَ من أن نساء الصحابة كنّ يأتين لرسول الله ﵌ يسألْنَه عن أمر
стр. 433
دينهنَّ، وأحيانًا يكون في مجلسه بعض الرجال صحيح؛ وقد ثبت أن عائشة ﵂ أثْنَتْ على نساء الأنصار بشيء من ذلك فقالت: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (رواه مسلم).
ولكن هذا لا يعتبر اختلاطًا؛ لأنهنَّ يسألن عن أحكام دينهنَّ، ولا يعرفها غير رسول الله ﵌، فحضورهنَّ لذلك من الضرورات.
ثم إنهنَّ يلتزمن الحجاب ولا يختلطن بالرجال.
وقصارى ما في الموضوع أن المرأة إذا اضطرت إلى الصلة بالرجال لضرورة عمل أو علاج ونحو ذلك، وكانت ملتزمة بحجابها وحشمتها ووقارها ولم تخضع بالقول، ولم يحصل منها أي شيء يثير الفتنة، فعسى أن لا يكون عليها إثم؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات (١).
стр. 434
الشبهة الحادية والثلاثون:
إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ:
عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ كَانَ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا، قَالَ: وَعَلَى فَاطِمَةَ ﵂ ثَوْبٌ إِذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﵌ مَا تَلْقَى قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
الجواب:
هذا الحديث ليس فيه ما يدل على جواز الاختلاط، بل أخذ منه بعض أهل العلم أن العبد مَحْرَمٌ لسيدته يجوز له النظر إليها.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الغلام كان صغيرًا.
قال صاحب عون المعبود: (أَتَى فَاطِمَة بِعَبْدٍ): أَيْ مُصَاحِبًا لَهُ (وَعَلَى فَاطِمَة ثَوْب): أَيْ قَصِير (إِذَا قَنَّعَتْ): أَيْ سَتَرَتْ (فَلَمَّا رَأَى النَّبِيّ ﵌ مَا تَلْقَى): أَيْ مَا تَلْقَاهُ فَاطِمَة مِنْ التَّحَيُّر وَالْخَجَل وَتَحَمُّل الْمَشَقَّة فِي التَّسَتُّر مِنْ جَرّ الثَّوْب مِنْ رِجْلهَا إِلَى رَأْسهَا وَمِنْ رَأْسهَا إِلَى رِجْلهَا حَيَاء أَوْ تَنَزُّهًا (قَالَ إِنَّهُ): الضَّمِير لِلشَّأْنِ (إِنَّمَا هُوَ): أَيْ مَنْ اِسْتَحْيَيْت مِنْهُ (أَبُوك وَغُلَامك): أَيْ عَبْدك.
وَالْحَدِيث فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَجُوز لِلْعَبْدِ النَّظَر إِلَى سَيِّدَته وَأَنَّهُ مِنْ مَحَارِمهَا يَخْلُو بِهَا وَيُسَافِر مَعَهَا وَيَنْظُر مِنْهَا مَا يَنْظُر إِلَيْهِ مَحْرَمهَا، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَتْ عَائِشَة وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ وَأَصْحَابه وَهُوَ قَوْل أَكْثَر السَّلَف.
وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ الْمَمْلُوك كَالْأَجْنَبِيِّ بِدَلِيلِ صِحَّة تَزَوُّجهَا إِيَّاهُ بَعْد الْعِتْق وَحَمَلَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْعَبْد كَانَ صَغِيرًا لِإِطْلَاقِ لَفْظ الْغُلَام وَلِأَنَّهَا وَاقِعَة حَال.
وَاحْتَجَّ أَهْل الْقَوْل الْأَوَّل أَيْضًا بِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة أَنَّ النَّبِيّ ﵌ قَالَ: «إِذَا كَانَ
الشبهة الثانية والثلاثون:
ذهاب بعض الصحابيات إلى النبي ﵌ في بعض حاجتهن:
عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية لهما: «وَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ بِابْنٍ لِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّ عَلَيْهِ».
وعَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﵌ وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ بَايِعْهُ»، فَقَالَ: «هُوَ صَغِيرٌ»، فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ. (رواه البخاري).
وعن السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قَالُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ»، فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ (١)» (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
١ - ما حدث من أولئك الصحابيات من إتيان النبي ﵌ في حاجة طارئة انتهى بانتهاءها، والفتنة مأمونة لأن النبي ﵌ معصوم، فأين هذا من الاختلاط لساعات (٢).
стр. 438
الشبهة الثالثة والثلاثون:
حديث فاطمة بنت قيس ﵂:
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ: «وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ»، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي؛ اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ».
(رواه مسلم).
الجواب:
١ - الحديث نفسه دليل على منع الاختلاط فإن النبي ﵌ أمرها أن تعتَدّ عند ابن عمها عبد الله بن أم مكتوم ﵁ ـ وهو رجل أعمى ـ لِئَلّا يراها الرجال.
ولو كان الأمر كما يظن دعاة الاختلاط لَتَرَكها النبي ﵌ تعتد عند أم شريك، فتجلسَ مع الرجال وتحادثَهم.
٢ - هل هناك حرج في كَوْن أم شريك تفتح بيتها للضيفان ويقوم محارمها بإكرامهم والقيام على شؤونهم؟!!
٣ - لم يأت في الحديث التصريح بأن أم شريك هي التي كانت تقوم بالخدمة وتقديم الطعام للرجال (١).
٤ - هل غشيان أصحاب النبي ﵌ لها يلزم معه الدخول عليها أو تخدمهم في باحة بيتها، فإن بيوتهم كانت حُجرًا مسقوفة، يتصل بها باحة صغيرة مكشوفة يجلس فيها الزوار، وهكذا كانت حُجرات أمهات المؤمنين، ومن ظن أن حجراتهم غُرف بلا
стр. 439
باحات فقد غلطَ وجهل (١).
فالحديث ليس صريحًا في الدلالة على اختلاط أم شريك بالرجال، ومن زعم أنها كانت تجلس مع الرجال، فليأت بدليل صريح على ذلك، فغاية ما في الحديث أنها كانت كثيرة الضيفان، كما دلت عليه رواية أخرى لمسلم: «وَأُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِى سَبِيلِ اللهِ يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ»، وخدمة الضيفان من الممكن أن تتم عن طريق المحارم أو العبيد.
والسؤال هنا:
لماذا منع النبي ﵌ فاطمة بنت قيس ﵂ أن يراها الناس عند أم شريك في الوقت الذي صرح فيه بأن أم شريك امرأة يغشاها أصحابه المحتاجون إلى نفقتها وضيافتها؟
والجواب:
إن أم شريك امرأة عجوز من القواعد من النساء اللاتي يجوز لهن ما لا يجوز لغيرهن.
قال الإمام ابن عبد البر: «وأما قوله «وأما قوله: « ... تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي؛ اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» ففيه دليل على أن المرأة المُتَجَالة العجوز الصالحة جائز أن يغشاها الرجال في بيتها ويتحدثون عندها، وكذلك لها أن تغشاهم في بيوتهم، ويرونها، وتراهم فيما يحِلّ ويجْمُل وينفع ولا يضر، قال الله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (النور:٦٠)» (٢).
стр. 440
وقال أيضًا: «وأما قوله: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي؛ اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»، ففيه دليل على أن المرأة الصالحة المتَجَالّة لا بأس أن يغشاها الرجال ويتحدثون عندها» (١).
والمتَجَالّة هي المرأة التي قد تَجالَّتْ، أَي أَسَنَّت وكَبِرَتْ وعجزت (٢).
٣ - لم يعلق العلماء على انتقال فاطمة إلى بيت ابن عمها بأمر النبي ﵌ بأنه هل في ذلك خلوة أم لا؟ لأن هذا الأمر معلوم عندهم بالضرورة، فلا يصح أبدًا أن ينقلها النبي ﵌ من الرمضاء إلى النار ـ بمعنى أنه لا يمنعها من نظرة فينقلها إلى خلوة وإنما ينقلها إلى حيث الأمان من الخلوة ومن النظر وغيره.
٤ - يفهم دعاة الاختلاط هذا الحديث في ضوء ما يحدث في الوقت الحاضر من اختلاط النساء بغير محارمهن من الضيوف وغيرهم، وأنَّى لهم ذلك، وإن من التعسف فهم الحديث في ضوء واقعنا المعاصر حيث الأصل اختلاط النساء بالرجال غير المحارم، والاحتجاب هو الاستثناء.
إن احتجاب النساء عن الرجال الأجانب ظل هو الأصل حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات القرن العشرين الميلادي عندما بدأ بعض المغرورين ينخدع بحركة ما يسمى (تحرير المرأة).
وإذا قرأت ما سطره علماء الحملة الفرنسية الصليبية على مصر، من وصف للمجتمع المصري في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وبداية القرن التاسع عشر، وجدت أن ستر الوجه عند الخروج من المنزل، وعدم الاختلاط حتى داخل البيوت كان هو الأصل عند حكام البلاد وعامة الشعب.
стр. 441
ومما قالوه: «النساء في كل الظروف لا يخرجن مطلقًا سافرات الوجوه، بل يغطين وجوههن بالبرقع ... ولا يدخل الرجال مطلقًا ـ فيما عدا بعض الأهل الأقربين ـ إلى مسكن السيدات ... ولم يستطع الرحالة السابقون على الغزو أن يتعرفوا على أحوال سيدات الطبقة المسيطرة، وذهبت أدراج الرياح كل توسلاتهم اللحوح؛ فلم يكن عظماء مصر ليسمحوا لأحد بأن يتطلع إلى جمال زوجاتهم» (١).
فإذا كان هذا حال المسلمين في تلك القرون فما ظنك بخير القرون الذي عاش فيه رسول الله ﵌.
стр. 442
الشبهة الرابعة والثلاثون:
هل سافرت بنتُ رسول الله ﵌ مع غير محارمها؟
قصة طلب النبى ﵌ من العاص بن الربيع زوج ابنته زينب ﵂ أن يرسلها من مكة حينما يصل بعد إطلاق سراحه وأرسل النبى ﵌ زيدًا بن حارثة ورجُلًا من الأنصار ليأتيا بها، كيف تسافر زينب ﵂ من مكة إلى المدينة فى صحبة رجلين أجنبيَّيْن عنها، وكان هذا بعلم رسول الله ﵌؟
الجواب:
١ - يمكن ان يجاب بأن هذا السفر كان قبل نزول الحكم، كان هذا قبل فرض الحجاب وقبل المنع.
٢ - وحتى لو كان بعد المنع فهذا السفر يسمى سفر الهجرة , وهو مما أجمع أهل العلم على جواز سفر المرأة فيها بمفردها إذا أمنت الفتنة، لأن الهجرة واجبة.
نص الحديث: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بِمَالٍ وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ.
قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: «إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا»، فَقَالُوا: «نَعَمْ»، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَخَذَ عَلَيْهِ أَوْ وَعَدَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: «كُونَا بِبَطْنِ يَأْجَجَ حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا» (رواه أبو داود وحسنه الألباني).
الشبهة الخامسة والثلاثون:
حديث أَبي السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ مع سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ:
أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ـ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ـ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ ـ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ـ فَقَالَ لَهَا: «مَا لِي أَرَاكِ تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ تُرَجِّينَ (١) النِّكَاحَ؛ فَإِنَّكِ وَاللهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ».
قَالَتْ سُبَيْعَةُ: «فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي». (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
لا يُظَنُّ بسبيعة ﵂ أنها تزينت للخطاب في الأسواق والطرقات، ومن ظن ذلك فقد أساء فهم النص، فسبيعة ﵂ صحابية جليلة روى عنها فقهاء المدينة، فحاشاها أن تخرج إلى الأسواق والطرقات متجملة سافرة الوجه طلبًا للخطاب، ومن قال بهذا فقد نسب إليها ما لا يليق بها.
فغاية ما في الروايات عنها أنها كانت تتجمل داخل بيتها بعدما انقضت عدتها، وأبو السنابل قد رآها من جملة من رآها من الخطاب داخل بيتها، وفي رواية للبخاري: «وَكَانَ
стр. 449
أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا» (١).
وفي رواية أخرى للبخاري: «فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: «وَاللهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِيهِ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الْأَجَلَيْنِ»، فَمَكُثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ، ثُمَّ جَاءَتْ النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ: «انْكِحِي».
ومما يؤيد ذلك رواية الإمام أحمد في (المسند) عن سُبَيْعَةَ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ فَتُوُفِّىَ عَنِّى فَلَمْ أَمْكُثْ إِلاَّ شَهْرَيْنِ حَتَّى وَضَعْتُ. فَخَطَبَنِى أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ أَخُو بَنِى عَبْدِ الدَّارِ فَتَهَيَّأْتُ لِلنِّكَاحِ. فَدَخَلَ عَلَىَّ حَمَوَىَّ وَقَدِ اخْتَضَبْتُ وَتَهَيَّأْتُ، فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدِينَ يَا سُبَيْعَةُ؟».قَالَتْ: «فَقُلْتُ: «أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ».
قَالَ: «وَاللهِ مَا لَكِ مِنْ زَوْجٍ حَتَّى تَعْتَدِّى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
قَالَتْ: «فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ﵌ لِى «قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِى». (صححه الأرنؤوط).
والمرأة يجوز أن تنكشف للخطاب.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وَفِيهِ (أي في الحديث) جَوَازُ تَجَمُّلِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لِمَنْ يَخْطُبُهَا» (٢).
ويلزم دعاة الاختلاط أن يبيحوا للمرأة أن تتزين للأجانب مطلقًا؛ إذ إن في الحديث أنها تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ، فهل يقولون أن المرأة الأجنبية لها أن تبدي زينتها أمام الرجال الأجانب؛ إن هذا لم يقل بهذا أحد من أهل العلم بل هو مخالف للحكمة التي نزل الحجاب من أجلها.
стр. 450
الشبهة السادسة والثلاثون:
دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَبِيِّ اللهِ ﵌ وَهُوَ فِي بَيْتِي:
عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَبِيِّ اللهِ ﵌ وَهُوَ فِي بَيْتِي، فَقَالَ: «يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا أُخْرَى، فَزَعَمَتْ امْرَأَتِي الْأُولَى أَنَّهَا أَرْضَعَتْ امْرَأَتِي الْحُدْثَى رَضْعَةً أَوْ رَضْعَتَيْنِ»، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﵌: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ» (رواه مسلم) (١).
الجواب:
١ - أُمُّ الفَضْلِ هي لُبَابَةُ بِنْتُ الحَارِثِ، زَوْجَةُ العَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ ﵌ وَأُمُّ أَوْلاَدِهِ الرِّجَالِ السِّتَّةِ النُّجَبَاءِ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ مَيْمُوْنَةَ، وَخَالَةُ خَالِدِ بنِ الوَلِيْدِ، وَأُخْتُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ لأُمِّهَا (٢).
كان النبي ﵌ في بيت عمه العباس ﵁ فدخل عليه هذا الأعرابي، وليس هناك دليل على أن أم الفضل كانت جالسة مع النبي ﵌ والأعرابي، وليس هناك دليل على خلو البيت من المَحْرَم، ومن زعم غير ذلك فليأتِنا بالدليل؛ فهذا الأمر واضح لا يحتاج إلى بيان؛ لأنه لا يُعقل أن يخالف النبي ﵌ قولَه بفعلِه ـ وحاشاه ﵌ وهو القدوة والأسوة.
فمن الممكن أن تكون أم الفضل قد سمعت ذلك من وراء حجاب، بل هو المتبادر
стр. 451
للذهن من تصورنا لواقع الصحابة ﵃، ومن الممكن أن يكون زوجها أو أحد أبنائها قد روى لها هذا الموقف.
٢ - لفظة الحديث نصت على دخول الأعرابي على النبي ﵌ لا عليها، وإلا لقالت: «دخل أعرابي علينا» مما يدل انها لم تكن معهما في ذات المكان (١).
٣ - على فرض صحة استدلالهم فليس لهم فيه حجة فقد يكون ذلك قبل نزول آيات الحجاب، وقد يكون ذلك خاصًا بالنبي ﵌.
٤ - هذا الصحابي أتى النبي ﵌ في حاجة فأين هذا من الاختلاط لساعات (٢).
стр. 452
الشبهة السابعة والثلاثون:
دُخُولَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟»، قَالَتْ: «وَاللهِ لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً»، فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
١ - ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَّلِب الْهَاشِمِيَّة بِنْت عَمّ النَّبِيّ ﵌ فَلَعَلّ النبي ﵌ دخل في حاجة ـ كعيادتها في مرضها ـ مع وجود المحرم، أو أن هذا الحكم خاصٌّ به ﵌ لكونه معصومًا.
والذي يدفعنا إلى هذين الاحتمالين ما سبق ذكره من نصوص محكمة عن النبي ﵌ تنهى عن الدخول على النساء، ولا يُعقَل أن يخالفنا النبي ﵌ إلى ما ينهانا عنه، قال الله على لسان شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود: ٨٨).
والنبي ﵌ هو أتقانا لله وأخشانا له.
فيجب رد المتشابه إلى المحكم وفهمه في ضوئه.
قَالَ الإمَامُ الشَّافِعِيِّ ﵀: «وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ، وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال» (١).
٢ - على فرض صحة استدلالهم فغاية ما يستدل به جواز مثل هذا الدخول بالضوابط الشرعية حيث لا خلوة، ولا خوف فتنة، ولا تبرج، ودعت إليها حاجة من صلة رحم أو عيادة مريض.
وشتان بين هذا السؤال العابر مع أمن الفتنة، وبين الاختلاط لساعات في العمل أو الدراسة مع الفتنة (٢).
стр. 453
الشبهة الثامنة والثلاثون:
مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ تُزَفْزِفِينَ ؟
عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ ـ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ ـ فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ ـ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ ـ تُزَفْزِفِينَ؟» (١).
قَالَتْ: «الْحُمَّى؛ لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا».
فَقَالَ: «لَا تَسُبِّي الْحُمَّى؛ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» (رواه مسلم).
الجواب:
١ - نفس الجواب على الشبهة السابقة (حديث ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَّلِب)، فلعل النبي ﵌ دخل في حاجة ـ كعيادتها في مرضها ـ مع وجود المحرم، أو أن هذا الحكم خاصٌّ به ﵌ لكونه معصومًا.
والذي يدفعنا إلى هذين الاحتمالين ما سبق ذكره من نصوص محكمة عن النبي ﵌ تنهى عن الدخول على النساء، ولا يُعقَل أن يخالفنا النبي ﵌ إلى ما ينهانا عنه، قال الله على لسان شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود: ٨٨).
والنبي ﵌ هو أتقانا لله وأخشانا له.
فيجب رد المتشابه إلى المحكم وفهمه في ضوئه.
قَالِ الإمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀: «وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ
стр. 454
الْإِجْمَالِ، وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال» (١).
٢ - على فرض صحة استدلالهم فغاية ما يستدل به جواز مثل هذا الدخول بالضوابط الشرعية حيث لا خلوة، ولا خوف فتنة، ولا تبرج، ودعت إليها حاجة من صلة رحم أو عيادة مريض.
وشتان بين هذا السؤال العابر مع أمن الفتنة، وبين الاختلاط لساعات في العمل أو الدراسة مع الفتنة (٢).
كان قبل نزول آيات الحجاب؛ فقد ورد أن رسول اللَّه ﵌ بنى بعائشة ﵂ في السنة الأولى من الهجرة، في شوال بعد مهاجره في ربيع الأول، وقيل: كان ذلك بعد غزوة بدر في السنة الثانية.
قال الحافظ ابن كثير: «دَخَلَ بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ بَعْدَ بَدْرٍ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ» (١).
وقد فُرِضَ الحجاب على المؤمنات سنة خمس للهجرة.
стр. 458
الشبهة الأربعون:
دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِى الأَنْصَارِ:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِى الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، ـ قَالَتْ: «وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ» ـ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِى بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﵌»، وَذَلِكَ فِى يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا». (رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري).
وفي رواية أخرى لمسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِى أَيَّامِ مِنًى تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ وَرَسُولُ الله ِ ﵌ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَنْهُ وَقَالَ «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ».
وَقَالَتْ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ».
الجواب:
١ - قال الحافظ ابن رجب: «هذا كان قبل نزول الحجاب» (١).
٢ - الجاريتان المذكورتان دون البلوغ.
قال القرطبي: «الجارية في النساء كالغلام في الرجال، وهما يقالان على من دون البلوغ منهما؛ ولذلك قالت عائشة ﵂ عن نفسها: «فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ»؛ أي: الصغيرة، ... وقيل: المشتهية للَّعب؛ كما قال في الرواية الأخرى: «الحَرِيصَة عَلَى اللَّهْو» بدل: «العَرِبَة».
стр. 459
وقولها: «تُغَنِّيَان»؛ أي: ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب، وهو المسمَّى عندهم بالنصب، وهو إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط، وهو يجري مجرى الحداء» (١).
وقال القاضي عياض: «وقوله: (وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِى الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ)، قال الإمام: الغناء باَلة يمنع، وبغير آلةِ اختلف الناس فيه، فمنعه أبو حنيفة، وكرهه الشافعى ومالك، وحكى أصحاب الشافعى عن مالك أن مذهبه الإجازة من غير كراهة.
قال القاضى: المعروف عن مالك فيه المنعُ لا الإجازةُ، ومثل هذه القصة لعائشة وهى حينئذ ـ والله أعلم ـ بقرب ابتنائه بها، وفى سن من لم يُكَلّفُ.
وفى أول الأمر، ومعها جاريتان من سِنِّها، ثم ما أنشدتاه ليس فيه شعرٌ بسب ولا رفث؛ لأنه قال «بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ»، وإنما هى من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور، والغلبة، وكل هذا مما لا يهيج على مثلِهِنَّ شرًّا، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وانما هو رفع الصوتِ بالإنشاد، اْلا ترى قوله فى الحديث: «وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ» أى ليستا ممن يغنى بما جرت به عادة المغنيات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش والتشبيب بأهل الجمال مما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، كما قيل: «الغناء رقية الزنا»، أو: ليستا أيضًا ممن اشتُهِر وعُرِفَ بالإحسان فى الغناء الذى فيه تمطيطٌ وتكسير، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا ممن اتخد هذا صناعة وكسبًا، وقد تقدم أن الجهر ورفع الصوت تسميه العربُ غناءً، ألا ترى كيف قال فى الرواية الأخرى: (بِغِنَاءِ بُعَاث)، فسمى أشعارَهم غناءً، وليس مجرد الإنشاد والترنم على عادة العرب من الغناء المختلف فيه» (٢).
стр. 460
الشبهة الحادية والأربعون:
امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ فَقَالُوا: «مَاتَ»، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟» (١)، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ». (رواه البخاري ومسلم).
قالوا: هذا دليل على دخول المرأة أماكن الرجال.
الجواب:
١ - الحديث ليس صريحًا أن مَن كان يَقُمُّ الْمَسْجِد ـ أَيْ يكْنُسهُ ـ امرأةً وليس رجلًا فهناك شك من أحد الرواة (امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا)، (أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ).
٢ - على فرض أن مَن كان يكنُس المسجد امرأة فأين الدليل أنها كانت تكنسه في حضرة الرجال، مَن زعم ذلك فليأتنا بالدليل؟!!
٣ - لماذا يتخيل دعاة الاختلاط أنها كانت تكنسه أثناء وجود الرجال مع أن اليوم أربعٌ وعشرون ساعة، فلا يُعقل أنها كانت تنظف المسجد أثناء انشغال الرجال والنساء بالصلاة، وهي فترة وجود الرجال بالمسجد. ومحاولة إيراد عمل المرأة في المسجد وحشرها في الأربع ساعات، وترك العشرين ساعة لا يليق بحامل قلم، ثم هي لا تعمل كل يوم قطعًا، فمساجدهم كانت ترابًا لا فراشًا، ولا يظهر فيها ما دقَّ كمساجدنا (٢).
٤ - إن هؤلاء عندما لا يجدون في الدليل ما يشتهون يتخيلون صورة معينة في أذهانهم ثم يستدلون بها لا بالدليل نفسه.