كان قبل نزول آيات الحجاب؛ فقد ورد أن رسول اللَّه ﵌ بنى بعائشة ﵂ في السنة الأولى من الهجرة، في شوال بعد مهاجره في ربيع الأول، وقيل: كان ذلك بعد غزوة بدر في السنة الثانية.
قال الحافظ ابن كثير: «دَخَلَ بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ بَعْدَ بَدْرٍ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ» (١).
وقد فُرِضَ الحجاب على المؤمنات سنة خمس للهجرة.
стр. 458
الشبهة الأربعون:
دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِى الأَنْصَارِ:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِى الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، ـ قَالَتْ: «وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ» ـ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِى بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﵌»، وَذَلِكَ فِى يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا». (رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري).
وفي رواية أخرى لمسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِى أَيَّامِ مِنًى تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ وَرَسُولُ الله ِ ﵌ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَنْهُ وَقَالَ «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ».
وَقَالَتْ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ».
الجواب:
١ - قال الحافظ ابن رجب: «هذا كان قبل نزول الحجاب» (١).
٢ - الجاريتان المذكورتان دون البلوغ.
قال القرطبي: «الجارية في النساء كالغلام في الرجال، وهما يقالان على من دون البلوغ منهما؛ ولذلك قالت عائشة ﵂ عن نفسها: «فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ»؛ أي: الصغيرة، ... وقيل: المشتهية للَّعب؛ كما قال في الرواية الأخرى: «الحَرِيصَة عَلَى اللَّهْو» بدل: «العَرِبَة».
стр. 459
وقولها: «تُغَنِّيَان»؛ أي: ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب، وهو المسمَّى عندهم بالنصب، وهو إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط، وهو يجري مجرى الحداء» (١).
وقال القاضي عياض: «وقوله: (وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِى الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ)، قال الإمام: الغناء باَلة يمنع، وبغير آلةِ اختلف الناس فيه، فمنعه أبو حنيفة، وكرهه الشافعى ومالك، وحكى أصحاب الشافعى عن مالك أن مذهبه الإجازة من غير كراهة.
قال القاضى: المعروف عن مالك فيه المنعُ لا الإجازةُ، ومثل هذه القصة لعائشة وهى حينئذ ـ والله أعلم ـ بقرب ابتنائه بها، وفى سن من لم يُكَلّفُ.
وفى أول الأمر، ومعها جاريتان من سِنِّها، ثم ما أنشدتاه ليس فيه شعرٌ بسب ولا رفث؛ لأنه قال «بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ»، وإنما هى من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور، والغلبة، وكل هذا مما لا يهيج على مثلِهِنَّ شرًّا، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وانما هو رفع الصوتِ بالإنشاد، اْلا ترى قوله فى الحديث: «وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ» أى ليستا ممن يغنى بما جرت به عادة المغنيات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش والتشبيب بأهل الجمال مما يحرك النفوس، ويبعث الهوى والغزل، كما قيل: «الغناء رقية الزنا»، أو: ليستا أيضًا ممن اشتُهِر وعُرِفَ بالإحسان فى الغناء الذى فيه تمطيطٌ وتكسير، وعمل يحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا ممن اتخد هذا صناعة وكسبًا، وقد تقدم أن الجهر ورفع الصوت تسميه العربُ غناءً، ألا ترى كيف قال فى الرواية الأخرى: (بِغِنَاءِ بُعَاث)، فسمى أشعارَهم غناءً، وليس مجرد الإنشاد والترنم على عادة العرب من الغناء المختلف فيه» (٢).
стр. 460
الشبهة الحادية والأربعون:
امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ فَقَالُوا: «مَاتَ»، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟» (١)، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ». (رواه البخاري ومسلم).
قالوا: هذا دليل على دخول المرأة أماكن الرجال.
الجواب:
١ - الحديث ليس صريحًا أن مَن كان يَقُمُّ الْمَسْجِد ـ أَيْ يكْنُسهُ ـ امرأةً وليس رجلًا فهناك شك من أحد الرواة (امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا)، (أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ).
٢ - على فرض أن مَن كان يكنُس المسجد امرأة فأين الدليل أنها كانت تكنسه في حضرة الرجال، مَن زعم ذلك فليأتنا بالدليل؟!!
٣ - لماذا يتخيل دعاة الاختلاط أنها كانت تكنسه أثناء وجود الرجال مع أن اليوم أربعٌ وعشرون ساعة، فلا يُعقل أنها كانت تنظف المسجد أثناء انشغال الرجال والنساء بالصلاة، وهي فترة وجود الرجال بالمسجد. ومحاولة إيراد عمل المرأة في المسجد وحشرها في الأربع ساعات، وترك العشرين ساعة لا يليق بحامل قلم، ثم هي لا تعمل كل يوم قطعًا، فمساجدهم كانت ترابًا لا فراشًا، ولا يظهر فيها ما دقَّ كمساجدنا (٢).
٤ - إن هؤلاء عندما لا يجدون في الدليل ما يشتهون يتخيلون صورة معينة في أذهانهم ثم يستدلون بها لا بالدليل نفسه.
стр. 461
الشبهة الثانية والأربعون:
لما أصيب سعد بن معاذ، حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة:
عن محمود بن لبيد قال: «لما أصيب أكحل (١) سعد يوم الخندق فثقل، حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، فكان النبي ﵌ إذا مر به يقول: «كَيْفَ أَمْسَيْتَ؟» وإذا أصبح قال: «كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟» فيخبره .... ».
(رواه ابن سعد في (الطبقات الكبرى)، وقال الألباني في (السلسلة الصحيحة، برقم ١١٥٨): «إسناده صحيح»).
الجواب:
١ - غزوة الخندق كانت عام ٣هـ قبل نزول آيات الحجاب.
٢ - لا مانع من تطبيب المرأة للرجل إن كانت هناك ضرورة، ولم يوجد من الرجال من يقوم بذلك، وهذا مع الضوابط الشرعية من عدم الخلوة وعدم اللمس أو النظر إلا إلى موضع الحاجة فقط.
نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ».
الجواب:
ليس معنى الحديث أن مَن أذن له الزوج بالدخول في غيبته مِن غير محارم المرأة يباح للمرأة أن تأذن له، ولو كان الأمر كذلك فلا معنى للأحاديث التي تنهى المرأة عن الخلوة والاختلاط بالرجال الأجانب؛ بل معنى الحديث ألا تأذن الزوجة لأحد بدخول من يكره الزوج دخوله إلى بيت زوجها حتى لو كان من محارمها أو من النساء.
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم:
«قَوْله ﵌: (وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْر مُبَرِّح) ... مَعْنَاهُ أَلَّا يَأْذَنَّ لِأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ فِي دُخُول بُيُوتكُمْ وَالْجُلُوس فِي مَنَازِلكُمْ سَوَاء كَانَ الْمَأْذُون لَهُ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا أَوْ اِمْرَأَة أَوْ أَحَدًا مِنْ مَحَارِم الزَّوْجَة؛ فَالنَّهْي يَتَنَاوَل جَمِيع ذَلِكَ» (١).
وقال السندي في حاشيته على سنن ابن ماجه: «(فَلَا يُوطِئْنَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَأْذَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ الرِّجَال يَدْخُل فَيُحَدِّث إِلَيْهِنَّ وَكَانَ الْحَدِيث مِنْ الرِّجَال إِلَى النِّسَاء مِنْ عَادَات الْعَرَب لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ عَيْبًا وَلَا يَعُدُّونَهُ رِيبَة فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَة الْحِجَاب
стр. 464
وَصَارَتْ النِّسَاء مَقْصُورَات نَهَى عَنْ مُحَادِثَتهنَّ وَالْقُعُود إِلَيْهِنَّ».
وَقَوْله: «مَنْ تَكْرَهُونَ» أَيْ تَكْرَهُونَ دُخُوله سَوَاء كَرِهْتُمُوهُ فِي نَفْسه أَمْ لَا، قِيلَ الْمُخْتَار مَنْعُهُنَّ عَنْ إِذْن أَحَد فِي الدُّخُول وَالْجُلُوس فِي الْمَنَازِل سَوَاء كَانَ مَحْرَمًا أَوْ اِمْرَأَة إِلَّا بِرِضَاهُ».
وقال الشيخ ابن عثيمين في شرحه لهذا من رياض الصالحين (١):
«لا حق لنا أن نضربهن إلا إذا أتين بفاحشة مبينة، والفاحشة هنا عصيان الزوج بدليل قوله ﵌: «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا»، يعني إن أهملت الزوجة في حق زوجها عليها فإنه يعظها أولًا، ثم يهجرها في المضجع، فلا ينام معها، ثم يضربها ضربًا غير مبرّح إن هي استمرت على العصيان، هذه مراتب تأديب المرأة إذا أتت بفاحشة مبينة وهي عصيان الزوج فيما يجب له «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» يعني لا تضربوهن ولا تقصروا في حقهن؛ لأنهن قُمْنَ بالواجب.
ثم بين ﵌ الحق الذي لهن والذي عليهن فقال لكم عليهن ألا (يُوَطِّئَنَّ فُرُشَكُمْ) أحدًا تكرهونه، يعني لا يجعلن أحدًا يدخل عليهن على فراش النوم أو غيره وأنت تكره أن يجلس على فراش بيتك وكأن هذا والعلم عند الله ضرب مثل والمعنى أن لا يُكْرِمْنَ أحدًا تكرهونه، هذا من المضادة لكم أن يُكْرِمْنَ مَن تكرهونه بإجلاسه على الفرش أو تقديم الطعام له أو ما أشبه ذلك.
وأن لا (يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ) يعني لا يُدْخِلْنَ أحدًا البيت وأنت تكره أن يدخل حتى لو كانت أمها أو أباها فلا يحل لها أن تُدْخِلَ أمها أو أباها أو أختها أو أخاها أو عمها أو خالها أو عمتها أو خالتها إلى بيت زوجها إذا كان يكره ذلك».
стр. 465
الشبهة الرابعة والأربعون:
دخول اليهود على النبي ﵌ بحضرة عائشة:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَتْ: «دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالُوا: «السَّامُ عَلَيْكُمْ». قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ».
قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِى الأَمْرِ كُلِّهِ».
فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟».
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ». (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
١ - هذه الحادثة كانت قبل فرض الحجاب، فلا يسوغ الاستدلال بها؛ فمن المعلوم أن النبي ﵌ أجلى يهود بني النضير من المدينة في السنة الثالثة من الهجرة ونزلت فيهم سورة الحشر، وأما بنو قريظة فتم إجلاؤهم عقب غزوة الخندق مباشرةً بعد ما جرى منهم من نقض العهد.
وأما فرض الحجاب فقد كان بعد الفراغ من الغزوة وتمام إجلاء اليهود، وبناء النبي ﵌ بزينب بنت جحش وصنع الوليمة كما صح ذلك من حديث أنس وغيره (١).
٢ - على فرض أن ذلك كان بعد فرض الحجاب فإن كلام عائشة ﵂ كان من وراء الحجاب؛ قال الحافظ ابن حجر في معنى الدخول: «لَا يَلْزَم مِنْ الدُّخُول رَفْع الْحِجَاب فَقَدْ يَدْخُلَ مِنْ الْبَاب وَتُخَاطِبهُ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب» (٢).
стр. 466
عن مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: «سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ... ». (رواه البخاري ومسلم). وحديث يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: « ... فَقَالَتْ عَائِشَةُ ـ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ـ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي» (رواه البخاري).
وليس هذا مختصًا بأمهات المؤمنين بل كانت النساء إذا تعلّمن أو عَلّمن يكون ذلك من وراء حجاب، ففي مسند الإمام أحمد: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: جَاءَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَاسْتَأْذَنُوا عَلَى أَبِي الْأَشْهَبِ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَالُوا: «حَدِّثْنَا»، قَالَ: «سَلُوا»، فَقَالُوا: «مَا مَعَنَا شَيْءٌ نَسْأَلُكَ عَنْهُ»، فَقَالَتْ ابْنَتُهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: «سَلُوهُ عَنْ حَدِيثِ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ».
стр. 467
الشبهة الخامسة والأربعون:
دخول عمر ﵁ على عائشة وأم سلمة ﵄ على عهد رسول الله ﵌:
عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُحَدِّثُ أَنَّهُ قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعْتُ وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ ـ قَالَ ـ فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ سِرْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِىِّ ﵌ مِنْ أَزْوَاجِهِ فَقَالَ تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ» ... إلى أن قال عمر: « ... ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِى مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا». (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
هذه الحادثة وقعت قبل الحجاب فلا يسوغ الاستدلال بها.
فقد جاء في رواية مسلم عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قال: حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: «لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِىُّ اللهِ ﵌ نِسَاءَهُ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى وَيَقُولُونَ طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﵌ نِسَاءَهُ ـ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ ـ، فَقَالَ عُمَرُ: «فَقُلْتُ لأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ»، قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: «يَا بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ ... » (١).
стр. 468
الشبهة السادسة والأربعون:
استقبال الأنصار للنبي ﵌ عند الهجرة:
عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: «جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى أَبِى فِى مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلاً فَقَالَ لِعَازِبٍ: «ابْعَثْ مَعِىَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِى إِلَى مَنْزِلِى»، فَقَالَ لِى أَبِى: «احْمِلْهُ». فَحَمَلْتُهُ وَخَرَجَ أَبِى مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ فَقَالَ لَهُ أَبِى: «يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِى كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌».
قَالَ: «نَعَمْ أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا ... إلى أن قال: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلاً فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَقَالَ: «أَنْزِلُ عَلَى بَنِى النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ». فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِى الطُّرُقِ يُنَادُونَ: «يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ». (رواه مسلم).
الجواب:
١ - هذه الحادثة وقعت قبل فرض الحجاب فلا يسوغ الاستدلال بها.
فالسياق واضح أنه في أول مقدم النبي ﵌ المدينة.
٢ - ظاهر الحديث ليس فيه دلالة على الاختلاط فقول الراوي: «فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ» يعني أن كل إنسان صعد فوق بيته ليرى ويشاهد رسول الله ﵌ فأين الاختلاط هنا؟!! (١).
الجواب:
١ - هذه الحادثة وقعت قبل الحجاب فلا يسوغ الاستدلال بها.
٢ - الحديث ليس فيه ما يدل على إباحة الاختلاط، وأين في الحديث أن الرجال قد جاؤوا بزوجاتهم فصار كل عشرة مع زوجاتهم ويدخلون سويًا، أو أن الألف الذين أكلوا كانوا رجالًا ونساءً قد جلسوا مختلطين يأكلون سويًا؟
فليس في الحديث شيءٌ من هذه المعاني علمً بأن الذين جاؤوا مع النبي ﵌ هم أهل الخندق المرابطون مع رسول الله ﵌، أما النساء والذرية فكانوا في البيوت قد حصنهم النبي ﵌ وجعل عليهم حرسًا.
فليس في الحديث إلا كلام النبي ﵌ يخاطب امرأة جابر بكلمات يسيرة، وكلام الرجل مع المرأة الأجنبية للحاجة الشرعية جائز بالإجماع وعلى قدر الحاجة، فكيف حين يكون هذا الرجل هو سيد الخلق وأفضل الرسل وإمام المتقين ﵌، وبحضرة محرمها؟!!!
وكيف إذا كانت هذه الحاجة إظهارًا لمعجزة كبرى تملأ البطون الخاوية وتثبت القلوب الخائفة؟!! (١).
الجواب:
نفس جواب الشبهة السابقة؛ قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من (صحيح البخاري): «وَالْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ: الْمَوْضِع الَّذِي أَعَدَّهُ النَّبِيّ ﵌ لِلصَّلَاةِ فِيهِ حِين مُحَاصَرَة الْأَحْزَاب لِلْمَدِينَةِ فِي غَزْوَة الْخَنْدَق».
فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ: «جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا، فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلاَّ جَعَلَ اللهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا». (رواه البخاري ومسلم).
٥ - عيادة ابن عباس لعائشة ﵄ في مرض موتها. (رواه البخاري).
الجواب:
١ - ما حدث ليس فيه اختلاط، إنما هو لقاءٌ عابر محدود لا تزول به الكلفة وتلتزم فيه المرأة بالضوابط الشرعية في التعامل مع الرجال الأجانب.
٢ - مطلق الدخول لا يعني دخول الحجاب أو الجلوس وجهًا لوجه فهناك فرق بين قولهم: «دخلنا على فلانة» وقولهم: «دخلنا الحجاب» (١).
وقد تقدم توضيح ذلك بالتفصيل (٢).
стр. 475
الشبهة الخمسون:
الذين سألوا عن عبادة النبي ﵌:
عن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قال: «جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﵌ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِىِّ ﵌ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: «وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِىِّ ﵌ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: «أَمَّا أَنَا فَإِنِّى أُصَلِّى اللَّيْلَ أَبَدًا». وَقَالَ آخَرُ: «أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ». وَقَالَ آخَرُ: «أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا».
فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَقَالَ «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؛ أَمَا وَاللهِ إِنِّى لأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى» (رواه البخاري).
الجواب:
هذا سؤال عابر من وراء حجاب، وليس فيه تصريحٌ بأن بأنه تم لقاء مباشر بين هؤلاء الرجال وبين أزواج النبي ﵌ (١).
стр. 476
الشبهة الحادية والخمسون:
إطعام النبي ﵌ لبعض أصحابه ﵃:
عن ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِىَّ ﵌ كَانَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ سَعْدٌ وَأُتُوا بِلَحْمِ ضَبٍّ فَنَادَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ النَّبِىِّ ﵌ إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «كُلُوا؛ فَإِنَّهُ حَلاَلٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِى». (رواه مسلم).
الجواب:
ليس في الحديث مشروعية الاختلاط بل غاية ما فيه استضافة النبي ﵌ لبعض أصحابه في بيته، ووجود إحدى زوجاته لا يمنعه الشرع، وأما نداء إحدى زوجاته فلا يقتضي أن تكون جالسة.
بل إن لفظة: «فَنَادَتِ امْرَأَةٌ» تدل على كونها غير مخالطة لهم (١).
الشبهة الثالثة والخمسون:
صلاة النبي ﵌ بالعجوز، وأكله عندها:
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﵌ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ». قَالَ أَنَسٌ: «فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ». (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
١ - مليكة ـ وهي أم سليم أم أنس أو جدته ﵂ ـ (١)
امرأة عجوز كانت من القواعد من النساء.
٢ - رجح بعض أهل العلم أن النبي ﵌ محْرَم لأُمّ سُلَيْم (مليكة) وأختها أُمّ حَرَام (٢).
٣ - ليس في الحديث أن أم سليم أكلت مع النبي ﵌ وحضرت مجلسه؛ فقد أخبر أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﵌ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فالدعوة إلى الطعام شيء والجلوس مع النبي ﵌ شيءٌ آخر.
٤ - وأما صلاة مليكة مع النبي ﵌ فقد جعلها النبي ﵌ خلف أنس واليتيم؛ يقول أنس ﵁: «فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا» (٣).
فأم هانئ بنت أبي طالب ﵂ جاءت إلى النبي ﵌ تخبره أنها قد أجَارَتْ أحد المشركين وأن أخاها عليًّا بن أبي طالب ﵁ أراد قتله، فقال لها النبي ﵌: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ».
حدث هذا مع وجود فاطمة ابنة النبي ﵌، وعندما قال النبي ﵌ ذلك لأم هانئ انتهى اللقاء فلم يجلس معها كما يحدث بين الرجال والنساء اليوم من جلسات أسرية رغم أنه ﵌ ابن عمها.
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم:
«قَوْلهَا: (سَلَّمْت) فِيهِ: سَلَام الْمَرْأَة الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْرَمٍ عَلَى الرَّجُل بِحَضْرَةِ مَحَارِمه.
وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا بَأْس بِالْكَلَامِ فِي حَال الِاغْتِسَال وَالْوُضُوء وَلَا بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْبَائِل.
وَفِيهِ: جَوَاز الِاغْتِسَال بِحَضْرَةِ اِمْرَأَة مِنْ مَحَارِمه إِذَا كَانَ مَسْتُور الْعَوْرَة عَنْهَا، وَجَوَاز تَسْتِيرهَا إِيَّاهُ بِثَوْبٍ وَنَحْوه».
стр. 481
الشبهة الخامسة والخمسون:
هل دخلت إحدى نساء النبي ﵌ على أصحابه:
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِىُّ ﵌ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِى النَّبِىُّ ﵌ فِى بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِىُّ ﵌ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِى كَانَ فِى الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: «غَارَتْ أُمُّكُمْ» (١)، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِىَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِى كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِى بَيْتِ الَّتِى كَسَرَتْ. (رواه البخاري).
ورواه الإمام أحمد عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الْقَصْعَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﵌ فَضَمَّ الْكَسْرَيْنِ، وَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ، وَيَقُولُ: «غَارَتْ أُمُّكُمْ، غَارَتْ أُمُّكُمْ»، وَيَقُولُ لِلْقَوْمِ: «كُلُوا»، وَحَبَسَ الرَّسُولَ حَتَّى جَاءَتِ الْأُخْرَى بِقَصْعَتِهَا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ قَصْعَتُهَا، وَتَرَكَ الْمَكْسُورَةُ لِلَّتِي كَسَرَتْ».
(وصححه الألباني وقال الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»).
الجواب:
١ - كان ذلك قبل فرض الحجاب، وقد صرحت بذلك بعض الروايات، قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري: «وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ
стр. 482
مِنْ طَرِيقِ عِمْرَان بْن خَالِد عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَس قَالَ: «كَانَ النَّبِيّ ﵌ فِي بَيْتِ عَائِشَة مَعَهُ بَعْض أَصْحَابِهِ يَنْتَظِرُونَ طَعَامًا فَسَبَقَتْهَا ـ قَالَ عِمْرَان أَكْثَر ظَنِّي أَنَّهَا حَفْصَة ـ بِصَحْفَةٍ فِيهَا ثَرِيد فَوَضَعْتهَا فَخَرَجَتْ عَائِشَة ـ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ ـ فَضَرَبَتْ بِهَا فَانْكَسَرَتْ» الْحَدِيث (١)» اهـ كلام الحافظ ﵀.
٢ - بالنسبة للخادم أوضحت رواية أبي داود أنها كانت أنثى: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمِهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ.
قَالَ: «فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا ـ فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ .... ».
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ: «(بِيَدِهَا):أَيْ يَدَ الْخَادِمِ وَالْخَادِمُ يُطْلَق عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى».
стр. 483
الشبهة السادسة والخمسون:
سؤال النبي ﵌ لأسماء بنت عميس عن أَوْلَاد جَعْفَر ﵁:
عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قال: «رَخَّصَ النَّبِىُّ ﵌ لآلِ حَزْمٍ فِى رُقْيَةِ الْحَيَّةِ، وَقَالَ لأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: «مَا لِى أَرَى أَجْسَامَ بَنِى أَخِى ضَارِعَةً (١) تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ؟».
قَالَتْ: «لاَ، وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ».
قَالَ: «ارْقِيهِمْ». قَالَتْ: «فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ (٢)»، فَقَالَ: «ارْقِيهِمْ». (رواه مسلم).
الجواب:
١ - معنى الحديث:
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «قَوْله ﵌: (مَا لِي أَرَى أَجْسَام بَنِي أَخِي ضَارِعَة؟) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة، أَيْ نَحِيفَة، وَالْمُرَاد أَوْلَاد جَعْفَر ﵁».
٢ - هذا لقاء عابر؛ مجرد سؤال من النبي ﵌ عن أبناء ابن عمه جعفر بن أبي طالب ﵁، والرسول ﵌ معصوم، وهو أتقى الناس وأخشاهم لله ، فكيف يُستدل به على جواز الاختلاط في العمل والتعليم حيث تمكث النساء مع الرجال الساعات الطوال ودوام شبه يومي؟؟!
٣ - ليس في الحديث أيُّ ذِكْرٍ لمكان هذا الحوار، حتى يستدل به على جواز الاختلاط بالنساء في البيوت.
«دخلنا الحجاب» (١). وقد تقدم توضيح ذلك بالتفصيل (٢).
٢ - أما وجود النسوة في بيت أم سلمة ﵂ ووجود النبي ﵌ معهن فليس صريحًا في جواز الاختلاط المزعوم لأن ذلك يحتمل أن يكون قبل فرض الحجاب.
٣ - النبي ﵌ لم يكن جالسًا مع النساء بل كان بعيدًا عنهن أو كان في مكان آخر، وكان مشغولًا ـ وهو المعصوم ﵌ ـ بالصلاة، ومما يدل على بعده عنهن أن أم سلمة ﵂ أرسلَتْ إليه الجارية لتسأله، فلو كان قريبًا منهن لسألَتْه أم سلمة ﵂، ولما لجأت إلى إرسال الجارية.
٤ - ليس في الحديث أن النبي ﵌ جلس مع النسوة ولا أنه تحدث معهن ـ وهو أتقى الناس وأخشاهم لله ـ فكيف يُستدل به على جواز الاختلاط في العمل والتعليم حيث تمكث النساء مع الرجال الساعات الطوال ودوام شبه يومي؟؟!
стр. 486
الشبهة الثامنة والخمسون:
حوار بين النبي ﵌ وزوجته حفصة ﵂ سمعته أم مبشر ﵂:
عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قال: أَخْبَرَتْنِى أُمُّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِىَّ ﵌ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ ـ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا».
قَالَتْ: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ». فَانْتَهَرَهَا فَقَالَتْ حَفْصَةُ: «﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١)، فَقَالَ النَّبِىُّ ﵌: «قَدْ قَالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾» (٢) (رواه مسلم).
الجواب:
١ - قد يكون ذلك قبل فرض الحجاب.
٢ - على فرض أنه بعد فرض الحجاب فالاحتمالات تَرِدُ عليه فالحديث ليس صريحًا في الاختلاط وجلوس النبي ﵌ مع أم مبشر وجهًا لوجه، فقد تكون سمعت ذلك من خلف الستار.
٣ - هذا لقاء عابر لم يستغرق ثلاث دقائق فكيف يُستدل به على جواز الاختلاط في العمل والتعليم حيث تمكث النساء مع الرجال الساعات الطوال ودوام شبه يومي؟؟!
سَبِيل لَهُ عَلَيْهِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُود الْعِصْمَة إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا فِرَار الشَّيْطَان مِنْهُ أَنْ يُشَارِكهُ فِي طَرِيق يَسْلُكهَا، وَلَا يَمْنَع ذَلِكَ مِنْ وَسْوَسَته لَهُ بِحَسَبِ مَا تَصِل إِلَيْهِ قُدْرَته.
٢ - ما سبق نقله عن الحافظ ابن حجر يدل على أن النساء اللاتي كُنَّ عند النبي ﵌ إنما هن زوجاته فلا إشكال في وجودهن عند النبي ﵌. ومما يرجح ذلك عدم احتجابهن من النبي ﵌ واحتجابهن من عمر ﵁. ولو كان الأمر كما يدعي دعاة الاختلاط لما احتجن إلى دخول الحجاب، ولجلَسْنَ مع النبي ﵌ وعمر بدون حجاب.
٣ - على فرض أنهن لم يَكُنَّ زوجاته بل نساء أخريات من قريش وكُنَّ أجنبيات عنه ﵌ فإن ذلك لقاء عابر لقضاء تلك الحاجات وانقضي بانقضائها.
واحتمال أنهن من غير محارمه ﵌ احتمال ضعيف، ومما يوضح ذلك ما سبق من عدم احتجابهن من النبي ﵌ واحتجابهن من عمر ﵁.
٤ - عمر ﵁ لم يجلس معهن بل خاطبهن من وراء حجاب بحضرة النبي ﵌ فبمجرد سماعهن لصوت عمر ﵁ وهو يستأذن قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، وهذه دلالة ظاهرة على على وجوب الاحتجاب من الرجل الأجنبي عند دخوله بيت صاحبه، وعدم مشروعية الاختلاط.
٥ - في الحديث دلالة ظاهرة على التفريق بين مطلق الدخول ودخول الحجاب؛ فتأمل لفظ الحديث: «فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ»، فقَبْل أن يدخل عمر ﵁ دخل النساء الحجاب، (فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌)، فدخل عمر ﵁ وهن خلف الحجاب وكلمهن من وراء حجاب ورسول الله ﵌ جالس معه (١).
стр. 490
الشبهة الستون:
دُخُول النَّبيِّ ﵌ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الأَنْصَارِيَّةِ فِى نَخْلٍ لَهَا:
عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِىَّ ﵌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الأَنْصَارِيَّةِ فِى نَخْلٍ لَهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﵌: «مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ». فَقَالَتْ: «بَلْ مُسْلِمٌ». فَقَالَ: «لاَ يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلاَ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلاَ دَابَّةٌ وَلاَ شَىْءٌ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ». (رواه مسلم).
الجواب:
١ - ليس في الحديث ما ينفي وجود زوجها أو أحد محارمها حال دخول النبي ﵌ عليها.
وليس فيه أنه كانت سافرة ولم تكن محتجبة من النبي ﵌، ومن زعم غير ذلك فليأتنا بالدليل.
٢ - هذا موقف عابر لم يستغرق دقيقتين؛ فكيف نستدل به على جواز الاختلاط في العمل والتعليم حيث تمكث النساء مع الرجال الساعات الطوال ودوام شبه يومي؟؟!
стр. 491
الشبهة الحادية والستون:
من هذه ؟
عَنْ هِشَام بنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِىَّ ﵌ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟».قَالَتْ: «فُلاَنَةُ»، تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا. (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
١ - ليس في الحديث أن النبي ﵌ جلس مع تلك المرأة، بل ليس في الحديث أن النبي ﵌ كلمها، أو حتى ألقى ﵍، ومن زعم غير ذلك فليأتنا بالدليل.
فكيف نستدل به على جواز الاختلاط في العمل والتعليم حيث تمكث النساء مع الرجال الساعات الطوال ودوام شبه يومي؟؟!
٢ - أوضحت رواية مسلم أن المرأة مرت بعائشة فأخبرت النبي ﵌ بحالها، فروى عن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﵌ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ الْحَوْلاَءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا وَعِنْدَهَا رَسُولُ الله ﵌ فَقُلْتُ: «هَذِهِ الْحَوْلاَءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لاَ تَنَامُ اللَّيْلَ».
وجمع بينهما الحافظ ابن حجر بأنها خرجت عند دخول النبي ﵌ فقال في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري:
«فَإِنْ قِيلَ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب حَدِيث هِشَام: «دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ عِنْدهَا»، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ أَنَّ الْحَوْلَاء مَرَّتْ بِهَا فَظَاهِره التَّغَايُر، فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْمَارَّة اِمْرَأَة غَيْرهَا مِنْ بَنِي أَسَد أَيْضًا أَوْ أَنَّ قِصَّتهَا تَعَدَّدَتْ.
стр. 492
وَالْجَوَاب أَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة، وَيُبَيِّن ذَلِكَ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث وَلَفْظه: «مَرَّتْ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ الْحَوْلَاء بِنْت تُوَيْت» أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن نَصْر فِي كِتَاب (قِيَام اللَّيْل) لَهُ، فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا عِنْد عَائِشَة فَلَمَّا دَخَلَ ﵌ عَلَى عَائِشَة قَامَتْ الْمَرْأَة كَمَا فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة الْآتِيَة، فَلَمَّا قَامَتْ لِتَخْرُج مَرَّتْ بِهِ فِي خِلَال ذَهَابهَا فَسَأَلَ عَنْهَا، وَبِهَذَا تَجْتَمِع الرِّوَايَات».اهـ.
والرواية التي أشار إليها الحافظ ابن حجر رواها أبو نعيم في (حلية الأولياء) في ترجمة الحولاء بنت تويت، قال: حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا ابراهيم بن الحجاج ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: «كانت عندي امرأة، فلما قامت قال رسول الله ﵌: «مَنْ هَذِهِ يَا عَائِشَةَ؟» ... (١).
стр. 493
الشبهة الثانية والستون:
دخول جابر بن عبد الله ﵄ مع النبي ﵌ إحدى حُجَرِ نسائه:
عن جَابِر بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا فِى دَارِى فَمَرَّ بِى رَسُولُ اللهِ ﵌ فَأَشَارَ إِلَىَّ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَأَخَذَ بِيَدِى فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ ثُمَّ أَذِنَ لِى، فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟». فَقَالُوا: «نَعَمْ». فَأُتِىَ بِثَلاَثَةِ أَقْرِصَةٍ فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِىٍّ (١)، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قُرْصًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَىَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَيْنِ فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَىَّ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ مِنْ أُدُمٍ؟» (٢). قَالُوا: «لاَ، إِلاَّ شَىْءٌ مِنْ خَلٍّ». قَالَ: «هَاتُوهُ فَنِعْمَ الأُدُمُ هُوَ». (رواه مسلم).
الجواب:
١ - ليس في الحديث تصريح بأن زوجة النبي ﵌ كانت سافرة غير محتجبة، فلو كان ذلك قبل فرض الحجاب فلا إشكال، وإن كان بعد الحجاب فالكل ـ حتى من يقولون بجواز كشف الوجه، بل حتى دعاة الاختلاط ـ متفقون على وجوب تغطية الوجه في حق زوجات النبي ﵌.
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «قَوْله: (فَدَخَلْتُ الْحِجَاب عَلَيْهَا) مَعْنَاهُ دَخَلْتُ الْحِجَاب إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي فِيهِ الْمَرْأَة، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ رَأَى بَشَرَتهَا».
стр. 494
وقال الإمام القرطبي: «وقول جابر: «فَدَخَلْتُ الْحِجَاب عَلَيْهَا»؛ ظاهره: أن هذا كان بعد نزول الحجاب، غير أنه ليس فيه: أنه رآها، فقد تستتر بثوب آخر، أو بحجاب آخر. ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب» (١).
ويزيل الإشكال من جهة الحجاب رواية أبي يعلى في مسنده (٢١٦٤): «ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ، وَالْحِجَابُ عَلَيْهَا».
٢ - ليس في الحديث مشروعية الاختلاط، بل غاية ما فيه اطعام النبي ﵌ لجابر ﵁ في بيته، ووجود إحدى زوجاته لا يمنعه الشرع، وأما مخاطبة النبي ﵌ لزوجته فلا يقتضي أن تكون جالسة معهما، فمن المحتمل أن تكون قد استترت بحجاب آخر، كما ذكر الإمام القرطبي ﵀.
٣ - مما يدل على كونها على كونها غير مخالطة لهم أن النبي ﵌ قسم الخبز بينه وبين جابر ﵁ نصفين مما يدل على أن المرأة لم تشاركهم الطعام.
٤ - قول جابر ﵁: «فَأُتِىَ بِثَلاَثَةِ أَقْرِصَةٍ» ليس صريحًا في أن مَن قدم الطعام هي زوجة النبي ﵌ فقد يتم ذلك عن طريق الجارية مثلًا.
٥ - على فرض أن زوجة النبي ﵌ هي التي قدمت الطعام فليس هناك دليل على أنها بقيت في الحجرة بعد ذلك، فمن المحتمل أن تكون قد غادرتها بعد تقديمه.
٦ - لو سلَّمْنا أن زوجة النبي ﵌ كانت في ناحية الحجرة ـ بحجابها الكامل ـ فلعل ذلك كان لأن بيت النبي ﵌ كان مكونًا من حجرة واحدة.
٧ - الحديث واقعة عيْن والاحتمالات السابقة تَرِدُ عليه لمخالفته لنصوص مُحْكَمة
стр. 495
تنهي عن الاختلاط. وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال؛ وقد قَال الإمَامُ الشَّافِعِيِّ ﵀: «وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ، وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال» (١).
٨ - النبي ﵌ مَحْرمٌ لزوجته ـ أم المؤمنين ـ التي لا يحل لجابر ﵁ ولا لغيره أن يتزوجها بعد النبي ﵌؛ وهذا موقف عابر، فهل الاختلاط في العمل والتعليم وغير ذلك يكون بوجود المحرم حتى يقاس هذا على ذاك؟!!.