الشبهة الحادية والستون:
من هذه ؟
عَنْ هِشَام بنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِىَّ ﵌ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟».قَالَتْ: «فُلاَنَةُ»، تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا. (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
١ - ليس في الحديث أن النبي ﵌ جلس مع تلك المرأة، بل ليس في الحديث أن النبي ﵌ كلمها، أو حتى ألقى ﵍، ومن زعم غير ذلك فليأتنا بالدليل.
فكيف نستدل به على جواز الاختلاط في العمل والتعليم حيث تمكث النساء مع الرجال الساعات الطوال ودوام شبه يومي؟؟!
٢ - أوضحت رواية مسلم أن المرأة مرت بعائشة فأخبرت النبي ﵌ بحالها، فروى عن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﵌ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ الْحَوْلاَءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا وَعِنْدَهَا رَسُولُ الله ﵌ فَقُلْتُ: «هَذِهِ الْحَوْلاَءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لاَ تَنَامُ اللَّيْلَ».
وجمع بينهما الحافظ ابن حجر بأنها خرجت عند دخول النبي ﵌ فقال في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري:
«فَإِنْ قِيلَ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب حَدِيث هِشَام: «دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ عِنْدهَا»، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ أَنَّ الْحَوْلَاء مَرَّتْ بِهَا فَظَاهِره التَّغَايُر، فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْمَارَّة اِمْرَأَة غَيْرهَا مِنْ بَنِي أَسَد أَيْضًا أَوْ أَنَّ قِصَّتهَا تَعَدَّدَتْ.
стр. 492
وَالْجَوَاب أَنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة، وَيُبَيِّن ذَلِكَ رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ هِشَام فِي هَذَا الْحَدِيث وَلَفْظه: «مَرَّتْ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ الْحَوْلَاء بِنْت تُوَيْت» أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن نَصْر فِي كِتَاب (قِيَام اللَّيْل) لَهُ، فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا عِنْد عَائِشَة فَلَمَّا دَخَلَ ﵌ عَلَى عَائِشَة قَامَتْ الْمَرْأَة كَمَا فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة الْآتِيَة، فَلَمَّا قَامَتْ لِتَخْرُج مَرَّتْ بِهِ فِي خِلَال ذَهَابهَا فَسَأَلَ عَنْهَا، وَبِهَذَا تَجْتَمِع الرِّوَايَات».اهـ.
والرواية التي أشار إليها الحافظ ابن حجر رواها أبو نعيم في (حلية الأولياء) في ترجمة الحولاء بنت تويت، قال: حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا ابراهيم بن الحجاج ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: «كانت عندي امرأة، فلما قامت قال رسول الله ﵌: «مَنْ هَذِهِ يَا عَائِشَةَ؟» ... (١).
стр. 493
الشبهة الثانية والستون:
دخول جابر بن عبد الله ﵄ مع النبي ﵌ إحدى حُجَرِ نسائه:
عن جَابِر بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا فِى دَارِى فَمَرَّ بِى رَسُولُ اللهِ ﵌ فَأَشَارَ إِلَىَّ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَأَخَذَ بِيَدِى فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ ثُمَّ أَذِنَ لِى، فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟». فَقَالُوا: «نَعَمْ». فَأُتِىَ بِثَلاَثَةِ أَقْرِصَةٍ فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِىٍّ (١)، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قُرْصًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَىَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَيْنِ فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَىَّ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ مِنْ أُدُمٍ؟» (٢). قَالُوا: «لاَ، إِلاَّ شَىْءٌ مِنْ خَلٍّ». قَالَ: «هَاتُوهُ فَنِعْمَ الأُدُمُ هُوَ». (رواه مسلم).
الجواب:
١ - ليس في الحديث تصريح بأن زوجة النبي ﵌ كانت سافرة غير محتجبة، فلو كان ذلك قبل فرض الحجاب فلا إشكال، وإن كان بعد الحجاب فالكل ـ حتى من يقولون بجواز كشف الوجه، بل حتى دعاة الاختلاط ـ متفقون على وجوب تغطية الوجه في حق زوجات النبي ﵌.
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «قَوْله: (فَدَخَلْتُ الْحِجَاب عَلَيْهَا) مَعْنَاهُ دَخَلْتُ الْحِجَاب إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي فِيهِ الْمَرْأَة، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ رَأَى بَشَرَتهَا».
стр. 494
وقال الإمام القرطبي: «وقول جابر: «فَدَخَلْتُ الْحِجَاب عَلَيْهَا»؛ ظاهره: أن هذا كان بعد نزول الحجاب، غير أنه ليس فيه: أنه رآها، فقد تستتر بثوب آخر، أو بحجاب آخر. ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب» (١).
ويزيل الإشكال من جهة الحجاب رواية أبي يعلى في مسنده (٢١٦٤): «ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ، وَالْحِجَابُ عَلَيْهَا».
٢ - ليس في الحديث مشروعية الاختلاط، بل غاية ما فيه اطعام النبي ﵌ لجابر ﵁ في بيته، ووجود إحدى زوجاته لا يمنعه الشرع، وأما مخاطبة النبي ﵌ لزوجته فلا يقتضي أن تكون جالسة معهما، فمن المحتمل أن تكون قد استترت بحجاب آخر، كما ذكر الإمام القرطبي ﵀.
٣ - مما يدل على كونها على كونها غير مخالطة لهم أن النبي ﵌ قسم الخبز بينه وبين جابر ﵁ نصفين مما يدل على أن المرأة لم تشاركهم الطعام.
٤ - قول جابر ﵁: «فَأُتِىَ بِثَلاَثَةِ أَقْرِصَةٍ» ليس صريحًا في أن مَن قدم الطعام هي زوجة النبي ﵌ فقد يتم ذلك عن طريق الجارية مثلًا.
٥ - على فرض أن زوجة النبي ﵌ هي التي قدمت الطعام فليس هناك دليل على أنها بقيت في الحجرة بعد ذلك، فمن المحتمل أن تكون قد غادرتها بعد تقديمه.
٦ - لو سلَّمْنا أن زوجة النبي ﵌ كانت في ناحية الحجرة ـ بحجابها الكامل ـ فلعل ذلك كان لأن بيت النبي ﵌ كان مكونًا من حجرة واحدة.
٧ - الحديث واقعة عيْن والاحتمالات السابقة تَرِدُ عليه لمخالفته لنصوص مُحْكَمة
стр. 495
تنهي عن الاختلاط. وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال؛ وقد قَال الإمَامُ الشَّافِعِيِّ ﵀: «وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ، وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال» (١).
٨ - النبي ﵌ مَحْرمٌ لزوجته ـ أم المؤمنين ـ التي لا يحل لجابر ﵁ ولا لغيره أن يتزوجها بعد النبي ﵌؛ وهذا موقف عابر، فهل الاختلاط في العمل والتعليم وغير ذلك يكون بوجود المحرم حتى يقاس هذا على ذاك؟!!.
محاط بجنود السلطان من كل جانب؟!
وهل أرسل إبراهيم ﵇ زوجته طائعًا مختارًا أم مُكرهًا مقهورًا؟! (١).
٢ - لو سلمنا جدلًا بصحة استدلالهم بالقصة فهذا شرع من قبلنا، فلا يستدل به لأنه قد جاء في شرعنا ما ينسخه، فـ «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» كما قال نبينا ﵌ (٢).
أما في شرعنا فقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدِّفَاعِ عَنِ النَّفْسِ وَالْعِرْضِ وَالْمَال فِي حَالَةِ الصِّيَال، لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٤)، وَقَوْلُهُ ﵌: «مَنْ قُتِل دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (٣) وَلَيْسَ عَلَى الْمَصُول عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا يُتْلِفُ مِنَ النَّفْسِ أَوِ الْمَال فِي حَالَةِ الدِّفَاعِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ وَسِيلَةٌ أُخْرَى أَخَفُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الْعِرْضِ بِمَعْنَى الْبُضْعِ وَاجِبٌ، فَيَأْثَمُ الإِْنْسَانُ بِتَرْكِهِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: «لأَِنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى إِبَاحَتِهِ، وَسَوَاءٌ بُضْعُ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِثْل الْبُضْعِ مُقَدِّمَاتُهُ» (٤).
стр. 498
الشبهة الرابعة والستون:
تحاكم المرأتان إلى داود وسليمان سدد خطاكم:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ. وَقَالَتِ الأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: «ائْتُونِى بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا».فَقَالَتِ الصُّغْرَى: «لاَ ـ يَرْحَمُكَ اللهُ ـ هُوَ ابْنُهَا». فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى». (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
لا يدخل في الاختلاط المحرم ما تدعو إليه الضرورة وتشتد الحاجة إليه (١) ومن حالات الاضطرار: الجلوس عند القضاة لفصل الخصومات وهو مما يباح ويشرع مع التصون التام (٢).
فهذه حاجة طارئة، وليست كالاختلاط لساعات في العمل، أو الدراسة (٣).
стр. 499
الشبهة الخامسة والستون:
زيارة النبي ﵌ وخديجة لورقة بن نوفل:
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِى النَّوْمِ ... إلى أن قالت: «فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ ـ وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِىَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِىَ ـ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: «يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ». فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: «يَا ابْنَ أَخِى مَاذَا تَرَى؟» فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ خَبَرَ مَا رَأَى». (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
١ - هذه الحادثة وقعت قبل فرض الحجاب فلا يسوغ الاستدلال بها.
٢ - هذه الحادثة كانت في بداية البعثة وقبل نزول التشريعات، بل حتى قبل نزول القرآن الكريم نفسه؛ إذ غاية ما نزل آنذاك صدر سورتي (اقرأ) و (المدثر).
٣ - لا شيء يمنع من دخول رجل مع امرأته على رجل أجنبي بغرض الاستشارة أو الاستفتاء وبلا خلوة أو ريبة؛ فهذا من اللقاء العابر وليس من الاختلاط المقصود في شيء (١).
٤ - يضاف إلى وجود المحرم أن وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِىَ فالفتنة مأمونة.
стр. 500
ثالثًا: أحاديث ضعيفة لم تثبت أصلًا فلا يحتج بها
الشبهة السادسة والستون:
أَطْعِمْنِي مِمَّا فِي فِيكَ:
روى الطبراني في (المعجم الكبير برقم ٧٧١٨) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ـ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ـ قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ تُرَافِثُ الرِّجَالَ، وَكَانَتْ بَذِيئَةً، فَمَرَّتْ بِالنَّبِيِّ ﵌ وَهُوَ يَأْكُلُ ثَرِيدًا عَلَى طَرَيَانٍ، قَالَتْ: «انْظُرُوا إِلَيْهِ يَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَيَأْكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «وَأَيُّ عَبْدٍ أَعْبَدُ مِنِّي؟»، قَالَتْ: «وَيَأْكُلُ وَلا يُطْعِمُنِي»، قَالَ: «فَكُلِي»، قَالَتْ: «نَاوِلْنِي يَدَكَ»، فَنَاوَلَهَا، قَالَتْ: «أَطْعِمْنِي مِمَّا فِي فِيكَ»، فَأَعْطَاهَا، فَأَكَلَتْ، فَغَلَبَهَا الْحَيَاءُ، فَلَمْ تُرَافِثْ أَحَدًا حَتَّى مَاتَتْ.
الجواب:
هذا الحديث لا يصح.
قال الهيتمي: «إسناده ضعيف» (١).
стр. 501
الشبهة السابعة والستون:
هل أكل النبي ﵌ مع أم إسحق:
قال الإمام أحمد في مسنده (رقم ٢٧٠٦٩):حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَشَّارُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ دِينَارٍ، عَنْ مَوْلَاتِهَا أُمِّ إِسْحَاقَ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﵌، فَأُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَأَكَلَتْ مَعَهُ، وَمَعَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فَنَاوَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ عَرْقًا (١)، فَقَالَ: «يَا أُمَّ إِسْحَاقَ أَصِيبِي مِنْ هَذَا»، فَذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، فَبَرَدَتْ يَدِي لَا أُقَدِّمُهَا، وَلَا أُؤَخِّرُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «مَا لَكِ؟»، قَالَتْ: «كُنْتُ صَائِمَةً فَنَسِيتُ»، فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ: «الْآنَ بَعْدَمَا شَبِعْتِ؟!»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «أَتِمِّي صَوْمَكِ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْكِ».
ورواه عبد بن حميد قال: حدثنا أبو عاصم، عن بشار بن عبد الملك قال: حدثتني جدتي أم حكيم ابنة دينار مولاة أم إسحاق، عن أم إسحاق، قالت: «دخلت على رسول الله ﵌ فأتي بخبز ولحم، قالت: «وكنت أشتهي أن آكل من طعام النبي ﵌، فقال: «هلمي يا أم إسحاق فكلي».
قالت: «فأكلتُ، ثم ناولني عَرْقًا، فرفعته إلى فِيَّ (٢) فذكرتُ أني صائمة، فبقيت يدي لا أستطيع أن أرفعها إلى فِيَّ ولا أستطيع أن أضعها، فقال رسول الله ﵌: «ما لك يا أم إسحاق؟» قلت: «يا رسول الله، إني كنت صائمة»، قال رسول الله ﵌: «أتِمِّي صومك»، فقال ذو اليدين: «الآن حين شبعت؟»، فقال النبي ﵌: «إنما هو رزق ساقه الله إليها» (٣).
стр. 502
ورواه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني) قال: حدثنا يحيى بن الجهضم، ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، ثنا بشار بن عبد الملك، حدثتني أم حكيم بنت دينار، عن مولاتها أم إسحاق، قالت: دخلت على النبي ﵌ في بيت حفصة فأتي بثريد وخبز ولحم فقال: «هلمي يا أم إسحاق».
قالت: كنت أشتهي أن آكل من طعام رسول الله ﵌ فأكلت ونسيت صومي، قالت: «فناولني عَرْقًا فلما أخذت العرق رفعته إلى فمي ثم ذكرت صومي فبقيتُ لا أستطيع أرفعها ولا أضعها، فقال: «ما لك يا أم إسحاق؟».
فقلت: «إني كنت صائمة ونسيت صومي»، فقال ذو اليدين: «حين شبعت؟!»، فقال رسول الله ﵌: «بل هو رزق ساقه الله إليك، ضَعِي العَرْقَ وصومي بقية يومك» (١).
قال دعاة الاختلاط:
«هذه امرأة تجالس النبي ﵌ وقد حضر الطعام، بل وكان أصحابه معه مثل ذي اليدين، بل ويقدم لها النبي ﵌ بيده الكريمة قطعة من اللحم».
الجواب:
أولًا: إن المرء لا يكاد ينقضي عجبه عندما يجد من هؤلاء الحرص على انتقاء ما يؤيد هواهم وإن لم يكن صحيحًا إلى النبي ﵌؛ فهذا الحديث لا يصح.
قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: «إسناده ضعيف لجهالة أمِّ حكيم بنتِ دينار؛ إذ لم يذكروا في الرواة عنها سوى بشار بن عبد الملك، وهو ضعيف، ضعَّفه ابن معين (٢).
стр. 503
وأخرجه ابن الأثير في (أسد الغابة) ـ في ترجمة أم إسحاق ـ من طريق الإمام أحمد، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في (الكبير ٢٥/ ٤١١) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، به.
وأخرجه عبد بن حميد (١٥٩٠)، ومن طريقه الحافظ في (الإصابة في تمييز الصحابة) ـ في ترجمة أم إسحاق ـ وابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٣٣٠٦) من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن بشار، به. وتحرف اسم بشار عند عبد بن حميد إلى يسار.
وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب): «أم إسحاق الغنوية: هاجرت إلى رسول الله ﵌، يروي عنها أهل البصرة حديثها فيمن أكل ناسيًا، وهو غريب الإسناد.
وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد ٣/ ١٥٧)، وقال: «رواه أحمد والطبراني، وفيه أمُّ حكيم لم أجد لها ترجمة».
ولقوله: «أتمي صومك، فإنما هو رزقٌ ساقه الله إليك» شاهد من حديث أبي هريرة، سلف برقم (٩١٣٦)، ولفظه: «إِذَا صَامَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا فَنَسِيَ، فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» وهو حديث صحيح» (١).
ثانيًا: على فرض صحة هذا الحديث الضعيف، فقد يكون ذلك قبل نزول آيات الحجاب كما مر في أحاديث وضوء الرجال مع النساء، ويجب رد المتشابه إلى المحكم.
стр. 504
الشبهة الثامنة والستون:
ادْنِي فَكُلِي:
عَنْ حَبِيبٍ ـ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ـ عَنْ مَوْلَاةٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهَا لَيْلَى تُحَدِّثُ عَنْ جَدَّتِي ـ وَهِيَ أُمُّ عُمَارَةَ بِنْتُ كَعْبٍ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ طَعَامًا فَقَالَ لَهَا: «كُلِي» فَقَالَتْ: «إِنِّي صَائِمَةٌ»، فَقَالَ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى الصَّائِمِ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّى يَفْرُغُوا».
الجواب:
١ - هذا الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي، ولا يصح الاحتجاج به فقد ضعفه الألباني والأرنؤوط.
٢ - على فرض صحة هذا الحديث الضعيف، فقد يكون ذلك قبل نزول آيات الحجاب كما مر في أحاديث وضوء الرجال مع النساء، ويجب رد المتشابه إلى المحكم.
стр. 505
الشبهة التاسعة والستون:
هل أكلت عَمِيرَة بنت مَسْعُودٍ وأَخَوَاتُها مع النبي ﵌ -؟
روى الطبراني في (المعجم الكبير) وابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني) وابن حجر في (الإصابة في تمييز الصحابة)، وأبو نعيم الأصبهاني في (حلية الأولياء) عن إِسْحَاقُ بن إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن جَعْفَرِ بن مَحْمُودِ بن مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ جَدَّتَهُ عَمِيرَةَ بنتَ مَسْعُودٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ هِيَ وأَخَوَاتُها يُبايِعْنَهُ، وَهُنَّ خَمْسٌ فَوَجَدْنَهُ وَهُوَ يَأْكُلُ قَدِيدًا، فَمَضَغَ لَهُنَّ قَدِيدَةً ثُمَّ نَاوَلَنِي الْقَدِيدَةَ، فَمَضَغَتْها كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قِطْعَةً فَلَقِينَ اللهَ، وَمَا وَجَدْنَ لأَفْوَاهِهِنَّ خُلُوفًا».
قال دعاة الاختلاط: هذه عَمِيرَة بنت مَسْعُودٍ وأَخَوَاتُها يمضغ لهن النبي ﵌ قديدة ثم يناولها النبي ﵌ القديدة.
الجواب:
١ - يقال: أثبِت العرش ثم انقش، أثبِتوا أولًا أن هذا حديث صحيح ثم استدلوا به. فقد قال ابن حجر الهيتمي: «فيه إسحاق بن إدريس الأسواري وهو ضعيف» (١).
٢ - على فرض صحة هذا الحديث الضعيف، فقد يكون ذلك قبل نزول آيات الحجاب كما مر في أحاديث وضوء الرجال مع النساء، ويجب رد المتشابه إلى المحكم.
стр. 506
الشبهة السبعون:
هل أكل النبي ﵌ مع امرأة كانت تزور خديجة ﵂ -؟
عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ امْرَأَةٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِطَعَامٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنَ الطَّعَامِ وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، لا تَغْمُرْ يَدَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ هَذِهِ كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ، أَوْ حَفِظَ الْعَهْدِ مِنَ الإِيمَانِ، وَلَمَّا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ النِّسَاءَ مِنَ الْغَيْرَةِ، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِكَبِيرَةِ السِّنِّ حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﵌، ثُمَّ قَالَ: «مَا ذَنْبِي أَنْ رَزَقَهَا اللهُ مِنِّي الْوَلَدَ، وَلَمْ يَرْزُقْكِ؟»، قُلْتُ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذَا إِلا بِخَيْرٍ».
الجواب:
١ - هذا الحديث رواه الطبراني في (المعجم الكبير)، ولا يصح، فقد قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: «ورجاله ثقات رجال الشيخين لكن فيه انقطاع بين ابن أبي نجيح وعائشة، فإنه لم يسمع منها» (١).
وقال الشيخ الألباني: «وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع بين ابن أبي نجيح ـ واسمه عبد الله ـ وعائشة، فإنه لم يسمع منها» (٢).
٢ - على فرض صحة الحديث فهذه المرأة من القواعد من النساء.
стр. 507
الشبهة الحادية والسبعون:
هل شَرِبَ النبي ﵌ ثُمَّ نَاوَلَ أُمَّ هَانِئٍ:
روى الترمذي عن شُعْبَةُ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ سِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ يَقُولُ: أَحَدُ ابْنَىْ أُمِّ هَانِئٍ حَدَّثَنِى فَلَقِيتُ أَنَا أَفْضَلَهُمَا ـ وَكَانَ اسْمُهُ جَعْدَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ هَانِئٍ جَدَّتَهُ ـ فَحَدَّثَنِى عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَى بِشَرَابٍ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَمَا إِنِّى كُنْتُ صَائِمَةً».
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِينُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ».
وفي رواية: «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ».
(رواه الترمذي والنسائي في (السنن الكبرى) والإمام أحمد في المسند).
ورواه أبو داود، ولفظه: عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ ـ فَتْحِ مَكَّةَ ـ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ الله ﵌، وَأُمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ (١) بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَنَاوَلَتْهُ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً». فَقَالَ لَهَا: «أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟». قَالَتْ: «لاَ». قَالَ: «فَلاَ يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا».
الجواب:
هذا الحديث لا يصح، قَالَ الترمذي: «وَحَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِى إِسْنَادِهِ مَقَالٌ».
وقال المنذري: «أخرجه الترمذي والنسائي، وفي إسناده مقال، ولا يثبت، وفي
الشبهة الثانية والسبعون:
عيادة الصحابة ﵃ لفاطمة ﵂ مع النبي ﵌ -:
قال أبو نعيم الأصبهاني في (حلية الأولياء): «حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا محمد بن الصباح ثنا علي بن هاشم عن كثير النواء عن عمران بن حصين أن النبي ﵌ قال: «ألا تنطلق بنا نعود فاطمة فإنها تشتكي»، قلت: «بلى»، قال فانطلقنا حتى إذا انتهينا إلى بابها فسلم واستأذن فقال: «أدخل أنا ومن معي؟»، قالت: «نعم ومن معك يا أبتاه؛ فوالله ما عَلَيَّ إلا عباءة»، فقال لها: «اصنعي بها كذا، واصنعي بها كذا»، فعلَّمها كيف تستتر، فقالت: «والله ما على رأسي من خمار»، قال: فأخذ خلق مِلاءة كانت عليه فقال: «اختمري بها»، ثم أذِنَتْ لهما فدخلا فقال: «كيف تجدِينَكِ يا بُنَيَّة؟».
قالت: «إني لوجعة وإنه ليزيد في أنه ما لي طعام آكله».
قال: «يا بنية أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين».
قالت: «تقول يا أبَتِ فأين مريم ابنة عمران».
قال: «تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك، أما والله زَوَّجْتُكِ سيدًا في الدنيا والآخرة».
كذا رواه علي بن هاشم مرسلا، ورواه ناصح بن عبد الله عن سماك عن جابر بن سمرة متصلا، حدثناه محمد بن أحمد ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد المقري، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي الكوفي، ثنا إسماعيل بن أبان الوراق، ثنا ناصح أبو عبد الله، عن سماك، عن جابر ابن سمرة، قال جاء نبي الله ﵌ فجلس فقال: «إن فاطمة وجعة»، فقال القوم: «لو عُدْناها»، فقام فمشى حتى انتهى إلى الباب ـ والباب عليها مصفق.
قال: فنادى: «شدي عليك ثيابك فإن القوم جاؤوا يعودونك».
стр. 510
فقالت: «يا نبي الله ما عليَّ إلا عباءة».
قال: فأخذ رداءً فرمى به إليها من وراء الباب؛ فقال: «شدي بهذا رأسك»، فدخل ودخل القوم، فقعد ساعة، فخرجوا فقال القوم: «تالله بنت نبينا ﵌ على هذا الحال».
قال: فالتفت فقال: «أما إنها سيدة النساء يوم القيامة».
الجواب:
أولًا: هذا الحديث لا يصح.
الطريق الأولى: إسنادها ضعيف لأنها مرسلة ـ كما قال أبو نعيم ـ ولضعف علي بن هاشم وكثير النواء.
وعلي بن هاشم قال عنه الحافظ ابن حجر: «صدوق يتشيع من صغار الثامنة» (١).
ومعنى ذلك عنده كما ذكر في مقدمة التقريب: «الثامنة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه إطلاق الضعف، ولو لم يفسر، وإليه الإشارة بلفظ: ضعيف».
وكثير النواء هو كثير بن إسماعيل التميمي ضعفه النسائي وابن عدي والذهبي وابن حجر العسقلاني والهيتمي.
والطريق الثانية: في إسنادها ناصح بن عبد الله، وقد ضعفه الحافظ ابن حجر، والذهبي، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم، والدارقطني، وأبو حاتم.
ثانيًا: على فرض صحة الحديث الضعيف، فالنبي ﵌ محرم لفاطمة ﵂؛ فأين هذا من الاختلاط في العمل أو الدراسة لساعات طويلة بلا محرم (٢).
стр. 511
الشبهة الثالثة والسبعون:
لَيْسَ أُولَئِكَ عَنَيْتُ:
روى الطبري عن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ (الممتحنة:١٢): «ذُكر لنا أن نبي الله ﵌ أخذ عليهن يومئذ النياحة، ولا تُحَدِّثْنَ الرجال، إلا رجلا منكن مَحْرَمًا، فقال عبد الرحمن بن عوف: «يا نبي الله إن لنا أضيافًا، وأنا نغيب عن نسائنا؛ قال: فقال رسول الله ﵌: «لَيْسَ أُولَئِكَ عَنَيْتُ».
ورُوِىَ أيضًا عن قتادة: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: «هو النوح أُخِذ عليهن لا يَنُحْنَ، ولا يخلُونَّ بحديث الرجال إلا مع ذي محْرم؛ قال: فقال عبد الرحمن بن عوف: «إنا نغيب ويكون لنا أضياف»؛ قال: «وليس أولئك عنيت».
الجواب:
١ - هذا الحديث لا يصح، فقتادة بن عامر السدوسي تابعي لم يدرك النبي ﵌، وقد قال في حديثه: «ذُكر لنا». فلا يُعلم عمن رواه؛ فالحديث مرسل (١).
٢ - غاية ما في هذا الحديث الضعيف أنه يجوز للرجل الذي جاء يسأل عن صاحبه فلم يجده أن تكلمه زوجة صاحبه ـ وهي امرأة أجنبية ـ بالضوابط الشرعية من الحجاب التام وعدم الخضوع بالقول، وليس له علاقة من قريب أو بعيد بمسألة الاختلاط.
٣ - هذا الحديث الضعيف دليل على تحريم الاختلاط حيث إنه يُحَرِّم على المرأة حتى مجرد الكلام مع الرجل الأجنبي، ويستثني حالة الضيف الذي يسأل عن صاحبه، فهو حجة على دعاة الاختلاط.
стр. 512
الشبهة الرابعة والسبعون:
أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ:
عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَتْ: «أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ قَالَتْ فَوَاللهِ لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى الصُّبْحِ فَأَنَاخَ وَنَزَلْتُ عَنْ حَقِيبَةِ رَحْلِهِ فَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي، فَكَانَتْ أَوَّلُ حَيْضَةٍ حِضْتُهَا قَالَتْ فَتَقَبَّضْتُ إِلَى النَّاقَةِ وَاسْتَحْيَيْتُ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﵌ مَا بِي وَرَأَى الدَّمَ قَالَ: «مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ»، قُلْتُ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِكِ، ثُمَّ خُذِي إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدَّمِ، ثُمَّ عُودِي لِمَرْكَبِكِ».قَالَتْ: «فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﵌ خَيْبَرَ رَضَخَ لَنَا مِنْ الْفَيْءِ».
قَالَتْ: «وَكَانَتْ لَا تَطَّهَّرُ مِنْ حَيْضَةٍ إِلَّا جَعَلَتْ فِي طَهُورِهَا مِلْحًا وَأَوْصَتْ بِهِ أَنْ يُجْعَلَ فِي غُسْلِهَا حِينَ مَاتَتْ» (رواه الإمام أحمد وأبو داود).
الجواب:
١ - هذا الحديث لا حجة فيه؛ لأنه لا يصح، فقد ضعفه الألباني في تعليقه على (سنن أبي داود)، والأرنؤوط في تعليقه على (مسند الإمام أحمد).
٢ - على فرض صحة هذا الحديث الضعيف فليس فيه دليل على الاختلاط أو المماسة، فتلك المرأة لم تكن قد بلغت المحيض حين ركبت خلف النبي ﵌، وجلوسها على حقيبة الرحل لا يستلزم المماسة؛ قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ: «(أَرْدَفَنِي):أَيْ حَمَلَنِي خَلْفه عَلَى ظَهْر الدَّابَّة، (عَلَى حَقِيبَة رَحْله) هِيَ كُلّ مَا شُدَّ فِي مُؤْخِر رَحْل أَوْ قَتَب. وَالرَّحْل هُوَ الْمَرْكَب لِلْبَعِيرِ وَهُوَ أَصْغَر مِنْ الْقَتَب. قَالَ اِبْن الْأَثِير: «الْحَقِيبَة هِيَ الزِّيَادَة الَّتِي تُجْعَل فِي مُؤَخَّر الْقَتَب». اِنْتَهَى.
فَالْإِرْدَاف عَلَى حَقِيبَة الرَّحْل لَا يَسْتَلْزِم الْمُمَاسَّة، فَلَا إِشْكَال فِي إِرْدَافه ﵌ إِيَّاهَا. (فَتَقَبَّضْت إِلَى النَّاقَة) أَيْ وَثَبْت إِلَيْهَا. (لَعَلَّك نَفِسْت): أَيْ حِضْت.
(فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسك): مَا يَمْنَعك مِنْ خُرُوج الدَّم إِلَى حَقِيبَة الرَّحْل.
(رَضَخَ لَنَا) أَيْ أَعْطَانَا قَلِيل الْمَال. (مِن الْفَيْء) أَيْ مِن الْغَنِيمَة.
стр. 513
الشبهة الخامسة والسبعون:
كم أنتم ؟
روى الإمام الطبري في تفسيره عن قتادة قال: «بينما رسول الله ﵌ يخطب الناس يوم الجمعة، فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت منهم عصابة، فقال: «كم أنتم؟»، فعدّوا أنفسهم فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأة؛ ثم قام في الجمعة الثانية فجعل يخطبهم ويعظهم ويذكرهم، فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت منهم عصابة، فقال: «كم أنتم؟»، فعدّوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأة، ثم قام في الجمعة الثالثة فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت منهم عصابة، فقال: «كم أنتم؟»، فعدّوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأة، فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ اتَّبَعَ آخِرُكمْ أوَّلَكُمْ لالْتَهَبَ عَلَيْكُمُ الْوَادِي نَارًا»، وأنزل الله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ﴾ (الجمعة:١١) (١).
الجواب:
١ - هذا الحديث لا يصح فهو من رواية قتادة بن عامر السدوسي، وهو تابعي لم يدرك النبي ﵌، فالحديث مرسل.
٢ - هذا الحديث الضعيف ـ إن صح ـ فليس فيه حجة لدعاة الاختلاط؛ إذ غاية ما فيه صلاة النساء مع الرجال في الصلوات الخمس والعيدين، وليس في ذلك دليل على ما يدعو إليه دعاة الاختلاط، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل.
стр. 514
رابعًا:
آثار صحيحة عن الصحابة
وعند التأمل لا يفهم منها إقرارهم هذا الأمر، فليس فيها دليل على جواز الاختلاط، وعلى فرض أن فيها دليلًا فلا يحتج بأقوال الصحابة ولا أفعالهم إن خالفت أمر النبي ﵌ ونهيه؛ لأن قول الصحابي وفعله لا اعتبار له إذا خالف الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء: ٥٩).
الشبهة السادسة والسبعون:
عيادة عائشة لبلال ﵄ -:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ ﵄، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا، قُلْتُ: «يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟، وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟» (رواه البخاري) (١).
الجواب:
١ - دخول عائشة على بلال ﵁ ليس فيه دليل على جواز الاختلاط؛ لأن ذلك كان قبل نزول آيات الحجاب بخمس سنين؛ ويدل على ذلك قولها ﵂: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ» وقد ذكر الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من (صحيح البخاري) أَنَّ ذَلِكَ قَبْل الْحِجَاب قَطْعًا.
وقال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث: «وفيه عيادة الجِلّة السادة لعبيدهم؛ لأن بلالًا أعتقه أبو بكر الصديق وكانت عائشة تزوره، وكان ذلك قبل نزول الحجاب» (٢).
стр. 515
٢ - من استدل من العلماء بهذا الأثر وغيره على جواز عيادة الرجل المرأة الأجنبية، أو المرأة الرجل الأجنبي عنها، اشترط الشروط الآتية:
- غض البصر وعدم الخضوع بالقول.
- والتستر والالتزام بالحجاب الشرعي.
- وأمن الفتنة.
- وعدم الخلوة.
وقالوا: الأَوْلَى حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لا يُخَافُ مِنْهَا فِتْنَةٌ كَالْعَجُوزِ (١)، كما في عيادة أم الدرداء لرجل من الأنصار في المسجد ـ إن صح ذلك عنها ـ كما سيأتي إن شاء الله (٢)
فأين هذا من الاختلاط في العمل أو الدراسة لساعات طويلة مع عدم وجود هذه الضوابط، وشتان بين ذلك وبين زيارة تستغرق دقائق معدودة من امرأة عجوز لمريض في فراشه تؤمن منه ومنها الفتنة (٣).
стр. 516
الشبهة السابعة والسبعون:
هل عَادَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْأَنْصَارِ ؟
قال البخاري: «وَعَادَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْأَنْصَارِ».
الجواب:
١ - هذا الأثر رواه البخاري في صحيحه تعليقًا.
والحديث المعلق هو هو ما حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر ولو إلى آخر الإسناد، فهو ما حذف من مبتدأ إسناده راوٍ واحد أو راويان أو ثلاثة أو جميع الإسناد (١).
والمعلق من قسم الضعيف إلا أن نقف على الرجال المحذوفين، ومن ثَمَّ نحكم عليه بما يستحق، وليست المعلقات التي في صحيح البخاري كلها على شرطه.
وهذا الأثر رواه البخاري موصولًا في (الأدب المفرد) و (التاريخ الكبير) عن الحارث بن عُبيد الله الأنصاري قال: «رأيتُ أمّ الدرداء، على رحالها أعوادٌ ليس عليها غشاء عائدةً لرجلٍ من أهل المسجد من الأنصار».
وقال الألباني في تعليقه على (الأدب المفرد): «ضعيف الإسناد، الحارث هذا مجهول الحال».
٢ - على فرض صحة الأثر فقد قال ابن بطال في شرحه لهذا الأثر من صحيح البخاري: «وعيادة أم الدرداء تحمل على أنها عادت الأنصاري وهى متجالّة، فلا تزورن امرأة رجلًا إلا أن تكون ذات محرم أو تكون متجالة يؤمن من مثلها الفتنة بها» اهـ.
والمتجالة هي المرأة التي قد تَجالَّتْ، أَي أَسَنَّت وكَبرَتْ وعجزت (٢).
стр. 517
هذا إن كانت أم الدرداء صحابية فما بالك إن كان ابن حجر قد رجح أنها تابعية، فقد نقل عن الكرماني قوله: «لِأَبِي الدَّرْدَاء زَوْجَتَانِ كُلّ مِنْهُمَا أُمّ الدَّرْدَاء، فَالْكُبْرَى اِسْمهَا خَيْرَة ـ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة ـ صَحَابِيَّة، وَالصُّغْرَى اِسْمهَا هُجَيْمَة ـ بِالْجِيمِ وَالتَّصْغِير وَهِيَ تَابِعِيَّة ـ، وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد هُنَا الْكُبْرَى، وَالْمَسْجِد مَسْجِد الرَّسُول ﵌ بِالْمَدِينَةِ».
ثم قال الحافظ ابن حجر: «قُلْت: وَمَا ادَّعَى أَنَّهُ الظَّاهِر لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ الصُّغْرَى، لِأَنَّ الْأَثَر الْمَذْكُور أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرَد) مِنْ طَرِيق الْحَارِث بْن عُبَيْد، وَهُوَ شَامِيّ تَابِعِيّ صَغِير لَمْ يَلْحَق أُمّ الدَّرْدَاء الْكُبْرَى، فَإِنَّهَا مَاتَتْ فِي خِلَافَة عُثْمَان قَبْل مَوْت أَبِي الدَّرْدَاء.
وَالصُّغْرَى عَاشَتْ إِلَى أَوَاخِر خِلَافَة عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان وَمَاتَتْ فِي سَنَة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بَعْد الْكُبْرَى بِنَحْوِ خَمْسِينَ سَنَة» (١).
стр. 518
الشبهة الثامنة والسبعون:
دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ:
عن الشَّعْبِيُّ قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ وَسَقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ فَسَأَلْتُهَا عَنْ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: «أَيْنَ تَعْتَدُّ؟».قَالَتْ: «طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا فَأَذِنَ لِي النَّبِيُّ ﵌ أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي» (رواه مسلم).
قال دعاة الاختلاط: «فهذه امرأة من الصحابة يدخل عليها الرجال لأخذ العلم فتستضيفهم وتطعمهم وتسقيهم».
الجواب:
١ - معنى الحديث: قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم:
مَعْنَى (أَتْحَفَتْنَا) ضَيَّفَتْنَا (وَرُطَب اِبْن طَاب) نَوْع مِنْ الرُّطَب الَّذِي بِالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا السُّلْت: فَبِسِينٍ مُهْمَلَة مَضْمُومَة ثُمَّ لَام سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْق وَهُوَ حَبّ مُتَرَدِّد بَيْن الشَّعِير وَالْحِنْطَة قِيلَ طَبْعه طَبْع الشَّعِير فِي الْبُرُودَة وَلَوْنه قَرِيب مِنْ لَوْن الْحِنْطَة. وَقِيلَ: عَكْسه.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب الضِّيَافَة وَاسْتِحْبَابهَا مِنْ النِّسَاء لِزُوَّارِهِنَّ مِنْ فُضَلَاء الرِّجَال، وَإِكْرَام الزَّائِر وَإِطْعَامه، وَاللهُ أَعْلَم» (١).
٢ - مطلق الدخول لا يعني دخول الحجاب أو الجلوس وجهًا لوجه فهناك فرق بين قولهم: «دخلنا على فلانة» وقولهم: «دخلنا الحجاب» (٢).
стр. 519
وقد تقدم توضيح ذلك بالتفصيل (١).
وهذا الأثر ليس صريحًا في الدلالة على ما يَدْعُون إليه من الاختلاط، ويجب فهمه في ضوء واقع الصحابة ﵃، وليس واقع كثير من المسلمين اليوم، فإن المعهود من نساء الصحابة أنهن لم يَكُنَّ يختلطن بالرجال في الطريق امتثالًا لأمر النبي ﵌ ألا يحْقُقْنَ الطريق، فكيف يَتَصور ذو قلب مريض أن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ كانت تجلس بين الرجال كما يحدث الآن، ولماذا لا يتخيل أنها قدمت لهم الطعام عن طريق أحد المحارم أو أحد العبيد، ولماذا لا يتخيل أنها كلمت الشعبي ﵀ من وراء حجاب كما كان المعهود من فعل المسلمات حتى عهد قريب.
٣ - إن صح استدلالهم به، فليس لهم فيه حجة لأن قول الصحابي وفعله لا اعتبار له إذا خالف الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء: ٥٩).
قال دعاة الاختلاط: والشاهد دخول أبي بكر ﵁ على امرأة لا تعرفه ويتحدثان معًا طويلًا.
الجواب:
١ - هذا الأثر ليس صريحًا في الدلالة على ما ذهبوا إليه، فغاية ما فيه مرور خليفة المسلمين على خيمة من خيام الحجيج، فوجد أمرًا منكرًا فنهى عنه.
وليس فيه ما يدل على خلو المكان من المحرم، بل يُستفاد من رَدِّهم عليه وجود رجال آخرين: «فَرَآهَا لَا تَكَلَّمُ فَقَالَ: «مَا لَهَا لَا تَكَلَّمُ؟»، قَالُوا: «حَجَّتْ مُصْمِتَةً».
فلا خلوة ولا اختلاط بل أمر عابر لم يستغرق ثلاث دقائق، فأين هذا من الاختلاط بدون محرم لساعات طويلة (١).
٢ - قال الحافظ ابن حجر في معنى الدخول: «لَا يَلْزَم مِنْ الدُّخُول رَفْع الْحِجَاب فَقَدْ يَدْخُلَ مِنْ الْبَاب وَتُخَاطِبهُ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب» (٢).
стр. 522
الشبهة الثمانون:
كُنْتُ عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ:
عن ثَابِتٍ الْبُنَانِيَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ، قَالَ أَنَسٌ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَلَكَ بِي حَاجَةٌ».
فَقَالَتْ بِنْتُ أَنَسٍ: «مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا، وَاسَوْأَتَاهْ وَاسَوْأَتَاهْ».
قَالَ: «هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ ﵌ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا» (رواه البخاري).
الجواب:
أولًا: كم كان عمر ابنة أنس ﵁؟ هل كانت بالغة أم لا؟ نطالب دعاة الاختلاط بدليل أنها كانت بالغة حتى يستقيم لهم الاستدلال بهذا الأثر.
ثانيًا: نطالبهم أيضًا بدليل على أن ابنة أنس ﵁ كانت جالسة معهم في نفس المكان، وأنها لم تكن تسمع من وراء حجاب كما هو المتبادر من تصورنا لفهم الصحابة وتطبيقهم للأحاديث التي تنهى عن الاختلاط، بل إن مخاطبة النساء للرجال من وراء حجاب كان هو المعهود من فعل المسلمات حتى عهد قريب.
قال دعاة الاختلاط: فهذه امرأة تُكلم عمر، ويكلمها، ويقضي لها حاجتها.
الجواب:
هذا حوار عابر دار في السوق أمام الناس بين أمير المؤمنين عمر ﵁ وبين امرأة من رعيته قد مات زوجها، وليس لأولادها مال من زرع أو حيوان أو غيرهما، فذهبت إلى ولي أمر المسلمين تبُثُّ إليه شكواها بعد الله ، فقضى لها أمير المؤمنين حاجتها، ثم انصرفت، فلا اختلاط ولا خلوة، ولا خضوع بالقول، ولا كلام زائد عن الحاجة.
وقد سمع الراوي ما دار بينهما وذكره بالتفصيل.
فأين هذا مما يدعو إليه دعاة الاختلاط في العمل والدراسة لساعات طوال (١).
стр. 525
الشبهة الثانية والثمانون:
يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَكُمْ ؟
عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى قُرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ فِي عُرْسٍ وَإِذَا جَوَارٍ يُغَنِّينَ فَقُلْتُ: «أَنْتُمَا صَاحِبَا رَسُولِ اللهِ ﵌، وَمِنْ أَهْلِ بَدْرٍ يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَكُمْ؟»، فَقَالَ: «اجْلِسْ؛ إِنْ شِئْتَ فَاسْمَعْ مَعَنَا، وَإِنْ شِئْتَ اذْهَبْ؛ قَدْ رُخِّصَ لَنَا فِي اللَّهْوِ عِنْدَ الْعُرْسِ» (رواه النسائي، وحسنه الألباني).
قال دعاة الاختلاط: «استمر حضور واجتماع الرجال والنساء في العرس حتى بعد عصر النبوة».
الجواب:
أين النساء في هذا الأثر؟
إنهن جوارٍ صغار، فالجارية هي البنت الصغيرة، أو المملوكة؛ وهن غير مأمورات بالحجاب.
قال الملا علي القاري في شرحه لهذا الحديث: «جَوارٍ، جمع جارية أي بنات صغيرات، أو مملوكات» (١).
وهذا الأثر لا يدل على جواز استماع الرجال إلى غناء النساء في الزفاف؛ فإن الغناء المباح جائز في العرس إذا لم تكن فيه موسيقى ولا خلاعة، ويجوز للرجال سماعه إذا كان من بنات صغيرات لا تُخاف الفتنة بهن (٢).
стр. 526
الشبهة الثالثة والثمانون:
هل زوجات النبي ﵌ كُنَّ يُجالسن الرجال ؟
قال دعاة الاختلاط: لا مانع من مشاركة المرأة الرجل أو الرجال في أعمالهم الوظيفية، وفي مجالس العلم والذكر ما دامت متحجبة.
ويحتجون لذلك برواىة كثير من الصحابة والتابعين ﵃ أحاديث عن عائشة وغيرها من زوجات النبي ﵌، ويحتجون كذلك بتدريس عائشة ﵂ لبقية الصحابة، وبفتاويها التي كانت تُفتِي بها.
فهل يعني ذلك أن زوجات النبي ﵌ كُنَّ يُجالسن الرجال؟
الجواب:
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «لا مانع شرعًا من قيام المرأة بواجب التدريس، والوعظ والإفتاء، لكن مع مراعاة الحجاب الشرعي، والأمن من الفتنة، وعدم الاختلاط المريب، كما حصل من عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابيات، ولقوله تعالى في أمهات المؤمنين: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: ٣٤)» (١).
والأحاديث التي رواها الصحابة والتابعون عن زوجات النبي ﵌:
١ - إمَّا أنهم سمعوها من وراء حجاب؟ ومنها حديث مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: «سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ... ». (رواه البخاري ومسلم). وحديث يُوسُفَ بْنِ
стр. 527
مَاهَكَ قَالَ: « ... فَقَالَتْ عَائِشَةُ ـ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ـ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي» (رواه البخاري). فالشاهد أن زوجات النبي ﵌ كُنَّ يُكَلّمْنَ الرجال من وراء حجاب.
٢ - وإمَّا أن يكونوا من أرحامهن كعبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير سمعوا تلك الأحاديث من عائشة ﵂ مباشرة وحدثوا بها، وهي خالتهما أخت أمهما أسماء بنت أبي بكر ﵃.
٣ - وإمَّا أن النساء كنَّ يبلغن أزواجهنَّ الأحاديث التي في بيت النبوة من عائشة وغيرها من زوجات النبي ﵌ يسمَعْنَها.
ثم لا يخفى أن زوجات النبي ﵌ كنَّ يتحدثن إلى الرجال الأجانب في بيت النبي ﵌ بلا فاصل، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:٥٣)، احتجبْنَ فلم يحدِّثْنَ أحدًا من غير محارمهن إلا من وراء حجاب (١).
قال الإمام البخاري في ترجمة عبد الله أبي الصهباء الباهلي: «ورأى سِتْرَ عائشة ﵂ في المسجد الجامع، تُكَلِّم الناس من وراء السِّتر، وتُسأل من ورائه» (٢).
وليس هذا مختصًا بأمهات المؤمنين بل كانت النساء إذا تعلّمن أو عَلّمن يكون ذلك من وراء حجاب، ففي مسند الإمام أحمد: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ:
стр. 528
سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: جَاءَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَاسْتَأْذَنُوا عَلَى أَبِي الْأَشْهَبِ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَالُوا: «حَدِّثْنَا»، قَالَ: «سَلُوا»، فَقَالُوا: «مَا مَعَنَا شَيْءٌ نَسْأَلُكَ عَنْهُ»، فَقَالَتْ ابْنَتُهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: «سَلُوهُ عَنْ حَدِيثِ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ».
والشواهد كثيرة على أن مجالس سلف هذه الأمة وخيارها لم تكن مفتوحة على بعض بل كان بينها السّتور، كما أن نساء هذه الأمة لم يَكنّ يُعلّمن أو يَتعلّمن إلا من وراء حجاب وسِتر (١).
стр. 529
الشبهة الرابعة والثمانون:
هل قتلت أسماء بنت يزيد سبعة من الروم يوم اليرموك ؟
قالوا: شهدت أسماء بنت يزيد موقعة اليرموك وقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاط ظلتها؛ عَنْ مُحَمَّدِ بن مُهَاجِرٍ، وَعَمْرُو بن مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّ أَسْمَاءَ بنتَ يَزِيدَ بن السَّكَنِ بنتِ عَمِّ مُعَاذِ بن جَبَلٍ قَتَلَتْ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ تِسْعَةً مِنَ الرُّومِ بِعَمُودِ فُسْطَاطِهَا.
(رواه سعيد بن منصور في سننه، والطبراني في (المعجم الكبير)، وحسنه الألباني).
الجواب:
١ - القصة لا يصح الاستدلال بها؛ لأنه لا يُفهم من القصة أنها قاتلت مع الرجال وبحضرتهم، بل ظاهرها أنها قتلت السبعة المذكورين لما جاؤوا إلى خيمتها أو اقتربوا منها (١).
٢ - شتان بين خروج المرأة مع محارمها ودفاعها عن نفسها عند مهاجمة خيمتها، وبين الاختلاط في الدراسة أوالعمل لساعات بدون محرم ولا ضرورة.
стр. 530
الشبهة الخامسة والثمانون:
زيارة أبي بكر وعمر ﵄ لأم أيمن ﵂ بعد وفاة النبي ﵌ -:
قالوا: لا مانع من استقبال الزوجة ضيوف زوجها من الرجال، حتى في عدم وجوده، ويحتجون لذلك بزيارة أبي بكر وعمر ﵄ لأم أيمن ﵂ بعد وفاة النبي ﵌.
الجواب:
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ لِعُمَرَ: «انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَزُورُهَا»، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: «مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﵌»، فَقَالَتْ: «مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﵌، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ السَّمَاءِ»، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا.
ويقال في ذلك ما قيل في جواب الشبهة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة (١) من أن هذا محمول على ما إذا وُجِدَتْ الدواعي إلى الدخول عليها عند غيبة زوجها ومحارمها، وأُمِنَتْ الفتنة، وبَعُد التواطؤ منهم على الفاحشة، لا على الإطلاق.
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من (صحيح مسلم): «فِيهِ ... زِيَارَة جَمَاعَة مِنْ الرِّجَال لِلْمَرْأَةِ الصَّالِحَة، وَسَمَاع كَلَامهَا» (٢).
ثم إن أم أيمن كانت حاضنة النبى ﵌، وقد توفي النبي ﵌ وعمره ثلاث وستون سنة، فكم كان عمر أم أيمن بعد وفاة النبي ﵌ حين زارها أبو بكر وعمر ﵄؟