الشبهة الثالثة والثمانون:
هل زوجات النبي ﵌ كُنَّ يُجالسن الرجال ؟
قال دعاة الاختلاط: لا مانع من مشاركة المرأة الرجل أو الرجال في أعمالهم الوظيفية، وفي مجالس العلم والذكر ما دامت متحجبة.
ويحتجون لذلك برواىة كثير من الصحابة والتابعين ﵃ أحاديث عن عائشة وغيرها من زوجات النبي ﵌، ويحتجون كذلك بتدريس عائشة ﵂ لبقية الصحابة، وبفتاويها التي كانت تُفتِي بها.
فهل يعني ذلك أن زوجات النبي ﵌ كُنَّ يُجالسن الرجال؟
الجواب:
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «لا مانع شرعًا من قيام المرأة بواجب التدريس، والوعظ والإفتاء، لكن مع مراعاة الحجاب الشرعي، والأمن من الفتنة، وعدم الاختلاط المريب، كما حصل من عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابيات، ولقوله تعالى في أمهات المؤمنين: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: ٣٤)» (١).
والأحاديث التي رواها الصحابة والتابعون عن زوجات النبي ﵌:
١ - إمَّا أنهم سمعوها من وراء حجاب؟ ومنها حديث مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: «سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ... ». (رواه البخاري ومسلم). وحديث يُوسُفَ بْنِ
стр. 527
مَاهَكَ قَالَ: « ... فَقَالَتْ عَائِشَةُ ـ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ـ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي» (رواه البخاري). فالشاهد أن زوجات النبي ﵌ كُنَّ يُكَلّمْنَ الرجال من وراء حجاب.
٢ - وإمَّا أن يكونوا من أرحامهن كعبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير سمعوا تلك الأحاديث من عائشة ﵂ مباشرة وحدثوا بها، وهي خالتهما أخت أمهما أسماء بنت أبي بكر ﵃.
٣ - وإمَّا أن النساء كنَّ يبلغن أزواجهنَّ الأحاديث التي في بيت النبوة من عائشة وغيرها من زوجات النبي ﵌ يسمَعْنَها.
ثم لا يخفى أن زوجات النبي ﵌ كنَّ يتحدثن إلى الرجال الأجانب في بيت النبي ﵌ بلا فاصل، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:٥٣)، احتجبْنَ فلم يحدِّثْنَ أحدًا من غير محارمهن إلا من وراء حجاب (١).
قال الإمام البخاري في ترجمة عبد الله أبي الصهباء الباهلي: «ورأى سِتْرَ عائشة ﵂ في المسجد الجامع، تُكَلِّم الناس من وراء السِّتر، وتُسأل من ورائه» (٢).
وليس هذا مختصًا بأمهات المؤمنين بل كانت النساء إذا تعلّمن أو عَلّمن يكون ذلك من وراء حجاب، ففي مسند الإمام أحمد: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ:
стр. 528
سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: جَاءَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَاسْتَأْذَنُوا عَلَى أَبِي الْأَشْهَبِ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَالُوا: «حَدِّثْنَا»، قَالَ: «سَلُوا»، فَقَالُوا: «مَا مَعَنَا شَيْءٌ نَسْأَلُكَ عَنْهُ»، فَقَالَتْ ابْنَتُهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: «سَلُوهُ عَنْ حَدِيثِ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ».
والشواهد كثيرة على أن مجالس سلف هذه الأمة وخيارها لم تكن مفتوحة على بعض بل كان بينها السّتور، كما أن نساء هذه الأمة لم يَكنّ يُعلّمن أو يَتعلّمن إلا من وراء حجاب وسِتر (١).
стр. 529
الشبهة الرابعة والثمانون:
هل قتلت أسماء بنت يزيد سبعة من الروم يوم اليرموك ؟
قالوا: شهدت أسماء بنت يزيد موقعة اليرموك وقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاط ظلتها؛ عَنْ مُحَمَّدِ بن مُهَاجِرٍ، وَعَمْرُو بن مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّ أَسْمَاءَ بنتَ يَزِيدَ بن السَّكَنِ بنتِ عَمِّ مُعَاذِ بن جَبَلٍ قَتَلَتْ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ تِسْعَةً مِنَ الرُّومِ بِعَمُودِ فُسْطَاطِهَا.
(رواه سعيد بن منصور في سننه، والطبراني في (المعجم الكبير)، وحسنه الألباني).
الجواب:
١ - القصة لا يصح الاستدلال بها؛ لأنه لا يُفهم من القصة أنها قاتلت مع الرجال وبحضرتهم، بل ظاهرها أنها قتلت السبعة المذكورين لما جاؤوا إلى خيمتها أو اقتربوا منها (١).
٢ - شتان بين خروج المرأة مع محارمها ودفاعها عن نفسها عند مهاجمة خيمتها، وبين الاختلاط في الدراسة أوالعمل لساعات بدون محرم ولا ضرورة.
стр. 530
الشبهة الخامسة والثمانون:
زيارة أبي بكر وعمر ﵄ لأم أيمن ﵂ بعد وفاة النبي ﵌ -:
قالوا: لا مانع من استقبال الزوجة ضيوف زوجها من الرجال، حتى في عدم وجوده، ويحتجون لذلك بزيارة أبي بكر وعمر ﵄ لأم أيمن ﵂ بعد وفاة النبي ﵌.
الجواب:
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ لِعُمَرَ: «انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَزُورُهَا»، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: «مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﵌»، فَقَالَتْ: «مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﵌، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ السَّمَاءِ»، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا.
ويقال في ذلك ما قيل في جواب الشبهة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة (١) من أن هذا محمول على ما إذا وُجِدَتْ الدواعي إلى الدخول عليها عند غيبة زوجها ومحارمها، وأُمِنَتْ الفتنة، وبَعُد التواطؤ منهم على الفاحشة، لا على الإطلاق.
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من (صحيح مسلم): «فِيهِ ... زِيَارَة جَمَاعَة مِنْ الرِّجَال لِلْمَرْأَةِ الصَّالِحَة، وَسَمَاع كَلَامهَا» (٢).
ثم إن أم أيمن كانت حاضنة النبى ﵌، وقد توفي النبي ﵌ وعمره ثلاث وستون سنة، فكم كان عمر أم أيمن بعد وفاة النبي ﵌ حين زارها أبو بكر وعمر ﵄؟
стр. 531
الشبهة السادسة والثمانون:
انصراف بعض الصحابة ﵃ بعد صلاة الجمعة مع النبي ﵌ إلى بيت امرأة من الأنصار:
قالوا: من الأدلة على جواز الاختلاط: الأحاديث الصحيحة أن أصحاب الرسول ﵌ كانوا إذا صلوا معه الجمعة انصرفوا إلى بيت امرأة من الأنصار فأطعمتهم وناموا عندها!!!
الجواب:
عند النظر في هذه الأحاديث الصحيحة تعجب من طريقة هؤلاء في فهم النصوص وبناء أحكام تخالف الشرع بناءً على خيالاتهم المريضة.
أولًا: ها هي روايات الحديث كما وردت في صحيح البخاري:
باب قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: «كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ»، قُلْتُ: «وَلِمَ؟»، قَالَ: «كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ ـ قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: نَخْلٍ بِالْمَدِينَةِ ـ فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ، وَمَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ».
٢ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُهُ وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ.
стр. 532
٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا، وَقَالَ: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ».
(الباب الذي بعده): (بَاب الْقَائِلَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ)
٤ - عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: «كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ».
٥ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﵌ الْجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ الْقَائِلَةُ».
(باب السِّلْقِ وَالشَّعِيرِ):
٦ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ إِذَا صَلَّيْنَا زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَاللهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ» (١).
ثانيًا: هؤلاء صبيان لم يبلغوا فسهل بن سعد ﵁ الذي يحكي عن نفسه الحضور كان حينئذِ صبيًّا صغيرًا دون البلوغ قطعًا؛ قال الزهري: «رأى سهل بن سعد النبي ﵌ وسمع منه وذكر أنه كان له يوم توفي النبي ﵌ خمس عشرة سنة» (٢).
وكيف لأحد أن يثبت أن من كانوا معه لم يكونوا صبيان مثله، والغالب أن رفيق
стр. 533
الصييِّ صبيٌّ (١).
ثالثًا: على فرض أن الداخلين كانوا من الرجال فليس في الخبر أن البيت لم يكن فيه محرم، بل غاية ما فيه أن جمعًا من الرجال مأموني الفتنة دخلوا على امرأة عجوز فأطعمتهم، وهي من القواعد من النساء وغير مأمورة بالحجاب، وليس في الحديث اختلاط ولا خلوة ولا نوم عندها.
وليس في هذا الخبر إلا أن المرأة طبخت الطعام في مزرعتها ثم قدمت لهم الطعام فأكلوا ثم انصرفوا بعد انتهائهم من تناوله. وذلك كحال المعطي والآخذ، وما يفهم أبعد من ذلك فمجرد ظنون لا أساس لها (٢).
رابعًا: ليس في الحديث ما يدل على أنها كانت تأكل معهم فربما قدمَتْه لهم وانصرفَتْ، وقد يكون تقديم هذا الطعام عن طريق خادم أو أحد المحارم.
خامسًا: مثل هذا الدخول محمول على ما إذا وُجِدَتْ الدواعي إلى الدخول عليها عند غيبة زوجها ومحارمها، وأُمِنَتْ الفتنة، وبَعُد التواطؤ منهم على الفاحشة، لا على الإطلاق. ومثله ما سبق من زيارة أبي بكر وعمر ﵄ لأم أيمن ﵂. (رواه مسلم).
فأين هذا من الاختلاط في العمل أو الدراسة لساعات طوال الأسبوع.
سادسًا: معنى قول سهل بن سعد ﵁: «وَمَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ» ليس فيه أن الصحابة كانوا يقيلون عندها، بل فيه وصف لحال المجتمع ككل بأن القيلولة والغداء كانا بعد صلاة الجمعة.
стр. 534
ويوضح ذلك رواية البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا، وَقَالَ: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ».
قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: قَوْله: (بِهَذَا) أَيْ بِالْحَدِيثِ الذِي قَبْلَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا غَسَّان وَعَبْد العَزِيز بْن أَبِي حَازِم اِشْتَرَكَا فِي رِوَايَةِ هَذَا الحَدِيثِ عَنْ أَبِي حَازِم، وَزَادَ عَبْد العَزِيز الزِّيَادَةَ المَذْكُورَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَنَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَة»، وَقَدْ رَوَاهَا أَبُو غَسَّان مُفْرَدَة كَمَا فِي البَابِ الذِي بَعْدَهُ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر الغَدَاءِ» (١).
سابعًا: ماذا فهم العلماء من هذا الحديث؟ هل فهموا ما فهمه دعاة الاختلاط؟:
١ - بوَّب عليه الإمام النووي في رياض الصالحين على هذا الحديث: (باب سلام الرجل على زوجته والمرأة من محارمه وعلى أجنبية وأجنبيات لا يخاف الفتنة بهن وسلامهن بهذا الشرط).
٢ - ابن بطال: «فيه ما كان السلف عليه من الاقتصار فى مطعمهم وتقللهم واقتصارهم على الدون من ذلك، ألا ترى حرصهم على السلق والشعير، وهذا يدل أنهم كانوا لا يأكلون ذلك فى كل وقت ولم تكن همتهم اتباع شهواتهم، وإنما كانت همتهم من القوت فيما يبلغهم المحل ويدفعون سورة الجوع بما يمكن، فمن كان حريصًا أن يكون فى الآخرة مع صالح سلفه فليسلك سبيلهم وليَجْرِ على طريقتهم ولْيَقْتَد بهديهم» (٢).
٣ - الحافظ ابن حجر: «وَفِي الْحَدِيث مَا كَانَ السَّلَف عَلَيْهِ مِنْ الِاقْتِصَاد وَالصَّبْر عَلَى قِلَّة الشَّيْء إِلَى أَنْ فَتَحَ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ الْفُتُوح الْعَظِيمَة، فَمِنْهُمْ مَنْ تَبَسَّطَ فِي الْمُبَاحَات مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى الدُّون مَعَ الْقُدْرَة زُهْدًا وَوَرَعًا» (٣).
стр. 535
الشبهة السابعة والثمانون:
تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ:
عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: «هُوَ صَائِمٌ»، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «لَيْسَ بِصَائِمٍ»، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ» (١)
(رواه البخاري ومسلم).
قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري:
«وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد ... الْمُنَاظَرَةُ فِي الْعِلْم بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ» (٢).
الجواب:
١ - ليس في هذا الحديث تصريح بأن مَن كانوا عند أم الفضل لم يكونوا من محارمها.
٢ - في الحديث: (أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ) فمعلوم أن (عند) تفيد (الحيز) لا (الملاصقة) , فقد يكونون في (الحيز) الخاص بها في يوم عرفة وسَمِعتهم.
٣ - قول الحافظ ابن حجر: «وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد ... الْمُنَاظَرَةُ فِي الْعِلْم بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ»، ليس فيه حجة لدعاة الاختلاط؛ ويجب أن يُفهم كلامه في ضوء قوله في شرح حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟»، قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (رواه البخاري ومسلم).
стр. 536
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح هذا الحديث: « ... وَتَقْدِير الْكَلَام اِتَّقُوا أَنْفُسكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاء وَالنِّسَاء أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكُمْ ... ، وَتَضَمَّنَ مَنْعَ الدُّخُول مَنْع الْخَلْوَة بِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى» (١).
٤ - هذا الأمر مجرد استفسار عن حكم شرعي لمعرفة صيام النبي ﵌ من عدمه يوم عرفة، وأين هذا الشيء العارض في مكان عام مع وجود المحارم من الاختلاط الذي قد يدوم لساعات بدون محارم (٢).
٥ - إن صح الاستدلال بذلك على جواز الْمُنَاظَرَةُ فِي الْعِلْم بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الأجنبيات، فكيف ستكون صفته؟ هل كما يتخيل دعاة الاختلاط الرجال والنساء جالسون أمام بعضهم البعض والنساء كاشفات عن وجوههن وبعض أجسامهن ينظر بعضهم إلى بعض كما هو الحال اليوم؟
أم كان ذلك من وراء الحجاب؟ كما في حديث مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: «سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ... ». (رواه البخاري ومسلم). وحديث يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: « ... فَقَالَتْ عَائِشَةُ ـ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ـ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي» (رواه البخاري)، وقال الإمام البخاري في ترجمة عبد الله أبي الصهباء الباهلي: «ورأى سِتْرَ عائشة ﵂ في المسجد الجامع، تُكَلِّم الناس من وراء السِّتر، وتُسأل من ورائه» (٣).
وليس هذا مختصًا بأمهات المؤمنين بل كانت النساء إذا تعلّمن أو عَلّمن يكون
стр. 537
ذلك من وراء حجاب، ففي مسند الإمام أحمد: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: جَاءَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَاسْتَأْذَنُوا عَلَى أَبِي الْأَشْهَبِ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَالُوا: «حَدِّثْنَا»، قَالَ: «سَلُوا»، فَقَالُوا: «مَا مَعَنَا شَيْءٌ نَسْأَلُكَ عَنْهُ»، فَقَالَتْ ابْنَتُهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: «سَلُوهُ عَنْ حَدِيثِ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ».
والشواهد كثيرة على أن مجالس سلف هذه الأمة وخيارها لم تكن مفتوحة على بعض بل كان بينها السّتور، كما أن نساء هذه الأمة لم يَكنّ يتعلّمن أو يَتعلّمن إلا من وراء حجاب وسِتر.
الجواب:
١ - قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «وَقَوْله: (ثُمَّ أَتَيْت اِمْرَأَة مِنْ بَنِي قَيْس فَفَلَتْ رَأْسِي) هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَة كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ» (١).
٢ - لو ساغ أن يُسْتَدَلَّ بفعل مجمل على ظاهره دون الرجوع إلى المحكم لاسْتَحَلَّ الناس الحرام القطعي بالظنون، ففي بعض النصوص قد تجد ذِكْرَ رجل مع امرأة، فهل يُسْتَدل بذلك على جواز الخلوة والاختلاط والعلاقات المحرمة لأنه لم يَرِدْ في النَصِّ ذِكْرُ الرحم بينهما؟!!!
إن الأصل في الشرع أن الرجل إذا وُجد مع امرأة تُحْمَل على أنه من محارمه إلا لظِنَّة أو شبهة، هذا الأصل في المسلمين فكيف بالصحابة والتابعين (٢).
стр. 540
الشبهة التاسعة والثمانون:
حوار بين عمر وسودة ﵄:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً لاَ تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: «يَا سَوْدَةُ أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِى كَيْفَ تَخْرُجِينَ»، قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً، وَرَسُولُ اللهِ ﵌ فِى بَيْتِى، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى، وَفِى يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ، فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِى فَقَالَ لِى عُمَرُ كَذَا وَكَذَا».
قَالَتْ: «فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِى يَدِهِ مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ» (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
١ - جاء صريحًا في رواية البخاري أن هذا كان قبل الحجاب، ففي البخاري عَنْ عَائِشَةَ ﵁ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِىِّ ﵌ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ ـ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ ـ فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِىِّ ﵌: «احْجُبْ نِسَاءَكَ». فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله ﵌ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِىِّ ﵌ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: «أَلاَ قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ». حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ.
٢ - لا تدخل هذه في صور الاختلاط المحرم؛ لأنه لقاء محدود تقتضيه طبيعة الحياة البشرية، وتلتزم فيه المرأة بالضوابط الشرعية عند تعاملها مع الرجال الأجانب ولذا نلحظ أن سودة ﵂ لم تَرُدّ على عمر ولم تخاطبه بل انكفأت راجعة إلى بيتها، فهل يقارن هذا بما يحدث من اختلاط في العمل والتعليم (١).
стр. 541
الشبهة التسعون:
صلاة عمرو بن سلمة بقومه وهو صغير:
عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: «كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ: «مَا لِلنَّاسِ؟ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟» فَيَقُولُونَ: «يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللهُ بِكَذَا».
فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلاَمَ، وَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِى صَدْرِى، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلاَمِهِمِ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبِىٌّ صَادِقٌ. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلاَمِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِى قَوْمِى بِإِسْلاَمِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: «جِئْتُكُمْ وَاللهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِىِّ ﵌ حَقًّا»، فَقَالَ: «صَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِى حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا فِى حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا».
فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّى، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَىَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّى، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَىِّ: «أَلاَ تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ». فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِى قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَىْءٍ فَرَحِى بِذَلِكَ الْقَمِيصِ». (رواه البخاري) (١).
الجواب:
١ - عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ كان طفلًا فعمره ست أوسبع سنين وليس عنه حجاب.
٢ - كان هذا في بداية إسلامهم، ولا يُستَغرب أن يحدث من رجل أو امرأة لم يتعلما من أحكام الإسلام إلا القليل، بل إن صغيرهم أصبح أعلمهم بكتاب الله.
٣ - كان هذا في الصلاة ولا مانع من شهود النساء للجماعة (٢) بالضوابط الشرعية.
стр. 542
الشبهة الحادية والتسعون:
تَحَوَّلَ الصحابة في الصلاة النِّسَاء مَكَان الرِّجَال وَالرِّجَال مَكَان النِّسَاء عندما علموا بوجوب استقبال الكعبة:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِى صَلاَةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا».وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ». (رواه البخاري ومسلم).
قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري مبيِّنًا كيفية التحول:
«وَوَقَعَ بَيَانُ كَيْفِيَّة التَّحَوُّل فِي حَدِيث ثُوَيْلَة بِنْت أَسْلَمَ عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَالَتْ فِيهِ: «فَتَحَوَّلَ النِّسَاء مَكَان الرِّجَال وَالرِّجَال مَكَان النِّسَاء، فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ إِلَى الْبَيْت الْحَرَام».
قُلْت (أي الحافظ ابن حجر): «وَتَصْوِيره أَنَّ الْإِمَام تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانه فِي مُقَدَّم الْمَسْجِد إِلَى مُؤَخَّر الْمَسْجِد؛ لِأَنَّ مَنْ اِسْتَقْبَلَ الْكَعْبَة اِسْتَدْبَرَ بَيْت الْمَقْدِس، وَهُوَ لَوْ دَارَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانه لَمْ يَكُنْ خَلْفه مَكَان يَسَع الصُّفُوف، وَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَام تَحَوَّلَتْ الرِّجَال حَتَّى صَارُوا خَلْفه وَتَحَوَّلَتْ النِّسَاء حَتَّى صِرْنَ خَلْف الرِّجَال، وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاة فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ قَبْل تَحْرِيم الْعَمَل الْكَثِير كَمَا كَانَ قَبْل تَحْرِيم الْكَلَام، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اُغْتُفِرَ الْعَمَل الْمَذْكُور مِنْ أَجْل الْمَصْلَحَة الْمَذْكُورَة، أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَا عِنْد التَّحْوِيل بَلْ وَقَعَتْ مُفَرَّقَة. وَاللهُ أَعْلَم».
الجواب:
هذه الحادثة وقعت قبل فرض الحجاب (١)، فعن الْبَرَاء بن عازب ﵁ قال: «صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ». (رواه مسلم).
فتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام كان في السنة الثانية للهجرة، ونزول آيات الحجاب كان في العام الخامس الهجري.
стр. 543
الشبهة الثانية والتسعون:
سكنى المهاجرين مع الأنصار:
عن خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِىُّ أَنَّ أُمَّ الْعَلاَءِ ـ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ قَدْ بَايَعَتِ النَّبِىَّ ﵌ ـ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِى السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَتِ الأَنْصَارُ سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ.
قَالَتْ أُمُّ الْعَلاَءِ: «فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى، فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى إِذَا تُوُفِّىَ وَجَعَلْنَاهُ فِى ثِيَابِهِ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﵌، فَقُلْتُ: «رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِى عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ». فَقَالَ لِى النَّبِىُّ ﵌: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟».
فَقُلْتُ: «لاَ أَدْرِى بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى يَا رَسُولَ اللهِ».
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ ـ وَاللهِ ـ الْيَقِينُ وَإِنِّى لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللهِ مَا أَدْرِى ـ وَأَنَا رَسُولُ اللهِ ـ مَا يُفْعَلُ بِى».
قَالَتْ: «فَوَاللهِ لاَ أُزَكِّى أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَنَنِى ذَلِكَ».
قَالَتْ: «فَنِمْتُ فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِى، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «ذَلِكَ عَمَلُهُ». (رواه البخاري ومسلم).
الجواب:
هذه الحادثة كانت قبل فرض الحجاب؛ فلا يسوغ الاستدلال بها؛ فسياقها واضح الدلالة أنه كان في بداية مقدم المهاجرين إلى المدينة، وأما الحجاب فقد تأخر إلى السنة الخامسة (١).
стр. 544
الشبهة الثالثة والتسعون:
دخول البراء بن عازب على عائشة مع أبي بكر ﵃ -:
قَالَ الْبَرَاءُ: «فَدَخَلْتُ مَعَ أَبِى بَكْرٍ عَلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ، قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى، فَرَأَيْتُ أَبَاهَا فَقَبَّلَ خَدَّهَا، وَقَالَ: «كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنَيَّةُ». (رواه البخاري).
الجواب:
١ - قال الحافظ ابن حجر: «وَكَانَ دُخُول الْبَرَاء عَلَى أَهْل أَبِي بَكْر قَبْل أَنْ يَنْزِل الْحِجَاب قَطْعًا، وَأَيْضًا فَكَانَ حِينَئِذٍ دُون الْبُلُوغ وَكَذَلِكَ عَائِشَة» (١).
٢ - على فرض صحة استدلالهم فهذا لقاء عارض ومحدود، وأبو بكر مَحْرَم لعائشة ﵄، فأين هذا من الساعات الطوال التي تقضيها المرأة مع زميلها في العمل، أو الطالب مع زميلته في قاعة الدراسة بلا مَحْرَم (٢).
стр. 545
الشبهة الرابعة والتسعون:
العلم نور:
إن الهوى يعمي ويصم، إن مصيبة دعاة الاختلاط أنهم يصدرون حكما مسبقًا بجوازه ثم ينظرون في ظواهر الأحاديث لعلهم يجدون فيها بغيتهم، فإذا ظفروا بما يظنونه دليلًا قالوا بلسان الحال: ها هو فعل الصحابة فأين نحن من الصحابة؟
ويستدلون بمثل هذا الموقف:
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ فِي بَيْتِ بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَعَطَسْتُ فَلَمْ يُشَمِّتْنِي، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا، فَلَمَّا جَاءَهَا قَالَتْ: «عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِي فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَّهَا»، فَقَالَ: «إِنَّ ابْنَكِ عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ اللهَ فَلَمْ أُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَحَمِدَتْ اللهَ فَشَمَّتُّهَا؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدْ اللهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ» (رواه مسلم).
إن المستدل بهذا الموقف ـ والذي كان يحارب الاختلاط يومًا ما ـ ظن أن أبا بُردة دخل على أبي موسى الأشعري في بيت بِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وهي أجنبية عنهما، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَهَا، ولم يشمِّتْ أبا بردة، فلما ذهب أبو موسى لأم أبي بردة لامَتْهُ في ذلك.
وأبو بردة هو ابن أبي موسى الأشعري ﵁، وبِنْتِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ هِيَ أُمّ كُلْثُوم بِنْت الْفَضْل بْنِ عَبَّاس اِمْرَأَة أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، تَزَوَّجَهَا بَعْد فِرَاق الْحَسَن بْن عَلِيّ لَهَا، وأم أبي بردة هي اِمْرَأَة أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كما قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم (١).
فالحوار كله بين أبي موسى وابنه وزوجتيه، فأين الاختلاط هنا وأبو موسى ﵁
стр. 546
وابنه محرمان للمرأتين.
وغرَّ هذا المستدلَّ قولُ أَبِي بُرْدَةَ: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى»، ولم يقل: «دخلت على أبي».ولو كلف نفسه الرجوع إلى شرح من شروح الحديث ما قال ما قال.
فائدة:
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «هَذَا تَصْرِيح بِالْأَمْرِ بِالتَّشْمِيتِ إِذَا حَمِدَ الْعَاطِس، وَتَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ تَشْمِيته إِذَا لَمْ يَحْمَدهُ فَيُكْرَه تَشْمِيته إِذَا لَمْ يَحْمَد، فَلَوْ حَمِدَ وَلَمْ يَسْمَعهُ الْإِنْسَان لَمْ يُشَمِّتهُ. وَقَالَ مَالِك: لَا يُشَمِّتهُ حَتَّى يَسْمَع حَمْده. قَالَ: فَإِنْ رَأَيْت مِنْ يَلِيه شَمَّتَهُ فَشَمِّتْهُ. قَالَ الْقَاضِي: قَالَ بَعْض شُيُوخنَا: وَإِنَّمَا أُمِرَ الْعَاطِس بِالْحَمْدِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَة بِخُرُوجِ مَا اِخْتَنَقَ فِي دِمَاغه مِنْ الْأَبْخِرَة» (١).
стр. 547
الشبهة الخامسة والتسعون:
ابن عمر ومولاة له:
عَنْ يُحَنِّسَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِى الْفِتْنَةِ فَأَتَتْهُ مَوْلاَةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: «إِنِّى أَرَدْتُ الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ». فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللهِ: «اقْعُدِى، لَكَاعِ؛ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «لاَ يَصْبِرُ عَلَى لأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (رواه مسلم).
الجواب:
١ - بالنسبة لعبد الله بن عمر ﵄ فهذه مولاته ـ يعني ملك يمينه ـ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون: ٥ - ٦).
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «قَوْله: (إِنَّ اِبْن عُمَر قَالَ لِمَوْلَاتِه: اُقْعُدِي لَكَاع) هِيَ بِفَتْحِ اللَّام، وَأَمَّا الْعَيْن فَمَبْنِيَّة عَلَى الْكَسْر. قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال: اِمْرَأَة لَكَاع، وَرَجُل لُكَع، بِضَمِّ اللَّام وَفَتْح الْكَاف، وَيُطْلَق ذَلِكَ عَلَى اللَّئِيم، وَعَلَى الْعَبْد، وَعَلَى الْغَبِيّ الَّذِي لَا يَهْتَدِي لِكَلَامِ غَيْره، وَعَلَى الصَّغِير. وَخَاطَبَهَا اِبْن عُمَر بِهَذَا إِنْكَارًا عَلَيْهَا لَا دَلَالَة عَلَيْهَا، لِكَوْنِهَا مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَيْهِ وَيَتَعَلَّق بِهِ، وَحَثَّهَا عَلَى سُكْنَى الْمَدِينَة لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَضْل».
٢ - بالنسبة ليُحَنِّسَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ: هذا لقاء عابر، سألت الأمة ابن عمر ﵄ فأجابها، لا شيء في الأثر غير ذلك.
الدِّين؛ لِأَنَّهُمْ كُفَّار إِلَّا النَّجَاشِيّ، وَكَانَ يَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِهِ عَنْ قَوْمه.
قَوْله: (وَذَلِكَ فِي اللهِ وَفِي رَسُوله) أَيْ لِأَجَلِهِمَا.
قَوْله: (هِجْرَتَانِ) لِابْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ: «قَالَتْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ: «يَا رَسُول اللهِ، إِنَّ رِجَالًا يَفْخَرُونَ عَلَيْنَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّا لَسْنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ؟، فَقَالَ: «بَلْ لَكُمْ هِجْرَتَانِ، هَاجَرْتُمْ إِلَى أَرْض الْحَبَشَةِ، ثُمَّ هَاجَرْتُمْ بَعْد ذَلِكَ».
قَوْلهَا: (يَأْتُونِي أَرْسَالًا) أَيْ أَفْوَاجًا، فَوْجًا بَعْد فَوْج.
٢ - أسماء بنت عميس جاءت زائرة لحفصة بنت عمر بن الخطاب ﵃.
٣ - قول عُمَرُ ﵁ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: «مَنْ هَذِهِ؟» يدل على انها كانت متحجبة ومستترة.
٤ - ما حصل بينهما من حوار كان موقفًا عابرًا، وكان بحضرة ابنته حفصة ﵂.
٥ - مجيء أبي موسى وأصحابه إلى أسماء أرسالًا كان موقفًا عابرًا بغرض السؤال وهو بلا ريب من وراء حجاب؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣ ((١).
стр. 551
الشبهة السابعة والتسعون:
حوار بين أَسْمَاء بِنْت أَبِى بَكْرٍ ﵄ ورجل في المسجد:
عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ (١) تَقُولُ: «قَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَذَكَرَ الْفِتْنَةَ الَّتِى يُفْتَنُ بِهَا الْمَرْءُ فِى قَبْرِهِ فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً (٢) حَالَتْ بَيْنِى وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ كَلاَمَ رَسُولِ اللهِ ﵌ فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّى: «أَىْ بَارَكَ اللهُ لَكَ، مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِى آخِرِ قَوْلِهِ؟»، قَالَ: «قَدْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِى الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ». (رواه النسائي، وصححه الألباني).
الجواب:
١ - هذا حوار عابر في المسجد مع وجود كثير من الرجال والنساء، فلا مانع من سؤال المرأة الرجل عما ينفعها في دينها ودنياها مع التصون التام وأمن الفتنة (٣).
٢ - كيف نستدل بهذا اللقاء العارض على جواز الاختلاط في العمل والتعليم حيث تمكث النساء مع الرجال الساعات الطوال ودوام شبه يومي؟؟!
стр. 552
الشبهة الثامنة والتسعون:
ضيف مع علي ﵁:
عَنْ سَفِينَةَ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلاً أَضَافَ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: «لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ اللهِ ﵌ فَأَكَلَ مَعَنَا». (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
الجواب:
١ - معنى الحديث:
قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ: «(أَنَّ رَجُلًا ضَافَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب): أَيْ صَارَ ضَيْفًا لَهُ، يُقَال ضَافَهُ ضَيْف أَيْ نَزَلَ عِنْده، وَأَضَفْته وَضَيَّفْته إِذَا أَنْزَلْته. قَالَ ثَعْلَب: ضِفْته إِذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْف.
(فَصَنَعَ): أَيْ عَلِيّ (لَهُ): أَيْ لِلضَّيْفِ.
وَفِي بَعْض النُّسَخ أَنَّ رَجُلًا أَضَافَ أَيْ بِزِيَادَةِ الْأَلِف. قَالَ فِي الْمِصْبَاح: ضَافَهُ ضَيْفًا إِذَا نَزَلَ بِهِ وَأَنْتَ ضَيْف عِنْدَهُ وَأَضَفْته بِالْأَلِفِ إِذَا أَنْزَلْته عَلَيْك ضَيْفًا اِنْتَهَى. وَفِي النِّهَايَة: ضِفْت الرَّجُل إِذَا نَزَلْت بِهِ فِي ضِيَافَته، وَأَضَفْته إِذَا أَنْزَلْته اِنْتَهَى.
وَالْمَعْنَى أَيْ صَنَعَ الرَّجُل طَعَامًا وَأَهْدَى إِلَى عَلِيّ لَا أَنَّهُ دَعَا عَلِيًّا إِلَى بَيْته، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
(لَوْ دَعَوْنَا رَسُول اللهِ ﵌): أَيْ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَبْرَكَ، أَوْ لَوْ لِلتَّمَنِّي» اهـ.
وقال الشبخ عبد المحسن العباد في شرحه لسنن أبي داود: «(أضَافَ) الذي يظهر منه أن عليًّا ﵁ هو الذي طلب منه أن يكون ضيفًا أو أنه زوده بطعام ورجع به إلى بيته، ففاطمة ﵂ طلبَتْ منه أن يدعو رسول الله ﵌ ليشاركهم في ذلك الطعام».
٢ - على فرض أن الضيف أكل عند عليٍّ ﵁ فليس في الحديث أن فاطمة ﵂ -
стр. 553
أكلَتْ معهما، ومن ادعى ذلك فليأت بالدليل.
وأما أن يكون في الحديث ما يدل على أنها دخلت متبرجة وجلست أمام الضيف سافرة على نحو ما يتم اليوم فهو شيء لا دلالة عليه، وحمل الحديث على هذا المعنى كحمل الشرق على أن يولد من داخله الغرب.
٣ - مَن الرجل الذي أضاف عليًا ﵁ هل هو من محارم فاطمة ﵂ أم أنه أجنبي عنها؟ من زعم أنه أجنبي عنها فليأتنا بالدليل، وأنَّى له ذلك؟
стр. 554
الشبهة التاسعة والتسعون:
التابعون يستفتون أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر ﵄ -:
عَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّىِّ قَالَ: «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَرَخَّصَ فِيهَا، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، فَقَالَ: «هَذِهِ أُمُّ ابْنِ الزُّبَيْرِ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ رَخَّصَ فِيهَا فَادْخُلُوا عَلَيْهَا فَاسْأَلُوهَا»، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ ضَخْمَةٌ عَمْيَاءُ فَقَالَتْ: «قَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِيهَا. (رواه مسلم).
الجواب:
١ - أسماء ﵂ كانت من القواعد من النساء.
٢ - ما حدث ليس فيه اختلاط، إنما هو لقاءٌ عابر محدود لا تزول به الكلفة وتلتزم فيه المرأة بالضوابط الشرعية في التعامل مع الرجال الأجانب.
٣ - مطلق الدخول لا يعني دخول الحجاب أو الجلوس وجهًا لوجه فهناك فرق بين قولهم: «دخلنا على فلانة» وقولهم: «دخلنا الحجاب» (١).
وقد تقدم توضيح ذلك بالتفصيل (٢).
стр. 555
الشبهة المائة:
دخول أبي أسماء على امرأة سوداء لأبي ذر ﵁ -:
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ بِالرَّبَذَةِ، وَعِنْدَهُ امْرَأَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ مُشْبَعَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا أَثَرُ الْمَجَاسِدِ وَلَا الْخَلُوقِ، قَالَ: فَقَالَ: «أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَا تَأْمُرُنِي بِهِ هَذِهِ السُّوَيْدَاءُ؟ تَأْمُرُنِي أَنْ آتِيَ الْعِرَاقَ، فَإِذَا أَتَيْتُ الْعِرَاقَ مَالُوا عَلَيَّ بِدُنْيَاهُمْ ... » (١).
الجواب:
١ - هذا الأثر ليس فيه التصريح بأنها كانت كاشفة لوجهها.
٢ - هذا الأثر ليس صريحًا في الدلالة على ما يدعو إليه دعاة الاختلاط، فإنه واقعة عيْن والاحتمالات تَرِدُ عليه لمخالفته لنصوص مُحْكَمة تنهى عن الاختلاط فيُحتمل أن تكون تلك المرأة من القواعد من النساء.
ومما يدل على ذلك وصف الراوي لها بأنها: «سَوْدَاءُ مُشْبَعَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا أَثَرُ الْمَجَاسِدِ وَلَا الْخَلُوقِ».ولو لم تكن من القواعد لَغَضَّ بصره عنها، كما أمره الله .
وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال؛ وقد قَال الإمَامُ الشَّافِعِيِّ ﵀: «وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ، وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال» (٢).
стр. 556
٣ - إن صح استدلالهم به فليس لهم فيه حجة لأن قول الصحابي وفعله لا اعتبار له إذا خالف الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء: ٥٩).
وقال الإمام الشاطبي ﵀: «قالوا: ضعف الرويَّة أن يكون رأى فلانًا يعمل فيعمل مثله، ولعله فعله ساهيًا» (١).
٤ - إن صح استدلالهم فأبو ذر ﵁ مَحْرمٌ لزوجته؛ فهل الاختلاط في العمل والتعليم وغير ذلك يكون بوجود المحرم حتى يقاس هذا على ذاك؟!!.
стр. 557
الشبهة الأولى بعد المائة:
دخول قيس بن أبي حازم وغيره على أسماء بنت عميس:
عَنْ قَيْسِ بن أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ـ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ ـ فِي مَرَضِهِ، فَرَأَيْنَا امْرَأَةً بَيْضَاءَ مَوْشُومَةَ الْيَدَيْنِ تَذُبُّ عَنْهُ وَهِيَ أَسْمَاءُ بنتُ عُمَيْسٍ.
(رواه الطبراني في (المعجم الكبير)، وصححه الألباني).
الجواب:
١ - هذا الأثر ليس صريحًا في الدلالة على ما يدعو إليه دعاة الاختلاط، فإنه واقعة عيْن والاحتمالات تَرِدُ عليه ـ كما سيأتي ـ لمخالفته لنصوص مُحْكَمة تنهى عن الاختلاط.
وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال؛ وقد قَال الإمَامُ الشَّافِعِيِّ ﵀: «وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ، وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال» (١).
وإن صح استدلالهم به فليس لهم فيه حجة لأن قول الصحابي وفعله لا اعتبار له إذا خالف الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء: ٥٩).
وقال الإمام الشاطبي ﵀: «قالوا: ضعف الرويَّة أن يكون رأى فلانًا يعمل فيعمل مثله، ولعله فعله ساهيًا» (٢).
٢ - هذا الأثر ليس فيه أن قيسًا ومَن معه جلسوا مع زوجة أبي بكر ﵁، ومن يزعم أنها جلسَتْ معهم فليأتنا بالدليل، فمن المحتمل أنهم رأوها عند دخولهم ثم قامت.
стр. 558
٣ - أبو بكر ﵁ مَحْرمٌ لزوجته؛ فهل الاختلاط في العمل والتعليم وغير ذلك يكون بوجود المحرم حتى يقاس هذا على ذاك؟!!.
٤ - بقاء أسماء عند زوجها يُعَدُّ حاجة ماسة لأن زوجها مريض وليس عنده من يخدمه إلا زوجته، وما حدث هو لقاء عابر محدود لغرض عيادة المريض.
٥ - بالنسبة لوَشْم اليدين فقد جاءت رواية أخرى توضح أنه حدث في الجاهلية وفيه: «وكانوا وشموها في الجاهلية كوشم البربر» (١).
٦ - هذا الأثر ليس فيه دليل على جواز كشف الوجه فليس فيه أنها كانت كاشفة عن وجهها، أما ظهور يديها فيُحتمل أنهما انكشفتا بدون قصد.
٧ - حدث هذا في مرض أبي بكر ﵁ الذي مات فيه يوضح ذلك رواية ابن أبي عاصم عن قيس بن أبي حازم، قال: «وفدت إلى أبي بكر مع أبي، فدخلنا عليه في مرضه الذي مات فيه، فرأيْتُه رجلًا أسمر خفيف اللحم، ورأيتُ امرأةً بيضاء موشومة اليدين تَذُبُّ عنه» (٢).
وما يكون من الإنسان عند المصيبة أو شِدّة الهول لا يُمكن أن يُؤخذ على أنه حالة طبيعية (٣).
стр. 559
خامسًا:
آثار لا تثبت عن الصحابة
الشبهة الثانية بعد المائة:
اختلاط في بيت عمر ﵁:
القصة المذكورة في تاريخ ابن جرير الطبري ﵀ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مع رسول أحد قواده حيث اعتبروها دليلًا على الاختلاط ـ وفي بيت من؟ في بيت عمر ﵁.
والقصة أن سلمة بن قيس الأشجعي ـ أحد قواد عمر ﵁ ـ نصره الله على أعدائه من المشركين فرأى في الغنيمة شيئًا من حلية فاستأذن جنوده أن يبعث به إلى عمر ﵁، ثم بعث برجل من قومه فأتى عمر ﵁.
قال هذا الرجل: فاتبعتُه فدخل دارًا ثم دخل حجرة فاستأذنتُ وسلمتُ فأذِنَ لي فدخلتُ عليه فإذا هو جالس على مسح (بساط) متكئ على وسادتين من أدم محشوتين ليفًا , فنبذ إلي بإحداهما فجلست عليها وإذا بهو في صُفّة فيها بيت عليه ستير فقال: «يا أم كلثوم غداءنا , فأخرجَتْ إليه خبزة بزيت في عرضها ملح لم يُدَقّ» , فقال: «يا أم كلثوم ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا».
قالت: «إني أسمع عندك حِسَّ رجل».
قال: «نعم، ولا أراه من أهل البلد».
قالت: «لو أردتَّ أن أخرج إلى الرجال لكسوتَني كما كسا ابن جعفر امرأتَه , وكما كسا الزبيرُ امرأتَه , وكما كسا طلحةُ امرأتَه».
قال: «أو ما يكفيك أن يقال: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وامرأة أمير المؤمنين عمر».
فقال: «كُلْ؛ فلو كانت راضية لأطعمتك أطيب من هذا» (١).
стр. 560
الجواب:
قال الشيخ ابن باز ﵀: «هذه القصة باطلة لا تثبت رواية ولا دراية.
أما الرواية: فلأن مدارها على جماعة من الضعفاء وبعضهم متهم بالكذب وتنتهي القصة إلى مُبْهَم لا يُعرَف من هو ولا تعرف حاله وهو الذي رواها عن عمر وبذلك يُعلَم بطلانها من حيث الرواية.
وأما من حيث الدراية فمن وجوه:
١ - شذوذها ومخالفتها لما هو معلوم من سيرة عمر ﵁ وشدته في الحجاب وغيرته العظيمة وحرصه على أن يحجب النبي ﵌ نساءه حتى أنزل الله آية الحجاب.
٢ - مخالفتها لأحكام الإسلام التي لا تخفى على عمر ولا غيره من أهل العلم , وقد دل القرآن والسنة النبوية على وجوب الاحتجاب وتحريم الاختلاط بين الرجال والنساء على وجه يسبب الفتنة ودواعيها.
٣ - ما في متنها من النكارة الشديدة التي تتضح لكل من تأملها.
وبكل حال فالقصة موضوعة على عمر بلا شك للتشويه مِن سُمْعَته أو للدعوة إلى الفساد بسفور النساء للرجال الأجانب واختلاطهن بهم , أو لمقاصد أخرى سيئة.
ولقد أحسن الشيخ أبو تراب الظاهري , والشيخ محمد أحمد حساني , والدكتور هاشم بكر حبشي فيما كتبوه في رد هذه القصة وبيان بطلانها وأنه لا يصح مثلها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ , جزاهم الله خيرًا وضاعف مثوبتهم وزادنا وإياهم علمًا وتوفيقًا وجعلنا وإياهم وسائر إخواننا من أنصار الحق» (١).
وهذه القصة ذكرها قاسم أمين ثم تابعه في الترويج لها أتباعه من المتحررين وهي قصة موضوعة لا تصح عن هذا الصحابي الجليل عمر ﵁ الذي كانت غيرته سببًا في
стр. 561
نزول آيات الحجاب!
وقد أطال الشيخ محمد بن أحمد البولاقي الكلام في ردها وتضعيفها في رده على قاسم أمين (الجليس الأنيس في التحذير عما في كتاب تحرير المرأة من التلبيس)، وبَيَّنَ أنها أكذوبة من الأكذوبات، وفرية ما فيها مرية، وخرافة من الخرافات.
وقد فصّل الشيخ علي حشيش في الحلقة الثانية والخمسون من سلسلة (تحذير الداعية من القصص الواهية) التي تُنشر تباعًا في (مجلة التوحيد) تخريج القصة فذكر أن «إسنادها مسلسل بالعلل:
الأولى: في سند القصة أبو جناب الكلبي، متروك الحديث.
الثانية: في سند القصة أيضًا أبو المحجل الرديني لا يعرف.
الثالثة: وفي سند القصة أيضًا سليمان بن بُريدة لا تحتمل سنه الرواية عن عمر ﵁ فإنه قد وُلد لثلاث سنين خلت من خلافة عمر ولم يَذْكُر مَن حدثه بهذه القصة».
ثم قال: «بهذه العلل تصبح القصة واهية لما في سندها من متروكين ومجهولين والانقطاع».
فائدة:
قال الشيخ علي حشيش: «إن دعاة السفور والاختلاط إذا وجدوا هذه القصة في (تاريخ الطبري) فرحوا بها ويجادلون بعزوها لابن جرير الطبري وهم يحسبون أن في العزو ثبوتًا للقصة ولكن هيهات ففرق بين التخريج والتحقيق.
والطبري ﵀ بين ذلك فقد صرح في مقدمة (التاريخ ١/ ١٣) بأنه مجرد ناقلٍ لِما يسمعه من أخبار وحكايات يسندها إلى قائليها حيث قال: «فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستنكره قائله أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤْتَ في ذلك مِن قِبلنا، وإنما أتى مِن قِبَل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدَّيْنا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا».
стр. 562
الشبهة الثالثة بعد المائة:
يوم الخندق تقتل صفية بنت عبد المطلب يهوديًا وتقطع رأسه عندما رفض حسان بن ثابت ذلك .
الجواب:
١ - إن صح ذلك، فغزوة الخندق من المعلوم أنها وقعت قبل نزول آيات الحجاب.
٢ - إن صح ذلك فكيف يستدل بحال ضرورة على ما ليس بضرورة، كيف يستدل بدفاع المسلمات عن أنفسهن ضد غدر اليهود على جلوس المسلمات مع الرجال غير المحارم بدون حاجة ولا محرم.
٣ - هل صح أن صفية ﵂ قطعت رأس يهودي عندما رفض حسان ذلك؟
هذه القصة ضعيفة سندًا ومتنًا:
رُوِى أن النبي ﵌ قد وضع النساء والذرية في حصن فارع يوم أحد، فجاء يهودي وأخذ يطل على الحصن، فطلبت صفية بنت عبد المطلب ﵂ من حسان أن يقوم فيقتله، فجبن واعتذر، فقامت صفية إلى اليهودي وقتلته، ثم طلبت من حسان أن يرمي برأسه إلى اليهود أسفل الحصن، فجبن واعتذر أيضًا، فرمَتْ برأس اليهودي إلى أصحابه، فتفرقوا لأنهم ظنوا أن بالحصن رجالًا محاربين».
رواية الطبراني:
روى الطبراني في (المعجم الكبير برقم ٢٠٢٦٤):حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا إِسْحَاقُ بن مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عُرْوَةَ بنتُ جَعْفَرِ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ جَدَّتِهَا صَفِيَّةَ بنتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ جَعَلَ نِسَاءَهُ فِي أُطُمٍ يُقَالُ لَهُ فَارِعٌ، وَجَعَلَ مَعَهُنَّ حَسَّانُ بن ثَابِتٍ، فَكَانَ حَسَّانُ يَطْلُعُ عَلَى النَّبِيِّ ﵌، فَإِذَا شَدَّ
стр. 563
عَلَى الْمُشْرِكِينَ شَدَّ مَعَهُ فِي الْحِصْنِ، وَإِذَا رَجَعَ رَجَعَ وَرَاءَهُ.
قَالَتْ: فَجَاءَ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَتَرَقَّى أَحَدُهُمْ فِي الْحِصْنِ حَتَّى أَطَلَّ الْحِصْنَ عَلَيْنَا، فَقُلْتُ لِحَسَّانَ: قُمْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، فَقَالَ: «مَا ذَاكَ فِيَّ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِيَّ لَكُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﵌»، فَضَرَبَتْ صَفِيَّةُ رَأْسَهُ حَتَّى قَطَعَتْهُ فَلَمَّا قَطَعَتْهُ، قَالَتْ: يَا حَسَّانُ، قُمْ إِلَى رَأْسِهِ فَارْمِ بِهِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ مِنْ أَسْفَلِ الْحِصْنِ، فَقَالَ: «وَاللهِ مَا ذَاكَ فِيَّ»، قَالَتْ: فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ فَرَمَيْتُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: «قَدْ وَاللهِ عَلِمْنَا أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَتْرُكْ».
قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات» (١).
ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٤٢٩ - ٤٣٣) أيضًا من طريق إسحاق بن محمد الفروي قال حدَّثَتْنِيه أم عروة بنت جعفر بن الزبير.
وإسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبى فروة الفروى قال عنه الحافظ ابن حجر: «وقال الآجرى: «سألت أبا داود عنه فَوَهَّاهُ جدًا».وقال النسائى: «متروك».وقال الدارقطنى: «ضعيف».وقال الساجى: «فيه لين، روى عن مالك أحاديث تفرد بها».
وقال العقيلى: «جاء عن مالك بأحاديث كثيرة لا يتابع عليها» (٢).
ورواه الطبراني عن عروة بإسناد مرسل. ورواه أبو يعلى في مسنده (١/ ٨٤) ونقله عنه الهيثمي وضَعَّف إسناده (٣).