نزول آيات الحجاب!
وقد أطال الشيخ محمد بن أحمد البولاقي الكلام في ردها وتضعيفها في رده على قاسم أمين (الجليس الأنيس في التحذير عما في كتاب تحرير المرأة من التلبيس)، وبَيَّنَ أنها أكذوبة من الأكذوبات، وفرية ما فيها مرية، وخرافة من الخرافات.
وقد فصّل الشيخ علي حشيش في الحلقة الثانية والخمسون من سلسلة (تحذير الداعية من القصص الواهية) التي تُنشر تباعًا في (مجلة التوحيد) تخريج القصة فذكر أن «إسنادها مسلسل بالعلل:
الأولى: في سند القصة أبو جناب الكلبي، متروك الحديث.
الثانية: في سند القصة أيضًا أبو المحجل الرديني لا يعرف.
الثالثة: وفي سند القصة أيضًا سليمان بن بُريدة لا تحتمل سنه الرواية عن عمر ﵁ فإنه قد وُلد لثلاث سنين خلت من خلافة عمر ولم يَذْكُر مَن حدثه بهذه القصة».
ثم قال: «بهذه العلل تصبح القصة واهية لما في سندها من متروكين ومجهولين والانقطاع».
فائدة:
قال الشيخ علي حشيش: «إن دعاة السفور والاختلاط إذا وجدوا هذه القصة في (تاريخ الطبري) فرحوا بها ويجادلون بعزوها لابن جرير الطبري وهم يحسبون أن في العزو ثبوتًا للقصة ولكن هيهات ففرق بين التخريج والتحقيق.
والطبري ﵀ بين ذلك فقد صرح في مقدمة (التاريخ ١/ ١٣) بأنه مجرد ناقلٍ لِما يسمعه من أخبار وحكايات يسندها إلى قائليها حيث قال: «فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستنكره قائله أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤْتَ في ذلك مِن قِبلنا، وإنما أتى مِن قِبَل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدَّيْنا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا».
стр. 562
الشبهة الثالثة بعد المائة:
يوم الخندق تقتل صفية بنت عبد المطلب يهوديًا وتقطع رأسه عندما رفض حسان بن ثابت ذلك .
الجواب:
١ - إن صح ذلك، فغزوة الخندق من المعلوم أنها وقعت قبل نزول آيات الحجاب.
٢ - إن صح ذلك فكيف يستدل بحال ضرورة على ما ليس بضرورة، كيف يستدل بدفاع المسلمات عن أنفسهن ضد غدر اليهود على جلوس المسلمات مع الرجال غير المحارم بدون حاجة ولا محرم.
٣ - هل صح أن صفية ﵂ قطعت رأس يهودي عندما رفض حسان ذلك؟
هذه القصة ضعيفة سندًا ومتنًا:
رُوِى أن النبي ﵌ قد وضع النساء والذرية في حصن فارع يوم أحد، فجاء يهودي وأخذ يطل على الحصن، فطلبت صفية بنت عبد المطلب ﵂ من حسان أن يقوم فيقتله، فجبن واعتذر، فقامت صفية إلى اليهودي وقتلته، ثم طلبت من حسان أن يرمي برأسه إلى اليهود أسفل الحصن، فجبن واعتذر أيضًا، فرمَتْ برأس اليهودي إلى أصحابه، فتفرقوا لأنهم ظنوا أن بالحصن رجالًا محاربين».
رواية الطبراني:
روى الطبراني في (المعجم الكبير برقم ٢٠٢٦٤):حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا إِسْحَاقُ بن مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عُرْوَةَ بنتُ جَعْفَرِ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ جَدَّتِهَا صَفِيَّةَ بنتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ جَعَلَ نِسَاءَهُ فِي أُطُمٍ يُقَالُ لَهُ فَارِعٌ، وَجَعَلَ مَعَهُنَّ حَسَّانُ بن ثَابِتٍ، فَكَانَ حَسَّانُ يَطْلُعُ عَلَى النَّبِيِّ ﵌، فَإِذَا شَدَّ
стр. 563
عَلَى الْمُشْرِكِينَ شَدَّ مَعَهُ فِي الْحِصْنِ، وَإِذَا رَجَعَ رَجَعَ وَرَاءَهُ.
قَالَتْ: فَجَاءَ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَتَرَقَّى أَحَدُهُمْ فِي الْحِصْنِ حَتَّى أَطَلَّ الْحِصْنَ عَلَيْنَا، فَقُلْتُ لِحَسَّانَ: قُمْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، فَقَالَ: «مَا ذَاكَ فِيَّ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِيَّ لَكُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﵌»، فَضَرَبَتْ صَفِيَّةُ رَأْسَهُ حَتَّى قَطَعَتْهُ فَلَمَّا قَطَعَتْهُ، قَالَتْ: يَا حَسَّانُ، قُمْ إِلَى رَأْسِهِ فَارْمِ بِهِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ مِنْ أَسْفَلِ الْحِصْنِ، فَقَالَ: «وَاللهِ مَا ذَاكَ فِيَّ»، قَالَتْ: فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ فَرَمَيْتُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: «قَدْ وَاللهِ عَلِمْنَا أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَتْرُكْ».
قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات» (١).
ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٤٢٩ - ٤٣٣) أيضًا من طريق إسحاق بن محمد الفروي قال حدَّثَتْنِيه أم عروة بنت جعفر بن الزبير.
وإسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبى فروة الفروى قال عنه الحافظ ابن حجر: «وقال الآجرى: «سألت أبا داود عنه فَوَهَّاهُ جدًا».وقال النسائى: «متروك».وقال الدارقطنى: «ضعيف».وقال الساجى: «فيه لين، روى عن مالك أحاديث تفرد بها».
وقال العقيلى: «جاء عن مالك بأحاديث كثيرة لا يتابع عليها» (٢).
ورواه الطبراني عن عروة بإسناد مرسل. ورواه أبو يعلى في مسنده (١/ ٨٤) ونقله عنه الهيثمي وضَعَّف إسناده (٣).
قَالَتْ لَهُ صَفِيّةُ فِي أَمْرِ الْيَهُودِيّ حِينَ قَتَلَتْهُ وَمَا قَالَ لَهَا، وَمَحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ النّاسِ عَلَى أَنّ حَسَّانَ كَانَ جَبَانًا شَدِيدَ الْجُبْنِ، وَقَدْ دَفَعَ هَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَأَنْكَرَهُ، وَذَلِكَ أَنّهُ حَدِيثٌ مُنْقَطِعُ الْإِسْنَادِ.
وَقَالَ: لَوْ صَحّ هَذَا لَهُجِيَ بِهِ حَسّانُ فَإِنّهُ كَانَ يُهَاجِي الشّعَرَاءَ كَضِرَارِ وَابْنِ الزّبَعْرَى، وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ يُنَاقِضُونَهُ وَيَرُدّونَ عَلَيْهِ فَمَا عَيّرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِجُبْنِ وَلَا وَسَمَهُ بِهِ فَدَلّ هَذَا عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ» ... (١).
قال ابن عبد البر: «وقال أكثرُ أهل الأخبار والسير إن حسانًا كان من أجبن الناس وذكروا من جبنه أشياء مستشنعة أوردوها عن الزبير أنه حكاها عنه كرِهْتُ ذِكْرَها لنكارتها» (٢).
стр. 566
الشبهة الرابعة بعد المائة (١):
خولة بنت الأزور وإنقاذها لأخيها من الأسر.
هناك من يذكر خبرًا عن شخصية يسمونها خولة بنت الأزور ويذكرون قصة إنقاذ أخيها ضرار ـ وهو صحابي معروف ـ من الأسر.
الجواب:
أولًا: لا أصل لهذه القصة فلا يوقف معها، بل إن في ثبوت شخصية خولة هذه نظرًا، فضلًا عن القصة (٢)؛ فليس لها ذِكْر إلا في كتاب (فتوح الشام) المنسوب للواقدي وكتاب (فتوح الشام) هذا مكذوب على الواقدي وليس له (٣).
وعلى فرض أن الكتاب للواقدي فمحمد بن عمر الواقدي، متروك (٤).
ثانيًا: إن خولة هذه لا ذكر لها في كتب التراجم والسير، بل ولا في كتب اللغة والأدب؛ فهي على الراجح شخصية وهمية، وكل من يُثْبِت عنها شيئًا؛ إنما يعتمد على كتاب (فتوح الشام) المكذوب على الواقدي، وكتاب (شرح ديوان الخنساء)، وشارح هذا الديوان، مجهول غير معروف، وقد اعتمد في سرد بعض الأحداث في شرحه هذا على كتاب (فتوح الشام)، وكتابان هذه حالهما لا يعتمد عليهما.
стр. 567
وخلاصة الكلام: إن شخصية خولة بنت الأزور شخصية وهمية لا وجود لها في الواقع، بخلاف شخصية أخيها ضرار التي ذكرها أغلب من ترجم للصحابة والتابعين، وكل من ترجَمَ وكتَبَ في الطبقات.
قال الدكتور محمد بن عبد الله القناص، عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم: «خولة بنت الأزور، لا وجود لها في كتب معرفة الصحابة، ولا في كتب التاريخ والتراجم، وإنما ذكرت في كتاب (فتوح الشام) المتداول بين الناس، والمنسوب للواقدي، ولا تصح نسبته للواقدي، وهذا أمر معروف عند الباحثين.
ثم إن المعروف في حروب النبي ﵌ وأصحابه ﵃ أن المرأة لا تشارك الرجال في القتال، وإنما تقوم بمداواة الجرحى وسقي الغزاة ومساعدتهم، ولم تكن تباشر القتال، ثم إن الصحابي الجليل ضرار بن الأزور ﵁ لم يُذْكَر في ترجمته أن له أختًا تسمى خولة، ولو كانت مشهورة معروفة لناسب ذكرها.
والذي يظهر أن خولة بنت الأزور شخصية أسطورية، لا وجود لها» (١).
стр. 568
الشبهة الخامسة بعد المائة:
هل توضأت عائشة ﵂ أمام سَالِمٌ سَبَلَانُ ؟
قال الإمام النَسائى: «أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ جُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِى ذُبَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ سَالِمٌ سَبَلَانُ، قَالَ: «ـ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَعْجِبُ بِأَمَانَتِهِ وَتَسْتَأْجِرُهُ ـ فَأَرَتْنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَتَوَضَّأُ فَتَمَضْمَضَتْ وَاسْتَنْثَرَتْ ثَلَاثًا وَغَسَلَتْ وَجْهَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَتْ يَدَهَا الْيُمْنَى ثَلَاثًا وَالْيُسْرَى ثَلَاثًا وَوَضَعَتْ يَدَهَا فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ مَسَحَتْ رَأْسَهَا مَسْحَةً وَاحِدَةً إِلَى مُؤَخِّرِهِ ثُمَّ أَمَرَّتْ يَدَهَا بِأُذُنَيْهَا، ثُمَّ مَرَّتْ عَلَى الْخَدَّيْنِ، قَالَ سَالِمٌ: «كُنْتُ آتِيهَا مُكَاتَبًا مَا تَخْتَفِي مِنِّي فَتَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَتَتَحَدَّثُ مَعِي حَتَّى جِئْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقُلْتُ: «ادْعِي لِي بِالْبَرَكَةِ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ»، قَالَتْ: «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: «أَعْتَقَنِي اللهُ»، قَالَتْ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ»، وَأَرْخَتْ الْحِجَابَ دُونِي فَلَمْ أَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
الجواب:
أولًا: هذا الأثر رواه الإمام النسائي، وقال عنه الشيخ الألباني: «صحيح الإسناد».
وهذا القول ليس تصحيحًا للحديث؛ فهناك فرق بين قول أحد علماء الحديث: «هذا الحديث صحيح» وبين قوله: «إسناده صحيح»؛ فالأول جَزْمٌ بصحته، والثاني شهادة بصحة سنده، وقد يكون فيه علة أو شذوذ، فيكون سنده صحيحًا ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه.
ثانيًا: في إسناد هذا الأثر عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذناب قال عنه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: «مقبول من السادسة» (١).
стр. 569
ومعناه عنده أنه (لين الحديث) حيث تفرد، ولم يتابع، حيث قال في مقدمة التقريب: «السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث».
وعبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذناب لم يتابع، فلم يَرْوِ عنه غير جعيد بن عبد الرحمن.
معنى اصطلاح الحافظ ابن حجر:
قال الدكتور ماهر الفحل:
«الحافظ ابن حجر يضع ثلاثة شروط للمقبول عنده وهي:
١ - قلة الحديث.
٢ - عدم ثبوت ما يترك حديث الراوي من أجله.
٣ - المتابعة.
فالأصل في المقبول عند الحافظ أنه ضعيف، إذ (ليِّن الحديث) من ألفاظ التجريح، فإذا توبع الراوي رفعته المتابعة إلى مرتبة القبول، فالمتابعة شرط لارتقاء الراوي من الضعف إلى القبول عند الحافظ ابن حجر، و (المقبولية) أول درجات سلّم القبول بمعناه الأعم» (١).
يتضح مما سبق أن عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذناب ضعيف عند الحافظ ابن حجر؛ أما ذِكْرُ ابن حبان له في (الثقات) (٢)، فلا يُعتد به، فابن حبان لا
стр. 570
يُعتمد على توثيقه.
وإليك بعض ما قاله الشيخ الألباني نفسه ﵀ عن تساهل ابن حبان في التوثيق:
- «وقد عرف عند العلماء أن توثيق ابن حبان مجروح؛ لأنه بناه على قاعدة له وحده، وهي: أن الرجل إذا روى عنه ثقة، ولم يعرف عنه جرح؛ فهو ثقة عنده! وعلى ذلك بنى كتابه المعروف بـ (الثقات)، وكذلك تجد فيه كثيرًا من المجاهيل عند الجمهور».
- «توثيق ابن حبان مما لا يوثق به عند التفرد».
- «توثيق ابن حبان وحده لا يعتمد عليه لتساهله فيه».
- «توثيق ابن حبان مما لا ينبغي الاعتماد عليه، لأن من قاعدته فيه توثيق المجهولين!».
- «وإذا كان هذا معروف بالتساهل في التوثيق فمن اعتمد عليه وحده فيه فقد تساهل».
- «علم المصطلح يقول: «الراوي لا يخرج عن الجهالة العينية برواية راوٍ واحد ولو كان ثقة؛ إلا إذا وثقه حافظ معروف بأنه لا يوثق المجهولين، وليس منهم ابن حبان الذي يوثق المجهولين، ليس فقط عند غيره، بل وعنده أيضًا، كيف لا وهو يقول في بعض ثقاته: «لا أعرفه»! وفي بعض آخر يقول: «لا أعرفه ولا أعرف أباه»! وتارة يقول: «لا أدري من هو ولا ابن من هو؟» (١).
وإذا طبقنا كلام الشيخ الألباني ﵀ فلن نتردد في الحكم على الأثر بالضعف.
ثالثًا: يدل هذا الأثر ـ إن صح ـ على أن سالم سبلان راوي الحديث كان مكاتَبًا، والمكاتَب هو العبد إذا اشترى نفسه من سيده بمال يؤديه إليه، وكانت عائشة ﵂ لا
стр. 571
تحتجب عنه، وكان يرى شعرها وأطرافها، ولما أخبرها بأن الله قد منَّ عليه بالحرية أرْخَتْ الحجاب دونه فلم يرها بعد ذلك.
ومكاتَب المرأة يجوز له أن يرى منها ما لا يجوز لغيره، فإذا أدى ما عليه وجب عليها أن تحتجب عنه، ومن أهل العلم من يرى أن للمرأة أن لا تحتجب عن العبد والمكاتب ولو لم يكونا مِلْكًا لها.
وعليه، فليس في الحديث ما يدل على جواز الدخول على النساء، لأن الخبر المذكور ورد في مكاتَب وقد احتجبَتْ منه عائشة ﵂ فور ما علمَتْ بعتقه، فدل ذلك على وجوب احتجاب الأجنبية عن الحر الأجنبي (١).
قال السندي في حاشيته على (سنن النسائي): «قوله (كُنْتُ آتِيهَا مُكَاتَبًا) أي والحال أني كنتُ مكاتبًا، وهذا مبني على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولعله كان عبدًا لبعض أقرباء عائشة، وأنها كانت ترى جواز دخول العبد على سيدته وأقربائها، والله تعالى أعلم».
стр. 572
سادسًا: دعاوى شرعية وعقلية وواقعية يكذبها الشرع والعقل والواقع
الشبهة السادسة بعد المائة:
الاحتجاج بالأسواق والبيع والشراء بين الرجال والنساء (١).
الجواب:
الأسواق طرقات وليست مواضع جلوس وقرار، والبيع والشراء لقاء عابر ينتهي بانتهاء البيع والشراء، ويذهب كلٌّ منهما إلى حال سبيله، ويجب أن يكون الكلام بين الرجل والمرأة على قدر الحاجة، مع عدم خضوعها بالقول.
فهذا استثناء من الأصل ومع ذلك لم يرتضه الصحابة تمام الرضا، وإنما خففوا فيها بلا مبالغة للحاجة إليها فقد ورد عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أَلَا تَسْتَحْيُونَ أَوْ تَغَارُونَ؟ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَكُمْ يَخْرُجْنَ فِي الْأَسْوَاقِ يُزَاحِمْنَ الْعُلُوجَ» (٢).
إن من يحتج بالاجتماعات العارضة ـ كالأسواق ـ على جواز الاختلاط في العمل والتعليم كمن يحتج بعصير العنب على الخمر، فالأول تغيَّر بطول المكث فخمَّر القلب، والثاني تغيَّر بطول المكث فخمر العقل، وطول التقاء أجزاء الخمر حوله من عصير ملتَذٍ إلى أم الخبائث، وطول التقاء الجنسين حوله من حاجة إلى مجلبة للمفاسد، والمكث حَوَّلَ الاثنين من الجواز إلى المنع. وليت أن الأمر يقف عند حد الاختلاط فقط وإنما التبرج والسفور، والخضوع بالقول مظاهر لا تكاد تخفى على أروقة الأماكن المختلطة.
стр. 573
الشبهة السابعة بعد المائة:
قالوا: لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﵌ تحريمُ الاختلاط؛ فليبق المحرم إذًا محصورًا في الخلوة .
الجواب:
١ - قد سبق ذِكْر كثير من الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم الاختلاط.
٢ - على فرض أنه لم يرِدْ في القرآن ما يدل على تحريم الاختلاط فقد حرمه النبي ﵌، وهو مبلغ عن ربه، وما أشبه هذه الشبهة بما حدث مع عبد الله بن مسعود ﵁ فعَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ؛ فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: «إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ»، فَقَالَ: «وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ».
فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: «لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَىِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ».
قَالَ: «لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ؛ أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١).
قَالَتْ: «بَلَى».
قَالَ: «فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ». (رواه البخاري ومسلم).
٣ - ليس كلُ ما لم يُنص على تحريمه صراحةً في الكتاب والسنة يكون مباحًا بإطلاق؛ لأن أدلة الأحكام لا تنحصر في الكتاب والسنة، فمن الأدلة التي تُستنبط بها الأحكام الشرعية القياس وسدُّ الذرائع، ولا يصح أن نقول إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان إلاّ إذا أخذنا بحجية القياس؛ لأن الوحي قد انقطع والحوادث والأقضية تستجدّ.
стр. 574
ولو عرضتَ كتابَ الله آية آية، لما وجدت فيه نصًا صريحًا يحرم على الولد ضرب والديه، لكنك واجد فيه نهيًا صريحًا للولد أن يقولَ لهما أفٍ أو ينهرَهما، ومع ذلك فكل عاقل يفهم أساليب الخطاب وإيماءاتِه يدرك من النهي عن مجرّد التأفف للوالدين النهيَ عن كل ما هو أعظم منه من باب أولى.
وكم نص الشرع على حكم الأدنى ليدل على الأعلى من باب أولى، ولذا نقول: إن من غير المظنون بالشرع الحكيم أن ينهى عن خروج المرأة متعطرة ليجد الرجال من ريحها، ثم يأذن لها أن تخالطهم في العمل لتجر وراءها آثار الفتنة!
وإن من اتهام الشرع في حكمته أن نزعم أنه يُبيح صور الاختلاطِ كلَّها، حتى الاختلاط في العمل بحجة أنه لم ينصّ على تحريم ذلك، وهو الذي نهى المرأة عن مجرد ضربها برجليها، ليُعلم ما تخفي من زينتها!
كما أن سد الذرائع أصل أخذ به جمهور العلماء في كل ما غلبت فيه المفسدة على المصلحة، وإنما اختلفوا في بعض فروع ذلك؛ لاختلافهم في تقدير المفسدة والمصلحة، وهل ينازع عاقل في أن الاختلاط المنتظم المتكرر بين الموظفين والموظفات يفضي إلى كثير من المفاسد؟!
ولو كان الشأنُ ألاّ نحرِّم إلاّ ما حُرّم بنص صريح، وألاّ نوجب إلاّ ما وجب بنصٍّ صريح يفهمه كل أحد لما كان لنا من حاجة أن نسأل العلماء عن أحكام ديننا، فلما أن أمرنا الله بسؤالهم دلّ ذلك على أن من الأحكام الشرعية ما لا يستنبطه إلاّ العلماء العارفون بدلالات الألفاظ وفحوى الخطاب وطرق القياس (١).
стр. 575
قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (النور:٣١).
قال الشيخ السعدي: «أي: لا يضربن الأرض بأرجلهن، ليصَوِّتَ ما عليهن من حلي، كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى الفتنة.
ويؤخذ من هذا ونحوه، قاعدة سد الوسائل، وأن الأمر إذا كان مباحا، ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه، فإنه يمنع منه، فالضرب بالرجل في الأرض، الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة، منع منه».اهـ.
فالنهي عن الضرب بالرجل ذريعة إلى لفت انتباه الرجال إلى النساء، أليس هذا آكد في أن النساء يبتعدن عنهم ولا يختلطن بهم؛ لأن مفسدة الاختلاط أعظم من مفسدة ضرب المرأة برجلها (١).
стр. 576
الشبهة الثامنة بعد المائة: (١)
الاختلاط المحرم إنما يكون في حال الافتتان، وتزاحم الأجساد وتلاصقها.
الجواب:
١ - ما دليل هذا الاستثناء؟ ومن الذي لا يخاف على نفسه الفتنة؟!! وقد قال رسول الله ﵌: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» (رواه البخاري ومسلم).
٢ - كان علماء الإسلام على مر العصور يمنعون من اختلاط الرجال بالنساء حتى في أبعد الأماكن عن الفتنة ـ مساجد الله , وترى فقههم فيها بوضوح تام (٢).
ثم دارت من بعد ذلك على المسلمين الدوائر , وتسلط الكافر الغربي , وضرب الاستعمار بلدان المسلمين , فضعف حال الأمة , ولم تعد قادرة على المواجهة , وبدأت سلسلة متتابعة من الاستسلام للضغوط , نسأل الله أن يخلص المسلمين منها ويثبتهم على دينهم.
وكان مما استسلم فيه للضغوط مسألة حكم الاختلاط , فما كان محرمًا بالأمس ومشدَّدًا على المنع منه في أفضل البقاع عند الله , أصبح اليوم حلالًا إلا قليلًا.
فقصروا الاختلاط المحرم في أعظم ما يمكن للمرء تصوره من علاقة الرجال بالنساء الأجانب في الأماكن العامة ألا وهو ملاصقة الأجساد , ولعمر الله ما بقي من انكارهم لهذه الصورة ـ تلاصق الرجال بالنساء ـ إلا انكار الفواحش.
فهل يشك عاقل في حرمة ذلك؟؟! وهل نحن بحاجة إلى من يعلمنا بأن هذا حرام ويفتي لنا بحكمه؟؟!
стр. 577
وهذه الصورة إنما تمثل الصورة القصوى من اختلاط الرجال بالنساء , ولكن أين بقية الصور الأخرى من صور الاختلاط المحرم؟؟!
ولبيان قصور هذه الرؤية يقال:
إن الله أنعم على الإنسان ووهبه منافذ تمكنه من الاتصال والتواصل مع من حوله , فخلق الله له السمع والبصر والحواس , ولما علم الله عظيم فتنة الرجال بالنساء حال بينهما عن طريق سد هذه المنافذ وأحكم إغلاقها.
فأما السمع ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (النور:٣١)، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: ٣٢).
وأما البصر , ففي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣٠ - ٣١ ِ) وغيرها من الآيات الكثيرة.
والسؤال هنا: كيف يمكن غض البصر عند إباحة الاختلاط؟!
ثم إن سلمنا جدلًا بأن الاختلاط الممنوع هو تلاصق الأجساد , فلماذا إذنْ قال رسول الله ﵌ «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (رواه مسلم).
أليس الأول والأخير من الصفوف كلاهما لا يوجد فيه التصاق بالأجساد؟؟!
فالقول بأن الممنوع هو ملاصقة الأجساد يعني تساوي الفضل بين الصفوف الأولى والأخيرة إذا كان لايترتب عليها تلاصق بالأجساد.
ثم إنه ليس من الواقعية والحكمة أن نحرم اللمس ثم نفتح المجال للقاء والتقارب , فيعيش الناس في حال لا يعلمها إلا الله , لأنه بقيَتْ منافذ أخرى السمع
стр. 578
والبصر لم تتخذ فيها إجراءات تحد من تطلعها واطلاعها, ولهذا فقد كانت أحكام الإسلام تتشوف إلى كل ما يباعد الرجال عن النساء.
إن النظرة الواقعية تقول: قَلَّ من الشباب من يتقي ويصبر إذا أحاطت به المغريات من كل جانب.
والنظرة الواقعية تقول: إذا اختلط الرجال والنساء ثارت بينهم عقابيل الفتنة، ونشأت فيهم العلاقات المحرمة والصداقات الحميمية التي تجعل الصديق كالزوج في أخص خصائصه.
والنظرة الواقعية تملي عليه أن ينظر في تجارب الآخرين، فما زالت أكثر الدول تطورًا وأحكمها نظامًا وأصرمها قانونًا تعاني من مشكلات التحرش الجنسي، وهي تزداد في كل سنة بنسبة مضاعفة.
والنظرة الواقعية تقول: إن النساء يبدأن في التساهل في أمر الحجاب تدريجيًا في أماكن الاختلاط , ومن طبيعتهن حب التجمل والتزين.
والنظرة الواقعية تقول: إن الاختلاط سبب من أسباب نزع الحياء عند الرجال والنساء على حد سواء؛ إذ تزول الكلفة بين الرجال والنساء ويتحدثون فيما بينهم حديث المحارم مع بعضهم.
والنظرة الواقعية , تقول: إن من أعظم أسباب خيانة الأزواج لأزواجهم هو الاختلاط , فينشأ من ذلك تفكك الأسر بعد تماسكها، وتزرع في الحياة الزوجية الشكوك , وبالتالي يؤول الأمر إلى تفكك المجتمع وسقوطه.
والنظرة الواقعية تقول: بأن الاختلاط سبب لفساد الأخلاق وإماتة الضمائر، وقتل الغيرة لدى الناس.
وبذلك يتضح بما لايدع مجالًا للشك أن حصر الاختلاط الممنوع بتزاحم الأجساد وتلاصقها فقط، غير صحيح.
стр. 579
الشبهة التاسعة بعد المائة:
اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات لم يحرمه إلا بعض العلماء .
الجواب:
أولًا::قد سبق ذكر أقوال كثير من أهل العلم والدعاة القدامى والمعاصرين تحرم الاختلاط، ومن تلك الأقوال بعض أقوال علماء المذاهب الأربعة (١).
ثانيًا: ترجع صحة القول أو عدمها إلى قوة الدليل من كتاب الله أو من سنة النبي ﵌، ولا ترجع إلى كثرة القائلين به، وها هي بعض أقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها (٢):
* قال الإمام أبو حنيفة ﵀:
١ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي».
٢ - «إذا قلتُ قولًا يخالف كتاب الله وخبر الرسول ﵌ فاتركوا قولي».
* وقال الإمام مالك بن أنس ﵀:
١ - «إنما أنا بشر أخطيء وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه».
٢ - «ليس أحد بعد النبي ﵌ إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﵌».
* وقال الإمام الشافعي ﵀:
١ - «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﵌ فقولوا بسنة رسول الله ﵌ ودعوا ما قلت».
стр. 580
٢ - «إذا صح الحديث فهو مذهبي».
٣ - «كل حديث عن النبي ﵌ فهو قولي، وإن لم تسمعوه منى».
* وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀:
١ - «لا تقلدني ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا».
٢ - «من رد حديث رسول الله ﵌ فهو على شفا هلكة».
стр. 581
الشبهة العاشرة بعد المائة:
إن الإمام مالكًا أباح الاختلاط ؟
قد يستدل دعاة الاختلاط بأقوال منسوبة لبعض العلماء المعتبرين، قد لا تصح عنهم أصلًا، وإن صحت فعند التأمل لا تجد فيها ما يؤيد قول دعاة الاختلاط، وعلى فرض صحة أنها تؤيد قولهم، فإنه إنْ كان لا يُحْتَجّ بأقوال وأفعال الصحابة إن خالفت أمر النبي ﵌ ونهيه؛ فمَن بَعدهم مِن العلماء أولى، وقد نهى الأئمة عن اتباع أقوالهم إن خالفت الكتاب والسنة.
ومن ذلك قولهم إن الإمام مالكًا أباح الاختلاط؟
قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِى مَحْرَمٍ مِنْهَا أَوْ مَعَ غُلاَمِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ: «لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ».
قَالَ: «وَقَدْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَمَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ أَوْ مَعَ أَخِيهَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ» (١).
الجواب:
أولًا: هذا القول للإمام مالك ﵀، ليس فيه إباحة للاختلاط، بل إجابة لسؤال عن المرأة تأكل مع غير ذي محرم، فقال: «لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ ... وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ».
فأين إجازة الإمام مالك للاختلاط في هذه الفتوى؟ وقد اشترط ﵀ أن يكون جلوسها مع الرجال معروفًا لا يستنكر، كأن تكون مع الأقارب أو الأرحام أو
стр. 582
الأصهار ونحوهم بحضرة محارمها وهي متحجبة (١).
ومما قد يلحق بذلك ما قد يضطر إليه الناس للأكل في مكان فيه رجال ونساء ومعها أحد محارمها في السفر أو في مِنًى أيام الحج مثلًا، فتأكل وهي منتقبة كما تُضطر إلى فعله بعض النساء في عصرنا الحاضر، فمثل هذا لا يستنكر.
فكيف يُفهم عن الإمام مالك ﵀ جواز أكل المرأة مع غير محارمها وقد قال: «أرى للإمام أن يتقدم إلى الصُّنَّاع في قعود النساء إليهم، وأرى ألا تترك المرأة الشابة تجلس إلى الصُّنَّاع» (٢).
فإذا كان ﵀ يمنع من مجرد جلوس النساء مع الرجال الأجانب في الطرقات، فكيف يبيح الأكل معهم.
ولا يُتَصَوَّرُ أن يقصد الإمام مالك ما يحدث في بعض البيوت من أكل النساء مع الرجال غير المحارم، مع كشف النساء لوجوههن، بل وغير وجوههن، بزينة وبغير زينة، مما ينتج عنه كثير من المخالفات الشرعية من النظر والإعجاب وتعلق القلب واللمس بل وأحيانًا الفاحشة، وهذا الواقع لا ينكره إلا مكابر.
إن من الإنصاف أن يُفهم كلام الإمام مالك في ضوء الواقع الذي كان يعيش فيه الإمام مالك ﵀ حيث الأصل أن النساء محتجبات لا يراهن غير محارمهن، والاختلاط هو الاستثناء، ومن التعسف فهم كلامه في ضوء واقعنا المعاصر حيث الأصل اختلاط النساء بالرجال غير المحارم، والاحتجاب هو الاستثناء.
стр. 583
إن احتجاب النساء عن الرجال الأجانب ظل هو الأصل حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات القرن العشرين الميلادي عندما بدأ بعض المغرورين ينخدع بحركة ما يسمى (تحرير المرأة).
وإذا قرأت ما سطره علماء الحملة الفرنسية الصليبية على مصر، من وصف للمجتمع المصري في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وبداية القرن التاسع عشر، وجدت أن ستر الوجه عند الخروج من المنزل، وعدم الاختلاط حتى داخل البيوت كان هو الأصل عند حكام البلاد وعامة الشعب.
ومما قالوه: «النساء في كل الظروف لا يخرجن مطلقًا سافرات الوجوه، بل يغطين وجوههن بالبرقع ... ولا يدخل الرجال مطلقًا ـ فيما عدا بعض الأهل الأقربين ـ إلى مسكن السيدات ... ولم يستطع الرحالة السابقون على الغزو أن يتعرفوا على أحوال سيدات الطبقة المسيطرة، وذهبت أدراج الرياح كل توسلاتهم اللحوح؛ فلم يكن عظماء مصر ليسمحوا لأحد بأن يتطلع إلى جمال زوجاتهم» (١).
فإذا كان هذا حال المسلمين في تلك القرون فما ظنك بالقرن الثاني الهجري الذي عاش فيه الإمام مالك في مدينة رسول الله ﵌.
ثانيًا: غاية ما يفهم من كلام الإمام مالك ﵀ إجازة الإمام مالك أن تأكل مع الأقارب أو الأرحام أو الأصهار ونحوهم بحضرة محارمها وهي متحجبة، فهل يوجد مَحْرَم في الأماكن المختلطة في العمل والدراسة.
ثالثًا: إن كان دعاة الاختلاط يستدلون لدعواهم بفهمهم السقيم لكلام الإمام
стр. 584
مالك ﵀ فقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ما يخالف ذلك، فقد قال العلامة السفاريني الحنبلي: «النَّظَرُ يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ، مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ وَهُوَ جُلُّ الْمَقْصُودِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، كَالنَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ تُبِيحُ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى جَمِيعِهَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁.قَالَ ﵁: «لَا يَأْكُلُ مَعَ مُطَلَّقَتِهِ، هُوَ أَجْنَبِيٌّ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا فَكَيْفَ يَأْكُلُ مَعَهَا يَنْظُرُ إلَى كَفِّهَا، لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ» (١).
وقد تعلَّم المسلمون من الإمام مالك ﵀ قوله: «إنما أنا بشر أخطيء وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه» (٢).
وقد رَدَّ الفقيه المالكي القرطبي الإمام الحافظ ابن عبد البر (٣) على الإمام مالك قوله، فقال في شرحه (للموطأ) (٤) تعليقًا على قول الإمام مالك السابق:
«في كتاب الله تعالى شفاء من هذا المعنى؛ قال الله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (النور:٣١)، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (النور:٣٠).وقال رسول الله ﵌: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِذِي مَحْرَم (٥) وَلَا تُسًافِر امْرَأَةٌ
وهذا تفسير حديث جرير أنه أمره أن يصرف بصره عن النظرة الثانية لأن النظرة الأولى غُلِبَ عليها بالفجاءة.
ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته، وزمنه خير من زمننا هذا (١).
وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذاتِ مَحْرَم نظر شهوة يرددها.
وقال عاصم الأحول: «قلت للشعبي الرجل ينظر إلى المرأة لا يرى منها مُحَرّمًا؟».
قال: «ليس لك أن تتبعها بعينك» (٢).
قال أبو عمر (الإمام ابن عبد البر): «فأين المجالسة والمؤاكلة من هذا؟!!».
قد جاءت رخصة في المملوك الوغد (٣) وفي معاني من هذا الباب تركت ذكرها لأني لم أرَ من الصواب إلا أن يكون المملوك من غير أولى الإربة فيكون حكمه حكم الأطفال الذين لا يفطنون لعورات النساء وكم من المماليك الأوغاد أتى منهم الفساد» (٤).
فالإمام ابن عبد البر بعد أن بَيَّنَ نَهْيَ الإسلام عن الخلوة وأمْرَهُ بغض البصر قال: «فأين المجالسة والمؤاكلة من هذا؟!!»، أي فإذا كان النظر فقط محرمًّا، فكيف بالجلوس مع النساء والأكل معهن، واشترط أن يكون المملوك من غير أولى الإربة، وهم ممن لا حاجة لهم إلى النساء؛ حتى لا يحصل الفساد.
стр. 587
وكيف يتمكن الرجل من غض بصره عن امرأة تأكل معه في نفس المكان ليس بينه وبينها حجاب، وكيف تتمكن هي من غض بصرها عنه، إن الأمر بغض البصر دليل على المنع من الاختلاط.
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣٠ - ٣١).
قال الدكتور عبد الله ناصح علوان:
« ... كيف نتصور غض البصر لكل من الرجل والمرأة وهما مجتمعان في مكان واحد؛ فالآية إذن في مدلولها تنهى عن الاختلاط وتحرمه» (١).
وقد ذكر النبي ﵌ أن من حق الطريق: «غَضّ البَصَر» (رواه البخاري ومسلم).
فإذا كان غض البصر واجبًا على الرجال إذا مرت بمجلسهم في الطريق امرأة مرورًا عابرًا، فكيف يأكل الرجل مع المرأة الأجنبية؟!
قال العلاء بن زياد: «كان يقال: لا تُتْبِعَنَّ نظركَ حُسنَ رداءِ امرأة؛ فإن النظر يجعل شهوة في القلب» (٢).
رابعًا: هل يقول دعاة الاختلاط بجواز الخلوة بالمرأة الأجنبية استنادًا إلى قول الإمام مالك في هذا الأثر: «وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْلُوَ مَعَ الرَّجُلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ»!!!! ويخالفون قول النبي ﵌: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِى مَحْرَمٍ» (رواه البخاري).
стр. 588
معنى الكراهة في كلام الأئمة:
إن من يتبعون الشهوات غالبًا ما يستدلون بزلّات العلماء، ولكن ليس لهم في كلام الإمام مالك ما يؤيد دعواهم، فمعنى كلام الإمام مالك ﵀ تحريم الخلوة بالأجنبية وليس كراهيتها فقط.
قال الإمام الشاطبي المالكي ﵀: «وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط، وإنما هذا اصطلاح المتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبيلين، فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط، ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع، وأشباه ذلك.
وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحًا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام. ويتحامون العبارة خوفًا مما في الآية من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (النحل: ١١٦)، وحكى مالك عمن تقدم هذا المعنى.
فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها: أكره هذا، ولا أحب هذا، وهذا مكروه، وما أشبه ذلك، فلا تَقْطَعَنّ على أنهم يريدون التنزيه فقط» (١).
ومما يوضح كلام الإمام الشاطبي أن الإمام الترمذي قال في سننه: «باب مَا جَاءَ فِى كَرَاهِيَةِ إِتْيَانِ الْحَائِضِ»، وذكر فيه قول رسول الله ﵌: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِى دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﵌» (٢) فهل يُعقل أن يستدل الإمام الترمذي بالحديث على الكراهة التنزيهية؟!!
стр. 589
الشبهة الحادية عشرة بعد المائة:
يجوز الاختلاط بشرط غض البصر واحتجاب المرأة وعدم خضوعها بالقول .
الجواب:
لابد من التفريق بين اللقاء العابر والمحدود وبين اللقاء المتكرر أوالمنظم.
فالاختلاط الممنوع هو ما تكرر أو نظم فيه اجتماع الرجال بالنساء الأجنبيات مباشرة مع إمكان التحرز منه.
ومما يُعْرَفُ به الاختلاط الممنوع:
- أنه يؤدي إلى زوال الكلفة بين الرجال والنساء، «فيتكلمون بغير الحاجة مع الخضوع بالقول غالبًا، وإطلاق النظر، والاستمتاع بالكلام وغير ذلك مما نَصَّ عليه النبي ص بقوله: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ؛ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ» (١).
- أنه يكثر من خلاله العلاقات المحرمة.
- أنه يؤدي إلى الخلوة بالمرأة الأجنبية.
- أنه يؤدي إلى تلاصق وتزاحم بالأجساد (٢).
أما اللقاء العابر فهو لقاء محدود لا تزول به (الكلفة) وتلتزم فيه المرأة بالضوابط
стр. 590
الشرعية في التعامل مع الرجال الأجانب، مثل قضاء حاجة سريعة: كسؤال عن متاع أو استفتاء وسؤال عن حاجة وبيع وشراء ونحوه.
فاللقاء العابر المحدود بين الرجل والمرأة عند الحاجة أو السؤال فإنه يجوز بشرط غض البصر واحتجاب المرأة وعدم خضوعها بالقول.
وأما عند اللقاء الدائم , فيستحيل أن تتوفر هذه الشروط , فالفتنة واقعة لا محالة , فلابد إذن من التخفيف منها بإبعاد الرجال عن النساء على قدر الاستطاعة (١).
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «فكيف يحصل غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة عند نزول المرأة ميدان الرجال واختلاطها معهم في الأعمال؟
والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير.
وكيف يحصل للمرأة المسلمة أن تغض بصرها وهي تسير مع الرجل الأجنبي جنبًا إلى جنب بحجة أنها تشاركه في الأعمال أو تساويه في جميع ما يقوم به؟» (٢).
قال الشيخ سليمان الماجد:
«الاختلاط المحرم مرجعه إلى ثلاث صور:
الأولى: الذي يمسُّ فيه جسدُ المرأة جسدَ الرجل؛ إذ لا يشك عاقل أن المس أشد فتنة من مجرد سماع صوت الخلخال.
الثانية: الاختلاط الذي يحقق الخلوة بين المرأة والرجل.
الثالثة: دوامُ مُكث الرجل مع المرأة الأجنبية في مكانٍ واحد، ولو لم تتحقق الخلوة، مثل مكاتب الموظفين في دوامها المستمر يوميًا؛ إذ لا يشك عاقل أن خلوة المرأة مع
стр. 591
الرجل خمس دقائق أو ربع ساعة (وهو محرّم) ليس أخطر عليهما من ذلك المكث الطويل المستمر، وما يسهّله هذا الاجتماعُ المستمر من تبادل الحديث بينهما، وما يحققه من الغفلة عن التحفظ من أسباب الوقوع في شِراك الفتنة، وما يؤدي إليه من توسيع مداخل الشيطان بينهما.
لا يشك عاقلٌ منصف مبتغٍ للحق في أن هذا اللقاء الدائم، أخطر من خلوة قصيرة، ومن تزاحم لحظة على باب مسجد أو خلال الطواف بالبيت، ومن خضوع بالقول مرّة، ومن قرقعة صوت الخلخال في طريق من طرق المسلمين.
وقد قال رسول الله ﵌: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» (رواه البخاري ومسلم).
فوصفهن بأنهن فتنة فكيف يجمع بين الفاتن والمفتون (١).
стр. 592
الشبهة الثانية عشرة بعد المائة:
الاختلاط يخفف الشهوة:
يدعي دعاة الاختلاط أن اختلاط الرجال بالنساء يمكن أن يخفف من حدة إثارة الدافع الجنسي لدى كل من الرجل والمرأة.
الجواب:
١ - الأمر بالعكس تمامًا، فإن أقدر الناس على الابتعاد عن الفاحشة هم الذين يغضون أبصارهم ويبتعدون عن رؤية المثيرات وسماعها، بينما الاختلاط يزيد من شدة إثارة الدافع الجنسي، ولو أن اختلاط الرجل بالمرأة غير المحرمة يخفف من حدة الدافع الجنسي لدى كل من الرجل والمرأة لوجدنا أن هذا الدافع يخف تدريجيًا ثم يصل إلى درجة الانعدام عند كل واحد من الزوجين بعد فترة من زواجهما لشدة اختلاط أحدهما بالآخر بشكل مستديم، ولكن الواقع هو عكس ذلك، إذ يستمر هذا الدافع لدى كل منهما ما دام أنه سَوِيٌّ في صحته الجسمية والعقلية.
ولقد ظهر زيف هذه الخرافة يومًا بعد يوم في مجتمع يتزايد فيه الاختلاط بدون قيود، ففي كل يوم يزداد فيه الاختلاط تزداد فيه الشهوة الجنسية استعارًا.
وتشير بعض التقارير إلى أن أكثر من تسعين في المائة من النساء غير المتزوجات في أوربا وأمريكا يمارسن الزنا إما بطلاقة أو من حين لآخر.
٢ - قد يكون ما يذهب إليه دعاة تهذيب الشهوة صحيح من بعض نواحيه، وإن كان كثير من الشهوات الجامحة الجارفة يستعصي على الترويض، وأغلب الظن أن إدمان الخضوع للتجربة على تعاقب الأيام قد ينتهي إلى ما يريده المروضون من دعاة التهذيب، ولكن أي شيء يمكن أن يسمى هذا الذي يسعون إليه؟ أليس هو البرود الجنسي؟!
стр. 593
إذا رأى الرجل المرأة فلم يثِر فيه هذا اللقاء ما يثور عادة في الرجال عند رؤية النساء ولم يطرأ على الرجل أي تغيير جنسي جسدي وكان قصارى ما يستتبعه ذلك كله هو أن تسري في جسده نشوة لا تدفع به إلى الحالة الإيجابية العضوية أليس يكون قد بلغ ما يسمى بالبرود الجنسي؟!
أليس البرود الجنسي مرضًا يسعى المصابون به إلى الأطباء يلتمسون عندهم البرء والشفاء من أعراضه؟! فكيف نجعل هذا المرض غاية من الغايات نسعى إليها باسم التنفيس عن الكبت أو تهذيب الغريزة الجنسية؟! وكيف يكون الحال لو تصورنا التهذيب في سائر الخلق، فبطل تجاذب السالب للموجب أو فتر، فأصبح من غير المؤكد أن يترتب على التقائهما الشوق الشديد والميل العنيف الذي لا يقاوم إلى الاندماج الكامل، أليس يفسد الكون كله؟!
إن حدة الشهوة وقوتها سبيل إلى تحسين النسل وداعية إلى إبراز أحسن خصائصه وأفضل صفاته، كما أن فتور الشهوة وبرودها سبيل إلى ضعف النسل وداعية إلى تدهور خصائصه وانحطاط صفاته.
ونتيجة خطيرة لشيوع البرود الجنسي هي انتشار الشذوذ الجنسي، فهي راجعة إلى أن الرجل الذي ألف أن يقع نظره على مفاتن المرأة فلا يثور يحتاج لكي يثور إلى مناظر وأوضاع تخالف ما ألف، ومصيبته بالبرود الجنسي تحرمه من الإحساس بذكورته، فيعاني أشد الألم مما يحسه في أعماق نفسه من الذلة والمهانة، ويدفعه ذلك إلى أن يحاول تحقيق متعة الاتصال الجنسي وإثباتها من كل الوجوه، عن طريق التقلب بين الخليلات وبائعات الهوى، والتماس الشاذ الغريب من الأساليب والأوضاع رجاء انبعاث ما ركد
стр. 594
من ذكورته، وقد تدفعه مع ذلك إلى إغراق نفسه في المخدرات تعويضًا لما فقده من لذة أو إلى الإجرام أو المغامرة إثباتًا لذكورته من وجه آخر.
٣ - من نتائج الاختلاط عند الغرب بأقلام علمائهم:
يقول الدكتور جون كيشلر أحد علماء النفس الأمريكيين في شيكاغو: «إن ٩٠% من الأمريكيات مصابات بالبرود الجنسي و٤٠% من الرجال مصابون بالعقم»، وقال: «إن الإعلانات التي تعتمد على صور الفتيات العارية هي السبب في هبوط المستوى الجنسي للشعب الأمريكي، وبسبب الاختلاط الذي سبب ما سبب في المجتمع البريطاني أصبحت المرأة التي تركت أنوثتها واتصفت بصفات الرجال تسمى بالجنس الثالث، فهذا الجنس الثالث يخالف الرجال طبيعة وتركيبًا ويخالف النساء وظائف وأعمالًا» (١).
стр. 595
الشبهة الثالثة عشرة بعد المائة:
الفصل بين الجنسين يؤجج الشهوة، ويلجئ إلى طلب الجنس ولو من المثل (١):
الجواب:
إن صاحب الهوى يدخل في مغالطات يهزأ منها قارئ التاريخ، ويكذبها الواقع بإحصائياته، بل بإقرار قدوات المغالطين من رجال الغرب ونسائه.
وهذه الدعوى ضَرْبٌ من الإرهاب الفكري المقيت، يُحصَر فيه الناس بين خيارين؛ إما الاختلاط ولك أن تقول: الزنا، وإما الشذوذ، سبحان الله! ألا يرى هؤلاء إلاّ الجنس المحرم، مثلهم كمثل من يقول: إما أن يأكل الناس مما لم يذكر اسم الله عليه، أو يُؤكل لحم الخنزير. عجبًا! وأين ذهب الحلال الطيب؟
إن مِن أظهر الباطل الزعمَ بأن الدعوة للعفاف ونبذ التبذل والاختلاط سبب لتأجج نار الشهوات، فهؤلاء أهل الإسلام ودعاته الملتزمون بأحكامه ـ ومن ذلك الفصل بين الرجال والنساء ـ محافظون على العفة مهذِّبون لغرائزهم بالتزامهم أمر اللطيف الخبير بخلاف غيرهم.
فلم نسمع بجماعة إسلامية، دعت يومًا من الدهر إلى إباحة الشذوذ الجنسي، فضلًا عن أن تقر له قانونًا، بينما قادَ الاختلاط والانفتاح أممًا إلى سَنّ تشريعات تبيح الشذوذ، وإلاّ فما بال نساء ألمانيا وبريطانيا وأمريكا ورجالاتها سَنُّوا تشريعات تقر الشذوذ، وأقاموا منظمات تحفظ حقوق الشُذّاذ! أتراهم عانوا من كبت ضرب الحجاب بين
стр. 596
الجنسين أو أمر النساء بالقرار؟ هل يعلم هؤلاء أن بالولايات المتحدة وحدها نحوًا من خمسين مليون شاذ! (١)
ثم مَن الذي يحمي شُذّاذ الآفاق، مِن الذين انتكست فطرهم في الدول العربية والمسلمة؟ هل رأيتم شعبًا مسلمًا خرج في مظاهرة لحماية حقوق الشواذ؟ اللهم لا؛ ولكن رأينا احتجاجات بمباني الأمم المتحدة في جنيف، وخارج المكتب الثقافي التابع للسفارة المصرية بواشنطن. وسمعنا بانتقادات جماعات حقوق الإنسان الدولية، لحادث قبض على بعض الشُذَّاذ في أرض الكنانة أسفر عن إدانتهم ومحاكمتهم! (٢)
حتى قال محرر الأهرام العربي: «بعد أن رفع الشواذ الأمريكيون شعار الحرية الشخصية الذي تبناه خمسة وثلاثون من أعضاء الكونجرس في رسالة مسمومة إلي الرئيس مبارك يُلَوِّحُون فيها بورقة المعونة الأمريكية للضغط علي مصر بهدف إلغاء محاكمة المتهمين الـ ٥٢ في قضية الشذوذ ومنح الحرية الكاملة لأي شاذ يمارس الجنس مع أشخاص بالغين من الجنس نفسه.
ولأن الحملة الأمريكية يقودها شاذ أمريكي يُدعى (باري فرانك) ـ عضو الكونجرس عن ولاية (ماستشوستس) ـ ومعه (توم لانتس) المعروف بالمشاركة الدائمة والمنتظمة في أي حملة ضد مصر فقد جاء الرد سريعًا وفي نفس الاتجاه من
стр. 597
أوروبا، وبالتحديد من أمام السفارة المصرية في جنيف حيث وقف عشرات الشواذ يتظاهرون منددين بانتهاك الحكومة المصرية لحقوق الشواذ وحرمانهم من ممارستهم لحريتهم!! والمفارقة أن المظاهرة جاءت ضمن فعاليات المؤتمر العالمي للشواذ والسحاقيات الذي أقيم الأسبوع الماضي في العاصمة السويسرية.
ولم تسلم جمعيات حقوق الإنسان في مصر من الحرب الشرسة , إذ نالت مئات الهجمات العنيفة علي مواقعها عبر الإنترنت بالإضافة إلي تهديدها بوقف التمويل ما لم تنتفض لنجدة ونصرة الشواذ في مصر وتهيئ لهم أجواء الفجور والفسوق!! (١).
لقد أضاف الدستور البريطاني مادة جديدة تتيح للموظف المسئول، حرية الإعلان عن ميوله الجنسية , فكانت النتيجة أن أعلن أربعة وزراء عن ميولهم الشاذة، وسكت آخرون، فصادف أن وقف (توني بلير) ـ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ـ في أحد المؤتمرات الصحفية بعد إعلان أحد الوزراء عن ميوله الجنسية الشاذة , فلم يجد سوى أن يقول: تلك ميول شخصية لا تؤثر علي كفاءته في العمل كوزير!
وعندما حاولت ملكة هولندا في السنوات الأخيرة الالتزام ببروتوكول القصر الملكي، فحرمت حوالي أربعة عشر سفيرًا ودبلوماسيًا هولنديًا شاذًا ـ أعلنوا عن ميولهم في الملأ ـ من حضور حفلات ملكية، وجدت المتحدث الرسمي الأول لمجلس الدولة ـ الشاذ ـ يعرب عن اعتراضه علي هذا الحرمان، وامتنع عن حضور المؤتمرات، التي تعقد في القصر لأنه لا يستطيع أن يصطحب صديقه!!!
ولست أدري أين وصلت فرنسا في قانون (باكس) للتضامن الاجتماعي، وأهم
стр. 598
البنود المطروحة في مشروع القانون مسألة السماح لأي زيجة بين الشواذ تمنحهم الحقوق المدنية المكفولة للأزواج الطبيعيين مثل حقوق الميراث، والاحتفاظ بالممتلكات بعد وفاة أحد الطرفين. وهناك مشروع مماثل جارٍ بحثه في بلجيكا بعد ضغوط من بعض المنظمات الدولية الكبرى التي ترعى هؤلاء الشواذ» (١).
وقد وقف أمام الملأ نائب الرئيس الأمريكي (ديك تشيني) ليدافع في مقابلة تلفزيونية أجرتها معه (إم إس إن بي سي) عن حقوق ابنته الشاذة في حماية حياتها الخاصة، معربًا عن حبه الشديد لها، وقد كان ناشطون شذاذ دعوا ابنته (ماري) للتنديد بمقترح الرئيس جورج بوش من أجل تعديل الدستور لحظر الزواج من نفس الجنس! (٢)
وهكذا يستشري الشذوذ في تلك المجتمعات التي لا ترعى للاختلاط حرمة، ويتقدم ليقتحم الكنائس، وقد أثارت الصحف الأمريكية قبل حوالي ستة أشهر، نبأ انتخاب (جين روبنسون) أول أسقف شاذ للكنيسة الأسقفية البروتستانتية، التي تضم حوالي ٣ ̧٢ مليون نصراني، ينتمون إلى الكنيسة الانجليكانية، يباركهم!!! جميعًا هذا القس الشاذ!!! (٣)
«ولن تعجب كثيرًا إذا علمت أن اليهود كان لهم السبق في دعم مثل هذه التوجهات الشاذة في خطوة غير مسبوقة عندما صَوَّتَ الحاخامات المنتمون لأكبر تجمع يهودي في الولايات المتحدة لصالح الاعتراف بزواج الشواذ وذلك في المؤتمر المركزي
стр. 599
للحاخامات الأمريكيين التابع لحركة الإصلاح اليهودية حيث صرح رئيس المؤتمر (تشارلز كرولوف): «إن من حق الشواذ الاعتراف بزواجهم واحترامهم»، ومنذ عام ١٩٩٥، والحركة توافق على تعيين حاخامات مثليين» (١).
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ «فهذه هي الجاهلية الحديثة في أوروبا وفي أمريكا ينتشر فيها هذا الانحراف الجنسي الشاذ انتشارًا ذريعًا. بغير ما مبرر إلا الانحراف عن الاعتقاد الصحيح , وعن منهج الحياة الذي يقوم عليه.
وقد كانت هناك دعوى عريضة من الأجهزة التي يوجهها اليهود في الأرض لتدمير الحياة الإنسانية لغير اليهود , بإشاعة الانحلال العقيدي والأخلاقي، كانت هناك دعوى عريضة من هذه الأجهزة الموجهة بأن احتجاب المرأة هو الذي ينشر هذه الفاحشة الشاذة في المجتمعات!
ولكن شهادة الواقع تخرق العيون، ففي أوروبا وأمريكا لم يبق ضابط واحد للاختلاط الجنسي الكامل بين كل ذكر وكل أنثى ـ كما في عالم البهائم! وهذه الفاحشة الشاذة يرتفع معدلها بارتفاع الاختلاط ولا ينقص!
ولا يقتصر على الشذوذ بين الرجال؛ بل يتعداه إلى الشذوذ بين النساء، ومن لا تخرق عينيه هذه الشهادة فليقرأ (السلوك الجنسي عند الرجال) و (السلوك الجنسي عند النساء) في تقرير (كنزي) الأمريكي، ولكن هذه الأجهزة الموجهة ما تزال تردد هذه الأكذوبة، وتسندها إلى حجاب المرأة؛ لتؤدي ما تريده بروتوكولات صهيون , ووصايا مؤتمرات المبشرين!» (٢).
стр. 600
إن من أعظم أسباب الشذوذ اضطراب الأسرة، وانشغالها عن رعاية بنيها، ولهذا كان من الطبيعي استشراء الشذوذ في الغرب الذي بات مصير الأسرة فيه مهددًا بالانقراض إثر الانحلال المتفشي؛ فعندما تهمل الأسرة أبناءها , تكون النتيجة المرتقبة انحرافهم بأشكال مختلفة، قد يمثل الشذوذ أحدها، خاصة عندما ينشأ الأولاد في أسر استرجلت فيها النساء، أو في مجتمع سُلب ذكوره الرجولة.
ومع ذلك فإننا لا ننكر أن يكون الشذوذ ظاهرة ربما عرضت لنفر منبوذ ـ لا يراعي للاختلاط حرمة ـ في مجتمع عربي، ولكن ما نستهجنه محاولات تبرير الدعوة إلى الاختلاط بدعاوى سمجة، بالإضافة إلى تحليل أسباب ظاهرة الشذوذ في المجتمعات العربية تحليلًا سطحيًا ساذجًا، يُضحك به على البسطاء، ثم اقتراح عقار آخر يضاعف الداء، بتحليله لتدابير الإسلام الوقائية، كمنعه من الاختلاط، وهدمه لتدابير الإسلام الإيجابية كحَضِّه على الزواج، وترخيصه في الإماء، وأمره بالصيام.
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
«لقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطليق , والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين , والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة.
شاع أن كل هذا تنفيس وترويح , وإطلاق للرغبات الحبيسة , ووقاية من الكبت , ومن العقد النفسية , وتخفيف من حدة الضغط الجنسي , وما وراءه من اندفاع غير مأمون ... الخ.
شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه من الحيوان , والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين!