الجنسين أو أمر النساء بالقرار؟ هل يعلم هؤلاء أن بالولايات المتحدة وحدها نحوًا من خمسين مليون شاذ! (١)
ثم مَن الذي يحمي شُذّاذ الآفاق، مِن الذين انتكست فطرهم في الدول العربية والمسلمة؟ هل رأيتم شعبًا مسلمًا خرج في مظاهرة لحماية حقوق الشواذ؟ اللهم لا؛ ولكن رأينا احتجاجات بمباني الأمم المتحدة في جنيف، وخارج المكتب الثقافي التابع للسفارة المصرية بواشنطن. وسمعنا بانتقادات جماعات حقوق الإنسان الدولية، لحادث قبض على بعض الشُذَّاذ في أرض الكنانة أسفر عن إدانتهم ومحاكمتهم! (٢)
حتى قال محرر الأهرام العربي: «بعد أن رفع الشواذ الأمريكيون شعار الحرية الشخصية الذي تبناه خمسة وثلاثون من أعضاء الكونجرس في رسالة مسمومة إلي الرئيس مبارك يُلَوِّحُون فيها بورقة المعونة الأمريكية للضغط علي مصر بهدف إلغاء محاكمة المتهمين الـ ٥٢ في قضية الشذوذ ومنح الحرية الكاملة لأي شاذ يمارس الجنس مع أشخاص بالغين من الجنس نفسه.
ولأن الحملة الأمريكية يقودها شاذ أمريكي يُدعى (باري فرانك) ـ عضو الكونجرس عن ولاية (ماستشوستس) ـ ومعه (توم لانتس) المعروف بالمشاركة الدائمة والمنتظمة في أي حملة ضد مصر فقد جاء الرد سريعًا وفي نفس الاتجاه من
стр. 597
أوروبا، وبالتحديد من أمام السفارة المصرية في جنيف حيث وقف عشرات الشواذ يتظاهرون منددين بانتهاك الحكومة المصرية لحقوق الشواذ وحرمانهم من ممارستهم لحريتهم!! والمفارقة أن المظاهرة جاءت ضمن فعاليات المؤتمر العالمي للشواذ والسحاقيات الذي أقيم الأسبوع الماضي في العاصمة السويسرية.
ولم تسلم جمعيات حقوق الإنسان في مصر من الحرب الشرسة , إذ نالت مئات الهجمات العنيفة علي مواقعها عبر الإنترنت بالإضافة إلي تهديدها بوقف التمويل ما لم تنتفض لنجدة ونصرة الشواذ في مصر وتهيئ لهم أجواء الفجور والفسوق!! (١).
لقد أضاف الدستور البريطاني مادة جديدة تتيح للموظف المسئول، حرية الإعلان عن ميوله الجنسية , فكانت النتيجة أن أعلن أربعة وزراء عن ميولهم الشاذة، وسكت آخرون، فصادف أن وقف (توني بلير) ـ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ـ في أحد المؤتمرات الصحفية بعد إعلان أحد الوزراء عن ميوله الجنسية الشاذة , فلم يجد سوى أن يقول: تلك ميول شخصية لا تؤثر علي كفاءته في العمل كوزير!
وعندما حاولت ملكة هولندا في السنوات الأخيرة الالتزام ببروتوكول القصر الملكي، فحرمت حوالي أربعة عشر سفيرًا ودبلوماسيًا هولنديًا شاذًا ـ أعلنوا عن ميولهم في الملأ ـ من حضور حفلات ملكية، وجدت المتحدث الرسمي الأول لمجلس الدولة ـ الشاذ ـ يعرب عن اعتراضه علي هذا الحرمان، وامتنع عن حضور المؤتمرات، التي تعقد في القصر لأنه لا يستطيع أن يصطحب صديقه!!!
ولست أدري أين وصلت فرنسا في قانون (باكس) للتضامن الاجتماعي، وأهم
стр. 598
البنود المطروحة في مشروع القانون مسألة السماح لأي زيجة بين الشواذ تمنحهم الحقوق المدنية المكفولة للأزواج الطبيعيين مثل حقوق الميراث، والاحتفاظ بالممتلكات بعد وفاة أحد الطرفين. وهناك مشروع مماثل جارٍ بحثه في بلجيكا بعد ضغوط من بعض المنظمات الدولية الكبرى التي ترعى هؤلاء الشواذ» (١).
وقد وقف أمام الملأ نائب الرئيس الأمريكي (ديك تشيني) ليدافع في مقابلة تلفزيونية أجرتها معه (إم إس إن بي سي) عن حقوق ابنته الشاذة في حماية حياتها الخاصة، معربًا عن حبه الشديد لها، وقد كان ناشطون شذاذ دعوا ابنته (ماري) للتنديد بمقترح الرئيس جورج بوش من أجل تعديل الدستور لحظر الزواج من نفس الجنس! (٢)
وهكذا يستشري الشذوذ في تلك المجتمعات التي لا ترعى للاختلاط حرمة، ويتقدم ليقتحم الكنائس، وقد أثارت الصحف الأمريكية قبل حوالي ستة أشهر، نبأ انتخاب (جين روبنسون) أول أسقف شاذ للكنيسة الأسقفية البروتستانتية، التي تضم حوالي ٣ ̧٢ مليون نصراني، ينتمون إلى الكنيسة الانجليكانية، يباركهم!!! جميعًا هذا القس الشاذ!!! (٣)
«ولن تعجب كثيرًا إذا علمت أن اليهود كان لهم السبق في دعم مثل هذه التوجهات الشاذة في خطوة غير مسبوقة عندما صَوَّتَ الحاخامات المنتمون لأكبر تجمع يهودي في الولايات المتحدة لصالح الاعتراف بزواج الشواذ وذلك في المؤتمر المركزي
стр. 599
للحاخامات الأمريكيين التابع لحركة الإصلاح اليهودية حيث صرح رئيس المؤتمر (تشارلز كرولوف): «إن من حق الشواذ الاعتراف بزواجهم واحترامهم»، ومنذ عام ١٩٩٥، والحركة توافق على تعيين حاخامات مثليين» (١).
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ «فهذه هي الجاهلية الحديثة في أوروبا وفي أمريكا ينتشر فيها هذا الانحراف الجنسي الشاذ انتشارًا ذريعًا. بغير ما مبرر إلا الانحراف عن الاعتقاد الصحيح , وعن منهج الحياة الذي يقوم عليه.
وقد كانت هناك دعوى عريضة من الأجهزة التي يوجهها اليهود في الأرض لتدمير الحياة الإنسانية لغير اليهود , بإشاعة الانحلال العقيدي والأخلاقي، كانت هناك دعوى عريضة من هذه الأجهزة الموجهة بأن احتجاب المرأة هو الذي ينشر هذه الفاحشة الشاذة في المجتمعات!
ولكن شهادة الواقع تخرق العيون، ففي أوروبا وأمريكا لم يبق ضابط واحد للاختلاط الجنسي الكامل بين كل ذكر وكل أنثى ـ كما في عالم البهائم! وهذه الفاحشة الشاذة يرتفع معدلها بارتفاع الاختلاط ولا ينقص!
ولا يقتصر على الشذوذ بين الرجال؛ بل يتعداه إلى الشذوذ بين النساء، ومن لا تخرق عينيه هذه الشهادة فليقرأ (السلوك الجنسي عند الرجال) و (السلوك الجنسي عند النساء) في تقرير (كنزي) الأمريكي، ولكن هذه الأجهزة الموجهة ما تزال تردد هذه الأكذوبة، وتسندها إلى حجاب المرأة؛ لتؤدي ما تريده بروتوكولات صهيون , ووصايا مؤتمرات المبشرين!» (٢).
стр. 600
إن من أعظم أسباب الشذوذ اضطراب الأسرة، وانشغالها عن رعاية بنيها، ولهذا كان من الطبيعي استشراء الشذوذ في الغرب الذي بات مصير الأسرة فيه مهددًا بالانقراض إثر الانحلال المتفشي؛ فعندما تهمل الأسرة أبناءها , تكون النتيجة المرتقبة انحرافهم بأشكال مختلفة، قد يمثل الشذوذ أحدها، خاصة عندما ينشأ الأولاد في أسر استرجلت فيها النساء، أو في مجتمع سُلب ذكوره الرجولة.
ومع ذلك فإننا لا ننكر أن يكون الشذوذ ظاهرة ربما عرضت لنفر منبوذ ـ لا يراعي للاختلاط حرمة ـ في مجتمع عربي، ولكن ما نستهجنه محاولات تبرير الدعوة إلى الاختلاط بدعاوى سمجة، بالإضافة إلى تحليل أسباب ظاهرة الشذوذ في المجتمعات العربية تحليلًا سطحيًا ساذجًا، يُضحك به على البسطاء، ثم اقتراح عقار آخر يضاعف الداء، بتحليله لتدابير الإسلام الوقائية، كمنعه من الاختلاط، وهدمه لتدابير الإسلام الإيجابية كحَضِّه على الزواج، وترخيصه في الإماء، وأمره بالصيام.
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
«لقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطليق , والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين , والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة.
شاع أن كل هذا تنفيس وترويح , وإطلاق للرغبات الحبيسة , ووقاية من الكبت , ومن العقد النفسية , وتخفيف من حدة الضغط الجنسي , وما وراءه من اندفاع غير مأمون ... الخ.
شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه من الحيوان , والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين!
стр. 601
ـ وبخاصة نظرية فرويد ـ ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية , رأيت بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتًا من جميع القيود الاجتماعية والأخلاقية والدينية والإنسانية, ما يكذبها وينقضها من الأساس.
نعم .. شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي , والاختلاط الجنسي، بكل صوره وأشكاله , أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها، إنما انتهى إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع!
وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهومًا أنها لا تنشأ إلا من الحرمان , وإلا من التلهف على الجنس الآخر المحجوب , شاهدتها بوفرة ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه ـ ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيده قيد ولا يقف عند حد ; وللصداقات بين الجنسين تلك التي يباح معها كل شيء! وللأجسام العارية في الطريق, وللحركات المثيرة والنظرات الجاهرة , واللفتات الموقظة، وليس هنا مجال التفصيل وعرض الحوادث والشواهد، مما يدل بوضوح على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريات التي كذبها الواقع المشهود.
إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي؛ لأن الله قد ناط به امتداد الحياة على هذه الأرض؛ وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها، فهو ميل دائم يسكن فترة ثم يعود، وإثارته في كل حين تزيد من عرامته، وتدفع به إلى الإفضاء المادي للحصول على الراحة، فإذا لم يتم هذا تعبت الأعصاب المستثارة، وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمرة!
والنظرة تثير، والحركة تثير، والضحكة تثير، والدعابة تثير، والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير، والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدوده
стр. 602
الطبيعية، ثم يلبى تلبية طبيعية، وهذا هو المنهج الذي يختاره الإسلام، مع تهذيب الطبع، وشغل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة، غير تلبية دافع اللحم والدم، فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد!
وفي الآيتين المعروضتين هنا نماذج من تقليل فرص الاستثارة والغواية والفتنة من الجانبين:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
وغض البصر من جانب الرجال أدب نفسي، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام، كما أن فيه إغلاقًا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية، ومحاولة عملية للحيلولة دون وصول السهم المسموم!
وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر، أو هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة، ويقظة الرقابة، والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى. ومن ثَمَّ يجمع بينهما في آية واحدة؛ بوصفهما سببًا ونتيجة؛ أو باعتبارهما خطوتين متواليتين في عالم الضمير وعالم الواقع. كلتاهما قريب من قريب.
﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ فهو أطهر لمشاعرهم؛ وأضمن لعدم تلوثها بالانفعالات الشهوية في غير موضعها المشروع النظيف، وعدم ارتكاسها إلى الدرك الحيواني الهابط.
وهو أطهر للجماعة وأصون لحرماتها وأعراضها، وجوها الذي تتنفس فيه.
والله هو الذي يأخذهم بهذه الوقاية؛ وهو العليم بتركيبهم النفسي وتكوينهم الفطري، الخبير بحركات نفوسهم وحركات جوارحهم؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
стр. 603
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ فلا يرسلن بنظراتهن الجائعة المتلصصة، أو الهاتفة المثيرة، تستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال. ولا يُبِحْنَ فروجهن إلا في حلال طيب، يلبي داعي الفطرة في جو نظيف، لا يخجل الأطفال الذين يجيئون عن طريقه عن مواجهة المجتمع والحياة!» (١).
стр. 604
الشبهة الرابعة عشرة بعد المائة (١):
زعموا أن المرأة الشريفة تستطيع أن تحفظ نفسها بين الرجال إذا اختطلت بهم في التعليم أو العمل:
فالقضية ـ عندهم ـ قضية قلوب! إذا سَلِمَ القلب فلا تهتم أين كان صاحبه، والمرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال في حصن حصين من شرفها وعفتها لا تمتد إليه المطامع.
الجواب:
تلك خدعة كبرى ... فمهما بلغ الرجل والمرأة صلاحًا وديانة وتعففًا فلن يبلغوا طهارة أزواج النبي ﵌ ولا طهارة أصحابه ﵃ ومع ذلك خاطبهم الله بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب:٥٣)، فأي خوف على قلب امرأةٍ زوجها محمد ﵌، وأي خوفٍ على قلوب خير القرون ﵃.
إن الإسلام عندما حرم الاختلاط لم يفرق بين العفيفة وغير العفيفة، ولك أن تعجب أيضًا من ذلك الشرف، وتلك العفة، التي يزعم امتلاكها من يبيح الاختلاط، ويتهم من ينادي بالفصل بسوء القصد! وهل حقًا بلغت السذاجة بأناس مبلغًا يدفعهم لتصديق هذا الدّعِيّ؟
ولا يُظَن أن عاقلًا يتصور أن امرأة شريفة سوف تعيش في حصن من العفاف حصين أنى وجدت، ولو في قعر بيت بغاء!
стр. 605
إن الشرف ليس جوهرًا قائمًا منفصلًا، أو متبعضًا عن غيره، وكذلك العفة ليست كائنًا يمشي على الأرض، ويمسك باليد، بل هي أعراض قائمة بالنفوس، فإذا جُبْتَ الطرقات والخلوات، فلن تصادف جسمًا اسمه الشرف، وإذا شققت إنسانًا وفتشت بين جنباته، فلن تجد قطعة اسمها العفة، ولكن ربما وجدت قلوبًا حية بيضاء، وهذه لا تزال صافية، حتى يسقط فيها ما يكدرها.
إن الصفات والأعراض قابلة للتأثر إذا لم تُصَنْ فكم رأيتَ إنسانًا يتقاطر الحياء من محياه، فعاد إليك بعد أن خالط أقوامًا لم يتركوا في وجهه قطرة ماء.
إن من المستهجن في العقول أن تقول لغواص يجوب أعماق البحار، انزع لباسك الضافي الأسود وإياك إياك أن تبتل بالماء!
ومن قبيله ترك المباعدة بين الرجال والنساء وترَقُّب السلامة.
ألم ير من ينادي بهتك الستر بين الرجال والنساء أثر ذلك في الغرب المتحضر؟ هل خفف ذلك من ثورة الشهوات؟ أم أتاح لها متنفسًا فلوثت الأعراض؟
ثم هب أن امرأة درجت على مخالطة الرجال فسلم لها شرفها وحياؤها فلم يهزل، فمن الذي يكفل عدم خدشها من قبل ثعالب وذئاب البشر.
قالتْ بنو عامرٍ: «خَلّوا بني أسدٍ» ... يابُؤس للجهلِ ضَرَّارًا لأقوام
تَعْدُو الذئابُ علَى مَن لَا كِلابَ له ... تَتّقِي صَوْلَةَ المُسْتَثْفِرِ الحَامِي (١)
وفي الإحصاءات التي تبين ما هو ماثل في أرض الواقع ما يغني عن الأخبار، نسأل
стр. 606
الله الحفظ والسلامة.
إن الشرف كلمة لا وجود لها حين يختلط الرجال بالنساء إلا في القواميس ... هل يملك رجل أن يزعم أنه يملك هواه بين يدي امرأة يرضاها؟ ... أم هل تملك امرأة هواها بين يدي رجل ترضاه؟ ... وأين يكون الشرف إذا اختلى رجل قادر مغتلم بامرأة حاذقة متميعة؟ ... ولو تعففت المرأة فهل ستسلم من أذى الرجل وتحرشاته وربما اعتداءاته؟ ... ولو فرضنا أنهما من أهل التقوى ممن يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويخافون يوم الحساب، وقد حبسا شهواتهما بالأمس واليوم فهل سيصمدان في الغد؟ ... هل سيكونان خيرًا من الصحابة ﵃.
رُوِي عن عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ ﵁ أنه قال: «أَلاَ تَرَوْنِي لاَ أَقُوْمُ إِلاَّ رِفْدًا (١)، وَلاَ آكُلُ إِلاَّ مَا لُوِّقَ ـ يَعْنِي: لُيِّنَ وَسُخِّنَ ـ وَقَدْ مَاتَ صَاحِبِي مُنْذُ زَمَانٍ ـ يَعْنِي: ذَكَرَهُ ـ وَمَا يَسُرُّنِي أَنِّي خَلَوْتُ بِامْرَأَةٍ لاَ تَحِلُّ لِي، وَإِنَّ لِي مَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، مَخَافَةَ أَنْ يَأْتِيَ الشَّيْطَانُ فَيُحَرِّكَهُ، عَلَى أَنَّه لاَ سَمْعَ لَهُ وَلاَ بَصَرَ» (٢).
تلك حقيقة لا مرية فيها ... كيف يعقل أن يبقى جائع في مطبخ عامر بالطعام لساعات طويلة ثم هو لا يأكل منه، أو حتى ينظر إليه، كيف يجاور السمن النار ولا يذوب؟.
نعم ... التربية مهمة والقناعة مهمة ... لكن لا يعني ذلك أبدًا أن نرمي بأنفسنا إلى التهلكة ... الإسلام يخاطب العقول بالحجة والبرهان، وفي ذات الوقت ينهى عن الاختلاط بين الرجال والنساء، وينهى عن الخلوة، ويأمر بغض البصر ... ويصف النساء بأنهن فتنة .. .
стр. 607
إذن نحن بحاجة إلى الأمرين معًا:
- بحاجة إلى التربية والإقناع بأهمية الخلق والحفاظ على العفة.
- وبحاجة إلى العزل بين الجنسين.
فإن الغريزة قوة جارفة، فكم من إنسان عقل وفهم أهمية الخُلُق، لكنه لم يملك نفسه ولم يصبر عن الخطأ والفاحشة، وقادَتْه غريزتُه إلى المهالك جراء اختلاطه بالنساء ورؤيته لهن.
وكذلك كم من فتاة عاقلة فاهمة أدركت أهمية الخلق والعفة، لكنها ما ملكت نفسها ولم تصبر عن الخطأ والفاحشة، وقادَتْها غريزتُها إلى المهالك والسبب اختلاطها بالرجال.
إذن لا بد أن نكون صادقين مع أنفسنا .. مهما كانت التربية عميقة فإن إزالة الحاجز خطر كبير ... والتجارب تثبت ذلك ... لكن الأمرين معا هو المطلوب.
وهذا نجده في المجتمع الأول، في القرون السابقة، خاصة القرن الأول، كان الصحابة مثلا يتربون على الخلق والعفة، وفي ذات الوقت يعتزلون النساء، فلا تجدهم في التعليم أو في العمل سواء .. بل كل على حدة ...
وفي هذا رَدٌّ على مَن زَعَم أنه لا خطر على الخلق والعفة إذا حصلت التربية القويمة ... وقائل هذا أحد رجلين:
- إما رجل مستغفل لم يكلف نفسه أن يفكر ويتأمل في حقيقة الغريزة الجارفة الموضوعة في الإنسان.
- أو رجل فاسد مُفْسِد، يعرف حقيقة الأمر، لكنه يتكتم، ويريد أن يلبس على الناس أمرهم، وهذا ليس له إلا قول الرب الجبار ـ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور: ١٩).
стр. 608
الشبهة الخامسة عشرة بعد المائة:
المسلمون في جميع أنحاء العالم الإسلامي تختلط النساء بالرجال ولا يحصل ما ذكرته بل إن هناك احترام وحشمة .
الجواب:
هذه دعوى تحتاج إلى بينة لأن الدراسات والأرقام , ونداءات العقلاء في الشرق والغرب , تقول غير ذلك , فمثلًا هذه دراسة أعدها مركز دراسات المرأة والطفل بالقاهرة على (١٤٧٢فتاه وسيدة) كما في مجلة الأسرة، صفر، ١٤٢٠هـ:
- ٧٠% تعرضن إلى مضايقات وإهانة في أماكن عملهن.
- ٥٤% من المضايقات تأخذ شكلًا جنسيًّا.
- ٣٠% معاكسة بالألفاظ الجارحة.
- ١٧% التحرش الجنسي.
- ٢٣ % منهن لديهن حالة من الخوف والإحباط والارتباك والخوف بسبب المضايقات وتولد لديهن إحساس بالإهانة والغضب والرغبة في الانتقام والمواجهة ... (١).
стр. 609
الشبهة السادسة عشرة بعد المائة:
كن واقعيًا:
قالوا: منع الاختلاط في العمل ليس له معنى إلاّ تضييق مجالات العمل للمرأة وحرمانها من أبواب رزق كثيرة، وحُكم على كل مطالبة بعزل الرجال عن النساء بأنها مطالبات مكلفة، فيها تضييع للمال وتبديد للثروات!!
الجواب:
لا تكاد تُثار قضيةُ عملِ المرأة إلاّ وتُثار معها قضيةُ الاختلاطِ، وكأنه قد كُتب على المرأة ألاّ تعملَ إلاّ وقد خالطت الرجال، وصار لها زملاءُ عمل كما لها زميلات.
وما جاء هذا الحكم الجائر والنظر القاصر إلاّ من النظرة المادية، التي لا تراعي في حسابات الربح والخسارة مكتسباتِ القيم والفضائلِ، فليس معدودًا من المكتسبات التي تستحق أن يُصرفَ فيها المال أن تحافظ على أخلاق الموظفين والموظفات وعلى أعراضهن، وأن تسدَّ عليهم ذرائع الفتنة والفاحشة.
وتجد مِن هؤلاء مَن يناقش قضيةَ الاختلاط بمثالية مفرطة؛ فينظر إلى واقع الشبان والشابات نظرةً مثالية، فهم في نظره بمنأى عن مزالق الفاحشة، ويرى أن نُضجَ عقولهم وحصانة أخلاقهم يمنعانهم ـ مهما اختلطوا ـ أن يقعوا في شيء من طرائقها.
والعجيب أن هؤلاء يدَّعون الواقعيةَ في التعامل مع الواقع، ويطالبون غيرهم بأن يعالج الأمور بنظرة واقعية تراعي طبيعة البشر وطباعَهم، ويتناسَوْن أن من طبيعة البشر ميل كل جنس إلى الآخر.
ويتناسَوْن أن النظرة الواقعية في طبيعة العلاقة بين الجنسين تفرض التحرّزَ والتحوّطَ، لا التساهلَ والمبالغة في إحسان الظن، والتعويلَ على الحصانة الإيمانية والثقافية.
стр. 610
إن النظرة الواقعية تقول: قَلَّ من الشباب من يتقي ويصبر إذا أحاطت به المغريات من كل جانب.
والنظرة الواقعية تقول: إذا اختلط الرجال والنساء ثارت بينهم عقابيل الفتنة، ونشأت فيهم العلاقات المحرمة والصداقات الحميمية التي تجعل الصديق كالزوج في أخص خصائصه.
والنظرة الواقعية تملي عليه أن ينظر في تجارب الآخرين، فما زالت أكثر الدول تطورًا وأحكمها نظامًا وأصرمها قانونًا تعاني من مشكلات التحرش الجنسي، وهي تزداد في كل سنة بنسبة مضاعفة.
ليس من الواقعية في شيء أن تفرض الاختلاط أمرًا واقعًا في شتى مجالات العمل، ثم تجابه من ينكر الاختلاط فيها بقولك: يا أخي كن واقعيًا!
فأين هذا من الجانب الآخر من الواقعية، وهي الواقعية في مراعاة طبيعة العلاقة بين الجنسين، وبخاصة في مرحلة الشباب، التي تكون فيها الغريزة الجنسية في أوج اتقادها (١).
стр. 611
الشبهة السابعة عشرة بعد المائة (١):
الاختلاط في المدارس للصغار لا يضرهم:
ينادي بعض الناس بالاختلاط في المدارس للصغار بحجة أن ذلك لا يضرهم ولا يؤثر عليهم، وبحجة أن المرأة أشد لباقة وأحسن معايشة للصغار.
الجواب:
١ - إن هذه الخطوة يتبعها خطوات، ويصبح الأمر سهلًا، ويأتي من يقره عبر المراحل الدراسية الطويلة على تلك الحال الممقوتة، فأول الغيث قطرة، ومعظم النار من مستصغر الشرر، والإسلام العظيم وضع القواعد والأسس الثاتبة التي لا تتغير ولا تتبدل أحكامها وقوانينها، ومنع الحيل وأمر بسد الذرائع.
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: «ولا بد من التنبيه هنا إلى أن دعاة الإباحية لهم بدايات تبدو خفيفة، وهي تحمل مكايد عظيمة، منها:
في وضع لبنة الاختلاط يبدؤون بها من رياض الأطفال، وفي برامج الإعلام، وركن التعارف الصحفي بين الأطفال، وتقديم طاقات ـ وليس باقات ـ الزهور من الجنسين في الاحتفالات» (٢).
وهكذا .. من دواعي كسر حاجز النفرة من الاختلاط، بمثل هذه البدايات، التي يستسهلها كثير من الناس.
٢ - إن فكرة الاختلاط في التعليم أو غيره بين الرجال والنساء فكرة ماسونية
стр. 612
وبذورها استعمارية دخيلة على الأمة، وهي أشد ضررًا على هذه الأمة من الدعوة إلى السفور علانية والتبرج ونزع الحجاب؛ لأنها تشتمل على هذا كله وأكثر منه.
٣ - إن الطفل يبدأ في النمو والتفتح والتطلع إلى المعرفة من السنة السادسة وهذا أمر واقع وثابت بالتجربة.
فها هو يدرس ويتعلم ويحفظ ويحرص على العلم والتعلم والمعرفة من هذا السن بل قبلها، وتجد أن الإسلام أمر الأبوين بأن يأمرا صغيرهما بالصلاة من بعد السنة السابعة بنين وبنات، وأمر بعزل البنين عن البنات في سن العاشرة وهو سن التمييز، فالابن يبدأ تفتحه وتحرك غرائزه من هذا السن، ويبدأ يدرك فيها كثيرًا من أمور الحياة.
وبالتجربة فإن بعض الصغار من بنين وبنات يبلغون سن الرشد من بعد التاسعة، وقد يتخلف بعضهم في الدراسة الأولى فيصل عمره إلى الثانية عشرة تقريبًا أو أكثر وهو في الصف الثاني أو الثالث، وهذه بداية سن المراهقة.
قال الشيخ ابن باز ﵀ عن خطورة تعليم النساء للأولاد في المرحلة الابتدائية:
«تولي النساء لتعليم الصبيان في المرحلة الابتدائية يفضي إلى اختلاطهن بالمراهقين والبالغين من الأولاد الذكور، لأن بعض الأولاد لا يلتحق بالمرحلة الابتدائية إلا وهو مراهق وقد يكون بعضهم بالغًا، إذا بلغ العشر يعتبر مراهقًا ويميل بطبعه إلى النساء؛ لأن مثله يمكن أن يتزوج ويفعل ما يفعله الرجال.
وهناك أمر آخر وهو أن تعليم النساء للصبيان في المرحلة الابتدائية يُفْضِي إلى الاختلاط ثم يمتد ذلك إلى المراحل الأخرى، فهو فتح لباب الاختلاط في جميع
стр. 613
المراحل بلا شك، ومعلوم ما يترتب على اختلاط التعليم من المفاسد الكثيرة والعواقب الوخيمة التي أدركها من فعل هذا النوع من التعليم في البلاد الأخرى.
فكل من له أدنى علم بالأدلة الشرعية وبواقع الأمة في هذا العصر من ذوي البصيرة الإسلامية على بنينا وبناتنا يدرك ذلك بلا شك، وأعتقد أن هذا الاقتراح مما ألقاه الشيطان أو بعض نوابه على لسان فائزة ونورة المذكورتين وهو بلا شك مما يسر أعداءنا وأعداء الإسلام ومما يدعون إليه سرًا وجهرًا.
ولذا فإني أرى أن من الواجب قفل هذا الباب بغاية الإحكام وأن يبقى أولادنا الذكور تحت تعليم الرجال في جميع المراحل. كما يبقى تعليم بناتنا تحت تعليم المعلمات من النساء في جميع المراحل وبذلك نحتاط لديننا وبناتنا ونقطع خط الرجعة على أعدائنا وحسبنا من المعلمات المحترمات أن يبذلن وسعهن بكل إخلاص وصدق وصبر في تعليم بناتنا وعلى الرجال أن يقوموا بكل إخلاص وصدق وصبر على تعليم أبنائنا في جميع المراحل.
ومن المعلوم أن الرجال أصْبَر على تعليم البنين وأقوى عليه وأفرغ له من المعلمات في جميع مراحل التعليم، كما أن من المعلوم أن البنين في المرحلة الابتدائية وما فوقها يهابون المعلم الذكر ويحترمونه ويصغون إلى ما يقول أكثر وأكمل مما لو كان القائم بالتعليم من النساء مع ما في ذلك كله من تربية البنين في هذه المرحلة على أخلاق الرجال وشهامتهم وصبرهم وقوتهم» (١).
٤ - أوضحت مجلة (سفنتيز) الأمريكية أن أعدادًا كبيرة من الفتيات يتعرضن
стр. 614
لتحرشات غير أخلاقية ليست فقط في المدارس الثانوية، وإنما تبدأ ـ أيضًا ـ من المدارس الابتدائية؛ حيث يتعرضن لهذه المضايقات من التلاميذ الذكور، وكذلك من المعلمين (١).
وإذا رجعنا إلى الإحصائيات التي تأتي من البلاد المختلطة عرفنا تمامًا النسبة العالية في انتشار جرائم الزنا بين الصغار، ونسبة الحوامل فيمن سنهن في حدود الثانية عشرة من أعمارهن.
٥ - يقول الأستاذ أحمد مظهر العظمة وقد أوفدته وزارة التربية السورية إلى بلجيكا في رحلة علمية زار فيها المدارس البلجيكية، وفي إحدى الزيارات لمدرسة ابتدائية للبنات سأل المديرة: «لماذا لا تخلطون البنين مع البنات في هذه المرحلة؟»، فأجابته: «قد لمسنا أضرار اختلاط الأطفال حتى في سن المرحلة الابتدائية» (٢).
стр. 615
الشبهة الثامنة عشرة بعد المائة:
الوقت كفيل باعتياد الناس على رؤية المرأة بدون الحجاب، وعلى مخالطتها للرجال (١):
يزعمون أن الاستعفاف والستر، والفصل بين الجنسين، هو سبب الفتنة، لأنّ الممنوع مرغوب، ويزعمون أنّ الوقت كفيل باعتياد الناس على رؤية المرأة بدون الحجاب، وعلى مخالطتها للرجال.
ومن تلك الحجج التي يسوقونها؛ إنّ الناس في البداية سيقعون في تجاوزات، وأخطاء، وسلبيات تجاه المرأة التي ستخلع حجابها، أو ستخالط الرجال، لأنّهم لم يعتادوا رؤية المرأة في هذه الحالة، ولكن مع الوقت سيكون الوضع مألوفًا، وسيعتاد الناس رؤية المرأة بكثرة، وبعد ذلك سيتطور المجتمع بالتدريج قليلًا قليلا.
الجواب:
هذه الحجة مردودة بأمور، منها:
١ - هل يرضى عاقل أن يقدم عرضه قربانًا من أجل أن يتطور المجتمع؛ فيجتريء عليهن من يتدرّب على التطور؟! أم هل يرضى عاقل أن يجازف بعرضه وأهل بيته (عربونًا لهدف تخميني)؟! أو لحالات شاذة ترسخ القاعدة، وليست تنفيها؟!
٢ - مسألة الاختلاط ليست جديدة على التاريخ، وليست فريدة في الواقع المعاصر، فخروج المرأة واحتكاكها بالرجال ومخالطتهم، ثبتت أضراره وأمراضه بمرور الوقت، فالغرب أخرج المرأة بصورة ديمقراطية متحررة لم يسبق لها مثيل،
стр. 616
ومع ذلك أصبح الغرب يعاني من كثرة حالات الاغتصاب والاعتداء الجنسي على النساء، مما زاد أرباح الشركات التي اخترعت (عِصِيًّا كهربائية)، أو (بخاخات المواد المخدرة)، التي لا تكاد تخلو منها حقيبة المرأة هناك أثناء تنقلاتها اليومية، خشية الاعتداء عليها ومحاولة النَّيْل منها جسديًّا، فأصبحت هذه البخاخات والعِصِيّ (مكملة لعلبة أدوات التجميل) التي تستعملها المرأة من أجل الدفاع عن نفسها، ومن المناسب ذكره، أنّ هذه الحالة انتقلت إلى البلاد الإسلامية التي انجرفت خلف دعاوى الاختلاط، فمع انتقال الاختلاط انتقلت الاعتداءات، وانتقلت مخاوف المرأة على نفسها من التحرشات الجنسية والاغتصاب، فلغة الجنس لا تعترف بالحدود الإقليمية.
٣ - كلينتون ومونيكا:
حينما يساق التبرير لمسألة الوقت، ربما تنطلي أكذوبة (الاختلاط البريء) على البعيدين عن معرفة واقع العالم الغربي، ولكن الأكيد أنّ العالم بأسره تناقل في إعلامه واهتمامه (قضية الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون ومونيكا لوينسكي)؛ تلك الحادثة التي أوضحت أن أسباب المشكلة الجنسية، تتلخص في اختلاط مونيكا بالرئيس الأمريكي كلينتون، ذلك الرجل الذي تتوفر فيه صفات تنسف (حجج المطالبين) بالتحرير.
من تلك الصفات في الرئيس الأمريكي:
- أنه تربي في مجتمع تحررت فيه المرأة، وتكشفت فيه منذ نعومة أظافرها، وهو ـ أيضًا ـ يراها منذ نعومة أظافره، يراها بلا حجاب، أو ستر كاف، ويخالطها
стр. 617
منذ طفولته، فالقول بأنّ الوقت كفيل باعتياد الناس على رؤية المرأة، قول يحطمه الرئيس الأسبق (كلينتون)، بممارسة الزنا مع (مونيكا) مرات عديدة في مقر العمل.
- لم يكن الرئيس الأمريكي (كلينتون) مراهقًا طائشًا عابثًا، بل عمره تجاوز سن النضج.
- منصبه الحكومي لا يغفر له مثل هذه الزلات في مقر وظيفته.
- الرئيس (غير أعزب)؛ بل هو متزوج بامرأة تحوي جميع المؤهلات، فمنصب الرئيس يجعل زوجته تراعي أمور الجمال والكمال اللائق بزوجة رئيس أكبر دولة في عصره، حيث إنّ عدسات الكاميرا، ونشوة الإعلام تسلب تفكير زوجته، وتجعلها تبالغ في إبداء الجمال وإظهار المحاسن والإفراط في الزينة التي تملأ عين زوجها، فتجعله لا يطمع في غيرها، وهذا طبع الأنثى.
مارس الرئيس (كلينتون) الخطيئة مرات عديدة مع المرأة نفسها، والسؤال الجوهري هنا:
هل هذه المرأة الوحيدة التي وقع معها في الجريمة، أم أنّ هذه هي (القصة الوحيدة) التي تبعتها (الفضيحة)، وانكشفت أوراقها (برياح الصحافة الصفراء) أو ما يسمى (بصحافة الفضائح)؟ ودفن غيرها الكثير من قصص الرئيس الجنسية تحت (ركام التراضي بين الطرفين)؟!
لم يتضجر الشعب الأمريكي أو يبدي استياءه من تلك الحادثة، فالأمر عندهم في (منتهى الاعتياد)، وهذا فيه دلالة على انتشار هذه الظاهرة في مجتمعهم، فمن
стр. 618
فلسفتهم في الحياة أنهم لا يعارضون هذه الفاحشة ما دام الرضا متبادلًا بين الطرفين؛ بل وليست ظاهرة قبيحة تخسف بمكانة الرئيس في المجتمع، بدليل انتخابهم للرئيس كلينتون لفترة رئاسية ثانية تَلَتْ تلك الحادثة.
ولكن ديننا الصحيح، وأخلاقنا العربية على العكس من دينهم المحرف الباطل، ومجتمعهم المنحرف، فالاستياء من المسلمين كان واضحًا في أحاديثهم، ومجلاتهم، وإعلامهم عن تلك الحادثة، فهل الذين يطالبون بالتحرر من بني جلدتنا هم مثل الشعب الأمريكي الذي لم تضايقه تلك الحادثة؟! أم هم مثلنا في تضايقنا من أمور انتشار الفاحشة وإعلانها؟!
لو صدق زعمهم في أن هذه المسألة مسألة وقت، وبعدها لن نجد في أجسادنا تلك الرغبة الجامحة تجاه الأنثى، إذن فما هي أسباب تلك الحادثة، وما أسباب زيادة الجرائم والاغتصاب في الغرب؟!
ولو تنازلنا ـ جدلًا ـ وصدقنا دعواهم في أنّ المسألة تحتاج إلى وقت، ثم تنتهي المخاوف من تحرير المرأة واختلاطها بالرجال، فإنّ هذا يعني أنه لن يكون هنالك زواج بين بني البشر، لأننا سنرى المرأة في الشارع، والمحل، وأماكن العمل، مما ينتج عنه أن يذوب ما بيننا من ميل وانجذاب فطري، وسنترك الزواج لأننا سوف نتعامل مع المرأة بكل براءة ونزاهة، مما يترتب عليه توقف النسل البشري.
فهل الغرب توقفوا عن الزواج لأنهم رأوا المرأة متكشفة أعظم مما هو مطروح في مشروع المطالبين بالتحرر؟ أم إنّ حوادث الاعتداء والجرائم الأخلاقية تصل إلى قمة الهرم في الإحصائيات الغريبة في وقت ظهرت فيه المرأة وصار
стр. 619
الاختلاط جزءًا من الحياة لأكثر من مائتي سنة؛ فأين مبرر الوقت؟
ولأنّ القساوسة لا يتزوجون لزهدهم في الدنيا ـ زعموا ـ فإني أختم هنا بقصة القسيس (جيمي سواجرت) الذي جرى بينه وبين الداعية الإسلامي (أحمد ديدات) ﵀ مناظرة شهيرة، ولكن ظهرت فضيحة لذلك القسيس المعروف في (قضية أخلاقية)، واعترف بها كما ظهر ذلك في الصحف حينها، وانتشر، وشاع، فبالرغم من الاعتياد، والنضج في السن، والمكانة الاجتماعية التي يتمتع بها، والمنصب الديني كذلك، إلا أنّ الفطرة التي تتوافق مع الإسلام، تمحو هذه الدعاوى.
ولقد اضطر الفاتيكان في تقرير صدر عن الكنيسة الكاثوليكية للاعتراف بأنه يعلم أن قسسًا وأساقفة يستغلون الراهبات جنسيًا، ويغتصبونهم في ٢٣ دولة في العالم ـ أغلبها في أفريقيا ـ مقابل إعطائهن شهادات للعمل في المناطق الممتازة، أو مقابل إجازتهن لتلقي دراسات متقدمة، وفي مالاوي حملت ٢٩ راهبة من أبرشية واحدة بواسطة القسس، وتورد التقارير طرد ٢٠ راهبة أخرى من السلك الكنسي؛ لأنهن حَمَلْنَ دون أن يتعرض الرجال المسؤولون عن ذلك لأي عقاب.
وبلغ عدد الجرائم الجنسية في الكنيسة عام (١٩٧٠م) ٥ ملايين جريمة، وفي عام (٢٠٠١م) ١٧ مليون جريمة. فأين مبرر الوقت؟
стр. 620
سابعًا: شبهات متعلقة
بجواز ولاية المرأة وذلك يقتضي اختلاطها بالرجال (١)
الشبهة التاسعة عشرة بعد المائة:
احتجاجهم بأن امرأة تولت عرش اليمن وذكرها الله تعالى في القرآن، ولم يَعِبْ ذلك عليها، ولا على قومها .
الجواب:
١ - هذا مردود عليه بأن القرآن العظيم إنما حكى واقعًا تاريخيًّا عن قوم في جاهلية مشركين يعبدون الشمس قبل أن يدخلوا في الإسلام فكيف نتخذ من شرائع الكفار دليلًا في ديننا الخاتم؟! وأي دليل في هذا على جواز تولي المرأة الولاية العامة في الشريعة الإسلامية، ثم إنها لما دخلت الإسلام تركت الولاية وأسلمت مع سليمان ﵇، وأسلمته مُلْكَ اليمن كله.
٢ - قد استنكر الهدهد ـ وهو من الطير ـ من شأن هؤلاء القوم أمرين عظيمين: كون امرأة تملكهم، وكونهم يعبدون الشمس من دون الله!!
بل إنه استنكر ملكها على قومها قبل أن يستنكر كفرها وسجودها للشمس حيث قال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)
стр. 621
وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ (النمل: ٢٣ - ٢٤).
ولذلك عمل سليمان على إزالة هذين المنكرين جميعًا، فلما أرسل كتابه إليهم أمرهم بأمرين:
- أن يسلموا،
- وأن يأتوا إليه،
وهددهم بقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٣١)، ولو كان متولي أمرهم رجلًا لأمرهم بالإسلام فقط وأقرهم على ملكهم إن أسلموا، وقد كان هذا في شريعته وشريعة نبينا ﵌ فإن النبي ﵌ كان يدعو الملوك إلى الإسلام، فإن أسلموا أقرهم على بلادهم كما فعل مع ملك عمان، وملك البحرين، ومن لم يقبل منهم الإسلام حاربه.
وسليمان لم يكن ليقِرَّ امرأة لو أسلمت ويقرها ملكة على قومها لأن هذا مخالف لأمر الله وحكمه؛ ولذلك دعاها وقومها للإسلام، وأن تأتي بنفسها إليه هي وقومها خارجة من مُلْكِها قبل أن يرسل إليها من يخرجها وقومها.
ولما تيقن سليمان أن المرأة قد جاءته مسلمة مذعنة لم يَكْتَفِ بهذا، بل نقل عرشها كله إليه لينهي وجود هذا المنكر في كون امرأة تتولى هذا الشأن العام وهذه الولاية الكبرى في قومها.
ولو كان تملك امرأة جائزًا في شرع سليمان لأقرها في حكمها بعد أن أعلنت إسلامها، ولما استحل أن يأخذ عرشها من خلف ظهرها.
٣ - على فرض أن هذا شرعُ مَن قَبلنا فإنه لا يكون شرعًا لنا إذا جاء في شرعنا ما يخالفه ـ باتفاق العلماء ـ وقد دلت النصوص من القرآن والسنة على منع المرأة من الولايات العامة، وذلك ناسخ لكل شريعة كانت قبل شريعتنا التامة.
وقد سبق نقل فتوى الشيخ عطية صقر ﵀ عن (المرأة والانتخاب) وجاء فيها أن لجنة الفتوى بالأزهر قررت عام ١٩٥٢م أن مبايعة النساء للنبى ﵌ لا تُثْبِت زعامة ولا رياسة ولا حكمًا للرسول، بل هى مبايعة على الالتزام بأوامر الدين» (١).
٢ - تميزت بيعة الرجال عن بيعة النساء بالمعاقدة على الجهاد، وعدم منازعة الأمر أهله؛ فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﵌ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِى الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ فِى اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ» (رواه البخاري ومسلم).
٣ - إن من مراعاة التشريع للمنع في الاختلاط في المبايعة، جَعْلُ محلٍ خاص بهن، بعيدٍ عن الرجال، أتاهن النبي ﵌ فيه، ولم تقل إحداهن لماذا لم تأخذ علينا البيعة مع الرجال! بل خرجن فاجتمعن مع بنات جنسهن لهذه الحاجة الدينية، ملتزمات بالضوابط الشرعية، فأخذ عليهن النبي ﵌ البيعة وعَلَّمهن وما مست يده يد امرأة قط، فعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ، وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ». (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ لَا يُصَافِحُ النِّسَاءَ فِي الْبَيْعَةِ» (رواه الإمام أحمد، وحسنه الألباني وصححه الأرنؤوط).
٤ - ما يُروى في صفة ذلك من نحو مصافحة عمر ﵁ لهن نيابة عن النبي ﵌، أو أن النبي ﵌ وضع يده في إناء فيه ماء، أو جاء بحائل فهذا ونحوه لم يثبت بنقل صحيح، فلا يعارض به ما ثبت (٢).
стр. 624
٥ - ما حصل من مشاركة بعض النساء في بيعة العقبة ـ إن صح ـ فتلك البيعة في حقيقتها معاقدة على حماية الرسول ﵌ لإبلاغ الدعوة فهو عبارة عن عهد جوار وأمان، والمرأة من أهل إعطاء الأمان، وإجارة المستجير من خلال الروابط المختلفة؛ وطبقا لهذا جاءت القاعدة المقررة بشأن وحدة المسلمين وأمانهم.
٦ - هل شاركت النساء في بيعة العقبة؟
روى الإمام أحمد عن كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أن من شهدوا بيعة العقبة سَبْعُونَ رَجُلًا، وَامْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِمْ نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمُّ عُمَارَةَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ، وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ» (وصححه الألباني، وقال الأرنؤوط: إسناده حسن).
ولم أجد رواية واحدة تصرح بمبايعتهما، بل كل الروايات الصحيحة التي وجدتُها تقتصر على شهودهما العقبة، والشهود غير المبايعة، ولذلك قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: «فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ مِنْهُمْ، يَزْعُمُونَ أَنّهُمَا قَدْ بَايَعَتَا» (١).
قال الحافظ ابن حجر في ترجمة أم منيع من (الإصابة في تمييز الصحابة): «وقد أخرج ابن سعدٍ عن الواقدي بسندٍ له إلى أم عمارة قالت: كان الرجال تصفق على يدي رسول الله ﵌ ليلة بيعة العقبة والعباس آخذٌ بيده فلما بقيت أنا وأم منيع نادى زوجي غزية بن عمرو: «يا رسول الله هاتان امرأتان حضرتا معنا يبايعانك». فقال: «قد بايعتكما أني لا أصافح النساء» (٢).
الشبهة الحادية والعشرون بعد المائة:
مشاورة النبي ﵌ لأم سلمة ﵂ -:
ومما استدلوا به على جواز دخول المرأة إلى المجالس التشريعية قولهم إن رسول الله ﵌ قد استشار أم سلمة ﵂ عندما لم يُنَفِّذ الصحابة ﵃ أمر الرسول بالحلق والذبح والتحلل من العمرة في الحديبية، وأن النبي ﵌ عمل بمشورتها.
الجواب:
ليس في استدلالهم بهذه الحادثة حجة أو دليل من قريب ولا بعيد.
والقصة كما جاءت في (صحيح البخاري) عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ في قصة صلح الْحُدَيْبِيَةِ، وفيها: «فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لأَصْحَابِهِ «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا».
قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِىَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «يَا نَبِىَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ».
فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا».
وهذه القصة ليس فيها دليل على ترشيح المرأة لمجلس نيابي أو اختيار مَن ترشحه لإمامة المسلمين، وكل ما فيها أن النبي ﵌ لما دخل على أم سلمة ﵂ شاكيًا ما لقيه من الناس الذين أصابهم الغم لمَّا وقع رسول الله ﵌ صلح الحديبية، وكانت فيه شروط رأى المسلمون فيها ذلًا ومهانة، فإنها تقتضي بأن يرجعوا إلى المدينة دون إتمام عمرتهم في
стр. 628
مكة وليس بينهم وبين مكة شيء، وأن يعودوا لقضاء هذه العمرة نفسها العام القادم، وأن مَن فَرّ من المسلمين إلى قريش فلا يردونه، ومن فر من قريش مسلمًا إلى الرسول ردَّه إليهم وشروط أخرى لم يرتضِها المسلمون إلا موافقة للنبي ﵌ وطاعة لله .
ولذلك لما أمرهم الرسول ﵌ بالتحلل من العمرة في مكانهم بالحديبية لم ينشط أحدٌ منهم لتنفيذ أمر الرسول ﵁ فلما دخل الرسول ﵌ مهمومًا وأخبر أم سلمة ﵂ بما لقي من الناس أشارت إليه أن يخرج بنفسه فيحلق شعره، ويذبح هديه، وأنهم سيفعلون وقد كان.
وليس في هذه القصة إلا أن الرسول ﵌ قد أخذ برأي أم سلمة ﵂ عندما أشارت بهذا الرأي الصائب، وأن أم سلمة ﵂ كانت راجحة العقل نافذة البصر ويستفاد من هذا: جواز استشارة المرأة وجواز أخذ رأيها، وفضل أم سلمة ﵂، وصبر الرسول ﵌ وحلمه، وما اعترى الصحابة ﵃ من الذهول والغم من جراء صلح الحديبية ثم ما مَنَّ الله عليهم بعد ذلك من التسليم والطمأنينة؛ كما قال تعالى في الآيات التي نزلت في هذه الحادثة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ (الفتح:٤)، وقال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦) (الفتح: ٢٦).
فما وجه الدلالة أن يكون سماع الرسول ﵌ لمشورة أم سلمة ﵂ دليلًا على جواز انتخابها وترشيحها، وهل جعل الرسول ﵌ أم سلمة ﵂ عضوًا
стр. 629
يُستشار، وهل كان لها ولأمهات المؤمنين ﵅ مشورة في سياسة الأمة وهل كان لهما مع الصديق والفاروق ونظرائهم من الرجال ﵃ رأي في اختيار الأمراء والوزراء، وإعداد الجيوش ونظام بيت المال!!
ولم يقل أحد: إنه يحرم لذي سلطان أن يستشير زوجته في شأن ما، أو يأخذ رأي النساء في قضية من القضايا كما للمرأة الحق في أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدل على الخير، ولكن أن يكون لها الحق أو عليها الواجب أن تتولى ولاية عامة إمارة أو وزارة، أو قضاءً، أو تكون عضوا في مجلس نيابي، فليس في هذه القصة دليل على هذا الأمر.
стр. 630
الشبهة الثانية والعشرون بعد المائة:
عائشة ﵂ وموقعة الجمل (١):
قالوا: إن عائشة ﵂ قادت الجيش في موقعة الجمل، وهذا دليل شرعي على أن المرأة يجوز لها قيادة الجيوش والجهاد كالرجل، ومن ثم احتج دعاة التخريب وطبلوا وزمروا بهذه الحادثة داعين إلى اشتغال المرأة بالسياسة والإدارة وغيرها.
الجواب:
١ - إن عائشة ﵂ لم يَرَها أحد، لأنها كانت في هودج وهو الستار الذي يوضع فوق الجمل، فهي لا تُرى ولا يسمع صوتها من داخل الهودج.
٢ - إن عائشة ﵂ لم تقصد بفعلها هذا الاشتغال بالسياسة وأن تتزعم فئة سياسية، ولم تخرج محاربة ولا قائدة جيش تحارب، وإنما خرجت ﵂ لتصلح بين فئتين من المسلمين، وفعل عائشة ﵂ ليس فيه دليل شرعي يصح الاستناد عليه، ففعلها هذا اجتهاد منها ﵂.
٣ - وقد أنكر عليها بعض الصحابة هذا الخروج، وفي مقدمتهم أم المؤمنين أم سلمة ﵂، وكتبت إليها كتابًا بذلك.
وكذلك سعيد بن العاص والمغيرة بن شعبة ﵄، فقد نصحا أم المؤمنين عائشة ﵂ بعدم خروجها من بيتها، وأن الرجوع إلى بيتها خير لها من خروجها هذا.
وعبد الله بن عمر ﵄ نصح أم المؤمنين وأمرها بالتزام بيتها وترك الخروج لثأر
стр. 631
الصحابي عثمان بن عفان ﵁. وكذلك أبو بكرة وعلي بن أبي طالب رضي ﵄ (١).
٤ - أن النبي ﵌ قد أوحي إليه في حياته ـ وهو من دلائل نبوته الكثيرة ـ ما سيقع من عائشة ﵂ من ذلك المسير، فأشار ﵌ إلى أن وقوع ذلك منها غير محمود، فعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: «لَمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بَلَغَتْ مِيَاهَ بَنِي عَامِرٍ لَيْلًا نَبَحَتِ الْكِلَابُ، قَالَتْ: «أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟»، قَالُوا: «مَاءُ الْحَوْأَبِ»، قَالَتْ: «مَا أَظُنُّنِي إِلَّا أَنِّي رَاجِعَةٌ»، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا: «بَلْ تَقْدَمِينَ فَيَرَاكِ الْمُسْلِمُونَ، فَيُصْلِحُ اللهُ ذَاتَ بَيْنِهِمْ»، قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: «كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟».
وفي رواية: عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا أَتَتْ عَلَى الْحَوْأَبِ سَمِعَتْ نُبَاحَ الْكِلَابِ، فَقَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لَنَا: «أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟»، فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: «تَرْجِعِينَ؟ عَسَى الله أَنْ يُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ» (٢).
فعائشة ﵂ لما تذكرت هذا الحديث وهمت بالرجوع، أشار عليها الزبير بالمضي في مسيرها، للإصلاح بين الناس، فترجحت لديها هذه المصلحة اجتهادًا منها، وهي غير معصومة من الخطأ في الاجتهاد.
قال الشيخ الألباني ﵀: «ولا نشك أن خروج أم المؤمنين كان خطأ من أصله ولذلك همت بالرجوع حين علمت بتحقق نبؤة النبي ﵌ عند الحوأب، ولكن
стр. 632
الزبير ﵁ أقنعها بترك الرجوع بقوله: «عَسَى الله أَنْ يُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ».
ولا نشك أنه كان مخطئًا في ذلك أيضًا.
وقد أظهرت عائشة ﵂ الندم، على أنها ما فعلَتْ ذلك إلا متأولة قاصدة للخير، كما اجتهد طلحة بن عبد الله، والزبير بن العوام، وجماعة من الكبار؛ رضي الله عن الجميع» (١).
٥ - يقال لهؤلاء: هلّا اقتديتم بأم المؤمنين في حجابها وحرصها على طلب العلم والعمل بالإسلام في كل حياتها والبعد عن مواطن الرجال، وهي أمُّهُم التي لا يحل لهم الزواج بها أبدًا؟ فقد ورد في صحيح البخاري ﵀ أنها كانت ﵂ تطوف معتزلة عن الرجال فدعتها امرأة إلى استلام الركن فأبت.
стр. 633
الشبهة الثالثة والعشرون بعد المائة:
الاستدلال بخبر سمراء ﵂ -:
مما أشكل على بعضهم خبر فهموا منه تولية النبي ﵌ سمراء بنت نهيك أمر السوق، وحديث سمراء بنت نهيك الذي صححه بعض أهل العلم، فيه أن يحيى بن أبي سليم قال: «رَأَيْتُ سَمْرَاءَ بِنْتَ نَهِيكٍ ـ وَكَانَتْ قَدْ أَدْرَكَتِ النَّبِيَّ ﵌ ـ عَلَيْهَا دِرْعٌ غَلِيظٌ، وَخِمَارٌ غَلِيظٌ، بِيَدِهَا سَوْطٌ تُؤَدِّبُ النَّاسَ، وَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ» (١).
الجواب:
أولًا: هذا الخبر ليس فيه أن النبي ﵌ ولَّاها، بل ليس فيه أصلًا ذِكْرٌ لولاية، بل ولا سوق!
ثانيًا: إن الاحتمالات تَرِدُ على معناه وغاية ما فيه أنّ يحيى بن أبي سليم رأى سمراء تأمر وتنهى، ولم يقل إنها اتخذت ذلك عملًا أو وَلِيَتْهُ منصبًا، فربما كانت خارجة لبعض حاجتها فرأت المنكرات فأنكرتها، وهذا دأب عباد الله الصالحين، ولعل مما يجعل هذا الاحتمال وجيهًا هو عدم نقل غيره له ولو كان مَنصِبًا لكان معروفًا مشهورًا منقولًا عن غيره، ولاسيما لو كان منصبًا في محل عام يرده ويصدر عنه الفئام، بل نَدَرَ من لا تكون له حاجة فيه.
ثالثًا: أهل العلم لايحَرِّمون خروج المرأة للحاجة أو الضرورة وإن تكرر الخروج، فلو خرجت امرأة لحاجة والتزمت بضوابط الشرع في خروجها، فلا
стр. 634
حرج عليها، فإذا رأت منكرًا وكان بوسعها إنكاره فعليها أن تنكره، وهذا غاية ما في أثر بنت نهيك (١).
رابعًا: لا يُعرف مَن أشار إلى توليتها السوق منصبًا.
خامسًا: المرأة المذكورة كبيرة السن ودعاة الاختلاط يبحثون عن الشابات، ويبحثون عمن تقبل الاختلاط، لا عمن تأتي لتحارب منكرات الاختلاط وغيره، فلو كانت هذه المرأة حية لأدَّبَتْ بسوطها دعاة الاختلاط (٢).
стр. 635
الشبهة الرابعة والعشرون بعد المائة:
هل ولَّى عمر بن الخطاب الشفاء بنت عبد الله القرشية العدوية الحسبة بالسوق ؟
الجواب:
أولًا: تخريج القصة:
١ - روى ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني برقم ٢٨٢٣):حدثنا دحيم، عن رجل، سماه عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عمر ﵁ استعمل الشفاء على السوق قال: «ولا نعلم امرأة استعملها غير هذه».
وهذه القصة لا تصح حيث إن فيها علل:
الأولى: ضعف ابن لهيعة.
الثانية: الإرسال؛ لأن يزيد بن أبي حبيب لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁ (١).
الثالثة: جهالة الرجل الذي روى عنه دحيم.
٢ - لما ذكر ابن حزم ﵀ هذه الرواية في كتابه المحلى لم يُسندها على خلاف صنيعه، وذكرها بصيغه التمريض (رُوي) وهذا يدل على عدم صحتها.
٣ - يقول ابن العربي ﵀: «وقد رُوي أن عمر ﵀ قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح، فلا تلتفتوا إليه فإنما هو من دسائس المبتدعة في الحديث (٢).
٤ - الأثر المروي عن الشفاء ﵀ ذكره ابن الجوزي في (تاريخ عمر)، وابن عبد البر في (الاستيعاب)، وتبعه ابن حجر في (الإصابة)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق)، كلهم بدون إسناد ولا عزو لأحد، ولم يذكره ابن سعد في ترجمتها، ولا