← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 26094

الهداية على مذهب الإمام أحمد

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (636 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وعلى القَاتِلِ كَمَالُ الجَزَاءِ، وَإِذَا كَسَرَ بَيْضَ صَيْدٍ لَزِمَهُ قِيْمَتُهُ، وَإِذَا اشْتَرَكَ جَمَاَعَةٌ في قَتْلِ صَيْدٍ لَزِمَهُمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وإنْ أمْسَكَهُ مُحْرِمٌ فَقَتَلَهُ حلالٌ وَجَبَ الجَزَاءُ عَلَى المُحْرِمِ فإنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَر وَجَبَ الجَزَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَينِ وَإِذَا أَدَلَّ المُحْرِمُ حلالاً عَلَى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ لَزِمَ المُحْرِمَ الجَزَاءُ، ويُخَيَّرُ في كَفَّارَةِ الصَّيْدِ بَيْنَ أنْ يُخْرِجَ المِثْلَ أو يقومَ المِثْلَ دَرَاهِمَ فَيِشْتَرِيَ بِهَا طَعَاماً ويَتَصَدَّقَ بِهِ وبين أنْ يَصُومَ عن كُلِّ مُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ يَوْماً، وَفِيْمَا لا مِثْلَ لَهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أنْ يَشْتَريَ بالقِيْمَةِ طَعَاماً ويَتَصَدقَ بِهِ وَبَيْنَ أنْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ أو نِصْفِ صَاعٍ مِنْ شَعِيْرٍ أو تَمْرٍ يَوماً وَعَنْهُ: أنَّ كَفَّارَةَ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ إنْ لَمْ يَجِدِ المِثلَ اشْتَرَى طَعَاماً، فإنْ كَانَ مُعْسِراً صَامَ. بَابُ صَيْدِ الحَرَمِ وشَجَرِهِ وما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الدِّمَاءِ صَيْدُ الحَرَمِ حَرَامٌ عَلَى المُحْرِمِ والحَلالِ فَمَنْ أتْلَفَهُ مِنْهُمَا لَزِمَهُ ما يَلْزَمُ المُحْرِمَ في صَيْدِ الإحْرَامِ ومَنْ مَلَكَ صَيْداً في الحِلِّ فأدْخَلَهُ الحَرَمَ لَزِمَهُ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ وإرْسَالُهُ (١) وَإِذَا اجْتَمَعَ في قَتْلِ صَيْدٍ مُوجِبٍ ومُسْقِطٍ مِثْل أنْ يَرْمِيَ الحَلالُ مِنَ الحِلِّ صَيْداً في الحَرَمِ أو يَرْميَ مِنَ الحَرَمِ صَيْداً في الحِلِّ أو أرْسَلَ كَلْبَهُ وَهُوَ في الحِلِّ عَلَى صَيْدٍ في الحَرَمِ أو وَهُوَ في الحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ في الحِلِّ أو كَانَتْ شَجَرَةٌ في الحَرَمِ وغُصْنُهَا في الحِلِّ فَقَعَدَ عَلَيْهَا صَيْدٌ فَرَمَاهُ حَلالٌ مِنَ الحِلِّ فَقَتَلَهُ أو كَانَتْ الشَّجَرَةُ في الحِلِّ وفُرُوعُهَا في الحَرَمِ فَقَتَلَ صَيْداً عَلَيْهِ لَزِمَهُ الجَزَاءُ في جَمِيعِ ذَلِكَ في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ (٢)، والأُخْرَى: لا جَزَاءَ في جَمِيعِ ذَلِكَ (٣) فإنْ أمْسَكَ المحلُّ حَمَامَةً في الحِلِّ ولَهَا فِرَاخٌ في الحَرَمِ فَتَلِفَت الفِرَاخُ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَكَذَلِكَ إنْ أمْسَكَهَا وَهُوَ في الحَرَمِ فَهَلَكَ فِرَاخُهَا في الحِلِّ ضَمِنَ ويَتَخَرَّجُ أنَّهُ لا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِناءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ (٤) قَبْلَهَا. فإنْ أرْسَلَ المحلُّ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ في الحِلِّ فَتَحَامَل الصَّيْدُ فَدَخَلَ الحَرَمَ ودَخَلَ الكَلْبُ خَلْفَهُ فقتله فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وبِمِثْلِهِ لَوْ رَمَى سَهْماً لِصَيْدٍ في الحِلِّ فَدَخَلَ السَّهْمُ الحَرَمَ فَقَتَلَ صَيْداً لَزِمَهُ ضَمَانُهُ (٥)، لأنَّ

стр. 177

الكَلْبَ لَهُ قَصْدٌ واخْتِيَارٌ والسَّهْمُ لا قَصْدَ لَهُ، وَقَالَ أبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ في المَسْأَلَتَيْنِ جَمِيْعاً. وشَجَرُ الحَرَمِ الَّذِي يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ يَحْرُمُ قَلْعُهُ عَلَى المُحْرِمِ والحلالِ، ومَنْ قَلَعَهُ ضَمِنَ الشَّجَرَةَ الكَبِيْرَةَ بِبَقَرةٍ والصَّغِيْرَةَ بِشَاةٍ، فإنْ أتْلَفَ غُصْناً مِنْهَا ضَمِنَ ما نَقَصَ فإنْ عَادَ الغُصْنُ سَقَطَ الضَّمَانُ ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَسْقُطَ فإنْ قَطَعَ غُصْناً في الحِلِّ وأصْلُهُ في الحَرَمِ ضَمِنْ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الأصْلُ في الحِلِّ والغُصْنُ في الحَرَمِ. وَقَالَ شَيْخُنَا ما كَانَ أصْلُهُ في الحِلِّ لا يضْمَنُ فَرْعُهُ الَّذِي في الحَرَمِ. ويَجُوزُ قَلْعُ ما أنْبَتَهُ الآدَمِيّونَ مِنَ الأشْجَارِوالبقُولِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَجُوزُ قَطْعُ الشَّجَرِ اليَابِسِ والعَوْسَجِ والشَّوْكِ والإذْخَرِ ولا ضَمَانَ (١) ويُحَرَّمُ قَطْعُ حَشِيْشِ الحَرَمِ. وفي جَوَازِ رَعْيِهِ وَجْهَانِ (٢) وَإِذَا قَطَعَهُ ضَمِنَهُ بِقِيْمَتِهِ فإن اسْتَخْلَفَ فَهَلْ يَسْقُطُ الضَّمَانُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (٣) ويُحْرَّمُ صَيْدُ المَدِيْنَةِ وشَجَرُها وحَشِيْشُهَا (٤)، كَمَا يُحَرَّمُ صَيْدُ الحَرَمِ وشَجَرُهُ وحَشِيْشُهُ إلاَّ أنَّهَا تُفَارِقُ الحَرَمَ فِي أنَّ مَنْ أدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْداً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ ويَجُوزُ لَهُ ذَبْحُهُ وأكْلُهُ ويَجُوزُ أنْ يأْخُذَ مِنْ شَجَرِهَا مَا تَدْعُو الحَاجَةُ إِلَيْهِ لِلْوسَائِدِ والمَسَانِدِ والرَّحْلِ وَكَذَلِكَ مِنْ حَشِيْشِهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعَلَفِ بِخَلافِ الحَرَمِ وَإِذَا ثَبَتَ تحْرِيْمُهُ فَهَلْ يَجِبُ فِيْهِ الجَزَاءُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحداهما: لَا جزاء فِيْهِ، والثانية: فِيْهِ الجزاء وَهُوَ سَلْبُ المُقَاتِلِ يَكُوْنُ لِمَنْ أخَذَهُ. وصَيْدُ السَّمَكِ وما أشْبَهَهُ لا يَجُوزُ مِنْ آبَارِ الحَرَمِ وعُيُونِهِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ والأُخْرَى يَجُوزُ لَهُ صَيْدُهُ مِنَ الحَرَمِ وأكْلُهُ ومَا وَجَبَ فِيْهِ مِنَ الدِّمَاءِ لِتَرْكِ نُسُكٍ كَدَمِ التَّمَتُّعِ والقِرَانِ ومُجَاوَزَةِ المِيْقَاتِ وترك الوقوف بعرفة إِلَى غروب الشمس وتَرْكِ المَبِيْتِ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وتَرْكِ البَيْتُوتَةِ بِمِنًى لَيَالِي مِنَى مِنْ غَيْرِ أهْلِ السِّقَايَةِ والرِّعَاءِ وَطَوَافِ الفَوَاتِ والوَدَاعِ والهَدْي المَنْذُورِ فإنَّهُ يَخْتَصُّ نَحْرَهُ وتَفْرِقَةَ لَحْمِهِ

стр. 178

بالحَرَمِ، وَكَذَلِكَ الإطْعَامُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ جَزَاءُ الصَّيْدِ وما وجب من الدماء من فدية الاداء وما فِي معناها من شم الطيب ولِبْسِ المَخِيْطِ فَيَجُوزُ نَحْرُهُ والإطْعَامُ عَنْهُ حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهُ مِنْ حِلٍّ أو حَرَمٍ، وَكَذَلِكَ الهَدْيُ الوَاجِبُ بالإحْصَارِ، وَعَنْهُ بالإحْصَارِ أنَّ هَدْيَهُ يَخْتَصُّ بالحَرَمِ، وَقَالَ الخِرَقِيُّ (١): كُلُّ هَدْيٍ وإطْعَامٍ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الحَرَمِ إنْ قَدِرَ عَلَى إيْصَالِهِ إلَيْهِمْ إلاّ مَنْ أصَابَهُ أذَى مِنْ رَأْسِهِ فَيُفَرِّقُ في المَوْضِعِ الَّذِي حَلَقَ، وَإِذَا ذَبَحَ الهَدْيَ فسُرِقَ أجْزَأَهُ. وَحَدُّ الحَرَمِ مِنْ طَرِيْقِ المَدِيْنَةِ ثَلاثَةُ أمْيَالٍ عِنْدَ بُيُوْتِ السُّقْيَا، ومِنْ طَرِيْقِ اليَمَنِ سَبْعَةُ أمْيَالٍ عِنْدَ إضَاحةِ لبنٍ (٢) ومِنْ طَرِيْقِ العِرَاقِ سَبْعَةُ أمْيَالٍ عَلَى ثنيةِ رِجل (٣) بالمنقَطِعِ، ومِنْ طَرِيْقِ الجُعْرَانَةِ عَلَى تِسْعَةِ أمْيَالٍ في شِعْبٍ يُنْسَبُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بنِ خَالِدِ بنِ أُسَيْدٍ، ومِنْ طَرَيْقِ جَدَّة عَلَى عَشْرَةِ أمْيَالٍ عِنْدَ مُنْقطعِ الأعْشَاشِ، ومِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ سَبْعَةُ أمْيَالٍ عِنْدَ طَرَفِ عَرَفَة ومِنْ بَطْنِ عَرَفَة عَلَى أحَدَ عَشَرَ مِيْلاً فَهَذَا حَدُّهُ عَلَى ما ذَكَرَهُ أَبُو العَبَّاسِ ابنُ العَاصِ في كِتَابِ " دَلائِلِ القِبْلَةِ " وذَكَرَ شَيْخُنَا حَدَّهُ مِنْ طَرِيْقِ المَدِيْنَةِ دُوْنَ التَّنْعِيْمِ عِنْدَ بُيُوتِ نِفَار على ثَلاثَةِ أمْيَالٍ ومِنْ طَرِيْقِ العِرَاقِ عَلَى ثنية جبل بالمنقطعِ عَلَى سَبْعَةِ أمْيَالٍ، ومن طريق الجعرانة فِي شعب ابْن خَالِد عَلَى تسعة أميال، ومِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَةَ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ تسعَةُ أمْيَالٍ، ومِنْ طَرِيْقِ جُدَّةَ منقطعُ الأعْشَاشِ عَلَى عَشْرَةِ أمْيَالٍ. فأمَّا حَدُّ حَرَمِ مَدِيْنَةِ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي حَرَمُهُ فَمَا بَيْنَ جَبَلِ ثَوْرٍ إِلَى جبَلِ عَيْرٍ، وجَعَلَ حَوْلَ المَدِيْنَةِ اثْنَا عَشَرَ مِيْلاً حِمًى. بَابُ صِفَةِ الحَجِّ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ أَنْ يَغْتَسِلَ (٤)، ويَدْخُلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ (٥)، فَإِذَا خَرَجَ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كُدًى (٦)، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ

стр. 179

/ ٩٨ ظ /، فَإِذَا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ السَّلَامُ، ومِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَعْظِيْماً وتَشْرِيْفاً وتَكْرِيْماً ومَهَابَةً وبَرّاً، وزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ تَعْظِيْماً وتَشْرِيْفاً وتَكْرِيْماً ومَهَابَةً وبَرّاً، الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ كَثِيْراً كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وعِزِّ جَلَالِهِ، والحَمْدُ للهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، ورَآنِي لِذَلِكَ أَهْلاً، والحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إلى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرَامِ، وَقَدْ جِئْنَاكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا، وَاعْفُ عَنِّي، وأًصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» (١). يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ. ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ القُدُومِ (٢)، ويَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ، فَيَجْعَلُ وسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ ويَجْعَلُ طَرَفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، ويَبْتَدِئُ مِنَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ (٣) بِيَدِهِ ويُقَبِّلُهُ ويُحَاذِيْهِ بِجَمِيْعِ بَدَنِهِ - إِنْ أَمْكَنَهُ - وإِلاَّ اسْتَلَمَهُ وقَبَّلَ يَدَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ البَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ ويَطُوفُ، فَإِذَا بَلَغَ إلى الرُّكْنِ اليَمَانِيِّ (٤) اسْتَلَمَهُ وقَبَّلَ يَدَهُ

стр. 180

ولَا يُقَبِّلُهُ، وظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِيِّ: أنَّهُ يُقَبِّلُهُ (١). ويَقُولُ عِنْدَ اسْتِلَامِ الحَجَرِ في الطَّوَافِ: بِسْمِ اللهِ، واللهُ أَكْبَرُ إيْمَاناً بك وتَصْدِيْقاً بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، واتِّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ (٢)، ويَطُوفُ سَبْعاً يَرْمُلُ في الثَّلَاثَةِ الأُوَلة مِنْهَا (٣)، وَهُوَ إِسْرَاعُ (٤) المَشْي مَعَ تَقَارُبِ الخُطَا (٥)، ولَا يَثِبُ وَثْباً. ويَمْشِي في الأَرْبَعَةِ، وكُلَّمَا حَاذَى الحَجَرَ الأَسْوَدَ والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا ويَقُولُ في رَمَلِهِ - كُلَّمَا حَاذَى الحَجَرَ الأَسْوَدَ: «اللهُ أَكْبَرُ، ولَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ»، ويَقُولُ في بَقِيَّةِ الرَّمَلِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجّاً مَبْرُوراً وسَعْياً مَشْكُوراً وذَنْباً مَغْفُوراً». ويَقُولُ في الأَرْبَعَةِ: «رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، واعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا في الدُنْيَا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٦)، ويَدْعُو فِيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ، ولَا تَرْمُلُ المَرْأَةُ ولَا تَضْطَبِعُ (٧)، ولَا يَرْمُلُ أَهْلُ مَكَّةَ (٨)، والأَفْضَلُ أَنْ يَطُوفَ رَاجِلاً، فَإِن طَافَ رَاكِباً أَجْزَأَهُ، وَعَنْهُ: لَا يُجْزِيهِ إلاَّ العُذْرُ، فَإِنْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ يَنْوِيَا جَمِيْعاً فَإِنْ كَانَ بالمَحْمُولِ عُذْرٌ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ أَجْزَأَهُ وعَنْهُ لَا يُجْزِيْهِ إلاَّ لِعُذْرٍ (٩)، فَإِنْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ ونَوَيَا جَمِيْعاً فَإِنْ كَانَ بالمَحْمُوْلِ عُذْرٌ أَجْزَأَهُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَأَمَّا الحَامِلُ

стр. 181

فَلَا يُجْزِيْهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وإِذَا طَافَ مُحْدِثاً أو نَجِساً أو مَكْشُوفَ العَوْرَةِ لَمْ يُجْزِهِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (١)، وفي الأُخْرَى: يُجْزِيْهِ ويَجْبُرُهُ بِدَمٍ (٢)، فَإِنْ نَكَسَ الطَّوَافَ وَهُوَ أنْ يَجْعَلَ البَيْتَ عَلَى يَمِيْنِهِ أو طَافَ عَلَى جِدَارِ الحِجْرِ أو شَاذرْوَانِ الكَعْبَةِ (٣) أو تَرَكَ مِنَ الطَّوَافِ شَيْئاً وإِنْ قَلَّ لَمْ يُجْزِهِ (٤)، وكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَنْوِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، والأَفْضَلُ أنْ يَكُوْنَ خَلْفَ المَقَامِ (٥) يَقْرَأُ في الأُوْلَى بَعْدَ الفَاتِحَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثَّانِيَةِ بالإِخْلَاصِ، وهَذِهِ الصَّلَاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ (٦)، ثُمَّ يَعُودُ إلى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا (٧)، ويَسْعَى سَعْياً ويَبْدَأُ بالصَّفَا، والأَفْضَلُ أَنْ يَرْقَى عَلَيْهِ (٨)، حَتَّى يَرَى البَيْتَ، والمَرْأَةُ لَا تَرْقَى (٩)، ويكَبِّرُ ثَلَاثاً، ويقُولُ: الحَمْدُ للهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيْتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوْتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، لَا نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (١٠)، ثُمَّ يُلَبِّي ويَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، ثُمَّ يَدْعُو ثَانِياً وثَالِثاً، ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا ويَمْشِي حَتَّى يَكُوْنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المِيْلِ الأَخْضَرِ المُعَلَّقِ بِفَنَاءِ المَسْجِدِ نَحْوُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، ثُمَّ

стр. 182

يَسْعَى سَعْياً شَدِيْداً حَتَّى يُحَاذِي المِيْلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ بِفَنَاءِ المَسْجِدِ، وحَذَا دَارِ العَبَّاسِ (١)، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَصْعَدَ المَرْوَةَ، ويَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلَ ويَمْشِي في مَوْضِعِ مشيه الأول ويسعى فِي موضع سَعْيِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّفَا يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعاً، فَإِنْ بَدَأَ بالمَرْوَةِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَبْدَأَ بالصَّفَا (٢)، والمَرْأَةُ تَمْشِي ولَا تَسْعَى (٣)، ويُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْعَى إلاَّ مُتَطَهِّراً مُسْتَتِراً (٤)، وَقَدْ نَقَلَ الأَثْرَمُ أَنْ الطَّهَارَةَ في السَّعْي كَالطَّهَارَةِ في الطَّوَافِ والمُوَالَاةِ شَرْطٌ (٥) في الطَّوَافِ والسَّعْي، فَإِنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ وتَطَاوَلَ الفَصْلُ ابْتِدَاءً وإِنْ كَانَ يَسِيْراً بَنَى، ويَتَخَرَّجُ: أنَّ المُوَالَاةَ سُنَّةٌ فَإِذَا فَرَغَ مَنَ السَّعْي فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِراً أو مُتَمَتِّعاً حَلَقَ أو قَصَّرَ وتَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ المُفْرَدَةِ وعُمْرَةِ التَّمَتُّعِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَاقَ هَدْياً وإن كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ لَمْ يُحِلَّ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ (٦)، وإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّروِيَةِ (٧) وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ خَرَجَ إلى مِنَى فيُصَلَّي بِهَا الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشَاءَ ويَبِيْتَ بِهَا ويُصَلِّي بِهَا الصُّبْحَ (٨)، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى ثَبِيْرٍ سَارَ إلى المَوْقِفِ واغْتَسَلَ للوقُوفِ وأَقَامَ بِنَمِرَةٍ، وَقِيْلَ: بِعَرَفَةَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِذَا زَالَتِ خَطَبَ الإِمَامُ خُطْبَةً يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيْهَا مَنَاسِكَهُمْ مِنْ مَوْضِعِ الوُقُوفِ ووَقْتِهِ ودَفْعِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ، ومَوْضِعِ صَلَاةِ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ والمَبِيْتِ بِهَا والغُدُوِّ

стр. 183

إلى مِنى للرَّمِي والطَّوَافِ والنَّحْرِ والمَبِيْتِ بِمِنى لِرَمِي الجِمَارِ (١)، ثُمَّ يَأْمُرُ بالأَذَانِ ويَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ والعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ، ولَا يَجُوزُ الجَمْعُ (٢) والقَصْرُ (٣) إلاَّ لِمَنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ وَطَنِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخاً (٤) فَصَاعِداً، ثُمَّ يَرُوحُ إلى المَوْقِفِ وَهُوَ مِنَ الجَبَلِ المُشْرِفِ عَنْ بَطْنِ عَرَفَةَ إلى الجِبَالِ المُقَابِلَةِ لَهُ إلى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ وَلَيْسَ وَادِي عَرَفَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ، والمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخْرَاتِ وجَبَلِ الرَّحْمَةِ بِقُرْبِ الإِمَامِ ويَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ (٥) ويَكُونَ رَاكِباً، وَقِيْلَ: الرَّاجِلُ أَفْضَلُ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً (٦)، ويُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ، ويَكُوْنُ أَكْثَرَ قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيْتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوْتُ، بِيَدِهِ [الخَيْرُ] (٧) وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ (٨)، اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي في قَلْبِي نُوراً، وفي بَصَرِي نُوْراً، وفي سَمْعِي نُوْراً، ويَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَوَقْتُ الوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إلى صَلَاةِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَمَنْ حَصَلَ بِعَرَفَةَ في شَيءٍ مِنْ هَذَا الوَقْتِ وَهُوَ عَاقِلٌ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، ومَنْ

стр. 184

فَاتَهُ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، وَمَنْ أَدْرَكَ الوُقُوْفَ بالنَّهَارِ وَقَفَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الغُرُوبِ لَزِمَهُ دَمٌ (١)، وإِنْ وَافَى عَرَفَةَ لَيْلاً فَوَقَفَ بِهَا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (٢)، ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الغُرُوبِ إلى المُزْدَلِفَةِ عَلَى طَرِيْقِ المَأْزِمَيْنِ (٣)، ويَسِيْرُ وعَلَيْهِ السَّكِيْنَةُ والوَقَارُ (٤) فَإذَا وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ، فَإِذَا وَصَلَ إلى مُزْدَلِفَةَ صَلَّى بِهَا المَغْرِبَ والعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحالِ (٥)، وإِنْ صَلَّى المَغْرِبَ في طَرِيْقِ المُزْدَلِفَةِ أَجْزَأَهُ (٦)، ثُمَّ يَبِيْتُ بِهَا إلى أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ الثَّانِي ويَأْخُذَ مِنْهَا حَصَى الجِمَارِ (٧)، ومِنْ حَيْثُ أَخَذَ جَازَ ويَكُوْنُ أَكْبَرَ مِنَ الحِمَّصِ ودُوْنَ البُنْدُقِ (٨)، وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصَاةً، وهَلْ يُسَنُّ غَسْلُهُ؟ عَلَى

стр. 185

رِوَايَتَيْنِ (١)، وإِنْ دَفَعَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ جَازَ، وإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ لَزِمَهُ دَمٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيْلَ: فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (٢)، فَإِنْ وَافَى مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وإِنْ وَافَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَحَدُّ المُزْدَلِفَةِ مَا بَيْنَ المَأْزِمَيْنِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ، فَإِذَا أَصْبَحَ بِهَا صَلَّى الفَجْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ يَأْتِي قَزْحَ جَبَلٍ، وَهُوَ المَشْعَرُ الحَرَامُ فَيَرْقَا عَلَيْهِ، وإِنْ أَمْكَنَهُ وَإِلاَّ وَقَفَ عِنْدَهُ، ويَحْمَدُ اللهَ، ويُهَلِّلُهُ، ويُكَبِّرُهُ، ويَدْعُو، ويَكُوْنُ مِنْ دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ كَمَا وَفَقتَنا فِيْهِ، وأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ وَقَوْلِكَ الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ﴾ إلى أَنْ يُسْفِرَ، ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِذَا بَلَغَ وَادِي مُحَسِّرٍ سَعَى إِنْ كَانَ مَاشِياً، وحَرَّكَ دَابَّتَهُ إنْ كَانَ رَاكِباً قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ. فَإِذَا وَصَلَ إلى مِنَى- وَحَدُّ منى مِنْ جَمْرَةِ العَقَبَةِ إلى وَادِي مُحَسِّرٍ (٣) - فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِجَمْرَةِ العَقَبَةِ فَيَرْميهَا بِسَبْعِ حَصَيَّاتٍ، وَاحِدَةٌ بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ (٤)، ويَعْلَمُ حُصُولَهَا في المَرْمَى، فَإِنْ رمى بِغَيْرِ الحَصَى مِثْلِ: الكُحْلِ والرُّخَامِ والبِرَامِ (٥) والذَّهَبِ والفِضَّةِ ومَا أَشْبَهَهُ، أو رَمَى بِحَجَرٍ قَدْ رُمِيَ بِهِ أَخَذَهُ مِنَ المَرْمَى لَمْ يُجْزِهِ (٦). والأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَاشِياً، ويَرْفَعَ يَدَيْهِ في الرْمي حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبطَيْهِ، ويَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، ويَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَجْزَأَهُ. وإِذَا رَمَى نَحَرَ

стр. 186

هَدْياً إِنْ كَانَ مَعَهُ، وحَلَقَ أو قَصَّرَ جَمِيْعَ رَأْسِهِ لَا يُجْزِيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: يُجْزِيْهِ بَعْضُهُ كَالمَسْحِ (١). فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعْرٌ اسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ المُوْسَ عَلَى رَأْسِهِ، والمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الأَنْمَلَةِ ولَا تَحْلِقُ (٢). والحِلَاقُ والتَّقْصِيْرُ نُسُكٌ، وَعَنْهُ: أنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُوْرٍ (٣)، فَإِنْ قَدَّمَ الحِلَاقَ عَلَى الرَّمْي أو عَلَى النَّحْرِ جَاهِلاً لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ لِذَلِكَ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ، وإِنْ كَانَ عَالِماً بِذَلِكَ، فَهَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٤). وإِذَا أَخَّرَ الحِلَاقَ عَنْ أَيَّامِ مِنى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٥)، ثُمَّ يَخْطُبُ بِمِنى يَوْمَ النَّحْرِ خطبة يُعَلِّمُهُمْ فِيْهَا النَّحْرَ والإِفَاضَةَ والرَّمْيَ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ صَالِحٍ، وسَأَلَهُ ابنُ القَاسِمِ: هَلْ يُخْطَبُ يَوْمُ النَّحْرِ؟ قَالَ: يُخْطَبُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ؟ فَعَلَى هَذَا لا خُطْبَةَ في يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا. ثُمَّ يُفِيْضُ إلى مَكَّةَ، فَيَغْتَسِلُ وَيَطُوْفُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ويُعَيْنُهُ بالنِّيَّةِ. وأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، والمُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ وعَنْ أَيَّامِ مِنى جَازَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ: فَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى مَعَ طَوَافِ القُدُومِ لَمْ يَسْعَ، وإِنْ كَانَ لَمْ يَسْعَ أَتَى بالسَّعْي. ولِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ: الأَوَّلُ: يَحْصُلُ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وهِيَ الرَّمْيُ والحَلْقُ والطَّوَافُ. والثَّانِي: يَحْصُلُ بالثَّالِثِ. إذَا قُلْنَا: الحِلَاقُ نُسُكٌ - وَهُوَ الصَّحِيْحُ -، وإنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِنُسُكٍ، حَصَلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنِ اثْنَتَيْنِ: الرَّمْي والطَّوَافِ، وحَصَلَ الثَّانِي بالآخَرِ. ويُبَاحُ لَهُ بالتَّحَلُّلِ

стр. 187

الأَوَّلِ كُلُّ شَيءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ إلاَّ النِّسَاءِ، اخْتَارَهُ الخِرَقِيُّ (١) وعَامَّةُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ في رِوَايَةِ أبي طَالِبٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ يُبَاحُ لَهُ كُلُّ شَيءٍ إلاَّ الوَطْأَ في الفَرْجِ (٢). ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ويَقُوْلُ: «بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْماً نَافِعاً، ورِزْقاً وَاسِعاً، ورِيّاً وشِبْعاً، وشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، واغْسِلْ بِهِ قَلْبِي وامْلأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ (٣)». ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى مِنى ويَبِيْتُ بِهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ إلاَّ أنْ يَخْتَارَ أنْ يتَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ، ويَرْمِي الجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ في أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ بَعْدَ الزَّوَالِ (٤)، كُلُّ جَمرَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ بِسَبْعِ حَصَيَّاتٍ - كَمَا وَصَفْنَا في جَمْرَةِ العَقَبَةِ -، فَيَبْدَأُ بالجَمرَةِ الأُوْلَى، وَهِيَ أَبْعَدِ الجَمرَاتِ مِنْ مَكَّةَ وتَلِي مَسْجِدَ الخَيْفِ، فَيَجْعَلُهَا عَلَى يَسَارِهِ ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ ويَرْمِيْهَا، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ عَنْهَا إلى مَوْضِعٍ لَا يُصِيْبُهُ الحَصَى، ويَقِفُ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ سُوْرَةِ البَقَرَةِ (٥)، يَدْعُو اللهَ تَعَالَى. ثُمَّ يَرْمِي الجَمرَةَ الوُسْطَى ويَجْعَلُهَا عَنْ يَمِيْنِهِ، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ ويَفْعَلُ بَعْدَ الدُّعَاءِ والوُقُوفِ كَمَا فَعَلَ في الأُوْلَى. ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ ويَجْعَلُهَا عَنْ يَمِيْنِهِ، ويَسْتَبْطِنُ الوَادِي ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ولَا يَقِفُ عِنْدَهَا، والتَّرْتِيْبُ شَرْطٌ في الرَّمْي، وكَذَلِكَ عَدَدُ الحَصَى، فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ مِنَ الأُوْلَى، لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ حَتَّى يُكْمِلَ الأُوْلَى، فَإِنْ أَخَلَّ بحصاة لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ الجِمَارِ تَرَكَهَا بَنَى عَلَى اليَقِيْنِ. ومَنْ تَرَكَ الوُقُوفَ عِنْدَهَا والدُّعَاءَ، أَو أَخَّرَ الرَّمْيَ اليَوْمَ الأَوَّلَ فَرَمَاهُ في الثَّانِي، أَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ إلى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ تَرَكَ السُّنَّةَ ولَا شَيءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يُقَدِّمُ بالنِّيَّةِ رَمْيَ اليَوْمِ الأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثِ. وإِنْ تَرَكَ الرَّمْيَ حَتَّى مضت أَيَّامُ التَّشْرِيْقِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وإِنْ تَرَكَ حَصَاةً فَفِيْهَا أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ (٦): أَحَدُهَا: يَلْزَمُهُ دَمٌ. والثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ مُدٌّ، وفي حَصَاتَيْنِ مُدَّانِ، وفي ثَلَاثَةٍ دَمٌ كَالشَّعْرِ. والثَّالِثَةُ: يَلْزَمُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ. والرَّابِعَةُ: لَا شَيءَ عَلَيْهِ.

стр. 188

وإِنْ تَرَكَ المَبِيْتَ لَيَالِيَ مِنى لَزِمَهُ دَمٌ، وفي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ الرِّوَايَاتُ الأَرْبَعُ. ويَجُوْزُ لأَهْلِ سِقَايَةِ [الحَاجِّ] (١) ورُعَاةِ الإِبِلِ أَنْ يَدْعُوا المَبِيْتَ لَيَالِيَ مِنى، ويَرْمُوا في اليَوْمِ [الأَوَّلِ] (٢) مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ، فَإِنْ أَقَامُوا إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ لَزِمَ الرَّعَاةَ البيتوتة وَلَمْ يَلْزَمْ أَهْلَ السِّقَايَةِ. ويَخْطُبُ الإِمَامُ في اليَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، ويُعَرِّفُ النَّاسَ حُكْمَ التَّعْجِيْلِ والتَّأْخِيْرِ ويُوَدِّعَهُمْ، فَمَنْ نَفَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ دَفَنَ مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ السَّبْعِيْنَ حَصَاةً المَسْنُوْنَةِ لِرَمْي الجِمَارِ، ومَنْ أَقَامَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ لَزِمَتْهُ البَيْتُوْتَةُ والرَّمْيُ مِنَ الغَدِ. وَإِذَا نَفَرَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ الأَبْطَحَ - وَهُوَ: المُحَصَّبُ -، وَحَدُّهُ: مَا بَيْنَ الجَبَلَيْنِ إلى المَقْبَرَةِ، فَيُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ والعَصْرَ، والمَغْرِبَ والعِشَاءَ، ثُمَّ يَهْجَعُ يَسِيْراً، ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ. ويُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ حَافِياً ويُصَلِّي فِيْهِ نَفْلاً، ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ (٣) فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا [إِذَا] (٤) أَحَبَّ ويَتَضَلَّعُ مِنْهُ، وأَنْ يُكْثِرَ الاعْتِمَارَ والنَّظَرَ إلى البَيْتِ. وإِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ طَافَ للوَدَاعِ وَلَمْ يقم بعده، فإن أقام أعاد طواف الوداع ومن تَرَكَ طواف القدوم أَوْ طواف الزيارة فطافه عِنْدَ الخروج اجزئه عن طواف الوداع، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ ابنِ القَاسِمِ. وَطَوَافُ الوَدَاعِ وَاجِبٌ، فَمَنْ تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ إلاَّ الحَائِضَ، فَإنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يَلْزَمْهَا شَيءٌ (٥). والقَارِنُ كَالمُفْرِدِ فِيْمَا ذَكَرْنَا، وإِذَا فَرَغَ مِنَ الوَدَاعِ وَقَفَ في المُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ والبَابِ (٦)، ويَقُوْل: «اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وسَيَّرْتَنِي في بِلَادِكَ حَتَّى بَلَغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إلى بَيْتِكَ، وأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيْتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وإِلاَّ فَمِنَ الآنَ

стр. 189

قَبْلَ أنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ إِلَيِّ غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ ولَا بِبَيْتِكَ وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَاصْحِبْنِي العَافِيَةَ في بَدَنِي، والصِّحَّةَ في جِسْمِي، والعِصْمَةَ في دِيْنِي، وأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي، واجمَعْ لِي خَيْرَ (١) الدُّنْيَا والآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ». ومَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إِلاَّ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضاً لَمْ تَدْخُلِ المَسْجِدَ، وَوَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ فَدَعَتْ بِذَلِكَ، وتُسْتَحَبُّ المُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ. وإِذَا فَرَغَ مِنَ الحَجِّ اسْتُحِبَّ لَهُ زَيَارَةُ قَبْرِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (٢) وقَبْرِ صَاحِبَيْهِ ﵄. بَابُ صِفَةِ العُمْرَةِ ومَنْ أَرَادَ العُمْرَةَ أَحْرَمَ مِنَ المِيْقَاتِ بَعْدَ أَنْ يَغْتَسِلَ ويَتَطَيَّبَ ويُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ خَرَجَ إلى أَدْنَى الحِلِّ فَأَحْرَمَ، والأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيْمِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَجُزْ ويَنْعَقِدُ، وإِذَا أَحْرَمَ طَافَ بالبَيْتِ وسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ وحَلَقَ أو قَصَّرَ، وحُلَّ لَهُ مَا كَانَ مَحْظُوراً عَلَيْهِ. فَإِنْ فَعَلَ مِنْ مَحْظُوْرَاتِ الإِحْرَامِ شَيْئاً، قبلَ: الحِلَاقُ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحَداهُمَا: لَا شَيءَ عَلَيْهِ. والثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ فِدْيَةٌ (٣). وإِذَا تَرَكَ الحِلَاقَ والتَّقْصِيْرَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٤). وتُجْزِئُ العُمْرَةُ الَّتِي قَرَنَهَا مَعَ حِجَّتِهِ عَنْ عُمْرَةِ الإِسْلَامِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لَا تُجْزِيْهِ إلاَّ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ (٥)، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وأَبِي حَفْصٍ (٦). بَابُ أَرْكَانِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وَوَاجِبَاتِهِمَا وَسُنَنِهِمَا أَرْكَانُ الحَجِّ أَرْبَعَةٌ: الإِحْرَامُ، والوُقُوْفُ، وطَوَافُ الزِّيَارَةِ، والسَّعْيُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وفي الأُخْرَى: السَّعْيُ سُنَّةٌ إِذَا تَرَكَهُ لَا شَيءَ عَلَيْهِ قَالهَ شَيْخُنَا (٧). وَقَالَ أبو الحَسَنِ التَّمِيْمِيُّ: للحَجِّ فَرْضَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ:

стр. 190

المروذيُّ وإِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ والبَغَوِيُّ وغَيْرُهُمْ، ونَقَلَ عَنْهُ ابْنَاهُ وأَبُو الحَارِثِ والفَضْلُ بنُ زِيَادٍ أنَّهُ قَالَ - فِيْمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَزَارَ البَيْتَ يَوْمَ النَّحْرِ وانْصَرَفَ وَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَ ذَلِكَ -: إنَّ عَلَيْهِ دَماً وحَجَّتُهُ صَحِيْحَةٌ، قَالَ: وبِهَذَا أَقُولُ. وَوَاجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ: الإِحْرَامُ مِنَ المِيْقَاتِ، والوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ إلى اللَّيْلِ، والمَبِيْتُ بِمُزْدَلِفَةِ إلى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، والمَبِيْتُ بِمِنى مِنْ غَيْرِ أَهْلِ السِّقَايَةِ والرِّعَايَةِ والرَّمْيُ، والحِلَاقُ، وطَوَافُ الوَدَاعِ. وسُنَنُهُ خَمْسَةُ عَشَرَ: الاغْتِسَالُ، وطَوَافُ القُدُومِ، والرَّمَلُ، والاضْطِبَاعُ في الطَّوَافِ، والسَّعْيُ، واسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ، والتَّقْبِيْلُ، والارْتِفَاعُ عَلَى الصَّفَا والمَرْوَةِ، والمَبِيْتُ بِمِنى لَيْلَةَ عَرَفَةَ، والوُقُوْفُ عَلَى المَشْعَرِ الحَرَامِ، والوُقُوفُ عَلَى الجَمَرَاتِ، والخُطَبُ والأَذْكَارُ، والإِسْرَاعُ في مَوْضِعِ الإِسْرَاعِ، والمَشْيُ في مَوْضِعِ المَشْي، ورَكْعَتَا (١) الطَّوَافِ. وَأَرْكَانُ العُمْرَةِ: الإحْرَامُ، والطَّوَافُ، والسَّعْيُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٢). وَوَاجِبَاتُهَا: الحِلَاقُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٣). وَسُنَنُهَا: الغُسْلُ للإِحْرَامِ، والأَذْكَارُ المَشْرُوْعَةُ في الطَّوَافِ، والسَّعْيُ. ومَنْ تَرَكَ رُكْناً لَمْ يُتِمَّ نُسْكُهُ إلاَّ بِهِ، ومَنْ تَرَكَ وَاجِباً فَعَلَيْهِ دَمٌ، ومَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ. ولَا يُفْسَدُ النُّسْكُ إِلاَّ بِالوَطْيءِ في الفَرْجِ، فَأَمَّا الإِنْزَالُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ، فَهَلْ يَفْسُدُ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٤). بَابُ الفَوَاتِ والإِحْصَارِ (٥) ومَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الفَجْرُ يَوْم النحر وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، ويَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ، فَيَطُوفُ ويَسْعَى وَيَحْلِقُ وَقَدْ تَحَلَّلَ، نَصَّ عَلَيْهِ واخْتَارَهُ الخِرَقِيُّ وأَبُو بَكْرٍ وشَيْخُنَا، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ: لَا يَنْقَلِبُ عُمْرَةً (٦) ولَكِنْ يَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وسَعْيٍ، ويَجِبُ عَلَيْهِ

стр. 191

القَضَاءُ إنْ كَانَ حَجُّهُ فَرْضاً، وإِنْ كَانَ نَفْلاً، فَهَلْ عَلَيْهِ القَضَاءُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١)، إحَداهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ القَضَاءُ عَلَى الفَوْرِ؟ والأُخْرَى: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، ويَلْزَمُهُ الهَدْيُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٢)، وَهِيَ اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ (٣)، يُخْرِجُهُ - إِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ القَضَاءُ - في سَنَتِهِ، - وإِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ القَضَاءُ - أَخْرَجَهُ في سَنَةِ القَضَاءِ، والرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا هَدْيَ. وإِذَا أَخْطَأَ النَّاسُ في العَدَدِ فَوَقَفُوا في غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ، وإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ لِنَفَرٍ لَمْ يُجْزِهِمْ، وحُكْمُهُمْ في القَضَاءِ حُكْمُ مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ. ومَنْ أَحْرَمَ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيْقٌ إلى الحَجِّ، ذَبَحَ هَدْياً في مَوْضِعِ إِحْصَارِهِ وتَحَلَّلَ، ولَا فَرْقَ بَيْنَ نَحْرِهِ في يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ، وَعَنْهُ: أنَّهُ لَا يُجْزِيْهِ إِنْ نَحَرَهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ (٤)، وعَلَيْهِ إِذَا نَحَرَ أَنْ يَحْلِقَ، وَعَنْهُ: لَا حِلَاقَ عَلَيْهِ (٥)، وَهِيَ اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ (٦). فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَحلَّلَ. فَإِنْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ الهَدْيِ والصَّوْمِ ورَفَضَ إِحْرَامَهُ لَزِمَهُ دَمٌ، وَهُوَ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَنْحَرَ الهَدْيَ أو يَصُوْمَ، فَأَمَّا مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنَ البَيْتِ وَيَصُدُّ عَنْ عَرَفَةَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لأنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ، وَعَنْهُ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ صَدَّ عَنِ البَيْتِ في جَوَازِ التَّحَلُّلِ (٧)، وعَلَى مَنْ يُحَلِّلُ بالإِحْصَارِ القَضَاءُ، وَعَنْهُ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (٨). فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حِجَّةُ الإِسْلَامِ أونَذْرٌ فَعَلَهَا بالوُجُوْبِ السَّابِقِ، وإِنْ كَانَتْ نَفْلاً سَقَطَتْ. وإِذَا أُحْصِرَ بِمَرَضٍ، أو ذَهَابِ نفَقَتِهِ لَمْ يَتَحَلَّلْ، بَلْ يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ، فَإِنْ فَاتَهُ الحَجُّ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ (٩)، وكَذَلِكَ إِذَا ضَلَّ الطَّرِيْقَ (١٠)، أَو أَخْطَأَ العَدَدَ. فَإِنْ شَرَطَ في ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ

стр. 192

أَنْ يُحَلَّ حَتَّى مَرِضَ، أَوْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ، أَوْ أَخْطَأَ الطَّرِيْقَ أَو العَدَدَ، أو أَحْصَرَهُ عَدُوٌّ أَوْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ، ولَا شَيءَ عَلَيْهِ. والمَحْرَمُ شَرْطٌ في حَجِّ المَرْأَةِ، وَهَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الوُجُوبِ أَو الأَدَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١). والمَحْرَمُ زَوْجُهَا، ومَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيْدِ. وأَمَّا العَبْدُ فَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِسَيِّدَتِهِ، ولَا فَرْقَ فِي اعْتِبَارِ المَحْرَمِ بَيْنَ السَّفَرِ القَصِيْرِ والطويل وَعَنْهُ انه لَا يعتبر المحرم فِي القصير (٢). فَإِنْ خَرَجَتْ مَعَ المَحْرَمِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيْقِ لَمْ تَصِرْ مُحْصرَةً بِذَلِكَ ولَزِمَهَا المُضِيُّ فِي حجهَا (٣). وَلَيْسَ للزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ حِجَّةِ الفَرْضِ، فَإِنْ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا، وكَذَلِكَ إذَا أَحْرَمَتْ بها بِإِذْنِهِ في حِجَّةِ التَّطَوُّعِ، أَوْ أَحْرَمَ العَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ. فَإِنْ أَحْرَمَ الرَّقِيْقُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وأَحْرَمَتِ الحُرَّةُ في النَّفْلِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، فَلَهُمَا تَحْلِيْلُهُمَا في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ (٤). ومَنْ قُلْنَا لَهُ: إنْ يَتَحَلَّلَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ. وإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَو أُعْتِقَ العَبْدُ وهُمَا بِعَرَفَةَ مُحْرِمَانِ أَجْزَأَهُمَا ذَلِكَ عنْ حِجَّةِ الإسْلَامِ، وإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ وَقْتِ الوُقُوْفِ بِعَرَفَةَ، لَمْ يُجْزِهِمَا عَنْ حِجَّةِ الإِسْلَامِ. بَابُ الهَدْيِ أَفْضَلُ الهَدَايَا الإِبِلُ، ثُمَّ البَقَرُ، ثُمَّ الغَنَمُ، والذَّكَرُ والأُنْثَى في الهَدْيِ سَوَاءٌ، ولَا يُجْزِئُ فِيْهِ إلاَّ الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ - وَهُوَ ما كَمُلَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ والثَّنُّي مِمَّا عدا ذَلِكَ-

стр. 193

والثَّنِيُّ مِنَ المَعْزِ مَا كَمَّلَ سَنَةً، ومِنَ البَقَرِ مَا كَمُلَ لَهُ سَنَتَانِ، ومِنَ الإِبِلِ مَا كَمَّلَ خَمْسَ سِنِيْنَ. ويُسَنُّ إِشْعَارُ البُدْنِ، وَهُوَ: أَنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِ البَدَنَةِ الأَيْمَنِ (١) حَتَّى يَسِيْلَ الدَّمُ، فَإِنْ كَانَ الهَدْيُ غَنَماً قَلَّدَهَا (٢) بِنَعْلٍ، أَو آذَانِ القِرَبِ والعِرَى، وتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ (٣) وَاحِدٍ، والبَدَنَةُ مِنَ الإِبِلِ والبَقَرِ عَنْ سَبْعَةٍ، ولَا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُرِيْدَ جَمِيْعُهُمْ القُرْبَةَ أو بَعْضُهُمْ، ويُرِيْدُ البَاقُوْنَ اللَّحْمَ. وأَفْضَلُ الهَدَايَا والأَضَاحِيِّ الشُّهْبُ، ثُمَّ الصُّفْرُ، ثُمَّ السُّوْدُ، والأَفْضَلُ أَنْ يَذْبَحَهَا بِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ فَالأَفْضَلُ أَنْ يَشْهَدَ ذَبْحَهَا. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الهَدْيِ أَنْ يَجْمَعَ فِيْهِ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ (٤)، ولَا أَنْ يُوَقفَهُ بِعَرَفَةَ، ولَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. وتَخْتَصُّ تَفْرِقَةُ لَحْمِ الهَدْيِ بالحَرَمِ، إلاَّ فِدْيَةَ الأَذَى ومَا في مَعْنَاهَا (٥). ولَا يَأْكُلُ مِنَ الدِّمَاءِ الوَاجِبَةِ إلاَّ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ والقِرَانِ، وَعَنْهُ: يَأْكُلُ مِنَ الْجَمِيْعِ إِلاَّ مِنَ النَّذْرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ (٦). وإِذَا نَذَرَ هَدْياً فَأَقَلُّ مَا يُجْزِيْهِ شَاةٌ، فَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً مُطْلَقَةً أَجْزَأَهُ بَقَرَةٌ (٧)، فَإِنْ ذَبَحَ بَدَنَةً احْتَمَلَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهَا كَمَا لا يأْكُلُ مِنَ الشَّاةِ، واحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سُبْعُهَا واجِباً، والبَاقِي يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ وهَدِيَّتُهُ، فَإِنْ أَكَلَ مِمَّا مُنِعَ مِنْ أَكْلِهِ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْماً (٨). فَإِنْ عَيَّنَ الهَدْيَ بِنَذْرِهِ أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ، سَوَاءٌ كَانَ صَغِيْراً أَوْ كَبِيْراً، جَلِيْلاً أَو حَقِيْراً، ويَجِبُ إِيْصَالُهُ إلى فُقَرَاءِ الحَرَمِ، إلاَّ أَنْ يُعَينَهُ بِمَوْضِعٍ غَيْرِ الحَرَمِ. وإِذَا نَذَرَ هَدْياً بِعَيْنِهِ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ وإِبْدَالُهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ واخْتَارَهُ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا، وعِنْدِي: أنَّهُ يَزُوْلُ مُلْكُهُ عَنْهُ، ولَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ولَا إِبْدَالُهُ (٩)؛ لأَنَّ أَحْمَدَ ﵀ قَدْ نَصَّ في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ في الهَدْيِ إِذَا عَطِبَ في الحَرَمِ فَقَدْ أَجْزَأَهُ عَنْهُ، ونَقَلَ عَنْهُ عَلِيُّ بنُ سَعِيْدٍ في رَجُلٍ اشْتَرَى أُضْحِيَةً فَهَلَكَتْ لَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا، وكَذَلِكَ قَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا: إِذَا عَيَّنَ الهَدْيَ أَو

стр. 194

الأُضْحِيَةَ فَاعْوَرَّتْ أَو عَجَفَتْ (١) يَذْبَحُهَا وتُجْزِيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ في رِوَايَةِ صَالِحٍ، وكَذَلِكَ إِذَا ذَبَحَهَا إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَجْزَأَتْ ولَا يَضْمَنُ، وَكَذَلِكَ إذَا ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ، وَلَوْ كَانَ مُلْكُهُ مَا زَالَ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا في جَمِيْعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَهُ أنْ يَرْكَبَها وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا (٢)، فإن وَلَدَتْ ذُبِحَ وَلدُها مَعَهَا، وإنْ كَانَ صُوفُهَا يَضُرُّ بِهَا إِلَى وَقْتِ الذَّبْحِ جَازَ لَهُ أنْ يَجُزَّهُ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ. ولا يُجْزِئُ في الْهَدْيِ والأُضْحِيَةِ ما فِيْهِ عَيْبٌ يَنْقُصُ بِهِ اللَّحْمُ، وَهِيَ خَمْسَةٌ: - العَضْبَاءُ القَرْنِ والأُذُنِ: وَهِيَ ما ذَهَبَ أكْثَرُ أُذُنِهَا وَقَرْنِها، وَرُوِيَ: ما ذَهَبَ ثُلُثُ أذُنِهَا وَقَرْنِهَا (٣)، وَهُوَ اخْتِيارُ أبي بَكْرٍ (٤). - فأمَّا الْجَمَّاءُ (٥) فهي كَالعَضْبَاءِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابنِ حَامِدٍ. وَقَالَ شَيْخُنَا: تَجُوزُ الضَحِيَةُ بِهَا بِخِلَافِ العَضْبَاءِ (٦). - والعَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَهِيَ مَا انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا وَذَهَبَتْ (٧). - والعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي (٨)، وَهِيَ الهَزِيْلَةُ الَّتِي لا مُخَّ فِيْهَا. - والعَرْجَاءُ البَيِّنُ عَرَجُهَا، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ مَعَ الغَنَمِ، والْمُشَارَكَةِ في العَلَفِ. - والْمَرِيَضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا: وَهِيَ الْجَرْبَاءُ؛ لأنَّ الْجَرَبَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ، وفي حَدِيْثِ عَلِيٍّ (٩)

стр. 195

﵁: «لا يُضَحَّى بِمُقَابَلَةٍ، ولا مُدَابَرَةٍ، ولا خَرْقَاءَ، ولا شَرْقَاءَ» (١)، وهذا نَهْيُ تَنْزيْهٍ ويُحْتَمَلُ الإِجْزَاءُ بِها؛ لأنَّ الْمُقَابَلَةَ: ما قُطِعَ شَيءٌ مِنْ مَقْدَمِ أُذُنِهَا وَبَقِيَ مُعَلَّقاً، والْمُدَابَرةَ: ما قُطِعَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ خَلْفِ أُذُنِهَا، والْخَرْقَاءَ: ما نَقَبَ الْكَيُّ أُذُنَهَا. والشَّرْقَاءَ: ما شُقَّ طَرَفُ أُذُنِهَا، ويُجْزِئُ الْخَصِيُّ. فإنْ نَذَرَ أُضْحِيةً أو هَدْياً في ذِمَّتِهِ ثُمَّ عَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَدَثَ بِهِ عَيْبٌ أو هَلَكَ في الطَّرِيقِ، فعَلَيه إِخْرَاجُ بَدَلِهِ؛ لأنَّ ذِمَّتَهُ لا تَبْرَأُ إلاَّ بإيْصَالِهِ إِلَى مستَحِقِّيْهِ وَفَارِقُ هَذَا ما عيَّنَهُ بِنَذْرِهِ؛ لأنَّهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَيْنِ فَسَقَطَ بِتَلَفِ الْعَيْنِ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ أَمَانَةٌ في يَدِهِ لِلْفُقَرَاءِ، والأَمَانَةُ إِذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيْطٍ فَلَا ضَمَانَ كَالْوَدِيْعَةِ. وأيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ: يَوْمُ العِيْدِ بَعْدَ صَلَاةِ العِيْدِ. أَو قَدَرَ الصَّلَاةِ (٢)، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، فإِنْ خَرَجَ وَقْتُ النَّحْرِ ذبحَ الوَاجِبُ قَضَاءً، وَهُوَ بِالْخيارِ في التَّطَوّعِ، فإن ذبحَ فَهُوَ صَدَقَةٌ بِلَحْمٍ لا أُضْحِية. والسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدهَا اليُسْرَى (٣)، وَهُوَ أنْ يَضْرِبَهَا بِالْحَرْبَةِ في الوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ، ويَذْبَح البَقَرَ والغَنَمَ وإذا عَطِبَ الْهَدْيُ في الطَّريقِ نَحَرَهُ حَيْثُ عَطِبَ وَجَعَلَ (٤) عَلَيْهِ عَلَامَةً، وَهُوَ أنْ يَصْبُغَ نَعْلَهُ بِدَمِهِ وَيَضْرِبَ بِهِ صفحتهُ؛ لِيَعْرِفَهُ الفُقَرَاءُ فَيَأْخُذُوهُ، واللهُ أعلمُ بِالصَّوابِ. بَابُ الأُضْحِيَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا: الأُضْحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ ﵀ في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وأبي داود (٥)، [و] (٦) عَنْهُ: أنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الغِنَى (٧)؛ لأنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ؛ أنَّ لَلْوَصِيِّ أن يُضَحِّيَ عَنِ اليَتِيْمِ مِنْ مَالِهِ، فَأَجْرَاهَا مَجْرَى الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الفِطْرِ، وَلَوْ كَانَتْ تَطَوُّعاً لَمْ يجز لَلْوَصِيِّ إِخْرَاجها كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (٨). وإذا ثَبَتَ وُجُوْبُهَا؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِ

стр. 196

والْمُسَافِرِ والصَّغِيرِ والكَبِيْرِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، ويجزي فِيْهَا مِنْ بَهِيْمَةِ الأَنْعَامِ ما يجزي في الهَدْيِ، ويمنعُ مِنَ العُيُوْبِ ما يمنعُ مِنَ الهَدْيِ. وَوَقْتُهَا والأفْضَلُ فِيْهَا وَجَمِيْعُ أَحْكَامِهَا كَالْهَدْيِ سَواء، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ. والْمَشْرُوعُ فِيْهَا: أنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا الثُلُثَ، وَيَهْدِيَ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ - إنْ قُلْنَا: هِيَ سُنَّةٌ - (١)، وإن [قُلْنَا (٢): أَنَّهَا] وَاجِبَةٌ احْتَمَلَ أنْ يَأْكُلَ مِنْهَا كَمَا قُلْنَا في دَمِ التَّمَتُّعِ والقُرْآن (٣)، واحْتَمَلَ أنْ لا يَأْكُلَ كَمَا لَوْ نَذَرَ هَدْياً (٤)، فإنْ أكَلَهَا كُلَّهَا ضَمِنَهَا بِقدرِ الْمَشْرُوعِ لِلصَّدَقَةِ، وَقِيْلَ: يَضْمنُ أَقَلَّ ما يَجْزِي في الصَّدَقَةِ مِنْهَا. فإنْ نَذَرَ أُضْحِيَةً مُعَيَّنَةً فَتَلِفَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وإنْ أتْلَفَهَا ضَمِنَهَا بأكْثَرِ الأَمْرَيْنِ مِنْ قِيْمَتِهَا أو أُضْحِيَةٍ مِثْلِهَا، فإنْ زَادَتْ القِيْمَةُ عَلَى مِثْلِهَا اشْتَرَى بِالفَضْلِ شَاةً، فإنْ لَمْ تَبْلُغْ قَيْمَة شَاةٍ اشْتَرَى سَهْماً في بَدَنَةٍ، فإنْ لَمْ يتَّسِعْ اشْتَرى لَحْماً وَتَصَدَّقَ بِهِ، وَقِيْلَ: يحتملُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِالفَضْلِ، وَكَذَلِكَ في الْهَدْيِ. ولا يَتَعَيَّنُ إلاَّ أنْ يَقُولَ هَذِهِ أُضْحِيةٌ، فإنْ نَوَى في حالِ الشِّرِاءِ أنَّهَا أُضْحِيَة مِنْ غَيْرِ قَوْل لَمْ تكُنْ أُضْحِيَةً بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ الْهَدْيُ، ويحْتملُ أنْ يَتَعَيَّنَ بِالنِّيَّةِ. وإذا ذُبِحَتْ أُضْحِيَتُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، ولا ضَمَانَ عَلَى الذَّابِحِ. وَيَجُوْزُ أنْ يَذْبَحَ الْهَدْيَ والأُضْحِيَةَ كِتَابِيٌّ، وَعَنْهُ: أنَّهُ لا يَجُوْزُ ذَلِكَ (٥). ويَجُوزُ النَّحْرُ في لَيْلَتَي يَوْمَي (٦) التَّشْرِيقِ الأَوَّلَيْنِ (٧). ولا يَجُوْزُ بَيْعُ جُلُودِ الْهَدَايَا

стр. 197

والأضَاحِيِّ ولا جُلَالِهَا، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهِ. ويُكْرَهُ لِمَنْ أَرَادَ أنْ يُضَحِّيَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أنْ يُقَلِّمَ ظُفْرَهُ أو يَحْلِقَ شَعْرَهُ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يحرمُ عَلَيْهِ جَمِيْع ذَلِكَ (١). بَابُ العَقِيْقَةِ وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابنَا، ويحتملُ كلام أَحْمَدَ ﵁ وُجُوبهَا؛ لأنَّهُ قَالَ في رِوَايَةِ إِسْمَاعِيْلَ بْنِ سَعِيْدٍ فَيْمَنْ يُخْبِرُهُ وَالِدُهُ أنَّهُ لَمْ يَعِقَّ عَنْهُ، هَلْ يَعِقُّ عَنْ نَفْسِهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَلَى الْوَالِدِ. وَلَفْظُهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي الوُجُوب. وَقَالَ في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: أَرْجُو أنْ تُجْزِيَ الأُضْحِيَةُ عَنِ العَقِيْقَةِ إنْ لَمْ يَعُقَّ، وَظَاهِرُ الأَجْزَاءِ تُسْتَعْمَلُ في الوُجُوبِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أبي بَكْرٍ ذَكَرَهُ في " التَّنْبِيْهِ " (٢). إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فالْمَشْرُوعُ أنْ يَنْحَرَ عَنِ الغُلَامِ شَاتَيْنِ، وعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً، يومَ سَابِعِهِ، وَيَحْلِقَ رَأْسَهُ وَيُسَمَّى، فإِنْ فَاتَ فَفِي أرْبَعَةَ عَشَرَ، فإِنْ فَاتَ فَفِي إحْدَى وَعِشْرِيْنَ. ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْزِعَهَا أَعْضَاءً وَيَتَصَدَّقَ بِهَا، ولا يَكْسِر لَها عَظْماً. وحُكْمُهَا حُكْمُ الأُضْحِيَةِ، إلاَّ أنَّ أَحْمَدَ ﵀ قَالَ: يَجُوْزُ بَيْعُ جُلُوْدِهَا وَسَوَاقِطِهَا وَيَتَصَدَّقُ بِهِ، بِخِلافِ ما قَالَ في الأُضْحِيَةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ ينقلَ حُكْمَ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ إِلَى الأُخْرَى فَيَكُونَ في الْمَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَانِ (٣). وأما العَتِيْرَةُ: وَهِيَ شَاةٌ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَذْبَحُهَا في العَشْرِ الأُوَلِ مِنْ رَجَبٍ لِلأَصْنَامِ والفَرَعَةُ: وَهِيَ نَحْرُ أَوَّلِ وَلَدٍ تَلِدُهُ النَّاقَةُ، فَغَيْرُ مَسْنُونٍ لأنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «لا فَرَعَةَ ولا عَتِيْرَةَ» (٤).

стр. 198

كِتَابُ الْجِهَادِ الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ سَقَطَ عَنِ البَاقِيْنَ، ولا يَجِبُ إلاَّ عَلَى ذَكَرٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُسْتَطِيْعٍ (١)، فأمَّا الْمَرْأةُ والعَبْدُ والصَّبِيُّ والفَقِيْرُ وَمَنْ لا يَجِدُ ما يَحْمِلُهُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِهَادِ مَسَافَةٌ تُقْصَرُ فِيْهَا الصَّلَاةُ، والأعْرَجُ والْمَرِيْضُ؛ فَلَا جِهَادَ عَلَيْهِمْ. وأَفْضَلُ مَا تطوع بِهِ الْجِهَادُ (٢). ويُسْتَحَبُّ الإكْثَارُ مِنْهُ مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وأقلُّ ما يُفَعَلُ مَرَّةً في كُلِّ عَامٍ، إِلاَّ أنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إِلَى تَأْخِيْرِهِ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِيْنَ. وَغَزْوُ البَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ البَرِّ. وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ منْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أن يَنْصَرِفَ عَنْ كَافِرَيْنِ، ولا لِلْمِئَةِ أنْ يَنْصَرِفُوا عَنِ الْمِئَتَيْنِ إلاَّ أنْ يَنْحَرِفُوا عَنْ ضِيقٍ إِلَى سَعَةٍ، أو عَنْ عَطَشٍ إِلَى مَاءٍ، أو عَنِ اسْتِقْبَالِ الشَّمْسِ والرِّيْحِ إِلَى اسْتِدْبَارِ ذَلِكَ، أو يَتَحَيَّزُوا إِلَى فِئَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ لِيَلْتَفُّوا مَعَهُمْ. فإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أكبَرَ مِنْ ضِعْفَي الْمُسْلِمِيْنَ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِيْنَ الظَّفَرُ فَالأَوْلَى أنْ يَثْبُتُوا، وإنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِم الْهَلاكُ فَالأَوْلَى أنْ يَنْصَرِفُوا، فإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِم الأَسْرُ مَتَى انْهَزَمُوا فالأَوْلَى أنْ يَثْبُتُوا، وَظَاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ: يلزمهم أنْ يَثْبُتُوا وإِنْ قُتِلُوا. فإِنْ طَرَحَ الْمُشْرِكُونَ نَاراً في سَفِيْنَةٍ فِيْهَا مُسْلِمُونَ، فما غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ السَّلامَةُ فِيْهِ لَزِمَهُمْ فِعْلُهُ، فَإنْ شَكُّوا هَل السَّلَامَة في مُقَامِهِمْ في السَّفِيْنَةِ أو في الوُقُوْعِ في الْمَاءِ؟ فَهُمْ بِالْخِيارِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وفي الأُخْرَى: يلزمهم الْمُقَامُ (٣). وإذا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِماً لَمْ يَتَطَوَّعْ بِالْجِهَادِ إلاَّ بإذنِهِ، فإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ جَازَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، وكَذَلِكَ كُلُّ فَرِيْضَةٍ. وَلَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلاَّ يإذْنِ غَرِيْمِهِ إلاَّ أنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ

стр. 199

الْجِهَادُ. وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرْ عَلَى إظْهَارِ دِيْنِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدِرَ عَلَى إظْهَارِ دِيْنِهِ. وَيُسْتَحَبُّ الرِّبَاطُ وَهُوَ أنْ يُقِيْمَ بالثَّغْرِ تَقَوياً لِلْمُسْلِمِيْنَ عَلَى الكُفَّارِ، وأقَلُّهُ سَاعَةٌ وتَمَامُهُ أَرْبَعونَ يَوماً، وأفْضَلُهُ الْمُقَامُ بِأشَدِّ الثُغُورِ خَوفاً، ولا يُسْتَحَبُّ نَقْلُ أَهْلِهِ إِلَى الثَّغْرِ، والْمُرَابَطَةُ أفْضَلُ مِنَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ، والصَّلَاةُ بِمَكَّةَ أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ بالثَّغْرِ. ويُسْتَحَبُّ تَشْييعُ الغَازِي، ولا يُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُهُ. بَابُ ما يلزم الإمَامَ وما يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ يلزمُ الإمامَ عِنْدَ تَسْيِيْرِ الْجَيْشِ لِلْغَزْوِ أنْ يَتَعَاهَدَ الرِّجَالَ والْخَيْلَ (١)، فَمَنْ لا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ، ولا يَأْذَنُ لِمَخْذُولٍ (٢) أو مُرْجِفٍ (٣) بالْمُسْلِمِيْنَ أنْ يدْخلَ مَعَهُ، ولا يدْخِلُ مَعَهُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ الطَّاعِنَةِ في السِّنِّ لِسَقِي الْمَاءِ ومُعَالَجَةِ الْجَرْحَى، ولا يَسْتَعِيْنُ بِمُشْرِكٍ إلاَّ أنْ تَدْعُوَ الْحَاَجَةُ إِلَيْهِ، ويُكَلِّفُهُمْ مِنَ السَّيْرِ ما يَقْدرُ عَلَيْهِ ضَعِيْفُهُمْ ولا يَسْبِقُ عَلَى قَوِيِّهِمْ، ويُرَاعِي مَنْ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ وَهُمْ أهْلُ دِيْوَانِهِ ومُتَطَوِّعِيْهِ، فَيَرْزُقُهُمْ مِنْ مَالِ الفَيْءِ والصَّدَقَاتِ كُلُّ واحِدٍ بِحَسْبِ حَاجَتِهِ ويُعَرِّفُ عَلَيْهِمُ العُرَفَاءَ، ويَجْعَلُ لِكِلِّ طَائِفَةٍ شِعَاراً يَتَدَاعُونَ بِهِ عِنْدَ الْحَرْبِ، ولا يَمِيلُ مَعَ أقْرِبَائِهِ وَمُوَافِقِيْهِ عَلَى مَذْهَبِهِ عَلَى مُخَالِفِيهِ في الْمَذْهَبِ ومُبَايِنِيْهِ في النَّسَبِ، وَيَتَخَيَّرُ لَهُم من الْمَنَازِلَ أوْطَأَهَا وأَكْثَرَهَا مَاءً وَمَرْعًى، ويتبع مَكَامِنَهَا فَيَحْفَظَهَا عَلَيْهِمْ لِيَأْمَنُوا ويعدُّ لَهُمُ الزَّادَ، ويُقَوِّي نُفُوسَهُمْ بِمَا يخيل إليهِمْ مِنْ أسْبَابِ النَّصْرِ والظَّفَرِ، وَيَعِدُ ذا الصَّبْرِ مِنْهُمْ بِالأجْرِ والنَّفْلِ، ويُشَاوِرُ ذَا الرَّأيِ مِنْهُمْ، ويَأخُذُ جَيْشَهُ بِمَا أوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، ويَمْنَعُهُم مِنَ التَّشَاغُلِ بِالتِّجَارَةِ، ويُدْلِي العُيُونَ عَلَى العَدُوِّ حَتَّى لا يَخْفَى عَلَيْهِ أمْرُهُمْ، ويَصُفُّ جَيْشَهُ، ويَجْعَلُ في كُلِّ جَنْبَةٍ مَنْ يَكُوْنُ كُفْأً، ولا يُقَاتِلُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَيْهِ الدِّيْنَ. ويُقَاتِلُ أهْلَ الكِتَابِ والْمَجُوسَ حَتَّى يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الْجِزْيَةَ. ويُقَاتِلُ بَقِيَّةَ الكُفَّارِ حَتَّى يُسْلِمُوا في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. ويُرَتِّبَ في كُلِّ ثَغْرٍ أمِيْراً مَعَهُ مَنْ فِيْهِ كِفَايَةٌ لِلْعَدوِّ، ويَبْدَأُ بالأَهَمِّ فَالأَهَمِّ.

стр. 200

ويُسْتَحَبُّ لَهُ عَقْدُ الأَلْوِيَةِ والرَّايَاتِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ في ألْوَانِهَا (١)، ويُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيْهِمْ مِنَ الكُفَّارِ، ولا يَقْتُلُ امرَأةً ولا راهِباً ولا شَيْخاً ولا زَمِناً ولا أعْمى لا رَأْيَ لَهُمْ إلاَّ أنْ يُحَارِبُوا. ويَجُوزُ لَهُ تَبْيِيْتُ الكُفَّارِ، ورَمْيُهُمْ بِالْمِنْجَنِيقِ، وقَطْعُ الْمِياهِ عَنْهُمْ، فأَمَّا رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ وفَتْحُ البُثُوقِ (٢) عَلَيْهِمْ لِيُغْرِقَهُمْ، وَهَدْمُ حُصُونِهِمْ وبُيُوتِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَقَطْعُ نَخِيْلِهِمْ وأشْجَارِهِمْ فَيَجُوزُ بأَحَدِ شَرْطَيْن: إمَّا أنْ لا يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ إلاَّ بِذَلِكَ، أو أن يَكُوْنُوا يَفْعَلُوا بِنَا مِثلَ ذَلِكَ إذَا قَدرُوا علينا. وإذا تَتَرَّسُوا بِنِسَائِهِمْ وصِبْيَانِهِمْ جَازَ رَمْيُهُمْ ويُقْصَدُ الْمُقَاتِلةُ، وإنْ تَتَرَّسُوا بأُسَارَى الْمُسْلِمِيْنَ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، إلاَّ أنْ يُخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ فَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ ولا يُقْصَدُ الْمُسْلِمِيْنَ. فإنْ أَصَابَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ، وفي الدِيَّةِ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّامِي رِوَايَتَانِ (٣). فإذَا حَاصَرَ الإمَامُ حِصْناً فامْتَنَعَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ مُصَابَرَتَهُ ما أمْكَنَ، ولا يَنْصَرِفُ إلاَّ بِخِصْلَةٍ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: إمَّا أنْ يُسْلِمُوا فَيُحَرِّزُوا بالإِسْلامِ دِمَاءَ هُمْ وأَمْوَالَهُمْ، وإمَّا أنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ (٤) ذَكَراً حُرّاً مُسْلِماً مِنْ أهْلِ الاجْتِهَادِ، ولا يَحْكُمُ إلا بِمَا فِيْهِ حَظٌّ لِلْمُسْلِمِيْنَ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ والاسْتِرْقَاقِ والفِدَاءِ، فإنْ حَكَمَ بالْمَنِّ فأبَى الإمَامُ فَقَالَ شَيْخُنَا: يَلْزَمُ حُكْمُهُ، وعِنْدِي لا يَلْزَمُ حُكْمُهُ (٥). وإنْ حَكَمَ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ فأسْلَمُوا، عَصَمُوا دِمَاءهُمْ وَلَمْ يَعْصِمُوا أَمْوَالَهُمْ، وهَلْ يُسْتَرَقُونَ؟ قَالَ شَيْخُنَا: لا يُسْتَرَقُونَ، ويُحْتَمَلُ أَنْه يَجُوْزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الأَسْرِ (٦). وإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَرَأَى الإِمَامُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ جَازَ. وإِمَّا أَنْ يَبْذِلُوا مَالاً عَلَى المُوَادَعَةِ فَيَجُوزُ قَبُوْلُهُ مِنْهُم، سَوَاءٌ أَعْطَوهُ جُمْلَةً أو جَعَلُوهُ جِزْيَةً وخَرَاجاً مُسْتَمِرّاً يُؤْخَذُ كُلَّ سَنَةٍ، أو أَنْ يَسْأَلُوا (٧) المُهَادَنَةَ مِنْ غَيْرِ مَالٍ إلى أَجَلٍ، فَقِيْلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقِيْلَ: لا يَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يَعْجُزَ عَنْهُمْ ويَسْتَضِرَّ بالمقَامِ (٨)، ويَجُوزُ للإِمَامِ أَنْ يَبْذُلَ جُعْلاً لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى قَلْعَةٍ أو مَالٍ أو طَرِيْقٍ سَهْلٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ بَيْتِ المَالِ

стр. 201

لَمْ يَكُنْ إلاَّ مَعْلُوماً، وإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ المُشْرِكِيْنَ جَازَ مَجْهُولاً، ويَسْتَحِقُّهُ إِذَا فُتِحَتِ القَلْعَةُ، فَإِنْ كَانَ الجُعْلُ جَارِيَةً وَجَبَ تَسْلِيْمُهَا إِلَيْهِ إِنْ فُتِحَتِ القَلْعَةُ عَنْواً، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ الجَارِيَةُ قَدْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الفَتْحِ فَلَهُ قِيْمَتُهَا، فَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الفَتْحِ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مُسْلِماً، وإِنْ كَانَ مُشْرِكاً فَلَهُ قِيْمَتُهَا. فَإِنْ كَانَ الفَتْحُ صُلْحاً وامْتَنَعَ صَاحِبُ القَلْعَةِ مِنْ تَسْلِيْمِ الجَارِيَةِ وامْتَنَعَ مُسْتَحِقُّ الجُعْلِ مِنْ أَخْذِ قِيْمَتِهَا فَسَخَ الصُّلْحَ. فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الفَتْحِ فَلَا شَيءَ لَهُ. والإِمَامُ مُخَيَّرٌ في الأَسْرَى مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ والمَجُوْسِ بَيْنَ القَتْلِ والاسْتِرْقَاقِ والفِدَاءِ والمَنِّ. وأمَّا بَقِيَّةُ الكُفَّارِ فَيُخَيِّرُهُ بَيْنَ القَتْلِ والمَنِّ والفِدَاءِ، وفي الاسْتِرْقَاقِ رِوَايَتَانِ (١). ولَا يَخْتَارُ إِلاَّ الأَصْلَحَ للإِسْلَامِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الأَسَارَى رُقُّوا في الحَالِ ويَسْقُطُ التَّخْيِيْرُ، فَإِنْ فَادُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَالٍ فَهُوَ غَنِيْمَةٌ، وأَمَّا النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ فَيُصَيَّرُوْنَ رَقِيْقاً بِنَفْسِ السَّبْيِ، ويَتْبَعُ الطِّفْلُ لِسَابِيْهِ في الإٍسْلَامِ، فَإِنْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ تَبَعَهُ، وَعَنْهُ: يَكُوْنُ تَبَعاً لِسَابِيْهِ أَيْضاً. ولَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِاسْتِرْقَاقِ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا واسْتُرِقَّ، فَقَالَ شَيْخُنَا: يَنفسِخُ النِّكَاحُ، وعِنْدِي: لَا يَنْفَسِخُ (٢). ومَنْ صَارَ رَقِيْقاً لِلْمُسْلِمِيْنَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مِنَ المُشْرِكِيْنَ، ويُحْتَمَلُ جَوَازُ بَيْعِهِ (٣). ولَا يَجُوْزُ أَنْ يُفَادِى بِالسَّبْيِ عَلَى مَالٍ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ (٤)، والآخَرِ: يَجُوزُ. وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وإِذَا اسْتَرَقَّ الإِمَامُ قَوْماً ثُمَّ أَعْتَقَهُمْ، فَأَقَرَّ بَعْضَهُمْ بِنَسَبِ بَعْضٍ لَمْ يُقْبَلْ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ هَادَنَ أَهْلَ بَلَدٍ فَسَبَاهُمْ الكُفَّارُ لَمْ يَكُنْ للمُسْلِمِيْنَ شِرَاؤُهُمْ. وإِذَا قَالَ الإِمَامُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئاً فَهُوَ لَهُ، أو فَضَّلَ بَعْضَ الغَانِمِيْنَ عَلَى بَعْضٍ لَمْ يَجُزْ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٥)، والأُخْرَى: يَجُوزُ. وَسَلَبُ (٦) المَقْتُولِ لِقَاتِلِهِ غَيْرُ مَخْمُوسٍ إِذَا شَرَطَهُ الإِمَامُ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ لَمْ يَسْتَحِقُّهُ

стр. 202

في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (١)، والأُخْرَى: يَسْتَحِقُّهُ بِأَرْبَعَةِ شَرَائِطَ: ١ - أَنْ يَكُوْنَ الكَافِرُ مُنْهَمِكاً عَلَى القِتَالِ. ٢ - غَيْرَ مُثَخَّنٍ بالجِرَاحِ. ٣ - ويُغَرِّرُ المُسْلِمُ بِنَفْسِهِ في قَتْلِهِ. ٤ - والحَرْبُ قَائِمَةٌ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ. فَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ في قَتْلِهِ فَقَدْ نَصَّ في رِوَايَةِ حَرْبٍ (٢): أنَّ سَلَبَهُ في الغَنِيْمَةِ، وَقَالَ شَيْخُنَا: يَشْتَرِكَانِ في سَلَبِهِ. فَإِنْ قَطَعَ أَحُدُهُمَا أَرْبَعَتَهُ، وقَتَلَهُ الآخَرُ، فالسَّلَبُ لِلْقَاطِعِ. فَإِنْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ ورِجْلَهُ، وقَتَلَهُ الآخَرُ، فَسَلَبُهُ في الغَنِيْمَةِ (٣)، وَقِيْلَ: سَلَبُهُ للقَاتِلِ. فَإِنْ سَلَبَهُ مُسْلِمٌ وقَتَلَهُ الإِمَامُ صَبْراً (٤) فَسَلَبُهُ غَنِيْمَةٌ، وَقِيْلَ: لِمَنْ أَسَرَهُ. والسَّلَبُ: مَا كَانَ عَلَيْهِ في حَالِ القِتَالِ مِنْ ثِيَابٍ وسِلَاحٍ وحِلْيَةٍ، فَأَمَّا فَرَسُهُ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ (٥). وأمَّا نَفَقَتُهُ ورَحْلُهُ وخَيْمَتُهُ فَغَنِيْمَةٌ، وَلِلإِمَامِ وخَلِيْفَتِهِ أَنْ يَنْفُلَ في بَدْأَتِهِ الرُّبْعَ بَعْدَ الخُمْسِ، وفي رَجْعَتِهِ الثُّلُثَ بَعْدَ الخُمْسِ، ومَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ يُقَدِّمَ الإِمَامُ بَيْنَ يَدَي الجَيْشِ سَرِيَّةً تُغَارُ عَلَى العَدُوِّ، ويَجْعَلَ لَهُمُ الرُّبُعَ، وكَذَلِكَ إِذَا رَجَعَ ينْفُذُ سَرِيَّةً تَغَارُ عَلَى العَدُوِّ وتَلْحَقُهُ ويَجْعَلَ لهَا الثُّلُثَ مِمَّا أَتَتْ بِهِ السَّرِيَّةُ، أَخْرَجَ خُمْسَهُ ثُمَّ دَفَعَ إلى السَّرِيَّةِ مَا جَعَلَ لَهُمْ، وقَسَمَ البَاقِيَ في الجَيْشِ كُلِّهِ والسَّرِيَّةِ مَعَهُ. ومَا فَعَلَهُ المُسْلِمُونَ في دَارِ الحَرْبِ مِمَّا يُوْجِبُ الحُدُوْدَ، فَحُكْمُهُ لَازِمٌ لَهُمْ، إلاَّ أَنَّ الإِمَامَ لَا يَسْتَوْفِيْهِ حَتَّى يَرْجِعُوا إلى دَارِ الإسْلَامِ. بَابُ مَا يَلْزَمُ الجَيْشَ مِنْ طَاعَةِ الإِمَامِ يَلْزَمُ الجَيْشَ طَاعَةُ الأَمِيْرِ عَلَيْهِمْ، وامْتِثَالُ أَمْرِهِ، واجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ، وتَفْوِيْضُ الأَمْرِ إلى رَأْيِهِ وتَدْبِيْرِهِ، والمُنَاصَحَةُ لَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ صَوَابٌ خَفِيَ عَنْهُ بَيَّنُوهُ لَهُ وأَشَارُوا

стр. 203

عَلَيْهِ بِهِ، والرِّضَا بِقِسْمَتِهِ لِلْغَنَائِمِ وتَعْدِيْلِهِ، والصَّبْرُ مَعَهُ عِنْدَ اللِّقَاءِ. وإِذَا دَخَلُوا أَرْضَ العَدُوِّ لَمْ يَجُزْ لأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّفَ، ولَا يَحْتَطِبَ، ولَا يُبَارِزَ عِلْجاً، ولَا يَخْرُجُ مِنَ المُعَسْكَرِ ولَا يُحْدِثُ حَدَثاً، إِلاَّ (١) بِإِذْنِهِ. وإِذَا دعا المُشْرِكُونَ إلى المُبَارَزَةِ اسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الشِّدَّةَ والشَّجَاعَةَ المُبَارَزَةَ، ولَا يَجُوزُ إلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ (٢) فَإِنْ شَرَطَ المُشْرِكُ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ إلاَّ الخَارِجُ إلَيْهِ فَلَهُ شَرْطُهُ، وإِنِ انْهَزَمَ المُسْلِمُ أو أُثْخِنَ بالجِرَاحِ جَازَ أَنْ يُرَدَّ عَنْهُ بالقِتَالِ. وإِذَا أَسَرَ المُسْلِمُ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِيْنَ لَمْ يَكُنْ [لَهُ] (٣) قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِي بِهِ الأَمِيْرُ فَيَرَى فِيْهِ رَأْيَهُ، وإِنِ امْتَنَعَ الأَسِيْرُ أَنْ يَنْقَادَ مَعَهُ كَانَ لَهُ إِكْرَاهُهُ بالضَّرْبِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِكْرَاهِهِ فَلَهُ قَتْلُهُ، فَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُ الأَسِيْرِ لِمَرَضٍ أَو عَجْزٍ عَنِ السَّيْرِ فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ ﵀ عن الجواب وَقَالَ أصحابنا يحتمل وَجْهينِ أحدهما لَهُ قَتْلِهِ والآخر يتركهُ ولَا يَقْتُلُهُ، ومَنْ قُتِلَ مِنَ الكُفَّارِ كُرِهَ نَقْلُ رَأْسِهِ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وكَذَلِكَ يُكْرَهُ رَمْيُ رُؤُسِهِمْ في المَنْجَنِيْقِ، ولَا يَجُوزُ الغَزْوُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ إِلاَّ أَنْ يُفَاجِئَهُمُ (٤) العَدُوُّ، فَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ - لَا مَنَعَةَ لَهُمْ - دَارَ الحَرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلِلإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مَا غَنِمُوْهُ فَيَجْعَلَهُ في بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِيْنَ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٥)، وفي الثَّانِيَةِ: يَأْخُذُ خُمْسَهُ ويُقَسِّمُ البَاقِيَ بَيْنَهُمْ (٦)، والثَّالِثَةِ: مَا غَنِمُوْهُ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْمُسَ (٧)، وإِذَا نَدَّ بَعِيْرٌ مِنْ دَارِ الحَرْبِ، أو شَرَدَ فَرَسٌ، أو أَبَقَ عَبْدٌ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَعَنْهُ: يَكُوْنُ فَيْئاً (٨). بَابُ الأَمَانِ يَجُوْزُ لِلإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَ الأَمَانَ لِجَمِيْعِ المُشْرِكِيْنَ ولآحَادِهِمْ، ويَجُوزُ لِلأَمِيْرِ أَنْ يَعْقِدَ [لأَهْلِ] (٩) البَلَدِ الَّذِي بِأَزَائِهِمْ، فَأَمَّا آحَادُ الرَّعِيَّةِ فَيَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَعْقِدُوا للوَاحِدِ والعَشْرَةِ

стр. 204

والقَافِلَةِ. ويَصِحُّ أَمَانُ المُسْلِمِ العَاقِلِ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَراً أو أُنْثَى أو حُرّاً أَو مَمْلُوكاً، واخْتَلَفَ أًصْحَابُنَا في الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ أَمَانُهُ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ في ذَلِكَ رِوَايَتَانِ (١)، ويَصِحُّ أَمَانُ الأَسِيْرِ في دَارِ الحَرْبِ إِذَا عَقَدَهُ غَيْر مُكْرَهٍ، ومَنْ قَالَ لِمُشْرِكٍ: قِفْ وَأَلْقِ سِلَاحَكَ، أو لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أو مَتَرْس - بالفَارِسِيَّةِ (٢) - كَانَ أَمَاناً كَقَوْلِهِ: أَجَرْتُكَ وأَمَّنْتُكَ. وإِذَا أَعْطَى الإِمَامُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الحِصْنِ أَمَاناً فَلَمَّا فُتِحَ الحِصْنُ ادَّعَى كُلُّ رَجُلٍ منهم أَنَّ الأَمَانَ لَهُ، وأَشْكَلَ عَلَى الإِمَامِ حَرُمَ عَلَيْهِ قَتْلُهُمْ واسْتِرْقَاقُهُمْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ (٣) / ١١٦ ظ/: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ فَهُوَ حُرٌّ وَيُسْتَرَقُّ البَاقُونَ، ومَنْ جَاءَ بِأَسِيْرٍ فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمَّنَهُ، فَأَنْكَرَ المُسْلِمُ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٤)، والثَّانِيَةِ: قَوْلُ الأَسِيْرِ، والثَّالِثَةِ: يَرْجِعُ إلى قَوْلِ مَنْ ظَاهِرِ الحَالِ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ. وإِذَا أَسَرُوا مُسْلِماً فَأَطْلَقُوُهُ بِشَرْطِ أَنْ يقيم عندهم مدة معلومة كانوا فِي أمان مِنْهُمْ ووجب عَلَيْهِ أن يفي لَهُمْ فإن أطلقوه بشرط أن يَكُوْنَ رَقِيْقاً لَهُمْ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ ويَسْرِقَ ويَهْرُبَ، وكَذَلِكَ إِنْ أَطْلَقُوهُ وَلَمْ يَشْرطُوا عَلَيْهِ شَيْئاً، فَإِنْ خَلُّوا سَبِيْلَهُ عَلَى فِدًى يَبْعَثُهُ إِليْهِمْ مِنْ دَارِ الإِسْلَامِ، ويَشْرِطُوا إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ عَادَ إِلَيْهِمْ لَزِمَهُ الوَفَاءُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀ (٥)، وَقَالَ الخِرَقِيُّ: إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الوَفَاءِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ (٦)، فَإِنْ كَانَ للَّذِي أَطْلَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ امْرَأَةٌ لَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِمْ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. ومَنْ دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ فَأَوْدَعَنَا مَالَهُ، أَو أَقْرَضَنَا قَرْضاً، ثُمَّ عَادَ إلى وَطَنِهِ مِنْ دَارِ الحَرْبِ، بَطَلَ الأَمَانُ في نَفْسِهِ وبَقِيَ في مَالِهِ، فَإِنْ طَلَبَهُ بُعِثَ بِهِ إِلَيْهِ، وإِنْ مَاتَ بُعِثَ بِهِ إلى وَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَهُوَ في إِحْدَى (٧) الرِّوَايَتَيْنِ. وظَاهِرِكَلَامِ الخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ يَنْتَقِضُ في نَفْسِهِ ومَالِهِ ويَصِيْرُ فَيْئاً. وإِذَا أسْلَمَ الحَرْبِيُّ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ حَقَنَ دَمَهُ ومَالَهُ وأَوْلَادَهُ الصِّغَارَ عَنِ السَّبْيِ، فَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الحَرْبِيِّ وأَسَرَ سَيِّدَهُ وأَخَذَ أَمْوَالَهُ وأَوْلَادَهُ ونِسَاءهُ وخَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ، والمَالُ له والسَّبْيُ رَقِيْقُهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ وأَقَامَ بِدَارِ الحَرْبِ فَهُوَ عَلَى رِقِّهِ.

стр. 205

بَابُ قِسْمَةِ الغَنِيْمَةِ وأَحْكَامِهَا الغَنِيْمَةُ: كُلُّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ المُشْرِكِيْنَ قَهْراً بالقِتَالِ، وتُمُلِّكَ بالأَخْذِ، وإِنْ لَمْ يُحَزْ إلى دَارِ الإِسْلَامِ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَنْقُولٌ، وأَرَضُونَ. فَأمَّا المَنْقُولُ فَالإِمَامُ يُخَيَّرُ بَيْنَ قِسْمَتِهِ في دَارِ الحَرْبِ بَعْدَ تَقَضِّي الحَرْبِ، وبَيْنَ تَأْخِيْرِ القِسْمَةِ إلى دَارِ الإِسْلَامِ، فَإِذَا أَرَادَ القِسْمَةَ بَدَأَ بالأَسْلَابِ فَدَفَعَهَا إلى مُسْتَحِقِّيْهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ يُخْرِجُ مُؤْنَةَ الغَنِيْمَةِ: وَهِيَ أُجْرَةُ الَّذِيْنَ حَمَلُوهَا وجَمَعُوهَا وحَفِظُوهَا، ثُمَّ يَخْمُسُ بَاقِيْهَا فَيَعْزِلُ خُمْسَهُ فَيَقْسِمُهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ للهِ تَعَالَى ولِرَسُولِهِ ﵇، يُصْرَفُ في المَصَالِحِ، وأَهَمُّهَا: سَدُّ الثُّغُورِ، وتَعَاهُدُ أَهْلِهَا مِنْ أَجْنَادِ المُسْلِمِيْنَ بِكِفَايَتِهِمْ، ثُمَّ الأَهَمُّ فَالأَهَمُّ مِنْ سَدِّ البُثُوقِ، وكَرْيِ الأَنْهَارِ، وعَمَلِ القَنَاطِيْرِ، وأَرْزَاقِ القُضَاةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ في إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ (١)، وَقَالَ في رِوَايَةِ صَالِحٍ: يَخْتَصُّ سَهْمِ الرَّسُولِ ﵇ بِأَهْلِ الدِّيْوَانِ، وَقَالَ في رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: يُصْرَفُ في الكُرَاعِ والسِّلَاحِ (٢). وسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبَى، وهُمْ: بَنُو هاشمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، أَيْنَ كَانُوا مِنَ الأَرْضِ؟ للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ (٣)، غَنِيُّهُمْ وفَقِيْرُهُمْ في ذَلِكَ سَوَاءٌ. وسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الفُقَرَاءِ. وسَهْمٌ لِلْمَسَاكِيْنِ. وسَهْمٌ لأَبْنَاءِ السَّبِيْلِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ. ثُمَّ يُعْطِي النَّفْلَ بَعْدَ ذَلِكَ ويَرْضَخُ لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنَ العَبِيْدِ والنِّسَاءِ والصِّبْيَانِ (٤)،

стр. 206

واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ (١) في الذِّمِّيِّ إِذَا اسْتَعَانَ بِهِ الإِمَامُ للحَاجَةِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أنَّهُ يَرْضَخُ لَهُ، ورُوِيَ: أنَّهُ يُسْهَمْ لَهُ كَالمُسْلِمِ. وَلَا يَبْلُغُ بالرَّضْخِ للرَّاجِلِ سَهْمَ رَاجِلٍ، وللفَارِسِ سَهْمَ فَارِسٍ، فَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُ أَهْلِ الرَّضْخِ فَأَسْلَمَ الكَافِرُ وبَلَغَ الصَّبِيُّ وعُتِقَ العَبْدُ قَبْلَ تقَضِّي الحَرْبِ أَسْهَمَ لَهُمْ، وكَذَلِكَ إِذَا لَحِقَ المَدَد أو هَرَبَ الأَسِيْرُ قَبْلَ تَقَضِّي الحَرْبِ وشَهِدَ الوَقْعَةَ أَسْهَمَ لَهُمْ، ثُمَّ تُقْسَمُ الغَنِيْمَةُ بَعْدَ إِخْرَاجِ الخُمْسِ والنَّفْلِ والرَّضْخِ بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ، مَنْ قَاتَلَ ومَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ تُجَّارِ العَسْكَرِ وأُجَرَائِهِمْ، للرَّاجِلِ سَهْمٌ، وللفَارِسِ - إِنْ كَانَ عَلَى فَرَسٍ عَرَبِيٍّ - ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمَانِ لِفَرَسِهِ وسَهْمٌ لَهُ، - وإِنْ كَانَ عَلَى هَجِيْنٍ أَو بِرْذَوْنٍ (٢) - فَكَذَلِكَ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٣)، وفي الأُخْرَى: يُعْطَى سَهْمَيْنِ، سَهْمٌ لَهُ، وسَهْمٌ لِهَجِيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فَرَسَانِ أَسْهَمَ لَهُمَا، ولَا يُسْهِمُ لأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ عَلَى بَعِيْرٍ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَهُ سَهْمَانِ سَهْمٌ لَهُ وسَهْمٌ لِبَعِيْرِهِ. وَقَالَ شَيْخُنَا فِي: " الأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": يُعْطِي رَاكِبَ البَعِيْرِ والفِيْلِ سَهْمَ رَاكِبِ الهَجِيْنِ، وعِنْدِي: أنَّهُ لَا يُسْهَمُ لبَعِيْرٍ ولَا فِيْلٍ ولَا بَغْلٍ ولَا حِمَارٍ؛ لأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ ، ولَا عَنْ أَحَدِ من الصَّحَابَةِ ﵃ أنَّهُمْ أَسْهَمُوا لِغَيْرِ الخَيْلِ (٤). ومَنْ دَخَلَ دَارَ الحَرْبِ رَاجِلاً ثُمَّ مَلَكَ فَرساً، أو اسْتَأْجَرَهُ، أو اسْتَعَارَهُ لِلْقِتَالِ فَشَهِدَ بِهِ الوَقْعَةَ فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ، فَإِنْ دَخَلَ فَارِساً فَنَفَقَ فَرَسَهُ أو شَرَدَ فَلَمْ يَجِدْهُ حَتَّى قُضِيَتِ الحَرْبُ فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ (٥)، ولَا يُسْهَمُ للفَرَسِ العَجِيفِ الضَّعِيْفِ في أَحَدِ

стр. 207

الوَجْهَيْنِ (١)، ويُسْهَمُ لَهُ في الآخَرِ. ومَنْ غَصَبَ فَرَساً فَقَاتَلَ عَلَيْهِ فَسَهْمُ الفَرَسِ لِمَالِكِهِ. ومَنْ دَخَلَ دَارَ الحَرْبِ فَمَرِضَ مَرَضاً لَا يَسْتَطِيْعُ مَعَهُ القِتَالَ حَتَّى قُضِيَتِ الحَرْبُ فَلَا سَهْمَ لَهُ. وكَذَلِكَ مَنِ اسْتُؤْجِرَ للجِهَادِ مِمَّنْ لا يَلْزَمُهُ الجِهَادُ كَالكَافِرِ والعَبْدِ لَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ الأُجْرَةِ. ومَنْ مَاتَ بَعْدَ قَضْاء (٢) الحَرْبِ فَسَهْمُهُ لِوَرَثَتِهِ ويَرُدُّ الجَيْشَ على سَرَايَاهُ إِذَا غَنِمَ وَلَمْ تَغْنَمِ السَّرَايَا، وكَذَلِكَ يَرُدُّ السَّرَايَا عَلَى الجَيْشِ ولَا يَرُدُّ أَحَدَ الجَيْشَيْنِ مِمَّا غَنِمَ عَلَى الآخَرِ، وإِذَا قُسِّمَتِ الغَنَائِمُ في دَارِ الحَرْبِ جَازَ للمُسْلِمِيْنَ بَيْعُهَا بَعْضُهمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهَا الكُفَّارُ بَعْدَ لُزُومِ البَيْعِ فَأَخَذُوْهَا فَهُوَ مِنْ مَالِ المُشْتَرِي في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٣)، وَهِيَ اخْتِيَارُ الخلَالِ وصَاحِبِهُ عَبْدِ العَزِيْزِ، وفي الأُخْرَى: هِيَ مِنْ ضَمَانِ البَائِعِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ (٤)، وهَلْ يَمْلِكُونَ (٥) المُشْرِكُونَ أَمْوَالَ المُسْلِمِيْنَ بالقَهْرِ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ﵀: أنَّهُمْ لَا يَمْلِكُوهَا؛ لأنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ كَلَامُهُ: أنَّهُ إِذَا عَادَ المُسْلِمُونَ فَقَهَرُوهُمْ وأَخَذُوهَا فَوَجَدَهَا صَاحِبُهَا قَبْلَ القِسْمَةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وكَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُمْ آحَادَ المُسْلِمِيْنَ بِسَرِقَةٍ أَو هِبَةٍ، كَانَ صَاحِبُهُ أَحَقَّ بِهِ بِغَيْرِ شَيءٍ وَلَوْ كَانَ الكُفَّارُ قَدْ مَلَكُوهَا لَمْ يَكُنْ أَحَقَّ بِهَا كَسَائِرِ أَمْوَالِ المُشْرِكِيْنَ وأُصُوْلِهِ يَقْتَضِي هَذَا؛ لأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ لَا يُفِيْدُ مَقْصُودَهُ عِنْدَهُ. وَقَالَ شَيْخُنا: يَمْلِكُونَهَا، وذَكَرَ أَحْمَدُ ﵀ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ (٦)، وأَشَارَ إِلَى قَوْلِ أَحْمَدَ فِيْمَا أدْرَكَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ القِسْمَةِ لَا حَقَّ لَهُ فِيْهِ، وهَذَا يَحْتَمِلَ أَنَّ الإِمَامَ إذَا قَسَّمَ لَا يُنْقَضُّ حُكْمُهُ وقِسْمَتُهُ؛ لأنَّهَا مَسْأَلَةٌ يُسَوَّغُ فِيْهَا الاجْتِهَادُ، ويُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ مِنَ المَلَكِ؛ فَتُخَرَّجُ المَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ، وكُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ مُبَاحَاتِ دَارِ الحَرْبِ مِمَّا لَهُ قِيْمَةٌ كَالخَشَبِ والدَّارَصِيْنِي والصَّمْغِ والصّيُودِ فَهُوَ غَنِيْمَةٌ لَا يَنْفَرِدُ بِهِ آخِذُهُ. ومَا أُخِذَ [مِنَ الطَّعَامِ] (٧) والعَلَفِ فَلآخِذِهِ أَكْلُهُ، وأَنْ يَعْلِف دَوَابَّهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ الإِمَامِ. ومَا أُخِذَ مِنَ السِّلَاحِ فَلآخِذِهِ أَنْ يُقَاتِلَ بِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ، فَإِذَا انْقَضَت (٨) الحَرْبُ رَدَّهُ إِلَى المَغْنَمِ، فَأمَّا الفَرسُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ رُكُوبُهُ

стр. 208

في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (١)، والأُخْرَى: لَهُ رُكُوبُهُ حَتَّى تَنْقَضِي الحَرْبُ. ومَنْ أَحْبَلَ جَارِيَةً في المَغْنَمِ، فَالوَلَدُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ، وعَلَيْهِ قِيْمَةُ الجَارِيَةِ ومَهْرُهَا يُرَدُّ في المَغْنَمِ وتَصِيْرُ أُمَّ وَلَدِهِ (٢). وإِذَا كَانَ في السَّبَايَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرَ نَصِيْبَهُ وقَوَّمَ البَاقِيَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوْسِراً، وكَذَلِكَ مَنْ أَعْتَقَ عَبْداً مِنَ الغَنِيْمَةِ وَقَعَ فِي حَقِّهِ وَقَوَّمَ عَلَيْهِ بَاقِيَهُ وعَتَقَ ووَلَاؤُهُ لَهُ. والغَالُّ (٣) مِنَ الغَنِيْمَةِ تُحْرَقُ رَحْلِهِ إِلاَّ الحَيَوَانَ والسِّلَاحَ والمُصْحَفَ (٤)، ومَا أَخَذَهُ مِنَ الفِدْيَةِ أو أَهْدَاهُ المُشْرِكُونَ لأَمِيْرِ الجَيْشِ أَو لِبَعْضِ قُوَّادِهِ فَهُوَ غَنِيْمَةٌ. بَابُ حُكْمِ الأَرَضِيْنَ المَغْنُومَةِ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِنْ أَرَاضِي المُشْرِكِيْنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ مِنْهَا: - مَا فُتِحَ عَنْوَةً: وَهِيَ مَا أُجْلِيَ أَهْلُهَا عَنْهَا بالسَّيْفِ، فَفِيْهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ (٥): أَحَدُهَا: يَكُوْنَ غَنِيْمَةً تُقَسَّمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الأَمْوَالِ المَنْقُولَةِ. والثَّانِي: يُخَيَّرُ الإِمَامُ بَيْنَ قِسْمَتِهَا بَيْنَ الغَانِمِيْنَ، وبَيْنَ وَقْفِهَا عَلَى المُسْلِمِيْنَ. والثَّالِثَةُ: تَصِيْرُ وَقْفاً عَلَى المُسْلِمِيْنَ بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا، فَإِنْ قَسَّمَهَا بَيْنَ الغَانِمِيْنَ فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهَا، وإِنْ صَارَتْ وَقْفاً بالاسْتِيْلَاءِ أو بِالإيقَاف فَلَا يَجُوْزُ بَيْعُهَا ولَا رَهْنُهَا ولَا هِبَتُهَا، ويَضْرِبُ الإِمَامُ عَلَيْهَا خَرَاجاً يُؤْخَذُ مِمَّنْ جُعِلَتْ في يَدِهِ مِنْ مُسْلِمٍ أو مُعَاهِدٍ ومَا كَانَ فِيْهَا مِنْ نَخِيْلٍ أو أَشْجَارٍ فَهُوَ مَوْقُوفٌ مَعَهَا ولَا عُشْرَ في ثَمَرِهِ ومَا اسْتُوْقِفَ فِيْهَا مِنْ غِرَاسٍ أو زَرْعٍ ففي ثَمَرِهِ وحُبُوْبِهِ العُشْرُ مَعَ الخَرَاجِ. - ومِنْهَا مَا انْجَلَى أَهْلُهَا عَنْهَا خَوْفاً فَيَكُونُ وَقْفاً بِنَفْسِ الاسْتِيْلَاءِ، وَقِيْلَ: لَا تَصِيْرُ وَقْفاً

стр. 209

حَتَّى يَقِفَهَا الإِمَامُ، وحُكْمُهَا حُكْمُ العَنْوَةِ إِذَا وُقِفَتْ (١). - ومِنْهَا مَا صَالَحُوْنَا عَلَيْهَا؛ وذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ مُلْكَ الأَرْضِ لَنَا ونُقِرَّهَا في أَيْدِيْهِمْ بالخَرَاجِ، فَهَذِهِ تَصِيْرُ وَقْفاً لِلمُسْلِمِيْنَ (٢)، حُكْمُهَا حُكْمُ مَا بَيَّنَّا، وإِذَا بَدَّلُوا جِزْيَةَ رِقَابِهِمْ جَازَ إِقْرَارُهُمْ فِيْهَا عَلَى التأْبِيْدِ، وإِنْ مَنَعُوا الجِزْيَةَ لَمْ يَجُزْ لَنَا إِقْرَارُهُمْ فِيْهَا سَنَةً بِغَيْرِ جِزْيَةٍ. والضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ مُلْكَهَا لَهُمْ وَلَنَا الخَرَاجُ عَنْهَا، فَهَذَا الخَرَاجُ في حُكْمِ الجِزْيَةِ مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ ولَهُمْ بَيْعُهَا ورَهْنُهَا وهِبَتُهَا ويُقِرُّوْنَ فِيْهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الصُّلْحِ مِنْ غَيْرِ جِزْيَةٍ؛ لأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الإِسْلَامِ، وإِذَا انْتَقَلَتْ هَذِهِ الأَرْضُ إِلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُؤْخَذْ خَرَاجُهَا (٣)، ونَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٍ (٤): أنَّهُ قَالَ مَا فُتِحَ عَنْوَةً فَهُوَ فَيءٌ للمُسْلِمِيْنَ، ومَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ (٥) يُؤَدُّوْنَ عَنْهُ مَا صُوْلِحُوا عَلَيْهِ، ومَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ تَسْقُطُ عَنْهُ الجِزْيَةُ والأَرْضُ للمُسْلِمِيْنَ، يَعْنِي: خَرَاجَهَا. وَرَوَى عَنْهُ حَنْبَلٌ (٦): مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيءٍ فَهُوَ لَهُ ويُؤْخَذُ مِنْهُ خَرَاجُ الأَرْضِ، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَرَاجَ هَذِهِ الأَرْضَ لَا يَسْقُطُ سَوَاءٌ أَسْلَمَ رَبُّهَا أو انْتَقَلَتْ إلى مُسْلِمٍ، وَقَدْ تَأَوَّلَ شَيْخُنَا الرِّوَايَةَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَتْ الأَرْضُ خَرَاجِيَّةً، ولَفْظُ الرِّوَايَةِ الأُوْلَة يَسْقُطُ تَأْوِيْلُهُ فَمَا قَدْرُ الخَرَاجِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا تَحْتَمِلُهُ الأَرْضُ، والمَرْجع فِيْهِ إلى اجْتِهَادِ الإِمَامِ في الزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ في إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الخَلاَّلِ وعَامَّةِ شُيُوْخِنَا (٧). والثَّانِيَةُ: أنَّهُ يُرْجَعُ فِيْهِ إلى مَا كَانَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁، ولَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ ولَا النُّقْصَانُ. والثَّالِثَةُ: يَجُوْزُ لِلإِمَامِ الزَّيَادَةُ ولَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ عُمَرَ ﵁ في قَدَرِ الخَرَاجِ، فَرَوَى عَنْهُ أبو عُبَيْدٍ (٨) بِإِسْنَادِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ ابنَ حَنِيفٍ إلى السَّوَادِ فَضَرَبَ الخَرَاجَ عَلَى جَرِيْبِ الشَّعِيْرِ (٩) دِرْهَمَيْنِ، وعَلَى جَرِيْبِ الحِنْطَةِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وعَلَى جَرِيْبِ القَصَبِ - وَهُوَ

стр. 210

الرّطْبَةُ - سِتَّةَ دراهم، وعَلَى جَرِيْبِ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وعَلَى جَرِيْبِ الكَرْمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، وعَلَى جَرِيْبِ الزَّيْتُونِ اثني عشر دِرْهَماً، ورَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ (١) أنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ وأَتَاهُ ابنُ حَنِيْفٍ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ فَسَمِعْنَاهُ يَقُوْلُ لَهُ: واللهِ لَئِنْ وَضَعْتَ عَلَى كُلِّ جَرِيْبٍ قَفَيْزاً ودِرْهَماً لَا يَسُوءُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَا يُجْهِدُهُمْ، ورُوِيَ: أنَّهُ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيْبِ عَامِرٍ أو غَامِرٍ دِرْهَماً وقَفِيْزاً، وعَلَى جَرِيْبِ الرَّطْبَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَقَالَ (٢) أَحْمَدُ ﵁: أَعْلَى وَأصح حَدِيْثٍ في أَرْضِ السواد حَدِيْثُ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ في الدِّرْهَمِ والقَفِيْزِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ أَخَذَ بِهِ وَقَالَ في رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بنِ الحَكَمِ: وَزْنُ القَفِيْزِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ (٣)، وَقَالَ شَيْخُنَا: المُرَادُ بِهِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بالمَكِّيِّ فَيَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلاً بالعِرَاقِيِّ (٤)، وَقَالَ أبو بَكْرٍ (٥) وعَبْدُ العَزِيْزِ: قَدَرُ القَفِيْزِ ثَلَاثُونَ رَطْلاً، فَأمَّا قَدْرُ الجَرِيْبِ: فَهُوَ عَشْرُ قَصَبَاتٍ في عَشْرِ قَصَبَاتٍ، والقَصَبَةُ: سِتَّةُ أَذْرُعٍ، والذِّرَاعُ: مُخْتَلَفٌ فِيْهِ إلاَّ أَنَّ الَّذِي يُمْسحُ بِهِ أَرْضُ الخَرَاجِ العُمَرِيَّةِ وَهُوَ ذِرَاعُ عُمَرَ ﵁، وَهُوَ ذِرَاعُ وَسَطٍ لَا أَطْوَلُ ذِرَاعٍ ولَا أَقْصَرُهَا وقَبْضَتُهُ وإِبْهَامُهُ قَائِمَةٌ، وَقِيْلَ: الذِّرَاعُ الهَاشِمِيُّ (٦)، وَهُوَ أَطْوَلُ مِنَ الذِّرَاعِ السَّوَادِيِّ، وَهُوَ ذِرَاعُ اليَدِ بِإِصْبِعَيْنِ وثُلُثَي إِصْبِعٍ، والقَفِيْزُ: عُشْرُ الجَرِيْبِ وَهُوَ عَشْرُ قَصَبَاتٍ في قَصَبَةٍ، والعَشْرُ عُشْرُ القَفِيْزِ وَهُوَ قَصَبَةٌ في قَصَبَةٍ وما بَيْنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ مِنْ بَيَاضِ الأَرْضِ تبعاً لها. ويَجِبُ الخراج في الغَامِر، وَهُوَ كُلُّ مَا يَنَالُهُ المَاءُ سَوَاءٌ زَرَعَ أو لَمْ يَزْرَعْ، وهَلْ يَجِبُ في الغَامِرِ وَهُوَ ما لَا يَنَالُهُ المَاءُ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ، والأُخْرَى: لَا يَجِبُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنَالُهُ

стр. 211

المَاءُ ولَا يُمْكِنُهُ زَرْعُهُ حَتَّى يُرَاحَ عَاماً ويُزْرَعَ عَاماً أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ خَرَاجِهَا في كُلِّ عَامٍ، وإِذَا أَوْجرَتِ الأَرْضُ الخَرَاجَ، فَخَرَاجُهَا عَلَى المَالِكِ والعُشْرُ عَلَى المُسْتَأْجِرِ في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: يَجِبُ الخَرَاجُ والعُشْرُ عَلَى المُسْتَأْجِرِ أَوْمَأَ إِلَيْهِ في رِوَايَةِ أبي الصَّقْرِ ومُحَمَّدِ بنِ أبي حَرْبٍ، واخْتَارَهُ أبو حَفْصٍ العُكْبُرِيُّ. والخَرَاجُ كَالدَّيْنِ يُحْبَسُ بِهِ إِنْ كَانَ مُوْسِراً، ويُنْظَرُ بِهِ إِذَا كَانَ مُعْسِراً. وإِذَا عَجَزَ رَبُّ الأَرْضِ عَنْ عِمَارَةِ أَرْضِ الخَرَاجِ أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا أو رَفَعَ يَدَهُ عَنْهَا وَدَفَعَهَا إلى مَنْ يَعْمُرُهَا، ومَنْ ظُلِمَ في خَرَاجِهَا لَمْ يَحْتَسِبْهُ مِنَ العُشْرِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: يُحْتَسَبُ مِنَ العُشْرِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ. ومَصْرَفُ الخَرَاجِ مَصْرَفُ الفَيءِ، فَإِنْ رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ في تَرْكِ خُرَاجِ إِنْسَانٍ لَهُ جَازَ، ويَجُوزُ للإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ الأَرَاضِيَ والمَعَادِنَ والدُّوْرَ، نَصَّ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ للرَّجُلِ أَنْ يَرْشُوَ العَامِلَ ويَهْدِيَ لَهُ؛ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ فِي الخَرَاجِ ولَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِيَدَعَ له مِنْ خَرَاجِهِ شَيْئاً، ويَجُوزُ العَمَلُ مَعَ السُّلْطَانِ وَقَبُولُ جَوَائِزِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ المِرْوَذيِّ فَقَالَ: جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصَّدَقَةِ. بَابُ قِسْمَةِ الفَيءِ الفَيءُ (١): كُلُّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ المُشْرِكِيْنَ بِغَيْرِ قِتَالٍ كَالجِزْيَةِ والخَرَاجِ والعشُوْرِ، إِذَا دَخَلُوا إِلَيْنَا تُجَّاراً، والأَمْوَالُ الَّتِي صُوْلِحُوا عَلَيْهَا تَرَكُوْهَا فَزَعاً مِنَ المُسْلِمِيْنَ وَهَرَبُوا أَو مَاتُوا عَنْهَا، ولَا وَارِثَ لَهُمْ، وما أَشْبَهَ ذَلِكَ. وحًكْمُهُ: أَنْ يُصْرَفَ في مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ ولَا يُخَمَّسُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀ (٢) - وَقَالَ الخِرَقِيُّ (٣): يُخَمَّسُ، ويُصْرَفُ خُمْسُهُ إلى أَهْلِ الخُمْسِ (٤)، وأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ في المَصَالِحِ، وعَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ يُبْدَأُ بالأَهَمِ فالأَهَمِ عَلَى مَا بَيَّنَا في خُمْسِ الخُمْسِ، وللإِمَامِ أَنْ يُفَضِّلَ في قِسْمَةِ الفَيءِ قَوْماً عَلَى قَوْمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (٥) في رِوَايَةِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ وإِسمَاعِيْلَ بنِ سَعِيْدٍ، وَقَالَ أَبو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ: اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَنْ لَا يُفَضِّلُوا بَلْ

стр. 212

يُسَاوُوا بَيْنَ الكُلِّ، وَقَدِ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ في رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بنِ سَعِيْدٍ لَمَّا قِيْلَ لَهُ: يُعْطَى بالسَّوِيَّةِ؟ قَالَ: كيف نُعْطِهِمْ دَانِقٌ وقِيرَاطٌ، ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُبْدَأَ بالمُهَاجِرِيْنَ، ويُقَدِّمُ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَإِنِ اسْتَوَوا في القُرْبِ قُدِّمَ مَنْ يُنْسَبُ إلى أَصْهَارِ (١) رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ بالأَنْصَارِ، ثُمَّ بِسَائِرِ النَّاسِ، ويُعْطَوْنَ في السَّنَةِ مَرَّةً، فَإِنْ مَاتَ مِنْهُمْ بَعْدَ طُوْلِ وَقْتِ العَطَاءِ دُفِعَ حَقُّهُ إلى ورَثَتِهِ، ومَنْ مَاتَ مِنْ أَجْنَادِ المُسْلِمِيْنَ دُفِعَ إلى زَوْجَتِهِ وأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ قَدَرَ كِفَايَتِهِمْ، فَإِذَا بَلَغُوا ذُكُوْرَ أَوْلَادِهِ واخْتَارُوا أَنْ يَكُوْنُوا مِنَ المُقَاتَلَةِ فُرِضَ لَهُمْ، وإنْ لَمْ يَخْتَارُوا تُرِكُوا. ومَنْ خَرَجَ عَن المُقَاتَلَةِ سَقَطَ حَقُّهُ. بَابُ عَقْدِ الهُدْنَةِ إِذَا رَأَى الإِمَامُ أو نَائِبُهُ المَصْلَحَةَ في عَقْدِ الهُدْنَةِ جَازَ لَهُ عَقْدُهَا؛ وذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُوْنَ بِهِ ضَعْفٌ أو يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ في غَزْوِهِمْ لِبُعْدِهِمْ أو خَشِيَّةً مِنْ ضَيَاعِ أُمُورِ الرَّعِيَّةِ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀ في رِوَايَةِ أَحْمَدَ بنِ سَعِيْدٍ، وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ يَجُوْزُ المُوَادَعَةُ اليَوْمَ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ عِنْدَ الحَاجَةِ: فَاشْتَرَطَ (في الجَوَازِ) (٢) الحَاجَةَ، وَقَالَ شَيْخُنَا: تَجُوزُ المُهَادَنَةُ، وإِنْ كَانَ قَوِيّاً مُسْتَظْهَراً، وتَجُوزُ مُهَادَنَةُ أَهْلِ الحَرْبِ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِيْنَ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ في رِوَايَةِ حَرْبٍ، ورُوِيَ عَنْهُ: أنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِيْنَ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ (٣)، فَعَلَى هَذِهِ: إِنْ عَقَدَ الهُدْنَةَ عَلَى مَا زَادَ عَلَى عَشْرِ سِنِيْنَ بَطَلَ في الزِّيَادَةِ، وهَلْ تَبْطُلُ في العَشْرَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيْقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ هَادَنَهُمْ مُطْلَقاً بَطَلَتِ الهُدْنَةُ، وإِنْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الهُدْنَةِ شُرُوطاً فَاسِدَةً مِثْلُ: أَنْ يَشْتَرِطَ نَقْضهَا مَتَى شَاءَ، أَو أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءهُ مِنَ النِّسَاءِ مُسْلِمَةً، أو يَرُدَّ مَهْرَهَا، أو يَرُدَّ سِلَاحَهُمْ، أَو يُدْخِلَهُمُ الحَرَمَ، فالشَّرْطُ باطِلٌ. وهَلْ يَبْطُلُ عَقْدَ الهُدْنَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ في البَيْعِ، وكَذَلِكَ الحُكْمُ إِذَا شَرطَ في عَقْدِ الذِّمَّةِ شَرْطاً فَاسِداً نَحْوُ: أَنْ يَشْتَرِطَ لَهُمْ أَنْ لَا تَجْرِيَ أَحْكَامُنَا عَلَيْهِمْ ومَا أَشْبَهَهُ، فَإِنْ شَرَطَ أن يَرُدَّ مَنْ جَاءهُ مِنَ الرِّجَالِ مُسْلِماً لَزِمَهُ الوَفَاءُ بِذَلِكَ، بِمَعْنَى أنَّهُ لَا يَمْنَعَهُمْ مِنْ أَخْذِهِ، ولَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى المُضِيِّ، ولَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ سِرّاً بَأَنْ يفَرَ مِنْهُمْ أو يُقَاتِلَهُمْ، ولَا يَرْجِعُ مَعَهُمْ، فَإِنْ جَاءَنَا صَبِيٌّ يَعْقِلُ الإِسْلَامَ لَمْ نَرُدَّهُ إِلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الإِمَامُ للرَّسُولِ والمُسْتَأْمِنِ وَكَمْ يَجُوزُ أنْ يُقِيْمَ في دَارِنَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا: يُقِيْمُ مُدَّةَ الهُدْنَةِ، وعِنْدِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيْمَ سَنَةً فَصَاعِداً إلاَّ

стр. 213

بِجِزْيَةٍ. وإِذَا عَقَدَ الهُدْنَةَ فَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ دُوْنَ أَهْلِ الحَرْبِ، فَإِنْ خَافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهُمْ جَازَ أَنْ يَنْبُذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ (١)، وإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنْ كَانَ تَاجِراً مَعْرُوْفاً بِذَلِكَ ومَعَهُ مَتَاعُهُ يَبِيْعُهُ فِي دَارِ الإِسْلَامِ، وقَدْ جَرَتِ العَادَةُ بِدُخُولِ تُجَّارِهِمْ إِلَيْنَا وتُجَّارِنَا إِلَيْهِمْ عَنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ لَمْ يَجُزِ التَّعَرُّضُ لَهُ وإِنْ كَانَ جَاسُوْساً فَالإِمَامُ فِيْهِ بالخِيَارِ كالأَسِيْرِ (٢)، وإِنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَرِيْقَ أو حَمَلَتْهُ الرِّيْحُ فِي المَرْكَبِ إِلَيْنَا فَأَخَذَهُ المُسْلِمُونَ، فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: يَكُوْنُ فَيْئاً لِلْمُسْلِمِيْنَ. بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَخْذِ الجِزْيَةِ لَا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ إِلاَّ لأَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى ومَنْ وَافَقَهُمْ في أَصْلِ دِيْنِهِمْ كَالسَّامِرَةِ تُوَافِقُ اليَهُودَ والصَّابِئِيْنَ (٣) الَّذِيْنَ يُوافِقُونَ النَّصَارَى، ومَنْ دَخَلَ في دِيْنِهِمْ قَبْلَ تَبْدِيْلِ كِتَابِهِمْ أو أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَعْلَمْ مَتى دَخَلَ، ومَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ وهُمُ المَجُوسُ، فَأَمَّا مَنْ تَهَوَّدَ أو تَنَصَّرَ بَعْدَ بَعْثِ نَبِيْنَا ﷺ ، أو قَبْلَ بَعْثِهِ وبَعْدَ التَّبْدِيْلِ فَلَا تُعْقَدْ لَهُ ذِمَّةٌ، وَقَالَ شَيْخُنَا: يُعْقَدُ لَهُمْ، وأمَّا أَهْلُ صُحُفِ إِبْرَاهِيْمَ وزَبُورُ دَاوُدَ ومَنْ تَمَسَّكَ بِدِيْنِ شِيْت، فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الجِزْيَةُ (٤)، ومَنْ وُلِدَ بَيْنَ أبوين أَحَدهمَا مِمَّنْ يُقْبَلُ مِنْهُ الجِزْيَةُ والآخَرُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الجِزْيَةُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ (٥)، أَحَدُهُمَا: تُعْقَدُ لَهُ الذِّمَّةُ، والآخَرُ: لَا تُعْقَدُ لَهُ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الحَسَنُ بنُ ثَوَّابٍ (٦): أَنَّ الجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ جَمِيْعِ الكُفَّارِ إلاَّ عَبَدَةَ الأَوْثَانِ مِنَ العَرَبِ (٧)، فأَمَّا نَصَارَى بَنِي تَغْلُبَ (٨) فَيُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ومَوَاشيِهِمْ وثِمَارِهِمْ

стр. 214

ضِعْفَي مَا يُؤْخَذُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ مِنَ الزَّكَاةِ ويَكُوْنُ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ الزَّكَاةِ لَا حُكْمَ الجِزْيَةِ ذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ (١)، ونَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀، فَعَلَى هَذَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ نِسَائِهِمْ وصِبْيَانِهِمْ ومَجَانِيْنِهِمْ ورُهْبَانِهِمْ وزمنَاهِمْ (٢)، وسَوَاءٌ إِنْ كَانَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِقْدَارَ جِزْيَةٍ أَو أَقَلَّ، ومَنْ لَا مَالَ لَهُ ولَا شَيءَ عَلَيْهِ، ويَكُوْنُ مَصْرَفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إلى أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ شَيْخُنَا: مَصْرَفُهُ مَصْرَفُ الفَيءِ. وكَذَلِكَ الحُكْمُ فِيْمَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخَ وبَهَرَا، أَوْ مَنْ تَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ وحِمْيَرَ، أو تَمَجَّسَ مِنْ تَمِيْمٍ، وهَلْ يُؤْكَلُ مِنْ ذَبَائِحِ مَنْ تَهَوَّدَ أو تَنَصَّرَ، وتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وتُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ أمْ لَا (٣)؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٤). ومَنْ بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا بالعَقْدِ الأَوَّلِ ولَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ لَهُ وتُعْتَبَرُ جِزْيَتُهُ بحَالِهِ لَا يُجْزِيْهِ أبِيْهِ، ولَا يَصِحُّ عَقْدُ الذِمَةِ، إِلاَّ مِنَ الإِمَامِ، أو نَائِبِهِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، ومِنْ شَرْطِ صِحَّةِ عَقْدِهَا بَذلُ الجِزْيَةِ والتِزَامُ أَحْكَامِ المِلَّةِ، ويَجِبُ أَنْ يُقَسِّمَهَا الإِمَامُ عَلَى الطَّبَقَاتِ فَيَجْعَلُ عَلَى الفَقِيْرِ المُعْتَملِ اثْنَي عَشَرَ دِرْهَماً قِيْمَتُهَا دِيْنَارٌ، وعَلَى المُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَماً، وعَلَى الغَنِيِّ ثَمَانِيَةٌ وأَرْبَعُونَ دِرْهَماً (٥)، وحَدُّ الغَنِيِّ في حَقِّهِمْ مَا عَدُّوهُ النَّاسُ غِنًى في العَادَةِ. وَقِيْلَ: مَنْ مَلَكَ مِئَةَ أَلْفِ درهمٍ فَهُوَ غني، ومن ملك دون مئة ألف إلى العَشْرَةِ آلَافِ فَهُوَ مُتَوَسِّطٌ، ومَنْ مَلَكَ عَشْرَةَ آلَافٍ فَمَا دُوْنَ فَهُوَ فَقِيْرٌ، وَقِيْلَ: مَنْ مَلَكَ نِصَاباً مِنَ الذَّهَبِ أَو الفِضَّةِ فَهُوَ غَنِيٌّ، والأَوَّلُ أَصَحُّ. وهَلْ يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ ويُنْقَصُ؟ فِيْهِ رِوَايَاتٌ (٦): إحْدَاها: للإِمَامِ الزِّيَادَةُ والنُّقْصَانُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ المَصْلَحَةِ (٧). والثَّانِية (٨): لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيْهَا ولَا النُّقْصَانُ.

стр. 215

والثَّالِثَةُ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ ولَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ، فَإِذَا قُلْنَا: لَا يُزِيْدُ الإِمَامُ ولَا يُنْقِصُ، فَمَتَى بَدَّلُوا المِقْدَارَ المَذْكُورَ لَزِمَهُ قَبُولُهُ وحَرَّمَ قِتَالَهُمْ، وإِذَا قُلْنَا لَهُ: الزِّيَادَةُ فَلَا يحَرُمُ قِتالُهُمْ، ويَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ مَعَ الجِزْيَةِ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، ويُبَيِّنُ أَيَّامَ الضِّيَافَةِ ومِقْدَارَ الطَّعَامِ والإِدَامِ والعَلَفِ للدَّوَابِّ، وعَدَدَ مَنْ يُضَافُ مِنَ الرِّجَالَةِ والفُرْسَانِ، ويُقَسِّمُ ذَلِكَ عَلَى مِقْدَارِ خَزْنِهِمْ، وأَقَلُّ الضِّيَافَةِ يَوْماً ولَيْلَةً، ولَا تَجِبُ ذَلِكَ إلاَّ بالشَّرْطِ، ومِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يجب ذَلِكَ لِغَيْرِ شَرْطٍ كَمَا يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِيْنَ (١). وتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ في آخِرِ الحَوْلِ، فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، وأَفَاقَ المَجْنُونُ في أَثْنَاءِ الحَوْلِ أُخِذَ مِنْهُ في آخِرِ الحَوْلِ بِقَدَرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُتْرَكْ حَتَّى يُتِمَّ حَوْلَهُ، ومَنْ كَانَ يُجَنُّ يَوْماً ويَفِيْقُ يَوْماً فَإِنَّهُ يُلْفِقُ (٢) أَيَّامَ فَاقَتِهِ، فَإِذَا بَلَغَتْ حَوْلاً أُخِذَتْ مِنْهُ الجِزْيَةُ، ويُحْتَمَلُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ في آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ نِصْفَ جِزْيَتِهِ كَالمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، ولَا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنِ امْرَأَةٍ ولَا صَبِيٍّ ولَا زَمِنٍ (٣)، فَأَمَّا العَبْدُ فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ مسلماً فَلَا جزية عَلَيْهِ وإن كَانَ سيدهُ ذِمِّيّاً فَعَلَى وَجْهَيْنِ (٤). وَقَالَ: أبُو بَكْرٍ، وشَيْخُنَا: لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ أيْضَاً، وَظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ: عَلَيْهِ الجِزْيَةُ (٥). وأَمَّا الفَقِيْرُ الَّذِي لَا حِرْفَةَ لَهُ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ في المَنْصُوصِ عَنْهُ (٦)، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُلْزِمَهُ الجِزْيَةَ يُطَالَبُ بِهَا إِذَا أَيسَرَ؛ لأنَّهُ مِنْ أَهْلِ القِتَالَ، وإِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ حُلُوْلِ الحَوْلِ سَقَطَتِ الجِزْيَةُ عَنْهُ (٧)، وإِنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُوْلِ الحَوْلِ أُخِذَتْ الجِزْيَةُ مِنْ مَالِهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ والخِرَقِيِّ وابْنِ حَامِدٍ. وَقَالَ شَيْخُنَا: تَسْقُطُ عَنْهُ الجِزْيَةُ. وإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِيْنَ اسْتُوْفِيَتْ مِنْهُ، وَلَمْ تَتَدَاخَلْ ويُمْتَهَنُوا عِنْدَ أَخْذِ الجِزْيَةِ ويُطَالُ عَلَيْهِمْ قِيَامُهُمْ وتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ عِنْدَ أَخْذِهَا (٨)، وإِذَا مَاتَ الإِمَامُ أَو عُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ فَإِنْ عَرَفَ مَبْلَغَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجِزْيَةِ والضِّيَافَةِ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ (٩)، وإنْ لَمْ يَثْبُتْ
следующие страницы →