← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 26094

الهداية على مذهب الإمام أحمد

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (636 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المَاءُ ولَا يُمْكِنُهُ زَرْعُهُ حَتَّى يُرَاحَ عَاماً ويُزْرَعَ عَاماً أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ خَرَاجِهَا في كُلِّ عَامٍ، وإِذَا أَوْجرَتِ الأَرْضُ الخَرَاجَ، فَخَرَاجُهَا عَلَى المَالِكِ والعُشْرُ عَلَى المُسْتَأْجِرِ في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: يَجِبُ الخَرَاجُ والعُشْرُ عَلَى المُسْتَأْجِرِ أَوْمَأَ إِلَيْهِ في رِوَايَةِ أبي الصَّقْرِ ومُحَمَّدِ بنِ أبي حَرْبٍ، واخْتَارَهُ أبو حَفْصٍ العُكْبُرِيُّ. والخَرَاجُ كَالدَّيْنِ يُحْبَسُ بِهِ إِنْ كَانَ مُوْسِراً، ويُنْظَرُ بِهِ إِذَا كَانَ مُعْسِراً. وإِذَا عَجَزَ رَبُّ الأَرْضِ عَنْ عِمَارَةِ أَرْضِ الخَرَاجِ أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا أو رَفَعَ يَدَهُ عَنْهَا وَدَفَعَهَا إلى مَنْ يَعْمُرُهَا، ومَنْ ظُلِمَ في خَرَاجِهَا لَمْ يَحْتَسِبْهُ مِنَ العُشْرِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: يُحْتَسَبُ مِنَ العُشْرِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ. ومَصْرَفُ الخَرَاجِ مَصْرَفُ الفَيءِ، فَإِنْ رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ في تَرْكِ خُرَاجِ إِنْسَانٍ لَهُ جَازَ، ويَجُوزُ للإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ الأَرَاضِيَ والمَعَادِنَ والدُّوْرَ، نَصَّ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ للرَّجُلِ أَنْ يَرْشُوَ العَامِلَ ويَهْدِيَ لَهُ؛ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ فِي الخَرَاجِ ولَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِيَدَعَ له مِنْ خَرَاجِهِ شَيْئاً، ويَجُوزُ العَمَلُ مَعَ السُّلْطَانِ وَقَبُولُ جَوَائِزِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ المِرْوَذيِّ فَقَالَ: جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصَّدَقَةِ. بَابُ قِسْمَةِ الفَيءِ الفَيءُ (١): كُلُّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ المُشْرِكِيْنَ بِغَيْرِ قِتَالٍ كَالجِزْيَةِ والخَرَاجِ والعشُوْرِ، إِذَا دَخَلُوا إِلَيْنَا تُجَّاراً، والأَمْوَالُ الَّتِي صُوْلِحُوا عَلَيْهَا تَرَكُوْهَا فَزَعاً مِنَ المُسْلِمِيْنَ وَهَرَبُوا أَو مَاتُوا عَنْهَا، ولَا وَارِثَ لَهُمْ، وما أَشْبَهَ ذَلِكَ. وحًكْمُهُ: أَنْ يُصْرَفَ في مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ ولَا يُخَمَّسُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀ (٢) - وَقَالَ الخِرَقِيُّ (٣): يُخَمَّسُ، ويُصْرَفُ خُمْسُهُ إلى أَهْلِ الخُمْسِ (٤)، وأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ في المَصَالِحِ، وعَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ يُبْدَأُ بالأَهَمِ فالأَهَمِ عَلَى مَا بَيَّنَا في خُمْسِ الخُمْسِ، وللإِمَامِ أَنْ يُفَضِّلَ في قِسْمَةِ الفَيءِ قَوْماً عَلَى قَوْمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (٥) في رِوَايَةِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ وإِسمَاعِيْلَ بنِ سَعِيْدٍ، وَقَالَ أَبو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيْزِ: اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَنْ لَا يُفَضِّلُوا بَلْ

стр. 212

يُسَاوُوا بَيْنَ الكُلِّ، وَقَدِ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ في رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بنِ سَعِيْدٍ لَمَّا قِيْلَ لَهُ: يُعْطَى بالسَّوِيَّةِ؟ قَالَ: كيف نُعْطِهِمْ دَانِقٌ وقِيرَاطٌ، ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُبْدَأَ بالمُهَاجِرِيْنَ، ويُقَدِّمُ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَإِنِ اسْتَوَوا في القُرْبِ قُدِّمَ مَنْ يُنْسَبُ إلى أَصْهَارِ (١) رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ بالأَنْصَارِ، ثُمَّ بِسَائِرِ النَّاسِ، ويُعْطَوْنَ في السَّنَةِ مَرَّةً، فَإِنْ مَاتَ مِنْهُمْ بَعْدَ طُوْلِ وَقْتِ العَطَاءِ دُفِعَ حَقُّهُ إلى ورَثَتِهِ، ومَنْ مَاتَ مِنْ أَجْنَادِ المُسْلِمِيْنَ دُفِعَ إلى زَوْجَتِهِ وأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ قَدَرَ كِفَايَتِهِمْ، فَإِذَا بَلَغُوا ذُكُوْرَ أَوْلَادِهِ واخْتَارُوا أَنْ يَكُوْنُوا مِنَ المُقَاتَلَةِ فُرِضَ لَهُمْ، وإنْ لَمْ يَخْتَارُوا تُرِكُوا. ومَنْ خَرَجَ عَن المُقَاتَلَةِ سَقَطَ حَقُّهُ. بَابُ عَقْدِ الهُدْنَةِ إِذَا رَأَى الإِمَامُ أو نَائِبُهُ المَصْلَحَةَ في عَقْدِ الهُدْنَةِ جَازَ لَهُ عَقْدُهَا؛ وذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُوْنَ بِهِ ضَعْفٌ أو يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ في غَزْوِهِمْ لِبُعْدِهِمْ أو خَشِيَّةً مِنْ ضَيَاعِ أُمُورِ الرَّعِيَّةِ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀ في رِوَايَةِ أَحْمَدَ بنِ سَعِيْدٍ، وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ يَجُوْزُ المُوَادَعَةُ اليَوْمَ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ عِنْدَ الحَاجَةِ: فَاشْتَرَطَ (في الجَوَازِ) (٢) الحَاجَةَ، وَقَالَ شَيْخُنَا: تَجُوزُ المُهَادَنَةُ، وإِنْ كَانَ قَوِيّاً مُسْتَظْهَراً، وتَجُوزُ مُهَادَنَةُ أَهْلِ الحَرْبِ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِيْنَ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ في رِوَايَةِ حَرْبٍ، ورُوِيَ عَنْهُ: أنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِيْنَ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ (٣)، فَعَلَى هَذِهِ: إِنْ عَقَدَ الهُدْنَةَ عَلَى مَا زَادَ عَلَى عَشْرِ سِنِيْنَ بَطَلَ في الزِّيَادَةِ، وهَلْ تَبْطُلُ في العَشْرَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيْقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ هَادَنَهُمْ مُطْلَقاً بَطَلَتِ الهُدْنَةُ، وإِنْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الهُدْنَةِ شُرُوطاً فَاسِدَةً مِثْلُ: أَنْ يَشْتَرِطَ نَقْضهَا مَتَى شَاءَ، أَو أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءهُ مِنَ النِّسَاءِ مُسْلِمَةً، أو يَرُدَّ مَهْرَهَا، أو يَرُدَّ سِلَاحَهُمْ، أَو يُدْخِلَهُمُ الحَرَمَ، فالشَّرْطُ باطِلٌ. وهَلْ يَبْطُلُ عَقْدَ الهُدْنَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ في البَيْعِ، وكَذَلِكَ الحُكْمُ إِذَا شَرطَ في عَقْدِ الذِّمَّةِ شَرْطاً فَاسِداً نَحْوُ: أَنْ يَشْتَرِطَ لَهُمْ أَنْ لَا تَجْرِيَ أَحْكَامُنَا عَلَيْهِمْ ومَا أَشْبَهَهُ، فَإِنْ شَرَطَ أن يَرُدَّ مَنْ جَاءهُ مِنَ الرِّجَالِ مُسْلِماً لَزِمَهُ الوَفَاءُ بِذَلِكَ، بِمَعْنَى أنَّهُ لَا يَمْنَعَهُمْ مِنْ أَخْذِهِ، ولَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى المُضِيِّ، ولَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ سِرّاً بَأَنْ يفَرَ مِنْهُمْ أو يُقَاتِلَهُمْ، ولَا يَرْجِعُ مَعَهُمْ، فَإِنْ جَاءَنَا صَبِيٌّ يَعْقِلُ الإِسْلَامَ لَمْ نَرُدَّهُ إِلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الإِمَامُ للرَّسُولِ والمُسْتَأْمِنِ وَكَمْ يَجُوزُ أنْ يُقِيْمَ في دَارِنَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا: يُقِيْمُ مُدَّةَ الهُدْنَةِ، وعِنْدِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيْمَ سَنَةً فَصَاعِداً إلاَّ

стр. 213

بِجِزْيَةٍ. وإِذَا عَقَدَ الهُدْنَةَ فَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ دُوْنَ أَهْلِ الحَرْبِ، فَإِنْ خَافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهُمْ جَازَ أَنْ يَنْبُذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ (١)، وإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنْ كَانَ تَاجِراً مَعْرُوْفاً بِذَلِكَ ومَعَهُ مَتَاعُهُ يَبِيْعُهُ فِي دَارِ الإِسْلَامِ، وقَدْ جَرَتِ العَادَةُ بِدُخُولِ تُجَّارِهِمْ إِلَيْنَا وتُجَّارِنَا إِلَيْهِمْ عَنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ لَمْ يَجُزِ التَّعَرُّضُ لَهُ وإِنْ كَانَ جَاسُوْساً فَالإِمَامُ فِيْهِ بالخِيَارِ كالأَسِيْرِ (٢)، وإِنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَرِيْقَ أو حَمَلَتْهُ الرِّيْحُ فِي المَرْكَبِ إِلَيْنَا فَأَخَذَهُ المُسْلِمُونَ، فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: يَكُوْنُ فَيْئاً لِلْمُسْلِمِيْنَ. بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَخْذِ الجِزْيَةِ لَا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ إِلاَّ لأَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى ومَنْ وَافَقَهُمْ في أَصْلِ دِيْنِهِمْ كَالسَّامِرَةِ تُوَافِقُ اليَهُودَ والصَّابِئِيْنَ (٣) الَّذِيْنَ يُوافِقُونَ النَّصَارَى، ومَنْ دَخَلَ في دِيْنِهِمْ قَبْلَ تَبْدِيْلِ كِتَابِهِمْ أو أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَعْلَمْ مَتى دَخَلَ، ومَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ وهُمُ المَجُوسُ، فَأَمَّا مَنْ تَهَوَّدَ أو تَنَصَّرَ بَعْدَ بَعْثِ نَبِيْنَا ﷺ ، أو قَبْلَ بَعْثِهِ وبَعْدَ التَّبْدِيْلِ فَلَا تُعْقَدْ لَهُ ذِمَّةٌ، وَقَالَ شَيْخُنَا: يُعْقَدُ لَهُمْ، وأمَّا أَهْلُ صُحُفِ إِبْرَاهِيْمَ وزَبُورُ دَاوُدَ ومَنْ تَمَسَّكَ بِدِيْنِ شِيْت، فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الجِزْيَةُ (٤)، ومَنْ وُلِدَ بَيْنَ أبوين أَحَدهمَا مِمَّنْ يُقْبَلُ مِنْهُ الجِزْيَةُ والآخَرُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الجِزْيَةُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ (٥)، أَحَدُهُمَا: تُعْقَدُ لَهُ الذِّمَّةُ، والآخَرُ: لَا تُعْقَدُ لَهُ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الحَسَنُ بنُ ثَوَّابٍ (٦): أَنَّ الجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ جَمِيْعِ الكُفَّارِ إلاَّ عَبَدَةَ الأَوْثَانِ مِنَ العَرَبِ (٧)، فأَمَّا نَصَارَى بَنِي تَغْلُبَ (٨) فَيُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ومَوَاشيِهِمْ وثِمَارِهِمْ

стр. 214

ضِعْفَي مَا يُؤْخَذُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ مِنَ الزَّكَاةِ ويَكُوْنُ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ الزَّكَاةِ لَا حُكْمَ الجِزْيَةِ ذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ (١)، ونَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀، فَعَلَى هَذَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ نِسَائِهِمْ وصِبْيَانِهِمْ ومَجَانِيْنِهِمْ ورُهْبَانِهِمْ وزمنَاهِمْ (٢)، وسَوَاءٌ إِنْ كَانَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِقْدَارَ جِزْيَةٍ أَو أَقَلَّ، ومَنْ لَا مَالَ لَهُ ولَا شَيءَ عَلَيْهِ، ويَكُوْنُ مَصْرَفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إلى أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ شَيْخُنَا: مَصْرَفُهُ مَصْرَفُ الفَيءِ. وكَذَلِكَ الحُكْمُ فِيْمَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخَ وبَهَرَا، أَوْ مَنْ تَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ وحِمْيَرَ، أو تَمَجَّسَ مِنْ تَمِيْمٍ، وهَلْ يُؤْكَلُ مِنْ ذَبَائِحِ مَنْ تَهَوَّدَ أو تَنَصَّرَ، وتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وتُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ أمْ لَا (٣)؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٤). ومَنْ بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا بالعَقْدِ الأَوَّلِ ولَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ لَهُ وتُعْتَبَرُ جِزْيَتُهُ بحَالِهِ لَا يُجْزِيْهِ أبِيْهِ، ولَا يَصِحُّ عَقْدُ الذِمَةِ، إِلاَّ مِنَ الإِمَامِ، أو نَائِبِهِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، ومِنْ شَرْطِ صِحَّةِ عَقْدِهَا بَذلُ الجِزْيَةِ والتِزَامُ أَحْكَامِ المِلَّةِ، ويَجِبُ أَنْ يُقَسِّمَهَا الإِمَامُ عَلَى الطَّبَقَاتِ فَيَجْعَلُ عَلَى الفَقِيْرِ المُعْتَملِ اثْنَي عَشَرَ دِرْهَماً قِيْمَتُهَا دِيْنَارٌ، وعَلَى المُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَماً، وعَلَى الغَنِيِّ ثَمَانِيَةٌ وأَرْبَعُونَ دِرْهَماً (٥)، وحَدُّ الغَنِيِّ في حَقِّهِمْ مَا عَدُّوهُ النَّاسُ غِنًى في العَادَةِ. وَقِيْلَ: مَنْ مَلَكَ مِئَةَ أَلْفِ درهمٍ فَهُوَ غني، ومن ملك دون مئة ألف إلى العَشْرَةِ آلَافِ فَهُوَ مُتَوَسِّطٌ، ومَنْ مَلَكَ عَشْرَةَ آلَافٍ فَمَا دُوْنَ فَهُوَ فَقِيْرٌ، وَقِيْلَ: مَنْ مَلَكَ نِصَاباً مِنَ الذَّهَبِ أَو الفِضَّةِ فَهُوَ غَنِيٌّ، والأَوَّلُ أَصَحُّ. وهَلْ يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ ويُنْقَصُ؟ فِيْهِ رِوَايَاتٌ (٦): إحْدَاها: للإِمَامِ الزِّيَادَةُ والنُّقْصَانُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ المَصْلَحَةِ (٧). والثَّانِية (٨): لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيْهَا ولَا النُّقْصَانُ.

стр. 215

والثَّالِثَةُ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ ولَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ، فَإِذَا قُلْنَا: لَا يُزِيْدُ الإِمَامُ ولَا يُنْقِصُ، فَمَتَى بَدَّلُوا المِقْدَارَ المَذْكُورَ لَزِمَهُ قَبُولُهُ وحَرَّمَ قِتَالَهُمْ، وإِذَا قُلْنَا لَهُ: الزِّيَادَةُ فَلَا يحَرُمُ قِتالُهُمْ، ويَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ مَعَ الجِزْيَةِ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، ويُبَيِّنُ أَيَّامَ الضِّيَافَةِ ومِقْدَارَ الطَّعَامِ والإِدَامِ والعَلَفِ للدَّوَابِّ، وعَدَدَ مَنْ يُضَافُ مِنَ الرِّجَالَةِ والفُرْسَانِ، ويُقَسِّمُ ذَلِكَ عَلَى مِقْدَارِ خَزْنِهِمْ، وأَقَلُّ الضِّيَافَةِ يَوْماً ولَيْلَةً، ولَا تَجِبُ ذَلِكَ إلاَّ بالشَّرْطِ، ومِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يجب ذَلِكَ لِغَيْرِ شَرْطٍ كَمَا يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِيْنَ (١). وتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ في آخِرِ الحَوْلِ، فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، وأَفَاقَ المَجْنُونُ في أَثْنَاءِ الحَوْلِ أُخِذَ مِنْهُ في آخِرِ الحَوْلِ بِقَدَرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُتْرَكْ حَتَّى يُتِمَّ حَوْلَهُ، ومَنْ كَانَ يُجَنُّ يَوْماً ويَفِيْقُ يَوْماً فَإِنَّهُ يُلْفِقُ (٢) أَيَّامَ فَاقَتِهِ، فَإِذَا بَلَغَتْ حَوْلاً أُخِذَتْ مِنْهُ الجِزْيَةُ، ويُحْتَمَلُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ في آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ نِصْفَ جِزْيَتِهِ كَالمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، ولَا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنِ امْرَأَةٍ ولَا صَبِيٍّ ولَا زَمِنٍ (٣)، فَأَمَّا العَبْدُ فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ مسلماً فَلَا جزية عَلَيْهِ وإن كَانَ سيدهُ ذِمِّيّاً فَعَلَى وَجْهَيْنِ (٤). وَقَالَ: أبُو بَكْرٍ، وشَيْخُنَا: لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ أيْضَاً، وَظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ: عَلَيْهِ الجِزْيَةُ (٥). وأَمَّا الفَقِيْرُ الَّذِي لَا حِرْفَةَ لَهُ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ في المَنْصُوصِ عَنْهُ (٦)، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُلْزِمَهُ الجِزْيَةَ يُطَالَبُ بِهَا إِذَا أَيسَرَ؛ لأنَّهُ مِنْ أَهْلِ القِتَالَ، وإِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ حُلُوْلِ الحَوْلِ سَقَطَتِ الجِزْيَةُ عَنْهُ (٧)، وإِنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُوْلِ الحَوْلِ أُخِذَتْ الجِزْيَةُ مِنْ مَالِهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ والخِرَقِيِّ وابْنِ حَامِدٍ. وَقَالَ شَيْخُنَا: تَسْقُطُ عَنْهُ الجِزْيَةُ. وإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِيْنَ اسْتُوْفِيَتْ مِنْهُ، وَلَمْ تَتَدَاخَلْ ويُمْتَهَنُوا عِنْدَ أَخْذِ الجِزْيَةِ ويُطَالُ عَلَيْهِمْ قِيَامُهُمْ وتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ عِنْدَ أَخْذِهَا (٨)، وإِذَا مَاتَ الإِمَامُ أَو عُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ فَإِنْ عَرَفَ مَبْلَغَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجِزْيَةِ والضِّيَافَةِ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ (٩)، وإنْ لَمْ يَثْبُتْ

стр. 216

عِنْدَهُ ذَلِكَ رَجَعَ إلى قَوْلِهِمْ فِيْمَا يُسَوَّغُ أَنْ يَكُوْنَ جِزْيَةً، فَإِنْ بَانَ لَهُ أنَّهُمْ يَقْضُون مِنَ المَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وعِنْدِي أنَّهُ يَسْتَأْنِفُ عَقْدَ الذِّمَّةِ مَعَهُمْ عَلَى مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وإِذَا عَقَدَ الإِمَامُ الذِّمَّةَ كَتَبَ أَسْمَاءهُمْ وأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وحِلَاهُمْ وكَتَبَ دِيْنَهُمْ (١) وجَعَلَ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عَرِيفاً يَعْلَمُ مَنْ بَلَغَ فِيْهِمْ ومَنْ إِذَا اسْتَغْنَى، أَو قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، أو أسلَمَ، أَو سَافَرَ، أَو نَقَضَ العَهْدَ، أَو خَرَقَ شَيْئاً مِنْ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ (٢). بَابُ المَأْخُوذِ مِنْ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ يَلْزَمُ الإِمَامَ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِأَحْكَامِ الإِسْلَامِ في ضَمَانِ الأَنْفُسِ والأَمْوَالِ والأَعْرَاضِ، وإِقَامَةِ الحُدُوْدِ فِيْمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيْمَهُ كَالزِّنَا (٣) والسَّرِقَةِ، فَأَمَّا مَا لَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيْمَهُ مِنْ شُرْبِ الخَمْرِ، ونِكَاحِ ذَوَاتِ المَحَارِمِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيْهِ ويُلْزِمَهُمْ أَنْ يَتَمَيَّزُوا في لِبَاسِهِمْ ورَكُوبِهِمْ وشُعُوْرِهِمْ وكُنَاهُمْ عَنِ المُسْلِمِيْنَ، فَالتَّمْيِيْزِ فِي المَلْبُوسِ بالغيَارِ: وَهُوَ ثَوْبٌ يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَ بَقِيَّةِ ثِيَابِهِمْ كَالعَسَلِيِّ والأَدْكَنِ، وإِنْ لَبِسُوا القَلَانِسَ مَيَّزُوْهَا عَنْ قَلَانِسِ المُسْلِمِيْنَ بِشَدِّ خِرْقَةٍ في أَطْرَافِهَا، ويَجْعَلُ غِيَارَ المَرْأَةِ في خُفَّيْهَا فَتَلْبَسُ أَحَدَ الخُفَّيْنِ أَسْوَدَ والآخَرَ أَبْيَضَ أَوْ أَحْمَرَ، ويُؤْمَرُونَ بِشَدِّ الزُّنَّارِ (٤) فَوْقَ ثِيَابِهِمْ، ويجْعَلُ في رِقَابِهِمْ خَوَاتِيْمَ الرَّصَاصِ، أو جُلْجُلَ (٥) يَدْخُلُ مَعَهُمْ الحَمَّامَ ويُمْنَعُونَ مِنْ لُبْسِ الطَّيَالِسَةِ، وَقَالَ شَيْخُنَا في " المجرد " (٦): لَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، ويُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوْبِ الخَيْلِ ورُكُوبِ البِغَالِ والحَمِيْرِ بالسُّرُوجِ، ويُبَاحُ لَهُمْ رُكُوبُهَا عرضاً عَلَى الأَكُفِّ. ولَا يَجُوزُ تَصْدِيْرُهُمْ في المَجَالِسِ، وبِدَايَتُهُمْ بالسَّلَامِ، وإِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمْ قِيْلَ لَهُ: وَعَلَيْكُمْ. ولَا يَجُوزُ تَهْنِئَتُهُمْ ولَا تَعْزِيَتُهُمْ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وفي الرِّوَايَة الأُخْرَى: تَجُوزُ (٧). ويَحذفونَ

стр. 217

مَقَادِمَ رُؤُوسِهِمْ ولَا يُفَرِّقُونَ شُعُوْرَهُمْ، ولَا يَتَكَنُّوا بِكُنَى المُسْلِمِيْنَ: كأَبِي القَاسِمِ وأَبِي مُحَمَّدٍ وأَبِي عَبْدِ اللهِ وأَبِي بَكْرٍ ومَا أَشْبَهَهُ، ويُمْنَعُوْنَ مِنْ تَعْلِيَةِ البُنْيَانِ عَلَى المُسْلِمِيْنَ. فَأَمَّا مُسَاوَاتُهُمْ فَعَلَى وَجْهَيْنِ (١). فَإِنْ ملكوا داراً عالية البنيان من مُسْلِم لَمْ يؤمروا بنقضها ويمنعون من إحداث البيع والكنائس فِي دار الإسلام وَلَا يمنعون من بناء مَا استهدم مِنْهَا فِي إحدى الرِّوَايَتَيْنِ والأخرى يمنعون أَيْضاً فأما رم مَا شعث فَلَا يمنعون رِوَايَة واحدة ويمنعون من إظهار المنكر من الخمر والخنزير وضرب الناقوس والجهر بتلاوة التوراة والإنجيل فإن صولحوا فِي بلدانهم عَلَى أخذ الجزية لَمْ يمنعوا من جَمِيْع مَا ذكرنا ويمنعون من المقام بالحجاز وَهُوَ مَكَّة والمدينة واليمامة وما والاها من قراها فإن أذن لَهُمْ بالدخول فِي التجارة لَمْ يقيموا أَكْثَر من ثلاثة أيام عَلَى مَا شرط عُمَر ﵁ وَقَالَ شَيْخُنَا يقيموا أربعة أيام حد مَا يتم المسافر الصَّلَاة فإن كَانَ لَهُ بالحجاز ديون وَكَّلَ من يقضها وينفذها إِلَيْهِ فَإِنْ مرض لَمْ يخرج حَتَّى يبرأ وإن مات دفن بِهَا وأما الحرم فَلَا يجوز لَهُمْ دخوله بحال وسواء فِي ذَلِكَ المكلف وغير المكلف فَإِنْ كَانَ مَعَهُ رسالةً خَرَجَ من قَبْلَ الإمام من يسمعها مِنْهُ فإن كَانَ لَا بد لَهُ من لقاء الإِمَام خَرَجَ إِلَيْهِ وَلَمْ يأذن لَهُ فَإِنْ دَخَلَ مَعَ علمه يمنعه من ذَلِكَ عُزّر وإن دَخَلَ جاهلاً نهي وهُدّد فَإِنْ مرض فِي الحرم أَوْ مات أخرج وَلَمْ يقِّر فِيْهِ فَإِنْ دفن فِيْهِ نبش وأخرج إلاّ أن يَكُون قَدْ بلى وَلَا يجوز لَهُمْ دخول بقية المساجد فِي إحدى الرِّوَايَتَيْنِ والأخرى يجوز لَهُمْ (٢) دخولها وَلَيْسَ لأهل الحرب دخول دار الإِسْلَامِ إلاّ بإذن الإمام ذكره شَيْخُنَا وَقَالَ أَبُو بَكْر: لَهُمْ دخولها رسلاً وتجاراً وَقَدْ أومأ إِلَيْهِ أَحْمَد ﵀ وإن دخلوا أخذنا مِنْهُمْ عُشر مَا معهم من الأموال وإن قُلْتُ ذكره ابْن حامد وَقَالَ شَيْخُنَا: إن كَانَ المال دُوْنَ عشرة دنانير لَمْ يؤخذ مِنْهُمْ شيء. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحمد ﵁ وَهِيَ (٣) رِوَايَةُ أَبِي الحَارِثِ، فَإِنِ اتَّجَرَ بَعْضُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلى غَيْرِ بَلْدَةٍ ثُمَّ عَادَ أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ العُشْرِ وإِنْ قَلَّ، عَلَى قَوْلِ ابنِ حَامِدٍ، وعَلَى قَوْلِ شَيْخِنَا إِذَا كَانَ عَشرَةُ دَنَانِيْرَ فَصَاعِداً (٤)، ويُؤْخَذُ ذَلِكَ في السَّنَةِ مَرَّةً، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الحَرْبِيِّ كُلَّمَا دَخَلَ إِلَيْنَا (٥)، وعَلَى الإِمَامِ حِفْظُ أَهْلِ الذِّمَّةِ في دَارِنَا، والمَنْعُ مِنْ أَذَاهُمْ، واسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، والمُفَادَاةُ عَنْهُمْ بَعْدَ أَنْ يُفَادِي عَنِ المُسْلِمِيْنَ، وإِذَا

стр. 218

تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا مَعَ مُسْلِمٍ وَجَبَ الحُكْمُ بَيْنَهُمْ، وإِنْ تَحَاكَمُوا بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، أَو اسْتَعدوا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَالحَاكِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِحْضَارِهِمْ والحُكْمُ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ تَرْكِهِمْ، فَإِنْ تَبَايَعُوا بُيُوْعاً فَاسِدَةً أَوْ عَقَدُوا النِّكَاحَ عَلَى خَمْرٍ أو خِنْزِيْرٍ وتَقَابَضُوا ثُمَّ ارتَفَعُوا إِلَيْنَا لَمْ يُنْقَضْ مَا فَعَلُوهُ، وإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوهُ لَمْ يُنْقَضْ عَلَيْهِمْ البَيْعُ، وفُرِضَ في النِّكَاحِ مَهْرُ المِثْلِ، وإِنْ تَحَاكَمُوا إلى حَاكِمٍ لَهُمْ فَأَلْزَمَهُمُ القَبْضَ ثُمَّ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا أَنْ يَمْضِيَ حُكْمُ حَاكِمِهِمْ واحْتَمَلَ أَنْ لَا نَمْضِيْهِ، وإِذَا تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيَّةً بِغَيْرِ شُهُوْدٍ، أَو تَزَوَّجَ في امْرَأَةٍ في عِدَّتِهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا سَوَاءٌ أَسْلَمَا أَوْ أَقَامَا عَلَى دِيْنِهِمَا، وَعِنْدِي: أنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ في العِدَّةِ وأَسْلَمَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وإِذَا مَاتَ أَحَدُ أَبَوَي الطِّفْلِ أَوْ أَسْلَمَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ صَحَّ إِسْلَامُهُ ورِدَّتُهُ وَعَنْهُ أنَّهُ يصح إسلامه وَلَا تصح ردّته وَعَنْهُ أنَّهُ لَا يصح إسلامه وَلَا ردته. وإِذَا تَهَوَّدَ النَّصْرَانِيُّ وتَنَصَّرَ اليَهُودِيُّ لَمْ يُقِرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمَا غَيْرُ الإِسْلَامِ، أَو الدِّيْنُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ (١)، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُتَوَجَّهُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمَا غَيْرُ الإِسْلَامِ (٢)، فَإِنْ أَبى إلاَّ المَقَام عَلَى مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ هُدِّدَ وحُبِسَ، وَقَالَ أبو بَكْرٍ: يُتَوَجَّهُ أَنْ يُقْبَلَ، فَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ لَا كِتَابَ لَهُ إلى دِيْنٍ لَهُ كِتَابٌ فَإِنَّهُ يُقِرُّ عَلَيْهِ عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ (٣)، وَقَالَ أبو بَكْرٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقَرَّ ولَا يُقْبَلَ مِنْهُ غَيْرُ الإِسْلَامِ (٤)، وإِنِ انْتَقَلَ إلى مِثْلِ دِيْنِهِ في عَدَمِ الكِتَابِ لَمْ يُقَرَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وأُمِرَ أَنْ يُسْلِمَ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ. بَابُ مَا يَحْصُلُ بِهِ نَقْضُ العَهْدِ لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُمْ إِذَا امْتَنَعُوا مِنْ أَدَاءِ الجِزْيَةِ والْتِزَامِ أَحْكَامِ المِلَّةِ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، فَأَمَّا إِنْ زَنَا أَحَدُهُمْ بِمُسْلِمَةٍ أَو أَصَابَهَا باسْمِ نِكَاحٍ، أَو آوَى جَاسُوْساً للمُشْرِكِيْنَ، أَو عَاوَنَ عَلَى المُسْلِمِيْنَ بِقِتَالٍ أَو دِلَالَةٍ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، أَو فَتَنَ مُسْلِماً عَنْ دِيْنِهِ، أَو قَتَلَهُ (٥)، أَو قَطَعَ عَلَيْهِ الطَّرِيْقَ، أَو قَذَفَهُ أَو ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى أَو رَسُوْلَهُ أو كِتَابَهُ بالسُّوْءِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ (٦):

стр. 219

إحْدَاهُمَا: يُنْقَضُ العَهْدُ بِذَلِكَ (١)، والأُخْرَى: لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ (٢)، ويُقَامُ فِيْهِ حُدُوْدُ ذَلِكَ، وإِنْ أَظْهَرَ مُنْكَراً أو رَفَعَ صَوْتَهُ بِكِتَابِهِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ، أَو ضَرَبَ نَاقُوساً بَيْنَهُمْ، أَو عَلَا عَلَى بُنْيَانِهِمْ، أَو رَكِبَ الخَيْلَ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِيِّ (٣) إِنْ كَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ في عَقْدِ الذِّمَّةِ تَرْكَ ذَلِكَ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، وَقَالَ شَيْخُنَا: لَا يُنْتَقَضُ العَهْدُ بِذَلِكَ (٤) وإِنْ شَرَطَ، وإِذَا حَكَمْنَا بِنَقْضِ عَهْدِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ﵀ أنَّهُ يُقْتَلُ في الحَالِ (٥)، وَقَالَ شَيْخُنَا: حُكْمُهُ حُكْمُ الأَسِيْرِ الحَرْبِيِّ يُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيْهِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ (٦)، ولَا يُنْتَقَضُ عَهْدُ نِسَائِهِ وأَوْلَادِهِ بِنَقْضِ عَهْدِهِ، وإِذَا قُتِلَ فَمَا لَهُ فَيءٌ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الخِرَقِيِّ (٧)، وعَلَى قَوْلِ أبي بَكْرٍ هُوَ لِوَرَثَتِهِ (٨). كِتَابُ البُيُوْعِ بَابُ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ومَا لَا يَجُوزُ كُلُّ عَيْنٍ طَاهِرَةٍ يُنْتَفَعُ بِهَا فَإِنَّهُ يَجُوْزُ بَيْعُهَا كَالعَقَارِ والمَتَاعِ والحَيَوَانِ، فَأَمَّا الخَمْرُ والمَيْتَةُ والدَمُ والسِّرْجِيْنُ النَّجِسُ وحَشَرَاتُ الأَرْضِ والخِنْزِيْرُ والكَلْبُ وسِبَاعُ البَهَائِمِ الَّتِي لا تَصْلُحُ للاصْطِيَادِ فَلَا يَجُوْزُ بَيْعُهَا، واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في بَيْعِ الفِيْلِ والفَهْدِ والسِّنَّوْرِ والبَازِ والصَّقْرِ، فَعَنْهُ أنَّهُ: يَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِيَ اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ (٩)، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ (١٠)، ويَجُوزُ بَيْعُ البَغْلِ والحِمَارِ سَوَاءٌ قُلْنَا: هُمَا طَاهِرَانِ أو نَجِسَانِ،

стр. 220

ويَجُوْزُ بَيْعُ دُوْدِ القَزِّ وبَزْرِهِ وبَيْعِ النَّحْلِ مَعَ الكُوَّارَاتِ (١) ومُنْفَرِدَةً عَنْهَا، فَأَمَّا الأَدْهَانِ النَّجِسَةِ (٢) فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وفي جَوَازِ الاسْتِصْبَاحِ بِهَا رِوَايَتَانِ، ويُتَخَرَّجُ عَلَى جَوَازِ الاسْتِصْبَاحِ بِهَا جَوَازُ بَيْعِهَا، ولَا يَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الآدَمِيَّاتِ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ (٣)، والآخَرِ: يَجُوْزُ. ولَا يَجُوزُ بَيْعُ أُمِّ الوَلَدِ ويَجُوزُ بَيْعُ المُدَبَّرِ (٤)، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ إلاَّ لأَجْلِ الدَّيْنِ (٥)، وحُكْمُ المُدَبَّرَةِ حُكْمُهُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا (٦) بِحَالٍ، ويَجُوزُ بَيْعُ المُكَاتِبِ (٧) وَيَكُوْنُ عَلَى كِتَابَتِهِ عِنْدَ المُشْتَرِي، وَعَنْهُ: لَا يَجُوْزُ بَيْعُهُ، ويَجُوزُ بَيْعُ المُرْتَدِّ والقَاتِلِ في المُحَارَبَةِ والجَاني سَوَاءٌ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَمْداً أو خَطأً عَلَى النَّفْسِ ومَا دُوْنَهَا، ولَا يَجُوْزُ بَيْعُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كالطَّيْرِ في الهَوَاءِ والسَّمَكِ في المَاءِ (٨) والعَبْدِ الآبِقِ (٩) والجَمَلِ الشَّارِدِ. ولَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا تُجْهَلُ صِفَتُهُ كَالحَمْلِ في البَطْنِ واللَّبَنِ في الضَّرْعِ (١٠) والبَيْضِ في الدَّجَاجِ والمِسْكِ في الفَأْرَةِ (١١) والنَّوَى في التَّمْرِ، ولَا يَجُوزُ بَيْعُ الصُّوْفِ عَلَى الظَّهْرِ (١٢)، وَعَنْهُ يَجُوزُ (١٣) بِشَرْطِ جَزِّهِ في الحَالِ، ولَا يَجُوزُ بَيْعُ الوَقْفِ إِلاَّ أنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: إِذَا خَرِبَ، أو كَانَ فَرَساً فَعَطِبَ جَازَ بَيْعُهُ وصُرِفَ ثَمَنُهُ في مِثْلِهِ، ولَا يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ ولَا إِجَارَةِ بُيُوْتِهَا عَلَى الرِّوَايَةِ التي تَقُولُ: إنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً (١٤) وعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: فُتِحَتْ

стр. 221

صُلْحاً (١) يَجُوزُ ذَلِكَ. فَأَمَّا أَرْضُ السَّوَادِ، وَهِيَ مِنْ حَدِيْثَةِ المَوْصِلِ إلى عَبَّادَانَ طُوْلاً ومِنْ عُذَيْبِ القَادِسِيَّةِ إلى حُلْوَانَ عُرْضاً، فَيَكُوْنُ طُوْلُهُ مِئَةً وسِتِّيْنَ فَرْسَخاً وعرضه ثمانين رسخاً، [وسُمِّيَ سَوَاداً؛ لأَنَّ العَرَبَ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِهَا ولَا تَزْرَعُ بِهَا ولَا شَجَرَ فَيَظْهَرُ لَهُمْ خُضْرَةُ الأَشْجَارِ والزَّرْعِ بالعِرَاقِ] (٢)، وهُمْ يَجْمَعُونَ في الاسْمِ بَيْنَ الخُضْرَةِ والسَّوَادِ فَيُسَمُّونَهُ سَوَاداً، وسَمُّوا العِرَاقَ عِرَاقاً لاسْتِواءِ أَرْضِهِ وخُلُوِّهَا مِنْ جِبَالٍ مُرْتَفِعَةٍ وأَوْدِيَةٍ مُنْخَفِضَةٍ. ومَذْهَبُ أَحْمَدَ ﵀ أنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ يُقَسِّمْهَا عُمَرُ ﵁ بَيْنَ الغَانِمِيْنَ بَلْ وَقَفَهَا عَلَى كَافَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وأَقَرَّهَا في يَدِ أَرْبَابِهَا بالخَرَاجِ الَّذِي ضَرْبهُ يَكُوْنُ أُجْرَةً لَهَا في كُلِّ عَامٍ، وَلَمْ يُقَدِّرْ مُدَّتَهَا؛ لِعُمُومِ المَصْلَحَةِ فِيْهَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا (٣) ولَا شِرَاؤُهَا، وَعَنْهُ: أنَّهُ كَرَّهَ بَيْعَهَا وأَجَازَ شِرَاءَهَا، فَأمَّا إِجَازَتُهَا (٤) فَجَائِزٌ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لأنَّهَا فِي يَدِ أَرْبَابِهَا مُسْتَأْجَرَةً بالخَرَاجِ فَأَجَارة المُسْتَأْجِر جَائِزَةً، ويَجُوزُ بَيْعُ المُصْحَفِ مَعَ الكَرَاهِيَةِ (٥)، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ (٦)، وهَلْ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ وإِبْدَالُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٧). ولَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبَلِ الحبلة - وَهُوَ نِتَاجُ الجَنِيْنِ -، ولَا بَيْعَ المَلَاقِيْحِ - وَهُوَ بَيْعُ مَا فِي بُطُوْنِ الأَنْعَامِ -، ولَا بَيْعَ المَضَامِيْن - وَهُوَ بَيْعُ مَا فِي ظُهُوْرِهَا -، ولَا بَيْعَ كُلِّ مَعْدُومٍ إلاَّ فِي السَّلَمِ والإِجَارَةِ رُخْصَةٌ، ولَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَا عُدَّ كَمِيَاهِ (٨) ونَقْعِ البِئْرِ،

стр. 222

وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي المَعَادِنِ الجَارِيَةِ مِنَ القِيْرِ والنِّفْطِ والمِلْحِ (١)، ومَنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئاً مَلَكَهُ إلاَّ أنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ إلاَّ بِإِذْنِهِ، وَعَنْهُ: أنَّهُ يَجُوزُ لِمَالِكِ الأَرْضِ بَيْعُ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يَمْلِكُهُ بِمِلْكِ الأَرْضِ الَّتِي هُوَ فِيْهَا، وكَذَلِكَ الحُكْمُ في النَّابِتِ في أَرْضِهِ مِنَ الكَلأ (٢) والشَّوْكِ، فَأَمَّا المَعَادِنُ الجَامِدَةُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وسَائِرِ الجَوَاهِرِ فَإِنَّها تُمَلَّكُ بمِلْكَ الأَرْضِ الَّتِي هُوَ فِيْهَا (٣). بَابُ مَا يَصِحُّ مِنَ البُيُوْعِ ومَا لَا يَصِحُّ لَا تَصِحُّ بُيُوعُ الأَعْيَانِ إلاَّ بِرُؤْيَةٍ أو صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَةُ المَبِيْعِ، فأَمَّا إِنْ رَآها وَلَمْ يَعْلَمْ ما هِيَ، أو ذَكَرَ لَهُ بَعْضَ صِفَاتِهَا الَّتِي لَا تَكْفِي في صِحَّةِ السلم لَمْ تَصِحَّ (٤)، وإِذَا وَجَدَهَا عَلَى الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الفَسْخُ، فَإِنْ رَآهَا ثُمَّ عَقَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ لَا يَتَغَيَّرُ العين فِيْهِ جَازَ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لَا يجُوزُ حَتَّى يَرَاهَا حَالَ العَقْدِ، فَإِنْ رَآهَا ثُمَّ عَقَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ ثُمَّ وَجَدَهَا قَدْ تَغَيَّرتْ فَلَهُ الفَسْخُ، كَمَا لَوْ وُصِفَتْ لَهُ فَرَآهَا بِخَلَافِ الصِّفَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا في التَّعْيِيْنِ أَو الصِّفَةِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، ونَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ: أَنَّ بَيْعَ الأَعْيَانِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ولَا صِفَةٍ يَصِحُّ، ويَكُوْنُ لَهُ اخْتِيَارُ الرُّؤْيَةِ (٥)، وإِذَا بَاعَ سِلْعَةً بِرَقْمِهَا أو بِأَلْفِ دِرْهَمِ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، وإِذَا بَاعَهُ الصُّبْرَةَ إلاَّ قَفِيْزاً (٦) لَمْ

стр. 223

يَصِحَّ، وإِنْ بَاعَ قَفِيْزاً مِنَ الصْبرَةِ صَحَّ، وإِذَا بَاعَهُ ضَيْعَةً مُعَيَّنَةً إلاَّ جَرِيْباً (١)، أو بَاعَهُ جَرِيْباً مِنْهَا وكَانَا يَعْلَمَانِ جُرْبَانَ الضَّيْعَةِ صَحَّ البَيْعُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا (٢) جُرْبَانَهَا لَمْ يصِحَّ، فَإِنْ بَاعَهُ قطِيْعاً كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ، أو صُبْرَةً كُلَّ قَفِيْزٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ البَيْعُ (٣) وإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مِقْدَارَ ذَلِكَ حَالَ العَقْدِ. وإِذَا جَمَعَ في البَيْعِ بَيْنَ عَبْدٍ وحُرٍّ، أو خَلٍّ وخَمْرٍ، أَو عَبْدِهِ وعَبْدِ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ البَيْعُ فِيْهِمَا عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٤)، والأُخْرَى: يَصِحُّ في عَبْدِهِ و [فِي] (٥) الخَلِّ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ (٦). وإِذَا جَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَي الحُكْمِ كَالبَيْعِ والصَّرْفِ، أَو الإجَارة والبَيْعِ، أو الكِتَابَةِ والبَيْعِ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ لَمْ يَصِحَّ العَقْدُ فِيْهِمَا في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ (٧)، والآخَرِ: يَصِحُّ العَقْدُ فِيْهِمَا ويَسْقُطُ العِوَضُ عَلَى قَدْرِ قِيْمَتِهَما (٨)، وإِذَا جَمَعَ بَيْنَ بَيْعَيْنِ في بَيْعٍ مِثْلُ: أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ نَقْداً وبِعِشْرِيْنَ نَسِيْئَةً، أَو بِمِئَةٍ غِلَّةً وبِخَمْسِيْنَ صِحَاحاً لَمْ يَصِحَّ البَيْعُ (٩)، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ قِيَاساً عَلَى مَا قَالَهُ في الإجَارَةِ إِذَا قَالَ لَهُ: إِنْ خِطْتَهُ اليَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وإِنْ خِطْتَهُ غَداً فَلَكَ نصْفُ دِرْهَمٍ، أنَّ الإِجَارَةَ تَصِحُّ (١٠). ولَا يَصِحُّ بَيْعُ المُنَابَذَةِ - وَهُوَ أنْ يقُولَ: أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ إِلَيَّ فَقَدْ اشْتَرَيْتُهُ بعشرة، ولَا يَصِحُّ بَيْعُ المُلَامَسَةِ - وَهُوَ أنْ يقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِي عَلَى أَنْ لَا يَنْشُرَهُ ولَا يَقْلِبَهُ، وَلَكِنْ إِذَا لَمَسَهُ فَقَدْ وَقَعَ البَيْعُ، ولَا بَيْعُ الحَصَاةِ - وَهُوَ أنْ يَقُولَ: ارْمِ هَذِهِ الحَصَاةَ فَعَلى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَكَ بِعَشْرَةِ، وَقِيْلَ: هُوَ أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الضَّيْعَةِ بِقَدْرِ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الحَصَاةُ إِذَا رُميْتَهَا بِكَذَا، ولَا بَيْعُ الكالئ بالكالئ - وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، ولَا بَيْعُ المُحَاقَلَةِ - وَهُوَ بَيْعُ الحِنْطَةِ في سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ -، فَأمَّا إنْ بَاعَ

стр. 224

سُنْبُلَ الحِنْطَةِ بالشَّعِيْرِ فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (١)، ولَا بَيْعُ المُزَابَنَةِ - وَهُوَ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رُؤُوْسِ النَّخْلِ إلاَّ في العَرَايَا (٢)، ولَا بَيْعٌ بِشَرْطِ السَّلَفِ أو القَرْضِ، وَعَنْهُ: أنَّهُ يَصِحُّ البَيْعُ ويَبْطُلُ الشَّرْطُ (٣)، فَأَمَّا بَيْعُ النَّجَشِ - وَهُوَ أنْ يَزِيْدَ في السِّلْعَةِ مِنْ يُعْرَفُ بالحِذْقِ والمَعْرِفَةِ وَهُوَ لَا يُرِيْدُ شِرَاءهَا فَيَغْتَرَّ المُشْتَرِي بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَالبَيْعُ صَحِيْحٌ وللمُشْتَرِي الخِيَارُ، إِنْ كَانَ في البَيْعِ زِيَادَةٌ لا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، وكَذَلِكَ الحُكْمُ إِذَا تلْقى الرُّكْبَانُ، فَاشْتَرَى مِنْهُمْ فَلَهُمْ الخِيَارُ إِذَا دَخَلُوا السُّوْقَ وعَلمُوا بالغَبْنِ، وكَذَلِكَ كُلُّ مُستَرْسِلٍ عَلِمَ بالغَبْنِ أَو غُبِنَ في البَيْعِ الغَبْنَ المَذْكُورَ، ونُقِلَ عَنْهُ: أَنَّ بَيْعَ النَّجَشِ وتَلَقِّي الرُّكْبَانِ باطلان، فَأَمَّا بَيْعُ الحَاضِرِ للبَادِي فَيَصِحُّ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٤)، والأُخْرَى: لَا يَصِحُّ [إِلاَّ] (٥) بِخَمْسَةِ شَرَائِطَ: أَنْ يَحْضُرَ بَيْعَ سِلْعَتِهِ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وبالنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَيْهَا، والبَادِي جَاهِلٌ بِسِعْرِهَا (٦)، ويَقْصُدُهُ الحَاضِرُ، فَإِنْ عُدِمَ شَرْطٌ مِنْهَا فالبَيْعُ صَحِيْحٌ. فَأَمَّا شِرَى الحَاضِرِ للِبَادِي فَيَصِحُّ رِوَايَةً واحِدَةً، وإِذَا اشْتَرَى الكَافِرُ رَقِيْقاً مُسْلِماً فالشِّرَاءُ بَاطِلٌ، وإِنْ كَانَ الرَّقِيْقُ مِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بالشِّراءِ. ولَا يَصِحُّ بَيْعُ العَصِيْرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْراً. ولا بَيْعُ السِّلَاحِ في الفِتْنَةِ أو لأَهْلِ الحَرْبِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ مَعَ التَّحْرِيْمِ (٧)، وكَذَلِكَ الحُكْمُ إِذَا بَاعَ مَنْ يَلْزَمُهُ فَرْضُ الجُمُعَةِ وَقْتَ النِّدَاءِ (٨)، وَقَالَ شَيْخُنَا: لَا يَصِحُّ

стр. 225

البَيْعُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وفي الإجَارَةِ والهِبَةِ والنِّكَاحِ وَجَهَانِ (١). ولَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيْهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشْرَةٍ أَنَا أَبِيْعُكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ فَيَفْسَخُ المُشْتَرِي البَيْعَ ويعقد عَلَى سلعته وَكَذَلِكَ شراؤه عَلَى شِرَى أَخِيْهِ مِثْلُ: أنْ يَقُولَ لِمَنْ بَاعَ سِلْعَتَهُ بِمِئَةٍ أَنَا أُعْطِيْكَ مِئَةً وعَشْرَةً فَيَفْسَخَ البَائِعُ البَيْعَ ويَعْقِدَ مَعَهُ، فَإِنْ فَعَلا ذَلِكَ فَقَالَ أبو بَكْرٍ: لا يَصِحُّ البَيْعُ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ. ولَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا لا يَمْلِكُهُ؛ لِيَمْضِيَ فَيَشْتَرِيَهُ ويُسَلِّمَهُ (٢). ويَصِحُ أَنْ يَشْتَرِيَ عُلُوَّ بَيْتٍ؛ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ بُنْيَاناً مَوْصُوفاً، فَإِنْ كَانَ البَيْتُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ جَازَ أَيْضاً إِذَا وُصِفَ السُّفْلُ مِنْهُ والعُلُوُّ ويَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ مَمَرّاً في دَارٍ أو مَوضِعاً في حَائِطِ يَفْتَحُهُ باباً ويتبعُهُ بِحَفْرِهَا بِئْراً لِلْمَصْلَحَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُفَرِّقَ في البَيعِ بَيْنَ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، فإنْ فَعَلَ قَبْلَ البُلُوغِ فَالبَيْعُ بَاطِلٌ وإنْ كَانَ بَعْدَ البُلُوغِ فَعَلى رِوَايَتَيْنِ (٣). بَابُ ما يَتِمُّ بِهِ البَيْعُ مِنْ شَرْطِ البَيْعِ الْمُجْمَعِ عَلَى صِحَّتِهِ خَمْسَةُ شَرَائِطَ: أَحَدُهَا: أنْ يَكُوْنَ مِنْ مالِكٍ، فأمَّا إنْ بَاعَ مُلْكَ غَيْرِهِ أو اشْتَرَى بِغَيْرِ مَالِ الغَيْرِ شَيْئاً بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ البَيْعُ والشِّرَاءُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٤)، والأُخْرَى تَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ فإن اشْتَرَى لِلْغَيْرِ شَيْئاً بِثَمَنِ الذِّمَّةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحَّ الشِّرَى رِوَايَةً واحِدَةً (٥) وَلَكِنْ إنْ أجازَهُ مَن اشْتَرَى لَهُ مُلْكَهُ وإنْ لَمْ يُجِزْهُ لَزِمَ مَن اشْتَرَاهُ. والثَّانِي: أنْ يَكُوْنَ الْمَالِكُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ، فإنْ كَانَ صَبيّاً أو مَجْنُوناً أو مَحْجُوراً عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أو فَلَسٍ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ. والثَّالِثُ: أنْ يُؤْخَذَ الإيْجَابُ مِن البَائِعِ فَيَقُولَ: بِعْتُكَ أو مَلَّكْتُكَ.

стр. 226

والرابِعُ: وُجُودُ القَبُولِ مِن الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ: قَبِلْتُ أو ابْتَعْتُ، فإنْ تَقَدَّمَ القَبُولُ عَلَى الإيْجَابِ لَمْ يَصِحَّ البَيْعُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (١) وفي الأٌخْرَى يَصِحُّ (٢) سواء كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي بأنْ يقُولَ ابْتَعْتُ مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ بِدِرْهَمٍ فَيَقُولُ البَائِعُ بِعْتُكَ أو بِلَفْظِ الطَّلَبِ بأنْ يقُولَ بِعْنِي ثَوْبَكَ بِدِرْهَمٍ فَيَقُولُ بِعْتُكَ، فإنْ تَبَايَعَا بالْمُعَاطَاةِ نَحْو أنْ يَقُوْلَ اعْطِنِي بِهذا الدِّينَارِ خُبْزاً فَيُعْطِيهِ ما يَرْضَى أو يَقُوْلَ خُذْ هَذَا الثَّوبَ بِدِيْنَارٍ فيأْخُذَهُ فَظَاهِرُ كلامِهِ أنَّهُ يَصِحُّ البَيْعُ لأنَّهُ قَالَ في رِوَايَةِ مُهَنَّا فِيْمَنْ قَالَ لِخَبّازٍ كيف تَبِيْعُ الْخُبْزَ فَقَالَ كَذَا بِدِرْهَمٍ فَقَالَ، زِنْهُ وتَصَدَّقَ بِهِ فإذا وَزَنَهُ فَهُوَ عَلَيْهِ قَالَ شَيْخُنَا: يَصِحُّ ذَلِكَ في الأشْيَاءِ اليَسِيْرَةِ دُوْنَ الكَثِيْرَةِ (٣). والْخَامِسُ: أنْ يَكُوْنَ العِوَضَانِ مَعْلُومَيْنِ؛ إمّا بالرُّؤْيَةِ، فَيَقُولُ: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِهذا الدِّينَارِ، أو بالصِّفَةِ مِثْل أنْ يَقُوْلَ بِعْتُكَ عَبْدِي التُّرْكِي وَصِفَتُهُ (٤) كَذَا وكَذا بِدِيْنَارٍ وَصِفَتُهُ كَذَا وكذا أو يُطْلِقُ الدِّينَارَ - ولِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ - فأمَّا إنْ قَالَ بِعْتُكَ ثَوْباً مُطْلَقاً، أو قَالَ: هَذَا الثَّوْبُ بِدِرْهَمٍ وهُنَاكَ نُقُودٌ فَلَا يَصِحُّ البَيْعُ، ولابُدَّ أنْ يَكُوْنَ الثَّمَنُ والْمَبِيْعُ مِمَّا يَجُوزُ العَقْدُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُقَدِّمُ ذِكْرَ ما يَجُوزُ بَيْعُهُ وما لا يَجُوزُ وَيَتَجَنَّبُ الشُّرُوطَ الفاسِدَةَ وسَيأتِي ذِكْرُهَا. بَابُ الْخِيَارِ في العُقُودِ خِيارُ الْمَجْلِسِ ثَاِبِتٌ في عَقْدِ البَيْعِ والإجَارَةِ والصُّلْحِ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وهل يثبتُ فِي الصرف والسلم عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحداهما يَثْبَت والأخرى لَا يَثبُت وهلْ يَثْبُتُ في الْمُسَاقَاةِ والْحَوَالَةِ والسَّبْقِ والرَّمْي يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ (٥) وما عَدَا ذَلِكَ فَلَا يَثْبُتُ فِيْهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَالنِّكَاحِ والْخُلْعِ والكِتَابَةِ والرَّهْنِ والضَّمَانِ والكَفَالَةِ والشِّرْكَةِ والْمُضَارَبَةِ والْجُعَالَةِ والوَكَالةِ والوَدِيْعَةِ والعَارِيَةِ والوَصِيَّةِ، فأمَّا الْهِبَةُ، فإنْ شَرَطَ فِيْهَا عِوَضاً فَهِيَ

стр. 227

كَالْبَيْعِ وإنْ لَمْ يَشْرُطْ فَهِيَ كَالْوَصِيَّةِ ولا يَبْطُلُ الْخِيَارُ إلاَّ أنْ يَتَفَرَّقَا عنْ مَجْلِسِ العَقْدِ بأبْدَانِهِمَا فأمَّا إنْ عَقَدَا عَلَى أنْ لا خِيَارَ بَيْنَهُمَا أو قَالا بَعْدَ العَقْدِ اخْتَرْنَا إمْضَاءَ العَقْدِ وإسْقَاطِ الْخِيَارِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمُا يَبْطُلُ الْخِيَارُ (١) والثّانِيَةُ هما عَلَى خِيَارِهِمَا (٢)، فأمّا خِيَارُ الشَّرْطِ فَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ إلاّ في البَيْعِ والإجَارَةِ والصُّلْحِ بِمَعْنَى البَيْعِ ويَرْجِعُ في تَقْدِيْرِهِ إِلَى ما تَرَاضَيَا عَلَيْهِ الْمُتَعَاقِدَانِ مِنَ الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ فإنْ تَعَاقَدَا بِشَرْطِ خِيَارٍ مَجْهُولٍ لَمْ يَصِحَّ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٣) والأُخْرَى يصِحُّ وهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا أبَداً (٤) أو يَقْطَعَاهُ فإنْ عَقَدَا إِلَى الْجُذَاذِ والْحَصَادِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ (٥)، فإنْ عقدَ إِلَى الغَدِ لَمْ يَدْخُلْ الغد في مُدَّةِ الْخِيَارِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٦) والأُخْرَى يَدْخُلُ الغَدُ جَميْعُهُ (٧) في الْمُدَّةِ ويُعْتَبَرُ ابْتَدَاءُ مُدَّةِ الْخيَارِ مِنْ حِينِ العَقْدِ في أحْدِ (٨) الوَجْهَيْنِ (٩)، وفي الآخَرِ مِنْ حِيْنِ

стр. 228

التَفَرُّقِ (١) وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَى الْمُشْتَرِي في بيع الْخِيَارِ بِنَفْسِ العَقْدِ في أظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ (٢) وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِي والأُخْرَى لا يَنْتَقِلُ إلاَّ بِالعَقْدِ وانْقِضَاءِ الْخِيَارِ (٣) وعلى (٤) كِلْتا الرِّوَايَتَيْنِ لا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِن الْمُتَبَايِعَيْنِ التَّصَرُّفَ فِيْمَا صَارَ إِلَيْهِ في مُدَّةِ الْخِيَارِ، فإنْ خَالَفَا وتَصَرَّفَا بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو وَصِيَّةٍ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا وهلْ يَكُونُ ذَلِكَ فَسْخاً في حَقِّ البَائِعِ ورِضاءً في حَقِّ الْمُشْتَرِي؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا إنْ وُجِدَ من البَائِعِ دَلَّ عَلَى فَسْخِ البَيْعِ وإنْ وُجِدَ مِن الْمُشْتَرِي دَلَّ عَلَى الرِّضَا بِتَمامِ البَيْعِ وفَسْخِ خِيَارِهِ (٥)، والثَّانِي أنَّ البَيْعَ والْخِيَارَ بِحَالِهِ (٦) وإنْ تَصَرَفَّا بالعِتْقِ فَقَدْ عَتِقَ مَنْ حَكَمْنَا بالْمِلْكِ لَهُ وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ صاحِبِهِ فَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يحكمْ بانْتِقَالِ الْمِلْكِ نفذ عِتْقُ الْمُشْتَرِي ونظرنا فإنْ تَمَّ البَائِعُ العَقْدَ فَلَهُ الثَّمَنُ وإنْ فَسَخْنَا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؟ إحْدَاهُمَا (٧): يَنْفَسِخُ البَيْعُ ويَرْجِعُ بالقِيْمَةِ (٨)، والثَّانِية (٩): لا يَنْفَسِخُ ويكونُ لَهُ الثَّمَنُ (١٠) وكذلكَ إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ في مُدَّةِ الخِيَارِ في يَدِ الْمُشْتَرِي عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لا يَبْطُلُ الْخِيارُ وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أنْ يَفْسَخَ ويُطَالِبَ بِالْقِيْمَةِ لِتَعَذُّرِ الرُّجُوعِ في الْمَبِيْعِ (١١) والثَّانِيةُ قَدْ بَطَلَ الْخِيَارُ فَلَا يَرْجِعُ البَائِعُ إلاّ بالْمُسَمَّى (١٢) فإنْ تَصَرَّفَا بِالْوَقْفِ في مُدَّةِ الْخِيارِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ؟ أحَدِهِمَا حُكْمُهُ حُكْمُ العتْقِ (١٣)، والثَّانِي حُكْمُهُ حُكْمُ البَيْعِ (١٤)، فإنْ تَصَرَّفَا بالوَطْءِ فَمَنْ حَكمْنَا لَهُ بالْمِلْكِ فَلَا

стр. 229

حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا مَهْرَ، وإنْ عَلِقَ مِنْهُ لَحِقَهُ النَّسَبُ، وَكَانَ أوْلَادُهُ أحْراراً (١) ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ لَهُ بالْمِلْكِ، فإنْ كَانَ جاهِلاً فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وقِيْمَةُ الأوْلادِ، وإنْ كَانَ عالِماً بأنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ وأنَّ الوطءَ لا يَحْصُلُ بِهِ الفَسْخُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ والْمَهْرُ وَوَلَدُهُ رَقِيْقٌ فإنِ اسْتَخْدمَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بَطُلَ خِيَارُهُ (٢) وَعَنْهُ لا يبْطُلُ خِيارُهُ (٣) فإنْ قَبَّلَتِ الْجَارِيَةُ الْمَبِيْعةُ الْمُشْتَرِي لِشَهْوَةٍ لَمْ يبْطُلْ خِيَارُهُ، ويحتملُ أنْ يَبْطُلَ إِذَا لَمْ يَمْنَعْهَا وإذا كَانَ الْخِيَارُ لأحدِهِما، كَانَ لَهُ الفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ ويَتَخَرّجُ أن لا يَنْفَسِخَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ كالْمُوَكِّلِ في حَقِّ الوَكِيْلِ وخِيارِ الشَّرْطِ لا يورثُ، وكذلكَ خِيارُ الشَّفِيعٍ ويَتَخَرَّجُ أنْ يورثا قِياساً عَلَى الأجَلِ في الثَّمَنِ وإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ وَلَمْ يَتَفَاسَخَا بَطُلَ خِيارُهُمَا وإذا اشْتَرَى رَجُلانِ عَيناً وشَرَطاَ الْخِيارَ فَرَضِيَ أحدُهُمَا كَانَ للآخر الفَسْخَ فإنْ اشْتَرَى سِلْعَةً وشَرَطَ الْخِيارَ لِغَيْرِهِ جَازَ وإنْ كَانَ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِهِ اشْتِراطاً كَالْمُوَكِّلِ لِنَفْسِهِ وَتَوْكيلاً لِغَيْرِهِ فِيْهِ، وإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيارِ والْمَبِيْعُ مُتَمَيِّزٌ كالْعَبْدِ والثَّوْبِ والدَّارِ اسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ وجاز لَهُ التَّصَرُّفُ فِيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وإنْ تَلِفَ كَانَ مِنْ مَالِهِ في أظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ (٤) والأُخْرَى لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (٥)، وإنْ تَلِفَ كَانَ مِنْ مَالِ البَائِعِ لا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ في أنَّهُ إِذَا كَانَ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّناً كالقَفِيزِ مِنْ صُبْرَةٍ والرَّطْلِ مِن الزُّبْرَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ حَتَّى يَقْبِضَ فإنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيّةٍ بَطُلَ العَقْدُ وَكَانَ مِنْ مَالِ البَائِعِ فإنْ أتْلَفَهُ آدَمِيٌّ لَمْ يَبْطُل البَيْعُ وَكَانَ الْمُشْتَرِي بالْخِيَارِ بَيْنَ أنْ يَنْفُذَ الثَّمَن ويُطَالِبَ مُتْلِفَهُ بِقِيْمَتِهِ وبينَ أنْ يَفْسَخَ ويَكُونُ البَائِعُ هُوَ الْمُطَالِبُ بالقِيْمَةِ ويَحْصُلُ القَبْضُ فِيْمَا يُنْقَلُ بالنَّقْلِ وفيما يُتَنَاوَلُ بِاليَدِ بالتَّنَاوُلِ وفيما عَدَا ذَلِكَ بالتَّخْلِيَةِ وَعَنْهُ إنَّ قَبَضَ جَمِيْعِ الأشْيَاءِ بالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيْزِ.

стр. 230

بَابُ الشُّرُوطِ الصَّحِيْحَةِ والفَاسِدَةِ في البَيْعِ الشُّرُوطُ في البَيْعِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: صَحِيْحٌ، وفَاسِدٌ. فالصَّحِيحُ عَلَى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: أحَدِهَا: ما هُوَ مِنْ مُقْتَضَى البَيْعِ، كَالبَيْعِ بِشَرْطِ التَّقَابُضِ في الْحَالِ أو شَرْطِ التَصَرُّفِ في الْمَبِيْعِ أو بشَرْطِ سَقْي الثَّمَرَةِ وسُقْيَتَهَا إِلَى الْجَذَاذِ (١). والثَّانِي: ما هُوَ مَصْلَحَةٌ لِلْعَاقِدِ كَالبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ والرَّهْنِ والَضْمِينِ والتَّأْجِيلِ في الثَّمَنِ. والثَّالِثِ: ما لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَاهُ ولا مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَلَكِنْ لا يُنافِيْهِمَا مِثْل أنْ يَشْرُطَ البَائِعُ مَنْفَعَةَ الْمَبِيْعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَيَبِيْعَ دَاراً ويَسْتَثْنِيَ سُكْنَاهَا شَهْراً، أو يَبيعَ عَبْداً ويَسْتَثْنِيَ خِدْمَتَهُ سَنَةً، أو يَشْتَرِطَ الْمُشْتَري مَنْفَعَةَ البَائِعِ مَعَ الْمَبِيْعِ مثل أنْ يَشْتَرِيَ ثَوباً ويَشْتَرِطَ عَلَى البَائِعِ خِيَاطَتَهُ قَمِيصاً، أو فِلْعَةً، ويَشْتَرِطَ عَلَيْهِ حَذْوَها نَعْلاً أو جُرْزَةَ حَطَبٍ ويَشْتَرِطَ عَلَى البَائِعِ حَمْلهَا. وكلُّ هَذِهِ الشُّرُوطِ يلزمُ الوَفاء بِهَا في ظاهِرِ الْمَذْهَبِ، وذَكَرَ الْخِرَقِي (٢): في بَابِ الأُصُوْلِ والثِّمَارِ في جَزِّ الرَّطْبَةِ إن اشْتَرَطَهُ عَلَى البَائِعِ يَبْطُلُ البَيْعُ، وهذا يُعْطِي أنَّهُ لا يَصِحُّ شَرْطُ مَنْفَعَةِ البَائِعِ فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وأمَّا الشُّرُوطُ الفَاسِدَةُ فهي مِمَّا لَيْسَتْ مِنْ مَصْلَحَتِهِ وتُنَافِي مُقْتَضَاهُ مثل أنْ يَبِيْعَه بِشَرْطِ أن لا يَهَبَ ولا يَبِيْعَ ولا يَعْتِقَ وإنْ أعْتَقَ فَالوَلاءُ لَهُ، أو يَشْتَري مِنْهُ بِشَرْطِ أنْ لا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أو متى نَفَقَ الْمَبِيْعُ عَلَيْهِ رَدَّهُ، أو متَى غَصَبَهُ إيَّاهُ غَاصِبٌ رَجَعَ بالثَّمَنِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ فهذه شُرُوطٌ فاسدة بَاطِلَةٌ في نَفْسِهَا وهل يَبْطُلُ بِهَا عَقْدُ البَيْعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٣) إحْدَاهُمَا: أنها تُبْطِلُهُ وَهِيَ اخْتِيارُ الْخِرَقِي (٤)، والأُخْرَى لا تُبْطِلُهُ (٥)، وكذلك إنْ شَرَطَ في البَيْعِ رَهْناً فَاسِداً كأُمِّ الوَلَدِ والْخَمْرِ فَهَلْ يَبْطُلُ البَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وأمّا إِذَا باعَهُ رَقِيْقاً بِشَرْطِ العِتْقِ فَهُوَ شَرْطٌ صَحِيْحٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٦)، والأُخْرَى إنَّهُ فَاسِدٌ، فإنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ البَراءَ ةِ مِن العُيُوبِ، فالشَّرْطُ فَاسِدٌ نصَّ عَلَيْهِ (٧) في رِوَايَةِ أَحْمَدَ ﵀ وعلَّلَ بأنَّهُ مَجْهُولٌ،

стр. 231

ونَقَلَ عَنْهُ الأثْرَمُ وابنُ مَنْصُور وَغَيْرُهُما صِحَّةَ الإبْرَاءِ مِن الْمَجْهُولِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ صِحَّةُ البَرَاءَ ةِ مِن العُيُوبِ الْمَجْهُولَةِ (١)، وَعَنْهُ إنَّهُ شَرْطٌ صَحِيْحٌ إلا أنْ يَكُوْنَ البَائِعُ عَالِماً بالبَيْعِ فَدَلَّسَهُ واشْتَرَطَ البَرَاءَ ةَ فإنْ بَاعَهُ حَيَوَاناً مَأْكُولاً واسْتَثْنَى رأْسَهُ وأطْرَافَهُ وجِلْدَهُ فَلَهُ ما اسْتَثْنَاهُ، فإنْ اشْتَرَى دَابَّةً عَلَى أنَّهَا هِمْلَاجَةً (٢)، أو فَهْداً عَلَى أنَّهُ صَيُوْدٌ فالشَّرْطُ صَحِيْحٌ، فإنْ اشْتَرى قُمْرِيّاً عَلَى أنَّهُ مُصَوِّتٌ أو دِيْكاً عَلَى أنَّهُ يوقِظُهُ لِلصَّلاةِ فالشَّرْطُ بَاطِلٌ فإن اشْتَرَى طَائِراً عَلَى أنَّهُ يَجِئُ مِن البَصْرَةِ أو مَسَافَةٍ ذَكَرَهَا فَقَالَ شَيْخُنَا: لا يَصِحُّ الشَّرْطُ، وعِنْدِي أنَّهُ يَصِحُّ كاشْتَراطِ الصَّيْدِ في البَازِي والصَّقْرِ والفَهْدِ، فإن اشْتَرَى سِلْعَةً وَدَفَعَ إِلَى البائِعِ دِرْهَماً أو دِيْناراً عَلَى أنَّهُ أخَذَ السِّلْعَةَ احْتَسَبَ بذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ وإنْ لَمْ يَأْخُذْها فذلك لِلْبَائِعِ فَعِنْدِي أنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، والْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ﵁ لا بأْسَ بِهِ (٣). وَهُوَ يُسَمَّى بَيْعُ العُرْبُونِ والأُرْبُون (٤). بَابُ الرِّبَا والصَّرْفِ الرِّبَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: رِبَا الفَضْلِ ورِبَا النَّسِيئَةِ، فأمَّا رِبَا الفَضْلِ فَيُحَرَّمُ بَعلةِ كَونِهِ مَكيلُ جِنْسٍ أَوْ مكتل جنس فَمَتَى بَاعَ مَكيلاً بِجِنْسِهِ حَرُمَ فِيْهِ التَّفَاضُلُ سَوَاء كَانَ مَأْكُولاً كالتَّمْرِ والحِنْطَةِ، أو غَيْرِ مَأْكُولٍ كالأُشْنَانِ والنُّورَةِ، وكذلكَ إنْ بَاعَ مَوْزُوناً بِجِنْسِهِ كَالْحَدِيْدِ بالْحَدِيْدِ والفِضَّةِ بالفِضَّةِ يُحَرَّمُ فِيْهِ التَّفَاضُلُ في إحْدَى الرِّوَايَاتِ (٥)، والثَّانِيةُ: يُحَرَّمُ التَّفَاضُلُ بِعِلَّةٍ كَونُهِ مَطْعُومَ جِنْسٍ، وفي غَيْرِ الْمَطْعُومِ بِكَوْنِهِ لَهُ الثَّمَنِيَّةُ غَالِباً مُخْتَصٌّ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ وَسَواءٌ في ذَلِكَ تِبْرِهِ وَمَضْرُوبِهِ، والثَّالِثَةُ: يُحَرَّمُ التَّفَاضُلُ في غَيْرِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ بِعِلَّةِ كَونِهِ مَطْعُوماً مَكيلاً أو مَطْعُوماً مَوْزُوناً في جِنْسٍ فَلَا يُحَرَّمُ التَّفَاضُلُ في مَطْعُومٍ ولا يُكَالُ ولا يُوزَنُ كَالرُّمَّانِ والبِطِّيخِ وما أشْبَهَهُ ولا في مَكِيلٍ أو مَوزُونٍ لا يُؤْكَلُ كالأُشْنَانِ والْحَدِيدِ ومَا أشْبَهَ ذَلِكَ وإذا اخْتَلَفَ الْجِنْسانِ جَازَ التَّفَاضُلُ عَلَى جَمِيْعِ الرِّوَايَاتِ كالذَّهَبِ بِالفِضَّةِ والتَّمْرِ بالزَّبِيبِ، وأمَّا رِبَا النَّسِيْئَةِ: فَكُلُّ شَيْئَيْنِ [لَيْسَ أَحَدُهُمَا نَقْداً] (٦) علةُ رِبَا الفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ لا يَجُوزُ بيعُ أَحَدِهِمَا بالآخَرِ نَسأً، ومَتى جُعِلَ التَّفَرُّقُ في بَيْعِهِمَا قَبْلَ القَبْضِ بَطَلَ العَقْدُ كَالْحِنْطَةِ بالشَّعِيرِ والذَّهَبِ بالفَضَّةِ، فأمَّا

стр. 232

إنِ اخْتَلَفَتْ عِلَّتهُمَا كَالْمَكِيلِ بالْمَوْزُونِ فإنَّهُ يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيْهِمَا قَبْلَ القَبْضِ، وهَلْ يَجُوْزُ النسأ في بَيْعِهِمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١). إحَدَاهُمَا: يَجُوْزُ (٢)، والأُخْرَى لا يَجُوزُ (٣). فأمَّا ما لا يَدْخُلُهُ رِبَا الفَضْلِ كالثِّيَابِ والْحَيَوَانِ فَيَجُوزُ (٤) بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ نَسْأً في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٥)، والثَّانِيَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وإنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَنَبَاتٍ بِحَيَوَانٍ جَازَ النَسْأُ، والثَّالِثَةُ: لا يَجُوزُ النَّسَأ فِيْهَا بِحَالٍ سواء اتَّفَقَ الْجِنْسُ أو اخْتَلَفَ؟ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ (٦)، وكلُّ نَوعَيْنِ اجْتَمَعَا في الاسْمِ الْخَاصِّ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ كأنْوَاعِ التَّمْرِ وأنْوَاعِ الْحِنْطَةِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، واخْتَلَفَت الرِّوَايَة في اللُّحُومِ والألْبَانِ فَرُوِيَ عَنْهُ أنَّهَا جِنْسٌ واحِدٌ لا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيْهَا (٧)، ورُوِيَ عَنْهُ: أنَّهَا أجْنَاسٌ باخْتِلافِ أصُولِهَا فَيَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ غَنَمٍ بِلَحْمِ بَقَرٍ مُتَفَاضِلاً (٨)، وكذلكَ لَبَنُ الإبِلِ بِلَبَنِ الغَنَمِ مُتَفَاضِلاً (٩)، وَعَنْهُ أنَّهَا أرْبَعَةُ أجْنَاسٍ: لَحْمُ الأنْعَامِ جِنْسٌ، ولَحْمُ الوَحْشِ جِنْسٌ، ولَحْمُ الطَّيْرِ جِنْسٌ، ولَحْمُ دَوَابِ الْمَاءِ جِنْسٌ (١٠). ولا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ وأمَّا بَيْعُهُ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ (١١). واللَّحْمُ والشَّحْمُ جِنْسَان، وَكَذلكَ اللَّحْمُ والألْيَةُ واللحم والكَبِدُ وخَلُّ العِنَبِ وخَلُّ التَّمْرِ جِنْسَانِ، وَعَنْهُ: أنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ (١٢). ولا يَجُوزُ بَيْعُ رَطْبٍ ويَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ

стр. 233

كَالعِنَبِ بالزَّبِيبِ والرُّطَبِ بالتَّمْرِ والْمِشْمِشِ الرَّطْبِ بالْمُقَدَّدِ (١) والْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ بِاليَابِسَةِ، واللَّبَنِ بالْجُبْنِ إلاَّ ما اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِن العَرَايا وَهُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ في رُؤُوْسِ النَّخْلِ خَرْصاً بِالتَّمْرِ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ كَيْلاً فَمَا دُونَ خَمْسةِ أَوْسُقٍ لِمَنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ مَعَهُ (٢)، وهلْ يَجُوزُ ذَلِكَ في بَقِيَّةِ الثِّمَارِ؟ قَالَ شَيْخُنَا: يَجُوْزُ، وَقَالَ ابن حَامِدٍ: لا يَجُوزُ (٣). ويُعْتَبَرُ في الْخَرْصِ مِقْدَارُ ما يَؤُولُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْجَفَافِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ والأُخْرَى يعْتَبَرُ في الْخَرْصِ مِقْدَارُهَا في حَالِ رُطُوبَتِهَا ويُعْطَى مِثْلُهُ مِنَ التَّمْرِ وكذلكَ لا يَجُوزُ بَيْعُ حَبِّهِ بِدَقِيْقِهِ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ (٤). ولا يَبِيعُ نِيَّهُ بِمَطْبُوخِهِ ولا أَصْلَهُ بِعَصِيْرِهِ ولا خَالِصَهُ بِمَشُوبِهِ، ويَجُوزُ بَيْعُ دَقِيْقِهِ بِدَقِيْقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا في النُّعُومَةِ وبَيْعُ مَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ وخُبْزِهِ بِخُبْزِهِ وعَصِيْرِهِ بَعَصِيْرِهِ ورَطْبِهِ بِرَطْبِهِ، ولا يَجُوزُ بَيْعُ جِنْسٍ فِيْهِ الرِّبَا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ومعَ أَحَدِهِمَا أو مَعَهُما مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا كَمُدِّ عَجْوَةٍ (٥) وِدِرْهَمٍ بِمُدَّي عَجْوَةٍ أو بِمُدِّ عَجْوَةٍ ودِرْهَمَيْنِ في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. والأُخْرَى: يَجُوزُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أكْثَرَ مِنَ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ، أو يَكُوْنَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَهُ ويَكُونا سَواءً (٦) وكذلكَ الْحُكْمُ إِذَا بَاعَ نَوعَيْنِ مُخْتَلِفَي القِيْمَةِ مِنْ جِنْسٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِن الْجِنْسِ كَدِيْنَارٍ مَغْرِبِبيٍّ ودِيَنَارٍ سَابُورِيٍّ بِدِيْنَارَيْنِ مَغْرِبِيَّيْنِ أَوْ دينارين قُرَاضَةٍ ودِيْنَارٍ صَحِيْحٍ بِدِيْنَارَيْنِ صَحِيْحَيْنِ (٧). واخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ هلْ يَجُوزُ بَيْعُ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيْهِ نَوَى فَعَنْهُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: أنَّهُ يَجُوزُ (٨)، وكذلكَ يُخَرَّجُ في بَيْعِ لَبَنِ شَاةٍ بِشَاةٍ فِيْهَا لَبَنٌ وبَيْعُ صُوفٍ بِنَعْجَةٍ عَلَيْهَا

стр. 234

صُوفٌ (١)، وكلُّ جِنْسٍ أصْلُهُ الكَيْلُ [لا] (٢) يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلاَّ كَيلاً، وكذَلِكَ ما أَصْلُهُ الوَزْنُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلاَّ وَزْناً وإن اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ جَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بالآخَرِ وَزْناً وكَيْلاً وجُزافاً حِنْطَةً بِتَمْرٍ، وزَبِيبٍ بِشَعِيْرٍ. وَقَالَ شيخُنَا: لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلاَّ عَلَى ما ذَكَرْنَا في الْجِنْسِ الوَاحِدِ. والْمَرْجِعُ في الكَيْلِ والوَزْنِ إِلَى عُرْفِ العَادَةِ بالْحِجَازِ في زمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فإنْ كَانَ الْمَبِيْعُ مِمّا لا عُرْفَ لَهُ بالْحِجَازِ فَيَحْتَمِلُ وَجْهَينِ أحَدهِمَا: اعْتِبَارُ عُرْفِهِ في موْضِعِهِ، والآخَرُ: أنْ يُرَدَّ إِلَى أقْرَبِ الأشْيَاءِ بِهِ شِبْهاً بالْحِجَازِ والدَّراهِمِ والدَّنَانَيرِ يَتَعَيَّنَانِ بِالعَقْدِ فَلَا يَجُوزُ إبْدَالُهُمَا، فإنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً بَطُلَ العَقْدُ، وإنْ وَجَدَ بِهَا عَيباً لَمْ يُطَالِبْ بالبَدَلِ وَلَكِنْ يُمْسِكْ أو يَفْسَخْ، ويَتَخَرَّجُ أنْ يُمْسِكَ ويُطَالِبَ بأَرْشِ العَيْبِ، وإذَا تَلِفَتْ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ وإنْ لَمْ يَقْبِضْهَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُوْلُ الْمُتَعَيِّنُ لا يَفْتَقِرُ الاسْتِقْرَارُ فِيْهِ إِلَى القَبْضِ وَعَنْهُ / ١٤٠ ظ /: أنَّهَا لا تَتَعَيَّنُ (٣). فَيَجُوزُ إبْدَالُهَا وإذا تَلِفَتْ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ما لَمْ يَقْبِض البَائِعُ وإذا افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ عن مَجْلِسِ العَقْدِ قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطُلَ الصَّرْفُ فإنْ تَقَابَضَا وافْتَرَقَا فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَهُ زُيُوفاً أو بَهْرَجَةً (٤)، فَرَدَّهَا بَطُلَ العَقْدُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ والأُخْرَى إنْ رَدَّها وأخَذَ بَدَلَهَا في مَجْلِسِ الرد لَمْ يَبْطُل العَقْدُ (٥)، وَكَذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِذَا رَدَّ بَعْضَهَا بِالْعَيْبِ وأَخَذَ بَدَلَهُ وعلى الرِّوَايَةِ الأُوْلَة رَدُّ البَعْضِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْرِيْقِ الصَّفْقَةِ، فإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ تَفْرِيْقُ الصَّفْقَةِ. بَطُلَ هَاهُنَا في الْمَرْدُودِ وصَحَّ في الباقِي، وإنْ قُلْنَا: لا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، بَطُلَ العَقْدُ في الْجَمِيْعِ، وإذا اشْتَرَى ما بَاعَ بأقَلِّ مِمَّا بَاعَ قبلَ نَقْدِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ اسْتِحْسَاناً، ويَجُوزُ قِياساً فإِنْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ أو اشْتَراهُ أبُوهُ أو ابْنَهُ جَازَ فإِن اشْتَرَاهُ وَكِيْلُهُ لَمْ يَجُزْ وكُلُّ رِباً حُرِّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِيْنَ في دَارِ الإسْلامِ حرم بَيْنَ المسلم والحربي فِي دار الإسلام وَدَارِ الْحَرْبِ.

стр. 235

بَابُ بَيْعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ مَنْ بَاعَ أرْضَاً بِحُقُوقِهَا دَخَلَ مَا فِيْهَا مِنْ غِرَاسٍ وبِناءٍ في البَيعِ، فإنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِها احْتَملَ وَجْهَينِ (١) أحدِهِما: يَدْخُلُ أَيْضَاً، والثاني: لا يَدْخُلُ، فَإنْ كَانَ فِيْهَا زَرْعٌ لا يُحْصَدُ إلا مَرَةً فِي السَّنَةِ كالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيْرِ لَمْ يَدْخُلْ فِي البَيْعِ، وكَانَ لِلْبَائِعِ تَبْقِيَتُهُ إلى حِيْنِ الْحَصَادِ وإنْ كَانَ يَجُزُّه مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى كالرَّطْبَةِ والبَقُولِ كَانَتْ الأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي والْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ البَيْعِ لِلْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ اللَّقْطَة الأُوْلَة مِنَ القِثَّاءِ وَالبَاذِنْجَانِ وَنَحْوِهِمَا، فَإن بَاعَهُ قَرْيَةً بِحُقُوقِهَا لَمْ تَدخُلْ مَزَارِعُها في البَيْعِ إلا بِذكْرِهَا، فَأَمَّا الغِرَاسُ مَا بَيْنَ بُنيَانِهَا فَيَدْخُلُ فِي البَيْعِ (٢)، فَإنْ بَاعَهُ داراً تَنَاوَلَ البَيَعُ أَرْضَهَا وَبُنْيَانَها وَمَا فِيهَا سِوَى ذَلِكَ فَعَلى ضَربَيْنِ: مُتَّصِلٍ بِهَا، وَمُنْفَصِلٍ عَنْهَا. [فَالْمُتَّصِلُ] (٣) مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِهَا كَالدَرَجِ والسَّلالِمِ الْمُسَمَّرَةِ وَالأَبْوَابِ والرُّفُوفِ الْمُسمَّرَةِ والْخَوَابِي (٤) الْمَدْفُونَةِ والْحَجَرِ السُّفْلانِي الْمَنْصُوبِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ يَدْخُلُ في البَيْعِ، ومِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ مصَالِحِها كَالغِرَاسِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الغِرَاسِ في الأرْضِ وما هو مُوْدَعٌ كالكَنْزِ والأحْجَارِ الْمَدْفُونَةِ فَلا يَدخُلُ في البيعِ. فأمَّا الْمُنفَصِلُ فَمِنْهُ مَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِهَا كَالْمَفَاتِيْحِ والْحَجَرِ الفَوْقَانِي مِنَ الأَرْحاءِ (٥) فَهَلْ يَدْخُلُ في مُطْلَقِ البَيْعِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ (٦) وَمِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ مَصَالِحِهَا كَالْحَبْلِ والدَّلْوِ والبَكْرَةِ والقُفْلِ، فَلا يَدْخُلُ في البَيْعِ، فإنْ بَاعَ أُصُولَ نَبَات فِيْهَا حمل مِنْ ثَمَرٍ أو وَرْدٍ فَذَلِكَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدِها: مَا تَتشَقَّقُ عَنْهُ الكِمَامُ فَتَظْهَرُ كَالْبَلَحِ، أو يَتفَتَّحُ نَوْرَة فَتَظْهَرُ كَالوَرْدِ واليَاسَمِينِ والنَّرْجِسِ والبَنَفْسَجِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ إذَا كَانَ العقد بَعْدَ ظهوره وللمشتري إن كَانَ البَيْعُ قَبْلَ ظُهُورِهِ وإنْ كَانَ قد ظَهَرَ بَعْضُهُ دُوْنَ بَعْضٍ فَالْمَنْقُولُ عَنْهُ في النَّخْلِ أنَّ مَا أُبِّرَ (٧) لِلْبَائِعِ وما لَمْ يُؤْبَرْ لِلْمُشْتَرِي (٨)، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ في الوَرْدِ وَهُوَ

стр. 236

اخْتِيَارُ أبِي بَكْرٍ (١)، وَقَالَ ابن حامِدٍ: الكُلُّ لِلْبَائِعِ (٢). ولا فَرْقَ بَيْنَ طَلْعِ الفَحْلِ وطَلْعِ النَّخْلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ طَلْعُ الفَحْلِ لِلْبَائِعِ، وإنْ لَمْ يَتَشَقَّقْ؛ لأنَّ الْمَقْصُودَ أَخْذُهُ لِلأكْلِ قَبْلَ أنْ يتشَقَّق بِخِلَافِ النَّخْلِ، والثَّانِي: مَا ثَمَرَتُهُ بَارِزَةٌ كَالتِّيْنِ والعِنَبِ، وما يَبْقَى في كِمَامِهِ إلى وَقْتِ الأَكْلِ كَالرُّمَّانِ والْمَوزِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ، والثَّالِثِ: مَا يَخْرُجُ ثَمَرُهُ في نَوْرَةٍ وَيَتَنَاثَرُ عَنْهُ فَيَظْهَرُ كَالْمِشْمِشِ والتُّفَاحِ والسَّفَرْجَلِ والْخَوخِ والإجَّاصِ فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أحَدِهِمَا: أنَّ مَا تَنَاثَرَ نوره فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وإنْ لَمْ يَتَنَاثَرْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي. والثَّانِي: أنَّهُ لِلْبَائِعِ بِظُهُوْرِ نَوره (٣). والرَّابِع: مَا كَانَ ثَمَرُهُ في قِشْرَيْنِ كَالْجَوْزِ واللَّوْزِ فَهُوَ كَالطَّلْعِ إنْ تَشَقَّقَ قِشْرُهُ الأعْلَى فَهُوَ لِلْبَائِعِ وإنْ لَمْ يَتَشَقَّقْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي (٤)، وَقِيلَ: يَكُونُ لِلْبَائِعِ بِنَفْسِ الظُّهُورِ كَالعِنَبِ والتِّيْنِ (٥). [و] (٦) الْخَامِسِ: مَا يُقْصَدُ ثَمَرُهُ وَوَرَقُهُ كَالتوْتِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وَرَقُهُ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ وَثَمَرُهُ إنْ ظَهَرَ لِلْبَائِعِ وإنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُشْتَرِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَرَقُ إنْ تَفَتَّحَ لِلْبَائِعِ وإنْ كَانَ حَبّاً لِلْمُشْتَرِي (٧). ولا يَجُوزُ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا إلاَّ بِشَرْطِ القَطْعِ في الْحَالِ إلاَّ أنْ يَبِيْعَهَا مَعَ الأصل فيجوز فإن بدا صلاحها جاز بيعها مُطْلَقاً وبِشَرْطِ التَّنْقِيَةِ وبُدُوِّ الصَّلَاحِ أنْ يَبْدُوَ مِنْهُ النُّصْحَ ويَطِيبَ أكْلُهُ وإذا بَدَا الصَّلاحُ في بَعْضِ الْجِنْسِ جَازَ بَيْعُ ما في البُسْتَانِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٨)، والأُخْرَى: لا يَجُوزُ إلاَّ بَيْعُ ما بَدَا صلاحُهُ. ولا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أنَّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في بَعْضِ ثَمَرَةِ النَّخْلَةِ أو الشَّجَرَةِ صَلاحاً بِجَمِيْعِها (٩)، ولا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ الأَخْضَرِ إلاَّ بِشَرْطِ القَطْعِ إلاَّ أنْ يَبِيَعَهُ مِنْ صَاحِبِ الأرْضِ أو يَبِيْعَهُ مَعَ الأَرْضِ، ويَجُوزُ بَيْعُ البَاقِلاءِ والْجَوزِ واللَّوْزِ في قِشْرَتِهِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبِّ

стр. 237

الْمُشْتَدِّ في سُنْبُلِهِ وإذا باعَ الأَصْلَ وعَلَيْهِ ثَمَرَةٌ لِلْبَائِعِ لَمْ يُكَلَّفْ قَطْعُهَا إِلَى أَوَانِ كَمَالِهَا، فإن احْتَاجَتْ إِلَى سَقْيٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْ سَقْيِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ ثَمَرَةً أو زَرَعَهَا لَمْ يُكَلَّف الْمُشْتَرِي إلاّ في أَوَانِ الْجِذَاذِ والْحَصَادِ وإن احْتَاجَ إِلَى سَقْيٍ لَزِمَ البَائِع ذَلِكَ فإن امْتَنَعَ البَائِعُ مِنَ السَّقْي لِضَرَرٍ يَلْحَقُ الأَصْلَ أُجْبِرَ عَلَيْهِ؛ لأنَّهُ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ، فإن اشْتَرَى ثَمَرَةً فَلَمْ يأْخُذْهَا حَتَّى حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى وَلَمْ يَتَمَيَّزْ أو اشْتَرَى حرة مِنَ الرَّطْبَةِ أو البَقْلِ فَلَمْ يَجُزَّها حَتَّى طَالَتْ أو اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ القَطْعِ فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا، فإنَّهُ ينْفَسِخُ البَيْعُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (١)، والأُخْرَى لَا يَنْفَسِخُ، فَعَلَى هَذَا مَا يَفْعَلُ فِي الزِّيَادَةِ، وعن أحمد أيضاً أنهما يتصدقان بالزيادة فَعَنْ أَحْمَدَ: أنَّهُمَا يَكونَانِ شَرِيْكَينِ بِالزِّيَادَةِ، وإذَا باعَ ثَمَرَةَ بُسْتَانٍ واسْتَثْنَى مِنْهُ آصُعاً مَعْلُومَةً لَمْ تَصِحَّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٢) والأُخْرَى تَصِحُّ (٣). وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا باع نَخْلاً واسْتَثْنَى مِنْهُ أرْطَالاً عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٤)، وإذا بَاعَهُ ثَمَرَةً بَعْدَ بُدُوِّ صَلاحِهَا فَتَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ (٥) فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ البَائِعِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٦) والأخْرَى إنْ أتْلَفَت الْجَائِحَةُ

стр. 238

الثُّلُثَ (١) فَمَا زَادَ فَهِيَ من ضَمَانِ البَائِعِ، وإنْ أَتْلَفَتْ دُونَهُ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ويعتبرُ ثُلُث الْمَبْلَغِ وَقِيْلَ ثُلُث القِيْمَةِ. والْجَائِحَةُ: كُلُّ آفَةٍ لا صُنْعَ للآدَمِيِّ فِيْهَا فأمّا ما كَانَ مِنْ إِحْرَاقِ اللُّصُوصِ، ونَهْبِ الْجَيْشِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ. بَابُ التَّصْرِيَةِ والتَّدْلِيسِ (٢) والْحِلْفِ في الصِّفَةِ وَمَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً (٣) مِنْ بَهِيْمَةِ الأنْعَامِ فَهُوَ بالْخِيَارِ بَيْنَ أنْ يُمْسِكَهَا أو يَرُدَّهَا، ومعها صَاعاً مِنْ تَمْرٍ عِوَضَ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ مَوْجُوداً حَالَ العقْدِ، وإنْ كَانَ قِيْمَةُ اللَّبَنِ مثلُ قِيْمَةِ الشَّاةِ أو أَكْثَرَ نَصَّ عَلَيْهِ (٤). فإنْ عَدِمَ التَّمْرَ وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ في الْمَوضِعِ الَّذِي وَقَعَ فِيْهِ العَقْدُ، فإنْ كَانَ لَبَنُ التَّصْرِيَةِ بِحَالِهِ فأَرَادَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ عَلَى البَائِعِ لَمْ يَلْزَمِ البَائِعُ قَبُولُهُ وَقَالَ شَيْخُنَا: الأشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا أنَّهُ يُلْزِمُهُ قَبُولُهُ. فإنِ اشترى أَمَةً مُصَرَّاةً أو أتَاناً مُصَرَّاةً احْتمَلَ أنْ لا يَكُوْنَ لَهُ الفَسْخُ بِذَلِكَ؛ لأنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ في بَهِيْمَةِ الأنْعَامِ (٥)، ويحتملُ أنْ يكونَ لَهُ الفَسْخُ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ إلاَّ أنَّهُ إِذَا فسخَ لَمْ يلْزمهُ بَدَل اللَّبَنِ. وخِيارُ التَّصْرِيَةِ مُقَدَّرٌ بِثَلاثَةِ أيَّامٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرَّدُّ قَبْلَ ذَلِكَ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا (٦)، وعندي: أنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ التَّصْريَةَ كَانَ لَهُ الرَّدُّ سواء كَانَ قَبْلَ الثَّلَاثِ أو بَعْدَهَا (٧) ما لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ ما يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، فإن اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَصَارَ لَبَنُهَا لَبَنَ عَادَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ عَلَى ظَاهِرِ كَلامِ أَحْمَدَ ﵀ فَمَن اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، وَهُوَ لا يَعْلَمُ فَطَلَّقَهَا

стр. 239

الزَّوْجُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ، وكلُّ تَدْلِيسٍ أو شَرْطٍ يَزِيْدُ الثَّمَنُ لأَجْلِهِ ثَبَتَ خِيَارُ الرَّدِّ مِنْ أنْ يُحَمِّرَ وَجْهَ الْجَارِيَةِ، أو يُسَوِّدَ شَعْرَهَا (١)، أو يُجَعِّدَهُ، أو يَضُمَّ الْمَاءَ عَلَى الرَّحَا ويُرْسِلَه وَقْتَ أنْ يَعْرِضَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، أو يَشْتَرِطَ كَوْنَ العَبْدِ الْمُبْتَاعِ كَاتِباً، أو ذَا صَنْعَةٍ فَتَبَيَّنَ بِخِلافِ ذَلِكَ، أو يَشْرُطَ كَونَ الأَمَةِ بِكْراً فَتُوجَدُ ثَيِّباً، فإنْ شَرَطَهَا ثَيِّباً فَبَانَتْ بِكْراً فَعَلَى وَجْهَيْنِ أصَحُّهُمَا لا خِيَارَ لَهُ؛ لأنَّهَا زِيَادَةٌ، والآخَرُ لَهُ الرَّدُّ نَحْوَ أنْ يَكُونَ شَرَطَ الثَّيُوبَةَ لِعَجْزِهِ عَن البِكْرِ فَقَدْ فَاتَ قَصْدُهُ، فإنْ شَرَطَهَا مُسْلِمَةً فَبَانَتْ كَافِرَةً فَلَهُ الرَّدُّ، فإنْ شَرَطَهَا كَافِرَةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً فَعَلى وَجْهَيْنِ، أحَدُهُمَا: لا يَمْلِكُّ الرَّدَّ. والثَّانِي: يَمْلِكُ. فإن اشْتَرَى عَبْداً عَلَى أنَّهُ خَصِي فَبَانَ فَحْلاً، أو عَلَى أنَّهُ فَحْلٌ فَبَانَ خَصِيّاً فَلَهُ الرَّدُّ فإن اشْتَرَاهُ مُطْلَقاً فَبَانَ خَصِيّاً فَلَهُ الرَّدُّ فإنْ بَانَ فَحْلاً لَمْ يَمْلِك الرَّدَّ. بَابُ الرَّدِّ بِالعَيْبِ مَنْ عَلِمَ بِسِلْعَتِهِ عَيباً كُرِهَ لَهُ بَيعُهَا حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْمُشْتَري عَيْبَهَا فإنْ بَاعَ وَلَمْ يُبَيِّنْ صَحَّ البَيْعُ والْمُشْتَرِي بالْخِيارِ بَيْنَ الإمْسَاكِ والْمُطَالَبَةِ بأرْشِ العَيْبِ وَبَيْنَ فَسْخِ العَقْدِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَحْرُمُ بَيْعُهَا، فإنْ بَاعَ فَالبَيْعُ بَاطِلٌ (٢)، فإنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُشْتَرِي بالعَيْبِ حَتَّى حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ آخَرُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يُمْسِكَ ويُطَالِبَ بالأرْشِ وبينَ أنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ وأرْشِ العَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ ويأخُذَ الثَّمَنَ (٣) وَعَنْهُ أنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ مِن الرِّدَّةِ ولهُ الأرْشُ (٤) وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيْمَن اشْتَرَى ثَوْباً فَقَطَعَهُ أو أَمَةً فَوَطِئَهَا فإنْ وَقَفَ الْمَبَيْعَ أو قَتَلَهُ أو أعْتَقَهُ أو أَكَلَهُ فَلَهُ الأرْشُ رِوَايَةٌ واحِدَةٌ فإنْ بَاعَهُ أو وَهَبَهُ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بالأرْشِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٥) والأُخْرَى لا يُطَالِبُ بالأرْشِ إلاَّ أنْ يَظْهَرَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى العَيْبِ فَيرَدَّهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ لَهُ حيْنَئِذٍ الرَّدُّ أو الْمُطَالَبَةُ بالأرْشِ (٦) فإن كَانَ الْمَبِيْعُ ثَوْباً فَصَنَعَهُ أو ثَوباً فَنَسَجَهُ فَلَهُ الأرْشُ (٧)

стр. 240

وَعَنْهُ لَهُ الرَّدُّ ويَكُونُ شَرِيْكاً لِلْبائِعِ بِقِيْمَةِ الصِّبْغِ والنَّسْجِ (١) فإن اشْتَرَى مَا لا يُوقَفُ عَلَى عَيْبِهِ إلاّ بِكَسْرِهِ كالْجَوْزِ واللَّوْزِ والبِطِّيخِ والرُّمّانِ وما أشْبَهَهُ فَكَسَرَهُ بِمِقْدَارِ ما يَعْلَمُ بِهِ العَيْبَ، فإنْ كسَرَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيْباً فَلَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ ما نَقَصَ والْمطَالَبَةُ بالثَّمَنِ ويَتَخَرَّجُ أنْ يُمْسِكَهُ ويُطَالِبُ بالأرْشِ (٢) وَعَنْهُ يسقط حَقُّهُ ولا يكونُ لَهُ الرَّدُّ ولا الأرْشُ (٣). وإذا عَلِمَ بالعَيْبِ فأخَّرَ الرَّدَّ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهُ ما يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِن الْمُتَصَرِّفِ بالاسْتِمْتَاعِ أو بَيْع فَلَا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ بِالعَيْبِ إِلَى رِضَاءٍ ولا إلى قَضَاءٍ فإن اشْتَرَى مَعِيباً فَلَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ حَتَّى حَدَثَ مِنْهُ نَمَاءٌ فَلَهُ رَدُّ الأصْلِ وإمْسَاكِ النَّمَاءِ، فإنْ قَالَ البَائِعُ أنَا أُعْطِيكَ الأرْشُ عَن العَيْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٤)، والأُخْرَى لَيْسَ لَهُ إلاَّ رَدُّ الأصْلِ مَعَ النَّمَاءِ أو إمْسَاكُهُمَا والْمُطَالَبَةُ بالأرْشِ (٥) والعُيُوبِ الْمُثَبَّتَةِ لِلرَّدِّ في التَّقَابُضِ كَالْمَرَضِ، والعَمَى، والعَوَرِ، والعرج، والْجُنُونِ، والْخُرُوقِ في الثَّوْبِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ وعُيُوبُ الرَّقِيْقِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِفِعْلِهِ كَالزِّنَا والسَّرِقَةِ والإبَاقِ والبَوْلِ في الفِرَاشِ، لا يُرَدُّ بِذَلِكَ إلاَّ (٦) إِذَا وُجِدَ مِنْهُ وَهُوَ مُمَيَّزٌ. فأمَّا عُيُويُهُ الَّتِي لا صُنْعَ لَهُ فِيْهَا كالبَخَرِ والغَفَلِ والفَزَعِ والْجُذَامِ والْمَرضِ فَيُرَدُّ بِهَا مَعَ التَمْيِيزِ وعَدَمِهِ وإذا اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئاً فَوَجَدَا بِهِ عَيباً فأَرَادَ أَحَدُهُمَا رَدَّ حَقِّهِ جَازَ، وقَالَ أبو بَكْرٍ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٧). فإن اشْتَرَى وَاحِدٌ شَيْئَيْنِ فَوَجَدَ بأحَدِهِمَا عَيْباً فَلَيْسَ لَهُ إلاَّ رَدُّهُمَا أو إمْسَاكُهُمَا والْمُطالَبَةُ بأرْشِ العَيْبِ ولهُ رَدُّ الْمَعَيْبِ إلاَّ أنْ يَكُونَ مِمَّا يَنْقُصُ بالتَّفْرِيقِ كَمِصْرَاعَي البَابِ أو زَوْج خُفٍّ، أو يَكُونَ مِمَّا لا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا

стр. 241

كالوَلَدِ مَعَ أبَوَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ إلاَّ رَدُّهُمَا أو إمْسَاكُهُمَا وأخْذُ الأرْشِ فأن تَلِفَ أحَدُ الشَّيْئَيْنِ وَوَجَدَ بالآخرِ عَيْباً فلهُ رَدُّهُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (١)، والأخرى لا يَرُدُّ ويُطَالِبُ بالأَرْشِ (٢) فإن اخْتَلَفَا في قِيْمَةِ التَّالِفِ فَالْقَوْلُ قَولُ الْمُشْتَرِي، فإن اخْتَلَفَا في العَيْبِ فَقَالَ البَائِعُ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَل اشْتَرَيْتُهُ وبهِ العَيْبُ نَظَرْنَا، فإنْ كَانَ العَيْبُ يَحْتَمِلُ قَوْلَهُمَا كَالْخَرْقِ في الثَّوْبِ والبَرَصِ في العَبْدِ وما أشْبَهَهُمَا فَالْقَولُ قَولُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِيْنِهِ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ (٣) وَعَنْهُ القَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ وَهِيَ الأَقْوَى عِنْدِي (٤)، وإنْ كَانَ لا يَحْتَمِلُ إلا قَولَ أَحَدِهِمَا فالقَولُ قَولُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ. بَابُ بَيْعِ التَّوْلِيَةِ والْمُرَابَحَةِ والْمُوَاصَفَةِ وحُكْمِ الإقَالَةِ يَجُوزُ بَيْعُ التَّوْلِيَةِ وَهُوَ أنْ يَبِيعَهُ بِرَأْسِ المَالِ ثُمَّ يَقُوْل بعتك برأس ماله أو بِمَا اشْتَرَيْتُهُ أو بِرَقْمِهِ نَصَّ عَلَيْهِ ويَجُوزُ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ إِذَا بَيَّنَ رأسَ الْمَالِ ومِقْدَارَ الرِّبْحِ فيَقُولُ: رَأْسُ مَالِهِ مِئَةٌ ورِبْحُهُ عَشرَةٌ، فإنْ قَالَ بِعْتُكَ بِرَأْسِ مَالِهِ عَلَى أنْ أرْبَحَ في كُلِّ عَشرَةٍ دِرْهَماً صَحَّ البَيْعُ وَلَمْ يُكْرَهْ (٥) وَنَقَلَ الأثْرَمُ عَنْهُ أنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ ده يازده (٦) وَهُوَ هَذَا وما يُزَادُ في الثَّمَنِ ويُحَطُّ

стр. 242

مِنْهُ في مُدَّةِ الْخِيَارِ يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ ما يرْجعُ بِهِ مِنْ أرْشِ العَيْبِ يُحَطُّ مِن الثَّمَنِ فإنْ خَفِيَ عَلَى الْمَبِيْعِ جِنَايَةً فَأَخَذَ أرْشَ الْجِنَايَةِ حَطَّهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَأرْشِ العَيْبِ (١) والثَّانِي لا يَحُطُّ كَسَائِرِ النَّمَاءِ الْحَادِثِ بَعْدَ العَقْدِ (٢) فإنْ جَنَى العَبْدُ الْمَبِيعُ فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَلْحَقْ ذَلِكَ بالثَّمَنِ وَجْهاً وَاحِداً فإن اشْتَرَى ثَوْباً بِمِئَةٍ فَقَصَرَهُ بِعَشرَةٍ وَرَفَاهُ بِعَشْرَةٍ فإنَّهُ يُخْبرُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ، فإنْ قَالَ يَحْصُلُ عَلَيَّ بِكَذَا فَقَالَ شَيْخُنَا لا يَجُوزُ ويَحْتَمِلُ الْجَوازَ فإنْ عَمِلَ فِيْهِ عَمَلاً يُسَاوِي عَشرَةً لَمْ يَجُزْ أنْ َقُوْلَ يَحْصُلُ عَلَيَّ بِكَذَا بَلْ يَقُوْلُ اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا وعَمِلْتُ فِيْهِ بِكَذَا وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ خِرْقَةً في الثَّوْبِ وأرَادَ بَيْعَ البَاقِي مُرَابَحَةً أو اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فأرَادَ بَيْعَ أَحَدِهِمَا مُرَابَحَةً بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ لَمْ يَجْزِهِ حَتَّى يُخْبِرَهُ بالْحَالِ حَتَّى يَسْتَوِيَ فِيْهِ عِلْمُهُ وعِلْمُ الْمُشْتَرِي، فإن اشْتَرَى عَبْداً بِعَشْرَةٍ وبَاعَهُ بِخَمْسَة عَشَرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشْرَةٍ لَمْ يَجُزْ أنْ يَبِيْعَهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُخْبِرَهُ بالْحَالِ إلاَّ أنْ يَحُطَّ الرِّبْحَ مِنَ الثَّمَنِ الثَّانِي ويُخْبِرَ أنَّ رَأْسَ مَالِهِ عَلَيْهِ خَمْسَةً فإنْ بَاعَهُ بعشرة ثُمَّ عاد فاشتراه بخمسة أخبر أنَّهُ اشتراه بخمسة فإن باعه لِغُلامِ دُكَّانِهِ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ واشْتَرَاهُ مِنْهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ الأوَّلِ عَلَى وَجْهِ الْحِيْلَةِ أو اشْتَراهُ من أبِيْهِ أو ابْنِهِ أو مِمَّنْ لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعَهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يبَيْنَ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إن اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ فإنْ بَاعَ وَلَمْ يُبَيِّنْ ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ فَلَهُ الْخِيَارُ، فإنْ أُخْبِرَ أنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمِئَةٍ ثُمَّ بَانَ أنَّهُ اشْتَرَاهُ بأقَلّ حَطَّ الزِّيَادَةَ في التَّوْلِيَةِ وفي الْمُرَابَحَةِ يَحُطُّ الزِّيَادَةَ وقِسْطَهَا مِنَ الرِّبْحِ ويُلْزِمُهُ الْمَبِيْعَ بِبقِيَةِ الثَّمَنِ (٣) وَعَنْهُ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الفَسْخِ والإمْسَاكِ مَعَ الْحَطِّ (٤)، فإنْ قَالَ بِعْتُكَ بِرأْسِ مَالِهِ - وَهُوَ مُتَحيِّرٌ - مِئَة ورَبِحَ عَشَرَة ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: غَلِطْتُ رأْسُ مَالِهِ مِئَة وَعَشَرَة لَزِمَ الْمُشْتَرِي الرَّدُّ أو إعْطَاءُ الزِّيَادَةِ بَعْدَ أنْ يُحَلِّفَهُ - إنْ شَاءَ - أنَّهُ غَلِطَ (٥)، وأنَّ رَأْسَ مالِهِ مِئَةٌ وعَشَرَةٌ، ونَقَلَ عَنْهُ أبو طَالِبٍ إنْ كَانَ مَعْرُوفاً بالصِّدْقِ مِثْلَ قَوْلِهِ (٦) ونَقَلَ عَنْهُ لا يَقْبَلُ دَعْوَاهُ وَلَوْ أقَامَ بِهَا بَيِّنَةً إلاَّ أنْ يُصَدِّقَهُ

стр. 243

الْمُشْتَرِي (١) فإنْ قَالَ: رَأْسُ مَالِي فِيْهِ مِئَةُ دِرْهَمٍ بِعْتُكَ بِهِ، وَوضِيْعَتُهُ دِرْهَمٌ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ويَلْزَمُ الْمُشْتَرِي تِسْعُونَ، ويُحْتَمَلُ أن يُلْزِمَهُ تِسْعُوْنَ وتِسْعَةُ أعْشَارِ دِرْهَمٍ. والإقَالَةُ: فَسْخٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٢) ولا يَجُوزُ إلاَّ بِمِثِلِ الثَّمَنِ ولا تُسْتَحَقُّ بِهَا الشُّفْعَةُ ويَجُوزُ في الْمَبِيْعِ قَبْلَ قَبْضِهِ ومَنْ حَلَفَ لا يَبِيْعُ فأقَالَ لَمْ يَحْنَثْ وفي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى هِيَ بَيْعٌ (٣) فَتَنْعَكِسُ هَذِهِ الأحْكَامُ إلاَّ في الثَّمَنِ فإنَّهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ (٤). بَابُ اخْتِلافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ في قَدْرِ الثَّمَنِ والسِّلْعَةُ باقية تَحَالَفَا وبُدِئَ بِيَمِيْنِ البَائِعِ فَيَحْلِفُ أنَّهُ ما بَاعَهُ بِكَذَا أو إنَّمَا بَاعَهُ بِكَذَا، ويَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أنَّهُ ما اشْتَرَاهُ بِكَذَا وإنَّمَا اشْتَرَاهُ بِكذَا فإذَا حَلَفَا فإنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَالَ صَاحِبُهُ أُقِرَّ العَقْدُ وإنْ لَمْ يَرْضَيَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الفَسْخُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَقِفَ الفَسْخُ عَلَى الْحَاكِمِ فإذَا انْفَسَخَ العَقْدُ فَقَالَ شَيْخُنَا: يَنْفَسِخُ ظَاهِراً وبَاطِناً فَيُبَاحُ لِلْبَائِعِ جَمِيْعُ التَّصَرُّفِ في الْمَبِيْعِ (٥) وعِنْدِي أنَّهُ إنْ كانَ البَائِعُ ظَالِماً بالفَسْخِ انْفَسَخَ في الظَّاهِرِ دُوْنَ البَاطِنِ لأنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ إمْضَاءَ العَقْدِ واسْتِيفَاءَ حَقِّهِ فإذَا فَسَخَ فَقَدْ تَعَدَّى ولا يَنْفَسِخُ العَقْدُ في البَاطِنِ ولا يُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ؛ لأنَّهُ غَاصِبٌ، وإنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الظَّالِمُ انْفَسَخَ العَقْدُ ظَاهِراً وبَاطِناً، لأنَّ البَائِعَ مَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ بإِمْضَاءِ العَقْدِ لامْتِنَاعِ الْمُشْتَرِي مِنْ إعْطَاءِ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ العَقْدُ عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ الفَسْخُ كَمَا لَوْ أفْلَسَ الْمُشْتَرِي، فإن اخْتَلَفَا بَعْدَ تَلَفِ السِّلْعَةِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحداهُمَا: يَتَحَالَفَانِ (٦) ثُمَّ الْمُشْتَرِي بالْخِيَارِ بَيْنَ دَفْعِ الثَمَنِ الَّذِي ادّعَاهُ البَائِعُ وبينَ دَفْعِ القِيْمَةِ إنْ عُرِفَتْ صِفَةُ السِّلْعَةِ فإنْ لَمْ تُعْرَفْ صِفَتُهَا واخْتَلَفَا أخَذَ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِيْنِهِ، والثَّانِيَةِ: لا يَتَحَالَفَانِ والقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، فإن اخْتَلَفَا في أصْلٍ أو شَرْطٍ أو رَهْنٍ أو في

стр. 244

ضَمِيْنٍ أو في مِقْدَارِ ذَلِكَ تَحَالَفَا (١) وَعَنْهُ القَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِي ذَلِكَ مَعَ يَمِيْنِهِ (٢)، فإن اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثَّمَنِ فَظَاهِرُ قَولِ أَحْمَدَ ﵀ أن يَرْجِعَ إِلَى نَقْدِ البَلَدِ (٣) فإنْ كَانَ فِيْهِ نُقُودٌ رَجَعَ إِلَى أوْسَطِهَا وَقَالَ شَيْخُنَا يَتَحَالَفَانِ (٤)، فإنْ حَلَفَ أحَدُهُمَا وَنَكَلَ الآخَرُ لَزِمَهُ ما قَالَ صَاحِبُهُ، فإنْ مَاتَ الْمُتَبَايِعَانِ فَوَرَثَتُهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا فِيْمَا ذَكَرْنَا مِنَ الأحْكَامِ فإن اخْتَلَفَا في شَرْطٍ يُفْسِدُ البَيْعَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا بِعْتَنِي بِخَمْرٍ أو جَعَلْتَ لِيَ الْخِيَارِ مَتَى شِئْتَ وَقَالَ الآخَرُ بَلْ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ وخِيارُ ثَلاث فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِي الفَسَادَ مَعَ يَمِينِهِ فإن اخْتَلَفَا في عين الْمَبِيْعِ فَقَالَ البَائِعُ بِعْتُكَ هَذَا العَبْدَ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ بِعْتَنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ تَحَالَفَا فإنْ قَالَ البَائِعُ بِعْتُكَ هَذَا العَبْدَ بألْفٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ هُوَ والعَبْدُ الآخَرُ بألْفٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ مَعَ يَمِيْنِهِ وإن اخْتَلَفَا في التَّسْلِيِمِ، فَقَالَ البَائِعُ لا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى تُقْبِضَنِي الثَّمَنَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي لا أُقْبِضُ الثَّمَنَ حَتَّى أَقْبَضَ الْمَبِيْعَ، فإنْ كَانَ الثَّمَنُ عَيْناً جُعِلَ بَيْنَهُمَا عَدْلٌ يَقبَضُ مِنْهُمَا ويُسَلِّمُ الْمَبِيْعَ إِلَى الْمُشْتَرِي والثَّمَنَ إِلَى البَائِعِ وإنْ كَانَ الثَّمَنُ دَيْناً في الذِّمَّةِ أُجْبِرَ البَائِعُ عَلَى تَسْلِيْمِ الْمَبِيْعِ ثُمَّ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إنْ كَانَ حَاضِراً مَعَهُ وإنْ كَانَ غَائِباً عن الْمَجْلِسِ في البَلَدِ حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي في الْمَبِيْعِ وفي جَمِيْعِ مَالِهِ حَتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ، فإنْ كَانَ الثَّمَنُ غَائِباً عَلَى مَسَافَةٍ تُقْصَرُ فِيْهَا الصَّلَاةُ فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ الفَسْخِ أو الصَّبْرِ، فإنْ كَانَتْ مَسَافَةً لا تُقْصَرُ فِيْهَا الصَّلَاةُ احْتَمَلَ أنْ يَثْبُتَ لَهُ الْخِيَارُ واحْتَمَلَ أنْ يَحْجُرَ عَلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى يُسَلِّمَ الثَّمَنَ، فإنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُعْسِراً فَلِلْبَائِعِ الفَسْخُ في الْحَالِ والرُّجُوعُ في الْمَبِيْعِ. بَابُ السَّلَمِ والسَّلَمُ نَوعٌ مِنَ البَيْعِ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَنْعَقِدُ بِهِ البَيْعُ ويَنْعَقِدُ بِلَفْظِ السَّلَمِ والسَّلَفِ ويَصِحُّ في كُلِّ مالٍ يُضْبَطُ بالصِّفَةِ كَالثِّمَارِ والْحُبُوبِ والأدِقَّةِ (٥) والأخْبَارِ (٦) والثِّيَابِ والقُطْنِ والإبِرِيْسَمِ (٧) والكَتَّانِ والقُنَّبِ (٨) والكاغد (٩) والصُّوفِ والشَّعْرِ والْحَيَوانِ والرقيقِ

стр. 245

واللُّحُومِ والرُّؤُوْسِ والْجُلُودِ والأطْرَافِ والْحَدِيْدِ والرَّصَاصِ والنُّحَاسِ والصُّفْرِ والأحْجَارِ والأخْشَابِ والأَدْوِيَةِ والطِّيْبِ والْمَائِعَاتِ مِنَ الخلُولِ والأدْهَانِ والألبَانِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولا يَصِحُّ إلا بِخَمْسةِ شَرَائِطٍ، أَحَدِهَا: أنْ يَذْكُرَ كُلَّ وَصْفٍ يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لأجْلِهِ عِنْدَ أهْلِ الْخِبْرَةِ فإذَا أسلَمَ في طَعَامٍ ذَكَرَ الْجِنْسَ فَقَالَ: حِنْطَةٌ، والنَّوعُ: بَغْدَادِيَّةٌ واسِطِيَّةٌ، واللَّوْنُ: بَيْضَاءٌ حَمْرَاءٌ صَفْرَاءٌ، والقَدَرُ: كِبَارُ الْحَبِّ صِغَارُ الحَبِّ وحَدِيْثٌ أو عَتِيْقٌ وجَيِّدٌ أو رَدِيْءٌ، وخَالِيَةٌ من الغِشِّ. فإنْ شَرَطَ أَجْوَدَ الْحِنْطَةِ لَمْ يَصِحَّ وإنْ شَرَطَ أرْدَأَهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ (١) والشَّرْطِ الثَّانِي أنْ يَذْكُرَ الْمِقْدَارَ فَيَشْرُطَ في الْمَكِيْلِ كَيْلاً مَعْلُوماً وفي الْمَوْزُونِ وَزْناً مَعْلُوماً، وَكَذَلِكَ في الْمَزْرُوْعِ والْمَعْدُودِ فإنْ أسْلَمَ فِيْمَا يُكَالُ بالْوَزْنِ لَمْ يَصِحَّ نَصَّ عَلَيْهِ (٢) وَكَذَلِكَ تخرجُ إِذَا أسْلَمَ فِيْمَا يُوزَنُ كَيْلاً وَفِيْمَا يُزْرَعُ وَزْناً فأمَّا الْمَعْدُودُ والْمُخْتلفُ كالبَيْضِ والْجَوزِ والرُّمَّانِ والسَّفَرْجَلِ والبِطِّيْخِ والقِثَّاءِ والبَاذِنْجَانِ وما أشْبَهَهُ فَفَيْهِ رِوَايِتَانِ إحداهما (٣): لا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيْهِ (٤) وَقَالَ في رِوَايَةِ إسْحَاقِ بن إبْرَاهَيْمَ وَقَدْ سَأَلَهُ عَن السَّلَمِ في البَيْضِ إنَّما سَمِعْنَا السَّلَمَ فِيْمَا يُكَالُ أو يُوزَنُ. قُلْتُ: فالرُّمَّانُ، قَالَ: لا أدْرِي ولا البَيْضُ السَّلَم فِيْمَا يكال أَوْ يوزن وَلَا أرى السلم إلا فِيْمَا يُكَالُ أو يُوزَنُ أو شَيْءٌ يُوْقَفُ عَلَيْهِ ومعْنَاهُ - وَاللهُ أَعْلَمُ - يُوقَفُ عَلَيْهِ بِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ لا يَخْتَلِفُ كالزَّرْعِ، وظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ السَّلَمِ في كُلِّ مَعْدُودٍ مُخْتَلِفٍ مِنَ الفَوَاكِهِ والبُقُولِ والبَيْضِ والْحَيَوَانِ والرُّؤُوسِ وما أشْبهَ ذَلِكَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ السَّلَمُ في جَمِيْعِ ذَلِكَ (٥) وَهَلْ يُسْلِمُ فِيْهِ عَدَداً أو وَزْناً عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحدَاهمَا: وَزْناً (٦) والأُخْرَى: عَدَداً (٧) وَقِيْلَ يُسْلِمُ في البيْضِ والْجَوْزِ عَدَداً وفي الفَوَاكِهِ والبُقُولِ وَزْناً والشَّرْطِ الثَّالِثِ: أنْ يَشْرُطَا أجَلاً مَعْلُوماً لَهُ وَقْعٌ في الثَّمَنِ كَالشَّهْرِ والشَّهْرَيْنِ فَصَاعِداً، فإنْ أسْلَمَ حالاً أو شَرَطَ سَاعَةً أو يَوْماً لَمْ يَصِحَّ إلاَّ أنْ يُسْلِمَ في لَحْمٍ أو خُبْزٍ يَأْخُذُ كُلٌّ مِنْهُ

стр. 246

كُلَّ يَومٍ أرْطَالاً مَعْلُومَةً فإنَّهُ يَصِحُّ، نَصَّ عَلَيْهِ (١)، فَإِنْ أَسْلَمَ في جِنْسٍ إلى أَجَلَيْنِ، أو في جِنْسَيْنِ إلى أَجَلٍ صَحَّ، وإِنْ أَسْلَمَ إلى الحَصَادِ والجُذَاذِ، فَهَلْ يَصِحُّ أمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٢). والشَّرطِ الرَّابِعِ: أَنْ يَشْرِطَا مَحلاً يَكُوْنُ المُسَلَّمُ فِيْهِ عَامُّ الوُجُودِ، فَإِنْ جَعَلَا المَحلَ وَقْتاً لا يُوجَدُ فِيْهِ أو يُوجَدُ نَادِراً مِثْلُ: أَنْ يُسْلِمَ في الرَّطبِ والعِنَبِ ويَجعَلَ مَحَلَّهُ شُبَاطاً أَو آذَارَ لَمْ يَصِحَّ، وكَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَ في ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ أو بسْتَانٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لأنَّهُ لا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ عِنْدَ المَحَلِّ، فَإِنْ أَسْلَمَ فِيْمَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ فَانْقَطَعَ في مَحَلِّهِ فالمُشْتَرِي بالخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلى أَنْ يُوجدَ وبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ العَقْدَ ويَرْجِعَ بالثَّمَنِ إِنْ كَانَ مَوْجُوداً أو بِمِثْلَهِ إِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ أو بِقِيْمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيْلاً أو مَوْزُوناً في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ (٣)، والآخَرُ: أنَّ العَقْدَ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ العَقْدِ (٤)، فَإِنْ تَعَذَّرَ البَعْضُ فَالحُكْمُ فِيْهِ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ الجَمِيْعُ. والشَّرْطِ الخَامِسِ: أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ مَالِ السَّلِمْ في مَجْلِسِ العَقْدِ ويَكُوْن مَعْلُومَ الصِّفَةِ والمِقْدَارِ كَالثَّمَنِ سَوَاءٌ، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ القَبْضِ بَطَلَ السَّلَمُ، وإِنْ أَقْبَضَهُ بَعْضَهُ في المَجْلِسِ ثُمَّ تَفَرَّقَا بَطَلَ العَقْدُ في الْجَمِيْعِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٥)، والأُخْرَى: يَبْطُلُ فِيْمَا لَمْ يُقْبَضْ (٦)، فَإِنْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَوَجَدَهُ رَدِيْئاً فَرَدَّهُ فَلَهُ البَدَلُ في مَجْلِسِ الرَّدِّ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٧)، والأُخْرَى: يَبْطُلُ العَقْدُ بِرَدِّهِ (٨)، فَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُ رَدِيْئاً فَرَدَّهُ فَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُوْلَة لَهُ الاسْتِبْدَالُ في المَجْلِسِ (٩)، وعَلَى الأُخْرَى يَبْطُلُ في المَرْدُودِ (١٠)، وهَلْ يَصِحُّ فِيْمَا لَمْ يُرَدَّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (١١)، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيْقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ تَقَابَلا في بَعْضِ المسَّلَمِ فِيْهِ

стр. 247

لَمْ يَصِحَّ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (١)، والأُخْرَى: تَصِحُّ (٢) ويَقْبِضُ قِسْطَهُ مِنَ الثَّمَنِ أو عِوَضَهُ في مَجْلِسِ الإِقَالَةِ، وإِذَا قَبَضَ المسَّلَمَ فِيْهِ ثُمَّ ادَّعَى أنَّهُ غَلِطَ عَلَيْهِ في الوَزْنِ أَو الكَيْلِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: القَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ (٣). والثَّانِي: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ (٤)، فَإِنْ قَبَضَهُ جُزَافاً فَتَلِفَ واخْتَلَفَا في قَدْرِهِ فَالقَوْلُ قَوْلُ القَابِضِ مَعَ يَمِيْنِهِ وَجْهاً وَاحِداً، ولَا يَجُوزُ بَيْعُ المسَّلَمِ فِيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ولَا الشِّرْكَةِ ولَا التَّوْلِيَةِ فِيْهِ، ولَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهَنِ والكَفيْلِ بِمَالِ السْلِمِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٥)، والأُخْرَى: يَجُوزُ (٦)، ولَا يُشْتَرَطُ في السَّلَمِ ذِكْرُ مَكَانِ الإِيْفَاءِ، ويَكُونُ الإِيْفَاءُ في مَوْضِعِ العَقْدِ، فإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ صَحَّ الشَّرْطُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٧)، والأُخْرَى: لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ (٨). وإِذَا أَحْضَرَ المُسلِم فِيْهِ عَلَى الصِّفَةِ المَشْرُوطَةِ أو أَجْوَدُ لَزِمَ قَبُوْلَهُ، فإِنْ كَانَ أَنْقَصَ مِنَ الصِّفَةِ لَمْ يَلْزَمْ قَبُولَهُ، وإِنْ جَاءهُ بِأَجْوَد منَ الصِّفَةِ فَقَالَ: خُذْهُ وَزِدْنِي دِرْهَماً فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ، وإِنْ جَاءهُ بِزِيَادَةٍ في المِقْدَارِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ صَحَّ، فَإِنْ جَاءهُ بالمسَّلَمِ فِيْهِ قَبْلَ المَحَلِّ ولا ضَرَرَ في قَبْضِهِ لَزِمَهُ قَبْضُهُ، وإِنْ كَانَ في قَبْضِهِ ضَرَرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ. ولَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيْمَا لا يُضْبَطُ بالصِّفَةِ كَالجَّوَاهِرِ كُلِّهَا مِنَ الدُّرِّ واللُّؤْلُؤِ واليَاقُوتِ، وكَذَلِكَ الحَوَامِلُ مِنَ الحَيَوَانِ، فَأَمَّا السَّلَمُ في الأَوَانِي المُخْتَلِفَةِ الرُّؤُوسِ والأَوْسَاطِ كَالمَرَاجِلِ والأَبَارِيْقِ والأَسْطَالِ الضَّيِّقَةِ الرُّؤُوسِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ (٩)، ومَا يَجْمَعُ أَنْوَاعاً مُخْتَلِفَةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:

стр. 248

ما يُطْرَحُ في الشَّيءِ لِمَنْفَعَةِ الشَّيءِ، وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ في نَفْسِهِ كالأَنْفَحةِ في الجُبْنِ (١)، والخَلِّ في السَّكَنْجَبِيْنِ (٢)، والمِلْحِ في العَجِيْنِ، ومَا أَشْبَهَهُ. فالسَّلَمُ فِيْهِ جَائِزٌ. والثَّانِي: مَا يُطرَحُ في الشَّيءِ لَا لِمَنْفَعَةٍ كَالمَاءِ في اللَّبَنِ، والمِسِّ في الذَّهَبِ (٣) فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيْهِ. والثَّالِثِ: أَخْلَاطُ أَشْيَاءَ مَقْصُودَةٍ عَلَى وَجْهِ لا تَتَمَيَّزُ كَالغَالِيَةِ (٤) والنَّدِّ (٥)، والمَعَاجِيْنِ، وما أَشْبَهَهُ فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيْهَا. الرَّابِعِ: مُجْتَمِعٌ مَقْصُودٌ مُتَمَيِّزٌ كَالثَّوْبِ الْمَنْسُوجِ مِنْ قُطْنٍ وإِبْرِيْسَمٍ أو كَتَّانٍ وقُطْنٍ والقَسِيِّ (٦) والنَّبْلِ المَرِيْشِ (٧) والرِّمَاحِ والخفَافِ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيْهَا في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ (٨) والآخَرُ لا يَصِحُّ (٩)، ولا يَصِحُّ السلم في العَقَارِ والنَّخْلِ والأشْجَارِ الثَّابِتَةِ، وكلُّ عَيْنٍ لا يَجُوزُ أنْ تسلمَ ثَمَناً وَاحِداً في جنْسٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِقْدَارُ ما لِكِلِّ جِنْسٍ مِنَ الثَّمَنِ. بَابُ القَرْضِ القَرْضُ مِنْ مَنَافِعِ النَّاسِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ويَحْصُلُ المِلْكُ فِيْهِ بالقَبْضِ، فَلَو أَرَادَ المُقْرِضُ الرُّجُوعَ في غَيْر مَالِهِ قَبْلَ تَصَرُّفِ المُسْتَقْرِضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ أرَادَ المُسْتَقْرِضُ ذَلِكَ لَزِمَ المُقْرِضُ قَبُولَهُ إِذَا كَانَ عَلَى حالِهِ حِيْنَ القَرْضِ فإنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ مِثل أنْ حَدَثَ بِهِ عَيْباً أو أقْرَضَهُ فُلُوساً أو مُكَسَّرَةً فَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ لَمْ يَلْزَم المُقْرِضُ قَبُولَهُ وكَانَ لَهُ القِيْمَةُ وَقْتَ القَرْضِ، ويَجُوزُ قَرْضُ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بِعَقْدِ السَّلَمِ إلاَّ بَنِي آدَمَ فإنَّ أَحْمَدَ ﵀ كَرَّهَهُ (١٠) ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَصِحَّ قَرْضُهُمْ (١١) وَهُوَ يُحْتَمَلُ أنْ يَصِحَّ مَعَ

стр. 249

الكَرَاهِيَةِ (١)، فأمَّا ما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَماً كالْجَوَاهِرِ، فَذَكَرَ شَيْخُنَا في " الْمُجَرَّدِ " جَوازَ قَرْضِهَا ويَرُدُّ المُسْتَقْرِضُ القِيْمَةَ (٢)، والأقْوَى عِنْدَي أنَّهُ لا يَجُوزُ قَرضُهَا لأنَّهَا لا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ ولا نُقِلَ جَوَازُ قَرْضِهَا ولا هِيَ مِنَ المَرَافِقِ ويَجِبُ رَدُّ المِثْلِ في المَكِيْلِ والمَوْزُونِ وفي غيْرِهِمَا عَلَى وَجْهَيْنِ، أحَدِهِمَا يَرُدُّ القِيْمَةَ (٣)، والآخرِ: يَرُدُّ مِنْ جِنْسِهِ (٤) وَإِذَا أقْرَضَهُ أثْمَاناً فَلَقِيَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فَطَالَبَهُ بِهَا لَزِمَهُ أن يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِثْلَها، فإنْ أقْرَضَهُ مَكِيْلاً فَطَالَبَهُ بالْمِثْلِ في بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ، وإنْ طَالَبَهُ بالقِيْمَةِ لَزِمَهُ ويَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ والضَّمِينِ في القَرْضِ ولا يَجُوزُ شَرْطُ الأَجَلِ ولا يَجُوزُ كلُّ شَرْطٍ يَجُرُّ مَنْفَعَةً مِثْلَ أن يُقْرِضَهُ عَلَى أنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ أو يُعْطِيهِ أجْوَدَ مِمَّا أَخَذَ أو يَكْتُبَ لَهُ بِهِ سَفْتَجَةً (٥) إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فإنْ بَداهُ المُقْرِضُ فَفَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيرِ شَرْطٍ جَازَ ويُحْتَمَلُ جَوازُ شَرْطِ السَّفْتَجَةِ لأنَّهَا مَصْلَحةٌ لَهُمَا، فإنْ أبَدَى لَهُ هَدِيةً بَعْدَ الوَفَاءِ أو زَادَهُ زِيَادَةً مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ إحداهُمَا: جَوازُ ذَلِكَ (٦) والأُخْرَى تَحْرِيْمُهُ (٧). كِتَابُ الرَّهْنِ الرَّهْنُ: عَقْدٌ لَازِمٌ في حَقِّ الرَّاهِنِ جَائِزٌ في حَقِّ المُرْتَهِنِ يَصِحُّ في السَّفَرِ والحَضَرِ ولَا يَصِحُّ إلاَّ مِنْ جَائِزِ التَّصْرُّفِ، ويَصِحُّ انْعِقَادُهُ مَعَ الحَقِّ وبَعْدَ الحَقِّ، فَأَمَّا قَبْلَهُ فَقَدْ نَقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ كَلَاماً يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ (٨)، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وشَيْخِنَا (٩)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْعَقِدَ، فَإِذَا وَجَبَ الحَقُّ صَارَ رَهناً مَحْبُوساً بِهِ، وَهُوَ الأَقْوَى عِنْدَي قِيَاساً عَلَى قَوْلِهِ في الضَّمَانِ. ويَلْزَمُ الرَّهْنُ في المُعَيَّنِ بِنَفْسِ العَقْدِ، ويَلْزَمُ الرَّاهِنُ إِقْبَاضَهُ، فَإِنِ

стр. 250

امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الحَاكِمُ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُ إِلاَّ بالقَبْضِ (١) سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّناً كَالعَبْدِ، أو غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالقَفَيْزِ مِنْ صُبْرَةٍ إِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى يَدِ المُرْتَهِنِ، أَو يَدِ عَدْلٍ جَازَ، وإِنِ اخْتَلَفَا أسَلَّمَهُ الحَاكِمُ إلى أَمِيْنٍ. فَإِنِ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنَ التَّقْبِيْضِ فَلَهُ ذَلِكَ ويَبْطُلُ الرَّهْنُ، وعلى هذِهِ الرِّوَايَةِ اسْتِدَامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ، فَلا يَمْلِكُ الرَّاهِنُ انْتِزَاعَهُ بِحَالٍ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ المُرْتَهِنُ مِنْ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى يَدِ الرَّاهِنِ زَالَ لُزُوْمُ الرَّهْنِ وبَقِيَ العَقْدُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوْجَدْ فِيهِ قَبْضٌ، فَإِنْ رَدَّهُ إلى يَدِ المُرْتَهِنِ عَادَ اللُّزُومُ بِحُكْمِ العَقْدِ السَّابِقِ فَكَذلِكَ الحُكْمُ فِيهِ إِذَا رَهَنَهُ عَصِيْراً فَصَارَ خَمْراً يَزُولُ لُزُومُ الرَّهْنِ، فَلَوْ عَادَ فَأسْتَحَالَ خَلاً عَادَ الرَّهْنُ بِحُكْمِ العَقْدِ السَّابِقِ وتَصَرَّفَ الرَّاهِنُ في الرَّهْنِ بالبَيْعِ والهِبَةِ والوَقْفِ والإِجَارَةِ والعَارِيَةِ بَاطِلٌ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ المُرْتَهِنُ في ذَلِكَ فَيَصِحُّ ويَبْطُلُ الرَّهْنُ، فَأَمَّا تَزْوِيْجُ المَرْهُونَةِ فَقَالَ شَيْخُنَا: يَصِحُّ (٢)، ويَكُونُ للمُرْتَهِنِ مَنْعُ الزَّوْجِ مِنْ وَطْئِهَا، ويَكُونُ مَهْرُهَا رَهْناً مَعَهَا، وعِنْدِي: لَا يَصِحُّ تَزْوِيْجُهَا؛ لأَنَّهُ يَنْقُصُ ثَمَنُهَا، ولَيْسَ للرَّاهِنِ عِتْقُ الرَّهْنِ، فَإِنْ أَعْتَقَ نَفَذَ عِتْقُهُ إِنْ كَانَ مُوسِراً ويُؤْخَذُ مِنْهُ قِيْمَتُهُ تُجْعَلُ رَهْناً مَكَانَهُ، وإِنْ كَانَ مُعْسِراً فَنَصَّ أَحْمَدُ ﵁: أَنَّهُ يَنْفُذُ (٣)، ويُحْتَمَلُ: أَنْ لَا يَنْفُذَ بِنَاءً عَلَى عِتْقِ المُفْلِسِ. وكُلُّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا جَازَ رَهْنُهَا حَتَّى المُرْتَدُّ والجَانِي والمُعَلَّقُ عُنُقُهُ بِصِفَةٍ. وحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ لا يَصِحُّ رَهْنُ الجَانِي (٤). فَأَمَّا المُكَاتِبُ فَإِنْ قُلْنَا: يَجُوْزُ بَيْعُهُ، ولَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرَّهْنِ اسْتِدَامَةُ القَبْضِ صَحَّ رَهْنُهُ ويَكُونُ اكْتِسَابُهُ ومَا يُؤَدِّيْهِ مِنْ نُجُوْمِهِ رَهْناً مَعَهُ، وإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ. ويَجُوزُ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الفَسَادُ كَالطَّبْخِ والبِطِّيْخِ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، ويَبِيْعُهُ الحَاكِمُ ويَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْناً مَكَانَهُ. ويَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ القِسمَةَ أَو لَا يَحْتَمِلُ. ثُمَّ إِنْ رَضِيَ الشَّرِيْكُ بِكَوْنِ حَقِّهِ في يَدِ المُرْتَهِنِ ودِيْعَةً أَو بِأُجْرَةٍ جَازَ، وكَذَلِكَ إِنْ رَضِيَ المُرْتَهِنُ أَنْ يَكُونَ في يَدِ الشَّرِيْكِ ودِيْعَةً للمَالِكِ مَحْبُوساً لَهُ جَازَ، وإِنِ اخْتَلَفَا جَعَلَهُ الحَاكِمُ في يَدِ عَدْلٍ ودِيْعَةً للشَّرِيْكَيْنِ، أَو يُؤَجِّرُهُ لَهُمَا مَحْبُوْساً قَدَرَ الرَّهْنِ للمُرْتَهِنِ. ويَصِحُّ رَهْنُ المَالِكِ العَيْنَ المَغْصُوبَةِ مِنَ الغَاصِبِ، ويَزُولُ ضَمَانُ الغَصْبِ ولَا يَصِحُّ رَهْنُهَا مِنْ غَيْرِ الغَاصِبِ ويَصِحُّ رَهْنُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوُّ صَلَاحِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ القَطْعِ في
следующие страницы →