← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 121–160 · переход к 126.

стр. 121

وذا لَفظُهُ، وقالَ: حسَنٌ، وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يتعيَّنُ الذكرُ الأولُ، اللهُمَّ إلا أن يقالَ، إنَّ هذا مُطلقٌ، وذاكَ مُقيَّدٌ. عن أبي هريرةَ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ يُكبِّرُ حينَ يقومُ، ثمَّ يكبِّرُ حينَ يركعُ، ثمَّ يقولُ: سَمعَ اللهُ لمن حمدَهُ حينَ يرفعُ صُلْبَهُ من الركوعِ، ثمَّ يقولُ وهو قائمٌ: ربّنا ولكَ الحمدُ، ثمَّ يُكبِّرُ حينَ يهوي، ثمَّ يكبِّرُ حينَ يرفعُ رأسَهُ، ثمَّ يكبِّرُ حينَ يسجدُ، ثمَّ يكبِّرُ حينَ يرفعُ رأسَهُ، ثُمَّ يفعلُ ذلكَ في صلاتِهِ كلّها حتى يَقضيَها، ويكبِّرُ حينَ يقومُ من الثنتينِ بعدَ الجلوسِ " (٥٨)، أخرجاهُ. عن ابنِ عمرَ: " أنّ النبيَّ ﷺ كانَ يرفعُ يديهِ حذْوَ منْكبيهِ إذا افتتحَ الصلاةَ، وإذا كبَّر للركوعِ، وإذا رفعَ رأسَهُ من الركوعِ رفَعهما كذلك، وقالَ: سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهُ، ربَّنا ولكَ الحمدُ، وكانَ لا يفعلُ ذلك في السجودِ " (٥٩)، أخرجاهُ. قالَ أبو حُمَيْدٍ في حديثهِ: " ثمّ ركعَ فوضعَ يدَيهِ على رُكْبتَيهِ كأنّه قابضٌ عليهما " (٦٠)، رواهُ أحمد، وأبو داود، وابنُ ماجَةَ، والترمِذِيُّ، وصحّحهُ، وأصلُهُ في البخاري. عن وائلِ بنِ حُجْرٍ، قالَ: " كانَ النبيُّ ﷺ إذا ركَع فرَّجَ أصابِعَهُ وإذا سجدَ ضَمَّ أصابعَهُ " (٦١)، رواهُ البَيْهقيُّ. عن عائشةَ، قالتْ: " كانَ النبيُّ ﷺ إذا ركعَ لمْ يَشْخصْ رأسهُ، ولمْ يُصوِّبهُ، ولكنْ بينَ ذلكَ " (٦٢)، أخرجهُ مسلم.

стр. 122

عليهما، ووَتَّرَ يديهِ فنحَّاهُما عن جنْبَيْهِ " (٦٣)، رواهُ الترمِذيُّ وصحَّحهُ، وقالَ: في البابِ عن أنس، وهو الذي اختارَهُ أَهلُ العلمِ. عن ابنِ عباسٍ: أنّ النبيَّ ﷺ قالَ: " أمّا الركوعُ فعَظِّموا فيهِ الربَّ، وأمّا السجودُ فاجتَهِدوا في الدّعاءِ فقمِنٌ أن يُستَجابَ لكُمْ " (٦٤)، رواهُ مُسلم. وعن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: " لَمّا نزلَ: (فسبِّح باسمِ ربِّكَ العَظيمِ)، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اجْعلوها في رُكوعِكمْ، فلمّا نزَلتْ (سَبِّح اسمَ ربِّكَ الأعلى) قالَ: اجْعلوها في سجودِكمْ " (٦٥)، رواهُ أبو داود، وابنُ ماجَةَ، وابنُ حِبّانَ، والحاكمُ، وقالَ: صحيحُ الإسْنادِ. عن عوْنِ بنِ عبد اللهِ بن عُتْبةَ بنِ مَسْعودٍ عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا ركعَ أحدُكُم فلْيقلْ ثلاثَ مرّاتٍ: (سُبحانَ ربّي العظيم) وذلكَ أدناهْ، وإذا سجدَ فليقلْ: (سُبحانَ ربّيَ الأعلى)، ثلاثاً، وذلك أدناهْ " (٦٦)، رواه أبو داود، وهذا لفظُهُ، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ، قال البخاريُّ، وأبو داود، والترمِذِيُّ: هو مُرْسَلٌ، عَون لمْ يُدركْ عبدَاللهِ بنَ مسعودٍ، قلتُ: ورُويَ عن عَونٍ عن النبيِّ ﷺ مُرْسَلاً، ليسَ فيه ذكر ابن مسعود وقد تفرَّدَ بهِ عنهُ إسحاقُ بنُ يَزيدَ، ولا يُعرَف إلا بهذا الحديثِ، ولمْ يرو عنهُ سوى ابنِ أبي ذِئْبٍ. عن عليٍّ في حديثهِ عن النبيّ ﷺ ، قالَ: " وإذا ركعَ قالَ: اللهُمَّ لكَ ركعتُ، وبكَ آمنتُ، ولكَ أسلمتُ، خشعَ لكَ سَمْعي، وبَصري ومُخّي وعَظْمي وعَصبي " (٦٧)، رواهُ مسلم. ورواهُ بعضُهم فقالَ فيه: " وما اسْتَقلَّتْ بهِ قدمي للهِ ربِّ العالمين "، وصحَّحهُ

стр. 123

بعضُ الحفاظ، وللنسائيّ عن جابرٍ ومحمدِ بنِ مَسْلمةَ نحو ذلك (٦٨). تقدَّمَ رفع اليدين في الرفعِ من الركوعِ، وحديثُ أبي هريرةَ: " سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهُ، ربّنا ولكَ الحمدُ " (٦٩)، وفي روايةٍ لَهما: " ربَّنا لكَ الحمدُ " (٧٠). وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ عن النبيِّ ﷺ : " أنّهُ كانَ إذا قال: سمع اللهُ لمنْ حمدَهُ، قالَ: اللَّهُمَّ ربَّنا لكَ الحمدُ مِلْءَ السماواتِ، ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شئتَ من شيء بعدُ، أهَ الثَّناءِ والمجدِ، أحقُّ ما قالَ العبدُ، وكلُّنا لكَ عبدٌ، اللهمّ لا مانِعَ لما أعطيتَ ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ " (٧١)، رواهُ مسلم، والنسائيُّ، وعندَهُ في نسْخةٍ مُعْتمدةٍ: " حَقُّ ما قالَ العبدُ ". تقدّمَ التكبيرُ في الهَوي إلى السجودِ. عن وائلِ بنِ حُجْر، قالَ: " رأيتُ النبيَّ ﷺ إذا سجدَ وضعَ رُكْبَتَيهِ قبل يَديهِ، وإذا نهضَ رفعَ يديهِ قبلَ رُكبَتيهِ " (٧٢)، رواهُ أصحابُ السُّننِ الأَربَعةِ، وقالَ الترمِذِيُّ: حسَنٌ غَريبٌ، لا نَعرفُ أحداً رواهُ غيرُ شريكٍ القاضي يَعني عن عاصمِ بنِ كُلَيْبٍ عن أبيهِ عن وائلِ بنِ حُجْرٍ. وروى هَمّامُ عن عاصمٍ هذا مُرْسلاً لمْ يذكرْ فيهِ وائلَ بنَ حُجْرٍ، وكذا قالَ البخاريُّ، والبَيْهقيُّ، وقالَ الدارَقُطنيُّ: شَريكٌ ليسَ بالقوِيِّ فيما يَنفرِدُ بهِ. ورواهُ أبو داودَ أيضاً من حديثِ هَمّامٍ عن محمدِ بنِ جُحادَةَ عن عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ

стр. 124

عن أبيهِ، قال: " فلما سجدَ وَقعتْ رُكْبتاهُ إلى الأرضِ قبلَ أن يقعَ كَفّاهُ " (٧٣)، وهذا جيّدٌ إلاّ أنّ عبدَالجبّارِ لمْ يسمعْ أباهُ لَصغرهِ، وقيلَ: إنما ولدَ بعدَ موتِه. ورواهُ الدارَقُطنيُّ (٧٤) عن أنَسٍ، وفيهِ العَلاءُ بنُ إسماعيلَ، ولا يُعرَفُ. عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " أُمِرَ النبيُّ ﷺ أنْ يسجدَ على سَبْعَةِ أعْظُمٍ، ولا يكفُّ شَعْراً ولا ثوباً، على الجَبْهةِ، وأشارَ بيدهِ إلى أنْفهِ واليدينِ، والرُّكبَتينِ، وأطرافِ القَدَمينِ " (٧٥)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ عن النبيِّ ﵇، قالَ: " أُمِرتُ أن أسجدَ. . فذكرَهُ " (٧٦). عن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا سَجدتَ فَضعْ كَفَّيكَ وارفعْ مِرْفَقيكَ " (٧٧)، رواهُ مُسلمٌ. ففي هذا دلالةٌ على وجوبِ مُباشرةِ المُصلّي بالجبهةِ، وعلى الصحيحِ من القولَيْنِ من وجوبِ وضعِ اليَدينِ، والرُّكبَتينِ، والقدمين، وقد يُحتجُّ للقولِ الآخر بمفهومٍ ما رواهُ أبو داودَ عن رِفاعةَ بنِ رافعٍ مرفوعاً: " ثمّ يكبِّرُ فيسجدَ فيمكِّنَ وجهَهُ " وربّما قالَ: " جبْهتَهُ "، قالَ في آخرِهِ: " لا تَتمُّ صلاةُ أحدِكُم حتى يَفعلَ ذلك " (٧٨). عن خَبّابِ بنِ الأَرَتِّ، قالَ: " شكونا إلى رسولِ اللهِ ﷺ حرَّ الرَّمْضاءِ فلمْ يُشْكِنا " (٧٩)، رواهُ مسلم، والبيهقيُّ، وزادَ: " في وجوهِنا وأكُفّنا "، فأُخِذَ منها وجوبُ مُباشَرةِ المصلّي بالكفِّ على أَحدِ القَوْلينِ. عن عبدِ اللهِ بنِ مالكِ بنِ بُحَيْنَةَ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا سجدَ يَجْنَحُ في

стр. 125

سجودِهِ حتى يُرَى وَضحُ إبْطَيهِ " (٨٠)، أَخرجاهُ. وعن أبي حُمَيْدٍ: أنّهُ قالَ في حديثهِ: " وإذا سجدَ فرَّجَ بينَ فخِذَيْهِ غيرَ حامِلٍ بطنَهُ على شيءٍ من فخِذَيهِ " (٨١)، رواهُ أبو داود، والترمِذِيُّ، وصحَّحهُ. وعن البَراءِ: " أنّهُ وضعَ يديهِ على الأرضِ وبسَطَها، ورفعَ عَجيزتَهُ، وقالَ: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فعَلَ " (٨٢)، رواهُ أحمد، والمَعْمريُّ بإسنادٍ: جيّدٍ قوِيٍّ. عن يَزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ مرَّ على امرأتينِ تُصلّيانِ " (٨٣)، فقالَ: إذا سجَدْتُما فَضُمّا بعضَ اللّحْمِ إلى الأرضِ، فإنّ المرأةَ ليْستْ في ذلكَ كالرجُلِ "، رواهُ أبو داود، في المراسيلِ، وقد أُسنِدَ من طريقينِ، قال البيهقيُّ: ولا يَصحُّ. عن حُذَيْفَةَ، قالَ: " صلّيتُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فكانَ يقولُ في ركوعِهِ سُبْحانَ رَبِّي العظيمِ، وفي سُجودهِ: سُبحانَ ربّيَ الأعلى " (٨٤)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وصحَّحهُ الترمِذِيُّ. عن عليٍّ أنّهُ قالَ في حديثهِ: " وإذا سجدَ قالَ: اللهُمَّ لكَ سجدتُ وبكَ آمنتُ، ولكَ أسلمْتُ، سجدَ وجْهي للّذي خلقَهُ وصوَّره وشَقَّ سمْعَهُ وبصَرَهُ، تبارَكَ اللهُ أحسنُ الخالقينَ " (٨٥)، رواهُ مُسلم. عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّهِ وهو

стр. 126

ساجدٌ، فأكْثِروا الدعاءَ " (٨٦)، رواهُ مُسلمٌ. تقدّمَ حديثُ أبي هريرةَ في التكبيرِ للرفعِ من السجودِ. عن أبي حُمَيْدٍ في حديثهِ، قالَ: " ثمَّ هَوى إلى الأرضِ ساجداً، ثمَّ قالَ: اللهُ أكبرُ، ثُمَّ ثَنى رجلَهُ، وقعدَ عَليْها، واعتدَلَ حتى يرجعَ كلُّ عَظمٍ في مَوْضعِهِ " (٨٧)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وصحَّحهُ الترمِذِيُّ. وعن وائلِ بنِ حُجْرٍ: " أنهُ رأى رسولَ اللهِ ﷺ يسجدُ ثُمَّ قعَدَ، فافْترشَ رجلَهُ اليسْرى (٨٨)، رواه أحمدُ، وأبو داود، والنَّسائيُّ. عن ابنِ عباسٍ: " أنّ النبيَّ ﷺ كانَ يقولُ بينَ السَّجدتينِ: " اللهُمَّ اغفِرْ لي، وارحَمني، وعافِني، واهْدِني، وارْزُقْني " (٨٩)، رواهُ أبو داود، وهذا لفْظُهُ، والترمِذِيُّ، وقالَ: " واجْبُرني " بدلَ " وعافِني "، وابنُ ماجَةَ من حديثِ كاملِ بن العَلاءِ أبي العَلاء الكوفيِّ، وثَّقَهُ ابنُ مَعينٍ، وتَكلَّمَ فيه غيرُهُ ببعضِ الشيءِ، قالَ الترمِذِيُّ: هذا حديثٌ غَريبٌ. ورواهُ بعضُهمْ عن كاملِ أبي العَلاءِ مُرْسَلاً. تقدَّمَ حديثُ أبي هريرةَ في التكبيرِ للرفعِ من السّجودِ. عن مالكِ بنِ الحُوَيْرثِ: " أنهُ صلّى بهمْ كيفَ رأى رسولَ اللهِ ﷺ يُصلّي، فكانَ إذا رفعَ رأسَهُ من السَّجدةِ الثانيةِ جلَسَ واعتَمدَ على الأرضِ، ثمَّ قامَ " (٩٠)، رواهُ البخاريُّ. عن أبي هُريرةَ قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا نهضَ في الركعةِ الثانيةِ اسْتفتحَ القراءةَ

стр. 127

بالحمدِ للهِ ربِّ العالمينَ، ولمْ يَسكُتْ " (٩١)، رواهُ مسلم. عن أبي حُمَيْدٍ: أنّهُ قالَ في حديثهِ عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ : " فإذا جلسَ في الركعَةِ الآخرَةِ قدَّمَ رجلَهُ اليُسْرى، ونصَبَ الأُخرى، وقعدَ على مَقْعَدَتِهِ " (٩٢)، رواه البخاريُّ. وفي لفظٍ: " حتّى إذا كانت الركعةُ التي تَنقضي فيها الصلاةُ أخّر رجلَهُ اليُسرى وقعدَ على شِقِّهِ مُتَورِّكاً، ثمَّ سلَّم " (٩٣)، رواهُ أحمدُ، واللفظُ لهُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجةَ، بنحوهِ. عن ابنِ عمر، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا جلسَ في الصلاةِ وضعَ يديْهِ على رُكبَتَيهِ، ورفَعَ إصْبَعَه اليمنى التي تَلي الإبهامَ فدَعا بها، ويدُهُ اليُسْرى على رُكبَتهِ باسِطها " (٩٤)، رواهُ مُسْلمٌ. وفي لفْظٍ: " وضعَ كفَّهُ اليُمنى على فَخِذهِ اليُمنى، وقَبضَ أصابعَهُ كلِّها، وأشارَ بإصبَعِهِ التي تَلي الإبهامَ، ووضعَ كفَّهُ اليُسرى على فَخِذِهِ اليُسرى " (٩٥). عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " كانَ (٩٦) رسولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمنا التشهُّدَ كما يُعلِّمنا السورةَ من القرآنِ " التحيّاتُ المُباركاتُ الصَّلوات الطَّيِّباتُ للهِ، السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، السلامُ عَلينا عبادِ اللهِ الصالحينَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ، وأشهدُ أنّ محمداً رسولُ اللهِ " (٩٧)، رواهُ مُسلم، والشافِعيُّ، ولفظهُ: " سلامٌ عليكَ أيّها النبيُّ

стр. 128

ورحمةُ اللهِ وبرَكاتُهُ، سلامٌ علَينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحينَ، أشهدُ أن لا إلهَ إلاّ اللهُ وأنّ محمّداً رسولُ اللهِ (٩٨). وقد وردَت تَشهُّداتٌ أُخرُ كثيرةٌ (٩٩)، قالوا: وإنّما كانَ الواجب من ذلك ما ذكرَهُ الشيخُ من الخمسِ الكلماتِ، لأنّها ثابتةٌ في جميعِ الرواياتِ، ولأنّها مُؤَدّيةٌ للمعنى. عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، قالَ: " قُلنا: يا رسولَ اللهِ قد علمْنا كيفَ السلامُ عليكَ، فكيفَ الصلاةُ؟ قالَ: قولوا: اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما صلّيتَ على آل إبراهيمَ إنَّك حميدٌ مَجيدٌ، اللهمَّ باركْ على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ كما بارَكتَ على آلِ إبراهيمَ إنّكَ حَميدٌ مَجيدٌ " (١٠٠)، أخرجاهُ. قالَ: والواجبُ منهُ " اللهمَّ صلِّ على محمدٍ " يُستدلُّ على وجوبِ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ في التشهّدِ الآخرِ من الصلاةِ، بأشياءَ، منها: قولُه تعالى: " إنَّ اللهَ ومَلائِكتَهُ يُصلّونَ على النبيِّ يا أيّها الّذين آمَنوا صَلّوا عليهِ وسَلِّموا تَسليماً " (١٠١)، فأمرٌ، وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، وقد فهمَ الصحابةُ أنّ ذلكَ في الصلاة كما روى الإمامُ أحمدُ بإسْنادٍ جيّدٍ عن ابنِ إسحاقَ، قالَ: حدّثني محمدُ بنُ إبراهيم التيميّ، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّهِ، عن أبي مَسعودٍ البَدْريّ: " أنّهمْ قالوا: يا رسولَ اللهِ: أمّا السلامُ فقد عرفناهُ، فكيفَ نُصلّي عليكَ إذا نحنُ صلّينا في صلاتِنا؟ فقالَ: قولوا: اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ. . وذكرَ الحديثَ " (١٠٢)، وأخرجهُ ابنُ خُزَيْمةَ، وابنُ حِبّانَ في " صحيحيهما "، وقالَ

стр. 129

الدارَقُطنيُّ: رجالُهُ كلّهم ثقاتٌ، وصحَّحهُ الحاكمُ في " المستدْرَكِ ". وروى الشافعيُّ عن أبي هريرةَ نحوَهُ، لكن في السندِ ابنُ أبي يحيى عن صَفْوانَ بنِ سُلَيْمٍ، عن أبي سَلَمةَ، عنهُ مرفوعاً (١٠٣). وروى الشافعيُّ أيضاً عن ابنِ أبي يحيى (١٠٤) حدَّثني سَعْدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي لَيْلى، عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، عن النبيِّ ﷺ أنّهُ كانَ يقول في الصلاةِ: " اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وآلِ محمدٍ إلى آخرِهِ " (١٠٥)، وقد قالَ: " صلّوا كما رأيتموني أُصلّي " (١٠٦). وعن فَضالَةَ بنِ عُبَيْدٍ، قالَ: " سمعَ النبيُّ ﷺ رجلاً يدعو في صلاتِهِ، لمْ يُمجّد اللهَ، ولمْ يُصلّ على النبيِّ فقالَ النبيُّ ﷺ : عَجِلَ هذا، ثمّ دعاهُ فقالَ لهُ ولغيرِهِ: إذا صلّى أحدُكم، فلْيَبدأ بتمجيدِ اللهِ والثناءِ عليهِ، ثمَّ ليُصَلِّ على النبيِّ، ثمّ لِيَدْعُ بعدُ ما شاءَ " (١٠٧)، رواهُ أحمد، وأبو داود، والنسائيُّ، والترمِذِيُّ، واللفظُ لهُ، وصحَّحهُ، وابنُ خُزَيمةَ، وابنُ حِبّانَ في " صحيحيهما ". وعن عبدِ المُهَيْمنِ بن عباسِ بنِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ الساعِدِيِّ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ سَهْلِ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: " لا صلاةَ لمن لا وضوءَ لهُ، ولا وضوءَ لمنْ يذكُر اسمَ اللهِ عليهِ، ولا صلاةَ لمنْ لا يُصلّي على النبيِّ، ولا صلاةَ لمنْ لا يحبُّ الأنصارَ " (١٠٨)، رواهُ ابنُ ماجَةَ، وهذا لفظهُ، وللدارَقطني منهُ: " فضلُ الصلاةِ ". وعبدُ المُهيْمِنِ هذا

стр. 130

مَتروك الحديث، لكن رواهُ الطَّبرانيُّ (١٠٩) من حديث أخيه أُبيِّ بن عباس، عن أبيهِ، عن جدّهِ، وأُبيِّ أخرج لهُ البخاريُّ، وتكلّمَ فيهِ أحمدُ، وابنُ مَعين. واعلمْ أنّهُ قد ادّعى بعضُ الفقهاءِ الإجماعَ على عَدمِ وجوبِ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ في الصلاةِ، وليس كما قالَ، فقد رُويَ وجوبُ ذلكَ عن ابن مسعودٍ (١١٠) وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ، والشَّعبيّ، ومُقاتلِ بنِ حَيّان، وأبي جغفر الباقرِ، وهو محْكيٌّ عن إسحاقَ بن راهَويه، وروايةٌ عن الإمام أحمد، وإليهِ ذهبَ الفقيهُ محمدُ بنُ إبراهيم المعروفُ بابن الموازِ من المالكيةِ، فلا إجماعَ قديماً ولا حديثاً. في حديثِ تشَهُّدِ ابنِ مَسْعودٍ المرفوعِ، قالَ فيهِ: " ثُمَّ ليَتَخيَّرْ من المسألةِ ما شاءَ " (١١١)، أخرجاهُ. عن عليٍّ أنّهُ قالَ في حديثهِ: ثمّ يكونُ من آخرِ ما يقولُ بينَ التَشهّدِ والتسليم: " اللهُمَّ اغفرْ لي ما قدَّمتُ، وما أخَّرتُ، وما أسْرَرتُ، وما أعْلَنتُ، وما أسْرَفتُ، وما أنت أعلمُ بهِ منّي، أنتَ المقَدِّمُ وأنتَ المؤَخِّرُ، لا إلهَ إلاّ أنت " (١١٢)، رواهُ مُسلمٌ. عن أبي مَعْمَر عبدِ اللهِ بنِ سَخْبَرَةَ: " أنّ أميراً بمكّةَ كانَ يُسلم تسليمتين، فقالَ عبدُالله - يعني - ابنَ مَسعودٍ: أنى عقلها (١١٣)؟ رسولُ اللهِ ﷺ كانَ يَفعلُهُ " (١١٤).

стр. 131

وعن سعدِ بنِ أبي وقّاص، قال: " كنتُ أرى رسولَ اللهِ ﷺ يُسلِّمُ عن يَمينهِ وعن شِمالِهِ حتى أرى بَياضَ خَدِّهِ " (١١٥)، رواهُ مُسلمٌ. وعن جابرِ بنِ سَمُرَةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " أمّا يَكفي أحدَكُمْ أن يُسَلِّمَ على أخيهِ من عن يَمينهِ وشِمالِهِ " (١١٦)، رواهُ مُسلم. عن أبي أُمامَةَ، قالَ: " قيل: يا رسولَ الله ﷺ أيُّ الدعاءِ اسمعُ؟ قالَ: جوف الليلِ الآخرِ، ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ " (١١٧)، رواهُ الترمِذِيُّ وحسَّنهُ، والنسائيُّ. قال الشافعيّ: أخبرَنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ حدَّثني موسى بنُ عُقبةَ، عن أبي الزُّبَيرِ: أنّهُ سمعَ عبدَالله بنَ الزُّبيرِ يقولُ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا سلّمَ من صلاتِهِ يقولُ بصوتهِ الأعلى: لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاّ بالله، ولا نعبدُ إلاّ إياهُ، لهُ النّعمةُ، ولهُ الفضلُ، ولهُ الثَّناءُ الحسَنُ، لا إلهَ إلاّ اللهُ مُخلصينَ له الدينَ، ولو كَرِهَ الكافرونَ " (١١٨)، روى مُسلمٌ هذا الحديثَ من " بصوتهِ الأعلى " ففيهِ دلالةٌ على الجهرِ بالذكرِ والدعاءِ للتعليمِ. عن عائشةَ: أنها قالتْ في حديثِها: " وكانَ يقولُ في كلِّ ركعتين التحيّةَ " (١١٩)، أخرجاهُ.

стр. 132

ولأحمد، والنسائيّ عن ابن مَسعودٍ مرفوعاً: " إذا قعَدْتُم في كلِّ ركعتين فقولوا: " التحيات " (١٢٠). وعند البخاريّ في حديث أبي حُمَيْدٍ: " فإذا جلَسَ في الرّكعتينِ جلَسَ على رجلهِ اليُسرى، ونصَبَ اليُمنى " (١٢١). قالَ محمدُ بنُ إسحاقَ المَدني حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ الأسعودِ النّخَعيّ، عن أبيهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ: علَّمني رسولُ اللهِ ﷺ التشهدَ في وسطِ الصلاةِ، وفي آخرِها، فكنّا نحفظُهُ كما نَحفظُ حروفَ القرآنِ وكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة " التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيّباتُ، السلامُ عليكَ أيّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحينَ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، ثمَّ إن كانَ في وسطِ الصلاةِ نهضَ حينَ يَفْرُغُ من تشهُّدِهِ، وإن كانَ في آخرِها دعا بعدَ تشهُّدِهِ بما شاءَ أن يدعوَ بهِ، ثمَّ يُسلِّم " (١٢٢)، رواهُ ابنُ خُزَيمةَ في صحيحهِ. يُستدلُّ به على عدمِ استحبابِ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ في التشهُّدِ الأوّلِ، وهو أحدُ القولينِ. عن أبي قتادَةَ، قالَ: " كانَ النبيُّ ﷺ يُصلّي بنا، فيقرأُ في الظهرِ والعصرِ في الرّكعتين الأُولَيينِ بفاتحةِ الكتابِ وسورتينِ، ويُسمعُنا الآيةَ أحياناً، وكانَ يُطوِّلُ في الركعةِ الأولى من الظهرِ ويُقَصِّرُ الثانيةَ، ويقرأُ في الركعتين الأُخرَيَيْنِ بفاتحةِ الكتابِ " (١٢٣)، أخرجاهُ. وهذا هو القديمُ وعليهِ الفَتوى، فأَمّا دليلُ الجديدِ: فعن أبي سَعيدٍ، قالَ: " كُنّا نحرزُ قيامَ رسولِ اللهِ ﷺ في الظهر والعصرِ، فحزَرنا

стр. 133

قيامَهُ في الرّكعتين الأُولَيينِ من الظهر قدرَ (ألم تنزيل السجدة)، وحزَرنا قيامَهُ في الأُخْرَيين قدرَ النصفِ من ذلكَ. . الحديث " (١٢٤)، رواه مسلم. فأمّا القنوتُ، فقالَ اللهُ تعالى: " وقوموا لله قانِتين " (١٢٥)، فسّرهُ الشافعيّ بقنوتِ الفجرِ، ولهذا نصّ على أنّ الوسطى هي الفجرُ، وقد جاء فيه أحاديثُ كثيرةٌ فمنها: ما أخرجاهُ عن أنسٍ، قالَ: " قَنتَ النبيُّ ﷺ شهراً يدعوا على أحياءَ من أحياءِ العَربِ، ثمّ تركهُ " (١٢٦). قالَ أصحابُنا: أي ثمّ تركَ الدعاءَ، لا القنوتَ، لما روى الإمامُ أحمد عن أنسٍ، قال: " ما زالَ رسولُ اللهِ ﷺ يقنُتُ في الفجرِ حتّى فارقَ الدنيا " (١٢٧). وأخرجَهُ الحاكمُ في " مُسْتَدْرَكِهِ "، وقالَ: إسنادٌ صحيحٌ رجالُه ثقاتٌ، وهذا الحديثُ يرويهِ أبو جعفرٍ الرازيُّ، وقد اختَلفَ فيهِ أئمةُ الجرحِ والتعديلِ، وهو في نفسه صدوقٌ، إلاّ أنّهُ سَيءُ الحفظِ، ولهُ أوهامٌ كثيرةٌ، كذا قالهُ أبو زُرعةَ الرازيُّ، وذكر الخطيبُ لهُ شواهدَ ومُتابعاتٍ عن أنسٍ، ولا تَصحُّ، وصنّفَ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ مُصَنَّفاً في ذلكَ، وفيهِ غَرائبُ، فمنها: أنهُ رواهُ عن حديثِ عليٍّ أيضاً وفيهِ رجلان مجهولانِ. عن أبي هريرة، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا رفعَ رأسَهُ من الركوعِ في صلاةِ الصبحِ في الركعةِ الثانيةِ يرفعُ يَديهِ فيدعو بهذا الدعاءِ: " اللهمَّ اهدني فيمن هَديتَ. . . إلى آخرِهِ "، رواهُ الحاكمُ في كتابهِ هذا، وفي إسنادهِ: عبد اللهِ بنُ سعيدٍ المقْبريُّ، وهو: ضعيفٌ جداً. عن الحسنِ بنِ عليّ، قالَ: علَّمَني رسولُ اللهِ ﷺ كلماتٍ أقولُهنَّ في قنوتِ الوترِ:

стр. 134

" اللهُمَّ اهدني فيمن هديتَ، وعافِني فيمنْ عافيتَ، وتَولّني فيمن تولّيتَ، وباركْ لي فيما أعطيتَ، وقِني شرَّ ما قضيتَ، إنكَ تَقضي ولا يُقضى عليكَ، وإنهُ لا يَذلُّ مَنْ واليت، تبارَكتَ ربّنا وتعالَيْتَ " (١٢٨)، رواهُ أحمد، وأهلُ السُّننِ، ولفظُهُ لأبي داود، وأخرجَهُ ابنُ خُزَيمةَ وابنُ حِبّان والحاكمُ في الصِحاحِ. ورواهُ النسائيّ في رواية إلى آخرهِ: وصلّى اللهُ على النّبيّ (١٢٩)، وزادَ الحاكمُ في أوّله: " علَّمني رسولُ اللهِ ﷺ في وِتْري إذا رفعتُ رأسي ولمْ يبقَ إلاّ السجودُ "، ورواهُ الحاكمُ في كتابِ القنوتِ من وجهٍ آخرَ غريب، عن الحسن، ولفظُهُ: " علّمني رسولُ اللهِ ﷺ دعاءً أدعو بهِ في القنوتِ في صلاةِ الصبحِ: " اللهمّ اهدني فيمن هَدَيتَ، وذكرهُ ". وروي نحوه عن عليّ (١٣٠)، ولا يصحُّ. عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " قنَتَ رسولُ اللهِ ﷺ شهراً متتابعاً في الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعِشاءِ، والصبحِ في دُبُرِ كلّ صلاةٍ إذا قال: " سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ " من الركعةِ الأخيرةِ يدعو على رِعْلٍ، وذَكوان، وعُصيّةَ، ويُؤَمّنُ مَنْ خَلفهُ " (١٣١)، رواهُ أحمد، وأبو داود، زاد أحمد: " إذ أرسلَ إليهم يدعوهم إلى الإسلامِ، فقَتلوهُمْ "، وهذا يعني في بئر مَعونةَ حينَ قُتلَ القراءُ وكانوا سبعينَ على الصحيحِ، فَيؤْخذُ من هذا أنّ المأمومَ يؤَمّنُ على الدعاءِ، وأنهُ إذا نزلَت بالمسلمينَ نازلةٌ يَقنتونَ في جميعِ الصّلواتِ.

стр. 135

بابُ: فروضِ الصَّلاةِ وسُنَنِها تقدّمَ عامةُ أدلتِهِ في البابِ قبلَهُ، وسيأتي قولُهُ ﵇ لِعمران بنِ حُصينٍ: " صلِّ قائماً، فإن لم تستطعْ فقاعداً "، ولنذكرْ ما لا بُدَّ منه. فعن أبي هريرةَ: " أنّ النبيَّ ﷺ دخلَ المسجدَ، فدخلَ رجلٌ، فصلّى، ثمّ جاءَ فسلّمَ على النبيِّ ﷺ ، فردّ ﵇ فقالَ: ارجعْ فصَلِّ، فإنّكَ لمْ تُصلِّ، فصلّى ثُمَّ جاءَ فسلّم على النبيِّ ﷺ ، فقالَ: ارجعْ فصلِّ، فإنّكَ لمْ تُصلِّ ثلاثاً، فقالَ: والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أُحسِنُ غيرَهُ، فعَلِّمني، قالَ: إذا قُمتَ إلى الصلاةِ فأسْبغِ الوضوءَ ثُمَّ اسْتقبلِ القبلةَ، فكبِّر، ثُمَّ اقرأْ ما تيسَّرَ معكَ من القرآنِ، ثمّ اركعْ حتى تطمئِنَّ راكعاً، ثم ارفعْ حتى تعتدِلَ قائماً، ثمَّ اسجدْ حتى تطمئِنَّ ساجداً، ثمَّ ارفعْ حتى تطمئِنَّ جالساً (١)، ثمّ اسجدْ حتى تطمئِنَّ ساجداً، ثمَّ ارفعْ حتى تطمئِنَّ جالساً، ثمّ افعلْ ذلكَ في صلاتِكَ كلِّها " (٢)، رواهُ البخاريّ، وهذا لفظهُ، ومُسلمٌ تقدَّم بيانُ وجوبِ الفاتحةِ. عن عبدِ الله بنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا قعدَ أحدُكم في الصلاةِ فليَقُل: " التَّحيّاتُ للهِ، وذكرَهُ " (٣)، أخرجاهُ. عن عائشة: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُسلِّمُ تسليمةً واحدةً " (٤)، رواهُ أحمدُ،

стр. 136

والترمِذِيُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ، ولهُ طرقٌ. قد تواتَرَ أنه ﵇ صلّى مُرتَّباً، وقالَ في حديثِ مالِكِ بنِ الحوَيْرثِ: " صلّوا كما رأيتموني أُصلّي " (٥)، أخرجاهُ. وأمّا السُّنَنُ، فكلّ ما فعلهُ مُتَقرِّباً بهِ مرّةً وتركَهُ أُخرى، فليس بواجبٍ، وكذلكَ ما لمْ يأمرْ بهِ المسيءَ صلاتَهُ فليس بواجبٍ إلا ما خرجَ بدليلٍ، فمن ذلكَ: التكبيراتُ سوى تكبيرةِ الإحرامِ، فإنّهُ لمْ يأمُرْ بها، وروى أبو داود عن عبدِ الرّحمن بنِ أبزَى: أنّه صلّى مع النبيِّ ﷺ فكانَ لا يتمُّ التكبيرَ (٦)، ومن ذلكَ التَشهُّدُ الأوّلُ لم يأمرْ بهِ، ولمّا تركهُ ﵇ كما سَيأتي في حديثِ ابنِ بُحَيْنَةَ جبَرَهُ بالسجودِ للسهو، فدلَّ على أنّهُ ليسَ كالرّكوعِ والسجودِ، وغيرِهما من الأركانِ إذ لا يُجْبَرُ شيءٌ من ذلكَ بالسجودِ، وتفرقة من فرَّقَ من العلماءِ كأبي حَنيفَةَ وأحمدَ بينَ الركنِ الواجبِ، والسّنّةِ يحتاجُ إلى دليلٍ. عن عائشةَ ﵂ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " مَنْ عملَ عملاً ليسَ عليه أمرُنا، فهو رَدٌّ " (٧)، رواهُ مُسلم، يُستَأْنَسُ بهِ على عدَمِ الاعتدادِ بما فعلَ بعدَ تركِ فرضٍ في الصلاةِ على وجْهِ النّسيانِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 137

٨ - بابُ: صلاةِ التّطَوُّعِ عن ثَوْبانَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اسْتقيموا ولَنْ تُحْصوا، واعْلَموا أنَّ خيرَ أعمالِكُم الصلاةُ، ولا يُحافِظُ على الوضوءِ إلا مُؤْمِنٌ " (١)، رواهُ ابنُ ماجَةَ، ولهُ سنَدٌ جيّدٌ، ثمّ رواهُ عن ابن عمر (٢)، وأبي أُمامَةَ " (٣). عن خارِجَةَ بنِ حُذافَةَ، قالَ: " خرجَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ فقال: لقدْ أمدَّكمُ اللهُ بصلاةٍ هي خيرٌ لكُمْ من حُمُرِ النَّعَمِ، قُلنا: وما هيَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: الوِتْرُ فيما بينَ العِشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ " (٤)، رواهُ أحمدُ، وذا لفظُه، وأبو داود، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجةَ، وعلَّلهُ البخاريّ بعدمِ سماعِ بعضِ رواتِهِ من بعضٍ. عن عائشةَ، قالتْ: " لم يكُنِ النبيُّ ﷺ على شيءٍ من النوافلِ أشدَّ تَعاهُداً، منهُ على رَكعتي الفجرِ " (٥)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " رَكْعتا الفجرِ خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها " (٦). عن أُمِّ حَبيبَةَ بنتِ أبي سُفيانَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " مَنْ صلّى في يومٍ وليلةٍ

стр. 138

ثِنْتَي عَشرةَ ركْعةً، بَنى الله (لهُ) (٧) بَيْتاً في الجنَّةِ " (٨)، رواهُ مُسلمٌ. ورواهُ الترمِذِيُّ، والنَّسائي، وزادَ: " أربعاً قبلَ الظهرِ، وركعتينِ بعدَها. . . الحديث ". عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " رحمَ اللهُ امرءاً صلّى قبلَ العصرِ أربَعاً " (٩)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والترمِذيُّ، وقالَ: حسَنٌ غَريبٌ. قلتُ: حَكى أبو حاتمٍ عن أبي الوَليد الطَّيالِسيِّ أنّه أنكرَ هذا الحديث. وعنهُ، قالَ: " صلّيتُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ رَكْعتينِ قبلَ الظهرِ، ورَكْعتينِ بعدَها، وركعتينِ بعدَ المَغْربِ، وركعتينِ بعدَ العِشاءِ، وأخْبرتني حَفْصةُ أنهُ كانَ يُصلّي سَجْدتَينِ خفيفتين بعدَما يطلُعُ الفجرُ، وكانت ساعةً لا أدخلُ على النبيِّ ﷺ فيها " (١٠)، أخرجاهُ. عن عبدِ الله بنِ عَمْرو (١١)، وابنِ عباسٍ: أنهما سمعا رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "الوتر ركعة من آخر الليل" (١٢)، رواه مسلم. عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يُصلّي ما بينَ أن يَفْرُغُ من صلاةِ العِشاءِ إلى الفجرِ إحدى عَشرةَ ركْعةً، ويُوترُ بواحدةٍ. . . الحديث " (١٣)، أخرجاهُ.

стр. 139

عن الحارثِ عن عليّ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُوترُ بثلاثٍ " (١٤)، رواهُ الترمِذيُّ، والحارثُ هذا: ابنُ عبدِ الله الأعورُ، وقد تُكلِّمَ فيهِ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَفْصِلُ بينَ الشَّفعِ والوِتْرِ بتسليمةٍ يُسمعُناها " (١٥)، رواه أحمدُ بإسْنادٍ جيّدٍ. عن أُبّيِّ بنِ كَعْبٍ، قالَ: " كانَ النبيُّ ﷺ يقرأُ في الوِتْر بِ (سبحِ اسمَ ربِّكَ الأعلى)، و (قُلْ يا أيُّها الكافِرونَ) (١٦)، رواهُ أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابنُ ماجَةَ. وروى أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ إلا أبا داود عن ابنِ عباسٍ مثْلَهُ (١٧). ولأحمدِ، والنَّسائيُ عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبْزَى مِثْلُهُ (١٨)، روُويَ عن غيرِهم من الصحابةِ. وعن عائشةَ، قالتْ: " كانَ تعني - النبيَّ ﷺ يقرأُ في الركعةِ الأُولى تَعني - من الوِتْر - بـ (سَبِّحِ اسمَ ربِّكَ الأعلى)، وفي الثانيةِ: (قُلْ يا أيّها الكافِرونَ)، وفي الثالثةِ: (قُلْ هوَ اللهُ أَحَدٌ)، (والمعوذتين) (١٩)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وابنُ ماجَةَ، والترمِذِيُّ، وقال: حسَن غَريب، وابنُ حِبّانَ في " صحيحِهِ "، قلتُ: ولهُ طرقٌ عن عائشةَ، قالَ

стр. 140

المَعْمريُّ، وكذا رَوى عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، وابنُ عباسٍ، وابنُ مَسعودٍ، وأبو أُمامةَ، وجابرٌ عن النبيِّ ﷺ . عن الحسنِ البَصْرِيِّ: " أنّ عمرَ بنَ الخطابِ جمَعَ الناسَ على أُبيِّ بن كَعبٍ، فكانَ يُصلّي بهمْ عشرينَ ليلةً لا يقنُتُ بهم إلا في النصفِ الباقي، فإذا كانتْ العشرُ الأواخرُ تخلّفَ فصلّى في بيتِهِ، فكانوا يقولونَ: أبقَ أُبيٌّ (٢٠). وعن محمدِ بنِ سيرينَ عن بعضِ إصحابِه: " أنّ أُبيَّ بنَ كَعْبٍ أمَّهم يعني - في رمضانَ، وكانَ يقنتُ في النصفِ الآخر " (٢١)، رواهُما أبو داود، وفيهما انقطاعٌ، وقالَ: يدلاّن على ضعفِ حديثِ أُبيّ أنّ النبيَّ ﷺ قنتَ في الوِترِ (٢٢). عن أُمِّ هانئٍ بنتِ أبي طالبٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ يومَ الفتح اغتسلَ، وصلّى ثماني رَكعاتٍ سُبْحةَ الضحى " (٢٣)، أخرجاهُ. ولأبي داود: " يُسلِّمُ بينَ كلِّ رَكْعتينِ " (٢٤). وعن أبي هريرةَ، قالَ: " أوصاني خليلي بثلاثٍ: صيامِ ثَلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ورَكعتي الضُّحى، وأنْ أُوتِرَ قبلَ أن أنامَ " (٢٥)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " وركْعتي الضُّحى كلَّ يومٍ " (٢٦).

стр. 141

ولهُ عن أبي ذرٍّ في رَكعتي الضُّحى مِثْلُهُ (٢٧). عن أبي هريرةَ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُرغِّبُ في قيامِ رمضانَ من غيرِ أن يأمرَ فيهِ بعزيمةٍ، فيقولُ: من قامَ رمضانَ إيماناً واحتِساباً غُفِرَ لهُ ما تقدّمَ من ذنبِهِ " (٢٨)، أخرجاهُ. قالَ عليّ بنُ الجَعْدِ: عن أبي شَيْبَةَ، عن الحَكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى في شهرِ رمضانَ عشرينَ رَكْعةً سوى الوِترِ " (٢٩). أبو شيْبةَ هذا: هو إبراهيمُ بنُ عثمانَ العَبْسيّ قاضي واسِط: متروكُ الحديثِ. وقالَ مالكٌ عن يَزيدَ بنِ رومانَ: " كانَ الناسُ في زمنِ عمرَ يقومونَ بثلاثٍ وعشرين رَكْعةً " (٣٠)، وهذا: منقطعٌ. وفي " الصحيحين " عن عائشةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى بالناسِ ثلاثَ ليالٍ، أو أربعاً، ثمَّ تركَهُ، وقالَ: خشيتُ أن يُفرضَ عليكُم. . الحديث " (٣١). وعن عبدِ الرحمن بنِ عبدِ القارِيِّ، قالَ: " خرجتُ معَ عمرَ بنِ الخطابِ ليلةً في رمضانَ إلى المسجدِ، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرقونَ، يُصلّي الرجلُ لنفسِهِ، ويُصلّي الرجلُ فَيُصلّي بصلاتهِ الرهْطُ، قالَ عمرُ: إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئٍ واحدٍ لكانَ أمثلَ، ثمّ عزمَ فجمَعهُم على أُبيِّ بنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خرجتُ معَهُ ليلةً أُخرى، والناسُ يُصلّونَ بصلاةِ قارِئهم، فقالَ: نِعْمتِ البِدْعةُ هذه، والتي ينامونَ عنها أفضلُ من الذي يقومون، يَعني - آخرَ الليلِ -، وكانَ الناسُ يقومونَ أولهُ " (٣٢)، رواهُ البخاريُّ.

стр. 142

وعن ابنِ عمرَ " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " اجْعَلوا آخِرَ صلاتِكُم بالليلِ وِتْراً " (٣٣)، أخرجاهُ. عن أُمِّ سَلَمةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ صلّى عندَها بعدَ العصرِ، ركعتينِ، فسألتْهُ عن ذلكَ، فقالَ: هاتانِ الركْعتانِ اللتانِ كنتُ أُصلّيهما بعدَ الظهرِ، شُغِلتُ عنهما " (٣٤). وفي حديث أبي قَتادةَ لما ناموا عن صلاةِ الصبحِ (٣٥)، وفي المسألةِ أحاديثُ كثيرةٌ. عن أبي هريرةَ، قالَ: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ : أيُّ الصلاةِ أفضلُ بعدَ المكتوبةِ؟ قالَ: الصلاةُ في جَوفِ الليلِ " (٣٦)، رواه مسلم، فيه دلالةٌ على استحبابِ التهجُّدِ، وعلى أنهُ في جوفِ الليلِ - وهو وسَطهُ - أفضلُ، وعلى أنّ تطوّعَ الليلِ أفضلُ من تطوّعِ النهارِ. عن زيدِ بنِ ثابتٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " أفضلُ الصلاةِ صلاةُ المرءِ في بيتِهِ إلا المكتوبة " (٣٧)، أخرجاهُ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " صلاةُ الليلِ مَثْنى مَثْنى " (٣٨)، رجالُهُ على شَرطِ مسلم. عن عائشةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ [كانَ يُصلّي من الليلِ] (٣٩) ثلاثَ عَشْرةَ ركعةً، يُوترُ من ذلكَ بخمسٍ لا يجلسُ في شيءٍ إلا في آخرِهِنّ " (٤٠)، أخرجاهُ.

стр. 143

ولهما عنها، قالَتْ: " كان يُصلّي من الليلِ إحدى عشرةَ ركْعةً، يُوترُ بواحدةٍ " (٤١). في الأوّلِ دلالةٌ على جوازِ جمع رَكَعاتٍ بتسليمةٍ واحدةٍ، وفي الثاني جوازُ التطوّعِ بركعةٍ واحدةٍ. عن أبي قَتادَةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا دخلَ أحدُكم المسجدَ، فلا يجلسْ حتى يُصلّي ركعتين " (٤٢)، أخرجاهُ. عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " إذا أُقيمتْ الصلاةُ، فلا صلاةَ إلا المكتوبة " (٤٣)، رواه مسلم. عن عائشةَ، قالت: " لما بدَن النبيُّ ﷺ وثقُلَ، كانَ أكثرُ صلاتهِ جالساً " (٤٤)، أخرجاه.

стр. 144

٩ - بابُ: سجودِ التلاوَةِ عن ابنِ عمرَ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يقرأُ علَينا السورةَ، فيقرأُ السجدةَ فيسجدُ ونَسجدُ معهُ حتى ما يجدُ أحدُنا مَكاناً لموضعِ جَبْهتِهِ " (١)، أخرجاهُ. وعندَ أبي داود: " فإذا مرَّ بالسجدةِ كبَّر وسجدَ، وسَجدْنا " (٢)، ففي هذا مشروعيتهُ للقارئ والمستمعِ. وأمّا أنّهُ ليسَ بواجبٍ، فلما روى البخاريُّ عن عمرَ، أنهُ قالَ على المنبرِ: " أيّها الناسُ إنما (٣) نمرُّ بالسجودِ، فمن سجدَ فقد أصابَ، ومَنْ لم يسجدْ فلا إثمَ عليهِ ". وفي " الصحيحين " عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قالَ: " قرأتُ على رسولِ اللهِ ﷺ (والنَّجمِ) فلَمْ يَسجدْ فيها " (٤). عن عَمرو بنِ العاص: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقرأهُ خمسَ عشرةَ سجدةً في القرآنِ، منها ثلاثةٌ في المُفصَّلِ، وفي الحجِّ سجْدتانِ " (٥)، رواهُ أبو داود، وابنُ ماجَةَ، بإسنادٍ: غَريبٍ. وعن أبي هريرةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ سجدَ بهم في: (إذا السماءُ انشقَّتْ)

стр. 145

و (اقرأْ) (٦)، رواهُ مسلمٌ. فأمّا سجدةُ (ص) فعن ابنِ عباسٍ: " أنّ النبيَّ ﷺ سجدَ في (ص)، وقالَ: سجدَها داودُ توبةً، ونسجدُها شكراً " (٧)، رواهُ النسائيُّ، والدارقُطنيُّ، ورجالُهُ على شرطِ البخاري. وعنهُ: أنّهُ قالَ: " لَيْستْ (ص) من عَزائمِ السجودِ، وقَدْ رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يسجدُ فيها " (٨)، رواهُ البخاريُّ. عن أبي بكْرَةَ، واسمُهُ نُفَيعُ بن الحارثِ الثَّقفيِّ: " أنّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا أتاهُ أمرٌ يَسرُّهُ أو يُسَرُّ بهِ يخِرُّ ساجِداً شكراً للهِ تعالى " (٩)، رواهُ أحمد، وأبو داود، وابنُ ماجَةَ، والترمِذِيُّ، وقالَ غَريب، وهو من رواية بَكّارِ بنِ عبد العزيزِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيهِ، عن جدّهِ، وبَكّارُ ضعَّفهُ العُقيليُّ وغيرُهُ، وقالَ ابنُ مَعينٍ: صالح. ولابنِ ماجَةَ نحوهُ عن أنس (١٠)، وفي سندهِ ضعفٌ، واضطرابٌ، ولكن لهذا المعنى شواهدُ كَثيرةٌ. وروى الإمامُ أحمد عن عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أتاني جِبْريلُ فَبشَّرني أنّ اللهَ يقولُ لكَ: مَنْ صلّى عليكَ، صلّيتُ عليهِ، ومَنْ سلّمَ عليكَ، سلّمتُ عليهِ، فسجدتُ للهِ شُكْراً " (١١).

стр. 146

داودُ توبةً، ونسجدُها شُكراً " (١٢). وقالَ الشافعيُّ، بلَغنا أنّ النبيَّ ﷺ رأى نُغاشِيّاً فخرَّ ساجِداً شُكراً للهِ تعالى ". وعن جابرِ بنِ يَزيدَ الجُعفيّ عن أبي جَعفرٍ محمدِ بنِ عليّ بنِ الحسينِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى رجُلاً من النُّغاشين فخرَّ ساجداً " (١٣)، رواهُ الدارقطنيّ، والبيهقيُّ، وزادَ: " فلمّا رفعَ رأسَهُ قالَ: " أسألُ اللهَ العافيةَ "، وقالَ: هذا مُرْسَلٌ، ولهُ شواهدُ تُؤَكِّدهُ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يقرأُ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدةِ كبّرَ وسجدَ فسجْدنا معَهُ " (١٤)، رواهُ أبو داود من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ العمريِّ، وهو ضعيفٌ، وقالَ عبدُالرزاق: كانَ الثوريُّ يُعجبهُ هذا الحديثُ. وعت أبي بَكْرةَ: " أنهُ شهدَ النبيَّ ﷺ أتاهُ بَشيرٌ يُبشّرهُ بظفرِ جُنْدٍ لهُ على عدوِّهم، ورأسهُ في حِجْرِ عائشةَ، فقامَ فخرَّ ساجِداً " (١٥)، رواهُ أحمد، والدارقُطنيُّ من حديثِ بَكّارِ بن عبد العزيزِ بنِ أبي بَكرةَ، ولفظُ الدارقُطنيّ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا أتاهُ الشيءُ يُسرُّ بهِ خرَّ ساجداً للهِ تعالى " (١٦). عن ابنِ عمرَ، أنّهُ قالَ: " لا يسجدْ على غيرِ طَهارةٍ " (١٧)، رواه البيهقي بإسنادٍ: جيّدٍ.

стр. 147

١٠ - بابُ: ما يُفْسِدُ الصلاةَ، وما لا يُفْسِدُ عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يَقبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكمْ إذا أحدثَ حتى يَتوضَّأ " (١)، أخرجاهُ. عن عليِّ بنِ طَلْقٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا فَسا أحدُكم في الصلاةِ، فَلْينصرِفْ، ولْيتَوضَّأْ، ولْيُعِدْ صلاتَهُ " (٢)، رواهُ أبو داود، والنَّسائيّ، والترمِذِيُّ، وقالَ: حسَن، قلتُ: وفي إسْنادِهِ اضطرابٌ ما، وقالَ البخاريُّ: لا أعرفُ لعليِّ بنِ طَلْق غيرَ هذا الحديث. يؤخذ من عموم هذا الحديث بطلان صلاة من سبقه الحدث. فأمّا القولُ بالبناءِ، فعن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أصابَهُ قيءٌ، أو رُعافٌ، أو قَلْسٌ، أو مَذْيٌ، فَليَنصرِفْ، وليتوضَّأْ، وليَبْنِ على صلاتِهِ، وهو في ذلكَ لا يَتَكلمُ " (٣)، رواهُ ابنُ ماجَةَ، وهذا لفظُهُ، والدارَقطنيّ من روايةِ إسماعيلَ بنِ عيّاشٍ عن الحِجازيينَ، وقد ضعَّفهُ الجمهورُ في ذلكَ، وقالَ أبو حاتم الرازيُّ: ليسَ هذا الحديثُ بشيء، إنّما هو: مُرْسَلٌ، وقالَ الدارَقُطنيّ: الحفّاظُ من أصحابِ ابنِ جُرَيجٍ يروونَهُ مُرْسلاً، وقالَ النَّواويُّ: وممّن قالَ بأنَّ هذا الحديثَ مُرْسلٌ: الشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حَنْبلٍ، ومحمدُ بنُ يحيى الذُّهلِيُّ، وأبو حاتمٍ، وأبو زُرْعَةَ، وابنُ عدِيٍّ، والدارَقُطنيّ، والبيهقِيُّ. ورَوى الدارَقُطنيُّ له مُتابِعاً من حديثِ أبي سعيدٍ (٤)، ولا يصح أيضاً، فيهِ أبو بكْر

стр. 148

الدّاهريُّ، وهو ضعيفٌ، بلْ قد كذَّبهُ بعضهُم. تقدّمَ دليلُ اجتنابِ النجاسَةِ، وسَتْرِ العورةِ، وحديثُ: " الأعمالُ بالنيات " (٥)، تقدَّمَ قولُهُ ﵇: " لا صلاةَ لمنْ لمْ يَقرأْ فيها بأُمِّ القرآنِ " (٦)، وهو عامُّ في الذكرِ والنّسيانِ، وهو الصحيحُ من القولينِ، وقالَ الشافعيُّ في القديمِ: أخبرنا مالكٌ عن يَحيى بنِ سعيدٍ عن محمدِ بن إبراهيمَ عن أبي سَلمةَ: " أنّ عمر بنَ الخطّابِ صلّى فلمْ يقرأْ، فقالَ لَهم: كيفَ كانَ الركوعُ والسجودُ؟ قالوا: حَسَناً، قالَ: فلا بأسَ إذنْ "، قالَ الشافعيُّ: ولمْ يُذكرْ أنهُ سجدَ للسهْوِ، ولمْ يُعِدِ الصلاةَ، وإنّما فعلَ ذلكَ بين ظَهْراني المُهاجرينَ والأنصارِ. قلتُ: والأثرُ: منقطعٌ جيِّدٌ. عن عائشةَ، قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أحدثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منهُ، فهو رَدٌّ " (٧)، أخرجاهُ، يُستأْنَسُ بهِ في بُطلانِ صلاةِ من زادَ رُكْناً عامِداً. عن زيدِ بنِ أرقمَ، قالَ: " كُنّا نتكلّمُ في الصلاةِ، يُكلّمُ الرجلُ صاحبَهُ وهو إلى جنبهِ في الصلاةِ، حتى نَزلتْ " وقُوموا للهِ قانِتينَ "، فأُمِرنا بالسّكوتِ ونُهينا عن الكلامِ " (٨)، أخرجاه. سيأتي في حديثِ ذي اليدينِ أنهُ تكلّمَ ساهياً، ولمْ يُعِدِ الصلاةَ. عن مُعاويةَ بنِ الحكَمِ السُّلمِيِّ، قالَ: " بينما أنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ إذ عطَسَ رجلٌ من القومِ، فقلتُ: يرحمُكَ اللهُ، قالَ: فحدِّقني القومُ بأبْصارِهم، فقلتُ: واثُكْلَ أُمَّياه، ما لكُمْ تنظرونَ إليّ؟ قالَ: فضربَ القومُ بأيديهم على أفخاذِهم، فلما رأيتُهمْ

стр. 149

يُسكِّتونَني، [قلتُ: ما لكم تُسكتوتني] (٩)، لكنّي سكتُّ، قالَ: فلما انصرفَ رسولُ اللهِ ﷺ ، قالَ: فبأبي هو وأُمّي - ما رأيتُ مُعلِّماً قبلَهُ ولا بعدَهُ أحسنَ تعليماً منهُ، واللهِ ما ضَرَبني ولا كَهرَني ولا سَبَّين، ولكنْ قالَ: إنَّ صلاتَنا هذهِ لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلامِ الناسِ، إنّما هي التسبيحُ، والتكبيرُ، وتلاوةُ القرآنِ " (١٠)، رواهُ مسلم. فيهِ دلالةٌ على أنّ مَنْ تكلّمَ جاهلاً لا تبطُلُ صلاتُهُ، حيث لمْ يأمرْهُ بالإعادَةِ، ويُستدَلُّ بعُمومِهِ على أنّ مَنْ تكلّمَ بحرفينِ مُفْهَمينِ فأكثرَ تَبطُلُ صلاتُهُ إذ ذلكَ من كلامِ الناسِ لُغةً. وعن ابنِ عباسٍ، قالَ: " النَفْخُ في الصلاةِ كلامٌ " (١١)، رواهُ سعيدُ بنُ منصور. عن أبي هريرةَ: أنّ النبيَّ ﷺ قالَ: " إذا نوديَ بالصلاةِ أدبرَ الشيطانُ ولهُ ضُراطٌ حتى لا يسمعَ الإذانَ، فإذا قُضيَ الأذانُ أقبلَ، فإذا ثُوِّبَ بها أدبرَ، فإذا قُضيَ التثويبُ أقبلَ حتّى يَخطُرَ بينَ المرءِ ونفسِهِ، فيقولُ: اذكرْ كذا، اذكرْ كذا لما لمْ يذكرْ حتّى يظَلَّ الرجلُ إنْ يَدري كمْ صلّى، فإذا لمْ يَدْرِ أحدُكم ثلاثاً صلّى أو أربعاً، فليسْجُدْ سَجدتين وهو جالسٌ " (١٢)، أخرجاهُ. فيه دليلٌ على كراهةِ التفكُّرِ في الصلاةِ، لأنهُ من الشيطانِ. وعن عائشةَ، قالتْ: " صلّى النبيُّ ﷺ في خَميصةٍ لها أعلامٌ، فنظرَ إلى أعلامِها نظرةً، فلمَّا انصرفَ قالَ: اذْهَبوا بخميصتي هذهِ، وأتوني بأنْبِجانِيَّة أبي جَهْم، فإنها ألْهَتني آنفاً عن صَلاتي " (١٣)، أخرجاهُ.

стр. 150

فيه دلالةٌ على أنهُ إذا فكّرَ أو التفتَ لا تَبطُلُ. عن عائشةَ، قالتْ: " سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن التلفُّتِ في الصلاة. فقالَ: هو اختلاسٌ يختلسُهُ الشيطانُ من صلاةِ العبدِ " (١٤)، رواهُ البخاريّ، قالَ النَّواويُّ: والصوابُ أنهُ لا يكرَهُ الالتِفاتُ فيها لحاجةٍ، ويُؤَيِّدُ ما قالَ ما روى سَهْلُ بنُ الحَنْظليّةِ، قال: " ثُوِّبَ بالصلاةِ - يعني صلاة الصبحِ - فجعل النبيُّ ﷺ يُصلّي وهو يَلتفتُ إلى الشِّعبِ " (١٥)، رواهُ أبو داود، وهذا لفظُهُ، والنَّسائيُّ وهو: حديثٌ من الأفرادِ، قالَ أبو داود: كانَ أرسلَ فارِساً إلى الشّعبِ من الليل يحرسُ. وعن ابنِ عباسٍ، قالَ: " كانَ النبيُّ ﷺ يلتفتُ يميناً وشِمالاً، ولا يَلْوي عُنُقَهُ خلفَ ظهرِهِ " (١٦)، رواهُ النَّسائيُّ، والترمِذِيُّ وقال: حسنٌ غَريبٌ. عن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ، ولا وهو يُدافِعُهُ الأخْبَثانِ " (١٧)، أخرجاهُ. قالَ: فإنْ فعلَ أجزأتْهُ صلاتُهُ. عن جابرٍ، قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : " لا تُؤخِّر الصلاةُ لطعامٍ ولا لغيرِهِ " (١٨)، رواهُ أبو داود من حديثِ محمد بنِ مَيمون الزَّعْفرانيّ المَفلوجِ وقد اختُلفَ فيهِ.

стр. 151

وفي " الصحيحينِ ": أنهُ ﵇ قالَ لمعاذٍ: إنهُ يُصلّي وراءَكَ الكبيرُ والصغيرُ، وذو الحاجةِ " (١٩). والغالبُ أنّ ذا الحاجة لا بُدَّ أن يَشتغل فكرُهُ بها إلا من سَلَّم اللهُ، فدلَّ أنهُ ليسَ بمُبْظلٍ، ولهذا شواهدُ أُخرُ، واللهُ أعلم. عن سَهْل بنِ سَعْدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ نابَهُ في صلاتِهِ شيءٌ، فَليُسبِّحْ، إنّما التصفيقُ للنساءِ " (٢٠)، أخرجاهُ. ولهما عن أبي هريرةَ مثلهُ (٢١). عن ابنِ عمرَ عن صُهَيْبٍ، قالَ: " مَررتُ برسولِ اللهِ ﷺ وهو يُصلّي، فسلّمتُ فردَّ إليّ إشارةً " (٢٢)، رواهُ أحمد، وأبو داود، وابنُ ماجَةَ، والنسائي، والترمِذِيُّ، وقالَ: صحيحٌ. وللخمسةِ إلا النَّسائيّ، وابن ماجَةَ عن ابنِ عمرَ عن بلالٍ نحوهُ " (٢٣)، قالَ الترمِذِيُّ: كلاهما صحيحٌ. عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " إذا قامَ أحدُكم قلا صلاتِه فلا يَبزُقْ قَبَلَ قِبْلتِهِ، ولكنْ عن يَساره أو تحتَ قدمِهِ ثمّ أخذَ طرفَ ردائِهِ فَبصَقَ فيهِ، وردَّ بعضَهُ على بعضٍ، فقالَ: أو يفعلُ هكذا " (٢٤)، رواهُ البخاري. وعن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ، أنّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى نُخامةً في جدارِ المسجدِ، فتناولَ حصاةً فحتَّها وقالَ: " إذا تَنخَّمَ أحدُكم فلا يتَنخمَّنَ قِبلَ وجههِ، ولا عن يَمينهِ،

стр. 152

ولْيبْصُقْ عن يسارِهِ أو تحتَ قدمِهِ اليُسْرى " (٢٥)، أخرجاه. عن طَلحةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، قالَ: " كُنَّا نُصلّي والدوابُّ بينَ أيدينا، فذكِرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ ، فقالَ: " مِثلُ مؤْخِرة الرَّحْلِ يكونُ بينَ يدي أحدِكم، ثمّ لا يَضرّهُ ما مرَّ بينَ يَديهِ " (٢٦)، رواهُ مسلم. عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ : " إذا صلّى أحدُكم فليجعلْ تِلقاءَ وجههِ شيئاً، فإن لمْ يجدْ فليَنْصِبْ عَصاً، فإن لمْ يكنْ مَعَهُ عصَاً فلْيَخُطَّ خطّاً، ولا يَضرُّهُ ما مَرَّ أمامَهُ " (٢٧)، رواهُ أحمد، وأبو داود، وهذا لفظُهُ، وابنُ ماجَةَ، وفي إسنادهِ اختلافٌ. وفي حديثِ بِلالٍ كما سيأتي " أنهُ ﵇ دخَلَ الكعبةَ فصلّى وبينَهُ وبينَ الجدارِ نحوٌ من ثلاثةِ أذرُعٍ "، رواهُ أحمد، والنسائيُّ، وأصلُهُ في البخاري.

стр. 153

١١ - باب: سجود السهو عن أبي سعيدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا شَكَّ أحدُكم في صلاتِهِ، فلمْ يَدْرِ صلّى ثلاثاً أمْ أربعاً، فليطْرحِ الشّكَّ وليَبْنِ على ما استَيقنَ، ثمَّ يسجدُ سجدتينِ قبلَ أنْ يُسلّمَ " (٢٨)، رواهُ مسلم. عن ابنِ مَسعودٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ صلّى الظهرَ خَمْساً، فسجدَ سجدتين بعدَما سلّم " (٢٩)، أخرجاهُ. عن محمدِ بنِ سرينَ عن أبي هريرةَ قالَ: " صلّى بِنا رسولُ اللهِ ﷺ إحدى صلاتي العَشيِّ، قالَ ابنُ سيرين: سمّاها أبو هريرة ولكني نَسيتُ أنا، قالَ: فصلّى بنا ركعتين ثمّ سلّمَ، فقامَ إلى خَشبةٍ مَعروضةٍ في المسجدِ فاتّكأ عليها كأنهُ غضبانُ، ووَضعَ اليُمنى على اليُسرى وشبَّكَ بينَ أصابعِهِ، ووضعَ خدَّهُ الأيمنَ على كفّهِ اليسرى، وخرَجتِ السَّرعانُ من أبوابِ المسجدِ، فقالوا: أقَصُرَت الصلاةُ؟ وفي القومِ أبو بكر وعمرُ فَهابا أن يُكلّماهُ، وفي القومِ رجلٌ يُقالُ لهُ: ذو اليدينِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! أنسيتَ أم قَصُرَتِ الصلاةُ؟ قالَ: لمْ أنسَ ولم تُقْصَرْ، فقالَ: أكما يقولُ ذو اليَدينِ؟ فقالوا: نَعَمْ، فتقدَّمَ فصلّى ما تركَ ثمّ سلّم، ثمّ كبّر وسجدَ مِثلَ سُجودِهِ أو أطولَ، ثمّ رفعَ رأسَهُ وكبّر، [وربّما سَألوهُ] (٣٠)، ثُمَّ سلّمَ، فيقولُ: نُبِّئْتُ أنّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ قالَ: ثُمّ سَلّمَ " (٣١)،

стр. 154

أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاري. وفي روايةٍ لمسلمٍ: " صلاة الظهر " (٣٢). ولهُ عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ: " صلاة العَصرِ، وأنّهُ سلّم من ثلاثٍ " (٣٣)، وعلى كلِّ تقديرٍ ففيهِ دلالةٌ على أنَّ مَنْ تكلَّمَ أو سلّم ناسياً سجدَ للسَّهْوِ. عن ابنِ عباسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " ألا وإنّي نُهيتُ أن أقرأ القرآنَ راكعاً أو ساجداً. . . الحديث " (٣٤)، رواهُ مُسلم. عن المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا قامَ أحدُكم من الرَّكعتينِ فلمْ يَسْتَتِمَّ قائِماً فليجلسْ، وإذا اسْتَتَمَّ قائِماً فَلا يَجْلِسْ، ويَسجدْ سَجْدَتَي السَّهْوِ " (٣٥)، رواهُ أحمد، وأبو داود، وابنُ ماجَةَ من حديثِ جابرِ بنِ يَزيدَ الجُعْفيِّ، وهو ضعيفٌ. عن عبدِ اللهِ بنِ مالكِ بنِ بُجَيْنَةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ صلّى بهم الظهرَ، فقامَ في الركعتينِ الأُولَييْنِ ولمْ يجلسْ، فقامَ الناسُ معَهُ حتى إذا قَضى الصلاةَ وانتظرَ الناسُ تسليمَهُ كبَّر وهو جالسٌ فسجدَ سَجدتين قبلَ أن يُسلّم، ثمّ سلّم " (٣٦)، أخرجاهُ. عن عُقْبةَ بنِ نافعٍ (٣٧) عت ابنِ عمرَ، قالَ: " لا تكونُ صلاةٌ إلا بقراءةٍ وتَشهُّد فَصلاةٍ على النبيِّ ﷺ ، فإنْ نسيتَ شيئاً من ذلكَ فاسجدْ سجدتين بعدَ التسليم " (٣٨)، رواه الحافظُ المَعْمَريُّ.

стр. 155

عن ثَوْبانَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لكلِّ سَهْوٍ سَجْدتانِ " (٣٩)، رواهُ أحمد، وأبو داود، وابنُ ماجَةَ، وهو حسَنٌ إلا أنهُ اختُلِفَ في إسنادِهِ، وقالَ أبو بكر الأثرَمُ: لا يَثبت، فإن صحَّ فيُمكنُ أن يُحتَجَّ بهِ على أنَّ مَنْ تركَ الصلاة على النبيِّ ﷺ في التشَهُّدِ الأوّلِ أو القنوتِ في الصبحِ، فإنهُ يسجدُ للسَّهْوِ، وكذا مَنْ تَركَ شيئاً من ذلكَ عامِداً لا يسجدُ لأنّ السجودَ إنّما هو مَنوطٌ بالسَّهْوِ، ولو تُرِكا وهذا الحديث لكانَ فيهِ دلالةٌ على أنّ مَنْ سَهى سَهْوينِ أو أكثرَ يلزمُهُ تَعدُّدُ السجودِ لكل سَهْوٍ، لكنْ في حديثِ ذي اليَدينِ أنهُ ﵇ تركَ من الصلاةِ شيئاً، وسلّم وتكلّمَ ناسياً، ولمْ يسجدْ إلا سجدتين. تقدَّمَ في البابِ قبلَهُ من حديثِ مُعاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَميّ (٤٠) وأنّهُ تكلّمَ مِراراً ولَمْ يأْمرهُ ﵇ بإعادةٍ لكونِهِ كانَ جاهلاً بالحكمِ، ويَحتملُ أن يُقال: ولا سجودَ سهْوٍ لكونِهِ كانَ مأموماً مُعَيّناً في قولِهِ ﵇: " إنّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتمَّ بهِ، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركعَ فارْكَعوا، وإذا سجدَ فاسْجُدوا (٤١)، وهو عامٌّ في سجودِ السهْو مطلقاً وغيره، ويؤَيِّدُ ما رواهُ الدارَقطنيُّ عن عمرَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " ليس على من خلف الإمام سَهْوٌ، فإن سها الإمامُ، فعليهِ وعلى مَنْ خَلْفَهُ السّهْو، وإن سها مَنْ خَلفَ الإمام فليسَ عليه سَهْوٌ، والإمام كافيهِ " (٤٢)، ولكن في إسناده خارِجَةُ بنُ مُصعَب وهو متروكُ الحديثِ، وقد كذّبَهُ ابنُ مَعين في رواية عنهُ. تقدّمَ: " مَنْ عَمل عملاً ليسَ عليه أمرُنا، فهو رَدّ " (٤٣)، ويُؤخَذُ منهُ أنّ الإمامَ إذا ترك رُكْناً لا يتابعهُ المأمومُ في ذلكَ، بل يفارقُهُ، وأمّا تركُ الفعلِ المسنونِ، ففي حديث ابنِ بُحَيْنةَ، أنهُ ﵇ لمّا لمْ يجلسْ في التشَهُّدِ الأوّلِ وقامَ، قامَ الناس معه (٤٤). وعن زيادِ بنِ عِلاقَةَ، قالَ: " صلّى بنا المُغيرةُ بنُ شُعْبةَ، فنهَضَ في الركعتينِ قُلنا:

стр. 156

سُبحانَ اللهِ، قالَ: سبحانَ اللهِ، ومضى، فلما أتمَّ صلاتَهُ وسلّم سجَدَ سجْدتَي السَّهْوِ، فلما انصرَفَ قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَصنعُ كما صَنَعتُ " (٤٥)، رواهُ أحمد، وأبو داود، وهذا لفْظُهُ، والترمِذِيُّ، وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ. تقدّم في أوّلِ البابِ حديثُ أبي سعيدٍ، وفيه: " ثمّ سجد سجدَتينِ قبلَ أن يُسلّم " (٤٦)، رواهُ مسلم. وفي حديثِ ابنِ بُحَيْنةَ: السجودُ قبلَ التسليمِ (٤٧)، ومُستَندُ القديمِ حديثُ ابنِ مَسعود: أنهُ صلّى الظهرَ خَمساً، وسجدَ بعدَ السلامِ (٤٨).

стр. 157

١٢ - بابُ: الساعاتِ التي نُهيَ عن الصلاةِ فيها عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: " ثلاثُ ساعاتٍ نَهانا رسولُ اللهِ ﷺ أن نُصلّيَ فيهنَّ أو نَقْبُرَ فيهنَّ مَوْتانا: حينَ تطلعُ الشمسُ بازِغةً حتى ترتفِعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظّهيرةِ حتى تزولَ الشمسُ، وحينَ تَضيَّفُ للغروبِ حتى تغرُبَ " (٤٩)، رواهُ مسلم. عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " شهِدَ عنْدي رجالٌ مَرضيّونَ، وأرضاهمْ عندي عمرُ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَنهى عن الصلاةِ بعدَ الصبحِ حتى تَطلُعَ الشمسُ، وبعدَ العصرِ حتّى تَغرُبَ " (٥٠)، أخرجاهُ. تقدّمَ قولُهُ ﵇: " مَنْ نامَ عن صلاةٍ أو نَسيَها، فليُصلِّها إذا ذكرَها " (٥١)، وهو يَعمُّ وقتَ النّهيِ وغيرِه. عن جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ: أنّ النبيَّ ﷺ قال: " يا بني عبدِ منافٍ، لا تمنَعوا أحداً طافَ بهذا البيتِ وصلّى أيّةَ ساعةٍ شاءَ، من ليلٍ أو نهارٍ " (٥٢)، رواهُ أحمد وأهلُ السُّننِ، وقال الترمِذِيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وإسنادُهُ على شرطِ مُسلمٍ. وعن أبي ذرٍّ، قالَ: " نّهى رسولُ اللهِ ﷺ عن الصَّلاةِ بعدَ الفجرِ، وبعدَ العصرِ، إلا بمكَّةَ " (٥٣)، رواهُ أحمد، والدارَقُطنيُّ، ولا يَصِحُّ.

стр. 158

عن أبي الخَليلِ، واسمُهُ: صالحُ بنُ أبي مَريمَ عن أبي قَتادَةَ عن النبيِّ ﷺ : " أنهُ كرِهَ الصلاة نصفَ النَّهارِ إلا يوم الجُمُعة " (٥٤)، رواهُ أبو داود، وقالَ: مُرْسَل، أبو الخَليلة لمْ يَسمعْ من أبي قَتادَةَ. قلتُ: وفي سنَدِهِ: ليثُ بنُ أبي سُلَيمٍ أيضا، وفيهِ كلامٌ. ورَواهُ الشافعيُّ عن أبي هريرة مرفوعاً، وفي إسنادِهِ ضَعيفان (٥٥). ورواهُ البَيْهقيُّ (٥٦) عن أبي هريرةَ، وأبي سَعيدٍ وقالَ: في إسْنادِهِ مَنْ لا يُحتجُّ بهِ، ولكنّهُ إذا انضَمَّ إلى روايةِ أبي قَتادَةَ أخذَ بعضَ القوَّةِ.

стр. 159

١٣ - بابُ: صَلاةِ الجَماعةِ . عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قالَ: إنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " صلاةُ الجماعةِ أفضلُ من صلاةِ الفَذِّ بسبْعٍ وعشرينَ دَرَجَةً " (١)، أخرجاهُ. عن عبدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ، أنّهُ قالَ: " إنَّ اللهَ شرَعَ لنبيِّكُم سُنَنَ الهُدى، وإنّهنَّ - يعني الصّلواتِ الخمسَ - من سُنَنِ الهُدى، ولو أنكُم صلّيْتم في بيوتِكم كما يُصلّي هذا المُتَخلِّفُ في بيتِهِ، لتَركْتُم سُنّةَ نبيِّكُم، ولو تركْتُم سُنّةَ نبيِّكُم لَضَلَلْتُمْ. . الحديث " (٢)، رواهُ مسلم. ولابنِ ماجَةَ: " ولعَمْري، ولو أنّكُم كلّكَمْ صلّى في بيتِهِ لتَركْتُمْ سُنّةَ نبيِّكُمْ " (٣)، وهذا اللفظُ جيّدٌ في الدلالةِ على كَوْنِها فرضَ كِفايةٍ، واللهُ أعلمُ. وقد تقدّمَ حديثُ أبي الدَّرْداءِ: " ما منْ ثلاثةٍ في قَريةٍ لا يُؤَذَّنُ ولا تُقامُ فيهمْ الصلاةُ إلا اسْتَحوذَ عليهمُ الشيطانُ " (٤). عن أبي موسى، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اثنانِ فَما فوقَهُما جماعَةٌ " (٥)، وراهُ ابنُ ماجَةَ من حديثِ الرَّبيعِ بنِ بَدْرٍ المَعروفِ بعُلَيْلَةَ وهو متروكٌ. ورَواهُ الدارَقُطنيُّ (٦) من حديثِ عُثمانَ بنِ عبدِ الرّحمن الوَقّاصِيِّ عن عَمْرِو بنِ

стр. 160

شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّهِ، والوَقّاصِيُّ متروكٌ، وكَذَّبهُ ابنُ مَعينٍ. ورَوى لهُ الإمامُ أحمدُ شاهداً من حديثِ أبي أُمامَةَ، ولا يَصحُّ شيءٌ من ذلك. ولكنْ لهُ شاهدٌ في حديثِ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " إذا صلَّيْتُما فأذّنا وأقيما، ولْيَؤمُّكُما أكبرُكما " (٧)، أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاريِّ. عن أبي سَعيدٍ: أنَّ رجُلاً دخلَ المسجدَ، وقد صَلّى النبيُّ ﷺ ، فقالَ ﷺ : " مَنْ يتَصدَّقَ على هذا، فيُصَلّي معَهُ؟ فقامَ رجلٌ مِنَ القَوْمِ فصلّى معَهُ " (٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ قويٍّ. ورواهُ البَيْهقِيُّ، ولفظُهُ: " أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رجُلاً يُصلّي وحدَهُ، فقالَ: ألا رجُلٌ يتَصَدَّقُ على هذا، فَيُصَلِّي معَهُ " (٩)، فيهِ دلالةٌ على أنّهُ لا يُشتَرطُ نِيَّةُ الإمامِ للإمامَةِ، فأمّا المَأمومُ، فلا بُدَّ من نيَّتِهِ (١٠). وقد روى أبو داودَ هذا الحديثَ في المَراسيلِ، وقالَ: " فقامَ أبو بكْرٍ فصلّى معَهُ ". عن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " صلاة الرّجلِ مَع الرّجُلِ أزكى من صلاتِهِ وحدَهُ، وصلاتُهُ معَ الرّجلين أزكى من صلاتِهِ معَ الرّجُلِ، وما كانَ أكْثرَ فهو أحبُّ إلى اللهِ " (١١)، رواهُ أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ، وابنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، وصَحَّحهُ البَيْهقيُّ، وفي إسْنادِهِ اختِلافٌ، والأرجحُ أنّهُ صحيحٌ، كذاكَ هو عند شُعبةَ، وابنِ مَعينٍ، وعليِّ بنِ المَدينيِّ، وأبي حاتمٍ الرّازِيِّ.
следующие страницы →