← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 226–265 · переход к 231.

стр. 226

نعمْ، قال: صدَقَ الله فصدَقَهُ، اللهُمّ هذا عبدُكَ، خرج مُهاجِراً في سبيلِكَ فَقُتِلَ شَهيداً، أنا شهيدٌ على ذلكَ. قال النَّسائيُّ، هذا خطأٌ، والصّوابُ عندَنا: عن شَدّادِ بنِ أوْسٍ، مُرْسَل، وقال البيهقيُّ: يحتملُ أنّهُ إنّما كفَّنَهُ وصلّى عليهِ لأنهُ لم يمُتْ في المعركةِ، وإنّما ماتَ بعدَها. قالَ الشافعيُّ أخبرَنا مالكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: " أنّ عمرَ ﵁ غُسِّلَ وكُفِّنَ وصُلّيَ عليهِ " (٣٣). قالَ الشافعيُّ: وهو شهيدٌ، ولكنهُ إنّما صارَ إلى الشهادةِ في غيرِ حرب، وكذا روى البيهقيُّ: " أنّ عليّاً ﵁ غُسِّلَ، وكُفِّنَ، وصُلِّيَ عليهِ " (٣٤)، قد يُسْتأْنَسُ بهذا في الصحيحِ من القَوْلينِ: أنّ مَنْ قُتِلَ من أهلِ العَدلِ بيدِ أهلِ البَغي أنّهُ يُغَسَّلُ، ويُصَلّى عَليهِ، وقد يُستَدَلُّ للقولِ الآخرِ بما رواهُ البيهقيُّ عن عَمّارٍ أنهُ قال: " ادْفنوني في ثيابي، فإنّي مُخاصِمٌ " (٣٥). عن المُغيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الطفلُ يُصلّى عليهِ " (٣٦)، رواهُ أحمد، وأهلُ السُّننِ، وصحَّحهُ الترمِذِيُّ. ولأحمد، وأبي داود أيضاً: " السَّقْطُ يُصَلّى عَليهِ " (٣٧). وعن جابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الطِّفْلُ لا يُصَلّى عليهِ، ولا يُورَثُ، ولا يَرِثُ حتى يَسْتَهِلَّ " (٣٨)، رواهُ الترمِذِيُّ، وقالَ: اضطربَ الناسُ فيهِ، ورُويَ مرفوعاً، ومَوْقوفاً، وهو أصحُّ، قلتُ: ثمَّ هو من رواية إسماعيلَ بنِ مُسلمٍ المَكّيِّ، وهو مَتروكٌ.

стр. 227

ولابنِ ماجَةَ من وجهٍ آخر فيهِ الرَّبيعُ بنُ بدْرٍ - عُليلَة - وهو مَتروكٌ. عن جابرٍ مرفوعاً: " إذا اسْتَهَلَّ الصَّبيُّ صُلِّيَ عليهِ وَوُرِّثَ " (٣٩). تقدّمَ قولُهُ ﵇: " إنّما الأعمالُ بالنيّاتِ، وإنّما لكُلِّ امرِيءٍ ما نَوى " (٤٠).

стр. 228

٥ - بابُ: حَملِ الجنازَةِ والدَّفْنِ عن ابنِ مَسعودٍ ﵁ أنّهُ قالَ: " إذا اتّبعَ أحدُكُم جنازةً، فلْيأخُذْ بجوانب السّريرِ الأربعِ، فإنّهُ من السُّنَّةِ " (١)، رواهُ سعيدُ بنُ منصور، وذا لفظُهُ، وابنُ ماجَةَ. قالَ الشافعيُّ: رَوى بعضُ أصحابِنا عن النبيِّ ﷺ : " أنّهُ حملَ في جنازةِ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ بينَ العَمودين "، ثمَّ روى بأسانيدِهِ عن عمر، وعثمان، وسعد بنِ أبي وَقّاص، وأبي هريرةَ، وابنِ الزُّبَيْر: " أنهم حَملوا في الجنائزِ بينَ العَمودينِ " (٢)، وأشارَ إلى ثبوتِ ذلكَ. عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قال: " أسرِعوا بالجنازةِ، فإن تَكُ صالحةً، فخيرٌ تُقدّمونها إليهِ، وإن تَكُ سِوى ذلك، فشرٌّ تضعونَه عن رِقابِكم " (٣)، أخرجاهُ. عن ابنِ عمرَ ﵄: " أنهُ رأى النبيَّ ﷺ ، وأبا بكر، وعمرَ ﵄ يَمشونَ أمامَ الجنازةِ " (٤)، رواهُ الشافعيُّ، وأحمد، وأهلُ السّننِ بأسانيدِهم إلى الزُّهْري عن سالمٍ عن أبيهِ، وقد اختلفَ الرّواةُ لهُ عن الزّهري، فمنهم مَنْ وصَلَهُ، ومنهم مَنْ أرسَلَهُ، قالَ عبدُاللهِ بنُ المبارَكِ: المرْسَل أصحُّ، وقالَ الترمِذِيُّ: أهلُ الحديثِ يَرونَ المُرْسَلَ أصحَّ، وقال النسائيُّ: هذا خَطأٌ، والصَّوابُ مُرْسَلٌ، وقالَ عليُّ بنُ المَدينيّ لسفيانَ بنِ عُيَيْنةَ: يا أبا مُحمد خالفَكَ الناسُ في هذا الحديثِ، فقالَ

стр. 229

سُفيانُ: أستيقن الزُّهْري حدّثنيهِ مِراراً لستُ أُحصيهِ من فيه يُعيدُه ويُبديهِ عن سالمٍ عن أبيهِ. ورَوى الترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ من حديثِ محمدِ بنِ بَكرٍ البُرْسانيِّ عن يونسَ عن الزُّهْري عن أنسٍ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَمشي أمامَ الجنازةِ، وأبو بَكر، وعمرُ، وعثمانُ " (٥)، قالَ البخاريُّ: أخطأ فيهِ محمدُ بنُ بكْر، إنّما يُرْوى عن يونسَ عن الزُّهْري مُرْسَلاً، وهو أصحُّ. عن الشَّعْبيِّ، قالَ: " غَسَّلَ النبيَّ ﷺ ، عليٌّ، والفضلُ، وأُسامةُ، وهو أدخلوهُ قبرَهُ " (٦)، رواهُ أبو داود. وفي روايةٍ لهُ عن الشَّعْبي عن أبي مُرَحَّبٍ: " أنَّ عبدَ الرّحمن بنَ عَوْفٍ نزَلَ في قبرِ النبيِّ ﷺ ، قالَ: كأنّي أنظرُ إليهم أربعة " (٧). ورواهُ أبو يَعْلى المَوْصِليُّ فقالَ: عن الشَّعْبي عن ابنِ عباسٍ: فذكَرَهُ. عن جابرٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ زجرَ أن يُقْبَرَ الرّجلُ بالليلِ، حتّى يُصَلّيَ عَليه إلا أنْ يُضْطرَّ إنسانٌ إلى ذلكَ " (٨)، رواهُ مسلم في حديثٍ طويلٍ. عن هشامِ بنِ عامرٍ، قالَ: " جاءتِ الأنصارُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالوا: أصابَنا قرْحٌ وجَهْدٌ، فكيفَ تأمرُ؟ قالَ: احْفِرُوا، وأوْسِعوا، وأعْمِقوا وأجْعَلوا الرّجلينِ والثلاثةَ في القبرِ، قيلَ: فأيُّهُم يُقَدَّمُ؟ قالَ: أكثرُهُم قُرآناً " (٩)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وصحَّحهُ الترمِذِيُّ، فيه دلالةٌ على تعميقِ القبرِ، قالَ في المُهَذَّبِ: لأنَّ عمرَ أوصَى أن يُعَمَّقَ القبرُ قامةً وبَسْطةً.

стр. 230

عن ابنِ عباسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اللَّحْدُ لنا، والشَّقُّ لِغَيْرِنا " (١٠)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وقالَ الترمِذِيُّ: غَريب من هذا الوَجهِ. عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " سُلَّ رسولُ اللهِ ﷺ من قِبَلِ رأسِهِ " (١١)، رواهُ الشافعيُّ عن الثقةِ عن عمرَ بنِ عَطاءٍ، وفي إسْنادِهِ ضعفٌ. وعن أبي إسحاقَ السَّبيعي، قالَ: " أوصى الحارثُ أن يُصلّيَ عليهِ عبدُالله بنُ يَزيد هو الخَطْميُّ ﵁، فصَلّى عليهِ ثمَّ أدْخلَهُ من قِبَلِ رِجْلَي القبرِ، وقال: هذا من السُّنَّةِ " (١٢)، رواهُ أبو داود بإسْنادٍ صحيحٍ. عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " جلَّلَ رسولُ اللهِ ﷺ قبرَ سَعدٍ بثوبِهِ " (١٣)، رواهُ البَيْهقيُّ. عن ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا وضعَ الميّتَ في القبرِ، قالَ: " بسْمِ اللهِ، وعلى سُنّةِ رسولِ اللهِ " (١٤)، رواهُ أبو داود، والنسائيُّ، وابنُ حِبّان، والحاكمُ، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ، ولفظهما: " وعلى مِلّةِ رسولِ اللهِ "، وإسْنادُهُ على شَرْطِهِما، وقالَ الترمِذِيُّ: حسَنٌ غَريبٌ. عن عامِر بنِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص: " أنَّ سعداً قالَ في مرضِهِ الذي هَلكَ فيهِ: ألْحدوا لي لحْداً، وانْصِبوا عليَّ اللَّبِنَ نُصْباً، كما صُنِعَ برسولِ اللهِ ﷺ " (١٥)، رواهُ مُسلم.

стр. 231

عن أبي هريرةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صَلّى على جنازةٍ، ثمَّ أتى قبرَ الميِّتِ، فحثَا عليهِ من قِبَلِ رأسِهِ ثلاثاً " (١٦)، رواهُ ابنُ ماجَةَ بإسنادٍ لا بَأسَ بهِ، لكنْ قالَ أبو حاتمٍ الرازِيُّ: هذا حديثٌ باطلٌ. رَوى البخاريُّ عن سفيانَ التَّمّارِ، قالَ: " رأيتُ قبرَ النبيِّ ﷺ مُسَنَّماً " (١٧). وعن القاسمِ بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ أبي بَكْرٍ الصِّديقِ، قالَ: " دخلتُ على عائشةَ، فقلتُ: يا أُمّاهُ اكْشِفي لي عن قبرِ رسولِ اللهِ ﷺ وصاحبَيْهِ، فكَشَفَتْ لي عن ثلاثةِ قبورٍ لا مُشرِفةٍ، ولا لاطِئَةٍ، مَبْطوحةٍ ببَطْحاءِ العَرْصةِ الحَمراءِ " (١٨)، رواهُ أبو داود، والحاكمُ في مُسْتَدرَكِهِ. ورَوى زَكَريّا بنُ يَحيى السّاجي: " أنَّ قبرَ النبيِّ ﷺ رُفِعَ شِبْراً " (١٩). عن أبي الهَيّاجِ الأسَدِيّ، واسمُهُ حيّانُ بنُ حُصَيْنٍ، قال: قال لي عَليٌّ ﵁: " ألا أبعثُكَ على ما بَعثَني رَسولُ اللهِ ﷺ : أن لا تدَعَ تَمثالاً إلا طَمَسْتَهُ، ولا قَبْراً مُشْرِفاً إلا سَوَّيتَهُ " (٢٠)، رواهُ مُسلمٌ. عن أبي رافعٍ، قال: " سَلَّ رسولُ اللهِ ﷺ سعْداً، ورشَّ على قبرِهِ ماءً " (٢١)، رواهُ ابنُ ماجَةَ من حديثِ مِنْدلِ بنِ عليٍّ، وهو مَتروكٌ. وعن جعفرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رشَّ قبرَ ابنِهِ إبراهيمَ، ووضَعَ عليهِ حصباءَ " (٢٢)، رواهُ الشافعيُّ، وهذا مُرْسَل يَتقوّى بالذي قبلَهُ.

стр. 232

وروى أبو داود في المَراسيلِ عن القَعْنَبيِّ وغيرِهِ عن الدَّراوَرْدِيِّ عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عمرَ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ عن أبيهِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَشَّ على قبرِ إبراهيمَ، وإنّهُ أوَّلُ قَبرٍ رُشَّ عَليهِ، ولهُ قالَ حينَ دُفِنَ وفُرِغَ منهُ: سلامٌ علَيْكُم " (٢٣). عن جابرٍ، قال: " نَهى رسولُ الله ﷺ أن يُجصصَ القَبر، وأنْ يُقعَدَ عليهٍ، وأن يُبنى عليهِ " (٢٤)، رواهُ مُسلم. عن جابرٍ، قال: " كانَ النبيُّ ﷺ يجمَعُ بينَ الرّجلينِ من قَتْلى أُحُدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثُمَّ يقولُ: أيُّهم أكثرُ أخْذاً للقرآنِ؟ فإذا أشيرَ لهُ إلى أحدِهما قدَّمَهُ في اللَّحْدِ. . الحديث " (٢٥)، رواهُ البخاريُّ، والشَكُّ أنّهم أصابَهم قَرْحٌ يومَئذٍ كما قالَ اللهُ تَعالى، وكما تقدَّمَ في حديثِ هشامِ بنِ عامرٍ، قالَ: والدَّفْنُ في المَقْبَرةِ أفْضلُ، قد يُسْتدَلُّ على ذلكَ بأنّهُ ﵇ لمْ يُنْقَلْ أنهُ دفنَ أحداً ممّن ماتَ في المدينةِ إلا بالمَقْبرَةِ، معَ تكَرُّرِ ذلكَ وكثرتِهِ، وبما رُويَ عن كَثيرِ بنِ زيدٍ عن المُطَّلبِ أنَّ النبيَّ ﷺ علّم قبرَ عثمانَ بنِ مَظْعون بصَخرةٍ، وقالَ: أتعلَّمُ قبرَ أخي، وأدفِنُ إليهِ مَنْ ماتَ من أهلي " (٢٦)، رواهُ أبو داود. ولابنِ ماجَةَ عن أنسٍ مِثلُهُ، وليسَ ذلكَ بواجبٍ، لأنهُ ﵇ دُفِنَ في حُجرةِ عائشةَ، وأبو بكْرٍ، وعمرَ ﵃. قالَ موسى بنُ عُقْبةَ في مَغازيهِ: " لما دُفِنَ النبيُّ ﷺ ألقى المُغيرةُ بنُ شُعْبةَ خاتَمَهُ في القبرِ، ثمَّ اقْتَحَم فيهِ، فكانَ يقولُ: أنا آخرُ الناسِ عهداً برسولِ اللهِ ﷺ "، يُستَدَلُّ بهِ على أنّهُ إذا وقَعَ في القبر شيءٌ لهُ قيمةٌ نُبِشَ وأُخِذَ. عن بُرَيدَةَ بنِ الحَصيبِ الأسْلَميِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " قد كُنتُ نَهيتُكُمْ عن

стр. 233

زيارةِ القبور، فزوروها. . الحديث " (٢٧)، رواهُ مُسلمٌ. وعن أبي هريرةَ، قالَ: " زارَ النبيُّ ﷺ قبرَ أُمِّهِ فَبكى وأبكى مَنْ حولَهُ، وقالَ: اسْتأْذنتُ ربّي أن أستغفرَ لها فلمْ يأذنْ لي، واستأْذنتُهُ في أن أزور قبرَها، فأذِنَ لي، فَزوروا القبورَ، فإنّها تُذَكِّرُ الموتَ " (٢٨)، أخرجاهُ. عن أبي هريرةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ لعَنَ زوّاراتِ القُبورِ " (٢٩)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَةَ، والترمِذيّ، وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ. ولأحمدَ، وابنِ ماجَةَ عن حَسّان بنِ ثابتٍ " مِثْلُهُ " (٣٠). وعن ابنِ عباسٍ، قالَ: " لعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ زائراتِ القبورِ، والمُتخذينَ علَيْها المَساجدَ والسُّرُجَ " (٣١)، رواهُ أحمد، وأبو داود، والترمِذِيُّ، والنَّسائيُّ، ولا شَكَّ أنَّ هذا الحديثَ حسَن يُحتَجُّ بهِ لتَعدُّدِ طُرُقِهِ، وإن كانَ في كلٍّ منها ضَعفٌ يَسيرٌ. وعن أبي هريرةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خرجَ إلى المَقْبرةِ، فقالَ: السلامُ عليْكُمْ، دارَ قَوْمٍ مُؤْمنينَ، وإنّا إن شاءَ اللهُ عن قريبٍ بكُمْ لاحقون " (٣٢)، رواهُ مُسلم. ولأحمدَ، وأبي داود، وابنِ ماجَةَ عن عائشةَ: نحوَهُ، وزادَ: " اللهُمَّ لا تَحرمْنا أجرَهُم، ولا تَفْتِنَّا بعدَهُم " (٣٣)، وفي إسْنادِهِ: عاصمُ بنُ عُبيدِاللهِ العُمرِيُّ وهو ضَعيفٌ.

стр. 234

عن أبي هريرةَ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لأَنْ يَجلسَ أحدُكُم على جَمْرةٍ، فَتحرقَ ثيابَهُ فَتَخلُصَ إلى جِلْدِهِ، خيرٌ لهُ من أن يَجلسَ على قَبرٍ " (٣٤)، رواهُ مُسلمٌ. وتقدَّمَ حديثُ جابرٍ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُجَصَّصَ القبرُ، وأن يُقْعَدَ عليهِ، وأن يُبْنى عَليهِ " (٣٥)، رواهُ مُسلمٌ. وزادَ الترمِذِيُّ: " وأن يُوطَأَ "، وقالَ: حَسَنٌ صحيحٌ. وعن عُقبَةَ بنِ عامرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لأنْ أمشيَ على جَمْرةٍ أو سيفٍ، أو أخصِفَ نَعْلي برجْلي، أحبُّ إليَّ من أن أمشيَ على قبرِ مُسلمٍ " (٣٦)، رواهُ ابنُ ماجَةَ بإسْنادٍ: جيِّدٍ.

стр. 235

٦ - بابُ: التَّعْزيةِ، والبُكاءِ على المَيِّتِ عن ابنِ مَسعودٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " مَنْ عزَّى مُصاباً، فلَهُ مِثْلُ أجرِهِ " (١)، رواهُ الترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ، وفي إسنادِهِ عليُّ بنُ عاصمٍ وهوَ ضَعيفٌ، وقد تابَعَهُ آخرُ ضَعيفٌ. وقد رُويَ عن أبي برْزَةَ، وعَمْرِو بنِ حَزْمٍ الترغيبُ في ذلكَ، وهذا ممّا يُتَسامَحُ فيهِ بقبولِ الحديثِ الضَّعيفِ، واللهُ أعلمُ. عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ البَجَليِّ ﵁، قالَ: " كُنّا نَعُدُّ الاجْتماعَ إلى أهلِ المَيِّتِ، وصنْعَةَ الطّعامِ بعدَ دَفنهِ فيهِ من النِّياحَةِ " (٢)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَةَ بإسْنادٍ صحيحٍ على شَرْطِ الشَّيخينِ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا القاسمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ عن جَعْفرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ عليِّ بنِ الحسين، قالَ: " لما تُوفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ وجاءَتِ التعزيةُ، سَمعوا قائلاً يقولُ: " إنّ في اللهِ عَزاءً من كلٍّ مُصيبةٍ، وخَلَفاً من كلّ هالكٍ، ودَركاً من كلِّ فائتٍ، فباللهِ فَثِقوا، وإيّاهُ فارْجوا، فإنَّ المُصابَ مَنْ حُرِمَ الثوابُ "، قالَ عليُّ بنُ الحسينِ: أتدرونَ من هذا؟ هذا الخَضِرُ " (٣)، القاسمُ هذا - هو العُمَرِيُّ - مَتروكٌ، كذَّبهُ أحمدُ ويحيى، وزادَ أحمد: وكانَ يضعُ الحديثَ. وأخرجَهُ الحاكمُ في مُسْتَدْرَكِهِ من حديثِ عَبّادِ بنِ عبدِ الصَّمدِ - وهو ضعيفٌ جدّاً -

стр. 236

عن أنسٍ، وفيهِ: " فقالَ أبو بَكْر وعليٌّ: هذا الخضرُ "، وقد استدركَ الحفّاظُ على مُسْتَدْرَكِ الحاكمِ أشياءَ كثيرةً. ورُويَ عن جابرٍ، قالَ: " لما نزلَ برسولِ اللهِ ﷺ ، عزَّتْهُمُ الملائكةُ، فَيسمعونَ الحِسَّ ولا يَرونَ الشخصَ: السلامُ عَلَيكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، إنَّ في اللهِ عزاءً من كلِّ مُصيبةٍ، وخلَفاً من كلِّ فائتٍ، فباللهِ فَثِقوا، وإيّاهُ فارْجوا، فإنّ المحرومَ مَنْ حُرِمَ الثوابُ، والسلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبرَكاتُهُ " (٤). قالَ الشافعيُّ: فأُحبُّ أن يقولَ هذا، ويتَرَحَّمَ على الميّتِ، ويدعوَ لهُ ولمن خلّفَ. عن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " وُلدَ لي الليلةَ غلامٌ فَسمَّيتُهُ باسْمٍ أبي إبراهيمَ - فذكرَ الحديثَ - إلى أن قالَ: فلَقدْ رأيتُهُ يَكيدُ بنفسِهِ بينَ يديْ رسولِ اللهِ ﷺ ، فدَمِعَتْ عَنيا رسولِ اللهِ، وقال: تَدمَعُ العينُ ويَحزنُ القلبُ، ولا نقولُ إلاّ ما يُرضي ربَّنا، إنّا بكَ يا إبراهيمُ لَمحزونونَ " (٥). عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اثْنتانِ بالناسِ هُما بهم كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، والنِّياحةُ على الميِّتِ " (٦)، رواهُ مُسلمٌ. عن عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ﵄، قالَ: " لما جاءَ نَعْيُ جعفرٍ حينَ قُتِلَ، قالَ النبيُّ ﷺ : إصْنَعوا لآلِ جَعفرٍ طَعاماً، فقدْ أتاهُم ما يَشْغَلُهُم " (٧)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ يإسْنادٍ حسَنٍ. ولأحمدَ، وابنِ ماجَةَ عن أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ " مِثْلُهُ " (٨).

стр. 237

٤ - كتابُ الزَّكاةِ قالَ اللهُ سبحانَهُ: " وأقيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ " في آيٍ كَثيرٍ من القرآن. وتقدَّمَ حديثُ ابنِ عمرَ: " بُنيَ الإسلامُ على خَمْسٍ: شهادةِ أن لا إلهَ إلاّ اللهُ، وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ، وإقامِ الصّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ. . الحديث (١). ووجوبُ الزّكاةِ في الجُمْلةِ معلومٌ من الدّينِ ضَرورةً. قالَ اللهُ تعالى: " خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صَدَقةً تُطهِّرهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِهَا ". وسيأتي قولُهُ ﵇: " ليسَ فيما دونَ خَمْسِ أواقٍ صدَقة " (٢)، استَدِلَّ بذلكَ للإمام الشافعيِّ على أنَّ الزكاة واجبَةٌ في كلِّ مالِ، كلِّ حرٍّ مسلمٍ، وذلك عامٌّ في كلِّ كبيرٍ وصغيرٍ، يتيمٍ أو غيرِهِ، ويُقَوِّي هذا ما رواهُ الترمِذِيُّ من حديثِ المُثنَّى بنِ الصَّباحِ عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: " أنّ النبيَّ ﷺ خطَبَ الناسَ، فقالَ: ألا مَنْ وَليَ يتيماً لهُ مالٌ، فليَتَّجرْ فيهِ، ولا يَتركْهُ حتّى تأكلَهُ الصّدقَةُ " (٣). ورواهُ الدّارَقُطنيُّ من هذا الوجهِ، ومن وجْهينِ آخرَينِ، ولا يثبتُ شيءٌ منهما. وقالَ هو، والبَيْهقيُّ: الصّحيحُ أنّهُ من قولِ عُمرَ. وقال الشافعيُّ: أخبرنا عبدُ المَجيدِ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن يوسفَ بنِ ماهِكٍ: أنّ النبيَّ ﷺ قالَ: " ابْتَغوا في مالِ اليتيم، لا تُذهِبها الصّدقَةُ، أو لا تَسْتَهلِكها الصَّدقةُ " (٤)، وهذا مُرْسَلٌ.

стр. 238

قالَ الشافعيُّ: ورُوِّينا وجوبَ زكاةِ مالِ اليتيمِ عن عمرَ، وعليٍّ، وعائشةَ، وابن عمرَ، وغيرِهم، معَ أنّ الأكثرَ من التابعين قبلَنا يقولونَ بهِ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " ليسَ في مالِ العبدِ زَكاةٌ " (٥)، رواهُ الشافعيُّ والبيهقيُّ، وقالَ: رُوِّيناهُ عن جابرٍ أيضاً، ورُويَ عن جابرٍ مرفوعاً، ولا يَصحُّ. قالَ الشافعيُّ: ورُويَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر أنهما قالا: " ليسَ في مالِ المُكاتبِ زكاةٌ " (٦). عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعثَ مُعاذاً إلى اليَمنِ، فقال: " ادْعُهُمْ إلى شهادةِ أن لا إلهَ إلاّ اللهُ، وأنّي رسولُ اللهِ، فإن هُم أطاعوا لكَ بذلكَ، فأعْلِمْهُم أنَّ اللهَ قد افترَضَ عليهم خَمْسَ صَلواتٍ في كلِّ يومٍ ولَيْلةٍ، فإنْ هُم أطاعوا بذلكَ، فأعْلِمْهُم أنَّ اللهَ افترضَ عليهم صدَقةً في أموالِهم، تُؤخَذُ من أغنيائِهم فتُرَدُّ على فُقرائِهم، فإن هُم أطاعوا بذلكَ، فإيّاكَ وكرائِمَ أموالهم، واتَّقِ دعوةَ المَظلومِ، فإنّهُ ليسَ بينَها وبينَ اللهِ حجابٌ " (٧)، أخرجاهُ. استدل بهِ على عدَمِ وجوبِ الزّكاةِ على الكافرِ الأصلي، فأمّا المرتدُّ، فقد عُلِمَ بالتواترِ أنَّ الخليفةَ أبا بكر الصّدّيقَ ﵁ قاتلَ أهلَ الرِّدّةِ ومانعي الزَّكاةِ، حتى أخذَها منهم، وقالَ لعمرَ ﵁: واللهِ لأُقاتِلَنَّ مَنْ فرَّقَ بينَ الصّلاةِ والزَّكاةِ، واللهِ لو مَنَعوني عَناقاً، وفي روايةٍ: " عِقالاً " (٨)، كانوا يُؤدونهُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ لأُقاتِلَنَّهم على مَنْعِها "، وهو في الصّحيحين، وغيرِهما من كتب الإسلامِ. عن الحَسنِ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " لمْ تُفْرَض - يعني الزكاةَ - إلاّ في عَشرة أشياء:

стр. 239

الإبلِ، والبقرِ، والغنم، والذّهبِ، والفضّةِ، والحنطةِ، والشعيرِ، والتمرِ، والزَّبيبِ، والذُّرةِ ". وفي رواية: " والسُّلْت بَدَل الذّرَةِ " (٩)، ورواهُ البَيْهقيُّ من حديثِ عَمْرِو بنِ عُبَيْد داعيةِ الفِرْقةِ القَدَريّةِ خَذَلها اللهُ، قالَ: وقد عُلِمَ الكلامُ في روايةِ الداعيةِ، وأنّها لا تُقْبَلُ، والله أعلمُ، ولكنْ سيأتي كلٌّ من هذهِ في بابِهِ الخاصِّ بهِ إن شاءَ اللهُ تعالى وبهِ الثِّقةُ. قالَ اللهُ: " خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ ". وفي حديثِ مُعاذٍ: " فأعْلِمْهم أنَّ اللهَ افترَضَ عَليْهم صدَقةً في أمْوالِهم " (١٠)، يُؤْخَذُ من ذلكَ أنّها تجِبُ في غيرِ المالِ.

стр. 240

- بابُ: صَدَقةِ المَواشِي عن أبي هريرةَ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ما مِنْ صاحبِ إبلٍ ولا يُؤدّي منها حقَّها، وفي روايةٍ: زَكاتَها " إلاّ إذا كانَ يومُ القيامةِ بُطحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ أوفرَ ما كانَتْ لا يفقدُ منها فصيلاً واحداً تَطؤهُ بأخْفافِها، وتعَضُّهُ بأفواهِها، كلّما مرَّ عليه أوْلاها رُدَّ عليه أُخْراها في يومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمسينَ ألفَ سَنةٍ، حتى يُقْضى بينَ العبادِ فيرَى سبيلَهُ إمّا الجنّةِ، وإمّا إلى النّارِ، قيلَ: يا رسولَ اللهِ! فالبقَرُ والغَنَمُ؟ قالَ: ولا صاحبِ بقرٍ، ولا غَنمٍ لا يُؤدّي منها حقَّها، وفي روايةٍ: " زَكاتَها " إلا إذا كانَ يومُ القيامةِ بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ، فذكَرَ نحوَهُ، قالوا: فالخيلُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الخيلُ في نَواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ، الخيلُ ثلاثةٌ: فهيَ لرجُلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، وعلى رجلٍ وِزْرٌ، وذكَرَ. . الحديثَ، قالوا: فالحمْرُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ما أَنزَل الله عليَّ فيها شيئاً إلاّ هذهِ الآيةَ الجامعَةَ الفاذَّةَ: " فمَنْ يعملْ مِثقال ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، ومَنْ يعْمَلْ مِثقالَ ذرَّةٍ شرّاً يَرَهُ " (١). مختصرٌ من طرقِ مسلم. والغَرضُ أنّهُ لمْ يذكر الزَّكاةَ إلا في الإبلِ، والبقرِ، والغَنَمِ. وعن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ليسَ على المسلمِ في فرسِهِ، ولا عبدِهِ صَدَقَةٌ "، أخرجاهُ، زادَ مسلم: " إلاّ زكاةَ الفِطْرِ في الرَّقيقِ " (٢). وعن عليٍّ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " قد عفوتُ لكم عن صدَقةِ الخيلِ والرّقيقِ " (٣)، رواهُ أحمد، وأبو داود، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ، وفي إسْنادِهِ الحارثُ الأعورُ، ومنهم مَنْ

стр. 241

سَمّى معَهُ عاصمَ بنَ ضَمْرَةَ، وكلاهما قد تُكُلِّمَ فيهِ. قال زُهَيْرٌ: عن أبي إسْحاقَ عن الحارثِ وعاصمِ بنِ ضَمْرةَ عن عليّ، قالَ زُهيرٌ: أحسَبُهُ عن النبيِّ ﷺ : " ليسَ على العَواملِ شيءٌ " (٤)، رواهُ أبو داودَ، وقالَ: رواهُ شُعْبةُ، والثَّوريّ، وغيرُهما عن أبي إسْحاقَ عن عاصمٍ عن عليّ، لم يَرفَعوهُ، ورواهُ الدارَقُطنيُّ من وجهٍ آخرَ عن عليٍّ مرفوعاً من حديث صَقرِ بنِ حَبيب، قالَ ابنُ حِبّان: يأتي بالمُنْكَراتِ، وليس هذا من كلامِ النبيِّ ﷺ . ثمَّ رواهُ الدارَقُطنيُّ مرفوعاً من حديثِ ابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وعَمْرِو بنِ شُعَيْب عن أبيهِ عن جدِّهِ، ولكن بأسانيدَ ضِعافٍ، وأجودُ ما في ذلكَ مفهومُ حديثِ أنسٍ الذي سيأتي: " وفي صدقَةِ الغَنمِ في سائِمتِها " (٥)، وهو بمفهومِ الصِّفةِ، والصحيح أنّهُ حُجّةٌ. عن عليّ ﵁: أنّهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ليسَ في مالٍ زكاةٌ حتى يَحولَ عليهِ الحَوْلُ " (٦)، رواهُ أبو داود. ورَوى ابنُ ماجَةَ من حديثِ حارثةَ بنِ أبي الرِّجالِ - وهو ضَعيف - عن عَمْرَةَ عن عائشة مرفوعاً مِثْلَهُ. وعن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ استفادَ مالاً، فَلا زكاةَ عليهِ الحول " (٧)، رواهُ الترمِذِيُّ بسندٍ ضَعيفٍ، وقال: الصحيحُ أنّهُ موقوفٌ. قلت: كذلكَ رواهُ الشافعيُّ عن مالكٍ عن نافعٍ عن أنَس مرفوعاً.

стр. 242

ورَوى الشافعيُّ عن أبي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁: " أنّهُ لمْ يكنْ يأخذ من مالٍ زكاةً حتى يَحولَ عليهِ الحَوْلُ " (٨)، وعن عثمانَ كذلكَ. عن عمرَ ﵁ أنّهُ قالَ: " نَعتَدُّ عليهم بالسَّخْلةِ يحملُها الرّاعي، ولا نأخذُها، ولا نَأخذُ الأَكولةَ، ولا الرُّبَّى، ولا الماخِضَ، ولا فَحْلَ الغَنمِ، ونَأخذُ الجَذَعة، والثَّنيَّةَ، وذلك عَدْلٌ بينَ غِذاءِ المالِ وخيارِهِ " (٩)، رواهُ مالك، والشافعيُّ، فيهِ دلالةٌ على أنّهُ إذا وَلدَت شاةٌ سَخْلةً قبلَ الحولِ أنّها تُضَمُّ إلى مالِهِ، ويَلزمُهُ شاةٌ أُخرى. عن أبي سعيد، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ليسَ فيما دونَ خمسِ ذَوْدٍ صَدَقةٌ، ولا فيما دونَ خَمْسةِ أوْسُقٍ صَدَقةٌ، ولا فيما دونَ خَمْسِ أواقٍ صَدَقةٌ " (١٠)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ عن جابرٍ مِثْلُهُ. عن ابنِ عمرَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كتبَ كتابَ الصّدقةِ، فلم يُخْرجْهُ عمالُّه حتى قُبِض، فَعمِلَ بهِ أبو بكر حتى قُبِض، وعمرُ حتى قُبِضَ، وكانَ فيهِ: في خَمسٍ من الإبلِ شاةٌ، وفي عَشْرٍ شاتانِ، وفي خَمْسَ عَشرَةَ ثلاثُ شِياهٍ، وفي عِشرين أربعُ شِياهٍ، وفي خمسٍ وعشرين بنتُ مَخاضٍ. . الحديث " (١١)، رواهُ أحمد، والترمِذِيُّ وحسَّنهُ، وابنُ ماجَةَ. ورُويَ موقوفاً عن سَعْرِ بنِ دَيْسَمٍ، قالَ: " أتاني مُصَدِّقا رسولِ اللهِ ﷺ ، فقلتُ: أيُّ شيءٍ تأْخُذان؟ قالا: عناقَ جَذَعة، أو ثَنيَّة " (١٢)، رواهُ أحمد، وأبو داود، والنّسائيُّ. وتقدَّمَ حديثُ عمرَ: " ونأخذُ الجذَعَةَ والثَّنيَّةَ، وفي روايةٍ عنهُ " الجَذَعَ، والثنيَّ (١٣)،

стр. 243

بإسْنادٍ جيِّدٍ. عن أنَسٍ: أنَّ أبا بكرٍ الصّدّيقَ ﵁ كتَبَ لهُ هذا الكتابَ لما وجَّههُ إلى البَحْرينِ: بسْمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ، هذهِ فَريضةُ الصّدَقَةِ التي فرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ على المسلمينَ، والتي أمرَ اللهُ بها رسولَهُ، فمَنْ سُئِلَها من المسلمينَ على وجْهِها فلْيُعْطِها، ومَنْ سُئِلَ فوقَها فلا يُعْطِ، في أربعٍ وعشرينَ من الإبلِ فما دونَها الغَنمُ، من كلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فإذا بلغَت خَمْساً وعشرين إلى خمسٍ وثلاثينَ، ففيها بنتُ مَخاضٍ أُنثى، فإذا بلَغَت سِتّاً وثلاثين إلى خَمْسٍ وأربعينَ، ففيها بنتُ لَبونٍ أُنثى، فإذا بلَغَت سِتّاً وأربعينَ إلى ستّين، ففيها حِقّةٌ طَروقةُ الجَمل، فإذا بلَغَتْ واحدةً وسِتّينَ إلى خَمْسٍ وسَبعينَ، ففيها جَذَعَةٌ، فإذا بلَغَتْ - يعني سِتّاً وسبعين إلى تسعينَ -، ففيها بِنْتا لَبونٍ، فإذا بلَغَتْ إحدى وتسعين إلى عِشْرينَ ومائةٍ، ففيها حِقَّتان طَروقَتا الجمل، فإذا زادَتْ على عشرينَ ومائةٍ، ففي كلِّ أربعينَ بنتُ لَبونٍ، وفي كلِّ خمسينَ حِقّةٌ، ومَنْ لمْ يكنْ عندَهُ إلا أربعُ من الإبلِ، فليسَ فيها شيءٌ إلاّ أن يشاءَ ربُّها، فإذا بلَغَتْ خَمْساً من الإبلِ، ففيها شاةٌ " (١٤)، رواهُ البخاريُّ، وهو قِطْعةٌ من حديثٍ طويلٍ. عن طاووس: أنّ مُعاذَ بنَ جبَلٍ أُتِيَ بوَقَصِ البقَرِ، فقال: " لمْ يأْمُرْني فيهِ النبيُّ ﷺ بشيءٍ " (١٥)، رواهُ، وهو منقطعٌ، طاووسٌ لمْ يلْقَ مُعاذاً "، إلا أنّهُ من أعلمِ الناسِ بقَضاياهُ. ولأحمدَ من وجهٍ آخرَ عن مُعاذٍ نحوَهُ، فهذا دليلُ الأصحِّ من القولين أنَّ الأوْقاصَ عَفْوٌ، ويُسْتَدَلُّ للقولِ الآخرِ بقولِهِ: " فإذا بلغتْ خَمْساً وعشرينَ إلى سِتٍّ وثلاثينَ، ففيها بنتُ مَخاضٍ، وليْسَتْ عندَهُ، وعندَهُ بنتُ لَبونٍ، فإنّها تُقْبَلُ منهُ، ويُعطيهِ المُصَدِّقُ عشرينَ دِرْهماً أو شاتينِ، فإنْ لمْ يكُنْ عندَهُ بنتُ مَخاضٍ على وجْهِها، وعندَهُ ابنُ لَبونٍ، فإنّهُ يُقْبَلُ منهُ، وليسَ معهُ شيءٌ، ومَنْ بلَغَتْ عندَهُ من الإبلِ صدَقَةٌ الجَذَعَةِ، وليْسَتْ عندَهُ

стр. 244

جَذَعَةٌ، وعندَهُ حِقّةٌ فإنّها تُقْبَلُ منهُ الحِقّةُ ويَجعلُ معَها شاتين إن استيْسَرتا لهُ أو عشرينَ دِرْهَماً، ومَنْ بلَغَتْ عندَهُ صدَقَةُ الحِقّةِ، ولَيْستْ عندَهُ الحِقَّةُ، وعندَهُ الجَذَعَةُ، فإنّها تُقْبَلُ منهُ الجَذَعَةُ ويُعطيهِ المصَدِّقُ عشرينَ دِرْهماً أو شاتينِ، وذكرنا في الأسنان كذلك ". وعن الزُّهْريِّ: أنّهُ رأى في كتابِ رسولِ اللهِ ﷺ الذي كتَبهُ في الصَّدَقةِ، وهو عندَ آلِ عمرَ: " فإذا كانتْ مائتين، ففيها أربعُ حِقاقٍ أو خمسُ بَناتِ لَبونٍ أيُّ السّنِّ وُجْدَتْ أُخِذَتْ " (١٦)، رواهُ أبو داود في السُّننِ. عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، قالَ: " أمرَني يَعين - النبيَّ ﷺ أن آخذَ من كلِّ ثلاثينَ بقرَةً تَبيعاً، ومن كلِّ أربعينَ بقرَةً مُسِنَّةً، ومن السّتينَ تَبيعَيْنِ، ومن السَّبعينَ مُسِنَّةً وتَبيعاً، ومن الثمانينَ مُسِنَّتينِ، ومن التَّسعينَ ثلاثة أتباعٍ، ومن المائةِ مُسِنَّةً وتبيعَيْنِ، ومن العشَرةِ ومائةٍ مُسِنَّتيْنِ وتَبيعاً، ومن العِشرينَ ومائةٍ ثلاثَ مُسِنّاتٍ أو أربعةَ أتباعٍ " (١٧). وعن عليٍّ مرفوعاً: " وفي البَقرِ، في كلِّ ثلاثينَ تَبيعٌ، وفي كلِّ أربعين مُسِنَّةُ " (١٨)، رواهُ أبو داود، وقيلَ: إنّهُ مَوقوفٌ، واللهُ أعلمُ. ورَوى الترمِذيُّ، وابنُ ماجَةَ من حديثِ عبدِ السّلامِ بنِ حَرْبٍ عن خُصَيْفٍ عن أبي عُبَيْدَة بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ عن أبيهِ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " في ثلاثينَ من البقرِ تَبيعٌ أو تَبيعةٌ، وفي كلِّ أربعينَ مُسِنَّةٌ " (١٩)، قالَ الترمِذِيُّ: ورواهُ شَريكٌ عن خُصَيْفٍ عن أبي عُبَيْدة عن أُمِّهِ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ: وعبدُالسلامِ ثقةٌ حافظٌ، وأبو عُبَيدَةَ لمْ يَسمعْ من أبيهِ، قلتُ: واسمُهُ عامرٌ، ويُقالُ: إن اسمَهُ كُنْيتُهُ. وللنسائيِّ في حديثِ عَمْرو بنِ حَزْمٍ مثْلُهُ. وهو حديثٌ فيهِ نَظَر، سيأتي بيانُهُ. في حديث أنسٍ عندَ البخاريّ: " وفي صَدَقةِ الغنمِ في سائِمَتِها إذا كانت أربعينَ

стр. 245

إلى عشرين ومائةٍ شاةٌ، فإذا زادتْ على عشرينَ ومائةٍ إلى مائتين، ففيها شاتانِ، فإذا زادَتْ على مائتينِ إلى ثلاثِ مائةٍ، ففيها ثلاثُ شِياهٍ، فإذا زادتْ على ثلاثِمائةٍ، ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ، فإذا كانتْ سائمة الرّجلِ ناقصةً من أربعينَ شاةً واحدةً، فليسَ فيها شيءٌ إلا أن يَشاءَ ربُّها " (٢٠). تقدّمَ قولُ الصدّيقِ: " لَوْ مَنَعوني عَناقاً "، اسْتُدِلَّ بهِ على أخذِ الصغيرةِ من الصّغائرِ. تقدّمَ قولُهُ ﵇: " إيّاكَ وكرائمَ أموالِهم ". وفي حديثِ أنسٍ: " ولا تُؤْخَذُ في الصّدَقَةِ: هَرِمَةٌ، ولا ذاتُ عَوارٍ، ولا تَيْسٌ إلا ما شاءَ المُصدِّقُ ". وتقدّمَ قولُ عمرَ: " ولا تُؤْخذُ الأكولةُ، والرُّبّى، ولا الماخِضُ، ولا فَحْلُ الغَنَمِ ". في حديثِ أنَسٍ: " ولا يُجْمَعُ بينَ مُتَفرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بينَ مُجْتَمِعٍ خَشْيةَ الصّدَقةِ، وما كانَ من خَليطينِ، فإنّهما يتراجَعانِ، فإنّهما يترَاجَعانِ بينَهما بالسَّويَّةِ " (٢١)، رواهُ البخاريُّ، ثُم هو عامٌّ في المواشي وغيرها. وعن سَعْد بنِ أبي وَقّاصٍ، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يُفَرَّقُ بينَ مُجْتَمِعٍ، ولا يُجْمَعُ بينَ مُتفَرِّقٍ، والخَليطان: ما اجْتَمعا على الحَوْضِ، والرّاعي، والفَحْلِ " (٢٢). رواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ ابنِ لَهيعةَ، وهو ضَعيفٌ، وتمسَّكَ بهِ مَنْ لمْ يرَ الشركةَ في غيرِ المَواشي مُؤَثِّرةً.

стр. 246

٢ - بابُ: زَكاةِ النَّباتِ عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " فيما سقَتِ السّماءُ والعيونُ، أو كانَ عَثَرِيّاً العُشْرُ، وما سُقِيَ بالنَّضْحِ نصفُ العُشْرِ " (١)، رواهُ البخاريُّ. ولمسلم عن جابر نحوهُ. هذا عامٌّ في كلّ ما خرجَ من الأرضِ، إلاّ ما خرجَ بدليلٍ، فمن ذلك الخضرواتُ، فَعن مُعاذٍ ﵁: " أنّهُ كتبَ إلى النبيِّ ﷺ يسألُهُ عن الخُضْرواتِ، وعن البُقولِ، فقالَ: ليسَ فيها شيءٌ " (٢)، رواهُ الترمِذِيُّ، والدارَقطنيُّ من حديثِ الحسنِ بنِ عُمارةَ، وهو مَتروكٌ، وقال: هذا الحديثُ ليس بصحيحٍ، ولا يصحُّ عن النبيِّ ﷺ في هذا البابِ شيءٌ، وإنّما يُرْوى مُرْسَلاً عن موسى بنِ طَلْحةَ، وكذا قالَ الدارَقُطنيُّ، ثمَّ رواهُ من حديثِ أنسٍ، وعليٍّ، وعائشةَ بأسانيدَ لا تصحُّ، وقال مالكٌ: لم يكنْ يوجدُ منها شيءٌ في زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا الخلفاءِ الراشدين، وحكَى أجماعَ أهلِ المدينةِ على ذلكَ. فأمّا حديث عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: " إنّما سنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الزَّكاةَ في هذهِ الخَمْسةِ في الحنطةِ، والشَّعيرِ، والتمرِ، والزَّبيبِ، والذُّرةِ " (٣)، فَرَواهُ ابنُ ماجَةَ من حديثِ إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ عن محمدِ بنِ عُبَيْدِاللهِ العَزْرَمِيِّ الكوفيِّ، وهذا ليسَ بشيءٍ كروايةِ ابنِ عيَّاش عن الشاميين، ولضعفِ العَزْرمِيِّ، ولكنْ قد رُويَ عن مُعاذٍ، وأبي موسى نحوَ ذلكَ، أخرجَهُ الحاكمُ، والبيهقيُّ، وإسْنادُهُ على شرطِ مُسلمٍ.

стр. 247

عن عَتّابِ بنِ أسيدٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَبعثُ على الناسِ مَنْ يَخرصُ كرومَهم وثمارَهُم " (٤)، رواهُ الشافعيُّ، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ، بإسْنادٍ حسَنٍ. قالَ الشافعيُّ في القديمِ عن مالكٍ: أنّهُ سألَ ابنَ شِهابٍ عن الزَّيتونِ، فقالَ: فيهِ العُشْرُ، قالَ مالكٌ: إنّما يُؤْخَذُ منهُ العُشْرُ بعد أن يَبلغَ زيتُهُ خَمْسةَ أوْسُقٍ، وهكذا رواهُ البيهقيُّ عن عمرَ (٥) بإسنادٍ مُنْقطعٍ ضَعيفٍ. وقالَ في القديمِ: أخبرَني هِشامُ بنُ يوسفَ أنَّ أهلَ خِفاشٍ أخرجوا كتاباً من أبي بَكْر الصّدّيقِ في قِطْعةٍ أديمٍ إليهم يأمرُهُم بأنْ يُؤدّوا عُشْرَ الوَرْسِ "، قالَ الشافعيُّ: لا أدري أثابتٌ هذا، وهلْ يُعْمَلُ بهِ باليَمنِ؟ فإن كانَ ثابِتاً عُشِّرَ قليلُهُ وكثيرُهُ. وقالَ البيهقيُّ: لمْ يَثبتْ في هذا إسنادٌ تقومُ بمثلِهِ الحُجَّةُ. تقدّمَ حديثُ أبي سعيدٍ: " ليسَ فيما دونَ خَمْسةٍ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ " (٦)، أخرجاهُ. وفي لفظٍ لمسلمٍ: " ليسَ فيما دونَ خَمْسةِ أوْساقٍ من تمرٍ ولا حبٍّ صَدَقَةٌ " (٧). وعن أبي سَعيدٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " الوَسْقُ ستّون صاعاً " (٨)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَةَ. ولأبي داود: " والوَسْقُ ستّون مَختوماً " (٩). ولابنِ ماجَةَ عن جابرٍ أيضاً " مِثْلُهُ ".

стр. 248

وقالَ القاضي أبو يوسفَ: عيرتُ صاعَ النبيِّ ﷺ فإذا هو خَمْسةُ أرطالٍ وثُلُثٌ بنُقْصانٍ معَهُ يَسيرٍ " (١٠)، رواهُ البيهقيُّ. وعن عليٍّ بنِ المَديني نَحْوُهُ. وقال الشافعيُّ: والوَسقُ ستّون صاعاً بصاعِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلذلك ثلاثُمائةِ صاعٍ، والصاع أربعةُ أمْدادٍ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ، بأبي هو وأُمّي، وقالَ أيضاً: الصاعُ خَمْسةُ أرْطال وثُلُثُ وزيادةُ شيءٍ أو نُقْصانُهُ ". قلتُ: فهذا يُبيِّنُ، لَكَ ما قالَ الشيخُ: إنَّ الخمْسةَ أوساقٍ ألفٌ وستُّمائةِ رطلٍ بالبغدادي، والرَّطلُ مائةٌ وثمانيةٌ وعشرين، وقيلَ: وأربعُ أسْباعٍ، وقيلَ: مائةٌ وثلاثونَ، والله أعلمُ. تقدّمَ في أوّلِ البابِ حديثُ ابنِ عمرَ: " فيما سقَتِ السّماءُ والعيونُ أو كانَ عَثَرِيّاً العُشْرُ، وما سُقِيَ بالنَّضْحِ نصفُ العُشْرِ " (١١). عن عتّابِ بنِ أسيدٍ، قالَ: " أمر رسولُ اللهِ ﷺ أن يُخْرصَ العنبُ كما يُخْرَصُ النخلُ، وتُؤْخذُ زكاتُهُ زَبيباً كما تُؤْخذُ صدقةُ النخلِ تَمْراً " (١٢)، رواهُ أبو داود، والترمِذِيُّ، والنسائيُّ، وابنُ ماجَةَ من حديثِ الزُّهري عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال أبو داود: ولمْ يَسمعْ منهُ، وقال الترمِذيُّ: حسَنٌ غَريبٌ. وعن مُعاذٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعثَهُ إلى اليَمنِ، فقالَ: " خُذ الحَبَّ من الحَبِّ، والشاةَ من الغَنَمِ، والبعيرَ من الإبلِ، والبقرَةَ من البَقَرِ " (١٣)، رواهُ أبو داود، وابنُ ماجَةَ.

стр. 249

عن عائشةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يبعثُ عبدَ اللهِ بنَ رَواحةَ إلى يَهودِ خَيْبر، فيخرُصُ عليم التمارَ حينَ يَطيبُ قبلَ أن يُؤكلَ منهُ " (١٤)، رواهُ أبو داود، وأحمدُ، وزادَ: " ثمَّ يُخيِّرُ يهودَ يأخذونهُ بذلكَ الخَرصِ أو يدفعونَهُ إليهم بذلكَ الخَرصِ، لكي تُحصى الزّكاةُ قبلَ أن تُؤْكلَ الثمارُ وتُفرَّقَ "، ورجالُ إسْنادِهِ على شَرْطِهما، لكنْ قالَ البخاريُّ: ليسَ بمحفوظٍ. وعن ابنِ عمرَ، قالَ: " كانَ عبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ يأتي أهلَ خَيْبر في كلِّ عامٍ فَيخرُصُها عليهم، ثمَّ يُضَمِّنُهم الشَّطْرَ " (١٥)، رواهُ البخاريُّ تعليقاً، وابنُ حِبّان في صحيحه.

стр. 250

٣ - بابُ: زَكاةِ الناضِّ تقدَّمَ حديثُ: " لا زكاةَ في مالٍ حتّى يحولَ عليهِ الحَوْلُ " (١). عن عليٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " وليسَ عليكَ شيءٌ - يعني في الذَّهبِ - حتى يكونَ لكَ عِشْرونَ ديناراً، وحالَ عليها الحوْلُ، ففيها نِصْفُ دينارٍ، فما زادَ فَبِحساب ذلك، قالَ: فَما أدري أعليٌّ يقولُ فبحسابِ ذلكَ؟ أمْ رفعَهُ؟ " (٢)، رواهُ أبو داود من حديثِ أبي إسْحاقَ عن الحارِثِ الأعْوَرِ وعاصمِ بنِ ضَمْرَةَ عنهُ. وعن ابنِ عمرَ وعائشةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يأخُذُ من كلِّ عشرينَ ديناراً فَصاعِداً نصْفَ دينارٍ، ومن الأربعينَ ديناراً " (٣)، رواهُ ابنُ ماجَةَ، والدارَقُطنيُّ من حديثِ إبراهيم بنِ إسماعيلَ بنِ مُجْمعِ بنِ جاريةَ المَدَنيِّ، وهو ضعيفٌ. تقدّمَ حديثُ أبي سعيدٍ: " ليس فيما دونَ خَمْسٍ أواقٍ صدقَةٌ " (٤)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ عن جابرٍ: " ليسَ فيما دونَ خَمْسِ أواقٍ من الوَرِقِ صَدَقَةٌ " (٥)، ومعلومٌ أن الأُوقيَّةَ كانت يومئذٍ أربعينَ دِرْهَماً، ولهذا عند البخاريّ في كتابِ أنسٍ: " وفي الرَّقّةِ رُبْعُ العُشْرِ، فإن لمْ تكنْ إلا تسعينَ ومائةً، فليسَ فيها شيءٌ " (٦). وعن عليٍّ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " إذا كانتْ لكَ مائتا درهمٍ، وحالَ عليها الحَوْلُ، ففيها خَمْسةُ دراهمَ " (٧)، رواهُ أبو داود من الطريقِ المذكورِ.

стр. 251

وأمّا زكاةُ الحُلِيِّ، ففيها قَوْلانِ: الصحيحُ منها أنّهُ لا زكاةَ فيهِ. روى الإمامُ الشافعيُّ عن سفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بنِ دينار عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصارِيِّ ﵁ أنّهُ قالَ: " لا زكاةَ في الحُلِيِّ " (٨). وقد رواهُ عافيةُ بنُ أيوبَ المِصْريُّ عن اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جابرٍ عن النبيِّ ﷺ : " أنهُ قالَ: " ليسَ في الحُلِيِّ زَكاةٌ " (٩). قالَ البيهقيُّ: عافِيَةُ هذا مَجهولٌ، وهذا الحديثُ لا أصلَ لهُ، وإنّما يُرْوَى عن جابرٍ من قولِهِ. وحَكاهُ الترمذيُّ عن ابنِ عمرَ، وعائشةَ، وجابرٍ، وأنَسٍ، والدارَقُطنيُّ عن أسماءَ بنتِ أبي بَكْرٍ، قالَ أصحابُنا: ولأنّهُ مُعَدٌّ للاستعمالِ، فلمْ تجبْ فيهِ الزكاةُ، كالإبلِ والبقرِ العَواملِ، وكالعبيدِ، والفرسِ للخدمةِ. حجةُ القديمِ عُمومُ قولِهِ: " ليسَ فيما دونَ خَمْسِ أواقٍ صَدَقَةٌ "، " وفي الرِّقَّةِ رُبعُ العُشْرِ ". وعن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: " أنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ ، ومعَها ابنةٌ لَها، وفي يَدِ ابنتِها مَسَكتانِ غَليظتانِ من ذهَبٍ، فقالَ لها: أتُعطينَ زكاةَ هذا؟ قالَتْ: لا، قالَ: أيَسُرُّكِ أنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بهما سِوارَينِ من نارٍ، قال: فحَذَفَتْهُما، فألْقَتْهما إلى النبيِّ ﷺ ، وقالتْ: هُما للهِ ولرسولِهِ " (١٠)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وهذا لفظُهُ، والنَّسائيُّ، والترمِذيُّ، وقال: لا يصحُّ في هذا البابِ شيءٌ. ورَواهُ النَّسائيُّ مُرْسَلاً، وقالَ: هو أوْلى بالصَّوابِ.

стр. 252

قلتُ: وفي البابِ عن عائشةَ، وأُمِّ سلَمَةَ، وأسماءَ بنتِ يَزيدَ بنِ السَّكَنِ، وفاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ، وابنِ مَسعودٍ (١١)، وفي كلٍّ منها نَظَرٌ، ولهذا - والله أعلم - قالَ الشافعيُّ: هذا مِمّا أستخيرُ اللهَ فيهِ.

стр. 253

٤ - بابُ: زَكاةِ العُروضِ عن سَمُرةَ بنِ جُنْدُبٍ أنهُ قالَ: " أمّا بعدُ، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يأمرُنا أن نُخرجَ الصّدقةَ ممّا نُعِدُّ للبيعِ " (١)، رواهُ أبو داود والدارَقُطنيُّ بإسْنادٍ غَريبٍ. وعن أبي ذرٍّ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " في الإبلِ صدَقَتُها، وفي البقرِ صدَقَتُها، وفي البَزِّ صدَقَتُهُ " (٢)، رواهُ أحمدُ، وفي إسْنادِهِ انقطاعٌ. وعن أبي عَمْرِو بنِ حِماسٍ عن أبيهِ، قالَ: " مَرَرْتُ بعمرَ بنِ الخطّاب، وعلى عنقي آدِمَة أحملُها، فقال عمرُ: ألا تُؤَدّي زكاتَكَ يا حِماسُ؟ فقلت: يا أميرَ المؤمنينَ ما لي غيرُ هذهِ التي على ظهري وآهِبَةٌ في القَرَظِ، فقال: ذاك مالٌ فَضعْ، قال: فوضَعْتُها بين يَديهِ فحسِبَها فوُجِدَتْ قد وجبَت فيها الزكاةُ، فأخذَ منها الزّكاةَ " (٣)، رواهُ الشافعيُّ، وسعيدُ بنُ منصور بإسْناد جيّدٍ. وعن ابنِ عمرَ، قالَ: " ليسَ في العُروضِ زكاةٌ إلا أن يُرادَ بهِ التجارَةُ " (٤)، رواهُ الشافعيُّ وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وعائشةَ ﵃.

стр. 254

٥ - بابُ: زَكاةِ المَعْدِنِ والرِّكازِ قال الشافعيُّ عن مالكٍ عن رَبيعةَ بنِ أبي عبِد الرّحمن عن غير واحد من عُلمائِهم: " أنَّ النبيَّ ﷺ قطع لبلالِ بنِ الحارثِ المُزني معادن القبليّةِ، وهي من ناحية الفُرْع، فتلك المعادنُ لا يُؤْخَذُ منها إلا الزّكاةُ إلى اليوم " (١). رواهُ أبو داود عن القَعْنَبيِّ عن مالكٍ. ورواهُ البيهقيُّ من حديثِ الدَراوَرْدِيّ عن رَبيعةَ عن الحارثِ عن أبيهِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أخذَ من المعادنِ القَبَليّةِ الصّدَقةَ ". قالَ الشافعيّ: ليس هذا ممّا يُثْبِتُهُ أهلُ الحديثِ. عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " في الرَّكازِ الخُمْسُ، قيلَ: وما الرَّكازُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: الذّهبُ الذي خلَقَهُ في الأرضِ يومَ خُلِقَتْ " (٢)، رواهُ البيهقيُّ من حديثِ عبدِ اللهِ بن سعيدٍ المَقْبريّ - وهو: ضَعيفٌ، فلَو صحَّ، لكانَ فيهِ دلالةٌ على وجوبِ الخُمْسِ من المَعْدِنِ، إذا قد فُسِّرَ الرِّكازُ هاهُنا بالمَعدِنِ. تقدّمَ حديثُ: " لا زكاةَ في مالٍ حتى يحولَ عليهِ الحوْلُ " (٣)، وهو عامٌّ في المعدِنِ وغيرِهِ، وهو حُجَّةٌ في اشْتراطِ الحَوْلِ. عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " العَجْماءُ جُبارٌ، والبئرُ جُبارٌ، والمَعْدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمسُ " (٤)، أخرجاهُ.

стр. 255

عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: " أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في كنْزٍ وجدَهُ رجلٌ في خَرِبَةٍ جاهليّةٍ: إن وجَدْتَهُ في قريةٍ مَسكونةٍ أو سَبيلِ مِيتاءَ، فعَرِّفهُ، وإن وجَدتَهُ في خَرِبةٍ جاهليّةٍ أو في قريةٍ غيرِ مَسكونَةٍ ففيهِ وفي الرِّكازِ الخُمُسُ " (٥)، رواهُ الشافعيُّ، ثمَّ رواهُ عن عليٍّ موقوفاً بإسْنادٍ صحيحٍ.

стр. 256

٦ - بابُ: زَكاةِ الفِطْرِ عن ابنِ عمرَ ﵄، قالَ: " فرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ زكاةَ الفِطْرِ صاعاً من تَمْرٍ، أو صاعاً من شَعيرٍ على العبدِ والحرِّ، والذّكرِ والأُنثى، والصغيرِ والكبيرِ، من المسلمين، وأمرَ بها أن تُؤَدّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصّلاةِ " (١)، رواهُ البخاريُّ، وذا لفظُهُ، ومسلمٌ. ورواهُ الدارَقُطنيُّ من طريقٍ غريبٍ، فزادَ: " ممَّن تُمَوَّنون ". قالَ الشافعيُّ: ويعضدُهُ حديثُ ابنِ عمرَ، والإجْماعُ. وقالَ البيهقيُّ: ورَواهُ حاتمُ بنُ إسماعيلَ عن جعفرِ بنِ محمدِ عن أبيهِ عن عليٍّ، فذكَرَهُ، وفيهِ انْقطاعٌ أيضاً. عن جابرٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لرجلٍ: إبدأْ بنفسِكَ، فتَصدَّقْ عليْها، فإن فضَلَ شيءٌ، فَلأِهلِكَ، فإن فَضَلَ شيءٌ عن أهلِكَ فَلِذي قرابتِكَ، فإن فضَلَ عن ذي قَرابتِكَ شيءٌ، فهكذا وهكذا " (٢)، رواهُ مسلمٌ، ففيهِ دلالةٌ على تقديمِ فطرةِ الزّوجِ، وقيلَ: تُقدّم فطرةُ الزَّوجةِ لما روى مسلمٌ عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : " خيرُ الصّدَقةِ ما كانَ عن ظهرِ غِنىً، واليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفْلى، وابدأْ بمَنْ تَعولُ " (٣). عن ابنِ عمرَ في حديثهِ، قالَ: " فرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ صدَقَةَ الفِطْرِ، أو قالَ: رمضانَ " (٤)، أخرجاهُ، ففيهِ دلالةٌ على أنّها تجبُ بغروبِ الشمسِ ليلةَ الفِطْرِ، وهو

стр. 257

المَذهبُ الصحيحُ، واسْتَدَلّ عليهِ في المُهَذَّبِ بحديثِ ابنِ عباسٍ، قالَ: " فرضَ النبيُّ ﷺ صدقَةَ الفِطرِ طُعْمةً للمساكين، وطُهْرةٌ للصائمِ من الرَّفثِ واللَّغْوِ، فمنْ أدّاها قبلَ الصلاةِ فهي زَكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدّاها بعدَ الصلاةِ فهي صدَقةٌ من الصّدَقاتِ " (٥)، رواهُ أبو داود، وابنُ ماجةَ من حديثِ سَيّارِ بنِ عبدِ الرّحمنِ، وهو صدوقٌ عن عِكْرِمةَ عنهُ. تقدّمَ في حديثِ ابنِ عمرَ: " أنّهُ ﵇ أمرَ أن تُؤَدّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصّلاةِ " (٦). ولهُ عندَ البخاريّ: " كانوا يُعطون قبلَ الفطرِ بيومٍ أو يومين " (٧)، فدَلَّ على جوازِ إخراجِها قبلَ يومِ العيدِ، وجاء في حديثٍ: " اغنوهمْ عن السؤال في هذا اليومِ " (٨)، فاستُدِلَّ بهِ على أنهُ لا يجوزُ تأخيرُها عن يومِ العيدِ. تقدّمَ في زكاةِ الثمارِ بيانُ مِقدارِ الصاعِ النّبويِّ، وللهِ الحمدُ والمِنَّةُ. تقدّمَ في حديث ابنِ عمرَ: " صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شَعيرٍ " (٩). وعن أبي سعيدٍ، قالَ: " كُنّا نُخرجُ زكاةَ الفِطرِ صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعيرٍ، أو صاعاً من زَبيبٍ، فلما جاءَ مُعاويةُ وجاءت السَّمْراءُ، قالَ: أرى مُدّاً من هذا يَعدِلُ مُدَّين، قال أبو سعيدٍ: أمّا أنا فلا أزالُ أُخرجُهُ كما كُنْتُ أُخرجُهُ " (١٠)، رواهُ البخاريُّ ومُسلمٌ. ولأبي داود: " أو صاع حنطةٍ " (١١)، لكنه قالَ: وليسَ بمحفوظٍ. ورَوى الدارَقُطنيُّ من حديثِ الزُّهْري عن ثَعْلبةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ صُعَيْرٍ عن أبيهِ أنَّ

стр. 258

رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " أدّوا صاعاً من قمْحٍ، أو قالَ: بُرٍّ، عن الصغيرِ والكبيرِ، والذّكَرِ، والأُنثى، والحرِّ والمَملوكِ، والغنيِّ والفقيرِ، أمّا غَنيّكُم فيُزَكّيهِ اللهُ، وأمّا فقيرُكمْ فَيرُدُّ اللهُ عَليهِ أكثرَ مِمّا أعطى " (١٢). ورَواهُ أبو داود من وجه آخرَ عن الزُّهري، لكنّهُ قالَ: عن ثَعْلبَةَ بنِ أبي صُعَيْرٍ، وقالَ: " صاعاً من بُرٍّ، أو قَمْحٍ، على كلّ اثنين صغيرٍ أو كبيرٍ، فذكَرَهُ "، فخالَفَهُ في الإسنادِ والمَتْنِ جميعاً. وللبخاريِّ أيْضاً عن أبي سَعيدٍ، قالَ: " كُنّا نُخرِجُ في عهدِ النبيِّ ﷺ يومَ الفِطْرِ صاعاً من طَعامٍ، قالَ أبو سعيد: وكانَ طعامُنا الشعيرَ والزّبيبَ، والأقِطَ، والتمرَ " (١٣). ورَوى أبو داود عن أبي سَعيدٍ حديثَهُ، وقالَ: " أو صاعاً من دقيقٍ " (١٤)، قال أبو داود: فهذه الزيادةُ وَهْمٌ من ابنِ عُيَيْنَةَ. ورَواهُ النَّسائيُّ، وقالَ: " ثُمَّ شكَّ سُفْيانُ، فقالَ: دقيقٍ أو سُلْتٍ " (١٥).

стр. 259

- بابُ: قَسْم الصَّدَقاتِ قالَ اللهُ تعالى: " والَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبيلِ اللهِ فبَشِّرْهُمْ بعذَابٍ أليمٍ ". عن أبي هريرةَ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ما مِن صاحبِ كنزٍ لا يُؤَدّي زكاتَهُ، إلا أُحْمِيَ عليهِ في نارِ جهنَّمَ فَيُكْوَى بها جَنْباهُ وجَبينُهُ حتى يحكمَ اللهُ بينَ عبادِهِ، في يومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمسينَ ألفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرى سَبيلَهُ: إمّا إلى الجنّةِ، وإمّا إلى النّارِ، وذكرَ الإبلَ، والبَقرَ، والغَنَمَ، وقد تقدّمَ الحديثُ " (١)، رواهُ مُسلمٌ، وهذا مَحمولٌ على مانِعِها المُقِرِّ بوجوبها، وإلا فَلوْ جحَدَ وجوبَها كفَرَ بالإجْماعِ، وفي هذا الحديثِ دلالةٌ ظاهِرةٌ على أنّ الكافرَ مُخاطَبٌ بفُروعِ الشريعةِ لعُمومِ قولِهِ: " ما من صاحبِ كنْزٍ "، ولقولِهِ: " ثمَّ يَرى سبيلَهُ، إمّا إلى الجنّةِ، وإمّا إلى النارِ "، يَعني - واللهُ أعلمُ - أنَّ منهم مَنْ يُذْهَبُ به بعد هذا التعذيب إلى الجنّةِ، بإيمانِهِ، ومنهم مَنْ يُذْهَبُ بهِ إلى النارِ بكُفْرِهِ. عن بَهْزِ بنِ حَكيمِ بنِ مُعاويةَ بنِ حَيْدةَ القُشَيْريِّ عن أبيهِ عن جدِّهِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " في كلِّ سائمةِ الإبلِ، في أربعينَ بنتُ لَبونٍ، لا يُفَرّقُ إبلٌ عن حسابِها، مَنْ أعطاها مُؤْتَجِراً، فلَهُ أجْرُها، ومَنْ منَعَها فإنّا آخذوها وشَطْرَ مالهِ، عَزْمَةً من عَزَماتِ ربِّنا، ليسَ لآلِ محمدٍ منها شيءٌ " (٢)، رواهُ أبو داود، وأحمدُ، والنَّسائيُّ.

стр. 260

ولَهما: " وشَطْرَ إبلِهِ " (٣)، والحاكمُ، وقال: صحيحُ الإسنادِ، ولم يُخرِجاهُ، وحكَى الشيخُ في المُهذَّبِ: أنَّ الشافعيَّ ذهب إلى هذا في القديمِ، واحتجَّ بهذا الحديثِ، قلتُ: ثمَّ رجعَ عنهُ في الجديدِ، ورأى العقوبةَ فيه بغيرِ أخْذِ المالِ، وقالَ: هذا الحديثُ لا يُثْبِتُهُ أهلُ العلمِ بالحديثِ، ولو ثَبتَ قُلْنا بهِ، وقالَ البخاريُّ: بَهْزُ بنُ حَكيمٍ يَختلفونَ فيهِ، قلتُ: لكنْ الأكثرونَ، يحتجّون بهِ، كأحمدَ، وإسحاقَ، وعليِّ بنِ المَديني، وابنِ مَعينٍ، وأبي داود، والنَّسائيِّ، وضَعَّفَهُ أبو حاتمٍ الرازِيُّ، وتوقَّفَ فيهِ ابنُ حِبّان لأجلِ الحديثِ. عن عبدِ اللهِ بنِ أبي أوْفى، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ ، إذا أتاهُ قومٌ بصدقتِهم، قال: " اللهُمَّ صَلِّ عليهم " فأتاهُ أبي بصدقَتِهِ، فقَال: " اللهُمَّ صلِّ على آلِ أبي أوْفى " (٤)، أخرجاهُ. وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا أعْطيتُمُ الزَّكاةَ فلا تَنْسَوا ثوابَها أن تقولوا: اللهُمَّ اجْعَلها مَغْنماً، ولا تجْعَلْها مَغْرَماً " (٥)، رواهُ ابنُ ماجَةَ. قالَ الشافعيُّ: وأُحِبُّ أن يقولَ: آجرَكَ اللهُ فيما أعْطَيْتَ، وجعلَهُ لك طَهوراً، وباركَ لك فيما أبْقيتَ، وما دعا لهُ أجزَأهُ إن شاءَ اللهُ. سَيأتي حديثُ ابنِ عباسٍ في المرأةِ التي اسْتَفْتتْ رسولَ اللهِ ﷺ في نذرٍ كانَ على أُمِّها تُوفِّيَتْ قبلَ أن تقضيَهُ، أفَتقْضيها عنها؟ قالَ: نعَمْ، أرأيْتِ لو كانَ على أُمِّكِ دينٌ، أكُنْتِ قاضِيَتهُ عنها؟ قالتْ: نعَمْ، قالَ: فدينُ اللهِ أحقُّ بالوفاءِ " (٦)، وهو في الصّحيحين، فيُستدَلُّ بهِ على أنّهُ إذا اجْتمعَ الدينُ والزّكاةُ، أنّها تُقَدِّمُ عليه لقولِهِ: " فدينُ اللهِ أحقُّ "،

стр. 261

وهو أصحُّ الأقوالِ. عن أبي هريرةَ، قالَ: " بَعثَ رسولُ اللهِ ﷺ عمرَ على الصَّدقةِ، فقيلَ: منَعَ ابنُ جَميلٍ، وخالدُ بنُ الوَليد، والعبّاس عم رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ما يَنْقِمُ ابنُ جَميلٍ إلا أن كانَ فقيراً فأغْناهُ اللهُ، وأمّا خالدٌ، فإنّكُم تَظلمونَ خالداً وقد احتبسَ أدْراعَهُ وأعْتادَهُ في سبيلِ اللهِ، وأمّا العباسُ فهي عليَّ ومثْلُها معَها، ثمّ قالَ: يا عمرُ أمَا شَعرتَ أنَّ عمَّ الرّجُلِ صِنْو أبيهِ " (٧)، أخرَجاهُ. فقيلَ معنى قوْلِهِ: " فَهي عليَّ ومِثْلُها " أنّهُ ﵇ كان اسْتَسلفَ زكاةَ العبّاسِ، ويَعضِدُهُ ما رَوى حُجَيَّةُ بنُ عدِيٍّ عن عليٍّ: " أنَّ العبّاسَ سألَ رسولَ اللهِ ﷺ في تعجيلِ صدَقتِهِ فرخَّصَ لهُ في ذلك " (٨)، رواه أحمد، وأبو داود، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ من حديثِ حَجّاجِ بنِ دينارٍ الأشْجَعيِّ وهو ثقةٌ عند الجمهورِ، وقالَ أبو حاتمٍ: لا يُحتجُّ بهِ عن الحَكمِ بنِ عُتَيْبةَ عن حجَيَّةَ، قالَ أبو داود: ورَواهُ هُشَيْمٌ عن مَنصورِ بنِ زَاذانَ عن الحَكمِ عن الحسَنِ بنِ مسلمٍ يَعني مُرْسَلاً، وهو أصحُّ، وكذا قالَ الدارَقُطنيُّ، وقالَ أبو حاتمٍ: حُجَيَّةُ بنُ عَدِيٍّ لا يُحتجُّ بهِ، وهو شبْهُ المجهولِ، وقال عليُّ بنُ المَديني: ما علمتُ أحداً رَوى عنهُ غيرَ سَلَمَةَ يعني ابنَ كُهَيْلٍ، قلتُ: بلْ قد رَوى عنهُ أيضاً الحَكمُ بنُ عُتَيْبةَ كما تقدَّمَ، وأبو إسْحاقَ السَّبيعيّ، وهؤلاء ثلاثةٌ كِبارٌ، فكيفَ يكونُ شِبْهَ المجهولِ، على أنَّ الترمِذِيَّ رواهُ من وجهٍ آخرَ عن إسْرائيلَ عن الحكَمِ بنِ جَحْلٍ عن حُجْرٍ العَدَوِيِّ عن عليٍّ مرفوعاً: فذكَرَهُ. ورَواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ طَلْحةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، وابنِ عباسٍ، ولا يَصحّان. ولهذا قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ: ويُرْوَى أنَّ النبيَّ ﷺ استَلفَ صدَقةَ مالِ

стр. 262

العباسِ قبلَ أن تحِلَّ، ولا أدري أيثبُتُ أمْ لا؟ عن أنَسٍ: " أنَّ رجلاً قالَ لرسولِ اللهِ ﷺ ، إذا أدَّيتُ الزّكاةَ إلى رسولِكَ، فقد بَرِئْتُ منها إلى اللهِ ورسولِهِ؟ قالَ: نعَمْ، إذا أدَّيْتَها إلى رسولي، فقد بَرِئْتَ إلى اللهِ ورسولِهِ، فلكَ أجْرُها وإثْمُها على مَنْ بدَّلَها " (٩)، رواهُ الإمامُ أحمدُ. وعن سُهَيْلِ بنِ أبي صالح عن أبيهِ، قالَ: اجتَمع عندي نفَقةٌ فيها صدَقةٌ، فسألتُ سعد بنَ أبي وقّاصٍ، وابنَ عمرَ، وأبا هريرة، وأبا سَعيد الخُدْرِي أن أقْسِمَها، أو أدفعَها إلى السُّلْطانِ؟ فأمروني جميعاً أن أدفعَها إليهم، ما اختلَفَ عليَّ منهُم أحَدٌ، وفي روايةٍ: فقلتُ: " هذا السلطان يَصنعُ ما تَروْنَ، فأدفعُ إليهم زَكاتي؟ قالوا كلّهم: نَعَمْ، فادفَعْها " (١٠)، رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ. ورُويَ عن عائشة: " أنّها كانت تُؤدّي زكاتَها إلى السُّلْطانِ " (١١). عن ابنِ عباسٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لمعاذٍ حينَ بعثَهُ إلى اليَمنِ: " أخبرْهم أنَّ اللهَ افْترَضَ عليهم صدَقةً تُؤْخَذُ من أغنيائِهم فتُرَدّ على فُقرائِهم. . الحديث (١٢)، أخرجاهُ، يُسْتدَلُّ بهِ على الصحيحِ من القولينِ أنّهُ لا يجوزُ نقلُ الزّكاةِ من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وأنّها لا تُجزيء. وقالَ الشافعيُّ: رُويَ أنَّ طاووساً قالَ: " إنَّ معاذاً قالَ لبعضِ أهلِ اليَمنِ: ائْتوني بعَرْضِ ثيابٍ آخذها منكُمْ مكانَ الشَّعيرِ والحنْطةِ، فإنّهُ أهْوَنُ عَليكُم، وخيرٌ للمهاجرين بالمَدينةِ "، وأنكرَهُ أشدَّ الإنكارِ، وتأوّلَهُ على أنّهُ كانَ يأخذُ بدلَ الجزْيةِ حِنْطةً أو شَعيراً، ثمَّ يأخذُ بدلَهُ ثياباً أخفَّ عليهِ في الحمْلِ، وكذا تأوَّلَ ما رُويَ أنّ عَديَّ بنَ حاتمٍ بَعث صدَقاتِ قومهِ إلى الصّدّيق بالمدينةِ، على أنها كانتْ أقربَ البلادِ إليهم، قالَ: ولمْ يَبْلُغْنا عن الصّدّيقِ في ذلك شيءٌ.

стр. 263

قالَ ﵇: " الأعمالُ بالنِّيّياتِ ". عن أنسٍ، قالَ: " غدَوْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بعبدِ اللهِ بنِ أبي طَلْحَةَ لَيُحَنّكَهُ، فوافَيْتُهُ في يدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبلَ الصّدَقةِ " (١٣)، أخرجاهُ. ولأحمدَ، وابنِ ماجَةَ عنهُ: " دخَلتُ على النبيِّ ﷺ وهو يَسِمُ غَنماً في آذانِها " (١٤). وقالَ الشافعيُّ: أخبرَنا مالكٌ عن زيْد بنِ أسلَمَ عن أبيهِ: " أَنَّهُ قالَ لعمرَ بنِ الخطابِ: إنَّ في الظهْرِ ناقَةً عمياءَ، فقال: أمن نَعمِ الجزيةِ، أمْ مِن نَعمِ الصَّدَقةِ؟ فقالَ أسْلمُ: من نعَمِ الجزيةِ، وقالَ: إنَّ علَيْها مِيسَمَ الجزيةِ " (١٥). قالَ الشافعيُّ: وهذا يدُلُّ على أنَّ عمرَ كانَ يَسِمُ وَسْمينِ: وسْمَ جزيةٍ، ووسْمَ صَدَقةٍ وبهذا نقولُ. قالَ اللهُ تعالى: " إنّما الصَّدقَاتُ للفُقَراءِ والمَساكينِ والعاملينَ عليها والمُؤلَّفةِ قُلوبُهُم وفي الرِّقابِ والغارِمين وفي سبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ فريضَةً مِن اللهِ واللهُ عليمٌ حكيمٌ ". عن زِيادِ بنِ الحارثِ الصُّدائيِّ، قالَ: " أتيْتُ النبيَّ ﷺ فبايَعْتُهُ، فأتاهُ رجُلٌ، فقالَ: أعْطِني من الصّدقةِ، فقال له: إنَّ اللهَ لَمْ يَرضَ بحُكمِ نبيٍّ ولا غيرهِ في الصَّدقاتِ حتى حَكَمَ فيها، فجزَّأها ثمانية أصنافٍ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطَيتُكَ " (١٦)، رواهُ أبو داود، وهو حديثٌ لهُ مُناسبةٌ بالآيةِ، وإن كانَ فيهِ ضعفٌ من جهةِ عبدِ الرحمنِ بنِ زِيادِ بنِ أنْعُمَ الإفْريقيِّ. ولنتكلّم على كلِّ صِنْفٍ صنْفٍ كما رَتَّبهُم المُصَنِّفُ فنقولَ: أولّها: العاملُ. عن عبدِ المُطَّلبِ بنِ رَبيعةَ بنِ الحارثِ، قالَ: " انْطَلَقْتُ أنا والفضلُ بنُ عبّاسٍ إلى

стр. 264

رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو يومَئذٍ عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، فقال أحدُنا: يا رسولَ اللهِ أنت أبرُّ الناسِ، وأوصلُ الناسِ، وقد بَلَغْنا النِّكاحَ، فجئْنا لتُؤَمِّرنا على بعضِ هذهِ الصّدقاتِ، فنُؤدّيَ إليك ما يُؤدّي الناسُ، ونُصيبُ كما يُصيبونَ، فسكَتَ طويلاً حتى أردنا أن نُكلمَهُ، قالَ: وجعَلتْ زينبُ تُلمِعُ إلينا من وراءِ الحجابِ أن لا تُكلّماهُ، قالَ: ثمَّ قالَ: إنّ الصّدقة لا تحلُّ لمحمدٍ، ولا لآلِ محمدٍ، إنّما هي أوساخُ النّاسِ " (١٧)، مختصر من مُسلم. الثاني: " الفقراءُ ". عن ابنِ عَمْرو، قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : " لا تحِلُّ الصّدَقةُ لِغَنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ " (١٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والترمِذِيُّ. وعن أبي هريرةَ: " مِثْلُهُ " (١٩)، رواهُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ، وسيأتي. عن قبيصَةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " لا تحِلُّ الصّدقةُ إلا لثلاثةٍ، قالَ: ولرجُلٍ أصابتْهُ فاقَةٌ، حتى يقومَ ثلاثةٌ من ذَوي الحِجَى من قومِهِ: لقَدْ أصاتْ فُلاناً فاقةٌ. . الحديث " (٢٠)، رواهُ مُسلمٌ، وهذا محمولٌ على مَنْ عُرِفَ بالغِنى، ثمَّ ادّعى الفقرَ، فإنّهُ لا يُقْبَلُ منهُ إلا ببَيِّنَةٍ. الثالث: المَساكينُ: عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ليسَ المِسكينُ بهذا الطّوّافِ الذي يَطوفُ على الناسِ فتَرُدّهُ اللقْمةُ والّلقْمتان، والتمرةُ، والتمرتان، قالوا: فما المسكينُ، يا رسولَ اللهِ؟ قال: الذي يَجدُ غِنَىً يُغْنيهِ، ولا يُفْطَنُ لهُ فَيُتَصدَّقُ عليهِ، ولا يَسألُ الناسَ شيئاً " (٢١)، أخرجاهُ.

стр. 265

عن عُبيْدِ اللهِ بن عدِيٍّ بنِ الخَيارِ: " أنَّ رجلين أخبرَاه أنّهما أتيا النبيَّ ﷺ يسألانه من الصّدقَةِ، فقَلّبَ فيهما البَصرَ، فرآهما جَلْدينِ، فقالَ: إن شئْتُما أعطَيْتُكُما، ولا حظَّ فيها لِغَنيّ، ولا لقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ " (٢٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والنَّسائيّ، وإسنادُهُ على شرطهما، وقالَ الإمامُ أحمدُ: هذا أجودُهما إسْناداً، فيهِ دلالةٌ على قبولِ قولِهِ: أنّهُ لا كسْبَ لهُ، من غيرِ يَمينٍ، وإن كانَ قَوِيّاً، ويُؤَيّدُهُ حديثُ الحسَنِ بنِ عليّ بنِ أبي طالبٍ ﵄، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " للسائلِ حقٌّ، وإن جاءَ على فرَسٍ " (٢٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وإن كانَ إسنادُهُ ليسَ بذاكَ. الرابعُ: المُؤَلَّفَةُ: عن أبي سعيد: " أنَّ عليّاً بعَثَ إلى النبيِّ ﷺ بذُهَيْبة في تربتها من اليَمنِ، فقَسمَها رسولُ اللهِ ﷺ بينَ أربعةِ نفَرٍ: الأقْرَع بنِ حابسٍ، وعُيَيْنةَ بنِ بَدْرٍ، وعلْقَمةَ بن عُلانةَ، وزيدِ الخيْرِ، وقال: أتألَّفهُم. . الحديث " (٢٤)، أخرجاهُ، فإن كان هذا الذّهبُ من زكاةٍ، ففيه دلالةٌ على جواز نقلِ الزّكاة وإجزائِها، وهو أحدُ القَولينِ، وعلى أنّهُ يجوزُ للإمامِ صَرْفُ زكاةٍ مُعَيَّنةٍ إلى بعض الأصناف، هذا إن لمْ يكنْ كانَ معَ الذّهبِ شيءٌ آخرُ من مالِ الزّكاةِ، وكثيرٌ من المُصَنِّفينَ في الأحكام يَذكُرُ في فَصلِ المؤَلَّفةِ حديثَ رافعِ بنِ حَديجٍ " (٢٥)، وعبدِ الله بنِ زَيْدٍ المازني (٢٦): أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أعطى المُؤَلَّفةَ قلوبُهم يومَ حُنَيْنٍ مائةً من الإبلِ، مائةً من الإبلِ، وكلا الحديثين عندَ مسلم، وهذا عجَبٌ منْهم فإنَّ الإبلَ التي أعطاهمْ منها هيَ من غَنائِمِ حُنَيْنٍ، لَيْستْ من أموالِ الزّكاةِ، فكيفَ يُستَدَلُّ بهِ على إعطاءِ المُؤَلَّفَةِ من الزَّكاةِ، وأقْرَبُ من ذلكَ حديثُ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ: " أنَّ النبيَّ ﷺ وَدَى عبدَاللهِ بنَ سَهْلٍ بمائةٍ من إبلِ الصّدَقَةِ " (٢٧)، أخرجاهُ.
следующие страницы →